أهل الأثرالأرشيف العلمي

على صورته.
ولكن الله أبطل مكيدتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم فانكشف للسلطان مكرهم وخبثهم وكذبهم، وأقروا بصنيعهم فارتد كيدهم إلى نحورهم 1.
وهذه محنة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي مات في السجن لدفاعة عن الحق وصموده في وجه الباطل.
تلك أمثلة يسيرة مما حصل لعلماء الأمة المخلصين، ليس الإمام المقدسي بدعاً من هؤلاء، فقد أراد الله له الخير بأن جعله من المبتلين الصابرين، فالإبتلاء سنة الله في أهل الخير والصلاح، فالأنبياء عليهم السلام أكثر الناس ابتلاءاً يليهم الأمثل فالأمثل من أتباعهم.
وهذه قصة الإمام المقدسي في محنته كما روتها لنا كتب التاريخ، وموقفه فيها، وصموده في وجه طغاتها، مثل آخر على حقد المبتدعة على أهل السنة والجماعة وعلمائهم، فقد كان الإمام المقدسي متأثراً بالإمام أحمد وسيرته العطرة وآرائه السديدة تأثراً كبيراً، حتى إنه دعا الله تعالى أن يرزقه سيرة مثل سيرته، فقد ذكر الذهبي نقلاً عن الحافظ الضياء المقدسي أحد تلامذة الإمام عبد الغني

قال: سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: سمعت الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي.1 ونظراً لما للحافظ من مكانة علمية عالية لم تتوفر لأحد من أبناء عصره، وما كان يبذله من جهد في نشر العلم الصحيح، متمسكاً في ذلك بالكتاب والأثر، فقد كثر حساده ومخالفوه من المبتدعة، الذين لا يفتأون على مر التاريخ يحاربون أهل السنة والجماعة، فجعلوا يجتهدون في إيذائه والنيل منه، ذكر الحافظ ابن رجب أن الحافظ عبد الغني كان يحدث بدمشق، وينتفع الناس به إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه2فضايقوه في جامع دمشق، وكادوا له كثيراً، ودبروا له بعض المؤامرات التي أثاروا بها أنصار الفريقين، ثم أغروا به الوالي زاعمين أنه هو وأصحابه من الحنابلة إنما يريدون الفتنة، وذكروا مخالفته

لهم في الاعتقاد، وطلبوا مناظرته، وأرادوا حمله على أن يقول بقولهم، ويعتقد عقيدتهم، ويسجل ذلك لهم بخط يده، ولكنه صمد في وجوههم فناظرهم وأظهره الله عليهم، فما كان منهم إلا أن رفعوا كل ما يختص به وبأصحابه من جامع دمشق بإذن من واليها، وكسروا منبره ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابه حتى من الصلاة في الجامع، وكادت تحصل فتنة عظيمة، لولا أن الحافظ كان حكيماً، فآثر الخروج من دمشق درءاً لشرهم فمضى إلى بعلبك، ومنها إلى مصر، فلاحقه أهل دمشق الذين أرسلوا إلى ملكها العزيز عثمان رسولاً حاملاً إليه افتراءاتهم وتشنيعاتهم على الحافظ، ولكن الله وقاه شر هذه المكيدة، فأقام في مصر معززاً مكرماً في حماية ملكها الجديد الملك العادل، رغم ما بذله المخالفون في مصر من جهد في سبيل إيذائه، حيث حاولوا إيغار صدر الملك عليه، حتى يقال إنه قد بلغ الأمر ببعضهم أن بذل أموالاً طائلة من أجل قتله، ولكن الله نجاه من مكيدتهم، فلما سافر الملك العادل إلى دمشق وحل محله الملك الكامل، عزم هذا على إخراج الحافظ من مصر لكثرة ما قاله فيه عنده المخالفون، واعتقل في دار سبع ليال، وصفها ـ رحمه الله ـ

بقوله: " ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي ".1 إلا أنه بعد أن تأكد للملك سوء مقاصد مخالفيه وخبث طويتهم وأنهم حاسدون له، وحانقون عليه بسبب تشبثه القرآن والسنة في الاعتقاد خلى سبيله وأمر بعدم التعرض له 2.
فما أشبه موقف هؤلاء من الحافظ المقدسي بموقف اسلافهم من المبتدعة من إمام أهل السنة الإمام أحمد، الذي دعا الحافظ الله أن يرزقه حالاً مثل حاله، فكان له ما أراد.
وليست هذه هي المحنة الوحيدة التي حصلت للإمام المقدسي بل حصلت له محنتان أخريان، إحداهما في أصبهان، والأخرى بالموصل.
فأما بالموصل: فيذكر الحافظ الضياء أن الإمام عبد الغني حينما استدرك على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة نحواً من مئتين وتسعين موضعاً، استاء لذلك صدر الدين أبو بكر محمد بن

عبد اللطيف بن محمد الخجندي، رئيس الشافعية بأصبهان، وكان أشعرياً متعصباً لأبي نعيم، فطلب الحافظ عبد الغني فأراد هلاكه لذلك فاختفى.
1 أما بالموصل فيحكي الحافظ قصته قائلاً: كنا بالموصل نسمع الضعفاء للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيئ فيه، فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئاً، ثم اطلقوني 2.
وسبب خلاصه: أن أحد من كان يسمع معه قلع ذلك الشيئ الذي أغضب أهل الموصل ـ من الكراس ـ ولعله كان يتصل بأبي حنيفة ـ فلما أرسلوا وفتشوا عما يريدون لم يجدوا شيئاً 3.
وهكذا نرى أن الحافظ عبد الغني قد ناله أذى كثير من أجل ثباته على عقيدته، وعدم مداهنته للمبتدعة، فقد كان ـ رحمه الله ـ لا يخاف في الله لومة لائم.

عقيدته الإمام عبد الغني المقدسي ـ رحمه الله ـ رزقه الله العلم الشرعي الخالي من شوائب الآراء السقيمة والأهواء العقيمة، فقد ترعرع في أحضان السنة النبوية الشريفة، ورتع من رياضها الورافة، حتى أصبح علماً من أعلامها، إذا تحدث أنصت له الناس، وإذا ألف تقلى طلاب العلم، بل والعلماء تأليفاته بالقبول، فذاعت بينهم ونفع الله بها، وأصبحت مثالاً يحتذى في الدقة والإلتزام، وإذا كان هذا هو مرتعه فلن يكون له إلى غيره معدلاً، ولا يمكن أن يرضى بسواه بدلاً وكان قد دعى ـ كما سبق أن أسلفت ـ أن يرزقه الله حالاً كحال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، فكان له ما أراد، فقد تأثر به تأثراً كبيراً في مسلكه ومنهجه، والإمام أحمد كان إماماً في العلم والعمل، والمنهج والسلوك، فقد كان قدوة صالحة بأسلوبه المميز في إيضاح العقيدة الصحيحة، والجهاد في إقرارها والدفاع عنها، فقد كافح ونافح، ووقف سداً منيعاً في وجه الدخلاء على عقيدة الأمة،

الذين حاولوا النيل منها، وزعزعة منهجها القويم، واشتهر هو وأتباعه بالتمسك بعقيدة السلف، والذب عنها، وتأليف الكتب في إيضاحها وترسيخها، ولجم خصومها، بالحجج الدامغة، والأدلة الواضحة، ولذلك كانت مؤلفات الإمام عبد الغني المقدسي تقصد إلى الهدف نفسه، حيث سار على منهج السلف في التأليف في العقيدة، فقد جعل من نصوص الكتاب والسنة مداراً لما يهدف إليه، مجانباً للكلام المذموم، فمنها ما هو سرد للنصوص بأسانيدها، كما هو الحال في كتاب التوحيد إلا أن عقيدته تتضح لنا أكثر من ثنايا هذا الكتاب الذي هو موضوع دراستي هذه، حيث ألفه بأسلوب يقرر به عقيدته التي هي عقيدة السلف، ويتضمن الرد على الخصوم، مستنداً في كل ما يقول إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، فيقول في أوله: " اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله عز وجل، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، ولا عِدْل، ولا مثل، وأنه عز وجل موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها

كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ وصح بها النقل عن نبيه، وخيرته من خلقه، محمد سيد البشر … ولم يدع لملحد مجالاً، ولا لقائل مقالاً.. فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المُرْدية الرّديّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية " 1. ثم شرع بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات بإيراد أدلتها من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة مثل صفتي العلو والاستواء، الذي قال بعد إيراد أدلتهما: " وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث، مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله "

وقال ـ رحمه الله ـ معقباً على حديث الجارية التي سألها الرسول صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ فقالت: في السماء: " ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله " أين الله "؟! 1 وقال معقباً على ما أورده من أدلة لإثبات صفة الوجه: " فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات "2. وفي صفة النزول سار على المنوال نفسه، فأثبت بالأدلة، ونفى جواز التأويل حيث قال: " وتواترت الأخبار، وصحت الآثار، بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان به، والتسليم له وترك الإعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول … ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك "3.

وهكذا في بقية ما أورده من صفات، إثبات مقرون بالتحذير من التشبيه والتعطيل، وهذا هو مذهب السلف الذي به يقولون، وعنه ينافحون، ألا ترى إلى قول الحافظ أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ـ رحمه الله ـ: " إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله، على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله سبحانه أهل السنة من التحريف والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتفهم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه"1، وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام عبد الغني المقدسي ـ رحمه الله ـ فهو سلفي العقيدة منهجاً وتقريراً، وجميع ما ورد في كتابه هذا، وفي غيره من الكتب المؤلفة في مسائل العقيدة

دليل على ذلك، فقد اشتملت على بيان مجمل لعقيدة السلف، بأسلوب تميز بالإلتزام بمنهج الوحي، وعدم تجاوزه إلى الكلام الممقوت، الذي ارتضاه المتأخرون، فجانبوا به طريق الحق، ووقعوا في حبائل الكائدين من أعداء الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفاته توفي ـ رحمه الله ـ يوم الإثنين، الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة من الهجرة النبوية، ودفن بالقرافة1في مصر يوم الثلاثاء، وشيعه خلق كثير من الأئمة والأمراء 2.
وكانت وصيته رحمه الله لابنه موسى هو: المحافظة على علم الحديث الذي تعب في جمعه وخدمته، وتقوى الله تعالى، والمحافظة على طاعته3، وكانت أمنيته الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم، فأنعم بها من وصية تهم كل مسلم يرجو أن يلقى الله تعالى

وهو عنه راض، وأنعم بها من أمنية هي غاية عمل العاملين.
فرحم الله هذا الإمام الجِهْبذ، الذي قضى عمره خادماً لسنة رسول الله، مجاهداً من أجل حماية عقيدة السلف، آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، لا يهمه من الدنيا إلا ما يقيم صلبه، مستعيناً به على طاعة الله، فقد كانت سيرته مثلاً يحتذى، واجتهاده في تحصيل العلم مثلاُ يضرب، وهاهم طلاب العلم ـ إلى يومنا هذا ـ ينهلون من معين علمه، ويفيدون من اجتهاده وجهاده، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

(التعريف بالكتاب) موضوع الكتاب للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي مؤلفات عظيمة في خدمة عقيدة السلف الصالح، فقد سار على منهاجهم فيها تأليفاً لنصوصها، وتقريراً وإيضاحاً لمسائلها، وله جهاد بارز في مقارعة المبتدعة، حيث ناله بسبب عقيدته السلفية الملتزمة كثير من الأذى ـ كما تقدم عند الكلام عن محنته ـ فأصابه فيها ما أصاب أسلافه، وإذا كان ـ رحمه الله ـ قد ألف قدراً لا بأس به من الكتب في إيضاح عقيدة السلف وتقريرها، مثل كتاب التوحيد الذي سار فيه على طريقة السلف، حيث ساق أدلة مسائله بإسنادها، دون أن يعلق عليها، لأنه من عادة علماء السلف أن يوردوا النصوص مسندة، ولا يخوضوا في بيان معانيها، لأنهم يرون ذلك من الأمور المسلمة، إذ من منهجهم الذي رسموه لأنفسهم في هذا الباب أن يوردوا النصوص ويقفوا عليها لوضوح معناها، وجلاء دلالتها.
إلا أنهم قد يضطرون إلى الخروج عن هذه القاعدة بسبب ما

ابتلوا به من طوائف ندّت عن منهج السلف، الذي هو منهج القرآن، وفضلوا اتباع أساليب الأدعياء من فلاسفة اليونان، وحذروا من الاعتماد على ما في نصوص الوحي من البيان يقول ابن المرتضي اليماني واصفاً حالهم: " نبغ في هذا الزمان من عادى علوم القرآن، وفارق فريق الفرقان، وصنف في التحذير من الإعتماد على ما فيه من التبيان، في معرفة الديان، وأصول قواعد الأديان، وحث على الرجوع في ذلك إلى معرفة قواعد المبتدعة واليونان، منتقصاً لمن اكتفى بما في معجز التنزيل من البرهان، مقبحاً لتلقي كثير من محكماته بالقبول والإيمان، لا جرم أن الله تعالى وإن وصفه بأنه لقوم هدى، فقد وصفه بأنه على قوم عمى، فحسبوه حين عموا عنه وصموا أنه لأمر يرجع إلى ذاته، ولخلل يعود إلى بَيّن آياته، ولم يعلموا أن ذلك يخصهم، لما في قلوبهم من العمه والعمى، والرداءة والرديء، فكأنهم المنافقون ريباً وخبثاً وبهتاناً، حين قالوا أيكم زادته هذه إيماناً.
ومن يك ذا فم مرّ مريض... يجد مُراً به الماء الزلالا "1

وهؤلاء لم يكونوا في عهد ابن المرتضي الذي عاش في القرنين الثامن والتاسع وحسب بل ظهروا بين المسلمين في وقت مبكر.
ولذلك ألف بعض علماء السلف كتباً في الرد على هذه الطوائف، على طريقتهم المعهودة التي تتمثل في إيراد الأدلة من الكتاب والسنة والأثر، وقد يُتْبعون الأدلة بعض الايضاحات، ويشرعون في تفنيد باطلهم بطريقة تستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة وإلى العقل الذي يوافق النقل.
والإمام المقدسي ـ رحمه الله ـ ألف كتابه هذا لغرضين: 1 ـ تقرير المذهب الحق في المسائل العقدية التي تحدث عنها، بأدلته من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
2 ـ الرد على المبتدعة، ليس بعرض آرائهم، وأدلتهم ومناقشتها، بل بسوق الأدلة النقلية، بل والعقلية أحياناً، وهو يفترض أنه إنما يخاطب مسلمين يريدون الحق، فبأيضاحه بأدلته من نصوص الوحي، يكون قد أوضح بطلان ما سواه الذي لاحظ له من أدلة الكتاب والسنة، بل وأبطل بصريح العبارة ووضوح الاستدلال دعوى من يزعم أن ما يذهب إليه من القول بالتأويل، أو التفويض هو

مذهب السلف.
لأنه حينما يذكر في بداية كتابه هذا إجماع السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة على أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال التي وردت بها أدلة الوحي من نصوص الكتاب والسنة، من غير تعرض لكيفية أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، فإنه يشير بذلك إلى تفرق من سواهم وتعدد آرائهم، وتنوع مشاربهم، وهذا أكبر الشواهد على مجانبتهم للحق، لزيغهم عن الطريق الموصلة إليه، شرع ـ رحمه الله ـ بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات صفة صفة، فتحدث عن الإستواء، والعلو، والنزول، والوجه واليدين، وصفة الكلام، وغير ذلك من الصفات، مورداً أدلتها مفصلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وله على بعضها تعقيبات تتضمن إيضاح تهافت آراء المخالفين، ومما اشتمل عليه الكتاب من مسائل العقيدة: الحديث عن القضاء والقدر، والإسراء والمعراج، والحوض، وعذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والجنة والنار، والإيمان بالميزان، ثم تحدث عن مسائل الإيمان، وخروج الدجال، ونزول عيسى، والإيمان بملك الموت، وأنه يذبح يوم القيامة على هيئة كبش أملح، ثم تحدث عن خصائص الرسول

صلى الله عليه وسلم والمفاضلة بين الخلفاء وسائر الصحابة، والشهادة لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، وعن فضل الإتباع وخطر الإبتداع.
وقد حاول أن يكون كتابه هذا شاملاً لجميع مسائل العقيدة، مظهراً في حديثه أصالة مذهب السلف، وأنه مذهب مقتصد حيث أحب أن يحمل كتابه هذا اسم ((الاقتصاد في الاعتقاد)) لأن مذهب السلف كان وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط، وهذا هو معنى الاقتصاد كما ذكر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ حين قال: " والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير، ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل بين الطرفين … والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير، وخوفوا

من بلى بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق، يكون مقصراً مفرّطاً في بعض دينه، غالياً متجاوزاً في بعضه، والمهدي من هداه الله "1. وهذا هو الاقتصاد الذي أراده المصنف عنواناً لهذا الكتاب، وقد أدى كتابه هذا ما هدف إليه من إيضاح الحق بأدلته الناصعة من القرآن والسنة، وأقوال أئمة السلف، وبيان أن السلف ـ رحمهم الله ـ أعدل الطوائف في باب الاعتقاد، حيث ساروا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ضاربين بكل ما يخالف منهج الوحي عرض الحائط، متمسكين بنصوصه، ولم يغلو في إثبات ما جاءت به على خلاف منطوقها في الإثبات، ومفهوم القواعد العامة التي وضعت لهذا الإثبات، حيث تجاوزوا الإفراط في الإثبات الذي يؤدي إلى التشبيه، والتفريط فيه الذي أدى إلى التعطيل، فسلكوا مسلك الوحي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، كما أنهم لم يُفْرطوا في إثبات القدر إلى حد القول بالجبر، كما فعلت الجبرية،

ولم يُفرّطوا تفريط المعتزلة الذي أداهم إلى ادعاء أن العبد يخلق فعله سالبين الله القدرة على ذلك، بل اثبتوا للعبد قدرة واختياراً في حدود علم الله السابق ومشيئته النافذة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وكذا الحال في الإيمان، كانوا وسطاً بين من يقول بأنه كل لا يتجزأ، فكَفّروا من أخل بشيئ منه كما يقول الخوارج، وبين من يقول بأنه مجرد المعرفة، وأنه لذلك لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
لأن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه، كما يقوله المرجئة الخالصة.
أما السلف فكان قولهم وسطاً بين الفريقين حين قالوا: إنه يزيد وينقص ويتفاضل أهله فيه والعاصي مؤمن فاسق، واقع تحت مشيئة الله تعالى مستحق لعقابه.
وهكذا الشأن في مسائل العقيدة كلها، كانوا فيها وسطاً بين جميع الطوائف، لأن منبع رأيهم الإتباع لا الابتداع، وذلك بالسير على هدي خير العباد صلوات الله وسلامه عليه.

والطريق الأقوم، فإنهم سلكوا مناهج عقلية سقيمة، بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصحيح، وهي مناهج هزيلة، تعجز حتى عن اقناع أصحابها، فضلاً عن قدرتها على إقناع الآخرين، لأنها مجرد جدل عقيم لا فائدة منه، فهي في غاية التهافت والقصور، وفي غاية التباين والاختلاف، وذلك من أبرز سمات المناهج العقلية المجردة.
ومن أمعن النظر في مناهج المتكلمين يجدها تثير من الشبه ما تعجز معه عن الإقناع، لأنها تمثل منهجاً شيطانياً يؤدي إلى الفرقة والاختلاف، ولذلك كان مصير أساطينه الحيرة والإعتراف بالعجز وعدم الاهتداء، ورجوع كثير منهم إلى مذهب السلف بعد أن أدركوا إفلاس مناهجهم، وتملكتهم الحيرة، فأعلنوا التوبة، وعضوا أصابع الندم على ما فات من حياتهم التي قضوها في القيل والقال، الذي يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويفرق ولا يجمع 1.
فعلم التوحيد لا يؤخذ من عقول الرجال، لأنه أساس الدين الذي عليه تنبني فروعه، فالمصدر الأوحد له هو الوحي المتمثل في

الكتاب والسنة ومفهوم السلف الصالح لنصوصه.
أما المذاهب الكلامية فهي مذاهب دخيلة هدامة لا تمت إلى الإسلام بصلة.
نسأل الله الهداية إلى الحق والثبات عليه

اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه النسخ التي بين أيدينا افتتحت بنسبة محتواها إلى عبد الغني المقدسي، وكتب عليها: " هذه عقيدة الشيخ الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ". وهذا بالتأكيد ليس هو العنوان الذي اختاره له مؤلفه، وإنما هو عنوان وضعه النساخ باعتبار أن الموضوع عقيدة، والمؤلف هو عبد الغني المقدسي ولكنني بعد تتبع مؤلفاته وما ورد في وصفها، تبين لي أن هذا الكتاب عنوانه الصحيح ((الاقتصاد في الاعتقاد)) ودليلي على ذلك ما يأتي: 1 ـ أن هذا العنوان ذكر ضمن مؤلفات الحافظ عبد الغني المقدسي، ذكره كل من: ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة، وعبد الرحمن العليمي في المنهج الأحمد، وابن طولون في القلائد الجوهرية، ووصفوه

بأنه جزء، ووصفه ابن رجب بأنه كبير، واتفقوا على أنه غير مسند.1
وذكره أيضاً إسماعيل باشا في هداية العارفين 2.
2 ـ هذا الوصف لا ينطبق إلا على هذا الكتاب من مؤلفات المقدسي في العقيدة، لأن بقية مؤلفاته فيها وصفت بأنها مسندة، وقد وجدتها جميعاً مسندة، عدا كتاب الصفات الذي وصف بأنه جزءان وذكر ضمن المؤلفات المسندة، وهذا يعني أنه ضعف حجم هذا الكتاب، وإذا كان كتاب ((الاقتصاد في الاعتقاد)) هو الوحيد من مصنفاته في العقيدة الذي وصف بأنه غير مسند، فإن هذا يقطع بأنه هذا الكتاب الذي بين أيدينا لأنه جزء في العقيدة غير مسند، ولم يوصف بهذا الوصف غيره من مؤلفات المقدسي في هذا الفن.
3 ـ أن شمول الكتاب وطريقة مؤلفه في عرض مسائله تتفق تماماً مع هذا الاسم، لأنه عبارة عن عرض لعقيدة السلف في جميع المسائل العقدية تقريباً بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال سلف

الأمة، وقد تقدم بيان معنى الاقتصاد وملائمته لموضوع الكتاب.
4 ـ لم أجد من ذكر للمقدسي كتاباً في العقيدة يتسم بالشمول، وغير مسند بحيث يمكن أن يلتبس مع هذا الكتاب.
فجميع ما ورد من معلومات تؤيد ما ذهبت إليه من أن عنوان الكتاب هو الاسم الذي ذكر ضمن مؤلفاته ((الاقتصاد في الاعتقاد)).
أما عن نسبة الكتاب إلى مؤلفه فإن النسخ الخطية التي بين أيدينا كتب عليها نسبة هذا الكتاب إلى الإمام المقدسي، وقد ذكر كما اسلفت بعنوان الاقتصاد في الاعتقاد ونسبه إليه كل من ذكره ضمن مؤلفاته بهذا الاسم، فلا أشك في صحة هذه النسبة سيما إذا علمنا أن بعض الألفاظ التي أخذها المبتدعة عليه وامتحنوه بسببها موجودة في هذا الكتاب، مثل ما أورده ابن رجب وهو قوله: " ولا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول "1.

ومسألة الحرف والصوت، وقد تحدث عنها في هذا الكتاب حيث أثبت أن الله يتكلم بحرف وصوت 1.

نسخ الكتاب لقد تيسر لي الحصول على نسختين خطيتين لهذا الكتاب: النسخة الأولى: من محفوظات المكتبة السعودية العامة بالرياض، التابعة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم ((686/86)) ضمن مجموعة، وهي بخط نسخ جيد مكتوبة بقلم القاضي الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى المتوفي سنة 1228هـ، وتقع في ست عشرة صفحة، عدد أسطر الصفحة الواحدة ما بين ((21-22)) سطراً، كلمات السطر الواحد ما بين ((18-20)) كلمة.
وقد اعتمدت هذه النسخة أصلاً لوضوحها ودقتها، ورمزت لها بكلمة ((الأصل)).

النسخة الثانية: أهداها إلي ـ مشكوراً مأجوراً إن شاء الله ـ فضيلة الشيخ الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، وهي أيضاً بخط نسخ جيد وتقع في ثلاث وعشرين صفحة، عدد أسطر كل صفحة ((20)) سطراً، وكلمات كل سطر ما بين ((11-13)) كلمة.
وسجل في نهايتها الشهر واليوم الذي فرغ من نسخها فيه، ولم يذكر العام.
وقد رمزت لهذه النسخة بحرف ((ل)).
وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي)) بتحقيق فضيلة الشيخ / عبد الله البصيري عام 1411هـ، ونشرته دار الإفتاء السعودي بالرياض، وسبق أن ذكرت عنوانه الصحيح، وقد وصلني بعد أن أوشكت على الإنتهاء من عملي، وأترك الحكم في الفرق بين العملين للقارئ الكريم فسيتبين له ذلك إن شاء الله.

عملي في الكتاب اتبعت في خدمة هذا الكتاب الخطوات التالية: 1 ـ تحقيق النصوص الواردة فيه حتى يخرج على أقرب صورة تركه عليها المصنف ـ قدر الإمكان ـ ولذلك قمت بمقابلة النسختين وإثبات الفروقات بينهما في الهامش، معتمداً عبارة الأصل، ما لم يكن لفظ النسخة الأخرى أصح فأثبته وأشير إلى لفظ الأصل في الهامش، وهذا قليل جداً، لأن نسخة الأصل أكثر دقة، وقد أستعين في الضبط بمصادر الحديث.
2 ـ تخريج الأحاديث والآثار التي أوردها المصنف، بإحالتها إلى مواضعها من كتب السنة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
3 ـ دراسة الأحاديث والآثار من حيث الصحة أو الضعف معتمداً كلام العلماء فيها.
4 ـ الإشارة إلى مواضع الآيات من السور بذكر اسم السورة ورقم الآية.
5 ـ الترجمة لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب.

6 ـ قدمت للكتاب بدراسة تناولت فيها حياة المصنف الإجتماعية والعلمية، وبعض العناصر الأخرى المتعلقة بالمؤلف والكتاب.
7 ـ قمت بالتعليق على بعض المواضع التي تحتاج إلى ذلك، وقد يطول التعليق حسب ما يقتضيه الحال ويتطلبه المقام من تفصيل أو إيضاح.
8 ـ شرحت الكلمات الغريبة التي وردت في ثنايا نصوص الكتاب.
9 ـ وضعت عناوين جانبية لموضوعاته.
10 ـ ختمت عملي بالفهارس الآتية: 1ـ فهرس الآيات القرآنية.
2ـ فهرس الأحاديث والآثار.
3ـ فهرس للأعلام المترجم لهم.
4ـ فهرس للمراجع.
5ـ فهرس موضوعات المقدمة.
6ـ فهرس موضوعات الكتاب.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه وأن يكتب للجميع الأجر والثواب.
والله الهادي إلى سواء السبيل.

فصول الكتاب · 36 فصل · 264 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي
تأليف عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي
الأولى، 1414هـ/1993م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 45-74 — 3 من 37
فصول الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي · 264 صفحة
مقدمة الكتاب
مقدمة
النص المحقق (مقدمة المؤلف)...صفة الاستواء...صفة العلو...صفة الوجه...صفة اليدين...صفة المحبة والمشيئة والإرادة...صفة الضحك والفرح...صفة العجب والبغض...صفة السخط والكره والرضا...صفة النفس...صفة الرؤية...صفة الكلام...القول في القرآن...كلام الله بحرف وصوت...الإيمان بالقضاء والقدر...الإسراء والمعراج...رؤية الرسول ربه ليلة الإسراء...الشفاعة...الإيمان بالحوض...الإيمان بعذاب القبرالجنة والنارالإيمان بالميزان، قال الله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ 1.أركان الإيمان وزيادته ونقصانه...الإستثناء في الإيمانحقيقة الإيمان...الإيمان بخروج الدجال...نزول عيسى وقتله الدجال...الإيمان بملك الموت وفقء موسى عينه...ذبح الموت يوم القيامة...فصل: خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم...المفاضلة بين الخلفاء الراشدين...الشهادة بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم...فصل في فضل الإتباعمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل