الهداية على مذهب الإمام أحمدكِتَابُ أدَبِ الْقَاضِي
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ أدَبِ الْقَاضِي

عن هذه الطبعة
عَلَم
الكلوذاني
الكتاب
الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
المؤلف
محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني
المحقق
عبد اللطيف هميم - ماهر ياسين الفحل
الناشر
مؤسسة غراس للنشر والتوزيع
الطبعة
الأولى، 1425 هـ / 2004 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي] __________أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة

فأمَّا أدَبُ الْقَاضِي إذَا وَليَ الحَكمَ فَينبَغي لَهُ أنْ يَكُونَ قويَّاً في ولايتِهِ مِنْ غَيْرِ عُنفٍ لَيِّناً مِنْ غَيْرِ ضَعفٍ، ويسأَلُ عَن حَالِ البَلَدِ الَّذِي قُلِّدَ الحُكَمَ فِيهِ وعَنْ حالِ مَنْ فِيهِ مِنَ الفُقَهَاءِ والعُدولِ والفضَلاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِن أهلِهِ وَيَسيرُ وَينفِذُ عِنْدَ مَسيرِهِ مَنْ يُعلِمُ أَهلَ البلَدِ بيَومِ دُخولِهِ وَيأمُرهُم بِاجتمَاعِهِم لِتَلقيَهُ فإذا قَربَ مِنَ البَلَدِ لَبسَ أَجمَلَ ثيابِهِ وَتَهيأَ لِلدُّخُولِ فإذا شَارَفَ البلَدَ يُستَحبُّ لَهُ أنْ يَدعوَ بما رُويَ عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ مِنْ دعائهِ: ((اللهمَّ ربَّ السَّمواتِ السَّبعِ وما أَظلَّتْ وربَّ الأرَضِينَ السَّبعِ وما أقلَّتْ وربَّ الرِّياحِ ومَا ذَرتْ أسألكَ خَيرَ هذِهِ البَلدةِ وخَيرَ أَهلِهَا وَخَيرَ مَا فِيهَا)) 4 فإذا [دَخلَ] 5 البلد قَالَ: ((اللهُمَّ اجعلْهُ لَنَا قرَارَاً واجعلْ لَنَا فِيهِ رِزقَاً طَيَّباً اللهُمَّ إني أعوذُ بكَ مِنَ الأَسَدِ والأُسْوَدِ123

والحيَّةِ والعقرَبِ ومِنْ شَرِّ سَاكِني البلَدِ ومِنْ شَرِّ والدٍ وَمَا ولدَ ومِنْ شَرِّ كُلّ أَحَدٍ)) 1. وَيستَحبُّ /417 و/ لَهُ الدُّخولُ في يَومِ الاثنينِ فإنْ لَمْ يَقدِرْ فَالسَّبتُ أو الخَميسُ وَيقصِدُ مَسجِدَ الجامِعِ فَيدخُلُهُ ويصَلِّي فِيهِ رَكعتَينِ وَيجلِسُ مُستَقبِلاً لِلقِبلَةِ فَإذا اجتَمعَ النَّاسُ أَمرَ بعَبدِهِ فَقرَى عَلَيْهِمْ ثُمَّ يأمُرُ منَاديَهُ فَينادِي في البلَدِ: مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إلى الْقَاضِي فَليحضَرْ في يَومِ كَذَا ثُمَّ يَنهَضُ إلى مَنزلِهِ الَّذِي أعدَّهُ للنُّزولِ، وينفذ فَيتسلمُ ديوانَ الحكمِ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبلَهُ.
فَإذا كَانَ اليَومُ الَّذِي وَعَدَ النَّاسَ الجلوسَ فِيهِ أنقد بسَاطاً أو لبداً 2 أو حَصِيرَاً لِيفرَشَ لَهُ، ثُمَّ يَخرجُ عَلَى أَعدَلِ أَحوالِهِ لا جَائعَ ولا شَبعَانَ وَلاَ عَطشَانَ وَلاَ مَهموماً بأمرٍ يَشغِلُهُ عَنِ الاجتهَادِ والفَهمِ وَيسلِّمُ عَلَى مَنْ يَمرُّ بِهِ في طَريقِهِ مِنَ المُسلِمينَ وإنْ كَانَ صَبيّاً فإذا وصَلَ إلى مَجلِسِه سَلَّمَ عَلَى مَنْ فِيهِ، فإنْ كَانَ مَسجِداً صَلَّى رَكعتَينِ وجَلَسَ، وإنْ كَانَ غَيرُهُ فَهُوَ مُخيرٌّ.
ويستَحَبُّ أنْ يَستَعِينَ باللهِ ويتَوكَلَ عَلَى اللهِ وَيدعوَ اللهَ سِراً أنْ يَعصِمَه مِنَ الخطَأ وَالزَلَلِ، وأنْ يُوفِقَهُ لما يُرضِيهِ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ ويُستَحَبُّ أنْ يَجعَلَ مَجلِسَهُ وَسطَ البلَدِ وَيكونَ فَسحَاً كَالجامِعِ أو الدَّارِ الكَبيرَةِ والفَضَاءِ الواسِعِ بحَيثُ لا يَزدَحِمُ الخصُومُ ويَصِلُ إليهِ كُلُّ أحَدٍ، وَلاَ يَتَخِذُ حَاجِباً وَلاَ بَوابَّاً إلا في غَيْرِ مَجلسِ الحكمِ إنْ شَاءَ ويَعتَرِضُ القَصَصَ وَيبَدأُ بالأَولَ فَالأَولَ، فَإنْ حَضَروا في حَالٍ وَاحِدَةٍ وتَشَاحّوا 3 أقرعَ بينَهم فَمنْ خَرَجَ اسمُهُ قَدَّمهُ، وَلاَ 4 يقَدِّمُ مَنْ سَبقَ في أَكثرَ مِنْ حُكومَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإنِ احتَاجَ أنْ يتَّخِذَ كَاتِباً فَيكونُ مُسلِماً مُكَلَّفاً عَدلاً عَالِماً حَافِظاً يُجلسُهُ بِحَيثُ يشَاهِدُ مَا يَكتُبهُ، وَيجعَلُ القمطرَ 5 مَختوماً بَيْنَ يَدَيهِ، وينبَغي أنْ يُحضِرَ مَجلسَهُ الفُقَهَاءَ مِنْ أَهلِ كُلِّ مَذْهَبٍ إنْ أَمكَنَ، وإذَا أشكَلَ عَلَيْهِ أَمرٌ شَاورَهُم فإذا أتضَحَ لَهُ حَكَمَ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ أَخَّرَهُ حَتَّى يَتضِحَ وَلاَ يُقَلِدْ غَيرَهُ في الحُكمِ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَهُ /418ظ/ أو أعلَمَ مِنْهُ، وَيسَوي بَيْنَ الخَصمَينِ في لَحظِهِ وَلَفظِهِ وَمَجلسِهِ والدُّخُولِ عَلَيْهِ، فإنْ كَانَ أحَدُ الخَصمَينِ كَافِراً قُدّمَ عَلَيْهِ المُسْلِمُ في الدُّخولِ وَرُفِعَ عَلَيْهِ،

[فإنْ كَانَ] 1 في الجُلوسِ 2، وَلاَ يُسَارَّ أحدَهُما وَلاَ يُلقِّنهُ حُجَّتَهُ وَلاَ يعَلِمْهَ كَيْفَ يدَّعي 3، وله أنْ يَشفَعَ إلى خَصمِهِ أنْ يُنظرَهُ، وَلهُ أنْ يزن عَنْهُ، وَلاَ يَحكُمْ بَيْنَ الخَصمَينِ وَهُوَ غَضبَانُ، وَلاَ يَقضِي في حَالِ شِدَّةِ الجوعِ والعطَشِ والهمِّ والوجَعِ والنُّعاسِ والبَردِ المؤلِمِ والحَرِّ المزعِجِ ومُدافَعةِ الأخبثَينِ، فإن خَالفَ وحَكَمَ فوافقَ حُكمُه الحقَّ نَفذَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا لا ينفُذُ حُكمُهُ 4، وَلاَ يحلُّ لَهُ أنْ يرتَشِيَ وَلاَ يقبلُ الهدِيةَ إلاّ مِمّن كَانَ يلاطفُهُ ويهَادِيهِ قَبْلَ الولايةِ بِشَرطِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ حُكومَةٌ، وَيكرهُ لَهُ أنْ يتولَى البيعَ والشِراءَ لِنفسِهِ، ويُستَحبُّ أنْ يوكِّل في ذَلِكَ مَنْ لا يُعرَفُ [أَنَّهُ وَكيلُهُ] 5. وَيجَوزُ لَهُ حُضورُ 6 الوَلائمِ فَإنْ كَثرَتْ عَلَيْهِ [تَركَها وَلاَ] 7 يُجيبُ بَعضَهم وَيمتَنِعَ عَنْ بَعْضٍ وَيُستَحَبُّ لَهُ [عِيادَةُ] 8 [المرِيضِ] 9 وَشُهودُ الجنازَةِ وتَشمِيتُ العَاطِسِ.
وَلاَ يَجوزُ لَهُ أنْ يَحكُمَ لِنفسِهِ وَلاَ لوالدَيهِ وَلاَ لِوَلدِهِ، وَلاَ لِعَبدِهِ وأَمَتِهِ، فَإنِ اتفَقَ لأَحِدهمْ خُصومَةٌ حَكَمَ فِيْهَا بَعْضُ خُلفَائِهِ، وَقَالَ: أَبو بَكْرٍ: يجوزُ لَهُ الحكمُ لَهمْ 10. وَيوصِي الوكَلاءَ والأَعوانَ عَلَى بابِهِ بِتقوَى اللهِ تَعَالَى والرِّفقِ بالخصُومِ وقلَّةِ الطَّمَعِ، ويجتَهِدُ أنْ لا يَكُونُوا إلاّ شيوخَاً أو كُهولاً مِنْ أَهلِ الدِّينِ والصِّيانَةِ والعِفَّةِ، وَينبغِي أنْ لا يَحكُمَ إلاّ بِمَحضَرٍ مِنَ الشُّهودِ.
وَأولُ مَا ينظر فِيهِ عِنْدَ جلوسِهِ في ولايتِهِ: أَمرَ المحبسينَ فيَنفذُ ثقتَهُ إلى الحَبسِ، فَيكتُبُ اسمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِيهِ في رقعةٍ مُنفَرِدَةٍ، وَيكتبُ اسمَ مَنْ حَبَسهُ وفيما حَبسَهُ، ثُمَّ [ينادي] 11 في البلَدِ: أنَّ الْقَاضِي يَنظرُ في أَمرِ المحبسينَ، فَمنْ كَانَ لَهُ

عَلَى مَحبوسٍ حَقٌّ فَليَحضرْ في غَدٍ فإذا كَانَ /419 و/ في غَدٍ وَحضَرَ الْقَاضِي، أَخرَجَ الْقَاضِي رُقعةً فنادَى هَذِهِ رُقعَةُ فُلاَنِ بنِ فُلاَنٍ فَمنْ خَصمُهُ؟ فإذا حَضَرَ خَصمُهُ بَعَثَ فَأخرَجَهُ، وَنَظَرَ فِيْمَا بينَهُ وبينَ خَصمِهِ فإنْ كَانَ حَبسُهُ بحَقٍّ: مِثْلَ دَينٍ أو أرَشٍ جِنَايةٍ أو إتلافِ مَالٍ قِيلَ لَهُ: أَخرجْ ممّا عَلَيْكَ فإنْ قَالَ: أنا مُعسِرٌ نَظَرنا، فإنْ عُرِفَ لَهُ أَصْلُ مالٍ لَمْ تُقبلْ دَعواهُ إلاّ بِبيَنةٍ تَشهَدُ أَنَّهُ ذَهَبَ مَالُهُ، فإنْ لَمْ تَقُمْ بَينَةٌ وعرِفَ لَهُ عَينُ مَالٍ كُلِّفَ قضاة مِنْهُ، فإنْ أبا قَضَى الحَاكِمُ الدَّينَ مِنْهُ إنْ كَانَ مِنْ حَبسِ الدَّينِ وإلاَّ باعَهُ وقَضَى الدَّينَ مِنْ ثَمنهِ، وَإنْ لَمْ يُعرَفْ لَهُ عَينُ مَالٍ أعُيدَ إلى الحَبسِ، وإنْ بانَ أَنَّهُ حَبَسَهُ بغَيرِ حَقٍّ ثَبَتَ مِثْل، أنْ يَكُونَ حُبِسَ في تُهمةٍ أوِ افتِياتٍ 1 عَلَى الْقَاضِي خَلَّى سَبيلَهُ، فإنْ لَمْ يَحضَرْ لَهُ خَصْمٌ، قِيلَ لَهُ فِيْمَا حُبِستَ، فَإنْ قَالَ: حَبسَني القاضِي وَلا خَصمَ لِي ولا حَقَّ عَلَيَّ لأَحَدٍ نَادى الْقَاضِي بِذَلِكَ، فَإنْ ظَهرَ لَهُ خَصمٌ والاَّ حَلَّفهُ أَنَّهُ لا خَصْمَ لَهُ وأُطلِقَ.
ثُمَّ يَنظرُ في أَمرِ الأيتَامِ والمجَانِينِ وَفِي الوصَايا والوُقوفِ وَتحرِي الأَمرِ فِيْهَا عَلَى مَا يَقتَضِيهِ الشَّرعُ، ثُمَّ يَنظُرُ في [حَالِ] 2 الْقَاضِي قَبلَهُ.
فإنْ كَانَ مِمّنْ لا يَصلُحُ للقضَاءِ نَقَضَ أَحكَامَهُ.
وإنْ كَانَتْ قَدْ وَافقَتِ الصَّحِيحَ وإنْ كَانَ يَصلُحُ للقضَاءِ لَمْ يَنقُضْ مِنْ أَحكَامِهِ إلاّ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى أو سُنَّةَ نَبيهِ - صلى الله عليه وسلم - أو إجمَاعَ العُلَمَاءِ 3. وإنِ استعدَاهُ خَصمٌ عَلَى الْقَاضِي الَّذِي قَبلَهُ سَألَهُ عمّا يَدَّعيهِ عَلَيْهِ، فَإنْ قَالَ: لي عندَهُ حَقٌّ مِنْ دَينٍ ومعَامَلةٍ وَغَصبٍ وَرشوةٍ ونحو ذَلِكَ أَرسَلَ إليهِ وعَرَّفَهُ، فَإنِ اعتَرَفَ بما ادَّعاهُ أمرَهُ بإيفَائهِ أَو الحضُورِ، وَإنْ جَحَدَ وَقَالَ: إنما يُرِيدُ هَذَا الَخصمُ تَبذُّلي والتَّشَفِي مِنِّي لَمْ يُحضِرَهُ حَتَّى يَبينَ لَهُ أنَّ لما ادَّعَاهُ أصلاً في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ 4. وَكَذَلِكَ الحكمُ في كُلِّ مُدَّعى عَلَيْهِ لا /420 ظ/ يَحضرُهُ الحَاكِمُ حَتَّى يَعلَمَ، أَنَّهُ كَانَ بَينَهُ وبينَ المدَّعِي مُعامَلةٌ فِيْمَا ادَّعَاهُ وَفِي الرِّوَايَة الأخرَى: يُحضِرُ كُلّ مدعىً عَلَيْهِ ويَحكُمُ بَينَهُ وبَيْنَ خَصمِهِ وَهِيَ اختِيارُ عَامَّةِ شُيوخِنَا 5، وإنْ قَالَ: جَارَ عَلَيَّ في الحكمِ، فإنْ كَانَ مِمَّا لا يَسوغُ فِيهِ الاجتِهَادُ نَقضَهُ، وإنْ كَانَ مِمَّا يَسُوغُ لَمْ يَنقُضْهُ سَوَاءٌ وافقَ رأيَ الْقَاضِي أو خَالفَهُ فإنْ قَالَ: حَكَمَ عَلِيَّ بشهادَةِ فاسِقَينِ فَقَالَ: بَلْ حَكَمتُ بِشَهادَةِ عَدلَينِ فَالقَولُ قولُهُ بِلا يَمينٍ، فإنِ ادَّعَى إنسَانٌ

أنَّ الحَاكِمُ المعزُولَ حَكَمَ لَهُ عَلَى خَصْمٍ عَيَّنهُ بكَذا، فأَنكَرَ الخَصْمُ ذَلِكَ وَلا بينةَ لَهُ سُئِلَ الحَاكِمُ فإنْ قَالَ: كُنتُ حكَمتُ لَهُ في حَالِ ولاِيَتي في ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَهمَاً في خَبرهِ ذَكَرهُ الخِرَقيّ (1)، وَيحتمِلُ أنْ لا يُقبَلَ قَولُه لأَنَّهُ في حَالِ ولايتِهِ لا يَجوزُ لَهُ الحُكمُ بِعلمِهِ فَبعدَ عَزلِهِ أَولى.
وَإِذَا مَاتَ المولِّي لَمْ تَبطُلِ ولايةُ المولّى في أَحَدِ الوَجهيَنِ (2)، وتبطُلُ في الأخرَى، فَإنْ عَزَلهُ الإِمَامُ مَعَ صَلاحِهِ لِلقضَاءِ فَهلْ ينعَزِلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (3)، فَإنْ قلنا ينعَزِلُ قَبْلَ أنْ يعلمَ بالعَزلِ عَلَى وَجْهَيْنِ أصلُهُما الوَكيلُ هَلْ يَنعزِلُ قَبْلَ العِلْمِ (4).

بابُ طَريقِ الحُكمِ وصِفَتِهِ

لا تَخْتَلِفُ المذاهِبُ أَنَّهُ يَجوزُ للحَاكِمِ أنْ يَحكُمَ بِالبينَةِ وبِالإقرَارِ في مَجلِسِهِ إِذَا سَمعَهُ مَعَهُ أحَد أو سَمعَهُ مَعَهُ شَاهِدٌ واحِدٌ فَنصَّ أَحمدُ في رِوَايَةِ حَربٍ أَنَّهُ يَحكمُ بهِ 5، وَقَالَ شَيْخُنَا: لا يَحكُمُ حَتَّى يَشهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ 6، فأمّا مَا يَعلَمُهُ في غَيْرِ مَجلِسهِ برُؤيةٍ أو سَمَاعٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ فهلْ يجوزُ أنْ يَحكُمَ فِيهِ بِعلمِهِ أمْ لا؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ 7. إحداهُما: لا يَحكُمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ في حَدٍّ أو قِصَاصٍ أو غَيرِهِمَا مِنَ الحقُوقِ وَهُوَ اختِيارُ عامَّةِ شيوخِنَا.
وَالثَّانيةُ: يَحكُمُ بِهِ، قَالَ في رِوَايَةِ أَبي طَالِبٍ في الأَمَةِ إذَا زَنَتْ يُقيمُ مولاهَا الحَدَّ إذَا1234

تَبينَ لَهُ الزِّنَا حَملَتْ أو رَآها جَلَدَهَا 1، فَإذا جَازَ لِلسَّيدِ ذَلِكَ بِرؤيتِهِ /421 و/ في الحُدودِ فَالحاكِمُ أَولَى، وَقَالَ في رِوَايَةِ حَربٍ إذَا أَقرَّ في مَجلسِهِ حُدَّ أو حَقٌّ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَأخذَهُ بهِ 2، وهذا حُكمٌ بِعلمِهِ، وَيجوزُ لَهُ الحُكمُ بِشَاهِدٍ وَيَمينِ المدَّعِي، وَيَجوزُ لَهُ القَضَاءُ 3 بِالنُّكولِ، وَلاَ يَحكُمُ بِرَدِّ اليَمينِ نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَة الأثرَمِ وَحَربٍ والميمُونِيِّ، وَيقوى عِندي جَوازُ الحُكمِ بِرَدِّ اليَمينِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وعُثْمَانَ وعَليٍّ - رضي الله عنهم -، وَقَدْ قَالَ أَحمَدُ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ مَا هوَ بِبَعيدٍ أنْ يَحلِفَ وَيأخُذَ 4، فَقَالَ لَهُ: وخذ وَهَابهُ فَقَدْ صَوَبَهُ وَقياسُ قَولِهِ يَقضِيهِ فإنَّه قَدْ حَكَمَ باليَمينِ والشَّاهِدِ ابتدَاءً مِنْ غَيْرِ رِضَى المنكِرِ، وَكَذَلِكَ في القَسَامَةِ فإذا رَضِيَ المنكرِ بِيَمينِهِ كَانَ أولى بجَوازِ الحُكمِ وَقَولُهُ أهابهُ لا تجرحُه أنْ يَكُونَ مَذهَباً لَهُ، فَقَدْ قَالَ في المفقُودِ: كُنْتُ أَقولُ إذَا تَربَّصَتْ زَوجَتُهُ أَربعَ سِنينَ ثُمَّ اعتَدَّتْ أربَعةَ أشهُرٍ وَعشر تَزوَّجَ وقَدِ ارتَبتُ اليومَ وَهِبتُ الجَوابَ فَقَدْ صَرَّحَ بأنَّهُ هَابَ ذَلِكَ، وأشبها جَمِيْع أصحابنا مذهباً.
وَاختَارَهُ شَيْخُنَا.
وَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يدَيهِ الخصمَانِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ لَهُمَا مَنِ المدَّعي منكُما ولَهُ أنْ يَسكُتَ حَتَّى يَبتَدِيا، فإنْ سَبقَ أَحدُهُما بالدَّعَوى قُدمَ، وَإنِ ادَّعَيا مَعاً أَقرَعَ بَيْنَهُمَا فَقدّمَ مَنْ خَرجَتْ لَهُ القُرعَةُ، فَإذا انقَضَتْ حُكومَتُهُ سَمِعَ دَعوى الآخَرِ.
وَلاَ يَسْمَعُ الدعوَى إلا صَحِيْحَةً مُحررَةً، ثُمَّ يَقُولُ لِلخَصمِ: مَا تَقُوْلُ فِيْمَا ادَّعَاهُ عَلَيْكَ فَإنْ أَقرَّ لَمْ يَحكُمْ حَتَّى يُطالِبَهُ المدَّعِي بالحُكمِ، وإنْ أنكَرَ سَألَ المدَّعِي ألكَ بَينَةٌ فإنْ قَالَ مَالي بيّنةٌ فَالقَولُ قَوْلُ المنكِرِ مَعَ يَمينِهِ إنْ سَألَ المدَّعي إحلافَهُ، فَإنْ نَكَلَ المنكِرُ عَنِ اليَمينِ فَعلَى المَنصوصِ يَحكُمُ عَلَيْهِ بالنكُولِ، بَعْدَ أنْ يَقُولَ لَهُ إنْ لَمْ تَحلِفْ وَنكلتَ قَضَيتُ عَلَيْكَ بِالنُّكولِ ثَلاثاً وَهِيَ اختيارُ عَامَّةِ شيوخِنَا 5، وَعلَى مَا يقوى عِندِي يُقَالُ: لَكَ رَدُّ اليَمينِ عَلَى المدَّعِي، فَإنْ رَدَّهَا وحَلَفَ المدَّعِي حَكَمَ لَهُ بِما ادَّعَى 6، وإنْ نَكَلَ أيضَاً صَرَفَهمَا، فَإنْ عَادَ أحدُهُمَا /422 ظ/ قَبْلَ اليَمينِ بَعْدَ نكُولِهِ لَمْ يقبلْ مِنْهُ في ذَلِكَ المَجلِسِ حَتَّى يتحَاكَمَا في مَجلِسٍ آخَرَ، وَإنْ عَادَ المدَّعِي بَعْدَ قَولِهِ لا بَينَةَ لي فَقَالَ: لي

بَينَةٌ لَمْ [تُسمَعْ] 1 ذَكَرهُ الخِرَقيُّ 2، فَإنْ قَالَ: مَا أَعلَمُ لي بَينَةً فَقَالَ شَاهِدَانِ: نحَنُ نَشهدُ بحقِّكَ فَقَالَ: هَذانِ بَينَتي سُمِعَتْ بَينتُهُ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ أنْ يَشهَدا لَهُ لَمْ يُطالَبْ بإقامةِ البَينَةِ، فَإنْ قَالَ المدَّعِي: لي بَينَةٌ وأريدُ أنْ أحلّفَهُ فَهَلْ يحلِفُ؟ يحتَمِلُ وَجْهَيْنِ 3، فَإنْ شَهِدَ للمدِّعي شَاهِدانِ وكَانا فَاسِقَينِ قَالَ للمدِّعِي: زِدْ في الشُّهودِ، وإنْ كَانا عَدلَينِ يَعرفُ الْقَاضِي عَدالتَهمَا ظَاهِرَاً وبَاطِنَاً، مِثْل أنْ يَكونَا قَدْ عدلا عِندَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أو ممّا في حِوارِهِ حَكَمَ بِشَهادَتِهمَا، إلاّ أنْ يرتَابَ بِهما فيفرقهمَا ثُمَّ يَسألُ أَحدُهمَا كَيْفَ تَحمَّلتَ الشَّهَادةَ ومتى تَحمَّلْتَها وَفِي أيِّ مَوْضِعٍ كَانَ التَّحمُلُ وهَل تَحمَّلتَهَا وَحدَكَ؟ أو أنتَ والشَّاهِدُ الآخرُ، فَإنْ اختَلَفا تَوقَّفَ عَنْ قَبولِ الشَّهادَةِ، وَإنِ اتَّفقَا وَعظَهُمَا وخَوَّفَهمَا فَإنْ ثَبتا عَلَى شَهادَتِهمَا استُحبَّ أنْ يَقُولَ للمنكِرِ قَدْ شَهِدَ عَلَيْكَ فُلاَنٌ وفلانٌ وَقَدْ قُبِلَتْ شَهادتُهمَا، إلاّ أنْ يثَبتَ أمرٌ يَقْدَحُ فِيْهِمَا، فَإنْ جَرحَهمَا كُلِّفَ إقامَةَ البينَةِ عَلَى الجَرحِ، فَإنْ طَلبَ إمهالَهُ لِيُقِيمَ البينَةَ أُمهِلَ اليومَ واليومَينِ والثَّلاثَ، وَلِلمدَّعِي مُلازَمتُه إلى أنْ يَثبُتَ الجَرحُ، فَإنْ أقامَ البينَةَ بِالجَرحِ وإلاّ حَكَمَ عَلَيْهِ إذَا طالَبَهُ المدَّعِي بِالحُكمِ وَلاَ يَقبَلُ الجَرحُ إلاّ مُفسَّراً بما يَقْدَحُ في العَدالةِ نَحْوَ أنْ يشهَدَا عَلَيْهِ بشُربِ الخَمرِ أو أَكلِ الرِّبا أوِ القَتلِ عَمْداً أو الغَصبِ وَلاَ فَرقَ بَيْنَ أنْ يَراهُ عَلَى ذَلِكَ أو يَستَفيضَ في النَّاسِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَكفِي أنْ يشهَدا عَلَيْهِ بأَنهُ فَاسِقٌ أو بأنَّه لَيْسَ بعَدلٍ 4 /423 و/ وإنْ شَهِدَ عندَهُ المجاهِيلُ الحالِ، فَإنْ جُهِلَ إسلامُهُم عِندَنا، إلاّ في الحُدودِ عَلَى خِلاَفٍ نَذكُرهُ في بَابِ الشَّهادَاتِ إنْ شَاءَ اللهُ وإنْ جَهلَ عَدَالتَهم فَفيهِ رِوَايَتَانِ: إحداهما: تُقبلُ شَهادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ مَا ظَهرَ مِنْهُ ريبة وَهِيَ اختِيارُ أَبي بَكرٍ 5. والثَّانية: لا تُقبلُ إلاّ شَهادةُ مَن تَثبتُ عَدالتُهُ باطِناً وظَاهِراً وَهِيَ اختِيارُ الخِرَقيِّ وشَيْخِنَا 6، فَعلَى هَذَا يَسألُ الحَاكِمُ عَنِ اسمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وكنيتِهِ ونَسَبهِ وصنعتِهِ وَسوقِهِ ومَسجدِهِ

ومَوضِعِ نزولِهِ ويَكتبُ ذَلِكَ في رِقاعٍ وَيدفعُ الدفَائعَ إلى أَصحَابِ مسَائلِهِ، وَلاَ يُعلِمُ بَعضَهم بِبَعضٍ يأمُرهُم أنْ يسأَلوا ويستَكشِفوا مِنْ جِيرَانِهِ ومعَامِليهِ وأَهْلِ مَسجِدِهِ وسوقِهِ سِرَّاً، فَإنْ رجعُوا إليهِ بالتَّعديلِ وَلاَ يُقبلُ في ذَلِكَ أقلُّ منِ اثنينِ أمرَهُم أنْ يُظهرُوا تَزكيِتَهُ بأنْ يَشهَدوا بأنَّهُ عَدلٌ رضَا، وَإنْ رجَعُوا بالجَرحِ لَمْ تُقبَلْ شَهادَتُهم 1، وَإنْ عَادَ بَعضُهُم بالجَرحِ وَبَعضُهُم بالتَّعدِيلِ، فَإنْ عدَّلَهُ اثنَانِ وجَرحَهُ واحِدٌ قدَّمَنا العدَالةَ، وإنْ عَدَّلهُ اثنانِ وَجَرحَهُ اثنَانِ قُدِّمَ الجَرحُ، وَلاَ تُقبَلُ التَّزكِيَةُ إلاّ مِنْ ثقَةٍ أَمِينٍ متظاهرٍ غَيْرِ مُتظَاهِرٍ بِالمعصِيَةِ مِنْ أَهلِ الخِبرَةِ الباطِنَةِ وَإِذَا سَألَ المدَّعِي أنْ يُحبَسَ المَشهُودُ عَلَيْهِ حَتَّى تَثبُتَ عَدَالَةُ شُهودِهِ احتَمَلَ أَنْ يَحبِسَهُ وَإنْ أقامَ شَاهِدَاً وَسَألَ حَبسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرَ، فَإنْ كَانَ ذَلِكَ في المَالِ حَبِسَهُ، وَإنْ كَانَ في غَيْرِ المَالِ فَعلَى وَجهَينِ 2: فَإنْ سَكَتَ المدَّعَى عَلَيْهِ فَلمْ يَقِرَّ وَلَمْ يُنكِرْ قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إنْ أجَبتَ وإلا جَعلتُكَ نَاكِلاً.
فَإنْ قَالَ: لي حِسَابٌ أُرِيدُ أنْ انظُرَ فِيهِ، لَمْ يَلزَمِ المَّدعِيَ إنظَارُهُ 3، فَإنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عِندِي وَقَضَيتُهُ أو بَرِئتُ إليهِ مِنْهُ فَقَالَ الخِرَقيُّ القَوْلُ /424 ظ/ قَولُهُ مَعَ يَمينِهِ، وَعندِي: أنّه قَدْ أَقرَّ بالحدِّ فَلاَ يُقبَلُ قولُهُ في القَضَاءِ إلاّ بِبينَةٍ، فَإنْ قَالَ: لي بَيِّنَةٌ أقَمتُها بِالقَضَاءِ أوِ الإبرَاءِ أُمهِلَ ثَلاثةَ أَيامٍ وَلِلمدَّعِي مُلازَمتُهُ حَتَّى يُقِيمَ البَينَةَ، فَإنْ عَجزَ عَن إقَامتِهَا حَلَفَ المدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقضِ وَلَمْ يَبرَّ واستَحقَّ مَا ادَّعاهُ فَإنْ ادَّعَى عَلَى غَائبٍ أو مُستَترٍ في البَلَدِ أو مَيِّتٍ أو صَبِيٍّ أو مَجنُونٍ ولَهُ بَينةٌ سَمِعَهَا الْقَاضِي وحَكَمَ بِهَا وَهل يُحلَّفُ المدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يبر إليه مِنْهُ وَلاَ مِنْ شَيءٍ مِنْهُ أم لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 4: فَإنْ حَلَّفَهُ الحَاكِمُ وقدِمَ الغَائِبُ وبَلَغَ الصَبيُّ وأفاقَ المجنونُ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، فَإنْ ادَّعَى عَلَى ظاهرٍ في البَلَدِ غَائبٍ عَنْ مَجلسِ الحُكمِ فَهلْ يَسْمَعُ عَلَيْهِ البينةَ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَيْنِ 5:

أَحدُهُما: يَسْمَعُ، والثَّاني: لا يَسمَعُ.
وَيُنفِذُ الحَاكِمُ مَنْ يُحضِرُهُ فَإنْ امتَنَعَ عَنِ الحضُورِ أَشهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَينِ أَنَّهُ امتَنعَ ثُمَّ يَتقدَّمُ إلى صَاحِبِ الشُّرطَةِ لِيُحضِرُه، فَإنْ اختَبأَ مِنَ المحضَرِ تَقدَّمَ إلى مَنزلِهِ وَقَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ يَستَدعِي فُلاناً إلى مَجلِسِ الحُكمِ فَاخبروهُ لِيحضَرُ فَإنْ تَكَررَ مِنْهُ أقعدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يضَيِّقُ عَلَيْهِ الدُّخولَ والخُروجَ حَتَّى يُحضِرَهُ، فَإنْ استَعدَى عَلَى غَائبٍ عَنِ البَلَدِ في مَوْضِع لا حَاكِمَ فِيهِ كَتبَ إلى ثِقَاتٍ مِنْ أَهلِ ذَلِكَ المَوضِعِ لِيستَوسِطوا بينَهمَا، فَإنْ لَمْ يَقبَلا الوسَاطَةَ قِيلَ للخَصمِ حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ فإذا فَعَلَ ذَلِكَ أحضَرهُ سَوَاءٌ قَربَتِ المسَافةُ أو بَعدَتْ، وَإِذَا ادَّعى عَلَى امرَأةٍ غَيْرِ برزة لَمْ يُحضِرْهَا الحَاكِمُ وتَقدَّمَ إليهَا أنْ تُوكِّلَ فَإنْ وَجَبَ عَلَيْهَا اليَمِينُ أَرسَلَ إليهَا مَنْ يُحلِّفُهَا، وَإِذَا لَمْ يَعرِفِ الحَاكِمُ لسَانَ الخَصمَينِ أو أحَدِهمَا رجَعَ إلى مَنْ يَعرِفُ ولا يُقبلُ في التَّرجمَةِ والجرحِ والتَّعديلِ والتَّعرِيفِ والرِّسَالةِ /425 و/ إلاّ قَوْلُ عَدلَينِ وَهِيَ اختيارُ أبي بكرٍ 1 وَإِذَا اختلَفَ الخَصمَانِ فَقَالَ أَحدُهُما: قَدْ حَكَم لي بكَذا فأنكَرَ الآخَرُ، فَقَالَ الحَاكِمُ: حَكَمتُ لَهُ قَبلَ قَولَهُ وحدَهُ فَإنْ عُزِلَ الحَاكِمُ واختلَفَا فَقَالَ: كُنتُ حَكَمتُ عَلَيْهِ حَالَ ولايَتي قُبِلَ قَولُهُ نَصَّ علَيهِ 2، فَإنْ ادَّعى أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ فلَمْ يَذكُرَ الْقَاضِي حَكمَهُ فَشهِدَ عَدلانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ قَبِلَ شَهادتَهمَا وَنفَذَ القَضَاءُ.
وَكَذَلِكَ إنْ شهد عِندَهُ عَدلانِ بِحقٍّ فَنَسِيَ شَهادَتَهمَا فَشَهِدَ اثنانِ أنَّهمَا شَهِدَا عِندَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ شهادتهما، وحَكَمَ فَإنْ وَجَدَ في قَمطرِهِ صَحِيفَةً وتَحتَ خَتمِهِ بخَطِّهِ فِيْهَا مَكتُوبٌ حُكمُهُ لَمْ ينفذْ ذَلِكَ في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ 3 وَفِي الأخرى: يَنفُذُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إذَا رأى خَطَّهُ في كِتَابٍ وَلَمْ يَذكُرِ الشَّهَادةَ فَهل يَجوزُ لَهُ أنْ يَشهدَ بِهَا أم لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 4 وحُكمُ الحَاكِمِ لا يحُيلُ الشَيءَ عَن صِفَتهِ في البَاطنِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يحل في العقُودِ والفُسوخِ ذَكَرَها شَيْخُنَا عَن أبي مُوسَى 5، وينقضُ 6 حُكمُ الحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بما

خَالفَ نَصَّ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو إجمَاعٍ، فَإنْ حَكَمَ في قَضِيَّةٍ باجتِهَادِهِ لَمْ يُنقَضِ اجتِهَادُهُ باجتِهَادِهِ.

بابُ حُكمِ كِتَابِ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي وَغيرِهِ

لا يُقبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي في الحُدودِ المَتعلِقَةِ بِاللهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَاللِواطِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ والسَّرِقَةِ وشُربِ الخَمرِ والرِدَّةِ، وتُقبَلُ فِيْمَا كَانَ مَالاً أو المقصودُ مِنْهُ المالُ كالقَرضِ والغَصبِ والبيوعِ والإجارَاتِ والصُلحِ والرَّهنِ والجنَايَةِ الموجِبَةِ لِلمَالِ فأمّا ما لَيسَ /426 ظ/ بِمَالٍ وَلاَ القَصدُ مِنْهُ المالُ كالقَصَاصِ والنِّكاحِ والطَّلاقِ والخلعِ والتَّوكِيلِ والوصِيَّةِ والعِتقِ والنَّسَبِ والكتَابةِ فَهلْ يُقبَلُ فِيْهَا كِتَابُ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي أم لا؟ يَخرجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 1: إحداهُما: يُقبَلُ، وَالأخرى: لاَ يقبلُ وأمّا حَدُّ القَذفِ فَإنْ قلنا يَغلِبُ فِيهِ حَقُّ اللهِ سُبحَانهُ فَهُوَ كَالحُدودِ وإنْ قلنَا يَغلِبُ حَقُّ الآدمِيِّ فَهُوَ كالقصَاصِ وهَكَذا حُكمُ الشَّهادةِ عَلَى الشَّهادَةِ فِيْمَا ذكرنَا، وَيجوزُ كِتَابُ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي فِيْمَا حَكَمَ بِهِ لِينفذَهُ وَفيمَا ثَبتَ عِندَهُ لِيَحكُمَ بِهِ إلاّ أنَّهُ إذَا كَانَ فِيْمَا حَكَمَ بِهِ جَازَ فِي المسَافَةِ القَرِيبَةِ والبَعيدَةِ، وإنْ كَانَ فِيْمَا ثَبتَ عِندَهُ لَمْ يَجُزْ إلا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافةٌ يقصَرُ فِي مثلِهَا الصَّلاَةُ.
ويَجوزُ أنْ يَكتبَ إلى قَاضٍ مُعَينٍ وإلى مَنْ وصَلَهُ كِتَابٌ مِنْ قُضَاةِ المُسلِمينَ وحُكَّامِهِم وَلا يُقبَلُ الكِتَابُ إلاّ أنْ يشهَدَ بِهِ شَاهدَانِ يُحضِرُهُما الْقَاضِي الكَاتِبُ فيقرأهُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ يَقُولُ: أُشهِدُكُمَا أنَّ هَذَا كتَابي إلى فُلاَنٍ وَيدفَعُهُ إليهِمَا فإذا وَصَلا إلى الْقَاضِي المكتُوبِ إليهِ وقَالا: نَشهَدُ أنّ هَذَا كِتَابُ فُلاَنٍ إلَيكَ كَتَبهُ مِن عَمَلِهِ وأَشهَدَنا بنسخِهِ بِهِ فإذا وصَلا شَهِدَا بما فِيهِ وَلا فَرقَ بَيْنَ أنْ يَصِلَ إليه مخَتومَاً أو غَيْرَ مَختومٍ؛ لأنّ الاعتمَادَ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهدَينِ، فَإنْ كَتبَ كِتَاباً وَأدرَجَهُ وَخَتمَهُ ثُمَّ قَالَ: لِشَاهِدَينِ هَذَا كِتَابي إلى فُلاَنٍ اشهَدَا عَلِيّ بما فِيهِ لَمْ تَصِحَّ هذِهِ الشَّهَادَةُ، والتَحمُّلُ مأخُوذٌ مِن قَوْلِ أحمَدَ 2 - رَحِمَهُ اللهُ -، فَمَنْ كَتبَ وَصيَتهُ وَخَتَمهَا ثُمَّ أشهَدَ /427 و/ عَلَى مَا فِيْهَا فَلاَ يشهَدونَ حَتَّى يَعلَمُوا مَا فِيْهَا نقَلَهَا ابنُ مَنصُورٍ 3، وَنقلَ عَنْهُ إسحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ إذَا وجَدُوا وَصِيَّةَ الرَّجُلِ مَكتوبَةً عِنْدَ رأسِهِ مِنْ غَيْر أن يَكُون أشهَدَ 4 أو أَعلَمَ بِهَا أحَداً عِنْدَ مَوتِهِ فَعرَفَ خَطَّهُ وإنْ كَانَ مَشهُورَاً

فَإِنّهُ يُنَفِّذُ مَا فِيهَا 1، فَعلَى هَذَا إذَا عَرَفَ المكتُوبُ إِليهِ خَطَ الْقَاضِي الكَاتِبِ وخَتمَهَ جَازَ قَبُولَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ عندَهُ شَاهِدَانَ أنَّ هَذَا كِتَابَ فُلاَنٍ كَتَبهُ إِلَيْكَ مِن عِلمِهِ وخَتمِهِ وإنْ لَمْ يَعلَمُوا مَا فِيهِ، فَإنْ تَغيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الكَاتِبِ بِعَزلٍ أو مَوتٍ لَمْ يَقْدَحُ في كِتَابِهِ وجَازَ لِكُلِّ مَنْ وَصَلَ إليهِ أنْ يُنَفِّذَهُ، وإنْ تَغيَرتْ حَالُهُ بِفسقٍ ووَصَلَ كِتَابُهُ فِيْمَا حَكَمَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِسقُهُ في الحُكْمِ ونَفَّذَهُ مَنْ وَصَلَ إليهِ، وإنْ كَانَ التَّغيُّرُ فِيْمَا ثَبتَ عندَهُ لَمْ يَجُزِ الحُكمُ بِهِ كشَهَادَةِ شَاهِدَي الفَرعِ إذَا شَهَدَا وفُسِّقَ شَاهِدَ الأَصلِ قَبْلَ الحُكمِ يُثبِتُهَا بِهِمَا وإنْ تَغَيرَتْ حَالُ المكتُوبِ إليهِ بِمَوتٍ أو عَزلٍ أو فِسقٍ وقَامَ غَيرُهُ مَقَامَهُ جَازَ لَهُ قَبولُ الكِتَابِ والعَمَلِ بما فِيهِ، وإنْ أحضَرَ المكتُوبُ إليهِ الخصمَ المحكومَ عَلَيْهِ في الكِتَابِ فَقَالَ: لَستُ فُلاَنٍ فَالقَولُ قَولُهُ مَعَ يَمينِهِ، إلاّ أنْ يُقِيمَ المدَّعِي بَيِّنَةً بِأنّهُ فُلاَنُ بنُ فُلاَنٍ وَلا يُقبَلُ قَولُهُ، فَإنْ قَامَتْ البيِّنَةُ أو أَقْرَّ بِأَني فُلاَن بن فُلاَن إلاّ أنّ المحكوم عَلَيْهِ غيري لَمْ يقبل مِنْهُ إلاّ ببينة، فَإنْ أقام بينة أنَّ في البلد من يشاركه في جَمِيْع ما سمي بِهِ ووصف توقف عن الحكم حَتَّى يثبت من المحكوم /428 ظ/ عَلَيْهِ مِنْها، فَإنْ حَكَمَ عَلَى أحَدِهِمَا فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إلى الحَاكِم الكَاتِبِ أنّك قَدْ حَكَمتَ عَلِيّ حَتَّى لا يحَكُمَ عَلِيّ ثانِياً لَمْ يَلزَمهُ ذَلِكَ ولكنًّهُ يَكتُبُ لَهُ محضَراً بالقضِيَّةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ من ثَبتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِم حَقاً فَسَأَلَهُ أن يكتُبَ لَهُ مَحْضَراً بما جَرَى لزِمَهُ أن يَكتُبَ لَهُ وَيدفَعَهُ إليهِ بَعْدَ أن يَكتُبَ نُسخَةً فَتَكُونَ في دِيوانِهِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الحَاكِم بَيَاضٌ من بَيتِ المالِ كَانَ عَلَى صَاحِبِ الحَقِّ أن يأتِيَهُ بما يَكتُبُ فِيهِ وَكَذَلِكَ إن أنكَرَ المدَّعى عَلَيْهِ وحَلَّفَهُ الحَاكِمُ وسَأَلَهُ الحالِفُ أن يَكتُبَ لَهُ محضراً بمَا جَرَى ليكُونَ حُجةً عَلَى فَصلِ الحُكمِ وبراءتِهِ مِمّا ادعي عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يُطالِبَ بِهِ مرةً أُخَرى لَزِم الْقَاضِي أن يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ فَإنْ سَألَ من ثَبَتَ لَهُ الحقَّ الحَاكِمَ أن يُسَجِّل لَهُ بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ وَجَعلَهُ نُسْخَتَينِ نُسخَةً يَدفَعُهَا إليهِ ونُسخَةً يِحبِسُهَا عندَهُ وصفَةُ 2 المحضرِ أن يَكتُبَ: بِسِم اللهِ الرَّحمن الرَّحِيم حَضَرَ الْقَاضِي فُلاَنُ الفُلاَنيُّ قَاضِي عبد الله الإِمَام عَلَى كَذَا وكذا، وإن كَانَ من قَبْلُ كَتَبَ خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلاَنُ بن فُلاَنٍ قَاضِي عبد الله الإِمَامِ عَلَى كَذَا في مجْلِسِ حُكْمِهِ وقَضَائهِ بموَضِعِ كَذَا مُدَعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلاَنُ بن فُلاَنٍ الفلانيُّ وأحَضَرَ مَعَهُ مدعاً عَلَيْهِ ذكر أَنَّهُ فُلاَن بن فُلاَنٍ 3 فادعى عَلَيْهِ كَذَا وكذا فَأقرَّ لَهُ وأَنكرَ فَقَالَ الْقَاضِي للمدعي:

ألَكَ بَينَةٌ فَقَالَ: نَعَم وأحضَرَهَا وسألَهُ سَمَاعَهَا فَفَعَل وسألَهُ أن يَكتُبَ لَهُ محضَراً بما جَرَى فأَجَابَهُ وَذَلِكَ في يَومِ كَذَا في شَهرِ كَذَا ويَعلَمُ في الإقرَارِ كَذَا عَلَى ذَلِكَ وَفِي البينةِ شَهِدَ عندِي بِذَلِكَ، فإن أنكَرَ وَلَمْ تَقُم البَينَةُ وحَلَّفَهُ قَالَ: فلم تكن لَهُ بينةٌ وسأَلَهُ احلافَهُ فَفَعَل ذَلِكَ في يومِ كَذَا فَإنْ نكل عنِ اليمين ذكرَ ذَلِكَ، وأنّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بنكولِهِ، إن كَانَ يرى ذَلِكَ وإن ردَّ اليمِينَ فحلَّفهُ حَكَى مَا جرى كلهُ، وأمّا السِّجِلُ /429 و/ فَهُوَ لانفاذِ من ثَبَتَ عندَهُ والحُكمُ بِهِ وصفتُهُ أن يكتُبَ بَعْدَ البسمَلَةِ هَذَا مَا شَهَدَ عَلَيْهِ قاضي القضاة أو الْقَاضِي فُلاَنُ بن فُلاَنٍ قَاضَي عبد الله الإِمَام ويذكُرُ مَا تَقَّدَمَ في مجلِسِ حكمِهِ وقَضَائِهِ بمُوضِعِ كَذَا في يومِ كَذَا من حَضَرَهُ من الشُّهُودِ أشهدَهُمْ أنّه ثَبَتَ عندهُ بِشَهَادَةِ فُلاَنٍ وفُلاَنٍ وَقَدْ عرفهُمَا بما رأى مَعَهُ من قبولِ شَهَادتِهمَا بمَحضَرٍ من خَصمَينِ ويذكُرهُمَا إن كانَا مَعرُوفَينِ وإلا قَالَ مدعٍ ومدعاً عَلَيْهِ جَازَ حُضُورهُمَا وسَمَاعُ الدَّعُوى من أحدِهِما عَلَى الآخَرِ مَعْرِفَة فُلاَنِ بن فُلاَنٍ ويذكُرُ المشهُودَ عَلَيْهِ وإِقرَارَه طوعاً في صِحَّةٍ مِنْهُ، وجوازِ أمرٍ بجميعِ ماسَمَّى ووصفَ في كِتَابِ نسختِهِ وينسَخُ الكِتَابُ المثبتُ أو المحضَرُ جميعُهُ حَرفاً حرفاً، فإذا [فرَغ] 1 مِنْهُ قَالَ: وإن الْقَاضِي فُلاَنٌ أنفَذَ ماذَكَرَ ثبوتَهُ عندهُ في صدرِ هَذَا السجِلِ وأمضاهُ وحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الواجِبُ في مِثْلِهِ بَعْدَ أن سأَلَهُ ذَلِكَ والإشهادُ بِهِ الخصَمُ المدَّعِي [ويذْكُرُ] 2 اسمهُ ونسَبهُ وَلَمْ يدفعهُ الخصَمُ الحاضِرُ مَعَهُ بحجةٍ وجَعَلَ كُلَّ ذي حجةٍ في حجتِهِ عَلَى حجتِهِ 3 واشهَد الْقَاضِي فُلاَنٌ عَلَى انفاذِهِ وحكمِهِ وإمضائهِ من حَضَرَهُ من الشهودِ في مجلِسِ حُكمِهِ في اليومِ المؤرخِ بِهِ اعلاه وأمَرَ بكَتبِ هَذَا السِّجِلِ عَلَى نسخَتَينِ متَسَاوِيتينِ لتخلدَ نسخة منها ديوان الحكم ويدفع الأخرى إلى من يجوزُ [دَفْعُها] 4 إليه وكل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حجةٌ ووثيقةٌ فِيْمَا أنفذهُ فِيْهِمَا وهذا يذكرهُ ليخرج بِهِ من الخلاف وإلا فلَو قَالَ: إنّه ثبَتَ عندَهُ بشهادِةِ فُلاَنٍ وفلانٍ مَا في كِتَابِ نسختِهِ وَلَمْ يذكر الخصمينِ ساغ ذَلِكَ لِجَوازِ القضاءِ عَلَى الغائِبِ وما يجتمعُ عِنْدَ الحَاكِم من المحاضِرِ والسجلاتِ في كُلّ أسبوعِ أو شهرٍ عَلَى قدرِ قلتهَا وكثرتها فإنّه يضمُ بعضَهَا إلى بَعْضٍ ويكتُبُ عَلَيْهَا محاضَرَ وقتِ كَذَا وسجلاتِ وقتِ كَذَا من سَنَةِ كَذَا، وإن ادعى رَجُل حقاً /430 ظ/ وذَكَرَ أن لَهُ بِهِ حجةً في ديوانِ الحكمِ فَوَجَدَهَا الحَاكِم كَمَا

ادعاه فَإنْ ذكر حكمه بِهَا والشهادة عنده بِهَا حكم بِذَلِكَ، وإن لَمْ يَذكَر فَشهَدَ بِذَلِكَ شَاهَدانِ حَكَم بِهِ وإن لَمْ يوجَد ذَلِكَ فَهل يحكمُ أم لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (1).

بَابُ القِسمَةِ

قِسمةُ الأملاكِ جائزةٌ في الشَّرعِ، وهي عَلَى ضربينِ: قسمةِ تراضِي، وقسمةِ ... إجبار، فأمّا قسمةُ التراضي فما كَانَ فِيْهَا ردَّ عوضٍ أو كَانَتْ فِيْمَا لا يَكُنْ قسمتُهُ إلا بضررٍ كالدُورِ الصغَارِ والحمامِ والعضائدِ المتلاصِقةِ الَّتِي لا يمكِنُ قسمَةُ كُلّ وَاحِدَة بانفرادهَا إذَا رضوا بقسمتهَا أعيانًا بالقيمةِ ومَا أشبهَ ذَلِكَ فهذه قسمةٌ جائزة تجري مجرى البيع لايجُوزُ فِيْهَا إلاّ مَا يجوزُ في البيعِ.
وأما قسمةُ الإجبارِ: فهي فيمَا يمكنُ قسمتُهُ من غَيْر ردِّ عوضٍ وَلاَ ضَرَرٍ يلحَقُ بأحدِهما كالأراضي الواسِعةِ والبساتِينِ والقرايَا والدُورِ الكبارِ والمكِيلاتِ والموزُونات كلها إذَا كَانَتْ جِنساً واحداً سَوَاءٌ كَانَتْ مِمّا مستهُ النارُ كالدِّبسِ وخلِ التمر أو لَمْ تمسهُ النَّارُ كخلِ العنَبِ [والأدهانِ] 2 والألبانِ وما أشبَهَ، فإذا طَلَبَ أحدهما القِسمَة قُسمَ سَوَاءٌ رضي شريكُهُ أو سخطَ والضررُ المانعُ من الاجبارِ هُوَ أن تَكُون 3 بالقسمةِ تنقُصُ القيمةُ عَلَى ظاهِرِ كلامِهِ في رِوَايَة الميموني 4، وظاهرُ كلام الخرقي هُوَ أن لاينفع أحدهما أو كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا بما يحصل لَهُ، والقسمة: اقرار حق كُلّ واحد مِنْهُمَا من حق صاحبه في ظاهر المذهب.
وحكي عن ابن بطة: يدل عَلَى أَنَّهَا كالبيع وفائدة هَذَا ظاهر المذهب، وحكي: إلاّ العقار وقفاً ونصفه طلقاً وطلب صاحب الطلق القسمة جَازَ قسمته عَلَى قولنا: هِيَ إفراز، وَلَمْ يَجُزْ إذَا قلنا هِيَ بيع وَكَذَلِكَ يجوز قسمة الثمار خرصاً وقسمة مايكال وزناً وما [يوزن] 5 كيلاً ويجوز التفرق في قسمة المكيل والموزون /431 و/ قَبْلَ القبض وَإِذَا حَلَفَ لا يبيع فقسم لايحنثُ كُلّ ذَلِكَ إذَا قلنا هِيَ إفراز حق ولا يجوز كُلّ ذَلِكَ إذَا قلنا: هِيَ بيع ويحنث، ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وأن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم.
وأن يترافعوا إلى الحَاكِم فينصبَ قاسماً يقسمَ بينهم ومن شرطِ من ينصبونَه أو ينصبَهُ الْقَاضِي أن يَكُون عدلاً عارفاً بالقسمةِ وأي ذَلِكَ كَانَ فاذا عدلتِ السِّهامُ واخرجتِ القرعَةُ لزِمت القسمةُ ويحتملُ فِيْمَا فِيهِ ردٌّ أن لايلزمَ بخروجِ1

القرعةِ حَتَّى يَرضَيا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ في القِسمَةِ تقويمٌ لَمْ يَجُزْ أقل من قاسمينِ وإن خلت من تقويمٍ اجزأ قاسِمٌ واحدٌ وَإِذَا سألُوا الحَاكِمَ قسمةَ، عقارٍ في أيديهِم لَمْ يثبُت عندهُ 1 أنّه لَهُمْ قسمةُ بينهم، وَذكَرَ في كِتَابِ القسمةِ أَنَّهُ قَسَّمَهُ بمجَردِ دعواهُم، وَإِذَا كَانَ بينهُم أراضي في بعضهَا نخيلٌ وَفِي بعضهَا أشجارٌ وبعضُهَا يسقَى سيحاً وبعضُهَا بالنواضح، فطلَبَ بعضُهم أن تقسَم بينهم أعياناً بالقيمةِ، وطَلَبَ بعضهُم قِسمةَ كُلّ عينٍ عَلَى حدةٍ قُسِّمت كُلّ عين بانفرادِها، وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أرضٌ فِيْهَا [زرع] 2 فطَلَبَ أحدُهُما قسمتَها دُوْنَ الزرعِ قسِّمَت وإن طَلَبَ قسمَةَ الزَّرعِ منفرِداً لَمْ يجبر الآخرُ وإن طَلَبَ قسمَتَهَا مَعَ زرعِهَا لَمْ يجبر أيضاً فَإنْ تراضيا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ الزرعُ قصيلاً أو كَانَ قُطناً جازَ، وإن كَانَ بذراً أو سنَابُل فَهلْ يجوزُ قسمَتَهُ؟ يحتمل وَجْهَيْنِ 3، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي "المجرد": ينظرُ فَإنْ كَانَ الزرعُ بذراً فِي الأرضِ لَمْ يَجُزْ القسمَةُ وإن كَانَ قصِيلاً أو سَنَابُلَ قَدْ اشتدَّ حَبُهَا جَازَ قسمتُهَا 4 فإن كَانَ بَيْنَهُمَا دارٌ فَطَلَبَ أحدُهُمَا أن يجعلَ العلوَّ لأحدهما والسفلُ للآخرِ فَإنْ رضي شريكهُ قسمت، وإن أبى لَمْ يجبر فَإنْ كَانَ بَيْنَ مُلكَيْهِما عرضة حائط فطلب أحدهما أن تقسم فيجعل لكل واحد مِنْهُمَا نصف الطول في كمال العرض أجبر الآخر عَلَى القسمة وَلَوْ طلب أحدهما أن يجعل لأحدهما نصف العرض في كمال الطول لَمْ يجبر الآخر عَلَى ذَلِكَ /432 ظ/ فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حائطٌ فأراد احدُهُمُا قسمتهُ لَمْ يجبر الآخر فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا منافعُ فتراضيا عَلَى قسمتهَا بالمهايأةِ جَازَ وإن امتَنعَ أحدُهُمُا لَمْ يجبر عَلَى ذَلِكَ فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نهرٌ أو قناةٌ أو عينٌ ينبع مِنْها الماءُ فالماءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشتَرطَا عَلَيْهِ عِنْدَ استخراجِ ذَلِكَ فَإنْ اتفقا عَلَى سقيِّ أرضيهِمَا من ذَلِكَ الماءِ بالمهايأةِ جَازَ، وإن أراد قسمَةَ ذَلِكَ جَازَ وتنصبُ خشبَةٌ مستويةٌ في مقدمِ الماءِ وَفِيْهَا ثقبان عَلَى قدر حقِّ كُلّ واحد مِنْهُمَا يجري فِيْهِمَا الماءِ إلى أرضيهِمَا، فإذا أرادَ أحدُهُما أن يأخُذَ قدر حقهِ من الماءِ فيسقي بِهِ أرضاً لَيْسَ لَهَا رسمُ شربٍ من هَذَا النهرِ فهل يجوزُ ذَلِكَ يحتملُ وَجْهَيْنِ 5، ويجيء عَلَى أصلنَا أن لايملكَ الماءَ وينتفعَ كُلّ واحدٍ عَلَى قدرِ حاجتِهِ، وَإِذَا كَانَ الماءُ في نهر غَيْرَ مملوكٍ سقى أحدُهُم ملكهُ حَتَّى يَبْلُغَ الكعبَ ثُمَّ يرسلُهُ إلى الثَّانِي، وَكَذَلِكَ يفعل الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ، فَإنْ كَانَ أرضُ الأول

مُستغلةً وأرض الثَّانِي عاليِةٌ لايبلُغُ الماءُ إليها حَتَّى يَبْلُغ في المُستَغَلَةِ إلى الوسطَى سَقَى مايريدُ ثُمَّ يسدُّ أرضهُ حَتَّى يصعَدَ الماءُ إلى العَاليَةِ.
وإن أراد بعضُهُم أن يحُيي أرضاً يسقيهَا من هَذَا النهرِ، جَازَ ذَلِكَ بشرِطِ أن لايستضرَّ أهل الأراضي الشارِفةُ عَلَى هَذَا النهر، فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عبيدٌ أو ثيابٌ أو حيوانٌ فَطَلَبَ أحدُهما قسمَتَهَا أعياناً بالقِيمةِ، فَلاَ أعرفُ فِيهِ عن إمامنا رِوَايَةً إلاّ ان شَيْخُنَا قَالَ: يُجْبَرُ 1 الآخر عَلَى قِسمتِهَا، ويحتَمَل أن لايجبرَ عَلَى قسمِتهَا 2 وإن نصبوا قاسماً أو نصبهُ الحَاكِمُ فإنّه يعدلُ السِّهَامُ بالأجزاءُ إن كَانَتْ متساويةً أو بالقيمة إن كَانَتْ مختلفةً أو بالردِّ إن كَانَتْ تقتضي الرَّدَّ، فَإنْ كَانَتْ الأجزاء متساويةً والسهامُ متفقةً كأرضٍ بَيْنَ ثلاثةِ أثلاثٍ فإنّه يعدلها بالمساحةِ ثُمَّ يقرعُ بينهم أمّا بأن يخرج الاسماءَ عَلَى السهامُ وَهُوَ أن يكتُبَ اسم كُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ في رقعةٍ ويُدرج /433 و/ كُلّ رقعةٍ في بندقةٍ 3 من شمعٍ أو طينٍ وتكون البنادقُ متساويةً في القدرِ والوزن ثُمَّ تطرحُ في حجرِ رَجُل لَمْ يحضُر ذَلِكَ، ويقال لَهُ: أخرج بندقةً عَلَى هَذَا السهمِ فمن خَرَجَ اسمُهُ كَانَ ذَلِكَ السهمُ لَهُ ثُمَّ يقالُ: أخرج أُخْرَى عَلَى السهمِ الَّذِي يليهِ فيدفعهُ إلى من خَرَجَ اسمهُ ويكونُ السهمُ الثَّالِث الآخرُ وإن اختارَ إخراجِ السِّهامِ عَلَى الأسماءِ كتبَ في الرقاعِ في كُلّ رقعةٍ اسمِ سهم وحدهُ ثُمَّ يفعلُ كَمَا كَانَ ذَلِكَ أخرَجَ بندقةً عَلَى اسم فُلاَنٍ فإذا أخرجَهَا كَانَ ذَلِكَ السهمُ لَهُ، وَكَذَلِكَ يفعلُ في الثَّانِي ويكونُ السهمُ الباقي للآخرِ فَإنْ كَانَتْ السهامُ مختلفةً مِثْل أن يَكُون لواحدِ السدسُ ولآخرٍ الثلُثُ ولآخرِ النصفُ جزأ الأرض سِتَةَ أجزاءٍ وكتب ستةَ رقاعٍ باسمِ صاحبِ السُدس رقعةً وباسمِ صاحِب الثلثُ رقعتين وباسم صاحبِ النصفِ ثلاثَ رقاع وتخرجُ الأسماءُ عَلَى السهامِ لاَ غَيْرَ، فيقالُ: أخرج عَلَى السهمِ الأولِ فَإنْ خَرَجَ اسمَ صاحبِ السُّدُس دفعهُ إليهِ ثُمَّ يقرعُ بَيْنَ الآخرينَ فَإنْ خَرَجَ اسمُ صاحبِ الثُلثُ أعطي السهمُ الثَّانِي، والثالثُ ويكونُ الباقي لصاحبِ النصفِ وإن خَرَجَ اسمُ صاحِبِ النصفِ أعُطي الثَّانِي والثالثَ والرابعَ ويكونُ الباقي لصاحِبِ الثلثِ وإن خرجت الرقعةُ الأولةُ باسمِ صاحبِ النصفِ أعُطيَ الأولُ والثاني والثالثُ ويقرعُ بَيْنَ الآخرينَ فَإنْ وقعتْ عَلَى صاحبِ الثلثِ أعُطيَ الرابعُ والخامسُ ويكونُ السدسُ لصاحبِ السدسِ وإنْ وقعتْ عَلَى صاحبِ السدسِ أعُطيَ الرابعُ والباقي لصاحبِ الثلثِ، ومثلَ ذَلِكَ العَمَل إذَا

أخُرِجَت الأولةُ لصاحبِ الثلثِ فَإنْ كَانَتْ السهامُ مختلفةً والأجزاءُ مختلفةً عدلها بالقيمةِ وفعلَ مِثْلَ ماذكرنا في الأجزاءِ المتساويةِ /434 ظ/ وَإِذَا تقاسموا ثُمَّ ادعى بعضهم عَلَى بعضٍ غلطاً في القسمةِ فَإنْ كَانَ فِيْمَا تقاسموهُ بأنفسهمْ، وأشهدوا عَلَى تراضيهمْ لَمْ يلتفت بَعْدَ ذَلِكَ إلى دعاوى المدعي وإنْ كَانَ فِيْمَا قسمهُ قاسمٌ من جهةِ الحَاكِمِ فعلى المدَّعي البينةَ فَإنْ عدمَتْ فالقولُ قَوْلُ المُدّعَىْ عَلَيْهِ مَعَ يمينهِ، وإنْ كَانَ ذَلِكَ فِيْمَا قسمَهُ بينهم قاسمٌ نصبوهُ وتراضوا بِهِ فَإنْ كَانَ فِيْمَا فِيهِ رَدٌّ واعتبرنا الرضَا بَعْدَ خُروجِ القرعةِ لَمْ تُقبَلُ دعواهُ وإنْ كَانَ في غَيْر ذَلِكَ فحكمهُ حُكْمُ قاسمِ الحاكِمِ وإن تقاسموا ثُمَّ استحقَ منْ جهةِ أحدهما شيئاً معيناً بطلتْ القسمةُ وإن استحقَّ (1) مشاعاً بطلتِ القسمةُ في المستحقِ وهل تبطلُ في الباقي؟ تحتملُ وَجْهَيْنِ (2)، وَإِذَا اقتسما دارينِ قسمةَ تراضٍ فأخذَ كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا داراً وبنى أحدهما ثُمَّ خرجت الدار الَّتِي فِي يدهِ مستحقةً ونقضَ بناءهُ، فَقَالَ شَيْخُنَا يرجعُ عَلَى شريكهِ بنصفِ قيمةِ البناءِ (3) وَإِذَا خَرَجَ فِي نصيبِ أحدهما عيبٌ فلهُ فسخُ القسمةِ فَإنْ قَسَّمَ الوارثانِ التركةَ ثُمَّ ظهرَ دينٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَإنْ قلنا القسمةَ إفرازُ حقٍ لَمْ تبطلِ القسمةُ ولزم كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا بقدرِ حقهِ منَ الدَّينِ وإنْ قلنا هِيَ بيعٌ انبنى عَلَى بيعِ التركةِ قَبْلَ قضاءِ الدينِ هَلْ يصحُ أم لاَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (4)، وَإِذَا اقتسما داراً فحصلَ الطَّرِيق في نصيبِ أحدهما، فَإنْ كَانَ للنصيبِ الآخرِ منفذاً يتطرف مِنْهُ وإلاّ بطلت القسمةُ، ويجوزُ للأبِ والوصيِ قسمةَ مالِ الصغيرِ مَعَ شريكهِ.

فصول الكتاب · 55 فصل · 645 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية على مذهب الإمام أحمد · 645 صفحة
ـ[الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني]ـكِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ الصَّلاَةِ
كِتَابُ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ الْجِهَادِكِتَابُ البُيُوْعِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ الحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الصُّلْحِ في الأَمْوَالِكِتَابُ التَّفْلِيْسِكِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الوَكَالَةِكِتَابُ الشِّرْكَةِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجُعَالَةِ (3) ورَدِّ الآبِقِكِتَابُ السَّبْقِ والنِّضَالِكِتَابُ الوَدِيْعَةِكِتَابُ العَارِيَةِكِتَابُ الغَصْبِكِتَابُ الشُّفْعَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيْطِكِتَابُ الوَقْفِكِتَابُ العَطَايَا والهِبَاتِكِتَابُ الوَصَايَاكِتَابُ العِتْقِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ الْخُلْعِ
كِتَابُ الطَّلاقِ
كِتابُ الرَّجعةِ والإباحةِ لِلزَّوجِ الأَوَّلِكِتَابُ الإيلاءِكِتابُ الظِّهارِكِتَابُ القَذْفِ واللعَانِكِتابُ العِدَدِكِتابُ الرَضاعِكتابُ النفقَاتِ
كتابُ الجِنَايَاتِ
كتابُ قتالِ أهلِ البغيكتاب المرتدِّ (1) والزنديقِ (2) والساحرِكتابُ الصَيدِ وَالذَبائحِ وَالأَطعِمَةِكِتابُ الأَطعِمَةِكِتابُ الأَيمانِكِتَابُ الأَقضِيَةِكِتَابُ أدَبِ الْقَاضِيكِتَاب الدّعَاوي والبيناتكِتَابُ الشَّهَادَاتِكِتَابُ الإقرَارِكِتَابُ الفَرَائضِ
جارٍ التحميل