كِتَابُ الإِجَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الكلوذاني
- الكتاب
- الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
- المؤلف
- محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني
- المحقق
- عبد اللطيف هميم - ماهر ياسين الفحل
- الناشر
- مؤسسة غراس للنشر والتوزيع
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ / 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي] __________أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة
الإجَارَةُ: عَقْدٌ عَلَى المَنَافِعِ 2 لاَزِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لاَ يَصِحُّ إلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ في المَالِ 3، وتَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الإِجَارَةِ الكَري، وهَلْ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ البَيْعِ؟ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ 4. وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ 5:
- مُتَعَلِّقَةٌ بالذِّمَّةِ كالاسْتِئْجَارِ لِتَحْصِيْلِ خِيَاطَةٍ أو بِنَاءٍ أو حَمْلِ شَيءٍ مِنْ مَكَانٍ إلى مَكَانٍ، فَهَلْ يَلْزَمُ الوَفَاءُ بِهَا عَلَى شَرَائِطِهَا كَالسَّلَمِ.
- ومُتَعَلِّقَةٌ بالعَيْنِ كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ للسُّكْنَى والدَّابَّةِ للرُّكُوبِ والإِنْسَانِ للخِدْمَةِ فَيَلْزَمُ الوَفَاءُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ العَيْنِ وإِمْكَانِ الانْتِفَاعِ /185 و/ بِهَا، فَإِنْ تَلِفَتِ العَيْنُ انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ فِيْمَا بَقَى مِنَ المُدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ دَاراً فَانْهَدَمَتْ أو أَرْضاً للزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا انْفَسَخَتِ1
الإِجَارَةُ فِيْمَا بَقِيَ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ 1، وَفِي الآخر 2: يَثْبُتُ للمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الفَسْخِ، فَإِنْ وَجَدَهَا مَعِيْبَةً أو حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ فَلَهُ الفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى، فَإِنْ غُصِبَتِ العَيْنُ حَتَّى انْقَضَتِ مُدَّةُ الإِجَارَةِ فَهُوَ بالخِيَارِ بَيْن دَفْعِ الإِجَارَةِ المُسَمَّاةِ ومُطَالَبَةِ الغَاصِبِ بِأُجْرَةِ المِثْلِ وبَيْنَ فَسْخِ الإِجَارَةِ، ويُتَخَرَّجُ انْفِسَاخُ العَقْدِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُوْلُ: إِنْ مَنَافِعَ الغَصْبِ لاَ تُضْمَنُ، فَإِنْ هَرَبَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ والإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ مِثْلُ: خِيَاطَةِ قَمِيْصٍ أو بِنَاءِ دَارٍ ثَبَتَ لَهُ الخِيَارُ بَيْنَ الفَسْخِ وبَيْنَ البَقَاءِ إلى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَيُطَالِبُهُ بالعَمَلِ 3، فَإِنْ كَانَتْ الإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ فَانْقَضَتْ في هَرَبِهِ خُرِّجَ عَلَى الوَجْهَيْنِ في الغَاصِبِ.
ولاَ يَصِحُّ عَقْدُ الإِجَارَةِ عَلَى مَنَافِعَ عَيْنٍ لا يمكن اسْتِيفَاءِ المَنْفَعَةِ مِنْها مِثْلُ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَرْضاً للزِّرَاعَةِ سَبْخَةً لاَ 4 تُنْبِتُ، أَو لاَ مَاءَ لَهَا، أَو لَهَا مَاءٌ لاَ يَدُومُ لِمُدَّةِ الزَّرْعِ، أَو دَابَّةً للرُّكُوبِ وَهِيَ زَمِنَةٌ ولاَ تَصِحُّ إلاَّ عَلَى عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ بِرُؤْيَةٍ أَو صِفَةٍ في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ 5، ويَصِحُّ في الآخَرِ.
وللمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، كَقَوْلِنَا في شِرَاءِ الأَعْيَانِ الغَائِبَةِ، ولاَ يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةِ القَدَرِ إِمَّا بالزَّمَانِ كَسُكْنَى شَهْرٍ وخِدْمَةِ سَنَةٍ، أو بالعَمَلِ كَالإِجَارَةِ عَلَى بِنَاءِ دَارٍ، أَو خِيَاطَةِ قَمِيْصٍ، أَو الرُّكُوبِ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ 6، فَإِنْ شَرَطَ تَقْدِيْرَ العَمَلِ والزَّمَانِ فَقَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَبْنِيَ لي هذِهِ الدَّارَ في شَهْرٍ لَمْ تَصِحَّ، ويَجُوزُ عَقْدُ الإِجَارَةِ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ يَجُوزُ بَقَاءُ العَيْنِ فِيْهَا وإِنْ طَالَتْ، ولاَ يَجُوزُ عَلَى مُدَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ كَقَوْلِهِ: أَجَرْتُكَ سَنَةً أو شَهْراً، فَإِنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ هذِهِ العَيْنَ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا، لَمْ يَصِحَّ العَقْدُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، ويَصِحُّ في الأُخْرَى 7، وكُلَّمَا دَخَلاَ في شَهْرٍ لَزِمَهُمَا حُكْمُ
الإِجَارَةِ فِيهِ 1، فَإِنْ فسخ أَحَدُهُمَا عقيب الشَّهْر انْفَسَخَتْ، فَإِنْ أَجَرَهُ شَهْرَ رَمَضَانَ فَهُوَ في رَجَبٍ، أو سَنَةَ خَمْسٍ ويَكُونُ سَنَةَ أَرْبَعٍ صَحَّ العَقْدُ، فَإِنْ أَجَرَهُ عَيْناً شَهْراً فَسَلَّمَها إِلَيْهِ لِصِفَةِ أو مَنْفَعَةٍ مِنْها بَقِيَّةُ الشَّهْرِ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ أُجْرَةَ مَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الإِجَارَةِ إلى مَعْرِفَةِ المَنْفَعَةِ إِمَّا بالعُرْفِ كَسُكْنَى دَارٍ أو لُبْسِ قَمِيْصٍ ومَا أَشْبَهَهُ، أو بالوَصِفِ كَقَوْلِهِ: لِتَحْمِلَ لي زُبْرَةَ حَدِيْدٍ وَزْنُهَا كَذَا إلى مَوْضِعِ كَذَا أو لِتَبْنِيَ لي حَائِطاً طُوْلُهُ كَذَا وعرْضُهُ كَذَا وعُلُوُّهُ كَذَا بِلَبِنٍ وطِيْنٍ أو آجُرٍ وطِيْنٍ، أو أَجَرْتُكَ هذِهِ الدَّارَ لِنَزْرَعَ فِيْهَا كَذَا وكَذَا وما أشْبَهَهُ، فَإِنْ / 186 ظ / كَانَ مِمَّا لاَ يَدْخُلُهُ الوَصْفُ كَالمِحْمَلِ والرَّاكِبِ ومَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الأَغْطِيَةِ والأَوْطِيَةِ لَمْ يَمُرَّ حَتَّى يَرَى ذَلِكَ وجَمِيْعَ مَا يحْتَاجُ إِلَيْهِ للتَّمَكُّنِ مِنَ الانْتِفَاعِ كَزِمَامِ الجَمَلِ والبَرْذَعَةِ والحِزَامِ واليَالاَنِ والتَّوْطِيَةِ وشَدِّ المِحْمَلِ والرَّفِعِ والحَطِّ ولزُومِ البَعِيْرِ لِيَنْزِلَ لِصَلاَةِ الفَرِيْضَةِ ومَا جَرَتِ العَادَةُ أَنْ يُوطَأَ بِهِ المَرْكُوب للرَّاكِب، فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى المُؤَجِّرِ، وكَذلِكَ مِفْتَاحُ الدَّارِ وعِمَارَةُ حِيْطَانِهَا وسُقُوْفِهَا وتَقْيِيْرِ الحَمَّامِ وعَمَلِ البَزْلِ وخُرُوجِ المَاءِ وعِمَارَةِ المسْتَوْقِدِ، كُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُ المُؤَجِّرَ، أَمَّا تَفْرِيْقُ البَالُوعَةِ والكَنِيْفِ فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً 2، وللمُكْتَرِي اسْتِيْفَاءُ المَنْفَعَةِ بِالمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ ولِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ مِمَّنْ يُؤَجِّرُهُ أَو يُعِيْرُهُ، وإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضاً للزِّرَاعَةِ لِشَيءٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا هُوَ دُوْنَهُ في الضَّرَرِ، ويَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا اسْتَأْجَرَ بِمِثْلِ الإِجَارَةِ، والزِّيَادَةُ في إِحْدَى الرِّوَايَاتِ 3، ولاَ يَجُوزُ في الثَّانِيَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ المُؤَجِّرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: إِنْ حَدَّدَ في العَيْنِ عِمَارَةً جَازَ أَنْ يُؤَجِّرَ بِالزِّيَادَةِ، وإِنْ لَمْ يُحَدِّدْ تَصَدَّقَ بالزِّيَادَةِ، ويَجُوزُ بَيْعُ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ مِنْ غَيْرِ المُسْتَأْجِرِ ولاَ تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ المُشْتَرِي بالإِجَارَةِ فَلَهُ الخِيَارُ إِذَا عَلِمَ في الفَسْخِ والإِمْضَاءِ، فَإِنْ بَاعَهَا مِنَ المُسْتَأْجِرِ فَهَلْ تُفْسَخُ الإِجَارَةُ؟ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ 4.
ولاَ تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِ المُسْتَأْجِرَيْنِ، ولاَ تَنْفَسِخُ بِعُذْرٍ في حَقِّ المُسْتَأْجِرِ 5
مِثلُ أَنْ يَكْتَرِيَ لِيَحِجَّ فَتَضِيْعُ نَفَقَتُهُ، أَو يَكْتَرِيَ دُكَّاناً لِيَبِيْعَ فِيهِ البُرَّ فَيَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ، وإِذَا مَاتَ الجَمَّالُ أَو هَرَبَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ وتَرَكَ الجِمَالَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالاً بَاعَ الفَاضِلَ عَنِ المُكْتَرَى مِنَ الجِمَالِ وأَنْفَقَهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهَا فَضْلٌ اسْتَدَانَ عَلَيْهَا النَّفَقَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ جَازَ للمُكْتَرِي أَنْ يُنْفِقَ بِإِذْنِ الحَاكِمِ لِيَكُونَ دَيْناً عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ الجَمَّالُ واخْتَلَفَا في النَّفَقَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْفِقِ، فَإِنْ أَنْفَقَ المُكْتَرِي مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الحَاكِمِ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى النَّفَقَةِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وإِنْ أَشْهَدَ بالرُّجُوعِ في النَّفَقَةِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 1.
وإِذَا وَصَلَ المُكْتَرِي إِلى المَكَانِ الَّذِي اكْتَرَى إِلَيْهِ رَفَعَ الأَمْرَ إلى الحَاكِمِ؛ لِيَبِيْعَ مَا يَرَى بَيْعَهُ ويَقْضِيَ دَيْنَ المُنْفِقِ ويَحْفَظَ البَاقِيَ للجِمَّالَ أَو لِوَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلى مَكَانٍ فَجَاوَزَهُ فَعَلَيْهِ المُسَمَّى وأُجْرَةُ المِثْلِ للزِّيَادَةِ، وكَذلِكَ إِنِ اكْتَرَى بِحَمْلِ شَيءٍ فَحَمَلَ أَكْثَرَ مِنْهُ ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ 2، وذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مَا بُذِلَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ المِثْلِ للجَمِيْعِ / 187 و / فَإِنْ تَلِفَتْ البهيِمَّةُ في حَالِ زِيَادَةِ الطَّرِيْقِ أو الحَمْلِ ولَيْسَتْ في يَدِ صَاحِبِهَا فَعَلَى المُكْتَرِي كَمَالُ قِيْمَتِهَا، وإِنْ كَانَتْ في يَدِ صَاحِبِهَا احْتَمَلَ أَنْ يُلْزِمَهُ كَمَالَ قِيْمَتِهَا أَيْضاً، واحْتَمَلَ أَنْ يُلْزِمَهُ نِصْفَ قِيْمَتِهَا.
وَإِذَا ضَرَبَ الدَّابَّةَ أَو كَبَحَهَا 3 باللِّجَامِ بِمِقْدَارِ العَادَةِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وكَذلِكَ الحُكْمُ في الرَّائِضِ 4، والمُعَلِّمِ إِذَا ضَرَبَ الصَّبِيَّ، والزَّوْجِ إِذَا ضَرَبَ زَوْجَتَهُ في النُّشُوزِ، ولاَ ضَمَانَ عَلَى الأَجْيرِ المُشْتَرِكِ فِيْمَا لَمْ تَجْنِ يَدُهُ كَالقَصَّارِ والحَدَّادِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ وأَبِي 5 بَكْرٍ 6، وَعَنْهُ: أنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الهَلاَكُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كالحَرِيْقِ واللُّصُوصِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ 7، وإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كالضَّيَاعِ ضَمِنَ.
فَأَمَّا مَا جَنَتْ يَدُهُ فَيَضْمَنُ، نَصَّ عَلَيْهِ، ويُتُخَرَّجُ أَنْ لاَ يَضْمَنَ بِنَاءً عَلَى مَا إِذَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ فَأَقْضَاهَا أو = ظاهر كلام أحمد.
وشمل كلام الخرقي - رحمه الله - إذا مات المَوْقُوْف عليه فانتقل الوقف إلى من بعده، فإن الإجارة لا تنفسخ وهو أحد الوجهين، والوجه الآخر تنفسخ، وهو قول أبي إسحاق بن شاقلا، وأومأ إليه أحمد لا للموت؛ بَلْ لأن ملكه قَدْ زال.
شرح الزَّرْكَشِيّ 2/ 581.
اقْتَصَّ مِنْ عُضْوٍ فَمَاتَ المُقْتَصُّ مِنْهُ.
وأمَّا الأَجِيْرُ الخَاصُّ (1): وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إلى المُسْتَأْجِرِ للعَمَلِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا جَنَتْ يَدُهُ، إلاَّ أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الجِنَايَةَ.
وإِذَا أَتْلَفَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ بَعْدَ عَمَلِهِ فَمَالِكُ الثَّوْبِ بِالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ إِيَّاهُ غَيْر مَعْمُولٍ ولاَ أُجْرَةَ عَلَيْهِ وبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ إِيَّاهُ مَعْمُولاً ويَدْفَعُ إِلَيْهِ أُجْرَتَهُ، فَإِنْ تَمَلَّكَ الثَّوْبَ مِنْ حِرْزِهِ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ، فَإِنْ حَبَسَهُ عَلَى الأُجْرَةِ فَتَلِفَ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، ولاَ ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ ولا خَتَّانٍ ولا مُتَطَبِّبٍ ولاَ بَزَّاغٍ (2) إذَا لَمْ تَجْنِ أَيْدِيْهِمْ (3)، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ وَفِي الأَرْضِ غِرَاسٌ أو بِنَاءٌ لَمْ يَشْتَرِطْ في عَقْدِ الإِجَارَةِ قَلَعَهُ عِنْدَ انْقِضَائِهَا فَالمُؤَجِرُ بالخِيَارِ بَيْنَ تَرْكِهِ بالأُجْرَةِ وبَيْنَ قَلْعِهِ ويَضْمَنُ مَا يَقُصُّ، فَإِنْ كَانَ في الأَرْضِ زَرْعٌ وَلَمْ يَكُنْ بَقَاؤُهُ بِتَفْرِيْطٍ مِنَ المُسْتَأْجِرِ لَزِمَ المُؤَجِّرُ تَرْكُهُ بالأُجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ بِتَفْرِيْطٍ مِنَ المُسْتَأْجِرِ فللمؤجر أَخْذُهُ بالقِيْمَةِ أو تَرْكُهُ بالأُجْرَةِ.
وَإِذَا دَفَعَ إِلى خَيَّاطٍ ثَوْباً لِيُفَصِّلَهُ واخْتَلَفَا فَقَالَ المَالِكُ: أَمَرْتُكَ بِتَفْصِيْلِهِ قُبَّاء (4)، وَقَالَ الخَيَّاطُ: بَلْ أَمَرْتَنِي بِقَطْعِهِ قَمِيْصاً فَالقَوْلُ قَوْلُ الخَيَّاطِ مَعَ يَمِيْنِهِ، وإِذَا اسْتَأْجَرَ دَاراً سَنَةً في أَثْنَاءِ الشَّهَرِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً بالأَهِلَّةِ وشَهْراً بالعَدَدِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الأُخْرَى: يَسْتَوْفِي الجَمِيْعَ بالعَدَدِ.
بَابُ مَا يَصِحُّ من الإِجَارَةِ ومَا لاَ يَصِحُّ
تَصِحُّ إِجَارَةُ كُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَالأَرْضِ والدَّارِ والعَبْدِ والبَهِيْمَةِ1234
ونَحْوِهَا / 188 ظ/ ولاَ تَجُوزُ إِجَارَةُ مَا لاَ يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كالمَطْعُومَاتِ كُلِّهَا والشَّمَعِ 1 والمَشْرُوبِ إِلاَّ في لَبَنِ الظِّئْرِ ونَقْعِ البِئْرِ فَإِنَّهُمَا يَدْخُلاَنِ تَبَعاً 2.
ولاَ يَجُوزُ عَقْدُ الإِجَارَةِ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَالغِنَاءِ والزَّمْرِ 3 ونَحْوِهِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ الخَمْرِ والخِنْزِيْرِ والمَيْتَةِ لَمْ يَصِحَّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ويَصِحُّ في الأُخْرَى 4، ويُكْرَهُ لَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ، ولاَ يَصِحُّ إِيْجَارُ دَارِهِ لِمَنْ يَتِّخِذُهَا كَنِيْسَةً أو بَيْعَةً أو يَبِيْعُ فِيْهَا الخَمْرَ، وتَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِمَنْ يَتَّخِذُهَا مَسْجِداً 5، وإِذَا اسْتَأْجَرَ لِحَجْمِهِ لَمْ يَصِحَّ في قَوْلِ شَيْخِنَا، وعِنْدِي: أَنَّهُ يَصِحُّ ويُكْرَهُ للأَجِيْرِ أَكْلُ الأُجْرَةِ، ويَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهَا عَبْدَهُ ونَاصِحَهُ.
ولاَ يَجوز اسْتِئْجَارُ الفَحْلِ للضَّرْابِ والكَلْبِ للصَّيْدِ في ظَاهِرِ المَذْهَبِ، ويُتَخَرَّجُ الجَوَازُ، ولاَ يَجُوزُ الاسْتِئْجَارُ عَلَى الآذَانِ والصَّلاَةِ والحَجِّ وتَعْلِيْمِ القُرْآنِ والفِقْهِ في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، ويَجُوزُ في الأُخْرَى.
ولاَ يَجُوزُ إِجَارَةُ المُصْحَفِ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَجُوزُ في الآخَرِ 6، ويَجُوزُ إِجَارَةُ كُتُبِ الفِقْهِ واللُّغَةِ والشِّعْرِ 7، ولاَ يَجُوزُ إِجَارَةُ الحُلِيِّ بأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَالَ شَيْخُنَا:
يَصِحُّ مَعَ الكَرَاهِيَّةِ، ولاَ يَجُوزُ إِجَارَةُ المَتَاعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أبو حَفْصٍ العكْبُرِيُّ: يَصِحُّ، وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللهُ - ولا يَجُوزُ إِجَارَةُ المُسْتَعَارِ إلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ المَالِكُ في مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، ويَصِحُّ إِجَارَةُ الوَقْفِ 1، فَإِنْ مَاتَ مُؤَجِّرُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِجَارَةِ فانْتَقَلَ إلى مَنْ شَرَطَ لَهُ بَعْدَهُ لَمْ تَنْفَسِخْ الإِجَارَةُ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ 2، ويأْخُذُ المنْتَقِلُ إِلَيْهِ الوَقْفَ حِصَّتَهُ مِنَ الأُجْرَةِ من يَوْمِ مَوْتِ الأَوَّلِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ بالمَوْتِ في حَقِّ الغَيْرِ لا ناسِياً أَنَّهُ أَجَّرَ حَقَّهُ وحَقَّ غَيْرِهِ فَصُحَّ في حَقِّهِ وبَطَلَ في حَقِّ غَيْرِهِ ويَجُوزُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ يَضَعُ عَلَيْهِ خَشَبَةً، ويَصح اسْتِئْجَارُ زَوْجَتِهِ لِرِضَاعِ وَلَدِهِ وَحَضَانَتِهِ 3 ولاَ يَجوز للمَرْأَةِ إِيْجَارُ نَفْسِهَا للرَّضَاعِ والخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، ويَصِحُّ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ 4، ويَجُوزُ للوَلِيِّ إِجَارَةُ اليَتِيْمِ، فَإِنْ بَلَغَ في مُدَّةِ الإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الفَسْخُ وكَذلِكَ إِذَا أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ في المُدَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الفَسْخُ 5، ويَجُوزُ اسْتِئْجَارُ شَرِيْكِهِ لِخِيَاطَةِ ثَوْبِهِ أو حَمْلِ مَتَاعِهِ، ويَجُوزُ إِجَارَةُ الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيْرِ للوَزْنِ، فَإِنْ أَطْلَقَ الإِجَارَةَ فَقَالَ شَيْخُنَا: لاَ يصِحُّ ويكونُ قَرْضاً، وعِنْدِي: إِنَّمَا تَصِحُّ ويُنْتَفَعُ بِهَا في الوَزْنِ وتحِلْيَةِ المَرْأَةِ.
ويَجُوزُ = يستأجر سقفاً لينظر إلى عمله.
قَالَ ابن قدامة: ولنا أن فِيهِ نفعاً مباحاً يحتاج إليه تجوز الإعارة لَهُ فجازت الإجارة لَهُ كسائر المنافع.
وفارق النظر إلى السقف فإنه لا حاجة إليه ولا جرت العادة بالإعارة من أجله، وتجوز إجارة كِتَاب فِيهِ خط حَسَن ينقل مِنْهُ ويكتب عَلَيْهِ عَلَى قياس ذَلِكَ.
انظر: الشرح الكبير 6/ 31.
الاسْتِئْجَارُ عَلَى القِصَاصِ /189 و/ في النَّفْسِ والطَّرفِ والأُجْرَةُ عَلَى المُقْتَصِّ مِنْهُ، وإِذَا قَالَ لَهُ: إِنْ خِطْتَ لي هَذَا الثَّوْبَ اليَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وإِنْ خِطْتَهُ غَداً فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ لَمْ تَصِحَّ الإِجَارَةُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وتَصِحُّ في الأُخْرَى 1، فَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَهُ رُوْمِيّاً فَلَكَ دِرْهَمٌ، وإِنْ خِطْتَهُ فَارِسِيّاً فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ 2 بِنَاءً عَلَى المَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وكَذلِكَ إِذَا قَالَ: أجَرْتُكَ هَذَا الحَانُوتَ إِنْ قَعَدْتَ فِيهِ خَيَّاطاً بِخَمْسَةٍ، أو حَدَّاداً بِعَشرَةٍ يُخَرَّجُ عَلَى الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً فَقَالَ: إِنْ رَدَدْتَهَا اليَوْمَ فَكِرَاهَا خَمْسَةٌ، وإِنْ رَدَدْتَهَا غَداً فَكِرَاهَا عَشرَةٌ، فَقَالَ في رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ: لاَ بَأْسَ 3، وكَذلِكَ نَقَلَ أَبو الحَارِثِ في رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً عَشرَةَ أَيَّامٍ بِعَشرَةِ دَرَاهِمَ، فَإِنْ حَبَسَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ يَومٍ دِرْهَمٌ فَهُوَ جَائِزٌ 4، وَقَدْ تَأَوَّل شَيْخُنَا هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ، وجَائِزٌ في الأَوَّلِ، ويَبْطُلُ في الثَّانِي 5، والظَّاهِرُ: أَنَّ قَوْلَهُ يَرْجِعُ إلى مَا فِيهِ الإشْكَالُ 6، وإِذَا اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ كِتَابٍ إِلى صَاحِبٍ لَهُ بِمَكَّةَ بِحَمْلِهِ فَوَجَدَ الصَّاحِبَ مَيِّتاً فَرَدَّهُ إِلَيْهِ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ 7، وإِذَا دَفَعَ ثَوْبَهُ إلى قَصَّارِ أو خَيَّاطٍ لِيَقْصُرَهُ ويَخِيْطَهُ ففَعَلاَ ذَلِكَ
فَلَهُمَا أُجْرَةُ المِثْلِ، وإِنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ عَقْدَ الإِجَارَةِ (1)، وكَذلِكَ إِذَا دَخَلَ حَمَّاماً أو قَعَدَ مَعَ مَلاَّحٍ إِلَى مَوْضِعٍ وتَجِبُ الأُجْرَةُ في الإِجَارَةِ بِنَفْسِ العَقْدِ (2) فَإِنْ شَرَطَ تَأْجِيْلَهَا جاز، وكَذلِكَ يَجِبُ مِنْ نَقْدِ بَلَدٍ العَقْد إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ نَقْدَ بَلَدٍ آخَرَ.