كِتَابُ البُيُوْعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الكلوذاني
- الكتاب
- الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
- المؤلف
- محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني
- المحقق
- عبد اللطيف هميم - ماهر ياسين الفحل
- الناشر
- مؤسسة غراس للنشر والتوزيع
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ / 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي] __________أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة
بَابُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ومَا لاَ يَجُوزُ
كُلُّ عَيْنٍ طَاهِرَةٍ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنَّهُ يَجُوْزُ بَيْعُهَا كَالعَقَارِ والمَتَاعِ والحَيَوَانِ، فَأَمَّا الخَمْرُ والمَيْتَةُ والدَمُ والسِّرْجِيْنُ النَّجِسُ وحَشَرَاتُ الأَرْضِ والخِنْزِيْرُ والكَلْبُ وسِبَاعُ البَهَائِمِ الَّتِي لا تَصْلُحُ للاصْطِيَادِ فَلاَ يَجُوْزُ بَيْعُهَا، واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في بَيْعِ الفِيْلِ والفَهْدِ والسِّنَّوْرِ والبَازِ والصَّقْرِ، فَعَنْهُ أنَّهُ: يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ 9، وَعَنْهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ 10، ويَجُوزُ بَيْعُ البَغْلِ والحِمَارِ سَوَاءٌ قُلْنَا: هُمَا طَاهِرَانِ أو نَجِسَانِ،12345678
ويَجُوْزُ بَيْعُ دُوْدِ القَزِّ وبَزْرِهِ وبَيْعِ النَّحْلِ مَعَ الكُوَّارَاتِ 1 ومُنْفَرِدَةً عَنْهَا، فَأَمَّا الأَدْهَانِ النَّجِسَةِ 2 فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وفي جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ، ويُتَخَرَّجُ عَلَى جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا جَوَازُ بَيْعِهَا، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ 3، والآخَرِ: يَجُوْزُ.
ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الوَلَدِ ويَجُوزُ بَيْعُ المُدَبَّرِ 4، وَعَنْهُ: لاَ يَجُوزُ إلاَّ لأَجْلِ الدَّيْنِ 5، وحُكْمُ المُدَبَّرَةِ حُكْمُهُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا 6 بِحَالٍ، ويَجُوزُ بَيْعُ المُكَاتِبِ 7 وَيَكُوْنُ عَلَى كِتَابَتِهِ عِنْدَ المُشْتَرِي، وَعَنْهُ: لاَ يَجُوْزُ بَيْعُهُ، ويَجُوزُ بَيْعُ المُرْتَدِّ والقَاتِلِ في المُحَارَبَةِ والجَاني سَوَاءٌ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْداً أو خَطأً عَلَى النَّفْسِ ومَا دُوْنَهَا، ولاَ يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كالطَّيْرِ في الهَوَاءِ والسَّمَكِ في المَاءِ 8 والعَبْدِ الآبِقِ 9 والجَمَلِ الشَّارِدِ.
ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ مَا تُجْهَلُ صِفَتُهُ كَالحَمْلِ في البَطْنِ واللَّبَنِ في الضَّرْعِ 10 والبَيْضِ في الدَّجَاجِ والمِسْكِ في الفَأْرَةِ 11 والنَّوَى في التَّمْرِ، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ الصُّوْفِ عَلَى الظَّهْرِ 12، وَعَنْهُ يَجُوزُ 13 بِشَرْطِ / 130 ظ / جَزِّهِ في الحَالِ، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ الوَقْفِ إِلاَّ أنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: إِذَا خَرِبَ، أو كَانَ فَرَساً فَعَطِبَ جَازَ بَيْعُهُ وصُرِفَ ثَمَنُهُ في مِثْلِهِ، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ ولاَ إِجَارَةِ بُيُوْتِهَا عَلَى الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ: إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً 14 وعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: فُتِحَتْ
صُلْحاً 1 يَجُوزُ ذَلِكَ.
فَأَمَّا أَرْضُ السَّوَادِ، وَهِيَ مِنْ حَدِيْثَةِ المَوْصِلِ إلى عَبَّادَانَ طُوْلاً ومِنْ عُذَيْبِ القَادِسِيَّةِ إلى حُلْوَانَ عُرْضاً، فَيَكُوْنُ طُوْلُهُ مِئَةً وسِتِّيْنَ فَرْسَخاً وعرضه ثمانين رسخاً، [وسُمِّيَ سَوَاداً؛ لأَنَّ العَرَبَ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِهَا ولاَ تَزْرَعُ بِهَا ولاَ شَجَرَ فَيَظْهَرُ لَهُمْ خُضْرَةُ الأَشْجَارِ والزَّرْعِ بالعِرَاقِ] 2، وهُمْ يَجْمَعُونَ في الاسْمِ بَيْنَ الخُضْرَةِ والسَّوَادِ فَيُسَمُّونَهُ سَوَاداً، وسَمُّوا العِرَاقَ عِرَاقاً لاسْتِواءِ أَرْضِهِ وخُلُوِّهَا مِنْ جِبَالٍ مُرْتَفِعَةٍ وأَوْدِيَةٍ مُنْخَفِضَةٍ.
ومَذْهَبُ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسِّمْهَا عُمَرُ - رضي الله عنه - بَيْنَ الغَانِمِيْنَ بَلْ وَقَفَهَا عَلَى كَافَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وأَقَرَّهَا في يَدِ أَرْبَابِهَا بالخَرَاجِ الَّذِي ضَرْبهُ يَكُوْنُ أُجْرَةً لَهَا في كُلِّ عَامٍ، وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ المَصْلَحَةِ فِيْهَا فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا 3 ولاَ شِرَاؤُهَا، وَعَنْهُ: أنَّهُ كَرَّهَ بَيْعَهَا وأَجَازَ شِرَاءَهَا، فَأمَّا إِجَازَتُهَا 4 فَجَائِزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لأنَّهَا فِي يَدِ أَرْبَابِهَا مُسْتَأْجَرَةً بالخَرَاجِ فَأَجَارة المُسْتَأْجِر جَائِزَةً، ويَجُوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ مَعَ الكَرَاهِيَةِ 5، وَعَنْهُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ 6، وهَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ وإِبْدَالُهُ أَمْ لاَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 7. ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ حَبَلِ الحبلة - وَهُوَ نِتَاجُ الجَنِيْنِ -، ولاَ بَيْعَ المَلاَقِيْحِ - وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي بُطُوْنِ الأَنْعَامِ -، ولاَ بَيْعَ المَضَامِيْن - وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي ظُهُوْرِهَا -، ولاَ بَيْعَ كُلِّ مَعْدُومٍ إلاَّ فِي السَّلَمِ والإِجَارَةِ رُخْصَةٌ، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَا عُدَّ كَمِيَاهِ 8 ونَقْعِ البِئْرِ،
وغَيْرِ ذَلِكَ، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي المَعَادِنِ الجَارِيَةِ مِنَ القِيْرِ والنِّفْطِ والمِلْحِ (1)، ومَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئاً مَلَكَهُ إلاَّ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ إلاَّ بِإِذْنِهِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِمَالِكِ الأَرْضِ بَيْعُ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ الأَرْضِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا، وكَذَلِكَ الحُكْمُ في النَّابِتِ في أَرْضِهِ مِنَ الكَلأ (2) والشَّوْكِ، فَأَمَّا المَعَادِنُ الجَامِدَةُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وسَائِرِ الجَوَاهِرِ فَإِنَّها تُمَلَّكُ بمِلْكَ الأَرْضِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا (3).
بَابُ مَا يَصِحُّ مِنَ البُيُوْعِ ومَا لاَ يَصِحُّ
لاَ تَصِحُّ بُيُوعُ الأَعْيَانِ / 131 و / إلاَّ بِرُؤْيَةٍ أو صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ المَبِيْعِ، فأَمَّا إِنْ رَآها وَلَمْ يَعْلَمْ ما هِيَ، أو ذَكَرَ لَهُ بَعْضَ صِفَاتِهَا الَّتِي لاَ تَكْفِي في صِحَّةِ السلم لَمْ تَصِحَّ 4، وإِذَا وَجَدَهَا عَلَى الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الفَسْخُ، فَإِنْ رَآهَا ثُمَّ عَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ لاَ يَتَغَيَّرُ العين فِيْهِ جَازَ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لاَ يجُوزُ حَتَّى يَرَاهَا حَالَ العَقْدِ، فَإِنْ رَآهَا ثُمَّ عَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ ثُمَّ وَجَدَهَا قَدْ تَغَيَّرتْ فَلَهُ الفَسْخُ، كَمَا لَوْ وُصِفَتْ لَهُ فَرَآهَا بِخَلاَفِ الصِّفَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا في التَّعْيِيْنِ أَو الصِّفَةِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، ونَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ: أَنَّ بَيْعَ الأَعْيَانِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ولاَ صِفَةٍ يَصِحُّ، ويَكُوْنُ لَهُ اخْتِيَارُ الرُّؤْيَةِ 5، وإِذَا بَاعَ سِلْعَةً بِرَقْمِهَا أو بِأَلْفِ دِرْهَمِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، وإِذَا بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إلاَّ قَفِيْزاً 6 لَمْ123
يَصِحَّ، وإِنْ بَاعَ قَفِيْزاً مِنَ الصْبرَةِ صَحَّ، وإِذَا بَاعَهُ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً إلاَّ جَرِيْباً 1، أو بَاعَهُ جَرِيْباً مِنْهَا وكَانَا يَعْلَمَانِ جُرْبَانَ الضَّيْعَةِ صَحَّ البَيْعُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا 2 جُرْبَانَهَا لَمْ يصِحَّ، فَإِنْ بَاعَهُ قطِيْعاً كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، أو صُبْرَةً كُلَّ قَفِيْزٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ البَيْعُ 3 وإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مِقْدَارَ ذَلِكَ حَالَ العَقْدِ.
وإِذَا جَمَعَ في البَيْعِ بَيْنَ عَبْدٍ وحُرٍّ، أو خَلٍّ وخَمْرٍ، أَو عَبْدِهِ وعَبْدِ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ فِيْهِمَا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 4، والأُخْرَى: يَصِحُّ في عَبْدِهِ و [فِي] 5 الخَلِّ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ 6. وإِذَا جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَي الحُكْمِ كَالبَيْعِ والصَّرْفِ، أَو الإجَارة والبَيْعِ، أو الكِتَابَةِ والبَيْعِ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ العَقْدُ فِيْهِمَا في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ 7، والآخَرِ: يَصِحُّ العَقْدُ فِيْهِمَا ويَسْقُطُ العِوَضُ عَلَى قَدْرِ قِيْمَتِهَما 8، وإِذَا جَمَعَ بَيْنَ بَيْعَيْنِ في بَيْعٍ مِثْلُ: أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ نَقْداً وبِعِشْرِيْنَ نَسِيْئَةً، أَو بِمِئَةٍ غِلَّةً وبِخَمْسِيْنَ صِحَاحاً لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ 9، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ قِيَاساً عَلَى مَا قَالَهُ في الإجَارَةِ إِذَا قَالَ لَهُ: إِنْ خِطْتَهُ اليَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وإِنْ خِطْتَهُ غَداً فَلَكَ نصْفُ دِرْهَمٍ، أنَّ الإِجَارَةَ تَصِحُّ 10.
ولاَ يَصِحُّ بَيْعُ المُنَابَذَةِ - وَهُوَ أنْ يقُولَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ فَقَدْ اشْتَرَيْتُهُ بعشرة، ولاَ يَصِحُّ بَيْعُ المُلاَمَسَةِ - وَهُوَ أنْ يقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي عَلَى / 132 ظ / أَنْ لاَ يَنْشُرَهُ ولاَ يَقْلِبَهُ، وَلَكِنْ إِذَا لَمَسَهُ فَقَدْ وَقَعَ البَيْعُ، ولاَ بَيْعُ الحَصَاةِ - وَهُوَ أنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الحَصَاةَ فَعَلى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِعَشْرَةِ، وَقِيْلَ: هُوَ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الضَّيْعَةِ بِقَدْرِ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الحَصَاةُ إِذَا رُميْتَهَا بِكَذَا، ولاَ بَيْعُ الكالئ بالكالئ - وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، ولاَ بَيْعُ المُحَاقَلَةِ - وَهُوَ بَيْعُ الحِنْطَةِ في سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ -، فَأمَّا إنْ بَاعَ
سُنْبُلَ الحِنْطَةِ بالشَّعِيْرِ فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ 1، ولاَ بَيْعُ المُزَابَنَةِ - وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُؤُوْسِ النَّخْلِ إلاَّ في العَرَايَا 2، ولاَ بَيْعٌ بِشَرْطِ السَّلَفِ أو القَرْضِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَصِحُّ البَيْعُ ويَبْطُلُ الشَّرْطُ 3، فَأَمَّا بَيْعُ النَّجَشِ - وَهُوَ أنْ يَزِيْدَ في السِّلْعَةِ مِنْ يُعْرَفُ بالحِذْقِ والمَعْرِفَةِ وَهُوَ لاَ يُرِيْدُ شِرَاءهَا فَيَغْتَرَّ المُشْتَرِي بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَالبَيْعُ صَحِيْحٌ وللمُشْتَرِي الخِيَارُ، إِنْ كَانَ في البَيْعِ زِيَادَةٌ لا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا تلْقى الرُّكْبَانُ، فَاشْتَرَى مِنْهُمْ فَلَهُمْ الخِيَارُ إِذَا دَخَلُوا السُّوْقَ وعَلمُوا بالغَبْنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مُستَرْسِلٍ عَلِمَ بالغَبْنِ أَو غُبِنَ في البَيْعِ الغَبْنَ المَذْكُورَ، ونُقِلَ عَنْهُ: أَنَّ بَيْعَ النَّجَشِ وتَلَقِّي الرُّكْبَانِ باطلان، فَأَمَّا بَيْعُ الحَاضِرِ للبَادِي فَيَصِحُّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 4، والأُخْرَى: لاَ يَصِحُّ [إِلاَّ] 5 بِخَمْسَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَحْضُرَ بَيْعَ سِلْعَتِهِ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وبالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا، والبَادِي جَاهِلٌ بِسِعْرِهَا 6، ويَقْصُدُهُ الحَاضِرُ، فَإِنْ عُدِمَ شَرْطٌ مِنْهَا فالبَيْعُ صَحِيْحٌ.
فَأَمَّا شِرَى الحَاضِرِ للِبَادِي فَيَصِحُّ رِوَايَةً واحِدَةً، وإِذَا اشْتَرَى الكَافِرُ رَقِيْقاً مُسْلِماً فالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، وإِنْ كَانَ الرَّقِيْقُ مِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بالشِّراءِ.
ولاَ يَصِحُّ بَيْعُ العَصِيْرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْراً.
ولا بَيْعُ السِّلاَحِ في الفِتْنَةِ أو لأَهْلِ الحَرْبِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ مَعَ التَّحْرِيْمِ 7، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا بَاعَ مَنْ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الجُمُعَةِ وَقْتَ النِّدَاءِ 8، وَقَالَ شَيْخُنَا: لاَ يَصِحُّ
البَيْعُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وفي الإجَارَةِ والهِبَةِ والنِّكَاحِ وَجَهَانِ (1). ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ أَنَا أَبِيْعُكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ فَيَفْسَخُ المُشْتَرِي البَيْعَ ويعقد عَلَى سلعته وَكَذَلِكَ شراؤه عَلَى شِرَى أَخِيْهِ مِثْلُ: أنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ / 133 و / بِمِئَةٍ أَنَا أُعْطِيْكَ مِئَةً وعَشْرَةً فَيَفْسَخَ البَائِعُ البَيْعَ ويَعْقِدَ مَعَهُ، فَإِنْ فَعَلا ذَلِكَ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: لا يَصِحُّ البَيْعُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ.
ولاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا لا يَمْلِكُهُ؛ لِيَمْضِيَ فَيَشْتَرِيَهُ ويُسَلِّمَهُ (2). ويَصِحُ أَنْ يَشْتَرِيَ عُلُوَّ بَيْتٍ؛ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ بُنْيَاناً مَوْصُوفاً، فَإِنْ كَانَ البَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ جَازَ أَيْضاً إِذَا وُصِفَ السُّفْلُ مِنْهُ والعُلُوُّ ويَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ مَمَرّاً في دَارٍ أو مَوضِعاً في حَائِطِ يَفْتَحُهُ باباً ويتبعُهُ بِحَفْرِهَا بِئْراً لِلْمَصْلَحَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُفَرِّقَ في البَيعِ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، فإنْ فَعَلَ قَبْلَ البُلُوغِ فَالبَيْعُ بَاطِلٌ وإنْ كَانَ بَعْدَ البُلُوغِ فَعَلى رِوَايَتَيْنِ (3).
بَابُ ما يَتِمُّ بِهِ البَيْعُ
مِنْ شَرْطِ البَيْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهِ خَمْسَةُ شَرَائِطَ:
أَحَدُهَا: أنْ يَكُوْنَ مِنْ مالِكٍ، فأمَّا إنْ بَاعَ مُلْكَ غَيْرِهِ أو اشْتَرَى بِغَيْرِ مَالِ الغَيْرِ شَيْئاً بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ والشِّرَاءُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 4، والأُخْرَى تَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ فإن اشْتَرَى لِلْغَيْرِ شَيْئاً بِثَمَنِ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ الشِّرَى رِوَايَةً واحِدَةً 5 وَلَكِنْ إنْ أجازَهُ مَن اشْتَرَى لَهُ مُلْكَهُ وإنْ لَمْ يُجِزْهُ لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ.
والثَّانِي: أنْ يَكُوْنَ الْمَالِكُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، فإنْ كَانَ صَبيّاً أو مَجْنُوناً أو مَحْجُوراً عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ.
والثَّالِثُ: أنْ يُؤْخَذَ الإيْجَابُ مِن البَائِعِ فَيَقُولَ: بِعْتُكَ أو مَلَّكْتُكَ.123
والرابِعُ: وُجُودُ القَبُولِ مِن الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ: قَبِلْتُ أو ابْتَعْتُ، فإنْ تَقَدَّمَ القَبُولُ عَلَى الإيْجَابِ لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (1) وفي الأٌخْرَى يَصِحُّ (2) سواء كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي بأنْ يقُولَ ابْتَعْتُ مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ فَيَقُولُ البَائِعُ بِعْتُكَ أو بِلَفْظِ الطَّلَبِ بأنْ يقُولَ بِعْنِي ثَوْبَكَ بِدِرْهَمٍ فَيَقُولُ بِعْتُكَ، فإنْ تَبَايَعَا بالْمُعَاطَاةِ نَحْو أنْ يَقُوْلَ اعْطِنِي بِهذا الدِّينَارِ خُبْزاً فَيُعْطِيهِ ما يَرْضَى أو يَقُوْلَ خُذْ هَذَا الثَّوبَ بِدِيْنَارٍ فيأْخُذَهُ فَظَاهِرُ كلامِهِ أنَّهُ يَصِحُّ البَيْعُ لأنَّهُ قَالَ في رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيْمَنْ قَالَ لِخَبّازٍ كيف تَبِيْعُ الْخُبْزَ فَقَالَ كَذَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ، زِنْهُ وتَصَدَّقَ بِهِ فإذا وَزَنَهُ فَهُوَ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ ذَلِكَ في الأشْيَاءِ اليَسِيْرَةِ دُوْنَ الكَثِيْرَةِ (3). والْخَامِسُ: أنْ يَكُوْنَ العِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ؛ إمّا بالرُّؤْيَةِ، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِهذا الدِّينَارِ، أو بالصِّفَةِ مِثْل أنْ يَقُوْلَ بِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِي وَصِفَتُهُ (4) /134 ظ/ كَذَا وكَذا بِدِيْنَارٍ وَصِفَتُهُ كَذَا وكذا أو يُطْلِقُ الدِّينَارَ - ولِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ - فأمَّا إنْ قَالَ بِعْتُكَ ثَوْباً مُطْلَقاً، أو قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ بِدِرْهَمٍ وهُنَاكَ نُقُودٌ فَلاَ يَصِحُّ البَيْعُ، ولابُدَّ أنْ يَكُوْنَ الثَّمَنُ والْمَبِيْعُ مِمَّا يَجُوزُ العَقْدُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُقَدِّمُ ذِكْرَ ما يَجُوزُ بَيْعُهُ وما لا يَجُوزُ وَيَتَجَنَّبُ الشُّرُوطَ الفاسِدَةَ وسَيأتِي ذِكْرُهَا.
بَابُ الْخِيَارِ في العُقُودِ
خِيارُ الْمَجْلِسِ ثَاِبِتٌ في عَقْدِ البَيْعِ والإجَارَةِ والصُّلْحِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وهل يثبتُ فِي الصرف والسلم عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحداهما يَثْبَت والأخرى لاَ يَثبُت وهلْ يَثْبُتُ في الْمُسَاقَاةِ والْحَوَالَةِ والسَّبْقِ والرَّمْي يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ 5 وما عَدَا ذَلِكَ فَلاَ يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالنِّكَاحِ والْخُلْعِ والكِتَابَةِ والرَّهْنِ والضَّمَانِ والكَفَالَةِ والشِّرْكَةِ والْمُضَارَبَةِ والْجُعَالَةِ والوَكَالةِ والوَدِيْعَةِ والعَارِيَةِ والوَصِيَّةِ، فأمَّا الْهِبَةُ، فإنْ شَرَطَ فِيْهَا عِوَضاً فَهِيَ1234
كَالْبَيْعِ وإنْ لَمْ يَشْرُطْ فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ ولا يَبْطُلُ الْخِيَارُ إلاَّ أنْ يَتَفَرَّقَا عنْ مَجْلِسِ العَقْدِ بأبْدَانِهِمَا فأمَّا إنْ عَقَدَا عَلَى أنْ لا خِيَارَ بَيْنَهُمَا أو قَالا بَعْدَ العَقْدِ اخْتَرْنَا إمْضَاءَ العَقْدِ وإسْقَاطِ الْخِيَارِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمُا يَبْطُلُ الْخِيَارُ 1 والثّانِيَةُ هما عَلَى خِيَارِهِمَا 2، فأمّا خِيَارُ الشَّرْطِ فَلاَ يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ إلاّ في البَيْعِ والإجَارَةِ والصُّلْحِ بِمَعْنَى البَيْعِ ويَرْجِعُ في تَقْدِيْرِهِ إِلَى ما تَرَاضَيَا عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مِنَ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ فإنْ تَعَاقَدَا بِشَرْطِ خِيَارٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 3 والأُخْرَى يصِحُّ وهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا أبَداً 4 أو يَقْطَعَاهُ فإنْ عَقَدَا إِلَى الْجُذَاذِ والْحَصَادِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ 5، فإنْ عقدَ إِلَى الغَدِ لَمْ يَدْخُلْ الغد في مُدَّةِ الْخِيَارِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 6 والأُخْرَى يَدْخُلُ الغَدُ جَميْعُهُ 7 في الْمُدَّةِ ويُعْتَبَرُ ابْتَدَاءُ مُدَّةِ الْخيَارِ مِنْ حِينِ العَقْدِ في أحْدِ 8 الوَجْهَيْنِ 9، وفي الآخَرِ مِنْ حِيْنِ
التَفَرُّقِ 1 وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي في بيع الْخِيَارِ بِنَفْسِ العَقْدِ في أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ 2 وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِي والأُخْرَى لا يَنْتَقِلُ إلاَّ بِالعَقْدِ وانْقِضَاءِ الْخِيَارِ 3 وعلى 4 / 135 و / كِلْتا الرِّوَايَتَيْنِ لا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الْمُتَبَايِعَيْنِ التَّصَرُّفَ فِيْمَا صَارَ إِلَيْهِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، فإنْ خَالَفَا وتَصَرَّفَا بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا وهلْ يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخاً في حَقِّ البَائِعِ ورِضاءً في حَقِّ الْمُشْتَرِي؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إنْ وُجِدَ من البَائِعِ دَلَّ عَلَى فَسْخِ البَيْعِ وإنْ وُجِدَ مِن الْمُشْتَرِي دَلَّ عَلَى الرِّضَا بِتَمامِ البَيْعِ وفَسْخِ خِيَارِهِ 5، والثَّانِي أنَّ البَيْعَ والْخِيَارَ بِحَالِهِ 6 وإنْ تَصَرَفَّا بالعِتْقِ فَقَدْ عَتِقَ مَنْ حَكَمْنَا بالْمِلْكِ لَهُ وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ صاحِبِهِ فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يحكمْ بانْتِقَالِ الْمِلْكِ نفذ عِتْقُ الْمُشْتَرِي ونظرنا فإنْ تَمَّ البَائِعُ العَقْدَ فَلَهُ الثَّمَنُ وإنْ فَسَخْنَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؟ إحْدَاهُمَا 7: يَنْفَسِخُ البَيْعُ ويَرْجِعُ بالقِيْمَةِ 8، والثَّانِية 9: لا يَنْفَسِخُ ويكونُ لَهُ الثَّمَنُ 10 وكذلكَ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيَارِ في يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لا يَبْطُلُ الْخِيارُ وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أنْ يَفْسَخَ ويُطَالِبَ بِالْقِيْمَةِ لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ في الْمَبِيْعِ 11 والثَّانِيةُ قَدْ بَطَلَ الْخِيَارُ فَلاَ يَرْجِعُ البَائِعُ إلاّ بالْمُسَمَّى 12 فإنْ تَصَرَّفَا بِالْوَقْفِ في مُدَّةِ الْخِيارِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ؟ أحَدِهِمَا حُكْمُهُ حُكْمُ العتْقِ 13، والثَّانِي حُكْمُهُ حُكْمُ البَيْعِ 14، فإنْ تَصَرَّفَا بالوَطْءِ فَمَنْ حَكمْنَا لَهُ بالْمِلْكِ فَلاَ
حَدَّ عَلَيْهِ وَلاَ مَهْرَ، وإنْ عَلِقَ مِنْهُ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَكَانَ أوْلاَدُهُ أحْراراً 1 ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بالْمِلْكِ، فإنْ كَانَ جاهِلاً فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وقِيْمَةُ الأوْلادِ، وإنْ كَانَ عالِماً بأنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ وأنَّ الوطءَ لا يَحْصُلُ بِهِ الفَسْخُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ والْمَهْرُ وَوَلَدُهُ رَقِيْقٌ فإنِ اسْتَخْدمَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بَطُلَ خِيَارُهُ 2 وَعَنْهُ لا يبْطُلُ خِيارُهُ 3 فإنْ قَبَّلَتِ الْجَارِيَةُ الْمَبِيْعةُ الْمُشْتَرِي لِشَهْوَةٍ لَمْ يبْطُلْ خِيَارُهُ، ويحتملُ أنْ يَبْطُلَ إِذَا لَمْ يَمْنَعْهَا وإذا كَانَ الْخِيَارُ لأحدِهِما، كَانَ لَهُ الفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ ويَتَخَرّجُ أن لا يَنْفَسِخَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ كالْمُوَكِّلِ في حَقِّ الوَكِيْلِ وخِيارِ الشَّرْطِ لا يورثُ، وكذلكَ خِيارُ الشَّفِيعٍ ويَتَخَرَّجُ أنْ يورثا قِياساً عَلَى الأجَلِ في الثَّمَنِ وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ وَلَمْ يَتَفَاسَخَا بَطُلَ خِيارُهُمَا وإذا اشْتَرَى رَجُلانِ عَيناً وشَرَطاَ الْخِيارَ فَرَضِيَ أحدُهُمَا كَانَ للآخر الفَسْخَ فإنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وشَرَطَ الْخِيارَ لِغَيْرِهِ جَازَ وإنْ كَانَ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِهِ اشْتِراطاً كَالْمُوَكِّلِ لِنَفْسِهِ وَتَوْكيلاً لِغَيْرِهِ فِيْهِ، وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيارِ والْمَبِيْعُ مُتَمَيِّزٌ كالْعَبْدِ والثَّوْبِ والدَّارِ اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ وجاز لَهُ التَّصَرُّفُ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وإنْ تَلِفَ كَانَ مِنْ مَالِهِ في أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ 4 والأُخْرَى لا / 136 ظ / يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ 5، وإنْ تَلِفَ كَانَ مِنْ مَالِ البَائِعِ لا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ في أنَّهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّناً كالقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ والرَّطْلِ مِن الزُّبْرَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ حَتَّى يَقْبِضَ فإنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيّةٍ بَطُلَ العَقْدُ وَكَانَ مِنْ مَالِ البَائِعِ فإنْ أتْلَفَهُ آدَمِيٌّ لَمْ يَبْطُل البَيْعُ وَكَانَ الْمُشْتَرِي بالْخِيَارِ بَيْنَ أنْ يَنْفُذَ الثَّمَن ويُطَالِبَ مُتْلِفَهُ بِقِيْمَتِهِ وبينَ أنْ يَفْسَخَ ويَكُونُ البَائِعُ هُوَ الْمُطَالِبُ بالقِيْمَةِ ويَحْصُلُ القَبْضُ فِيْمَا يُنْقَلُ بالنَّقْلِ وفيما يُتَنَاوَلُ بِاليَدِ بالتَّنَاوُلِ وفيما عَدَا ذَلِكَ بالتَّخْلِيَةِ وَعَنْهُ إنَّ قَبَضَ جَمِيْعِ الأشْيَاءِ بالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيْزِ.
بَابُ الشُّرُوطِ الصَّحِيْحَةِ والفَاسِدَةِ في البَيْعِ
الشُّرُوطُ في البَيْعِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: صَحِيْحٌ، وفَاسِدٌ.
فالصَّحِيحُ عَلَى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ:
أحَدِهَا: ما هُوَ مِنْ مُقْتَضَى البَيْعِ، كَالبَيْعِ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ في الْحَالِ أو شَرْطِ التَصَرُّفِ في الْمَبِيْعِ أو بشَرْطِ سَقْي الثَّمَرَةِ وسُقْيَتَهَا إِلَى الْجَذَاذِ 1.
والثَّانِي: ما هُوَ مَصْلَحَةٌ لِلْعَاقِدِ كَالبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ والرَّهْنِ والَضْمِينِ والتَّأْجِيلِ في الثَّمَنِ.
والثَّالِثِ: ما لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَاهُ ولا مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَلَكِنْ لا يُنافِيْهِمَا مِثْل أنْ يَشْرُطَ البَائِعُ مَنْفَعَةَ الْمَبِيْعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَيَبِيْعَ دَاراً ويَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا شَهْراً، أو يَبيعَ عَبْداً ويَسْتَثْنِيَ خِدْمَتَهُ سَنَةً، أو يَشْتَرِطَ الْمُشْتَري مَنْفَعَةَ البَائِعِ مَعَ الْمَبِيْعِ مثل أنْ يَشْتَرِيَ ثَوباً ويَشْتَرِطَ عَلَى البَائِعِ خِيَاطَتَهُ قَمِيصاً، أو فِلْعَةً، ويَشْتَرِطَ عَلَيْهِ حَذْوَها نَعْلاً أو جُرْزَةَ حَطَبٍ ويَشْتَرِطَ عَلَى البَائِعِ حَمْلهَا.
وكلُّ هَذِهِ الشُّرُوطِ يلزمُ الوَفاء بِهَا في ظاهِرِ الْمَذْهَبِ، وذَكَرَ الْخِرَقِي 2: في بَابِ الأُصُوْلِ والثِّمَارِ في جَزِّ الرَّطْبَةِ إن اشْتَرَطَهُ عَلَى البَائِعِ يَبْطُلُ البَيْعُ، وهذا يُعْطِي أنَّهُ لا يَصِحُّ شَرْطُ مَنْفَعَةِ البَائِعِ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وأمَّا الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ فهي مِمَّا لَيْسَتْ مِنْ مَصْلَحَتِهِ وتُنَافِي مُقْتَضَاهُ مثل أنْ يَبِيْعَه بِشَرْطِ أن لا يَهَبَ ولا يَبِيْعَ ولا يَعْتِقَ وإنْ أعْتَقَ فَالوَلاءُ لَهُ، أو يَشْتَري مِنْهُ بِشَرْطِ أنْ لا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أو متى نَفَقَ الْمَبِيْعُ عَلَيْهِ رَدَّهُ، أو متَى غَصَبَهُ إيَّاهُ غَاصِبٌ رَجَعَ بالثَّمَنِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ فهذه شُرُوطٌ فاسدة بَاطِلَةٌ في نَفْسِهَا وهل يَبْطُلُ بِهَا عَقْدُ البَيْعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 3 إحْدَاهُمَا: /137 و/ أنها تُبْطِلُهُ وَهِيَ اخْتِيارُ الْخِرَقِي 4، والأُخْرَى لا تُبْطِلُهُ 5، وكذلك إنْ شَرَطَ في البَيْعِ رَهْناً فَاسِداً كأُمِّ الوَلَدِ والْخَمْرِ فَهَلْ يَبْطُلُ البَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وأمّا إِذَا باعَهُ رَقِيْقاً بِشَرْطِ العِتْقِ فَهُوَ شَرْطٌ صَحِيْحٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 6، والأُخْرَى إنَّهُ فَاسِدٌ، فإنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ البَراءَ ةِ مِن العُيُوبِ، فالشَّرْطُ فَاسِدٌ نصَّ عَلَيْهِ 7 في رِوَايَةِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ- وعلَّلَ بأنَّهُ مَجْهُولٌ،
ونَقَلَ عَنْهُ الأثْرَمُ وابنُ مَنْصُور وَغَيْرُهُما صِحَّةَ الإبْرَاءِ مِن الْمَجْهُولِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ صِحَّةُ البَرَاءَ ةِ مِن العُيُوبِ الْمَجْهُولَةِ (1)، وَعَنْهُ إنَّهُ شَرْطٌ صَحِيْحٌ إلا أنْ يَكُوْنَ البَائِعُ عَالِماً بالبَيْعِ فَدَلَّسَهُ واشْتَرَطَ البَرَاءَ ةَ فإنْ بَاعَهُ حَيَوَاناً مَأْكُولاً واسْتَثْنَى رأْسَهُ وأطْرَافَهُ وجِلْدَهُ فَلَهُ ما اسْتَثْنَاهُ، فإنْ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أنَّهَا هِمْلاَجَةً (2)، أو فَهْداً عَلَى أنَّهُ صَيُوْدٌ فالشَّرْطُ صَحِيْحٌ، فإنْ اشْتَرى قُمْرِيّاً عَلَى أنَّهُ مُصَوِّتٌ أو دِيْكاً عَلَى أنَّهُ يوقِظُهُ لِلصَّلاةِ فالشَّرْطُ بَاطِلٌ فإن اشْتَرَى طَائِراً عَلَى أنَّهُ يَجِئُ مِن البَصْرَةِ أو مَسَافَةٍ ذَكَرَهَا فَقَالَ شَيْخُنَا: لا يَصِحُّ الشَّرْطُ، وعِنْدِي أنَّهُ يَصِحُّ كاشْتَراطِ الصَّيْدِ في البَازِي والصَّقْرِ والفَهْدِ، فإن اشْتَرَى سِلْعَةً وَدَفَعَ إِلَى البائِعِ دِرْهَماً أو دِيْناراً عَلَى أنَّهُ أخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ بذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ وإنْ لَمْ يَأْخُذْها فذلك لِلْبَائِعِ فَعِنْدِي أنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، والْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ - رضي الله عنه - لا بأْسَ بِهِ (3). وَهُوَ يُسَمَّى بَيْعُ العُرْبُونِ والأُرْبُون (4).
بَابُ الرِّبَا والصَّرْفِ
الرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: رِبَا الفَضْلِ ورِبَا النَّسِيئَةِ، فأمَّا رِبَا الفَضْلِ فَيُحَرَّمُ بَعلةِ كَونِهِ مَكيلُ جِنْسٍ أَوْ مكتل جنس فَمَتَى بَاعَ مَكيلاً بِجِنْسِهِ حَرُمَ فِيْهِ التَّفَاضُلُ سَوَاء كَانَ مَأْكُولاً كالتَّمْرِ والحِنْطَةِ، أو غَيْرِ مَأْكُولٍ كالأُشْنَانِ والنُّورَةِ، وكذلكَ إنْ بَاعَ مَوْزُوناً بِجِنْسِهِ كَالْحَدِيْدِ بالْحَدِيْدِ والفِضَّةِ بالفِضَّةِ يُحَرَّمُ فِيْهِ التَّفَاضُلُ في إحْدَى الرِّوَايَاتِ 5، والثَّانِيةُ: يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ بِعِلَّةٍ كَونُهِ مَطْعُومَ جِنْسٍ، وفي غَيْرِ الْمَطْعُومِ بِكَوْنِهِ لَهُ الثَّمَنِيَّةُ غَالِباً مُخْتَصٌّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ وَسَواءٌ في ذَلِكَ تِبْرِهِ وَمَضْرُوبِهِ، والثَّالِثَةُ: يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ في غَيْرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِعِلَّةِ كَونِهِ مَطْعُوماً مَكيلاً أو مَطْعُوماً مَوْزُوناً في جِنْسٍ فَلاَ يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ في مَطْعُومٍ ولا يُكَالُ ولا يُوزَنُ كَالرُّمَّانِ والبِطِّيخِ / 138 ظ / وما أشْبَهَهُ ولا في مَكِيلٍ أو مَوزُونٍ لا يُؤْكَلُ كالأُشْنَانِ والْحَدِيدِ ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ وإذا اخْتَلَفَ الْجِنْسانِ جَازَ التَّفَاضُلُ عَلَى جَمِيْعِ الرِّوَايَاتِ كالذَّهَبِ بِالفِضَّةِ والتَّمْرِ بالزَّبِيبِ، وأمَّا رِبَا النَّسِيْئَةِ: فَكُلُّ شَيْئَيْنِ [لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَقْداً] 6 علةُ رِبَا الفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ لا يَجُوزُ بيعُ أَحَدِهِمَا بالآخَرِ نَسأً، ومَتى جُعِلَ التَّفَرُّقُ في بَيْعِهِمَا قَبْلَ القَبْضِ بَطَلَ العَقْدُ كَالْحِنْطَةِ بالشَّعِيرِ والذَّهَبِ بالفَضَّةِ، فأمَّا1234
إنِ اخْتَلَفَتْ عِلَّتهُمَا كَالْمَكِيلِ بالْمَوْزُونِ فإنَّهُ يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيْهِمَا قَبْلَ القَبْضِ، وهَلْ يَجُوْزُ النسأ في بَيْعِهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 1. إحَدَاهُمَا: يَجُوْزُ 2، والأُخْرَى لا يَجُوزُ 3. فأمَّا ما لا يَدْخُلُهُ رِبَا الفَضْلِ كالثِّيَابِ والْحَيَوَانِ فَيَجُوزُ 4 بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسْأً في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 5، والثَّانِيَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وإنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَنَبَاتٍ بِحَيَوَانٍ جَازَ النَسْأُ، والثَّالِثَةُ: لا يَجُوزُ النَّسَأ فِيْهَا بِحَالٍ سواء اتَّفَقَ الْجِنْسُ أو اخْتَلَفَ؟ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ 6، وكلُّ نَوعَيْنِ اجْتَمَعَا في الاسْمِ الْخَاصِّ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ كأنْوَاعِ التَّمْرِ وأنْوَاعِ الْحِنْطَةِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، واخْتَلَفَت الرِّوَايَة في اللُّحُومِ والألْبَانِ فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهَا جِنْسٌ واحِدٌ لا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيْهَا 7، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهَا أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أصُولِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ غَنَمٍ بِلَحْمِ بَقَرٍ مُتَفَاضِلاً 8، وكذلكَ لَبَنُ الإبِلِ بِلَبَنِ الغَنَمِ مُتَفَاضِلاً 9، وَعَنْهُ أنَّهَا أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ: لَحْمُ الأنْعَامِ جِنْسٌ، ولَحْمُ الوَحْشِ جِنْسٌ، ولَحْمُ الطَّيْرِ جِنْسٌ، ولَحْمُ دَوَابِ الْمَاءِ جِنْسٌ 10. ولا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ وأمَّا بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ 11. واللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسَان، وَكَذلكَ اللَّحْمُ والألْيَةُ واللحم والكَبِدُ وخَلُّ العِنَبِ وخَلُّ التَّمْرِ جِنْسَانِ، وَعَنْهُ: أنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ 12. ولا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْبٍ ويَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ
كَالعِنَبِ بالزَّبِيبِ والرُّطَبِ بالتَّمْرِ والْمِشْمِشِ الرَّطْبِ بالْمُقَدَّدِ 1 والْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِاليَابِسَةِ، واللَّبَنِ بالْجُبْنِ إلاَّ ما اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِن العَرَايا وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ في رُؤُوْسِ النَّخْلِ خَرْصاً بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ كَيْلاً فَمَا دُونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ مَعَهُ 2، وهلْ يَجُوزُ ذَلِكَ في بَقِيَّةِ الثِّمَارِ؟ قَالَ شَيْخُنَا: يَجُوْزُ، وَقَالَ ابن حَامِدٍ: لا يَجُوزُ 3. ويُعْتَبَرُ في الْخَرْصِ / 139 و / مِقْدَارُ ما يَؤُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجَفَافِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ والأُخْرَى يعْتَبَرُ في الْخَرْصِ مِقْدَارُهَا في حَالِ رُطُوبَتِهَا ويُعْطَى مِثْلُهُ مِنَ التَّمْرِ وكذلكَ لا يَجُوزُ بَيْعُ حَبِّهِ بِدَقِيْقِهِ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ 4.
ولا يَبِيعُ نِيَّهُ بِمَطْبُوخِهِ ولا أَصْلَهُ بِعَصِيْرِهِ ولا خَالِصَهُ بِمَشُوبِهِ، ويَجُوزُ بَيْعُ دَقِيْقِهِ بِدَقِيْقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا في النُّعُومَةِ وبَيْعُ مَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ وخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ وعَصِيْرِهِ بَعَصِيْرِهِ ورَطْبِهِ بِرَطْبِهِ، ولا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ فِيْهِ الرِّبَا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ومعَ أَحَدِهِمَا أو مَعَهُما مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا كَمُدِّ عَجْوَةٍ 5 وِدِرْهَمٍ بِمُدَّي عَجْوَةٍ أو بِمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَمَيْنِ في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
والأُخْرَى: يَجُوزُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أو يَكُوْنَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَهُ ويَكُونا سَواءً 6 وكذلكَ الْحُكْمُ إِذَا بَاعَ نَوعَيْنِ مُخْتَلِفَي القِيْمَةِ مِنْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِن الْجِنْسِ كَدِيْنَارٍ مَغْرِبِبيٍّ ودِيَنَارٍ سَابُورِيٍّ بِدِيْنَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ أَوْ دينارين قُرَاضَةٍ ودِيْنَارٍ صَحِيْحٍ بِدِيْنَارَيْنِ صَحِيْحَيْنِ 7.
واخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ هلْ يَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيْهِ نَوَى فَعَنْهُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَجُوزُ 8، وكذلكَ يُخَرَّجُ في بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ بِشَاةٍ فِيْهَا لَبَنٌ وبَيْعُ صُوفٍ بِنَعْجَةٍ عَلَيْهَا
صُوفٌ 1، وكلُّ جِنْسٍ أصْلُهُ الكَيْلُ [لا] 2 يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلاَّ كَيلاً، وكذَلِكَ ما أَصْلُهُ الوَزْنُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلاَّ وَزْناً وإن اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بالآخَرِ وَزْناً وكَيْلاً وجُزافاً حِنْطَةً بِتَمْرٍ، وزَبِيبٍ بِشَعِيْرٍ.
وَقَالَ شيخُنَا: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلاَّ عَلَى ما ذَكَرْنَا في الْجِنْسِ الوَاحِدِ.
والْمَرْجِعُ في الكَيْلِ والوَزْنِ إِلَى عُرْفِ العَادَةِ بالْحِجَازِ في زمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنْ كَانَ الْمَبِيْعُ مِمّا لا عُرْفَ لَهُ بالْحِجَازِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَينِ أحَدهِمَا: اعْتِبَارُ عُرْفِهِ في موْضِعِهِ، والآخَرُ: أنْ يُرَدَّ إِلَى أقْرَبِ الأشْيَاءِ بِهِ شِبْهاً بالْحِجَازِ والدَّراهِمِ والدَّنَانَيرِ يَتَعَيَّنَانِ بِالعَقْدِ فَلاَ يَجُوزُ إبْدَالُهُمَا، فإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطُلَ العَقْدُ، وإنْ وَجَدَ بِهَا عَيباً لَمْ يُطَالِبْ بالبَدَلِ وَلَكِنْ يُمْسِكْ أو يَفْسَخْ، ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ ويُطَالِبَ بأَرْشِ العَيْبِ، وإذَا تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وإنْ لَمْ يَقْبِضْهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُوْلُ الْمُتَعَيِّنُ لا يَفْتَقِرُ الاسْتِقْرَارُ فِيْهِ إِلَى القَبْضِ وَعَنْهُ / 140 ظ /: أنَّهَا لا تَتَعَيَّنُ 3. فَيَجُوزُ إبْدَالُهَا وإذا تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ما لَمْ يَقْبِض البَائِعُ وإذا افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ عن مَجْلِسِ العَقْدِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطُلَ الصَّرْفُ فإنْ تَقَابَضَا وافْتَرَقَا فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَهُ زُيُوفاً أو بَهْرَجَةً 4، فَرَدَّهَا بَطُلَ العَقْدُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ والأُخْرَى إنْ رَدَّها وأخَذَ بَدَلَهَا في مَجْلِسِ الرد لَمْ يَبْطُل العَقْدُ 5، وَكَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذَا رَدَّ بَعْضَهَا بِالْعَيْبِ وأَخَذَ بَدَلَهُ وعلى الرِّوَايَةِ الأُوْلَة رَدُّ البَعْضِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ، فإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ تَفْرِيْقُ الصَّفْقَةِ.
بَطُلَ هَاهُنَا في الْمَرْدُودِ وصَحَّ في الباقِي، وإنْ قُلْنَا: لا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، بَطُلَ العَقْدُ في الْجَمِيْعِ، وإذا اشْتَرَى ما بَاعَ بأقَلِّ مِمَّا بَاعَ قبلَ نَقْدِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ اسْتِحْسَاناً، ويَجُوزُ قِياساً فإِنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ أو اشْتَراهُ أبُوهُ أو ابْنَهُ جَازَ فإِن اشْتَرَاهُ وَكِيْلُهُ لَمْ يَجُزْ وكُلُّ رِباً حُرِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ في دَارِ الإسْلامِ حرم بَيْنَ المسلم والحربي فِي دار الإسلام وَدَارِ الْحَرْبِ.
بَابُ بَيْعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ
مَنْ بَاعَ أرْضَاً بِحُقُوقِهَا دَخَلَ مَا فِيْهَا مِنْ غِرَاسٍ وبِناءٍ في البَيعِ، فإنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِها احْتَملَ وَجْهَينِ 1 أحدِهِما: يَدْخُلُ أَيْضَاً، والثاني: لا يَدْخُلُ، فَإنْ كَانَ فِيْهَا زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلا مَرَةً فِي السَّنَةِ كالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيْرِ لَمْ يَدْخُلْ فِي البَيْعِ، وكَانَ لِلْبَائِعِ تَبْقِيَتُهُ إلى حِيْنِ الْحَصَادِ وإنْ كَانَ يَجُزُّه مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى كالرَّطْبَةِ والبَقُولِ كَانَتْ الأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي والْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ البَيْعِ لِلْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ اللَّقْطَة الأُوْلَة مِنَ القِثَّاءِ وَالبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهِمَا، فَإن بَاعَهُ قَرْيَةً بِحُقُوقِهَا لَمْ تَدخُلْ مَزَارِعُها في البَيْعِ إلا بِذكْرِهَا، فَأَمَّا الغِرَاسُ مَا بَيْنَ بُنيَانِهَا فَيَدْخُلُ فِي البَيْعِ 2، فَإنْ بَاعَهُ داراً تَنَاوَلَ البَيَعُ أَرْضَهَا وَبُنْيَانَها وَمَا فِيهَا سِوَى ذَلِكَ فَعَلى ضَربَيْنِ: مُتَّصِلٍ بِهَا، وَمُنْفَصِلٍ عَنْهَا.
[فَالْمُتَّصِلُ] 3 مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالدَرَجِ والسَّلالِمِ الْمُسَمَّرَةِ وَالأَبْوَابِ والرُّفُوفِ الْمُسمَّرَةِ والْخَوَابِي 4 الْمَدْفُونَةِ والْحَجَرِ السُّفْلانِي الْمَنْصُوبِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ يَدْخُلُ في البَيْعِ، ومِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ مصَالِحِها كَالغِرَاسِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الغِرَاسِ في الأرْضِ وما هو مُوْدَعٌ كالكَنْزِ والأحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ فَلا يَدخُلُ في البيعِ.
فأمَّا الْمُنفَصِلُ /141 و/ فَمِنْهُ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالْمَفَاتِيْحِ والْحَجَرِ الفَوْقَانِي مِنَ الأَرْحاءِ 5 فَهَلْ يَدْخُلُ في مُطْلَقِ البَيْعِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ 6 وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالْحَبْلِ والدَّلْوِ والبَكْرَةِ والقُفْلِ، فَلا يَدْخُلُ في البَيْعِ، فإنْ بَاعَ أُصُولَ نَبَات فِيْهَا حمل مِنْ ثَمَرٍ أو وَرْدٍ فَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِها: مَا تَتشَقَّقُ عَنْهُ الكِمَامُ فَتَظْهَرُ كَالْبَلَحِ، أو يَتفَتَّحُ نَوْرَة فَتَظْهَرُ كَالوَرْدِ واليَاسَمِينِ والنَّرْجِسِ والبَنَفْسَجِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ إذَا كَانَ العقد بَعْدَ ظهوره وللمشتري إن كَانَ البَيْعُ قَبْلَ ظُهُورِهِ وإنْ كَانَ قد ظَهَرَ بَعْضُهُ دُوْنَ بَعْضٍ فَالْمَنْقُولُ عَنْهُ في النَّخْلِ أنَّ مَا أُبِّرَ 7 لِلْبَائِعِ وما لَمْ يُؤْبَرْ لِلْمُشْتَرِي 8، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في الوَرْدِ وَهُوَ
اخْتِيَارُ أبِي بَكْرٍ 1، وَقَالَ ابن حامِدٍ: الكُلُّ لِلْبَائِعِ 2. ولا فَرْقَ بَيْنَ طَلْعِ الفَحْلِ وطَلْعِ النَّخْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طَلْعُ الفَحْلِ لِلْبَائِعِ، وإنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ؛ لأنَّ الْمَقْصُودَ أَخْذُهُ لِلأكْلِ قَبْلَ أنْ يتشَقَّق بِخِلاَفِ النَّخْلِ، والثَّانِي: مَا ثَمَرَتُهُ بَارِزَةٌ كَالتِّيْنِ والعِنَبِ، وما يَبْقَى في كِمَامِهِ إلى وَقْتِ الأَكْلِ كَالرُّمَّانِ والْمَوزِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، والثَّالِثِ: مَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ في نَوْرَةٍ وَيَتَنَاثَرُ عَنْهُ فَيَظْهَرُ كَالْمِشْمِشِ والتُّفَاحِ والسَّفَرْجَلِ والْخَوخِ والإجَّاصِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أحَدِهِمَا: أنَّ مَا تَنَاثَرَ نوره فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وإنْ لَمْ يَتَنَاثَرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
والثَّانِي: أنَّهُ لِلْبَائِعِ بِظُهُوْرِ نَوره 3. والرَّابِع: مَا كَانَ ثَمَرُهُ في قِشْرَيْنِ كَالْجَوْزِ واللَّوْزِ فَهُوَ كَالطَّلْعِ إنْ تَشَقَّقَ قِشْرُهُ الأعْلَى فَهُوَ لِلْبَائِعِ وإنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي 4، وَقِيلَ: يَكُونُ لِلْبَائِعِ بِنَفْسِ الظُّهُورِ كَالعِنَبِ والتِّيْنِ 5. [و] 6 الْخَامِسِ: مَا يُقْصَدُ ثَمَرُهُ وَوَرَقُهُ كَالتوْتِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وَرَقُهُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ وَثَمَرُهُ إنْ ظَهَرَ لِلْبَائِعِ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُشْتَرِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَرَقُ إنْ تَفَتَّحَ لِلْبَائِعِ وإنْ كَانَ حَبّاً لِلْمُشْتَرِي 7.
ولا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ في الْحَالِ إلاَّ أنْ يَبِيْعَهَا مَعَ الأصل فيجوز فإن بدا صلاحها جاز بيعها مُطْلَقاً وبِشَرْطِ التَّنْقِيَةِ وبُدُوِّ الصَّلاَحِ أنْ يَبْدُوَ مِنْهُ النُّصْحَ ويَطِيبَ أكْلُهُ وإذا بَدَا الصَّلاحُ في بَعْضِ الْجِنْسِ جَازَ بَيْعُ ما في البُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ في إحْدَى /142 ظ/ الرِّوَايَتَيْنِ 8، والأُخْرَى: لا يَجُوزُ إلاَّ بَيْعُ ما بَدَا صلاحُهُ.
ولا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ أو الشَّجَرَةِ صَلاحاً بِجَمِيْعِها 9، ولا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأَخْضَرِ إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ إلاَّ أنْ يَبِيَعَهُ مِنْ صَاحِبِ الأرْضِ أو يَبِيْعَهُ مَعَ الأَرْضِ، ويَجُوزُ بَيْعُ البَاقِلاءِ والْجَوزِ واللَّوْزِ في قِشْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ
الْمُشْتَدِّ في سُنْبُلِهِ وإذا باعَ الأَصْلَ وعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ لَمْ يُكَلَّفْ قَطْعُهَا إِلَى أَوَانِ كَمَالِهَا، فإن احْتَاجَتْ إِلَى سَقْيٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْ سَقْيِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ ثَمَرَةً أو زَرَعَهَا لَمْ يُكَلَّف الْمُشْتَرِي إلاّ في أَوَانِ الْجِذَاذِ والْحَصَادِ وإن احْتَاجَ إِلَى سَقْيٍ لَزِمَ البَائِع ذَلِكَ فإن امْتَنَعَ البَائِعُ مِنَ السَّقْي لِضَرَرٍ يَلْحَقُ الأَصْلَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لأنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، فإن اشْتَرَى ثَمَرَةً فَلَمْ يأْخُذْهَا حَتَّى حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى وَلَمْ يَتَمَيَّزْ أو اشْتَرَى حرة مِنَ الرَّطْبَةِ أو البَقْلِ فَلَمْ يَجُزَّها حَتَّى طَالَتْ أو اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا بِشَرْطِ القَطْعِ فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلاَحُهَا، فإنَّهُ ينْفَسِخُ البَيْعُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 1، والأُخْرَى لاَ يَنْفَسِخُ، فَعَلَى هَذَا مَا يَفْعَلُ فِي الزِّيَادَةِ، وعن أحمد أيضاً أنهما يتصدقان بالزيادة فَعَنْ أَحْمَدَ: أنَّهُمَا يَكونَانِ شَرِيْكَينِ بِالزِّيَادَةِ، وإذَا باعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ واسْتَثْنَى مِنْهُ آصُعاً مَعْلُومَةً لَمْ تَصِحَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 2 والأُخْرَى تَصِحُّ 3. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا باع نَخْلاً واسْتَثْنَى مِنْهُ أرْطَالاً عَلَى رِوَايَتَيْنِ 4، وإذا بَاعَهُ ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ 5 فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 6 والأخْرَى إنْ أتْلَفَت الْجَائِحَةُ
الثُّلُثَ (1) فَمَا زَادَ فَهِيَ من ضَمَانِ البَائِعِ، وإنْ أَتْلَفَتْ دُونَهُ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ويعتبرُ ثُلُث الْمَبْلَغِ وَقِيْلَ ثُلُث القِيْمَةِ.
والْجَائِحَةُ: كُلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ للآدَمِيِّ فِيْهَا فأمّا ما كَانَ مِنْ إِحْرَاقِ اللُّصُوصِ، ونَهْبِ الْجَيْشِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
بَابُ التَّصْرِيَةِ والتَّدْلِيسِ (2) والْحِلْفِ في الصِّفَةِ
وَمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً 3 مِنْ بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ فَهُوَ بالْخِيَارِ بَيْنَ أنْ يُمْسِكَهَا أو يَرُدَّهَا، ومعها صَاعاً /143 و/ مِنْ تَمْرٍ عِوَضَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ مَوْجُوداً حَالَ العقْدِ، وإنْ كَانَ قِيْمَةُ اللَّبَنِ مثلُ قِيْمَةِ الشَّاةِ أو أَكْثَرَ نَصَّ عَلَيْهِ 4. فإنْ عَدِمَ التَّمْرَ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ في الْمَوضِعِ الَّذِي وَقَعَ فِيْهِ العَقْدُ، فإنْ كَانَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ بِحَالِهِ فأَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ عَلَى البَائِعِ لَمْ يَلْزَمِ البَائِعُ قَبُولُهُ وَقَالَ شَيْخُنَا: الأشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا أنَّهُ يُلْزِمُهُ قَبُولُهُ.
فإنِ اشترى أَمَةً مُصَرَّاةً أو أتَاناً مُصَرَّاةً احْتمَلَ أنْ لا يَكُوْنَ لَهُ الفَسْخُ بِذَلِكَ؛ لأنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ في بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ 5، ويحتملُ أنْ يكونَ لَهُ الفَسْخُ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ إلاَّ أنَّهُ إِذَا فسخَ لَمْ يلْزمهُ بَدَل اللَّبَنِ.
وخِيارُ التَّصْرِيَةِ مُقَدَّرٌ بِثَلاثَةِ أيَّامٍ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ قَبْلَ ذَلِكَ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا 6، وعندي: أنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ التَّصْريَةَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ سواء كَانَ قَبْلَ الثَّلاَثِ أو بَعْدَهَا 7 ما لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ما يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، فإن اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَصَارَ لَبَنُهَا لَبَنَ عَادَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ عَلَى ظَاهِرِ كَلامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللهُ - فَمَن اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَطَلَّقَهَا12
الزَّوْجُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، وكلُّ تَدْلِيسٍ أو شَرْطٍ يَزِيْدُ الثَّمَنُ لأَجْلِهِ ثَبَتَ خِيَارُ الرَّدِّ مِنْ أنْ يُحَمِّرَ وَجْهَ الْجَارِيَةِ، أو يُسَوِّدَ شَعْرَهَا (1)، أو يُجَعِّدَهُ، أو يَضُمَّ الْمَاءَ عَلَى الرَّحَا ويُرْسِلَه وَقْتَ أنْ يَعْرِضَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، أو يَشْتَرِطَ كَوْنَ العَبْدِ الْمُبْتَاعِ كَاتِباً، أو ذَا صَنْعَةٍ فَتَبَيَّنَ بِخِلافِ ذَلِكَ، أو يَشْرُطَ كَونَ الأَمَةِ بِكْراً فَتُوجَدُ ثَيِّباً، فإنْ شَرَطَهَا ثَيِّباً فَبَانَتْ بِكْراً فَعَلَى وَجْهَيْنِ أصَحُّهُمَا لا خِيَارَ لَهُ؛ لأنَّهَا زِيَادَةٌ، والآخَرُ لَهُ الرَّدُّ نَحْوَ أنْ يَكُونَ شَرَطَ الثَّيُوبَةَ لِعَجْزِهِ عَن البِكْرِ فَقَدْ فَاتَ قَصْدُهُ، فإنْ شَرَطَهَا مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كَافِرَةً فَلَهُ الرَّدُّ، فإنْ شَرَطَهَا كَافِرَةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً فَعَلى وَجْهَيْنِ، أحَدُهُمَا: لا يَمْلِكُّ الرَّدَّ.
والثَّانِي: يَمْلِكُ.
فإن اشْتَرَى عَبْداً عَلَى أنَّهُ خَصِي فَبَانَ فَحْلاً، أو عَلَى أنَّهُ فَحْلٌ فَبَانَ خَصِيّاً فَلَهُ الرَّدُّ فإن اشْتَرَاهُ مُطْلَقاً فَبَانَ خَصِيّاً فَلَهُ الرَّدُّ فإنْ بَانَ فَحْلاً لَمْ يَمْلِك الرَّدَّ.
بَابُ الرَّدِّ بِالعَيْبِ
مَنْ عَلِمَ بِسِلْعَتِهِ عَيباً كُرِهَ لَهُ بَيعُهَا حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَري عَيْبَهَا فإنْ بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صَحَّ البَيْعُ /144 ظ/ والْمُشْتَرِي بالْخِيارِ بَيْنَ الإمْسَاكِ والْمُطَالَبَةِ بأرْشِ العَيْبِ وَبَيْنَ فَسْخِ العَقْدِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْرُمُ بَيْعُهَا، فإنْ بَاعَ فَالبَيْعُ بَاطِلٌ 2، فإنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي بالعَيْبِ حَتَّى حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُمْسِكَ ويُطَالِبَ بالأرْشِ وبينَ أنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ وأرْشِ العَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ويأخُذَ الثَّمَنَ 3 وَعَنْهُ أنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِن الرِّدَّةِ ولهُ الأرْشُ 4 وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيْمَن اشْتَرَى ثَوْباً فَقَطَعَهُ أو أَمَةً فَوَطِئَهَا فإنْ وَقَفَ الْمَبَيْعَ أو قَتَلَهُ أو أعْتَقَهُ أو أَكَلَهُ فَلَهُ الأرْشُ رِوَايَةٌ واحِدَةٌ فإنْ بَاعَهُ أو وَهَبَهُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بالأرْشِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 5 والأُخْرَى لا يُطَالِبُ بالأرْشِ إلاَّ أنْ يَظْهَرَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى العَيْبِ فَيرَدَّهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ حيْنَئِذٍ الرَّدُّ أو الْمُطَالَبَةُ بالأرْشِ 6 فإن كَانَ الْمَبِيْعُ ثَوْباً فَصَنَعَهُ أو ثَوباً فَنَسَجَهُ فَلَهُ الأرْشُ 71
وَعَنْهُ لَهُ الرَّدُّ ويَكُونُ شَرِيْكاً لِلْبائِعِ بِقِيْمَةِ الصِّبْغِ والنَّسْجِ 1 فإن اشْتَرَى مَا لا يُوقَفُ عَلَى عَيْبِهِ إلاّ بِكَسْرِهِ كالْجَوْزِ واللَّوْزِ والبِطِّيخِ والرُّمّانِ وما أشْبَهَهُ فَكَسَرَهُ بِمِقْدَارِ ما يَعْلَمُ بِهِ العَيْبَ، فإنْ كسَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيْباً فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ ما نَقَصَ والْمطَالَبَةُ بالثَّمَنِ ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَهُ ويُطَالِبُ بالأرْشِ 2 وَعَنْهُ يسقط حَقُّهُ ولا يكونُ لَهُ الرَّدُّ ولا الأرْشُ 3. وإذا عَلِمَ بالعَيْبِ فأخَّرَ الرَّدَّ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ ما يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِن الْمُتَصَرِّفِ بالاسْتِمْتَاعِ أو بَيْع فَلاَ يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالعَيْبِ إِلَى رِضَاءٍ ولا إلى قَضَاءٍ فإن اشْتَرَى مَعِيباً فَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ نَمَاءٌ فَلَهُ رَدُّ الأصْلِ وإمْسَاكِ النَّمَاءِ، فإنْ قَالَ البَائِعُ أنَا أُعْطِيكَ الأرْشُ عَن العَيْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 4، والأُخْرَى لَيْسَ لَهُ إلاَّ رَدُّ الأصْلِ مَعَ النَّمَاءِ أو إمْسَاكُهُمَا والْمُطَالَبَةُ بالأرْشِ 5 والعُيُوبِ الْمُثَبَّتَةِ لِلرَّدِّ في التَّقَابُضِ كَالْمَرَضِ، والعَمَى، والعَوَرِ، والعرج، والْجُنُونِ، والْخُرُوقِ في الثَّوْبِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ وعُيُوبُ الرَّقِيْقِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِهِ كَالزِّنَا والسَّرِقَةِ والإبَاقِ والبَوْلِ في الفِرَاشِ، لا يُرَدُّ بِذَلِكَ إلاَّ 6 /145 و/ إِذَا وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ مُمَيَّزٌ.
فأمَّا عُيُويُهُ الَّتِي لا صُنْعَ لَهُ فِيْهَا كالبَخَرِ والغَفَلِ والفَزَعِ والْجُذَامِ والْمَرضِ فَيُرَدُّ بِهَا مَعَ التَمْيِيزِ وعَدَمِهِ وإذا اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئاً فَوَجَدَا بِهِ عَيباً فأَرَادَ أَحَدُهُمَا رَدَّ حَقِّهِ جَازَ، وقَالَ أبو بَكْرٍ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 7. فإن اشْتَرَى وَاحِدٌ شَيْئَيْنِ فَوَجَدَ بأحَدِهِمَا عَيْباً فَلَيْسَ لَهُ إلاَّ رَدُّهُمَا أو إمْسَاكُهُمَا والْمُطالَبَةُ بأرْشِ العَيْبِ ولهُ رَدُّ الْمَعَيْبِ إلاَّ أنْ يَكُونَ مِمَّا يَنْقُصُ بالتَّفْرِيقِ كَمِصْرَاعَي البَابِ أو زَوْج خُفٍّ، أو يَكُونَ مِمَّا لا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا
كالوَلَدِ مَعَ أبَوَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ إلاَّ رَدُّهُمَا أو إمْسَاكُهُمَا وأخْذُ الأرْشِ فأن تَلِفَ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ وَوَجَدَ بالآخرِ عَيْباً فلهُ رَدُّهُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (1)، والأخرى لا يَرُدُّ ويُطَالِبُ بالأَرْشِ (2) فإن اخْتَلَفَا في قِيْمَةِ التَّالِفِ فَالْقَوْلُ قَولُ الْمُشْتَرِي، فإن اخْتَلَفَا في العَيْبِ فَقَالَ البَائِعُ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَل اشْتَرَيْتُهُ وبهِ العَيْبُ نَظَرْنَا، فإنْ كَانَ العَيْبُ يَحْتَمِلُ قَوْلَهُمَا كَالْخَرْقِ في الثَّوْبِ والبَرَصِ في العَبْدِ وما أشْبَهَهُمَا فَالْقَولُ قَولُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِيْنِهِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ (3) وَعَنْهُ القَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ وَهِيَ الأَقْوَى عِنْدِي (4)، وإنْ كَانَ لا يَحْتَمِلُ إلا قَولَ أَحَدِهِمَا فالقَولُ قَولُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ.
بَابُ بَيْعِ التَّوْلِيَةِ والْمُرَابَحَةِ والْمُوَاصَفَةِ وحُكْمِ الإقَالَةِ
يَجُوزُ بَيْعُ التَّوْلِيَةِ وَهُوَ أنْ يَبِيعَهُ بِرَأْسِ المَالِ ثُمَّ يَقُوْل بعتك برأس ماله أو بِمَا اشْتَرَيْتُهُ أو بِرَقْمِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ويَجُوزُ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ إِذَا بَيَّنَ رأسَ الْمَالِ ومِقْدَارَ الرِّبْحِ فيَقُولُ: رَأْسُ مَالِهِ مِئَةٌ ورِبْحُهُ عَشرَةٌ، فإنْ قَالَ بِعْتُكَ بِرَأْسِ مَالِهِ عَلَى أنْ أرْبَحَ في كُلِّ عَشرَةٍ دِرْهَماً صَحَّ البَيْعُ وَلَمْ يُكْرَهْ 5 وَنَقَلَ الأثْرَمُ عَنْهُ أنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ ده يازده 6 وَهُوَ هَذَا وما يُزَادُ في الثَّمَنِ ويُحَطُّ1234
مِنْهُ في مُدَّةِ الْخِيَارِ يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ ما يرْجعُ بِهِ مِنْ أرْشِ العَيْبِ يُحَطُّ مِن الثَّمَنِ فإنْ خَفِيَ عَلَى الْمَبِيْعِ جِنَايَةً فَأَخَذَ أرْشَ الْجِنَايَةِ حَطَّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَأرْشِ العَيْبِ 1 والثَّانِي لا يَحُطُّ كَسَائِرِ النَّمَاءِ الْحَادِثِ بَعْدَ العَقْدِ 2 فإنْ جَنَى العَبْدُ الْمَبِيعُ فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي /146 ظ/ لَمْ يَلْحَقْ ذَلِكَ بالثَّمَنِ وَجْهاً وَاحِداً فإن اشْتَرَى ثَوْباً بِمِئَةٍ فَقَصَرَهُ بِعَشرَةٍ وَرَفَاهُ بِعَشْرَةٍ فإنَّهُ يُخْبرُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ، فإنْ قَالَ يَحْصُلُ عَلَيَّ بِكَذَا فَقَالَ شَيْخُنَا لا يَجُوزُ ويَحْتَمِلُ الْجَوازَ فإنْ عَمِلَ فِيْهِ عَمَلاً يُسَاوِي عَشرَةً لَمْ يَجُزْ أنْ َقُوْلَ يَحْصُلُ عَلَيَّ بِكَذَا بَلْ يَقُوْلُ اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا وعَمِلْتُ فِيْهِ بِكَذَا وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ خِرْقَةً في الثَّوْبِ وأرَادَ بَيْعَ البَاقِي مُرَابَحَةً أو اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فأرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَجْزِهِ حَتَّى يُخْبِرَهُ بالْحَالِ حَتَّى يَسْتَوِيَ فِيْهِ عِلْمُهُ وعِلْمُ الْمُشْتَرِي، فإن اشْتَرَى عَبْداً بِعَشْرَةٍ وبَاعَهُ بِخَمْسَة عَشَرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشْرَةٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يَبِيْعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُخْبِرَهُ بالْحَالِ إلاَّ أنْ يَحُطَّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي ويُخْبِرَ أنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ خَمْسَةً فإنْ بَاعَهُ بعشرة ثُمَّ عاد فاشتراه بخمسة أخبر أنَّهُ اشتراه بخمسة فإن باعه لِغُلامِ دُكَّانِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ واشْتَرَاهُ مِنْهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ الأوَّلِ عَلَى وَجْهِ الْحِيْلَةِ أو اشْتَراهُ من أبِيْهِ أو ابْنِهِ أو مِمَّنْ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يبَيْنَ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إن اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ فإنْ بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ فَلَهُ الْخِيَارُ، فإنْ أُخْبِرَ أنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِئَةٍ ثُمَّ بَانَ أنَّهُ اشْتَرَاهُ بأقَلّ حَطَّ الزِّيَادَةَ في التَّوْلِيَةِ وفي الْمُرَابَحَةِ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وقِسْطَهَا مِنَ الرِّبْحِ ويُلْزِمُهُ الْمَبِيْعَ بِبقِيَةِ الثَّمَنِ 3 وَعَنْهُ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الفَسْخِ والإمْسَاكِ مَعَ الْحَطِّ 4، فإنْ قَالَ بِعْتُكَ بِرأْسِ مَالِهِ - وَهُوَ مُتَحيِّرٌ - مِئَة ورَبِحَ عَشَرَة ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: غَلِطْتُ رأْسُ مَالِهِ مِئَة وَعَشَرَة لَزِمَ الْمُشْتَرِي الرَّدُّ أو إعْطَاءُ الزِّيَادَةِ بَعْدَ أنْ يُحَلِّفَهُ - إنْ شَاءَ - أنَّهُ غَلِطَ 5، وأنَّ رَأْسَ مالِهِ مِئَةٌ وعَشَرَةٌ، ونَقَلَ عَنْهُ أبو طَالِبٍ إنْ كَانَ مَعْرُوفاً بالصِّدْقِ مِثْلَ قَوْلِهِ 6 ونَقَلَ عَنْهُ لا يَقْبَلُ دَعْوَاهُ وَلَوْ أقَامَ بِهَا بَيِّنَةً إلاَّ أنْ يُصَدِّقَهُ
الْمُشْتَرِي (1) فإنْ قَالَ: رَأْسُ مَالِي فِيْهِ مِئَةُ دِرْهَمٍ بِعْتُكَ بِهِ، وَوضِيْعَتُهُ دِرْهَمٌ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ويَلْزَمُ الْمُشْتَرِي تِسْعُونَ، ويُحْتَمَلُ أن يُلْزِمَهُ تِسْعُوْنَ وتِسْعَةُ أعْشَارِ دِرْهَمٍ.
والإقَالَةُ: فَسْخٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (2) ولا يَجُوزُ إلاَّ بِمِثِلِ الثَّمَنِ ولا تُسْتَحَقُّ بِهَا الشُّفْعَةُ ويَجُوزُ في الْمَبِيْعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ومَنْ حَلَفَ لا يَبِيْعُ فأقَالَ لَمْ يَحْنَثْ
/147 و/ وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى هِيَ بَيْعٌ (3) فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الأحْكَامُ إلاَّ في الثَّمَنِ فإنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (4).
بَابُ اخْتِلافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ في قَدْرِ الثَّمَنِ والسِّلْعَةُ باقية تَحَالَفَا وبُدِئَ بِيَمِيْنِ البَائِعِ فَيَحْلِفُ أنَّهُ ما بَاعَهُ بِكَذَا أو إنَّمَا بَاعَهُ بِكَذَا، ويَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أنَّهُ ما اشْتَرَاهُ بِكَذَا وإنَّمَا اشْتَرَاهُ بِكذَا فإذَا حَلَفَا فإنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ أُقِرَّ العَقْدُ وإنْ لَمْ يَرْضَيَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الفَسْخُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقِفَ الفَسْخُ عَلَى الْحَاكِمِ فإذَا انْفَسَخَ العَقْدُ فَقَالَ شَيْخُنَا: يَنْفَسِخُ ظَاهِراً وبَاطِناً فَيُبَاحُ لِلْبَائِعِ جَمِيْعُ التَّصَرُّفِ في الْمَبِيْعِ 5 وعِنْدِي أنَّهُ إنْ كانَ البَائِعُ ظَالِماً بالفَسْخِ انْفَسَخَ في الظَّاهِرِ دُوْنَ البَاطِنِ لأنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إمْضَاءَ العَقْدِ واسْتِيفَاءَ حَقِّهِ فإذَا فَسَخَ فَقَدْ تَعَدَّى ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ في البَاطِنِ ولا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ؛ لأنَّهُ غَاصِبٌ، وإنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الظَّالِمُ انْفَسَخَ العَقْدُ ظَاهِراً وبَاطِناً، لأنَّ البَائِعَ مَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بإِمْضَاءِ العَقْدِ لامْتِنَاعِ الْمُشْتَرِي مِنْ إعْطَاءِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ العَقْدُ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ الفَسْخُ كَمَا لَوْ أفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فإن اخْتَلَفَا بَعْدَ تَلَفِ السِّلْعَةِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحداهُمَا: يَتَحَالَفَانِ 6 ثُمَّ الْمُشْتَرِي بالْخِيَارِ بَيْنَ دَفْعِ الثَمَنِ الَّذِي ادّعَاهُ البَائِعُ وبينَ دَفْعِ القِيْمَةِ إنْ عُرِفَتْ صِفَةُ السِّلْعَةِ فإنْ لَمْ تُعْرَفْ صِفَتُهَا واخْتَلَفَا أخَذَ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِيْنِهِ، والثَّانِيَةِ: لا يَتَحَالَفَانِ والقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، فإن اخْتَلَفَا في أصْلٍ أو شَرْطٍ أو رَهْنٍ أو في1234
ضَمِيْنٍ أو في مِقْدَارِ ذَلِكَ تَحَالَفَا (1) وَعَنْهُ القَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ مَعَ يَمِيْنِهِ (2)، فإن اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ فَظَاهِرُ قَولِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللهُ - أن يَرْجِعَ إِلَى نَقْدِ البَلَدِ (3) فإنْ كَانَ فِيْهِ نُقُودٌ رَجَعَ إِلَى أوْسَطِهَا وَقَالَ شَيْخُنَا يَتَحَالَفَانِ (4)، فإنْ حَلَفَ أحَدُهُمَا وَنَكَلَ الآخَرُ لَزِمَهُ ما قَالَ صَاحِبُهُ، فإنْ مَاتَ الْمُتَبَايِعَانِ فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا فِيْمَا ذَكَرْنَا مِنَ الأحْكَامِ فإن اخْتَلَفَا في شَرْطٍ يُفْسِدُ البَيْعَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بِعْتَنِي بِخَمْرٍ أو جَعَلْتَ لِيَ الْخِيَارِ مَتَى شِئْتَ وَقَالَ الآخَرُ بَلْ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ وخِيارُ ثَلاث فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي الفَسَادَ /148 ظ/ مَعَ يَمِينِهِ فإن اخْتَلَفَا في عين الْمَبِيْعِ فَقَالَ البَائِعُ بِعْتُكَ هَذَا العَبْدَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِعْتَنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ تَحَالَفَا فإنْ قَالَ البَائِعُ بِعْتُكَ هَذَا العَبْدَ بألْفٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ هُوَ والعَبْدُ الآخَرُ بألْفٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ مَعَ يَمِيْنِهِ وإن اخْتَلَفَا في التَّسْلِيِمِ، فَقَالَ البَائِعُ لا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى تُقْبِضَنِي الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لا أُقْبِضُ الثَّمَنَ حَتَّى أَقْبَضَ الْمَبِيْعَ، فإنْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْناً جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقبَضُ مِنْهُمَا ويُسَلِّمُ الْمَبِيْعَ إِلَى الْمُشْتَرِي والثَّمَنَ إِلَى البَائِعِ وإنْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْناً في الذِّمَّةِ أُجْبِرَ البَائِعُ عَلَى تَسْلِيْمِ الْمَبِيْعِ ثُمَّ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ حَاضِراً مَعَهُ وإنْ كَانَ غَائِباً عن الْمَجْلِسِ في البَلَدِ حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي في الْمَبِيْعِ وفي جَمِيْعِ مَالِهِ حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ، فإنْ كَانَ الثَّمَنُ غَائِباً عَلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيْهَا الصَّلاَةُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الفَسْخِ أو الصَّبْرِ، فإنْ كَانَتْ مَسَافَةً لا تُقْصَرُ فِيْهَا الصَّلاَةُ احْتَمَلَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ الْخِيَارُ واحْتَمَلَ أنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ، فإنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُعْسِراً فَلِلْبَائِعِ الفَسْخُ في الْحَالِ والرُّجُوعُ في الْمَبِيْعِ.
بَابُ السَّلَمِ
والسَّلَمُ نَوعٌ مِنَ البَيْعِ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَنْعَقِدُ بِهِ البَيْعُ ويَنْعَقِدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ والسَّلَفِ ويَصِحُّ في كُلِّ مالٍ يُضْبَطُ بالصِّفَةِ كَالثِّمَارِ والْحُبُوبِ والأدِقَّةِ 5 والأخْبَارِ 6 والثِّيَابِ والقُطْنِ والإبِرِيْسَمِ 7 والكَتَّانِ والقُنَّبِ 8 والكاغد 9 والصُّوفِ والشَّعْرِ والْحَيَوانِ والرقيقِ1234
واللُّحُومِ والرُّؤُوْسِ والْجُلُودِ والأطْرَافِ والْحَدِيْدِ والرَّصَاصِ والنُّحَاسِ والصُّفْرِ والأحْجَارِ والأخْشَابِ والأَدْوِيَةِ والطِّيْبِ والْمَائِعَاتِ مِنَ الخلُولِ والأدْهَانِ والألبَانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يَصِحُّ إلا بِخَمْسةِ شَرَائِطٍ، أَحَدِهَا: أنْ يَذْكُرَ كُلَّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأجْلِهِ عِنْدَ أهْلِ الْخِبْرَةِ فإذَا أسلَمَ في طَعَامٍ ذَكَرَ الْجِنْسَ فَقَالَ: حِنْطَةٌ، والنَّوعُ: بَغْدَادِيَّةٌ واسِطِيَّةٌ، واللَّوْنُ: بَيْضَاءٌ حَمْرَاءٌ صَفْرَاءٌ، والقَدَرُ: كِبَارُ الْحَبِّ صِغَارُ /149 و/ الحَبِّ وحَدِيْثٌ أو عَتِيْقٌ وجَيِّدٌ أو رَدِيْءٌ، وخَالِيَةٌ من الغِشِّ.
فإنْ شَرَطَ أَجْوَدَ الْحِنْطَةِ لَمْ يَصِحَّ وإنْ شَرَطَ أرْدَأَهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ 1 والشَّرْطِ الثَّانِي أنْ يَذْكُرَ الْمِقْدَارَ فَيَشْرُطَ في الْمَكِيْلِ كَيْلاً مَعْلُوماً وفي الْمَوْزُونِ وَزْناً مَعْلُوماً، وَكَذَلِكَ في الْمَزْرُوْعِ والْمَعْدُودِ فإنْ أسْلَمَ فِيْمَا يُكَالُ بالْوَزْنِ لَمْ يَصِحَّ نَصَّ عَلَيْهِ 2 وَكَذَلِكَ تخرجُ إِذَا أسْلَمَ فِيْمَا يُوزَنُ كَيْلاً وَفِيْمَا يُزْرَعُ وَزْناً فأمَّا الْمَعْدُودُ والْمُخْتلفُ كالبَيْضِ والْجَوزِ والرُّمَّانِ والسَّفَرْجَلِ والبِطِّيْخِ والقِثَّاءِ والبَاذِنْجَانِ وما أشْبَهَهُ فَفَيْهِ رِوَايِتَانِ إحداهما 3: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهِ 4 وَقَالَ في رِوَايَةِ إسْحَاقِ بن إبْرَاهَيْمَ وَقَدْ سَأَلَهُ عَن السَّلَمِ في البَيْضِ إنَّما سَمِعْنَا السَّلَمَ فِيْمَا يُكَالُ أو يُوزَنُ.
قُلْتُ: فالرُّمَّانُ، قَالَ: لا أدْرِي ولا البَيْضُ السَّلَم فِيْمَا يكال أَوْ يوزن وَلاَ أرى السلم إلا فِيْمَا يُكَالُ أو يُوزَنُ أو شَيْءٌ يُوْقَفُ عَلَيْهِ ومعْنَاهُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - يُوقَفُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ لا يَخْتَلِفُ كالزَّرْعِ، وظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ السَّلَمِ في كُلِّ مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الفَوَاكِهِ والبُقُولِ والبَيْضِ والْحَيَوَانِ والرُّؤُوسِ وما أشْبهَ ذَلِكَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ السَّلَمُ في جَمِيْعِ ذَلِكَ 5 وَهَلْ يُسْلِمُ فِيْهِ عَدَداً أو وَزْناً عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحدَاهمَا: وَزْناً 6 والأُخْرَى: عَدَداً 7 وَقِيْلَ يُسْلِمُ في البيْضِ والْجَوْزِ عَدَداً وفي الفَوَاكِهِ والبُقُولِ وَزْناً والشَّرْطِ الثَّالِثِ: أنْ يَشْرُطَا أجَلاً مَعْلُوماً لَهُ وَقْعٌ في الثَّمَنِ كَالشَّهْرِ والشَّهْرَيْنِ فَصَاعِداً، فإنْ أسْلَمَ حالاً أو شَرَطَ سَاعَةً أو يَوْماً لَمْ يَصِحَّ إلاَّ أنْ يُسْلِمَ في لَحْمٍ أو خُبْزٍ يَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُ
كُلَّ يَومٍ أرْطَالاً مَعْلُومَةً فإنَّهُ يَصِحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ 1، فَإِنْ أَسْلَمَ في جِنْسٍ إلى أَجَلَيْنِ، أو في جِنْسَيْنِ إلى أَجَلٍ صَحَّ، وإِنْ أَسْلَمَ إلى الحَصَادِ والجُذَاذِ، فَهَلْ يَصِحُّ أمْ لاَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 2.
والشَّرطِ الرَّابِعِ: أَنْ يَشْرِطَا مَحلاً يَكُوْنُ المُسَلَّمُ فِيْهِ عَامُّ الوُجُودِ، فَإِنْ جَعَلاَ المَحلَ وَقْتاً لا يُوجَدُ فِيْهِ أو يُوجَدُ نَادِراً مِثْلُ: أَنْ يُسْلِمَ في الرَّطبِ والعِنَبِ ويَجعَلَ مَحَلَّهُ شُبَاطاً أَو آذَارَ لَمْ يَصِحَّ، وكَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ في ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ أو بسْتَانٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لأنَّهُ لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ عِنْدَ المَحَلِّ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِيْمَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ فَانْقَطَعَ في مَحَلِّهِ فالمُشْتَرِي /150 ظ/ بالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلى أَنْ يُوجدَ وبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ العَقْدَ ويَرْجِعَ بالثَّمَنِ إِنْ كَانَ مَوْجُوداً أو بِمِثْلَهِ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ أو بِقِيْمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيْلاً أو مَوْزُوناً في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ 3، والآخَرُ: أنَّ العَقْدَ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ العَقْدِ 4، فَإِنْ تَعَذَّرَ البَعْضُ فَالحُكْمُ فِيْهِ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ الجَمِيْعُ.
والشَّرْطِ الخَامِسِ: أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلِمْ في مَجْلِسِ العَقْدِ ويَكُوْن مَعْلُومَ الصِّفَةِ والمِقْدَارِ كَالثَّمَنِ سَوَاءٌ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ القَبْضِ بَطَلَ السَّلَمُ، وإِنْ أَقْبَضَهُ بَعْضَهُ في المَجْلِسِ ثُمَّ تَفَرَّقَا بَطَلَ العَقْدُ في الْجَمِيْعِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 5، والأُخْرَى: يَبْطُلُ فِيْمَا لَمْ يُقْبَضْ 6، فَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَجَدَهُ رَدِيْئاً فَرَدَّهُ فَلَهُ البَدَلُ في مَجْلِسِ الرَّدِّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 7، والأُخْرَى: يَبْطُلُ العَقْدُ بِرَدِّهِ 8، فَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ رَدِيْئاً فَرَدَّهُ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُوْلَة لَهُ الاسْتِبْدَالُ في المَجْلِسِ 9، وعَلَى الأُخْرَى يَبْطُلُ في المَرْدُودِ 10، وهَلْ يَصِحُّ فِيْمَا لَمْ يُرَدَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ 11، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ تَقَابَلا في بَعْضِ المسَّلَمِ فِيْهِ
لَمْ يَصِحَّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 1، والأُخْرَى: تَصِحُّ 2 ويَقْبِضُ قِسْطَهُ مِنَ الثَّمَنِ أو عِوَضَهُ في مَجْلِسِ الإِقَالَةِ، وإِذَا قَبَضَ المسَّلَمَ فِيْهِ ثُمَّ ادَّعَى أنَّهُ غَلِطَ عَلَيْهِ في الوَزْنِ أَو الكَيْلِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: القَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ 3.
والثَّانِي: لاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ 4، فَإِنْ قَبَضَهُ جُزَافاً فَتَلِفَ واخْتَلَفَا في قَدْرِهِ فَالقَوْلُ قَوْلُ القَابِضِ مَعَ يَمِيْنِهِ وَجْهاً وَاحِداً، ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ المسَّلَمِ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ولاَ الشِّرْكَةِ ولاَ التَّوْلِيَةِ فِيْهِ، ولاَ يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهَنِ والكَفيْلِ بِمَالِ السْلِمِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 5، والأُخْرَى: يَجُوزُ 6، ولاَ يُشْتَرَطُ في السَّلَمِ ذِكْرُ مَكَانِ الإِيْفَاءِ، ويَكُونُ الإِيْفَاءُ في مَوْضِعِ العَقْدِ، فإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ صَحَّ الشَّرْطُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 7، والأُخْرَى: لاَ يَصِحُّ الشَّرْطُ 8. وإِذَا أَحْضَرَ المُسلِم فِيْهِ عَلَى الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ أو أَجْوَدُ لَزِمَ قَبُوْلَهُ، فإِنْ كَانَ أَنْقَصَ مِنَ الصِّفَةِ لَمْ يَلْزَمْ قَبُولَهُ، وإِنْ جَاءهُ بِأَجْوَد منَ الصِّفَةِ فَقَالَ: خُذْهُ وَزِدْنِي دِرْهَماً فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ، وإِنْ جَاءهُ بِزِيَادَةٍ في المِقْدَارِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ صَحَّ، فَإِنْ جَاءهُ بالمسَّلَمِ فِيْهِ قَبْلَ المَحَلِّ ولا ضَرَرَ في قَبْضِهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ، وإِنْ كَانَ في قَبْضِهِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ.
ولاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْمَا لا يُضْبَطُ بالصِّفَةِ كَالجَّوَاهِرِ كُلِّهَا مِنَ الدُّرِّ /151 و/ واللُّؤْلُؤِ واليَاقُوتِ، وكَذَلِكَ الحَوَامِلُ مِنَ الحَيَوَانِ، فَأَمَّا السَّلَمُ في الأَوَانِي المُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ والأَوْسَاطِ كَالمَرَاجِلِ والأَبَارِيْقِ والأَسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرُّؤُوسِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ 9، ومَا يَجْمَعُ أَنْوَاعاً مُخْتَلِفَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
ما يُطْرَحُ في الشَّيءِ لِمَنْفَعَةِ الشَّيءِ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ في نَفْسِهِ كالأَنْفَحةِ في الجُبْنِ (1)، والخَلِّ في السَّكَنْجَبِيْنِ (2)، والمِلْحِ في العَجِيْنِ، ومَا أَشْبَهَهُ.
فالسَّلَمُ فِيْهِ جَائِزٌ.
والثَّانِي: مَا يُطرَحُ في الشَّيءِ لاَ لِمَنْفَعَةٍ كَالمَاءِ في اللَّبَنِ، والمِسِّ في الذَّهَبِ (3) فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهِ.
والثَّالِثِ: أَخْلاَطُ أَشْيَاءَ مَقْصُودَةٍ عَلَى وَجْهِ لا تَتَمَيَّزُ كَالغَالِيَةِ (4) والنَّدِّ (5)، والمَعَاجِيْنِ، وما أَشْبَهَهُ فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهَا.
الرَّابِعِ: مُجْتَمِعٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّزٌ كَالثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ مِنْ قُطْنٍ وإِبْرِيْسَمٍ أو كَتَّانٍ وقُطْنٍ والقَسِيِّ (6) والنَّبْلِ المَرِيْشِ (7) والرِّمَاحِ والخفَافِ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهَا في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (8) والآخَرُ لا يَصِحُّ (9)، ولا يَصِحُّ السلم في العَقَارِ والنَّخْلِ والأشْجَارِ الثَّابِتَةِ، وكلُّ عَيْنٍ لا يَجُوزُ أنْ تسلمَ ثَمَناً وَاحِداً في جنْسٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِقْدَارُ ما لِكِلِّ جِنْسٍ مِنَ الثَّمَنِ.
بَابُ القَرْضِ
القَرْضُ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ويَحْصُلُ المِلْكُ فِيْهِ بالقَبْضِ، فَلَو أَرَادَ المُقْرِضُ الرُّجُوعَ في غَيْر مَالِهِ قَبْلَ تَصَرُّفِ المُسْتَقْرِضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ أرَادَ المُسْتَقْرِضُ ذَلِكَ لَزِمَ المُقْرِضُ قَبُولَهُ إِذَا كَانَ عَلَى حالِهِ حِيْنَ القَرْضِ فإنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ مِثل أنْ حَدَثَ بِهِ عَيْباً أو أقْرَضَهُ فُلُوساً أو مُكَسَّرَةً فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ لَمْ يَلْزَم المُقْرِضُ قَبُولَهُ وكَانَ لَهُ القِيْمَةُ وَقْتَ القَرْضِ، ويَجُوزُ قَرْضُ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ إلاَّ بَنِي آدَمَ فإنَّ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ- كَرَّهَهُ 10 ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَصِحَّ قَرْضُهُمْ 11 وَهُوَ يُحْتَمَلُ أنْ يَصِحَّ مَعَ123456789
الكَرَاهِيَةِ (1)، فأمَّا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَماً كالْجَوَاهِرِ، فَذَكَرَ شَيْخُنَا في " الْمُجَرَّدِ " جَوازَ قَرْضِهَا ويَرُدُّ المُسْتَقْرِضُ القِيْمَةَ (2)، والأقْوَى عِنْدَي أنَّهُ لا يَجُوزُ قَرضُهَا لأنَّهَا لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ ولا نُقِلَ جَوَازُ قَرْضِهَا ولا هِيَ مِنَ المَرَافِقِ ويَجِبُ رَدُّ المِثْلِ في المَكِيْلِ والمَوْزُونِ وفي غيْرِهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ، أحَدِهِمَا يَرُدُّ القِيْمَةَ (3)، والآخرِ: يَرُدُّ مِنْ جِنْسِهِ (4) وَإِذَا أقْرَضَهُ أثْمَاناً فَلَقِيَهُ /152 ظ/ بِبَلَدٍ آخَرَ فَطَالَبَهُ بِهَا لَزِمَهُ أن يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِثْلَها، فإنْ أقْرَضَهُ مَكِيْلاً فَطَالَبَهُ بالْمِثْلِ في بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ، وإنْ طَالَبَهُ بالقِيْمَةِ لَزِمَهُ ويَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ والضَّمِينِ في القَرْضِ ولا يَجُوزُ شَرْطُ الأَجَلِ ولا يَجُوزُ كلُّ شَرْطٍ يَجُرُّ مَنْفَعَةً مِثْلَ أن يُقْرِضَهُ عَلَى أنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ أو يُعْطِيهِ أجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ أو يَكْتُبَ لَهُ بِهِ سَفْتَجَةً (5) إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فإنْ بَداهُ المُقْرِضُ فَفَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيرِ شَرْطٍ جَازَ ويُحْتَمَلُ جَوازُ شَرْطِ السَّفْتَجَةِ لأنَّهَا مَصْلَحةٌ لَهُمَا، فإنْ أبَدَى لَهُ هَدِيةً بَعْدَ الوَفَاءِ أو زَادَهُ زِيَادَةً مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إحداهُمَا: جَوازُ ذَلِكَ (6) والأُخْرَى تَحْرِيْمُهُ (7).