الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن ما منيت به الأمة الإسلامية على مختلف عصورها من انحرافات عقدية لعبت بأفكار بعض طوائفها بسبب جنوحهم عن الطريق القويم، وسلوك طرق ملتوية تؤدي إلى ما يريده أعداء الإسلام من إبعاد المسلمين عن دينهم وفك ارتباطهم بعقيدتهم، جعل علماء هذه الأمة يولون هذا الجانب اهتمامهم، حفاظاً على عقيدة الإسلام، وصيانة لها، ودفعاً لصولة أعدائها، فانبروا لبيان العقيدة الصحيحة التي يجب على المسلمين اعتناقها مدعومة بأدلتها الصريحة الواضحة من مصدرها الذي يجب على كل مسلم تعظيمه، والتسليم له، ألا وهو الوحي بقسميه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مبتعدين في ذلك عن أوضار الأفكار المنحلة،
والمذاهب المنحرفة، فألفوا الكتب لتقرير الحق بأدلته التي تحمل في منطوقها ومفهومها تهافت كل ما خالفها، وفضح عواره، ولست في حاجة إلى ضرب أمثلة لذلك فهذه المكتبة السلفية تزخر بمؤلفاتهم على مختلف العصور، كمؤلفات ابن منده وابن خزيمة، وابن قتيبة، واللالكائي، وقبل هؤلاء جميعاً إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل الذي أصطلى بنار الأفكار الهدامة والعقائد الباطلة، فقارع أصحابها حتى أظهره الله عليهم.
وبعد هؤلاء جميعاً شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألقم كل صاحب فكر ضال أو منهج منحرف ألف حجر وحجر، وبين هؤلاء وأولئك كان ثمة علماء أجلاء، ساروا على الطريق نفسه وخدموا الهدف ذاته، ومن هؤلاء الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي الذي أسهم في خدمة هذا الهدف النبيل، حيث جاهد في سبيل ذلك، فامتحن كما امتحن غيره، وأوذي في عقيدته كما أوذي غيره من العلماء المخلصين، وقد ألف كتباً قيمة، ولعل أهمها هذا الكتاب النفيس الذي يدل عنوانه على محتواه فهو كتاب يحمل في طياته إيضاحاً لعقيدة السلف، وأنها العقيدة المثلى التي يتبوأ أربابها الوسطية بين جميع الطوائف، ولذلك حمل هذا السفر النفيس اسم
((الاقتصاد في الاعتقاد)) وهو اسم على مسمى، فعقيدة السلف وسط بين الإفراط والتفريط، عقيدة تجمع ولا تفرق، لها من الخصائص العظيمة ما لم ولن يتوافر في ما سواها من العقائد المنحرفة، التي ضلت الطريق القويم باطراح دلالة الوحي، والجري وراء عقليات سقيمة، وفلسفات عقيمة، أدت إلى تعطيل الخالق عن صفات الكمال، وإلى نفي القدر، وإلى القول بالجبر، والتكفير لمذنبي الأمة ونفي الغيبيات الثابتة، وغير ذلك من الانحرافات المزرية.
وكان حامل لواء الانحراف رجل دخيل هو الجهم بن صفوان الترمذي، الذي ظهر في نهاية المئة الأولى، فحمل لواء التعطيل، وتولى كبر الجحود والإنكار، فعطل صفات الرب تعالى، وحارب تعاليم الإسلام، وانتشرت بعد ذلك المذاهب الكلامية، والمناهج الفلسفية، وتوزعت تركته بين أربابها، ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه فهو أبلج ناصع، سهل ميسور، أما تعقيدات القوم فلم تنطل إلا على من فسدت فطرته، أو عظم جهله، أو غلبت عليه شقوته، وقد أدى علماء الأمة ومن بينهم الإمام المقدسي واجب الإيضاح والبيان، والتحذير من مجانبة طريق أهل القرآن، وإنني إذ أقدم هذا السفر القيم بما حوى من تعليقات توضح غامضاً، أو تفصل مجملاً،
لأرجو الله الكريم، رب العرش العظيم أن يجعل عملى خالصاً لوجهه، وأن يهئ لنا من أمرنا رشداً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د/ أحمد بن عطية الغامدي المدينة المنورة في 25/12/1413هـ.
(التعربف بالمؤلف) اسمه ونسبه هو الإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي1، الجَمّاعيلي2، ثم الدمشقي المنشأ، الصالحي3، يكنى أبا محمد، ويلقب بتقي الدين.
ولادته ولد ـ رحمه الله ـ بجَمَّاعيل من أرض نابلس، واختلف في تاريخ ولادته، فبينما يذكر ابن رجب عن الحافظ ضياء الدين المقدسي1أن ولادته كانت في ربيع الآخر من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة 2 يذكر ابن طولون عن الضياء نفسه ترجيحه أنه ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة3، وقال المنذري: ذكر عنه بعض أصحابه ما يدل على أن مولده كان سنة أربع وأربعين وخمسمائة4، وهو ما ذكره ابن الدمياطي في المستفاد 5.
وذكر ابن رجب نقلاً عن ابن النجار في تاريخه أنه سأل الحافظ عبد الغني عن مولده فقال: إما في سنة ثلاث، أو في سنة أربع وأربعين وخمسمائة 1، فهذه ثلاثة أقوال متقاربة في تاريخ ولادته.
أسرته ترعرع ـ رحمه الله ـ في أكناف أسرة كريمة، شغوفة بالعلم، نذرت نفسها لخدمته، وكانت هذه الأسرة تقيم في بيت المقدس، ثم رحلت بأبنائها إلى دمشق ونزلت عند مسجد أبي صالح، خارج الباب الشرقي أولاً، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، فعرفت محلة الصالحية بهم 1 وكان من أشهر هذه الأسرة وأجلهم الإمامان الحافظ عبد الغني، وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الذي وصف علاقته بالحافظ عبد الغني بقوله: " رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل …" 2.
وحين استقرت هذه الأسرة بسفح جبل قاسيون، بنوا داراً
تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بـ ((المدرسة العمرية)) 1.
ومن هذه الأسرة ظهر علماء أجلاء، أسهموا في نشر المذهب الحنبلي في الشام حيث انتشر هذا المذهب ومدارسه، لا في دمشق وحدها، بل حتى في المناطق المجاورة لها، وكان لهجرتهم الأثر البالغ في خدمة مذهب الإمام أحمد، حيث ألفوا فيه الكتب القيمة التي أصبحت عمدة في فقه المذهب حتى يومنا هذا، ومؤلفوها يعدون من جهابذة العلماء، كالحافظ عبد الغني، وابن خالته موفق الدين ابن قدامة صاحب أشهر كتاب في تاريخ الفقة الإسلامي ألا وهو كتاب المغني، وعميد أسرتهم العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي خال الحافظ عبد الغني 2.
وأصبح لهذه الأسرة الكريمة شهرة عظيمة، سارت بها الركبان، وألفت في فضائلها وتاريخها الكتب، ومن أشهرها مؤلفات الضياء المقدسي وكتاب القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون، وغيرها.
وهي أسرة جديرة بعناية المؤرخين، لما لها من دور بارز في نشر العلم وخدمته بشتى الوسائل، من تدريس، وتأليف، وإنشاء مدارس، وعناية بطلابه.
وقد رزق الإمام عبد الغني ثلاثة أولاد من زوجته إبنة خاله: رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي وهم، محمد، وعبد الله، وعبد الرحمن، وبنت واحدة أسماها فاطمة.
وقد كان أولاده الثلاثة علماء أجلاء، لهم شأن كبير في ميدان الفقه والحديث.
1 ـ فأما محمد فكان أكبرهم، وهو محدث حافظ إمام رحال، يلقب بعز الدين ويكنى أبا الفتح، مات سنة ثلاث عشرة وستمائة.
2 ـ وأما عبد الله، فهو المحدث الحافظ المصنف جمال الدين أبو موسى، رحل وسمع من ابن كُلَيب، وخليل الرَّاراني، مات في رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة.
3 ـ أما الابن الثالث وهو عبد الرحمن ويكنى أبا سليمان، فقد اشتغل بعلم الفقه حتى برز فيه، وأصبح من المفتين في مسائله، وسمع من البوصيري، وابن الجوزي 1.
وإذا علمنا أن زوجته رابعة كانت من المشتغلين بعلم الحديث، وكانت ذات دين وزهد وعبادة وصلاح فإنه يتضح لنا أن هذه الأسرة الفريدة كانت ذات سيرة حميدة ومكانة علمية مرموقة، أثرت في أبنائها بما جعلهم من أوعية العلم حفظاً، ومن حذاقه عناية وتدقيقاً ونشراً.
فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
رحلاته العلمية ما تحدثنا به كتب التاريخ عن الوسائل التي اتبعها علماؤنا الأجلاء من سلفنا الصالح في سبيل تحصيل العلم، وتتبع مصادره، وجمع شتاته، تحفز الهمم، وتبعث على الإعجاب والتقدير، فقد كانوا ـ رحمهم الله ـ يركبون الصعب والذلول، ويقطعون المفاوز، ويتعرضون للأخطار الجسام، في سبيل الوصول إلى العلماء في مواطن إقامتهم، والأخذ عنهم، وتدوين علمهم، وروايته ونشره، خدمة لهذا الدين، وأداءاً لواجب الأمانة، ونصحاً للأمة، وهداية لها بنور العلم الشرعي الأصيل.
والحافظ عبد الغني المقدسي لم يصل إلى ما وصل إليه من مكانة علمية سامقة، ولم يتمكن من النبوغ الفريد في علم الحديث، ويؤلف ما ألف فيه من كتب عظيمة، إلا بعد بذل جهد كبير، ومكابدة مشقة عظيمة، فقد سلك السنة المعروفة المميزة لجهابذة العلماء، ألا وهي الرحلة في سبيل الطلب، والإتصال بأئمة هذا
الشأن في ما تيسر له الوصول إليه من بقاع العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتتلمذ على أيديهم، وتدوين ما تيسر له من علومهم، وكان يفصل بين مواطن رحلاته مسافات شاسعة، فمن أصبهان شرقاً، إلى ثغر مصر غرباً، وهي مسافات تعد بمقاييس المواصلات في ذلك العصر شاسعة متباعدة، ولكن همة طالب العلم تستسهل الصعب، ولا تقف به دون بلوغ مطامحه، سيما بين أولئك العلماء الأفذاذ من أسلافنا الكرام، الذين كانوا يطلبون العلم لله بإخلاص وتجرد، لا يهمهم في ذلك بلوغ جاه، أو نيل دنيا.
ولذلك نرى أثار رحلاتهم انعكست على سعة تحصيلهم، وجودة تأليفهم، وعموم نفعها لمن بعدهم.
فكلما تعددت الرحلات، وكثر الشيوخ، وطالت المدد، كلما كان صاحبها أوسع علماً، وأكثر إتقاناً، وأحظى مكانة بين تلاميذه وأقرانه.
وتحدثنا كتب التاريخ عن رحلات كثيرة للحافظ عبد الغني، بدأها بهجرته مع أسرته من مسقط رأسه في فلسطين، إلى دمشق وهو صغير، وكان ذلك سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكانت سنه آنذاك إحدى عشرة سنة على القول بأن ولادته كانت سنة
إحدى وأربعين وخمسمائة، وثمان سنين على القول بأن ولادته كانت سنة أربع وأربعين وخسمائة، وكان أول طلبه العلم بها، حيث سمع من أبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال، وأبي علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي وغيرهما.
وكانت هذه الرحلة بداية الانطلاق لمراحل أرحب، ورحلات أشق وأوسع، ففي سنة ستين وقيل إحدى وستين وخمسمائة رحل إلى بغداد، وكانت حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، وقد صحبه في هذه الرحلة ابن خالته الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، وكان بين ميولهما العلمية اختلاف، فبينما فضل الإمام الموفق الاتجاه إلى الفقه والعناية به، والتبحر فيه، وجه الحافظ عبد الغني عنايته إلى الحديث.
وفيها نزلا على الشيخ عبد القادر الجيلي في مدرسته، وكان لا ينزل بها أحداً، إلا أنه توسم فيهما الخير والنجابة والصلاح، وكان يراعيهما، ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئاً من الحديث والفقه، ودامت إقامتهما عنده أربعين يوماً ـ كما ذكر الشيخ الموفق، وقيل خمسين، توفي بعدها الشيخ عبد القادر، ثم تتلمذا بعده في الفقه
والخلاف على الشيخ نصر بن فتيان المعروف بابن المنى، وأكثرا فيها من السماع على عدد كبير من الشيوخ، ثم قدما دمشق بعد أربع سنوات.
ورحل الشيخ عبد الغني إلى مصر والاسكندرية وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة فأقام هناك مدة، إلا أنه عاد إلى الاسكندرية سنة سبعين، وسمع بها من الحافظ أبي طاهر السلفي وأكثر عنه، حتى قيل: إنه كتب عنه ألف جزء.
وسمع بمصر من عدد كبير من العلماء من أبرزهم العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي، وأبو عبد الله محمد بن علي الرحبي، وغيرهم.
وكانت له رحلة إلى الجزيرة 1 كما يذكر الإمام ابن كثير، ورحلة أخرى إلى بغداد، أما رحلته إلى أصبهان فكانت بعد
السبعين، وفي هذه الرحلة كابد شظف العيش حيث لم يتيسر له فيها إلا القليل من المال الذي لا يكفيه لمؤنة سفره، إلا أن الله أعانه عليها لصفاء مقصده، حيث هيأ له من أعانه على أعباء المعيشة حتى دخل أصبهان، وحصّل بها الكثير من العلم، والنفيس من الكتب، وبها تتلمذ على أئمة أجلاء من أبرزهم الحافظ: أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِيني، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ، وخلق كثير سواهم.
أما رحلته إلى همذان، فلم أجد من أرّخها إلا أنه رحل إليها، ولعل رحلته إليها كانت بعد خروجه من أصبهان، حيث سمع بها من أبي المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل القرماني، وأبي سعيد المطهر بن عبد الكريم القومساني وسواهما.
ويذكر المنذري أنه حدث بدمياط، وهذا يدل على أنه رحل إليها أيضاً، ورحل إلى الموصل، وسمع من خطيبها أبي الفضل الطوسي.
وله رحلات جانبية أخرى، إذ كان ـ رحمه الله ـ عالي الهمة، شديد التعلق بكل ما يزيد في علمه، ويخدم هدفه 1.
وإذا كان الحافظ عبد الغني قد طوف حواضر العلم شرقاً وغرباً، وحصل بذلك العلم الغزير وتبحر فيه حتى أصبح من أعلامه البارزين، فإنه لابد من أن يبذل كما أخذ، فقد حدث بأكثر البلاد التي دخلها، وروى عنه خلق كثير 1.
شيوخه لقد كان الإكثار من الشيوخ سمة بارزة بين علماء السلف الصالح، فما من عالم له شأن إلا ونجد وراء نبوغه عدداً غير قليل من العلماء الذين تتلمذ على أيديهم، والحافظ عبد الغني المقدسي ممن أكثر من الشيوخ، حيث حرص على أن لا يفوته السماع من مشاهير عصره، ورحلاته التي سبق الحديث عنها، كانت وسيلة رئيسة في الاتصال بهم، وفيما يلي أورد أهم شيوخه في كل بلد رحل إليه، كما ذكرهم المنذري وهو من تلاميذه، وهو لذلك كان من أكثر الناس معرفة به، وهم: 1ـ أبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال.
2ـ أبو علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي.
3ـ أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر.
أبو عبد الله محمد بن حمزة بن أبي جميل.
ومن هؤلاء وغيرهم كان سماعه بدمشق.
5ـ الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي.
وكان سماعه منه بالموصل.
6ـ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ـ شيخه في الفقه.
7ـ أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي.
8ـ أبو الفضل المبارك بن المبارك بن صدقه السّمْسَار.
9ـ أبوالفتوح عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن الوكيل.
10ـ أبو بكر أحمد بن المُقَرَّب الكَرْخي.
11ـ أبو المعالي أحمد بن عبد الغني بن محمد الباجِسرائي.
12ـ أبو الحسن سعد الله بن نصر بن الدَّجَاجي.
13ـ الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد بن الفاخر.
14ـ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان.
15ـ أبو المظفر يحيى بن علي بن خطاب الخِيَميّ.
16ـ أبو بكر عبد الله بن محمد ابن النقور.
17ـ أبوالقاسم يحيى بن ثابت بن بُنْدار.
18ـ أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي.
أبو المكارم المبارك بن محمد بن المُعَمَّر البادرائي.
20ـ أبو الحسن علي بن المبارك بن الحسين الواسطي.
21ـ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد ابن الخشّاب.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في بغداد.
22ـ أبو المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل.
23ـ أبو سعيد المُطَهَّر بن عبد الكريم.
24ـ أبو الفرج إسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومساني.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في همذان.
25ـ أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِينِيّ.
26ـ أبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ.
27ـ أبو الفتح عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح الخِرَقي.
28ـ ابو العباس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن يَنَال.
29ـ أبو رشيد حبيب بن إبراهيم بن عبد الله المقرئ.
30ـ ابو رشيد إسماعيل بن غانم بن خالد البيّع.
31ـ أبو غالب محمد بن محمد بن ناصر.
32ـ أبو القاسم عبد الله سفيان وأبو القاسم عليّ ابني أبي الفضل بن طاهر الخرقي.
أبو بكر بنيمان بن أبي الفوارس بن أبي الفتح السبّاك.
وسمع
من هؤلاء وسواهم في أصبهان.
34ـ العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي.
35ـ أبو عبد الله محمد بن علي الَّرحْبي.
36ـ أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي.
وكان سماعه منهم في مصر.
وسمع بالاسكندرية من 37ـ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني.
وهو من أشهر مشايخه الذين أكثر عنهم.
38ـ وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني.
39ـ وأبي القاسم عبد الرحمن بن خلف المقري.
40ـ وأبي الحسين يحيى بن أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وغيرهم 1.
هؤلاء هم بعض أبرز مشايخه، وهم كثر، ولم يدع أحد من المؤرخين أنه استوعب ذكر مشايخه في أي بلد من البلدان التي رحل
إليها.
إلا أن أكثر مشايخه كان في بغداد، ولعل السبب في ذلك أنها كانت عامرة بعدد كبير من جهابذة العلماء، فكانت تُعد بحق عاصمة العلم في ذلك العصر، إذ لم يجتمع من العلماء بذلك العدد الضخم، والشهرة الواسعة في أي بلد كما اجتمع فيها.
والله أعلم.
تلاميذه إن عالماً جليلاً مثل الإمام عبد الغني المقدسي بلغ مرتبة الحفاظ المتقنين لا بد أن يتطلع إليه طلاب العلم للتتلمذ على يديه والإفادة منه، ولا بد أن يكون نشر العلم أحد أهدافه السامية التي أراد تكريس حياته لها، إلا أنه انشغل في طلب العلم وجمعه، وحينما اتجه لنشره توفاه الله قبل أن يتم ما عزم عليه، ولذلك يقول عنه ابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي: " رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها "1 ومع ذلك حدث وعقد حلق العلم، وتتلمذ على يديه الكثير، ومن أشهرهم إبناه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني المقدسي الملقب بجمال الدين الذي نال ثناء العلماء وإعجابهم 2، وأبو الفتح محمد بن عبد الغني الملقب بعزالدين.
وممن تتلمذ على يديه محمد بن الواحد بن أحمد المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي المعروف بالضياء المقدسي.
الذي جمع سيرة الإمام عبد الغني في مجلدين، وابن خالته الإمام موفق الذين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي وكان من أقرانه.
ويوسف بن خليل بن قراجا عبد الله شمس الدين أبو الحجاج الدمشقي الأدمي.
وعثمان بن مكي الشارعي، وعبد القادر الرهاوي ومحمد بن مهلهل الحسني، وهو آخر من سمع منه 1 وغيرهم.
ويذكر المنذري أنه حدث ببغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية … ولم يزل يَجمع ويَسْمع ويُسْمع، وذكر أنه ممن حضر عنده وسمع منه 2، وإذا كان ـ رحمه الله ـ قد حدّث في جميع هذه البلدان، وهو بالمكانة التي لا تخفى على أحد، فلنا أن نتصور العدد الهائل من طلاب العلم الذين سمعوا منه وتتلمذوا على يديه، إلا إن كتب التاريخ لم تسعفنا عنهم إلا بأمثلة قليلة ذكرت
بعضاً منها.
وكان ـ رحمه الله ـ ذا عناية بتلاميذه، يكرمهم، ويحسن إليهم، ويتعهد النابهين منهم ويرشدهم إلى الرحلة من أجل الطلب، بل ويحملهم عليها ويعينهم على أعبائها 1؛ لأنه ـ رحمه الله ـ يرى فيها أنجح السبل لتحصيل العلم، من واقع تجربته التي عاشها، وكابدها.
ثقافته وثناء العلماء عليه كان الإمام المقدسي شغوفاً بالحديث وعلومه، فقد قضى جل طلبه في هذا الميدان حتى برز فيه، وفاق مشايخه وأقرانه، وأصبح من جهابذته وأعلامه، وإنتاجه العلمي في هذا الفن تميز بالجودة والدقة والإتقان، فكتابه الشهير الضخم في الرجال المعروف بـ ((الكمال)) والكتاب الذي ألفه مستدركاً فيه بعض الأوهام التي وقع فيها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه ((معرفة الصحابة)) يدلان على نبوغ وبراعة وإتقان، فعمله في كتاب ((تبيين الإصابة)) كان عملاً جسوراً هابه جهابذة سواه، فهذا شيخه أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني تمنى أن يقوم بهذا العمل فلم يجسر عليه كما ذكر الضياء المقدسي حين قال: … فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فلم يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحواً من مئتين وتسعين موضعاً 1.
ووصف الذهبي عمله فيه بأنه يدل على براعته وحفظه.1
وللحافظ عبد الغني اهتمامات علمية أخرى، وإن كان اشتهر عنه نبوغه في الحديث بحيث لا يعرف عنه إلا أنه محدث نحرير لا يشق له غبار، فقد درس الفقه والخلاف وأخذ منه بنصيب وافر حتى أصبح فيه متكلماً، وفي مسائله مناظراً، وكان أبرز شيوخه في هذا الفن هو وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة الشيخ نصر بن فتيان المشهور بابن المنى، والشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد، وكان عالماً في عقيدة السلف متمكناً فيها واسع الدراية بها، وكان ذا دراية بالمذاهب المخالفة، وكتابه هذا أكبر شاهد على معرفته بعقيدة السلف وتضلعه في مسائلها، وإحاطته بالمذاهب الأخرى.
وله مؤلفات أخرى تدل على تمكنه في هذا العلم العظيم، مثل كتاب التوحيد، وكتاب الصفات، وغيرها.
كما أن تأليفه في مشكل الحديث يدل على أنه عالم لغوي متمكن حيث ألف في ذلك كتابه ((غنية الحفاظ في تحقيق مشكل
الألفاظ)) وإن كنت لم أطلع عليه إلا أن عنوانه يدل على أنه في علم الغريب الذي لا يؤلف فيه عادة إلا من كان له من علم العربية نصيب.
أما مكانته بين العلماء وثناؤهم عليه فكان مداره على ما اشتهر به وتبحر فيه، ألا وهو علم الحديث ورجاله، إذ أنه ـ يرحمه الله ـ أولاه العناية الكبرى حتى أصبح إماماً فيه، وجهبذاً من أبرز جهابذته، وعلماً من أعلامه ومشاهيره.
ولذلك وصفه الحافظ الضياء بقوله: كان الحافظ عبد الغني أمير المؤمنين في الحديث 1.
ووصفه ابن النجار بقوله: كان غزير الحفظ، من أهل الحفظ والإتقان والتجويد، قيّماً بجميع فنون الحديث، عارفاً بقوانينه وأصوله، وعلله، وصحيحه وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، ومشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم 2.
ووصفه الحافظ ابن كثير قارناً بينه وبين شيخه المزي حيث قال: لقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال، حفظاً وإنقاناً، وسماعاً وإسماعاً وسرداً للمتون وأسماء الرجال 1.
وقد دون شيخه أبو موسى المديني ثناءه على الحافظ على كتاب ((تبيين الإصابة)) حيث قال: قَلَّ من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبيين هذه الغَلَطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقَلّ من يفهم في زماننا ما فهم.
2 وقال عنه الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيَّنه وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه 3.
هذا قليل من كثير قيل بحق هذا الجهبذ الفذ، فقد نال إعجاب العلماء في عصره وفي كل عصر جاء بعده إلى يومنا هذا، وكتبه تعد مرجعاً أميناً وكنزاً ثميناً من كنوز هذا العلم العظيم.
مؤلفاته لقد كان لبنوغ الحافظ المقدسي، وسعة علمه، وفرط عنايته بجمع كل ما تيسر له من الكتب، أثر بارز في وفرة إنتاجه سيما في مجال الحديث ورجاله، وفي بعض المجالات الأخرى التي لا تنفك عن السنة والتي تعتبر أحد مصادرها مثل علم العقيدة على منهج السلف الصالح.
وفيما يلي أورد ما تيسر لي من عناوين مصنفاته: 1ـ كتاب التوحيد: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية، وله صورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة والمنورة رقم ((1544)) ضمن مجموعة مصورة عن أصلها بالمكتبة الظاهرية في دمشق.
الجامع الصغير لأحكام البشير النذير: لم يتمه المصنف، ويوجد منه عدة أجزاء مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم
((2324))، و ((548)) وأصلها في المكتبة الظاهرية في دمشق.
3ـ الأحكام: وهو كتاب غير مسند صنفه على أبواب الفقه يقع في ستة أجزاء.
4ـ الأربعين من كلام رب العالمين: وقد ذكر الحافظ ابن رجب أربعة كتب بعنوان الأربعين، ولم يميز منها في الاسم إلا هذا العنوان الذي أوردت ولعلها أحاديث مختارة في موضوعات متعددة في كل موضوع أربعين حديثاً.
5ـ الترغيب في الدعاء والحث عليه: وقد حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية وله نسخة مصورة عن أصلها بالظاهرية، محفوظة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ((2312)) و ((2313)) ضمن مجموعة.
6ـ التوكل وسؤال الله عز وجل: ومنه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم ((2315)) ضمن مجموعة، مصورة عن أصلها بظاهرية دمشق.
الآثار المرضية في فضائل خير البرية: أربعة أجزاء.
8ـ أحاديث الأنبياء: منه صورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقم ((1544)).
9ـ أحاديث الشعر: مصور بالجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة ((873)).
10ـ كتاب الجواهر: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم ((549)) وأصله في المكتبة الظاهرية.
11ـ أخبار الحسن البصري: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة ((778)) ضمن مجموعة.
12ـ أخبار الصلاة: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموعة رقم ((964)).
13ـ كتاب التهجد: جزءان.
14ـ كتاب الأسرار: جزءان.
15ـ الروضة: أربعة أجزاء.
كتاب الفرج: جزءان.
17ـ الصلات من الأحياء إلى الأموات، جزءان.
18ـ الصفات: جزءان.
19ـ اعتقاد الإمام الشافعي، جزء كبير.
20ـ الاقتصاد في الاعتقاد: جزء غير مسند، وهو موضوع عملي هذا.
21ـ الأقسام التي أقسم بها النبي صلى الله عليه وسلم، جزء.
22ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: جزء.
23ـ المصباح، في عيون الأحاديث الصحاح، ثمانية وأربعين جزءاً يشتمل على أحاديث الصحيحين، يوجد منه بعض أجزاء مصورة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية.
24ـ النصيحة في الأدعية الصحيحة: جزء غير مسند.
25ـ اليواقيت في المواقيت: مجلد.
تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة: ويعني بمعرفة الصحابة كتاب الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وقد عد عمل الحافظ عبد الغني في هذا الكتاب دليل براعته وتمكنه.
(راجع الحديث عن ثقافته).
27ـ تحريم القتل وتعظيمه: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها ((1544)).
28ـ تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين.
29ـ تذكرة مختصرة في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد: منها نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم ((1531)).
30ـ جزء في ذكر القبور.
31ـ حديث الإفك: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية فيلم رقم ((3667/20)).
32ـ كتاب الحكايات: سبعة أجزاء.
33ـ درر الأثر: على حروف المعجم.
غير مسند، ويقع في تسعة أجزاء.
34- ذكر الإسلام: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية،
ويوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها ((1544)) ضمن مجموعة.
35ـ ذكر النار: حقق ضمن الرسالة العلمية المشار إليها آنفاً، وله نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية، ضمن مجموعة رقمها ((1499)).
36ـ ذم الرياء: جزء كبير.
37ـ ذم الغيبة: جزء كبير.
38ـ رسالة في الجواب عن سؤال معنى لا إله إلا الله المعبود بكل مكان: يوجد منه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم ((955/4)) ضمن مجموعة.
39ـ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، جزء كبير، غير مسند.
40ـ عمدة الأحكام من كلام خير الأنام: طبعة بتحقيق محمود الأرناؤط.
وهو غير مسند.
41ـ غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ: مجلدان.
42- فضائل الحج: جزء.
43ـ فضائل حسان ومقتل عثمان: يوجد له صورة بمكتبة الجامعة ضمن مجموع رقم ((563)) وأصلها في المكتبة الظاهرية.
44ـ فضائل الصدقة: جزء.
45ـ فضائل رمضان: جزء ويوجد له نسختان مصورتان عن أصلهما في الظاهرية ورقمها بالجامعة الإسلامية ((554،484)) ضمن مجموعة.
46ـ فضائل الصدقة: جزء.
47ـ فضائل عشر ذي الحجة: جزء.
48ـ فضائل عمر بن الخطاب، ويوجد له نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقمها ((3667/19)).
49ـ فضائل مكة: أربعة أجزاء.
50- فضل الجهاد: منه نسخة مصورة عن أصلها في الظاهرية، وتوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم ((545/37)).
51ـ الكمال في معرفة الرجال: على رجال الكتب الستة، وهو الذي هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي في كتابه ((تهذيب الكمال)). 52ـ محنة الإمام أحمد بن حنبل: نشرت بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. 53ـ نهاية المراد من كلام خير العباد في السنن يقع في نحو مائتي جزء، ويوجد منه قطعة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية ورقمها ((490)) وأصلها في المكتبة الظاهرية. 54ـ مناقب عمر بن عبد العزيز: جزء. 55ـ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: جزء.1
وما أوردته ليس حصراً لمصنفاته فهناك الكثير مما لم يتم، والكثير مما جمعه ولم يبيضه
وهكذا نرى أن إنتاجه وفير، ومنهجه في التأليف يميل إلى إفراد مهمات المسائل والموضوعات بمؤلفات خاصة، فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الأجر والثواب، إنه سميع مجيب.
محنته لقد ابتلي كثير من العلماء المخلصين على مر التاريخ بكثير من المحن، لثباتهم على الحق وصمودهم في وجه أعدائه، وعدم ممالاة الحكام والسلاطين، ومجاراتهم في أهوائهم، فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل اصطلى بنار المبتدعة من أرباب الإعتزال في عصره وسلطانهم الذي سخروه لخدمة فكرهم، فما انقاد لما يريدون، ولا ضعف أمام بطشهم ولا استكان، بل صمد صمود الرواسي، فأظهر الله الحق على يديه في مسألة من أخطر ما تكلم فيه المبتدعة في ذلك العصر، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، فكان لموقفه العظيم هذا أثره الكبير في قمع البدعة وانحسار سلطانها، وظهور الحق على الباطل في ملحمة تاريخية فريدة، سجلها رجل واحد بسبب صموده وتحديه لأئمة البدعة والضلال وسلطانهم الذي كان يناصرهم، ويحمل على اعتناق فكرهم لا بالإقناع ـ ففكرهم متهافت مصادم لفطر العقول المستقيمة والأفكار المستنيرة بنور
والوحي ـ بل بالقتل والضرب والتعذيب، وهذا شأن كل مفلس من الحق، لا يتورع أن يسلك ما استطاع من وسائل لنشر باطله، وقمع خصومه.
ولنا مثل آخر ناصع الدلالة والبيان على إفلاس أرباب الأفكار المتهوكة من كل إقناع يؤيد فكرهم، ويظهر باطلهم، فهذا الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي المتوفي سنة481هـ، تألب عليه المبتدعة لإظهاره الحق ووقوفه بحزم في وجه الباطل، وحاولوا بما استطاعوا من حيل ووسائل لاستخدام السلطان وإيغار صدره عليه لينتقم منه ويبطش به، لأنهم أفلسوا فكرياً، وما استطاعوا أن يدافعوا عن باطلهم أمام صولة الحق الدامغ الذي كان يقرره الإمام الهروي، مستنداً إلى أنصع دليل وأوضح حجة، من خلال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبلغ بهم الإسفاف والحقد إلى أن يحيكوا ضده مؤامرة قذرة تمثلت في حملهم صنماً صغيراً من نحاس، جعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ الهروي، ودخلوا على السلطان مستغيثين مولولين بأن الشيخ مجسم، ودليلهم على ذلك الصنم الذي وضعوه سجادته وقالوا ـ ظلماً وزوراً وبهتاناً ـ بأنه هو الذي وضعه لأنه يزعم أن الله