كِتَابُ اللُّقَطَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الكلوذاني
- الكتاب
- الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
- المؤلف
- محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني
- المحقق
- عبد اللطيف هميم - ماهر ياسين الفحل
- الناشر
- مؤسسة غراس للنشر والتوزيع
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ / 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي] __________أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة
3
اللُّقَطَةُ: هِيَ المَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا كَانَ يَتَمَوَّلُ وتَتَبَّعُهُ الهِمَّةُ، فَأَمَّا التَّمَرَةُ والكِسْرَةُ وشَسْعُ النَّعْلِ 4، ومَا أَشْبَهَهُ فَيُبَاحُ الانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ.
ومَنْ وَجَدَ لُقْطَةً نَظَرَ في حَالِ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا ضَمِنَهَا، وإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا قَوِيَ عَلَى تَعْرِيْفِهَا فَهُوَ بالخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِهَا وتَرْكِهَا، والأَفْضَلُ تَرْكُهَا عَلَى ظَاهِرِ كَلاَمِهِ، وعِنْدِي: إِنْ وَجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ لاَ يَأْمَنْ عَلَيْهَا فالأَفْضَلُ تَرْكُهَا، وإِذَا أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَفِظُهَا، فَإِنْ رَدَّهَا إِلى مَوْضِعِهَا ضَمِنَ ثُمَّ يُعَرِّفُ جِنْسَهَا وقَدْرَهَا وعِفَاصَهَا 5 ووكَاءهَا، ويُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهَا، ويَجِبُ عَلَيْهِ تَعْرِيْفُهَا شَهْراً 6 سَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا أَو حِفْظَهَا عَلَى صَاحِبِهَا.
والتَّعْرِيْفُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَيْهَا في المَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ، وعَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَفِي12
الطَّرِيقِ والأَسْوَاقِ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيءٌ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أو فِضَّةٌ؟ ويَكُونُ التَّعْرِيْفُ في أَوْقَاتِ الصَّلوات وعِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، ويَجُوزُ مُتَفَرِّقاً في الحَوْلِ، وأُجْرَةُ المُنَادِي في مَالِ المُعَرِّفِ سَوَاءٌ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ يَعْقُوبَ، وَعِنْدِي: أَنَّ كَلاَمَهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَعْرِيْفِ مَا يَمْلِكُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُمْلَكُ أَو أَرَادَ الحِفْظَ عَلَى صَاحِبِهَا لاَ غَيْرُ رَجَعَ بالأُجْرَةِ عَلَيْهِ 1، وَإِذَا مَضَى الحَوْلُ مِنْ وَقْتِ التَّعْرِيْفِ وكَانَتْ عَيْناً وورِقاً مَلَكَها 2، وإِنْ كَانَتْ عُرُوضاً لَمْ يَمْلِكْهَا، وهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 3، ويُتَخَرَّجُ: أَنْ يَمْلِكَ العَرُوضَ أَيْضاً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: يَمْلِكُ الغَنَمَ.
وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ وابنُ الحَكَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ في الصَّيَّادِ يَقَعُ في شَبَكَتِهِ الكِيْسُ أو النُّحَاسُ يُعَرِّفُهُ سَنَةً / 209 و / فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وإِلاَّ فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ وشَبَّهَهُ باللُّقَطَةِ، قَالَ أَبو بَكْرٍ: مَنْ قَالَ بِمَسْكِهِ مُحَمَّدُ بنُ الحَكَمِ فَلَهُ وَجْهٌ أَيْضاً نَصَّ عَلَى مَذْهَبِهِ، وهَذَا نَصٌّ في تَمْلِيْكِ النُّحَاسِ بَعْدَ الحَوْلِ وَهُوَ مِنَ العُرُوضِ، وَقَدْ نقل عَنْهُ حَنْبَلٌ والبَغَوِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَمْلِكُ لُقْطَةً بحالٍ 4، وهَلْ تَدْخُلُ اللُّقَطَةُ في مِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بَعْدَ الحولِ، قَالَ شَيْخُنَا: ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهَا تَدْخُلُ 5، وعِنْدِي: لا تَدْخُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ولِهَذَا يَضْمَنُهَا لِمَالِكِهَا إِذَا أَنْفَقَهَا بَعْدَ الحَوْلِ، وإِذَا تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ قَبْلَ التَّمَلُّكِ لَمْ يَضْمَنْهَا، وإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ التَّمَلُّكِ ضَمِنَهَا أو نَقَصَتْ ضَمِنَ، وإِذَا أَخَذَهَا مَالِكُهَا قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَخَذَهَا مَعَ زِيَادَتِهَا، وإِنْ أَخَذَهَا بَعْدَ التَّمَلُّكِ أَخَذَهَا مَعَ زِيَادَتِهَا المُتَّصِلَةِ، فَأَمَّا المُنْفَصِلَةُ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ 6 بِنَاءً عَلَى الأَبِ إِذَا اسْتَرْجَعَ العَيْنَ المَوْهُوبَةَ وَقَدْ زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً فَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا أمْ لاَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وإِذَا جَاءَ طَالِبُ اللُّقَطَةِ فَوَصَفَهَا دُفِعَتْ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّهَا مُلْكَهُ انْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ الوَاصِفِ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ في يَدِ الوَاصِفِ فَلَهُ تَضْمِيْنُهُ إِيَّاهَا ولَهُ تَضْمِيْنُ المُلْتَقِطِ لَكِنَّ المُلْتَقِطَ إِنْ عَدِمَ رَجَعَ عَلَى الوَاصِفِ فَإِنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: تُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فمنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةٌ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ وأَخَذَهَا 1، فَإِنْ جَعَلَ المَالِكُ في رَدِّهَا شَيْئاً، فَإِنْ رَدَّهَا لأَجْلِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وإِنِ التَقَطَهَا لأَجْلِهِ ورَدَّهَا اسْتَحَقَّهُ، وإِذَا التَقَطَ مَا لاَ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ كَالبِطِّيْخِ والطَّبِيْخِ 2 عَرَّفَهُ بِقَدْرِ مَا يَخَافُ فَسَادَهُ، ثُمَّ هُوَ بالخِيارِ بَيْنَ بَيْعِهِ وحِفْظِ ثَمَنِهِ عَلَى مالِكِهِ وبَيْنَ أَكْلِهِ، وَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ لِمَالِكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ مالِكاً تَصَدق بالقِيْمَةِ، ورَوَى عَنْهُ مُهَنَّا: أَنَّهُ يَبِيْعُهُ إِنْ كَانَ يَسِيْراً، وإِنْ كَانَ كَثِيْراً رَفَعَهُ إلى السُّلْطَانِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَبِيْعُهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِماً 3، فَإِنْ وَجَدَ حَاكِماً رَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُمْكِنُ إِصْلاَحُهُ بالتَّجْفِيْفِ كَالرُّطَبِ والعِنَبِ، فَإِنْ كَانَ الحَظُّ في بَيْعِهِ بَاعَهُ، وإِنْ كَانَ في تَجْفِيفِهِ جَفَّفَهُ 4، فَإِنِ احْتَاجَ في التَّجْفِيْفِ إلى غَرَامَةٍ بَاعَ بَعْضَهُ في ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الإِمَامِ أَخْذَ الضَّوَالِّ المُمْتَنِعَةِ بِقُوَّتِهَا عَنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَالإِبِلِ والبَقَرِ والبِغَالِ والحَمِيْرِ 5 /210 ظ/، أو المُمْتَنِعَةِ بِطَيَرَانِهَا كَالحَمَامِ، أو بِسُرْعَتِهَا كَالظِّبَاءِ، ومَتَى أَخَذَهَا ضَمِنَهَا، فَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَى الإِمَامِ أو نَائِبِهِ زَالَ الضَّمَانُ.
فَأَمَّا غَيْرِ المُمْتَنِعَةِ كَالغَنَمِ والفُصْلاَنِ 6 والعَجَاجِيْلِ فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا أَمْ لاَ؟ عَلَى
رِوَايَتَيْنِ 7.
فَإِذَا أَخَذَهَا وعَرَّفَهَا فَهَلْ يَمْلِكُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 8.
فَإِنْ وَجَدَ مَالاً مَدْفُوناً فِي أَرْضٍ مَواتٍ فإنَّ كَانَ عَلَيْهِ عَلامَةُ الإسْلامِ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وإن كَانَ عَلَيْهِ عَلامةُ الكُفرِ فَهُوَ رِكَازٌ 1.
ولا فَرقَ فِيْمَا ذَكَرْنا بَيْنَ لُقْطَةِ الحِلِّ والحَرَمِ 2، وَعَنْهُ: لا يُلْتَقَطُ في الحَرَمِ إلا لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِها فأمّا للتمليك فَلاَ 3.
ولا فرق بَيْنَ أن يَكُوْنَ المُلْتَقِطُ غَنِيّاً أو فَقِيراً، عَدْلاً أو فاسِقاً يأمنُ نَفسَهُ عَلَى تعريفها، وَقِيْلَ: يضمُ إِلَى الفَاسِقِ أميناً في حِفْظِها وتَعْريفِها، وإنْ وَجَدَها صَبِيٌّ أو سَفيهٌ قامَ وَلِيُّهُ مقامهُ في تَعْريفها، فإنْ كَانَ المُلْتَقِطُ عَبداً فليس لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُها من يَدِهِ ولِلْعَبْدِ تَعْرِيفُها، فإنْ أنْفَقَهَا في السَّنَةِ فَهِيَ في رَقَبَتِهِ وإن أنفَقَها بَعْدَ السَّنَةِ فهي في ذِمّتِهِ نَصّ عَلَيْهِ 4، ولِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَها قَبْلَ الحَولِ وبَعْدَهُ فَيَسْقُطَ ضَمانُهَا عَنِ العَبْدِ، لَكنَّهُ إنِ انْتَزَعَها ولَمْ يُعَرِّفْهَا العَبْدُ عَرَّفَها، فإنْ كَانَ العَبْدُ قَدْ عَرَّفَها حَوْلاً مَلَكَها السَّيِّدُ، وإنْ عَلِمَ العَبْدُ أنَّ سَيِّدَهُ غَير مَأْمُونٍ عَلَيْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُها عَنْهُ أو تَسْلِيمُها إِلَى الحَاكِمِ حَتَّى يُعَرِّفَها عَاماً ثُمَّ تُدْفَعُ إِلَى سَيِّدِ العَبْدِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ في ذِمَّتِهِ.
فإنْ كانَ المُلْتَقِطُ مكاتباً فَحُكْمُهُ حُكْمُ الحُرِّ.
فإنْ كَانَ مُدبراً أو مُعلقاً عِتْقُهُ بِصِفَةٍ أو أُمّ وَلَدٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ العَبْدِ فإنْ كَانَ بَعضُهُ حُرّاً وَلَمْ يَكُنْ بينه وبين السّيِّدِ مُهَايَأةٌ كَانَتْ بينَهُما بَعْدَ التَّعْرِيفِ يَمْلِكُ مِنْهَا بِمِقْدَار حُرِّيَّتِهِ، وإنْ كَانَ بَينَهُما مُهَايَأَةٌ فَهَلْ تَدْخُلُ فِيْهَا اللُّقَطَةُ أم لا؟ عَلَى وَجْهَينِ 5، أحدُهُما: تَدْخُلُ في المُهَايأةِ فإنْ وَجَدَها في يَومِهِ فهي لَهُ وإن وَجَدَها في يَوْمِ السَّيِّدِ فهي لِلسَّيِّدِ، والثَّانِي: لا تَدخُلُ ويكُونُ بينَهُمَا فإنْ كَانَ المُلْتَقِطُ ذِمِّيّاً في دَارِ الإسْلامِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِ في ذَلِكَ.