الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيروانيصفحات 87-126
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ (الْغُسْلِ)

صفحات 87-126

الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، فَإِنْ حَالَ سَوْقُهُ أَوْ تَغَيَّرَ فِي بَدَنِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ وَلَا يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ

[الفواكه الدواني]

وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا، وَإِنْ بِقِسْمَةٍ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فِي الْبَيْعِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ كَدَفْعِ أَحَدِهِمَا صَدَقَةً أَوْ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطِي فَلَا حُرْمَةَ وَيُجْبَرَانِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ، وَقِيلَ يُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ، وَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِالْعِتْقِ، وَيُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ اتِّفَاقًا، فَإِذَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ وَبَاعَ الْأُمَّ فَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْإِنْفَاقَ عَلَى الْوَلَدِ وَكِسْوَتَهُ إلَى حُصُولِ الْإِثْغَارِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْأُمَّ وَبَاعَ الْوَلَدَ اشْتَرَطَ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَمْعَهُ مَعَ أُمِّهِ.
، وَنَفَقَةُ الْأُمِّ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنْ دَبَّرَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُ الْآخَرِ وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ الْآخَرِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، بِخِلَافِ لَوْ كَاتَبَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ بَاعَ كِتَابَتَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بَيْعُ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ مَعَ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يَحْصُلَ الْإِثْغَارُ، وَقَيَّدْنَا بِدِنْيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْجَدَّةِ وَوَلَدِ وَلَدِهَا، كَمَا لَا تَحْرُمُ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ، وَلَا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا مِنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْأُمُّ مِنْ النَّسَبِ، وَقُلْنَا الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّفْرِقَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُقَلَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبَالَغَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ بِقِسْمَةٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ جَارِيَةٍ وَأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ لَا يَجُوزُ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَاحِدٌ الْأُمَّ وَالْآخَرُ الْوَلَدَ وَتَسْتَمِرُّ الْحُرْمَةُ.
(حَتَّى يُثْغِرَ) الْوَلَدُ فَإِنْ أَثْغَرَ أَيْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ وَنَبَتَتْ كُلُّهَا وَلَوْ لَمْ يَتَكَامَلْ نَبَاتُهَا جَازَتْ التَّفْرِقَةُ، وَالْمُرَادُ الْإِثْغَارُ الْمُعْتَادُ.
قَالَ خَلِيلٌ: مَا لَمْ يُثْغِرْ مُعْتَادًا وَيُكْتَفَى بِبُلُوغِ زَمَنِهِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ بَعْدَ السَّبْعِ وَلَوْ لَمْ يُثْغِرْ بِالْفِعْلِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ حَقٌّ لِلْأُمِّ، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: مَا لَمْ تَرْضَ الْأُمُّ، وَإِلَّا جَازَتْ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْإِثْغَارِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ التَّفْرِقَةِ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا لَا تُولَهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ أَوْ أَحْبَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً لَكِنْ غَيْرَ حَرْبِيَّةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ وَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ زِنًى، وَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا وَأُمُّهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا الْحَرْبِيَّةُ فَلَا تَحْرُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَيَجُوزُ لِبَعْضِ الْمُجَاهِدِينَ أَخْذُ الْأُمِّ أَوْ الْوَلَدِ دُونَ أُمِّهِ، وَالْمَسْبِيَّةُ مَعَ صَغِيرٍ تَدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا حَيْثُ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِهَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ الْمَانِعَةُ لِلتَّفْرِقَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ مَالِكِيهِمَا أَوْ دَعْوَى الْأُمِّ مَعَ قَرِينَةِ صِدْقِهَا، وَتَصْدِيقُ الْمَسْبِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ التَّفْرِقَةِ فَقَطْ لَا فِي غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْبُنُوَّةِ، فَلَا يَخْتَلِي بِهَا إنْ كَبِرَ، وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا لَكِنْ هِيَ لَا تَرِثُ مَنْ أَقَرَّتْ بِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ حَصَلَتْ التَّفْرِقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفُسِخَ إنْ لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ إلَّا أَنْ يَمْضِيَ زَمَنُ الْحُرْمَةِ بِأَنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى حَصَلَ الْإِثْغَارُ الْمُعْتَادُ، وَإِلَّا مَضَى الْبَيْعُ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَتْ التَّفْرِقَةُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ، وَقِيلَ يَكْفِي جَمْعُهُمَا فِي حَوْزٍ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْفَسْخِ، وَيُضْرَبُ بَائِعُ التَّفْرِقَةِ، وَمُبْتَاعُهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْتَادَاهُ، وَمَحَلُّ ضَرْبِهِمَا إنْ عَلِمَا حُرْمَةَ التَّفْرِقَةِ، وَإِلَّا عُذِرَا بِالْجَهْلِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا جَوَازُ عِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ كِتَابَتِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِهِمَا أَوْ ثُلُثِهِمَا وَلَوْ لِغَيْرِ الْعِتْقِ.
وَيُثْغِرُ يَجُوزُ فِي يَائِهِ الْفَتْحُ وَيَسْكُنُ الْمُثَلَّثَةُ وَكَسْرُ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا مَعَ تَسْكِينِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْضًا، وَهُوَ سُقُوطُ الرَّوَاضِعِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي ضَمَانِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا وَفِيمَا يُنْقَلُ مِلْكُهُ إلَى الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ) مَبِيعٍ (بَيْعٍ فَاسِدٍ) لِفَقْدِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ (فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُبْتَاعُ (فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ) قَبْضًا مُسْتَمِرًّا بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ (فَضَمَانُهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ) أَيْ زَمَنِ (قَبْضِهِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وُجْهَةِ التَّمَلُّكِ لَا عَلَى جِهَةِ الْأَمَانَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَلَا ضَمَانَ وَلَوْ مَكَّنَهُ الْبَائِعُ مِنْ قَبْضِهِ، وَالضَّمَانُ ضَمَانُ أَصَالَةٍ لَا ضَمَانُ رِهَانٍ، فَلَا يَنْتَفِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَقَيَّدْنَا الْقَبْضَ بِالْمُسْتَمِرِّ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى الْبَائِعِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَهَلَكَتْ فَإِنَّ ضَمَانَهَا مِنْ بَائِعِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَبْضَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَتِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ بَيْعِ الْخِيَارِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَوْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِيَارِ الضَّمَانِ فِيهِ مِنْ الْبَائِعِ لِمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ كَمَا قَدَّمْنَا.
1 - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِضَمَانِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا بَعْدَ قَبْضِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَيْتَةِ وَالزِّبْلِ وَالْكَلْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَدَّى ثَمَنَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالْمُرَادُ الْكَلْبُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى مِنْ قَتْلِهِ تَعَدِّيًا كَمَا نَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي: وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ.
1 - الثَّانِي: مَفْهُومُ الْفَاسِدِ أَنَّ الْبَيْعَ

فَلْيَرُدَّ مِثْلَهُ وَلَا تُفِيتُ الرِّبَاعُ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ.

وَلَا يَجُوزُ سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَكَذَلِكَ مَا قَارَنَ

[الفواكه الدواني]

الصَّحِيحَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ لِأَنَّ مِنْهُ مَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ لِلْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ عَقْدِهِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ تُوفِيهِ وَوَقَعَ بَتًّا، وَمِنْهُ لَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ، وَقَبَضَهُ بِكَيْلِ مَا يُكَالُ أَوْ وَزْنِ مَا يُوزَنُ أَوْ عَدِّ مَا يُعَدُّ، وَمِثْلُ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةِ الْمَحْبُوسَةِ لِلثَّمَنِ أَوْ لِإِشْهَادٍ لَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي لَا بِقَبْضِهَا؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ بَائِعِهَا كَالرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ الْمُشْتَرِي عَلَى صِفَةٍ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الَّتِي تَجِبُ مُوَاضَعَتُهَا لَا يَضْمَنُهَا مُشْتَرِيهَا إلَّا بِرُؤْيَتِهَا الدَّمَ، وَكَذَا الثِّمَارُ يَسْتَمِرُّ ضَمَانُهَا مِنْ بَائِعِهَا حَتَّى تَأْمَنَ الْجَائِحَةَ بِأَنْ يَتَنَاهَى طِيبُهَا وَيَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَخْذِهَا فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ ضَمَانُهَا لِمُشْتَرِيهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُوجِبُ الضَّمَانِ فِيهَا غَيْرَ الْجَائِحَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ.
ثُمَّ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الثِّمَارِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لِلْأَمْنِ مِنْ الْجَائِحَةِ حَيْثُ إنَّ مُوجِبَ الضَّمَانِ الْجَائِحَةُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْجَائِحَةِ فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ بِالْعَقْدِ.
وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنْ اشْتَرَيْت بَعْضَ الطِّيبِ فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ أَخْذِهَا بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهَا، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ طِيبِهَا فَضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَجِدَهَا الْمُشْتَرِي.
انْتَهَى.
وَأَقُولُ فِي هَذَا وَقْفَةٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَى الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ بِالْفِعْلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِتَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَخْذِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ، فَلَعَلَّ مَا فِي الْأُجْهُورِيِّ زَلَّةُ قَلَمٍ؛ لِأَنَّ الْأُجْهُورِيَّ إمَامٌ عَظِيمٌ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ.

الثَّالِثُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعًا فَاسِدًا بَاقٍ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ عَلَى الصَّحِيحِ لِوُجُوبِ فَسْخِهِ شَرْعًا قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ قَائِلًا: جَعْلُ الضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْفَاسِدَ لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ، وَجَعْلُ الضَّمَانِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُشْتَرِي يَقْتَضِي أَنَّ الْفَاسِدَ يَنْقُلُ وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا، وَأَقُولُ: لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ نَقْلِ الْمِلْكِ وَالضَّمَانِ إذْ قَدْ يُوجَدُ الضَّمَانُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مِلْكٍ، كَمَنْ أَتْلَفَ شَيْءَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبِ مِلْكٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ، وَالْمُشْتَرِي هُنَا مُتَعَدٍّ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، فَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّ ضَمَانَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ لِتَعَدِّيهِ بِالْقَبْضِ لِمَا يَجِبُ فَسْخُ عَقْدِهِ قَبْلَ فَوَاتِهِ، وَيَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ يَضْمَنُ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَوْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى بِنَاءِ الضَّمَانِ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَاسِدَ يَنْقُلُ الْمِلْكَ لِمَا ذَكَرْنَا.
1 - الرَّابِعُ: إذَا رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِسَبَبِ الْفَسَادِ يَفُوزُ مُشْتَرِيهَا بِغَلَّتِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ وَرُدَّ وَلَا غَلَّةَ أَيْ وَلَا تَصْحَبُهُ الْغَلَّةُ فِي الرَّدِّ بَلْ يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ كَانَ مِنْهُ، وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْفَسَادِ وَبِوُجُوبِ الْفَسْخِ وَلَوْ فِي الثُّنْيَا الْمَمْنُوعَةِ عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ: مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مَوْقُوفًا شِرَاءً فَاسِدًا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ وَقْفٌ فَإِنَّهُ لَا يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ، بَلْ يَجِبُ رَدُّهَا حَيْثُ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرِ رَشِيدٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُعَيَّنٍ وَبَاعَهُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ فَإِنَّهُ يَفُوزُ الْمُشْتَرِي بِغَلَّتِهِ وَلَوْ عَلِمَ بِأَنَّهُ وَقْفٌ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْبَائِعُ رَشِيدًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَمَا يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِكُلْفَةِ الْحَيَوَانِ إذَا كَانَتْ الْغَلَّةُ قَدْرَ الْكُلْفَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ زَادَتْ الْكُلْفَةُ عَلَى الْغَلَّةِ أَوْ كَانَ لَا غَلَّةَ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْكُلْفَةِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْ الْبَائِعِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ وَلَهُ غَلَّةٌ تُبْتَغَى كَالْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ ثُمَّ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ فَسَادٍ لَا يَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ لَهُ غَلَّةٌ تُبْتَغَى كَالنَّخْلِ إذَا رُدَّتْ مَعَ ثِمَارِهَا فَإِنَّهُ يُرْجَعُ بِقِيمَةِ سَقْيِهَا وَعِلَاجِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مَالِهِ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فِيمَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالْبِنَاءِ وَالصِّبَاغِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهَا وَلَهُ الْغَلَّةُ كَسُكْنَى الدَّارِ، نَقَلَ جَمِيعَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ بَقَاءِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ إذَا لَمْ يَفُتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي قَالَ: (فَإِنْ حَالَ سَوْقُهُ) بِأَنْ تَغَيَّرَ ثَمَنُهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (أَوْ تَغَيَّرَ بَدَنُهُ) تَشَغَّرَ أَوْ كَبِرَ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي غُرْمُ (قِيمَتِهِ) إنْ كَانَ الْفَسَادُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ قَبْضِهِ) لَا يَوْمَ الْعَقْدِ وَلَا يَوْمَ الْفَوَاتِ (وَلَا يَرُدُّهُ) عَلَى بَائِعِهِ لِانْتِقَالِ مِلْكِهِ إلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَوَاتِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ إذَا فَاتَ يَمْضِي بِالثَّمَنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ كَانَ الْخِلَافُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ بِالثَّمَنِ، وَإِلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَحَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ إنَّمَا تَكُونُ مُفِيتَةً فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْعَقَارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ) الْمُشْتَرَى فَاسِدًا وَحَالَتْ أَسْوَاقُهُ (مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ) أَوْ يُعَدُّ (فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِتَغَيُّرِ سَوْقِهِ لِقِيَامِ مِثْلِهِ مَقَامَهُ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَيْ بِالْفِعْلِ عَنْ الْمِثْلِيِّ الْمُشْتَرَى جُزَافًا إذَا فَاتَ فَإِنَّهُ يُحْرَزُ وَيُقَوَّمُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَلَا يَرُدُّ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُقَوَّمَ فِي الْفَوَاتِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ.
(وَلَا تُفِيتُ الرِّبَاعُ) أَيْضًا وَسَائِرُ الْعَقَارَاتِ (حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ) وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا لِفَسَادِ بَيْعِهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْعَقَارَاتِ لَا تَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي تَصْوِيرِهِ، وَالْفَوَاتُ بِتَغَيُّرِ سَوْقٍ غَيْرِ مِثْلِيٍّ وَعَقَارٍ وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ وَفِيهَا شَهْرٌ وَشَهْرَانِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ خِلَافٌ وَقَالَ: بَلْ فِي شَهَادَةٍ وَبِنَقْلِ عُرُوضٍ، وَمِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ وَبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ

السَّلَفَ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ.

وَالسَّلَفُ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْجَوَارِي وَكَذَلِكَ تُرَابُ الْفِضَّةِ

وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ

[الفواكه الدواني]

كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَكِبَرِ صَغِيرِ الْحَيَوَانِ، وَهُزَالِهِ، وَبِالْخُرُوجِ عَنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ بِأَنْ بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ أَوْ، وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ، وَبِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ بِأَنْ رَهَنَهُ أَوْ آجَرَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَقَارِ أَنْ يُرَادَ لِلْقُنْيَةِ لَا لِلتِّجَارَةِ فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ كَثْرَةُ ثَمَنٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ الْقَضَاءُ بِالْمِثْلِ فَلَا يَفُوتَانِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ.
وَأَمَّا زَرْعُ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا فَلَا يُفِيتُهَا وَتُرَدُّ، ثُمَّ إنْ كَانَ الرَّدُّ فِي الْإِبَّانِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْكِرَاءُ، وَلَا يُقْلَعُ زَرْعُهُ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ شُبْهَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِهِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا غَرْسُهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ عَظُمَتْ مُؤْنَتُهُ وَكَانَ مُحِيطًا بِهَا فَاتَتْ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَكْثَرَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ فَوْقَ نِصْفِهَا فَاتَ جَمِيعُهَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِهَا فَلَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ وَتُرَدُّ كُلُّهَا وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ غَرْسِهِ قَائِمًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْجِهَةُ الرُّبُعَ فَأَكْثَرَ إلَى الثُّلُثِ أَوْ حَتَّى النِّصْفِ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ تَفُوتُ تِلْكَ الْجِهَةُ فَقَطْ، وَالْبِنَاءُ حُكْمُ الْغَرْسِ فِي التَّفْصِيلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفَاتَتْ بِهِمَا جِهَةٌ هِيَ الرُّبُعُ فَقَطْ لَا أَقَلُّ وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا.

[بَاب السَّلَم]

وَلَمَّا كَانَ السَّلَفُ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا شَبِيهًا بِالْمَبِيعِ فَاسِدًا فِي وُجُوبِ فَسْخِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَبَعْدَ فَوَاتِهِ يُرَدُّ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ (سَلَفٌ يَجُرُّ نَفْعًا) لِغَيْرِ الْمُقْتَرِضِ بِأَنْ يَجُرَّ لِلْمُقْرِضِ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُقْتَرِضِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، فَلَا يَقَعُ جَائِزًا إلَّا إذَا تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَاضُ الْمَقْصُوصِ لِيَأْخُذَ جَيِّدًا، وَلَا الْحَبِّ الْقَدِيمِ لِيَأْخُذَ جَيِّدًا، وَأَحْرَى الدُّخُولُ عَلَى أَكْثَرِ كَمِّيَّةٍ فَإِنَّهُ مَحْضُ رِبًا لِقَوْلِ ابْنِ يُونُسَ: مِنْ أَرْبَى الرِّبَا مَا جَرَّ مِنْ السَّلَفِ نَفْعًا، كَشَرْطِ عَفَنٍ بِسَالِمٍ، وَكَدَفْعِ ذَاتٍ يَشُقُّ حَمْلُهَا لِيَأْخُذَ بَدَلَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ إرَاحَتُهُ مِنْ حَمْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ كَثْرَةَ الْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا مَنْعَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَعَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا كَسُفْتَجَةٍ إلَّا أَنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ فَيَجُوزَ أَنْ يُسَلِّفَهَا فِي مَحَلِّهَا وَيَأْخُذَ سَفْتَجَةً أَيْ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا لِوَكِيلِ الْمُتَسَلِّفِ بِإِعْطَاءِ مِثْلِ الذَّاتِ الْمَدْفُوعَةِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَمَحَلِّ الْمَنْعِ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ، وَإِلَّا جَازَ كُلُّ مَا مُنِعَ.
1 - (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا وَقَعَ الْقَرْضُ الْمَمْنُوعُ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُرَدُّ أَنْ يَفُوتَ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَلَا يُرَدُّ وَيَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْقِيمَةُ فِي الْمُقَوَّمِ، وَالْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ رَدًّا لَهُ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ الَّذِي هُوَ السَّلَفُ فَرْعٌ وَالْبَيْعَ أَصْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ إذَا وَقَعَ فَاسِدًا يُرَدُّ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ لَا إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ، وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ الْقَرْضِ مِنْ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْقَرْضُ كَذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجُوا الْقَرْضَ مِنْ الْبَيْعِ حَيْثُ أَجَازُوا فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ إقْرَاضُ الْمَجْهُولِ كَمِلْءِ غِرَارَةٍ بِمِثْلِهَا عَدَمُ مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَالدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُزَافَ الْمَدْخُولَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَيَجُوزُ فِيهِ جَهْلُ الْأَجَلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَيُقْرَضُ مَا لَا يُبَاعُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ الرِّفْقُ بِالْمُتَسَلِّفِ حَيْثُ يَجُوزُ فِي السَّلَفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ.

(وَلَا يَجُوزُ) أَيْضًا اشْتِرَاطُ (بَيْعٍ وَسَلَفٍ) «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، وَحَمَلَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ النَّهْيَ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ أَوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ، فَاَلَّذِي يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَأَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ أَصْلًا أَوْ إلَّا مِنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ، أَوْ لَا يَطَأَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً، أَوْ لَا يَفْعَلَ بِهَا شَيْئًا مِمَّا تُرَادُ لَهُ، أَوْ شَرْطٍ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ كَشَرْطِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ.
وَمَعْنَى إخْلَالِهِ بِالثَّمَنِ أَنَّهُ يَقْتَضِي إمَّا كَثْرَتَهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ نَقْضَهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ الْبَائِعِ.
وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ اُتُّهِمَا عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ.
(تَنْبِيهٌ) . إذَا عَلِمْتَ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ظَهَرَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ فِي اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْفَسَادِ عِنْدَ الشَّرْطِ حَيْثُ لَمْ يُسْقِطَاهُ، وَالْأَصَحُّ الْبَيْعُ حَيْثُ أَسْقَطَاهُ قَبْلَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ، بِخِلَافِ إسْقَاطِهِ بَعْدَ فَوَاتِهَا فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الصِّحَّةَ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسَلِّفَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّفَ الْبَائِعَ أَخَذَهَا بِالنَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُسَلِّفُ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَهُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَابَ عَلَى السَّلَفِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْحَطَّابُ، وَهَذَا فِي الْمَبِيعِ الْمُقَوَّمِ، وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ مُطْلَقًا، هَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُخِلِّ بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِلْمَقْصُودِ كَمَوْتِ الْجَارِيَةِ الَّتِي شَرَطَ بَائِعُهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا أَنْ لَا يَطَأَهَا أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهَا فَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ لِلْبَائِعِ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا، وَمِنْ ثَمَنِهَا.
(كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ (مَا) أَيْ عَقَدَ (قَارِنُ السَّلَفِ) وَبَيْنَ عُمُومِ مَا يَقُولُهُ (مِنْ إجَارَةٍ أَوْ إكْرَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ» فَكَمَا لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ السَّلَفِ مَعَ الْبَيْعِ، لَا يَجُوزُ شَرْطُ السَّلَفِ مَعَ الْإِجَارَةِ أَوْ الْكِرَاءِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْبَيْعِ بَلْ النِّكَاحُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالصَّرْفُ لَا يَجُوزُ شَرْطُ السَّلَفِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي

الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ وَلَا التَّأْخِيرُ بِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ وَلَا تَعْجِيلُ عَرْضٍ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ إذَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ.

وَلَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِهِ

[الفواكه الدواني]

النِّكَاحِ مِثْلُ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ، وَالزَّوْجَةَ مِثْلُ الْبَائِعِ، وَصَدَاقَ الْمِثْلِ نَظِيرُ الْقِيمَةِ فِي السِّلْعَةِ، وَالْمُسَمَّى نَظِيرُ الثَّمَنِ لِلسِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَالضَّابِطُ الْحَاصِرُ لِمَا يَمْتَنِعُ جَمْعُهُ مَعَ السَّلَفِ هُوَ كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ.
وَأَمَّا اجْتِمَاعُ السَّلَفِ مَعَ الصَّدَقَةِ أَوْ الْهِبَةِ إنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ أَوْ مِنْ الْوَاهِبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْبَيْعِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ نَحْوِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ، لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْبَيْعِ مَعَ النِّكَاحِ أَوْ الشَّرِكَةِ أَوْ الْجُعْلِ أَوْ الْمُغَارَسَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ، وَلَا جَمْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ الْآخَرِ.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَ الْبَيْعِ، وَمَا مَعَهُ شَرَعَ فِي حُكْمِ السَّلَفِ وَحْدَهُ وَفِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ سَلَفُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّلَفُ) ، وَهُوَ الْقَرْضُ (جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ) يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ فَيَدْخُلُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغُ وَلَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ، وَمِلْءُ الظَّرْفِ الْمَجْهُولِ.
(إلَّا فِي سَلَفِ الْجَوَارِي) لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مِلْكِهَا، فَلَا يَجُوزُ سَلَفُهَا لَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَارِيَّةِ الْفُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نَفْسَ الذَّاتِ الْمُقْتَرَضَةِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ رَدُّهَا بَعْدَ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَلِذَا لَا يَحْرُمُ إقْرَاضُهَا لِمَنْ لَا يَأْتِي مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ كَصَغِيرٍ وَشَيْخٍ فَانٍ، أَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ امْرَأَةً وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ لَا تُشْتَهَى، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ وَرُدَّتْ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَالْقِيمَةُ، وَلَا تُرَدُّ كَاسْتِيلَادِهَا وَلَا يَغْرَمُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ وَلَدِهَا، وَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَاخْتَلَفَتْ فِي الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا هَلْ تَكُونُ فَوْتًا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يُمْكِنَ فِيهَا الْوَطْءُ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ لَا تَفُوتُ إلَّا بِالْوَطْءِ، وَمِثْلُ الْجَارِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حُرْمَةِ إقْرَاضِهَا لَا تَحْصُرُهُ الصِّفَةُ كَتُرَابِ الصَّوَّاغِينَ، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى وَفَائِهِ بِمِثْلِهِ كَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْأَشْجَارِ، وَإِنْ أَمْكَنَ وَصْفُهَا، وَلِذَلِكَ يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ قَوْلِهِ إلَّا فِي الْجَوَارِي (وَكَذَلِكَ تُرَابُ الْفِضَّةِ) لَا يَجُوزُ قَرْضُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَقِيقَةَ السَّلَفِ وَبَيَّنَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: دَفْعُ مُتَمَوَّلٍ فِي عِوَضٍ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ عَاجِلًا تَفَضُّلًا فَقَطْ لَا يُوجِبُ إمْكَانَ عَارِيَّةٍ لَا تَحِلُّ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّةٍ، وَقَالَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِيَشْمَلَ مَا إذَا رَدَّ عَيْنَ مَا تَسَلَّفَهُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لَا عَاجِلًا عَنْ الْمُبَادَلَةِ الْمِثْلِيَّةِ، وَقَوْلُهُ تَفَضُّلًا أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، لَا إنْ حَصَلَ بِهِ نَفْعٌ لِلْمُقْرِضِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُقْرِضِ فَلَا يَجُوزُ.
الثَّانِي: تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِجَائِزٍ يُوهِمُ إبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْجَائِزِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَائِزِ الْمَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا، لَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إيصَالِ النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ بَلْ قِيلَ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ: دِرْهَمُ الْقَرْضِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ سَأَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جِبْرِيلَ وَقَالَ: مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُقْتَرِضُ لَا يَقْتَرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَتِهِ» . وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ لَا يَأْخُذُ بَدَلَهَا بِخِلَافِ الْمُقْرِضِ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ مَعَ قَرْضٍ وَقَعَ لِمَكْرُوبٍ انْدَفَعَتْ بِهِ كُرْبَتُهُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَقْتَضِي وُجُوبُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ كَرَاهَتُهُ وَتَعْسُرُ إبَاحَتُهُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ النَّدْبُ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ وَقَدْ فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بِكْرًا فَجَاءَتْهُ إبِلُ الصَّدَقَةِ.
قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بِكْرًا، فَقُلْت: لَا أَجِدُ إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رُبَاعِيًّا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْطِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» وَلَعَلَّ هَذَا قَبْلَ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ وَالرُّبَاعِيُّ مِنْ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ.
1 - الثَّالِثُ: السَّلَفُ يُمْلَكُ وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ مِنْ صَدَقَةٍ، وَهِبَةٍ وَنِحْلَةٍ وَعُمْرَى وَغَيْرِهَا لِلْمُسْتَلِفِ، وَإِذَا قَبَضَهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ لِرَبِّهِ إلَّا إذَا انْتَفَعَ بِهِ عَادَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ يَمْضِي الْأَجَلُ الْمُشْتَرَطُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، وَيَجُوزُ ضَرْبُ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ عِنْدَ مَالِكٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا دَفَعَهُ الْمُقْتَرِضُ لَزِمَ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ حَيْثُ دَفَعَهُ لَهُ بِمَحَلِّهِ لَا بِغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ مَخُوفًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ قَبْلَ الْمَحَلِّ كَسَائِرِ الدُّيُونِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَشْيَاءَ نَهَى عَنْهَا الشَّارِعُ فَقَالَ: (لَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ) أَيْ الْحَطِيطَةُ (مِنْ الدَّيْنِ) كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ (عَلَى) شَرْطِ (تَعْجِيلِهِ) قَبْلَ حُلُولِهِ كَأَنْ يَكُونَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنُ عَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ طَعَامٍ لِأَجَلٍ كَشَهْرٍ مَثَلًا وَيَتَّفِقُ مَعَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى إسْقَاطِ بَعْضِهِ وَيُعَجِّلُ لَهُ الْبَاقِيَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ فَهَذَا حَرَامٌ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الصُّورَةُ بِضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ، أَيْ حُطَّ عَنِّي حِصَّةً مِنْهُ وَأُعَجِّلُ لَك بَاقِيَهُ، وَحُرْمَةُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ عَامَّةٌ فِي دَيْنٍ بِالْبَيْعِ

ذَلِكَ مِنْ قَرْضٍ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ، وَمَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ أَكْثَرَ عَدَدًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا وَأْيٌ وَلَا عَادَةٌ فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُجِزْهُ، وَمَنْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ

[الفواكه الدواني]

وَالْقَرْضِ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِأَدَائِهِ إلَى سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا بَيَانُهُ أَنَّ مَنْ عَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا لِمَا عَجَّلَهُ لِيَأْخُذَ عَنْهُ بَعْدَ الْأَجَلِ مَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ جَمِيعُ الدَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ رَدَّ إلَيْهِ مَا أَخَذَهُ وَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ دَيْنِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْبَاقِيَ الَّذِي كَانَ أَسْقَطَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ.
(وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الدَّيْنِ عَلَى إسْقَاطِ بَعْضِهِ (لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ (بِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ) كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، كَانَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَفِيهِ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤَخِّرَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مُسَلِّفٌ، وَهُوَ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ الثَّانِي كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمِدْيَانِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ فَسْخَ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ حَرَامٌ مُطْلَقًا.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ أَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ أَجَلًا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَوْ مَعَ تَرْكِ بَعْضِهِ لَا حُرْمَةَ فِيهِ بَلْ مَنْدُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِرْفَاقِ بِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَالتَّبَرُّعُ لَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِهِ.
(وَ) مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ أَنْ (لَا يُعَجَّلَ عَرَضٌ) أَيْ غَيْرُ نَقْدٍ قَبْلَ أَجَلِهِ (عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ) سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ فِي الْكَمْيَّةِ أَوْ الْكَيْفِيَّةِ، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ.
(إذَا كَانَ) الْعَرَضُ (مِنْ بَيْعٍ) أَوْ سَلَمٍ.
وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِ " حُطَّ الضَّمَانَ عَنِّي وَأَنَا أَزْيَدُك "، وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْجِنْسِ فِي الْكَمْيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ أَسْيُوطِيَّةٍ لِشَهْرٍ، وَيَتَّفِقُ مَعَ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ نِصْفَ الشَّهْرِ مَعَ زِيَادَةِ ثَوْبٍ مِنْ نَوْعِهَا، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْجِنْسِ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَنْ يُعَجِّلَ الْعَدَدَ عَلَى وَصْفٍ أَجْوَدَ مِنْ الْمُشْتَرَطِ، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَنْ يُعَجِّلَ الْأَثْوَابَ عَلَى وَصْفِهَا مَعَ زِيَادَةِ دِرْهَمٍ أَوْ طَعَامٍ.
وَمَفْهُومُ عَلَى الزِّيَادَةِ أَنَّ التَّعْجِيلَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ جَائِزٌ حَيْثُ رَضِيَ الْمُسَلِّمُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مِنْ حَقِّهِمَا فِيهَا.
وَأَمَّا التَّعْجِيلُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَدْنَى صِفَةً فَيَمْتَنِعُ، وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ تَعْجِيلِ أَوْ تَأْخِيرِ الدَّيْنِ عَلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ وَعَلَى تَعْجِيلِ عَرَضِ الْبَيْعِ بِزِيَادَةٍ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عَرَضِ الْقَرْضِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِهِ ذَلِكَ) الْعَرَضِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ حَيْثُ كَانَ (مِنْ قَرْضٍ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ) ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا كَانَ دَفْعُ الزِّيَادَةِ فِي الصِّفَةِ بَعْدَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الصِّفَةِ مُتَّصِلَةٌ فَلَا تُهْمَةَ بِسَبَبِهَا، «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ فِي سَلَفِ بِكْرٍ جَمَلًا رُبَاعِيًّا وَقَالَ: إنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» وَلِأَنَّ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك لَا يَدْخُلُ الْقَرْضَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقَرْضِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَمِنْ حَقِّهِمَا، وَلِذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ الْمُقْتَرِضُ الْقَرْضَ قَبْلَ أَجَلِهِ وَفِي مَحَلِّهِ يَلْزَمُ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ إنْ كَانَ جَمِيعُ الْحَقِّ أَوْ بَعْضُهُ لِعُسْرِهِ بِالْبَاقِي.
وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلِ صِفَةٍ أَيْ جَائِزٌ، سَوَاءٌ حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا، وَأَمَّا قَضَاؤُهُ بِأَقَلَّ صِفَةً أَوْ قَدْرًا أَوْ فِيهِمَا فَيَجُوزُ إنْ حَلَّ لَا إنْ لَمْ يَحِلَّ، فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْقَرْضِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَوْ نَقَصَ صِفَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ لِلسَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الصِّفَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ) الَّذِي عَلَيْهِ (أَكْثَرَ عَدَدًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) الْمُرَادُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ حُلُولُ أَجَلِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجَلِ.
(فَقَدْ اخْتَلَفَ) الْعُلَمَاءُ (فِي ذَلِكَ) بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَقَيَّدَ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا وَأْيٌ) أَيْ وَعْدٌ (وَلَا عَادَةٌ) بَيْنَ النَّاسِ بِقَضَاءِ الْأَكْثَرِ، وَبَيَّنَ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ: (فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ «خِيَارُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» . (وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ) أَيْ مَنَعَهُ بِقَرِينَةٍ (وَلَمْ يُجِزْهُ) وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ، وَعَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: لَا أَزِيدُ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ عَلَى مِيزَانٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: فَحَيْثُ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ يَجُوزُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْعَدَدِ كَانَ مِثْلَ وَزْنِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ أَزْيَدَ فِي الْعَدَدِ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْوَزْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ قَضَاهُ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ، فَإِنْ سَاوَى الْأَقَلُّ وَزْنَ جَمِيعِ الْعَدَدِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ جَازَ، وَإِلَّا مُنِعَ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ الْعَامِلُ بِالْوَزْنِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ ذَلِكَ الْوَزْنَ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ أَوْ نَقَصَ أَوْ سَاوَى.
وَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَكْثَرَ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَقَلَّ حَيْثُ حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ وَبِالْوَزْنِ فَاخْتَارَ الْأُجْهُورِيُّ إلْغَاءَ الْعَدَدِ وَاخْتَارَ غَيْرُهُ إلْغَاءَ الْوَزْنِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
وَحَمَلْنَا مَجْلِسَ الْقَضَاءِ عَلَى حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ كَلَامِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ قَبْلَ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا اُتُّفِقَ عَلَى حُرْمَةِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَعْدِ أَوْ الْعَادَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ الْعَرَضِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ عَلَيْهِ

قَرْضٍ مُؤَجَّلٍ فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ الْعُرُوضَ وَالطَّعَامَ مِنْ قَرْضٍ لَا مِنْ بَيْعٍ.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرٍ أَوْ حَبٍّ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ، وَإِنْ نَخْلَةً مِنْ نَخِيلٍ كَثِيرَةٍ.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْأَنْهَارِ

[الفواكه الدواني]

دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ مُؤَجَّلٍ) كُلٌّ مِنْهُمَا (فَلَهُ) أَيْ فَيَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ (أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ) مُسَاوِيًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ أَعْلَى وَيُجْبَرُ صَاحِبُهُ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ أَجَلَ دَيْنِ الْعَيْنِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَلَا فَرْقَ فِي جَبْرِ صَاحِبِ الْعَيْنِ عَلَى قَبُولِهَا بَيْنَ كَوْنِ الدَّفْعِ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا كُلْفَةَ فِي حَمْلِ الْعَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُ الْعَيْنِ غَيْرَهَا مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ كَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَإِنْ أُلْحِقَتْ بِالْعُرُوضِ فِي غَيْرِ هَذَا، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قَبُولُ صِفَتِهِ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ وَفِي مَحَلِّهِ ثُمَّ قَالَ: كَفِيلُ مَحَلِّهِ فِي الْقَرْضِ مُطْلَقًا، وَفِي الطَّعَامِ إنْ حَلَّ إنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إنْ غَابَ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ لُزُومُ قَبُولِ دَيْنِ الْعَيْنِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ بِأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ خَوْفٌ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي دَيْنِ غَيْرِ الْعَيْنِ، وَيُقَيَّدُ أَيْضًا لُزُومُ الْقَبُولِ بِأَنْ يُجْعَلَ جَمِيعُهُ أَوْ بَعْضُهُ مَعَ عُسْرِهِ بِالْبَاقِي، وَقَوْلُنَا مُسَاوِيًا أَوْ أَعْلَى؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْأَقَلِّ حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْقَرْضَ أَيْضًا، وَتَعْجِيلُ الْأَكْثَرِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا فَوْقَ رُجْحَانِ الْمِيزَانِ فِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَهُوَ حَرَامٌ فِي الْقَرْضِ، بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِأَكْثَرَ إذَا كَانَ عَيْنًا.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي قَضَاءِ الْقَرْضِ: وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ وَجَازَ بِأَكْثَرَ.
(تَنْبِيهٌ) . إذَا عَرَفْت هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ بَدَلَ فَلَهُ أَيْ يُعَجِّلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فَيَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا قَبُولُهَا قَبْلَ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلِأَجْلِ الْإِخْرَاجِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ: لَا مِنْ بَيْعٍ فَإِنَّهُ مُخْرَجٌ مِنْ لُزُومِ الْقَبُولِ لَا مِنْ جَوَازِ التَّعْجِيلِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي عُرُوضِ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ أَجَلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مِنْ حَقِّهِمَا فَيَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى التَّعْجِيلِ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَقْصِدْ التَّدْقِيقَ فِي التَّعْبِيرِ نَظَرًا لِحَالِ مَنْ قَصَدَهُ بِكِتَابِهِ، وَلَمَّا كَانَ دَيْنُ الْقَرْضِ يَفْتَرِقُ فِيهِ عَرَضُ الْبَيْعِ مِنْ الْقَرْضِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ لَهُ) أَيْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (أَنْ يُعَجِّلَ الْعُرُوضَ وَالطَّعَامَ) قَبْلَ الْأَجَلِ إذَا كَانَتَا (مِنْ قَرْضٍ) وَيُجْبَرُ الْمُقْتَرِضُ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقَرْضِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أُسْقِطَ حَقُّهُ مِنْهُ لَزِمَ الْآخَرَ الْقَبُولُ حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ، وَإِلَّا لَا يَلْزَمُهُ لِكُلْفَةِ الْحَمْلِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ (لَا مِنْ بَيْعٍ) فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ دَيْنِ الْعَرَضِ وَالطَّعَامِ قَبُولُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي عَرَضِ الْبَيْعِ، وَمِنْهُ السَّلَمُ مِنْ حَقِّهِمَا، فَإِذَا عَجَّلَهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ قَبُولُهُ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ التَّعْجِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنُ الْعَرَضِ تَعْجِيلُهُ إذَا رَضِيَ مَنْ هُوَ لَهُ بِقَبْضِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَيْنَ الْعَيْنِ يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ تَعْجِيلُهُ وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ قَبُولُهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ فَيُفَصَّلُ فِيهِ إنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَيُجْبَرُ مُسْتَحِقُّهُ عَلَى قَبُولِهِ، وَأَمَّا مِنْ بَيْعٍ فَلَا يُجْبَرُ مُسْتَحِقُّهُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَجَلُ فِي عُرُوضِ الْبَيْعِ مِنْ حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّهَا تُرْصَدُ بِهَا الْأَسْوَاقُ طَلَبًا لِلْأَرْبَاحِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ لُزُومُ قَبُولِ دَيْنِ الْقَرْضِ الْعَيْنِ مُطْلَقًا أَوْ غَيْرِ الْعَيْنِ حَيْثُ كَانَ الدَّفْعُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ غَيْرِ التَّعَيُّنِ مُطْلَقًا، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْعَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ خَوْفٌ.
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ الدَّفْعِ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِوُضُوحِ أَمْرِهِ، وَهُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ الْقَبُولِ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إنْ غَابَ وَجَازَ أَجْوَدُ وَأَرْدَأُ لَا أَقَلُّ إلَّا عَنْ مِثْلِهِ وَيُبْرِئُ مِمَّا زَادَ، أَيْ يَجُوزُ لِلْمُسَلِّمِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَفِي مَحَلِّ السَّلَمِ الْأَجْوَدَ عَلَى الْأَدْنَى وَالْأَدْنَى عَنْ الْأَجْوَدِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَجْوَدِ حَسَنُ قَضَاءٍ وَالْأَدْنَى حَسَنُ اقْتِضَاءٍ، وَأَمَّا قَبُولُ الْأَقَلِّ قَدْرًا عَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَمَا لَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا كَالْحَدِيدِ وَالْخَشَبِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا كَالْأَطْعِمَةِ وَالنُّقُودِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ الْقَلِيلِ عَنْ مِثْلِهِ، وَإِبْرَاءِ ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا زَادَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا أَخْذُ الْقَلِيلِ صُلْحًا عَنْ الْجَمِيعِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ ذَكَرْنَاهُ إتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ يُعْلَمُ مِنْهَا شَرْطِيَّةُ الِانْتِفَاعِ وَالْعِلْمِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَعَدَمِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ كَبَلَحٍ وَعِنَبٍ (أَوْ حَبٍّ) كَقَمْحٍ وَفُولٍ (لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ) ؛ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ الْمُعْتَبَرَ شَرْعًا فِي الْبَيْعِ، وَلِذَا «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ» ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ لَمَّا ذَكَرَ إنْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا عَلَى شَرْطِ الْجَذِّ فَيَجُوزُ إنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يَتَمَالَأْ عَلَيْهِ.
وَكَذَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ بِأَنْ اشْتَرَيَا مَعَهُ أَوْ الْأَصْلَ أَوَّلًا ثُمَّ أُلْحِقَ بِهِ،

وَالْبِرَكِ مِنْ الْحِيتَانِ.

وَلَا بَيْعُ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَلَا بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَا بَيْعُ نِتَاجِ النَّاقَةِ وَلَا بَيْعُ مَا

[الفواكه الدواني]

وَالْأَصْلُ وَالْأَشْجَارُ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَرِ، وَالْأَرْضُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُبُوبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ بَدَا صَلَاحُهُ إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ وَقَبْلَهُ مَعَ أَصْلِهِ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ أَوْ عَلَى قَطْعِهِ إنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يَتَمَالَأْ عَلَيْهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَإِذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ، وَضَمَانُ الثَّمَرَةِ مِنْ الْبَائِعِ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ، فَإِذَا جَذَّهَا رَطْبَةً رَدَّ قِيمَتَهَا وَتَمْرًا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِلَّا رَدَّ مِثْلَهُ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا قِيمَتَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِقَوْلِهِ: (وَيَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ ثَمَرٍ وَحَبٍّ (إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ) وَأَوْلَى كُلُّهُ قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ بَدَا صَلَاحُهُ إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، فَإِنْ اسْتَتَرَ فِي أَكْمَامِهِ كَقَلْبِ لَوْزٍ وَجَوْزٍ فِي قِشْرِهِ وَكَقَمْحٍ فِي سُنْبُلِهِ وَبِزْرِ كَتَّانٍ فِي جَوْزِهِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ جُزَافًا؛ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَيَصِحُّ كَيْلًا، وَأَمَّا شِرَاءُ مَا ذُكِرَ مَعَ قِشْرِهِ فَيَجُوزُ جُزَافًا وَلَوْ بَاقِيًا فِي شَجَرِهِ لَمْ يُقْطَعْ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ، وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِوَرَقِهِ، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الْبَعْضِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ) كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ (نَخْلَةً مِنْ نَخِيلٍ كَثِيرَةٍ) إذَا لَمْ تَكُنْ بَاكُورَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ إنْ لَمْ تُبْكِرْ.
وَأَمَّا الْبَاكُورَةُ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَحْدَهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرِهَا وَحْدَهَا.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الْبَلَحِ لَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ نَحْوِ الْعِنَبِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمَقَاثِي وَالثَّمَرِ، وَأَمَّا بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِ الزَّرْعِ فَلَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ بَاقِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ يُبْسِ حَبِّ جَمِيعِ الزَّرْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَرِ وَالْمَقَاثِي يُكْتَفَى بِبُدُوِّ صَلَاحِ بَعْضِ الْجِنْسِ، وَالزَّرْعُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِبُدُوِّ صَلَاحِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إذْ إنَّ الثَّمَرَ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ يَتْبَعُهُ الْبَاقِي سَرِيعًا، وَمِثْلُهُ نَحْوُ الْقِثَّاءِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ، وَلِشِدَّةِ حَاجَةِ النَّاسِ لِأَكْلِ الثِّمَارِ رَطْبَةً.
1 - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَبْدُو بِهِ الصَّلَاحُ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ فِي الْبَلَحِ الزُّهُوُّ بِضَمِّ الزَّايِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ احْمِرَارُهُ أَوْ اصْفِرَارُهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ الزُّهُوِّ ظُهُورُ الْحَلَاوَةِ فِي الْبَلَحِ الْخُضَارِيِّ، وَأَمَّا بُدُوُّهُ فِي نَحْوِ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ فَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ وَفِي الْمَوْزِ بِالتَّهَيُّؤِ لِلنُّضْجِ، وَفِي ذِي النَّوْرِ بِفَتْحِ النُّونِ بِانْفِتَاحِهِ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، وَفِي الْبُقُولِ وَاللُّفْتِ وَالْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَالْبَصَلِ بِإِطْعَامِهَا وَاسْتِقْلَالِ وَرَقِهَا بِحَيْثُ لَا تَفْسُدُ عِنْدَ قَلْعِهَا، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ الْمَعْرُوفُ بالعبدلاوي وَالْقَاوُونِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَصْفَرَّ.
وَالثَّانِي يُكْتَفَى بِتَهَيُّئِهِ لِلِاصْفِرَارِ، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ الْأَخْضَرُ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِتَلَوُّنِ لُبِّهِ بِالسَّوَادِ أَوْ الْحُمْرَةِ، وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَبِظُهُورِ حَلَاوَتِهِ، وَأَمَّا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ، وَمَا شَابَهَهُمَا فَبِأَخْذِهِ فِي الْيُبْسِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْقَمْحِ وَالْفُولِ وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْحُبُوبِ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ يُبْسُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ فَرِيكًا فُسِخَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِقَبْضِهِ بَعْدَ جَذِّهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَمَضَى بَيْعُ حَبِّ أَفْرُكٍ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ، وَأَقُولُ: الضَّابِطُ الشَّامِلُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْحَالَةَ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ الَّذِي يَطْرَحُ بُطُونًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ أَنَّ مَا لَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ مِمَّا يُخَالِفُ كَالْيَاسَمِينِ، وَالْمَقَاثِي كَالْخِيَارِ فَلِلْمُشْتَرِي جَمِيعُ الْبُطُونِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا تَطْرَحُهُ الْمَقْثَأَةُ مُدَّةَ نَحْوِ جُمُعَةٍ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ لِعَدَمِ ضَبْطِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ بِأَنْ تُقْطَعَ الْبَطْنُ ثُمَّ تَخْلُفُهَا أُخْرَى فَحُكْمُهُ أَنْ تُبَاعَ كُلُّ بَطْنٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَلَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ بَطْنٍ بُدُوُّ صَلَاحِ أُخْرَى.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بَطْنَ ثَانٍ أَوَّلُ هَذَا حُكْمُ الْبُطُونِ الَّتِي تَأْتِي وَتَنْقَطِعُ أَصْلًا، وَبَقِيَ حُكْمُ مَا تَسْتَمِرُّ ثَمَرَتُهُ زَمَنًا طَوِيلًا فَهَذَا يَجِبُ عِنْدَ بَيْعِهِ ضَرْبُ الْأَجَلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ ضَرْبُ الْأَجَلِ إنْ اسْتَمَرَّ كَالْمَوْزِ.
الثَّالِثُ: مَا قَرَرْنَاهُ مِنْ نَصْبِ " نَخْلَةً " عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِكَانَ الْمُضْمَرَةِ هُوَ الظَّاهِرُ لِكَثْرَةِ حَذْفِهَا مَعَ اسْمِهَا بَعْدَ إنْ وَلَوْ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ رَفْعُهَا، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى جَعْلِهِ فَاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، وَإِنْ بَدَا نَخْلَةٌ أَيْ صَلَاحُ نَخْلَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ اسْتِحْسَانِ الرَّفْعِ.

وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِلْمُهُ: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْأَنْهَارِ) جَمْعُ نَهْرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا، وَهِيَ الْبِحَارُ.
(وَ) مَا فِي (الْبِرَكِ مِنْ الْحِيتَانِ) لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ وَالنَّحْلُ خَارِجًا عَنْ الْجَبْحِ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَتَسَلُّمِهَا.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ النَّحْلُ فِي جَبْحِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ بِدُونِ جَبْحِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَصَافِيرِ بِقَفَصِهَا لَكِنْ مَذْبُوحَةً وَأَمَّا حَيَّةٌ فَلَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَعَ طَرَفِهَا فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ تَابِعٌ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ النَّحْلِ فِي جَبْحِهِ وَيُدَخِّلُ الْجَبْحُ تَبَعًا، كَمَا أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى الْجَبْحِ وَسَكَتَ عَنْ النَّحْلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ النَّحْلُ وَلَا يَدْخُلُ الْعَسَلُ فِي الصُّرَّتَيْنِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ قَيَّدَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ مَحْصُورٍ كَبِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَيُقْدَرُ عَلَى تَنَاوُلِهَا، وَإِلَّا جَازَ.
(تَنْبِيهٌ) . تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَسَكَتَ عَنْ جَوَازِ اصْطِيَادِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْغَيْرِ، وَأَرَادَ غَيْرُ الْمَالِكِ لِلْأَرْضِ اصْطِيَادَ مَا فِيهَا فَفِي مَنْعِهِ خِلَافٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَالِكِ

فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ

وَلَا بَيْعُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ.

وَنُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ، وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ.

وَلَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً إمَّا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا

[الفواكه الدواني]

الْأَرْضِ مَنْعُ الِاصْطِيَادِ مِنْهَا إلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ اصْطِيَادُ الْغَيْرِ يَضُرُّ صَاحِبَ الْأَرْضِ، كَأَنْ تَكُونَ الْبِرْكَةُ فِي وَسَطِ زَرْعِ صَاحِبِ الْأَرْضِ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ الْجَنِينِ) حَالَ كَوْنِهِ (فِي بَطْنِ أُمِّهِ) وَلَا بَيْعُ أُمِّهِ مَعَ اسْتِثْنَائِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُسْتَثْنَى بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ، وَعِلَّةُ الْحُرْمَةِ فِي الْبَيْعِ الْغَرَرُ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأُمِّ يَسْرِي إلَى جَنِينِهَا لِخَبَرِ: «كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا» . (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ) مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ (وَلَا بَيْعُ نِتَاجِ مَا تُنْتَجُ) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي بِمَعْنَى الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَفَاعِلُهُ (النَّاقَةُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُبَاعُ حَبَلُ الْحَبَلَةِ» فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ بِنِتَاجِ مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ جَنِينُ الْجَنِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ بَيْعِ الْجَنِينِ فَكَيْفَ بِجَنِينِ الْجَنِينِ، وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ حَبَلَ الْحَبَلَةِ بِأَنَّهُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ وَتَأْجِيلُ ثَمَنِهِ لِيَكُونَ مِنْ نِتَاجِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا أَيْضًا، وَلَا مَفْهُومَ لِلنَّاقَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ) الْمُرَادُ الْفُحُولُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْفَحْلِ لِصَاحِبِ النَّاقَةِ مَثَلًا: أَبِيعُك مَا يَتَكَوَّنُ مِنْ مَاءِ فَحْلِي هَذَا فِي بَطْنِ نَاقَتِك أَوْ نَاقَتِي، لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ النَّهْيِ عَنْ عَسِيبِ الْفَحْلِ، وَخَبَرُ الْمُوَطَّإِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا: «أَلَّا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ» ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ثَلَاثَةٍ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ، وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ بَيْعُ الْجَزُورِ إلَى أَنْ يُنْتَجَ نِتَاجُ النَّاقَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ) الْعَبْدِ (الْآبِقِ وَلَا الْبَعِيرِ الشَّارِدِ) لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: بَيْعُ الْآبِقِ فِي إبَاقِهِ فَاسِدٌ وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ وَيُفْسَخُ، وَإِنْ قُبِضَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُقَيَّدًا بِبَلَدٍ وَحُبِسَ لِصَاحِبِهِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ مَوْثُوقًا وَحُبِسَ لِصَاحِبِهِ جَازَ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ وَيَكُونُ تَحْصِيلُهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُؤَخَّرُ قَبْضُ الثَّمَنِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ.
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: تَفْصِيلُ اللَّخْمِيِّ وَتَأَمَّلْ هَذَا الضَّعِيفَ مَعَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ: وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْآبِقَ عِنْدَ رَجُلٍ جَازَ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُوصَفُ لَهُ إذَا وُصِفَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا حَالُهُ الْآنَ وَصِفَتُهُ إنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِيهِ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ صِفَتَهُ لَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْقُرْبِ وَالْمُشْتَرِي يَعْرِفُ صِفَتَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْوَصْفِ، وَأَنْ لَا يَشْتَرِطَا نَقْدَ الثَّمَنِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَائِنِ عِنْدَهُ الْآبِقُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَمِثْلُهُ مَنْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَى مَا فِي يَدِهِ، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ مُلَخَّصُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ.

(وَنَهَى) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ) وَالْمَنْعُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ بِدَلِيلِ (وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْهَا) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْجَوَازُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ وَعَدَمُ نَهْيٍ لَا كَكَلْبِ صَيْدٍ، وَالْكَرَاهَةُ رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَلَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَإِنْ نُقِلَتْ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَالْجَوَازُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٍ حَتَّى قَالَ سَحْنُونٌ: أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا، وَسُمِّيَ مَهْرًا مَجَازًا، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى كِهَانَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَثْمَانُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَبِيثَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَذَلِكَ مَا يُؤْخَذُ عَلَى الْجَاهِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَعَقَدَ عَلَى الْكَلْبِ فَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْفَسْخَ، وَإِنْ طَالَ، وَعَنْ ابْنِ نَاجِي الْمُضِيُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ، هَذَا حُكْمُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهٍ، وَهُوَ كَلْبُ الزَّرْعِ وَالْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ، وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ تَعَدِّيًا لِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يُنْدَبُ قَتْلُهُ، وَلَمَّا كَانَ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ الضَّمَانِ قَالَ: (وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْكَلْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ (فَعَلَيْهِ) غُرْمُ (قِيمَتِهِ) يَوْمَ قَتْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَغُرْمِ قِيمَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ الضَّمَانِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: لَوْ حَلَفَ شَخْصٌ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ مَثَلًا فَحَرَقَهُ شَخْصٌ وَأَخَذَ الْحَالِفُ قِيمَتَهُ لَا حِنْثَ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ.

(وَ) كَذَلِكَ (لَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ أَيْضًا (بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) حَيْثُ كَانَ (مِنْ جِنْسِهِ) وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ لِلْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَحَيَوَانٍ بِلَحْمِ جِنْسِهِ إنْ لَمْ يُطْبَخْ، وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَجُوزُ، كَبَيْعِ لَحْمِ طَيْرٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ

أَوْ عَشَرَةٍ إلَى أَجَلٍ قَدْ لَزِمَتْهُ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَلَا الزَّبِيبُ بِالْعِنَبِ لَا مُتَفَاضِلًا، وَلَا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، وَهُوَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَلَا يُبَاعُ جُزَافٌ بِمَكِيلٍ مِنْ صِنْفِهِ.

[الفواكه الدواني]

ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ ذَوَاتَ الْأَرْبَعِ جِنْسٌ وَالطَّيْرُ كُلُّهُ جِنْسٌ آخَرُ، وَقَيَّدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مَنْعَ بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ بِمَا إذَا لَمْ يُطْبَخْ اللَّحْمُ، وَإِلَّا جَازَ بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: وَلَوْ كَانَ الطَّبْخُ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ وَاشْتِرَاطُ الْأَبْزَارِ فِي انْتِقَالِ اللَّحْمِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي انْتِقَالِهِ عَنْ اللَّحْمِ لَا عَنْ الْحَيَوَانِ.
وَإِذَا بِيعَ الْمَطْبُوخُ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ فَشَرْطُ جَوَازِهِ التَّعْجِيلُ، وَأَمَّا إلَى أَجَلٍ فَيَحْرُمُ إلَّا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ كَجَمَلٍ أَوْ ثَوْرٍ، وَمِثْلُ اللَّحْمِ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ بِالْحَيَوَانِ الْحَيَوَانُ الَّذِي لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ أَوْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ أَوْ قُلْت: لَا يَجُوزُ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا لَحْمًا.
وَأَمَّا حَيَوَانٌ يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ مَثَلًا فَيَجُوزُ وَلَوْ لِأَجَلٍ كَجَوَازِ بَيْعِ حَيَوَانِ الْقُنْيَةِ بِلَحْمٍ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَوْ لِأَجَلٍ، بِخِلَافِ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْقُنْيَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ التَّعْجِيلُ.
وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ فَيَجُوزُ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ حَيْثُ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ سِتٌّ: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَهَاتَانِ صُورَتَانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ.
وَصُورَتَانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ.
وَصُورَتَانِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ جِنْسِهِ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ السِّتِّ وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ بِاللَّحْمِ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَيَكْفِي الْمُنَاجَزَةُ، كَمَا أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْمُنَاجَزَةِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْقُنْيَةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَلَوْ لَحْمًا نِيئًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ بِالْحَيَوَانِ فَتَقَدَّمَ إنْ كَانَا يُرَادَانِ لِلْقُنْيَةِ فَالْجَوَازُ وَلَوْ لِأَجَلٍ.
وَأَمَّا مَا لَا يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ وَلَوْ نَقْدًا لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا لَحْمًا، وَأَمَّا بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَجُوزُ نَقْدًا لَا إلَى أَجَلٍ، وَالْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْقُنْيَةِ كَمَا لَا تُبَاعُ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهَا وَلَوْ نَقْدًا وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لِأَجَلٍ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا كِرَاءً لِأَرْضٍ وَلَا قَضَاءً عَنْ دَارِهِمْ أُكْرِيَتْ الْأَرْضُ بِهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» . وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ حَيْثُ لَمْ يُطْبَخْ لِلْمُزَابَنَةِ؛ لِأَنَّ دَافِعَ الْمَذْبُوحِ قَدْ يُذْبَحُ الْحَيُّ فَيَصِيرُ لَحْمًا مَغِيبًا بِلَحْمٍ مَغِيبٍ، وَقَدْ يَزِيدُ لَحْمُهُ عَلَى اللَّحْمِ الْمَدْفُوعِ فِيهِ وَقَدْ يَنْقُصُ، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحْقِيقِ التَّفَاضُلِ، وَأَمَّا لَوْ طُبِخَ لَجَازَ بَيْعُهُ بِالْحَيَوَانِ لِانْتِقَالِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ) أَيْ جَمْعُ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَيْ فِي عَقْدٍ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ «نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى صُورَتَيْنِ، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ إحْدَاهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ) شَخْصٌ (سِلْعَةً إمَّا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ إلَى أَجَلٍ) وَالْحَالُ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ السِّلْعَةَ (قَدْ لَزِمَتْهُ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ) ، وَإِنَّمَا مُنِعَ ذَلِكَ لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَدْرِي بِمَ بَاعَ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَدْرِي مَا اشْتَرَى، وَلِذَلِكَ لَوْ عُكِسَ التَّصْوِيرُ كَأَنْ يَبِيعَهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةٍ لِأَجَلٍ لَجَازَ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ إنَّمَا يَخْتَارُ الْبَيْعَ إلَى أَجَلٍ بِالثَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَيْعَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الثَّمَنِ، وَمَفْهُومُ قَدْ لَزِمَتْهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَوْ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ لَجَازَ سَوَاءٌ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهَا.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ إحْدَى سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِغَيْرِ الْجَوْدَةِ كَثَوْبٍ وَدَابَّةٍ أَوْ رِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ وَالْحَال أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ إحْدَاهُمَا عَلَى اللُّزُومِ وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ إنْ اخْتَلَفَ أَوْ بِالثَّمَنِ إنْ اتَّحَدَ، وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ فِيمَا يُعَيِّنُهُ فَجَائِزٌ، كَمَا يَجُوزُ اخْتِلَافُهُمَا بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى أَخْذِ الْأَجْوَدِ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ أَحَدَ طَعَامَيْنِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُعَدُّ مُنْتَقِلًا.
وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ يَبِيعُهَا بِالْإِلْزَامِ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَجَلٍ، أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إلَّا بِجَوْدَةٍ وَرَدَاءَةٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهَا لَا طَعَامَ، وَإِنْ مَعَ غَيْرِهِ.

(وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ) بِالْمُثَنَّاةِ (بِالرُّطَبِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا بَيْعُ (الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ) لَا نَقْدًا وَلَا مُؤَجَّلًا (لَا مُتَفَاضِلًا وَلَا مُتَمَاثِلًا وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) كَائِنٍ (مِنْ جِنْسِهِ مِنْ سَائِرِ) أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ (الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ) وَالْحُبُوبِ فَلَا يُبَاعُ الْفُولُ الْحَارُّ بِالْيَابِسِ وَلَا الْقَمْحُ بِالْبَلِيلَةِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ مَعَ عَدَمِ انْتِقَالِ أَحَدِهِمَا، وَلِذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَمَّسِ بِالْيَابِسِ وَالْقَمْحِ بِالْهَرِيسَةِ يَدًا بِيَدٍ لِانْتِقَالِ الْمُدَمَّسِ وَالْمَطْبُوخِ عَنْ أَصْلِهِ، كَمَا يَجُوزُ الْيَابِسُ بِالرَّطْبِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الرِّبَوِيِّ.
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الْمَنْعِ فِي التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَمَا بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَمَا بَعْدَهُ (مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ) أَيْ لِأَجْلِ (الْمُزَابَنَةِ) أَوْ الَّذِي هُوَ الْمُزَابَنَةُ فَتَكُونُ بَيَانِيَّةً كَهِيَ فِي آيَةِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] أَيْ الَّذِي هُوَ

وَلَا جُزَافٌ بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ.

وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَلَا يُنْقَدُ فِيهِ بِشَرْطٍ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ مَكَانُهُ أَوْ يَكُونَ مِمَّا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ شَجَرٍ فَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ.

وَالْعُهْدَةُ جَائِزَةٌ فِي الرَّقِيقِ إنْ اُشْتُرِطَتْ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً بِالْبَلَدِ

[الْعُهْدَةِ]

فَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ الضَّمَانُ فِيهَا مِنْ

[الفواكه الدواني]

الْأَوْثَانُ، وَالْمُزَابَنَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ وَيُغَالِبُهُ، وَفَسَّرَهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ، أَوْ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُبَاعُ جُزَافٌ) ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ (بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ، وَهَذَا أَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ، وَأَشَارَ إلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يُبَاعُ (جُزَافٌ بِجُزَافٍ مِنْ جِنْسِهِ) ، وَهَذَا هُوَ بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَمِثَالُ الْأَوَّلِ: كَصُبْرَةِ قَمْحٍ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ مِنْ الْقَمْحِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: كَصُبْرَةِ قَمْحٍ غَيْرِ مَكِيلَةٍ بِأُخْرَى غَيْرِ مَكِيلَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَجُوزُ: وَكَمُزَابَنَةِ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ عَنْ بَيْعِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَابَنَةَ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» ، وَمِثْلُ الْجِنْسَيْنِ فِي الْجَوَازِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ إذَا دَخَلَتْ الصَّنْعَةُ الْقَوِيَّةُ فِيهِ.
فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَصْنُوعِ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَةٌ، أَوْ تَدْخُلُ فِيهِ صَنْعَةٌ سَهْلَةٌ كَقِطْعَةِ نُحَاسٍ جُعِلَتْ صَحْنًا أَوْ إبْرِيقًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِمَا تَدْخُلُهُ صَنْعَةٌ قَوِيَّةٌ وَلَوْ جُهِلَ قَدْرُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ بَيْعُ نُحَاسٍ بِتَوْرٍ وَلَا بِفُلُوسٍ؛ لِهَيِّنَةِ صَنْعَتِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالرِّبَوِيِّ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ، إلَّا أَنَّ الرِّبَوِيَّ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ وَعَدَمِهَا، فَإِنَّ الَّذِي يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا عِنْدَ تَحْقِيقِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِيهِ الْمُزَابَنَةُ عِنْدَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَجْهُولَيْنِ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ (إنْ كَانَ) مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُفَاضَلَةُ الْبَيِّنَةُ (مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) بِأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ وَلَا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، بَلْ كَانَ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ فَقَطْ، أَوْ لَا يَدْخُلُهُ رِبًا أَصْلًا كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ أَيْ رِبَا فَضْلٍ، وَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا عِنْدَ تَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ غَيْرَ مَحْصُورٍ فِي مُشَاهَدَتِهِ مَعَ شَرْطِيَّةِ الْعِلْمِ فِي بَيْعِ اللُّزُومِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ) وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجُوزُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِجِنْسِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ عَلَى يَوْمٍ أَوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ أَيْ وَلَوْ كَانَ بِوَصْفِ بَائِعِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَاعَ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ وَجَوَازُهُ مَشْرُوطٌ بِغَيْبَتِهِ وَيَكْفِي غَيْبَتُهُ، وَلَوْ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ وَلَا غَيْبَتُهُ عَنْ الْبَلَدِ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ، خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَبْعُدَ مَكَانُهُ جِدًّا كَخُرَاسَانَ مِنْ الْأَنْدَلُسِ، كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَبِيعٍ عَلَى اللُّزُومِ، وَمِثْلُ غَيْبَتِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ حُضُورُهُ بِهِ حَيْثُ كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ أَوْ فَسَادٌ.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلَا مَشَقَّةَ وَلَا فَسَادَ فِي رُؤْيَتِهِ فَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ مِنْ رُؤْيَتِهِ حَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَنْ يَكُونَ بِوَصْفِ غَيْرِ الْبَائِعِ إنْ اشْتَرَطَ نَقْدَ الثَّمَنِ فِيهِ، وَإِلَّا جَازَ وَلَوْ بِوَصْفِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي يَعْرِفُ مَا يُوصَفُ لَهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَكَانَهُ بَعِيدًا جِدًّا كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ.
(وَ) مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ أَيْضًا أَنْ (لَا يُنْقَدَ فِيهِ) الثَّمَنُ (بِشَرْطِ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ مَكَانُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ عَلَى الصِّفَةِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ كَيَوْمَيْنِ ذَهَابًا حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا (أَوْ يَكُونُ مِمَّا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ) ، وَهُوَ الْعَقَارُ (مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ شَجَرٍ فَيَجُوزُ) اشْتِرَاطُ (النَّقْدِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِمَّا يَقْرُبُ مَكَانُهُ أَوْ يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ.
وَقَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ أَيْ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ تَطَوُّعًا، وَمَعَ الشَّرْطِ فِي الْعَقَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ وَصْفِ الْبَائِعِ وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ كَالْيَوْمَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَائِبَ الْمَبِيعَ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ تَطَوُّعًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا بِشَرْطٍ فَيَجُوزُ فِي الْعَقَارِ مُطْلَقًا وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ مَكَانُهُ، وَأَمَّا مَا بِيعَ عَلَى الْخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وَغَائِبٍ وَكِرَاءٍ ضَمِنَ وَسَلَّمَ بِخِيَارٍ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ بَيْعِ الْغَائِبِ مَا يُبَاعُ عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ، وَهَذَا جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَا مَشَقَّةَ فِي رُؤْيَتِهِ أَوْ كَانَ بَعِيدًا جِدًّا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ، وَلَا يُقَالُ: شَرْطُ الْبَيْعِ عِلْمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ زَمَنَ الْعَقْدِ

الْبَائِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

وَعُهْدَةُ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ.

وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْعُرُوضِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ

[الفواكه الدواني]

لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ عَلَى اللُّزُومِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَاعَ عَلَى رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ، وَهُوَ جَائِزٌ وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ خَلْفَ جِدَارٍ أَوْ فِي صُنْدُوقٍ مَثَلًا.
1 - (تَتِمَّتَانِ) . الْأُولَى: لَمْ يَذْكُرْ ضَمَانَ الْغَائِبِ، وَمُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ عَقَارًا وَأَدْرَكَتْهُ الصِّفَةُ سَالِمًا يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِيعَ بِشَرْطِ النَّقْدِ أَمْ لَا، قَرُبَ مَكَانُهُ أَوْ بَعُدَ حَيْثُ بِيعَ جُزَافًا، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَلِي وَقْفَةٌ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ جُزَافًا مَعَ غَيْبَتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَصْفِ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ وَغَيْرُ الْعَقَارِ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَكَذَا الْعَقَارُ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ خِلَافُهُ، وَإِلَّا عُمِلَ بِالشَّرْطِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
الثَّانِيَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا عَلَى تَحْصِيلِ الْغَائِبِ، وَإِحْضَارِهِ لِلْمُشْتَرِي، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَقَبْضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِتْيَانُ بِالْغَائِبِ عَلَى مُبْتَاعِهِ وَشَرْطُهُ إيَّاهُ عَلَى بَائِعِهِ مَعَ ضَمَانِهِ يَفْسُدُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانُهُ فِي إتْيَانِهِ مُبْتَاعَهُ فَجَائِزٌ، وَهُوَ بَيْعٌ، وَإِجَارَةٌ.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَهْدِ الَّذِي هُوَ الِالْتِزَامُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: 40] أَيْ بِمَا الْتَزَمْتُمْ لِي مِنْ طَاعَتِي أُوفِ لَكُمْ بِمَا الْتَزَمْتُ لَكُمْ مِنْ ثَوَابِي.
وَأَمَّا شَرْعًا وَاصْطِلَاحًا: فَهِيَ تَعَلُّقُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ مِنْ بَائِعِهِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ.
وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ هِيَ عُهْدَةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ دَرْكُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالرَّقِيقِ، وَلَا يُعْمَلُ بِشَرْطِ إسْقَاطِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَكَذَا الْعَيْبُ فِي غَيْرِ الرَّقِيقِ، وَكَذَا فِي الرَّقِيقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَيْبِ الَّذِي يَعْلَمُ بِهِ الْبَائِعُ، بِخِلَافِ عَيْبِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ بِهِ إنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ، وَخَاصَّةً وَهِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّقِيقِ فَقَطْ، وَأَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْعُهْدَةُ) ، وَهِيَ تَعَلُّقُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ مِنْ كُلِّ حَادِثٍ أَوْ مِنْ حَادِثٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَحْدُودٍ (جَائِزَةٌ) مَعْمُولٌ بِهَا (فِي الرَّقِيقِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى التَّحَيُّلِ بِكَتْمِ بَعْضِ عُيُوبِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
(إنْ اُشْتُرِطَتْ) بِأَنْ اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ بِهَا الْعَادَةُ.
(أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً) أَيْ مُعْتَادَةً (فِي الْبَلَدِ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ، وَكَذَا إنْ حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَيُقْضَى بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ وَلَا حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا فَلَا تَلْزَمُ وَلَا يُقْضَى بِهَا.

وَتِلْكَ الْعُهْدَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: عُهْدَةُ ثَلَاثٍ وَعُهْدَةُ سَنَةٍ.
(فَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ) قَلِيلَةُ الزَّمَانِ كَثِيرَةُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ (الضَّمَانَ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) يَحْدُثُ فِي الرَّقِيقِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَوَامِلَ لِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ وَتُعْتَبَرُ بِلَيَالِيِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ ابْتِدَاءً أَوْ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِ الْخِيَارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ حَتَّى الْمَوْتِ مَا عَدَا ذَهَابَ الْمَالِ، فَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَاشْتَرَطَ مَالَهُ ثُمَّ ذَهَبَ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَهُ السَّيِّدُ لِنَفْسِهِ لَكَانَ لَهُ رَدُّهُ بِذَهَابِ مَالِهِ، وَإِذَا كَانَ ضَمَانُ الْحَادِثِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي بِهِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَهُ الرَّدُّ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ، وَالنَّفَقَةُ وَالْأَرْشُ وَالْمَوْهُوبُ الْجَمِيعُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَهُ إلَّا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ فَمَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ تَابِعٌ لِمَالِهِ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَبِيعَ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ يُرَدُّ بِكُلِّ حَادِثٍ وَبِالْقَدِيمِ بِالْأَوْلَى مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَبِعْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا الْبَائِعُ بِهِ مَعَ طُولِ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُرَدَّ بِالْقَدِيمِ عَمَلًا بِالْبَرَاءَةِ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ بِالْحَادِثِ عَمَلًا بِالْعُهْدَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْ الَّتِي حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا، كَمَا قَرَّرَهُ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ.
(تَنْبِيهٌ) . ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْعُهْدَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَتَدْخُلُ مِنْ أَيَّامِ الْمُوَاضَعَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَدَخَلَتْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ بِمَعْنَى أَنَّ الزَّمَانَ يُحْسَبُ لَهُمَا، فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ الْعُهْدَةِ قَبْلَ رُؤْيَةِ الدَّمِ انْتَظَرَتْهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُوَاضَعَةُ؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِذَا اشْتَرَى عَلَى الْعُهْدَتَيْنِ قُدِّمَتْ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ وَتُبْتَدَأُ عُهْدَةُ السَّنَةِ بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ.

(وَعُهْدَةُ السَّنَةِ) عَكْسُ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَثِيرَةُ الزَّمَانِ قَلِيلَةُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيهَا (مِنْ الْجُنُونِ) إذَا كَانَ بِطَبْعٍ أَوْ مَسِّ جِنٍّ، لَا إنْ كَانَ بِكَضَرْبَةٍ أَوْ طَرْبَةٍ.
(وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ) الْمُحَقَّقَيْنِ وَفِي مَشْكُوكِهِمَا خِلَافٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ لَا بِكَضَرْبَةٍ بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْحَاصِلِ مِنْ تِلْكَ الْأَدْوَاءِ إلَى تَمَامِ السَّنَةِ لَا إنْ حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهَا دَاخِلَ السَّنَةِ وَزَالَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا رَدَّ بِهِ إلَّا أَنْ تَقُولَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِعَوْدِهِ، وَيَسْقُطُ كُلٌّ مِنْ الْعُهْدَتَيْنِ بِالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعُهْدَتَيْنِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حِينَ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ الْوَلِيدَةُ وَعُهْدَةَ السَّنَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِهَا، وَبِهَا قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَابْنُ شِهَابٍ وَالْقُضَاةُ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ بِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.

وَالطَّعَامِ وَالْإِدَامِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ

وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ.

وَيُعَجِّلُ رَأْسَ الْمَالِ أَوْ يُؤَخِّرُهُ إلَى مِثْلِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِشَرْطٍ.

[الفواكه الدواني]

(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْكَلَامُ السَّابِقُ وَاضِحٌ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ حُصُولُ الْعَيْبِ زَمَنَ الْعُهْدَةِ، وَأَمَّا لَوْ انْقَضَتْ أَيَّامُهَا وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ وَشَكَّ فِي حُصُولِهِ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْمُحْتَمَلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ أَيْ مِنْ الْبَائِعِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْعَمَلُ بِالْعُهْدَةِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهَا فِي كُلِّ رَقِيقٍ انْتَقَلَ مِلْكُهُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ اسْتَثْنَى الْمُتَيْطِيُّ إحْدَى وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أَوْ مُخَالَعٍ أَوْ مُصَالَحٍ بِهِ فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ مُسَلَّمٍ فِيهِ أَوْ بِهِ أَوْ مُقْرَضٍ أَوْ غَائِبٍ اُشْتُرِيَ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ مُقَاطَعٍ بِهِ مُكَاتَبٍ وَاَلَّذِي يَبِيعُهُ السُّلْطَانُ عَلَى نَحْوِ مُفْلِسٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ فَلَا عُهْدَةَ فِيهَا بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ.
وَأَمَّا لَوْ اُشْتُرِطَتْ بِالْفِعْلِ لَعُمِلَ بِهَا مَا ارْتَضَاهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ، وَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ إنَّمَا لَهُ إسْقَاطُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَقَطْ.
1 - الثَّالِثُ: عُهْدَةُ الرَّقِيقِ غَيْرُ عُهْدَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ عُهْدَةَ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَيُقْضَى بِهَا وَلَوْ دَخَلَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الَّذِي تَكُونُ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ عَلَى مُتَوَلِّي الْبَيْعِ إلَّا الْوَكِيلَ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ فِي صُورَتَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَهُمَا أَنْ يُصَرِّحَ بِالْوَكَالَةِ أَوْ يَعْلَمَ الْعَاقِدُ أَنَّهُ وَكِيلٌ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضِ، وَأَمَّا هُوَ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَلَّ نَفْسَهُ مَحَلَّ الْبَائِعِ، وَكَذَا الْمُقَارِضُ وَالشَّرِيكُ الْمُفَوِّضُ فِي الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمَا فِيمَا وَلْيُبَايِعْهُ وَالْعُهْدَةُ فِي مَالِ الْيَتَامَى، فَإِنْ هَلَكَ مَالُ الْأَيْتَامِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَيْتَامِ.

[السَّلَمُ فِي الْعُرُوضِ]

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَيْعِ خَاصَّةً، وَهُوَ السَّلَمُ وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ إثْبَاتٌ مَالِيٌّ فِي الذِّمَّةِ مَبْذُولٌ فِي الْحَالِ وَعِوَضُهُ مُؤَجَّلٌ يُقْبَضُ فِي الْمَآلِ، وَلِذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ دُونَ الْعِوَضِ، وَالسَّلَفُ فِي اللُّغَةِ التَّقْدِيمُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24] أَيْ قَدَّمْتُمْ، وَمَعْنَاهُ شَرْعًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يُوجِبُ عِمَارَةَ ذِمَّةٍ بِغَيْرِ عَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُتَمَاثِلِ الْعِوَضَيْنِ، فَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عَيْنٍ أَخْرَجَ بَيْعَةَ الْأَجَلِ، وَقَوْلُهُ وَلَا مَنْفَعَةَ أَخْرَجَ بِهِ الْكِرَاءَ الْمَضْمُونَ، وَقَوْلُهُ غَيْرِ مُتَمَاثِلِ الْعِوَضَيْنِ أَخْرَجَ بِهِ السَّلَفَ، وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ) أَيْ يَجُوزُ السَّلَمُ (فِي الْعُرُوضِ) ، وَهِيَ مَا عَدَا الْحَيَوَانَاتِ وَالْأَطْعِمَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَ) فِي (الرَّقِيقِ وَ) فِي (الْحَيَوَانِ) الْبَهِيمِيِّ (وَ) فِي (الطَّعَامِ) الْمُرَادُ بِهِ سَائِرُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ بِقَرِينَةِ: (وَالْإِدَامُ) كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَكُلِّ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ وَلَا نَظَرَ إلَى مَنْ خَالَفَ فِي بَعْضِ الْبِيَاعَاتِ، نَعَمْ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، وَهُوَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك، كَمَا اُسْتُثْنِيَتْ الْحَوَالَةُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَبَيْعُ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَكَمَا اُسْتُثْنِيَتْ الْإِقَالَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَاسْتُثْنِيَ الْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ.
وَلَمَّا كَانَ السَّلَمُ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ احْتَاجَ إلَى شُرُوطٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ فِي أَصْلِهِ، وَعِدَّتُهَا سَبْعُ شُرُوطٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلَاثًا وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَكَوْنُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَتَأْجِيلُهُ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ أَقَلُّهُ نِصْفُ شَهْرٍ إنْ كَانَ قَبْضُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ بِيَدِ الْعَقْدِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ إلَّا كَفَى تَأْجِيلُهُ بِمَسَافَةِ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ كَمَا يُبَيِّنُهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي، وَوُجُودُهُ عِنْدَ حُلُولِهِ وَبَيَانُ الصِّفَةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَثْمَانُ اخْتِلَافًا قَوِيًّا وَأَنْ يُضْبَطَ بِعَادَتِهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنِ وَلَا نَقْدَيْنِ وَلَا شَيْئًا فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ، بَلْ الشَّرْطُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ وَلَوْ تَقَارَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَمِثْلُ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ اخْتِلَافُ الْمَنْفَعَةِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، كَفَارِهِ الْحُمُرِ فِي الْأَعْرَابِيَّةِ، وَكَسَابِقِ الْخَيْلِ وَقُوَّةِ الْحَمْلِ فِي الْإِبِلِ، وَكَثْرَةِ لَبَنِ الْبَقَرَةِ أَوْ قُوَّتِهَا فِي الْعَمَلِ، أَوْ اخْتِلَافِ الْأَفْرَادِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى بَعْضِ تِلْكَ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) أَيْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ عَقْدِ السَّلَمِ بَيَانُ صِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَبَيَّنَ صِفَاتُهُ الَّتِي يُخْتَلَفُ بِهَا الثَّمَنُ فِي السَّلَمِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا كَالنَّوْعِ وَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَالتَّوَسُّطِ بَيْنَهُمَا، فَيُبَيِّنُ فِي الْحُبُوبِ كَوْنَهُ قَمْحًا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَوْنَهُ سَمْرَاءَ أَوْ مَحْمُولَةً، وَكَوْنَهُ جَدِيدًا أَوْ قَدِيمًا أَوْ ضَامِرًا أَوْ مُمْتَلِئًا، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهُ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْأَوْصَافِ وَعِلْمُ النَّاسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ الْعَاقِدَانِ بِمَعْرِفَةِ الصِّفَةِ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيمَا يَخْتَصُّ الْعَاقِدَانِ بِمَعْرِفَتِهِ؛ لِأَدَائِهِ إلَى النِّزَاعِ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَتُرَابِ الْمَعَادِنِ وَالصَّوَّاغِينَ، وَلَا نَحْوِ النِّيلَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالطِّينِ أَوْ

وَأَجَلُ السَّلَمِ أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ بِبَلَدٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَتْ مَسَافَتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَمَنْ أَسْلَمَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقْبِضُهُ بِبَلَدٍ أَسْلَمَ فِيهِ فَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ

[الفواكه الدواني]

الْحِنَّاءِ، وَلَا نَحْوِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا الْمُقْتَضِي لِتَعْيِينِهَا الْمُوصِلِ إلَى السَّلَمِ فِي مُعَيَّنٍ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ السَّلَمِ كَوْنُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) . ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ عُقِدَ السَّلَمُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ صِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُفْصَلُ فِي مَفْهُومِ هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ كَوْنِ الشَّارِعِ أَوْ الْعَادَةِ عَيَّنَ شَيْئًا خَاصًّا أَوْ لَا.
فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْأَوَّلِ وَيَفْسُدُ فِي الثَّانِي.

(وَ) مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَلَى (أَجَلٍ مَعْلُومٍ) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُّ وَلَا الْمُؤَجَّلُ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَالْأَمْرُ هُنَا لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْأَجَلُ لِلسَّلَامَةِ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَاشْتُرِطَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا لِيُعْلَمَ مِنْهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَالْأَجَلُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ.

(وَ) مِنْ الشُّرُوطِ (تَعْجِيلُ) جَمِيعِ (رَأْسِ الْمَالِ) فِي حَضْرَةِ الْعَقْدِ (أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ (أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى مِثْلِ يَوْمٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ) تَأْخِيرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ (بِشَرْطٍ) ؛ لِأَنَّ مَا قُبِضَ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامِ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ حَيْثُ حَصَلَ الْقَبْضُ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الثَّالِثِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا جَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِقَبْضِ الْبَعْضِ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلَاثًا وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَفِي فَسَادِهِ بِالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا تَرَدُّدٌ وَالرَّاجِحُ الْفَسَادُ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ أَجَلُ السَّلَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَجَلُ السَّلَمِ عَلَى أَقَلَّ بِأَنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ يُقْبَضُ فِي غَيْرِ بَلَدِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقَبْضُ بِالْمَجْلِسِ أَوْ بِالْقُرْبِ بِأَنْ لَا يُؤَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ كَالْيَوْمِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي رَأْسِ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ حَيَوَانًا لَجَازَ تَأْخِيرُهُ وَلَوْ إلَى أَجَلِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَأْخِيرُ حَيَوَانٍ بِلَا شَرْطٍ أَيْ وَأَمَّا بِالشَّرْطِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْعَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا فَقِيلَ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُمَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ مَعَ كَيْلِ الطَّعَامِ، وَإِحْضَارِ الْعَرَضِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَهُمَا وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ.

[أَقَلِّ أَجَلِ السَّلَمِ]

وَلَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الشُّيُوخِ فِي أَقَلِّ أَجَلِ السَّلَمِ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مُخْتَارَهُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) أَقَلُّ (أَجَلِ السَّلَمِ أَحَبُّ إلَيْنَا) عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ (أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) فَأَكْثَرَ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَجَلُ السَّلَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا أَقَلَّ مِنْهَا حَيْثُ كَانَ يُقْبَضُ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَأَنْ يُؤَجَّلَ بِمَعْلُومٍ زَائِدٍ عَلَى نِصْفِ شَهْرٍ، فَذَكَرَ لَفْظَ زَائِدٍ تَأْكِيدًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ أَقَلَّ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ مُخْتَارُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَإِنَّمَا حَدَّ أَقَلَّ الْأَجَلِ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ زَمَنٍ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ غَالِبًا وَيَتَمَكَّنُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ الْأَجَلِ فَمُنْتَهَاهُ مَا لَا يَجُوزُ تَأْجِيلُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَا لَا يَعِيشُ الْبَائِعُ إلَيْهِ غَالِبًا، كَأَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَّا بَعْدَ مِائَتَيْ سَنَةٍ أَوْ سِتِّينَ إنْ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ بِالْمَوْتِ.
(أَوْ) يَكُونُ الْأَجَلُ (عَلَى أَنْ يُقْبَضَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (بِبَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ بَلَدِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي الْأَجَلِ (وَإِنْ كَانَتْ مَسَافَتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْجِيلِ بِالْخَمْسَةَ عَشَرَ إذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ يُقْبَضُ بِبَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مُسْتَثْنِيًا مِنْ التَّحْدِيدِ بِنِصْفِ الشَّهْرِ: إلَّا أَنْ يُقْبَضَ بِبَلَدٍ كَيَوْمَيْنِ فَلَا يُشْتَرَطُ نِصْفُ الشَّهْرِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَسَافَةَ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ: أَنْ يَدْخُلَا عَلَى قَبْضِهِ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ إلَى الْبَلَدِ.
وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ.
وَأَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ الْخُرُوجُ فَوْرًا وَيُخْرَجُ الْمُسَلَّمُ بِالْفِعْلِ.
وَأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ فِي الْبَرِّ أَوْ فِي الْبَحْرِ بِغَيْرِ رِبْحٍ كَالْمُنْحَدَرَيْنِ.
فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ فَلَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ إلَّا بِنِصْفِ الشَّهْرِ فَأَكْثَرَ، وَلَمَّا كَانَ التَّأْجِيلُ لِمَا يُقْبَضُ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ أَقَلُّهُ نِصْفَ الشَّهْرِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ ذَكَرَ بَعْضَهَا مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَسْلَمَ) غَيْرَهُ عَلَى شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ (إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَدَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمُسَلَّمَ (يَقْبِضُهُ) أَيْ الْمُسَلَّمَ فِيهِ الْمَفْهُومُ مَنْ أَسْلَمَ (بِبَلَدٍ أَسْلَمَ فِيهِ فَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ (مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَرَاهَةِ فَقِيلَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالرَّاجِحُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِنِصْفِ الشَّهْرِ إنْ كَانَ يُقْبَضُ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ يُقْبَضُ بِبَلَدٍ عَلَى مَسَافَةٍ كَيَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ فَيَكْفِي مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ ضَعِيفٌ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ تَنْبِيهًا عَلَى الْخِلَافِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَدَّرَ بِالرَّاجِحِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَوْ نَقَصَ الْأَجَلُ عَنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عِنْدَ اشْتِرَاطِهَا يَفْسُدُ عَقْدُ السَّلَمِ وَلَوْ كَانَ الْمَنْقُوصُ يَوْمًا خِلَافًا لِمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
الثَّانِي: إذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ

الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ.

وَلَا يُسْلَمُ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا فِي مِثْلِهِ صِفَةً، وَمِقْدَارًا وَالنَّفْعُ لِلْمُتَسَلِّفِ.

وَلَا يَجُوزُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.

وَتَأْخِيرُ رَأْسِ الْمَالِ بِشَرْطٍ إلَى مَحَلِّ السَّلَمِ أَوْ مَا بَعُدَ مِنْ الْعُقْدَةِ مِنْ ذَلِكَ.

وَلَا

[الفواكه الدواني]

الْأَجَلِ فَسَدَ السَّلَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَبْضِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَجَلٌ مَعْلُومٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ صِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَشَرْنَا لِذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.
1 - الثَّالِثُ: كَمَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ بِالزَّمَانِ يَجُوزُ بِغَيْرِهِ كَقُدُومِ الْحَاجِّ أَوْ الْحَصَادِ أَوْ الدِّرَاسِ، وَيُعْتَبَرُ مِيقَاتُ مُعْظَمِ مَا ذُكِرَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ ذِكْرِ الْعَقْدِ، وَمَا ذَكَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ.

وَلَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يُسَلَّمَ الشَّيْءُ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ اخْتِلَافًا قَوِيًّا قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا سَلَّمَ فِيهِ) كَأَنْ يَدْفَعَ عَرَضًا فِي عَرَضٍ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ حَدِيدًا فِي حَدِيدٍ، أَوْ حَيَوَانًا فِي حَيَوَانٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ فِي مِثْلِهِ قَرْضٌ لَا سَلَمٌ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ شُرُوطِ الْقَرْضِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا تَمَحُّضُ النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ، وَلَا يُنْظَرُ لِلصِّيغَةِ بِلَا قَرْضٍ، وَلَوْ وَقَعَ عَلَى لَفْظِ السَّلَمِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنِ وَلَا نِدَّيْنِ وَلَا شَيْءَ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ.
فَيَجُوزُ سَلَمُ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنْفَعَةِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا يُصَيِّرُ الشَّيْءَ كَالْجِنْسِ الْآخَرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَفْعَ الشَّيْءِ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَعَكْسِهِ مُمْتَنِعٌ وَلَوْ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ وَالنَّقْدَيْنِ، وَالْعِلَّةُ إمَّا سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَقَلَّ أَوْ أَدْنَى، أَوْ تُهْمَةُ ضَمَانٍ يُجْعَلُ إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ أَكْثَرَ أَوْ أَجْوَدَ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ وَالنَّقْدَيْنِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَيَمْتَنِعُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْقَرْضِ فَيَجُوزُ حَيْثُ تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، وَسَيَأْتِي الْإِشَارَةُ لِبَعْضِ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُسْلَمَ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يُسْلَمُ رَقِيقُ ثِيَابِ الْقُطْنِ فِي رَقِيقِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُقَارَبَةَ تُصَيِّرُ الْجِنْسَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُسْلَمُ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَلَعَلَّهُ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي خَلِيلٍ أَنَّ الْجِنْسَيْنِ يَجُوزُ سَلَمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ وَلَوْ تَقَارَبَتْ الْمَنْفَعَةُ فَإِنَّهُ قَالَ مُشَبِّهًا فِي الْجَوَازِ: وَكَالْجِنْسَيْنِ، وَلَوْ تَقَارَبَتْ الْمَنْفَعَةُ كَرَقِيقِ ثِيَابِ الْقُطْنِ فِي رَقِيقِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي غَلِيظِهِ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَلَامُ أَشْهَبَ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِذَا جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَلَوْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ بِالْمَنْفَعَةِ أَوْ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَحَلُّ الْمَنْعِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ الِاخْتِلَافُ، وَإِلَّا جَازَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، وَهُوَ فِي الْحَمِيرِ بِالْفَرَاهَةِ وَهِيَ سُرْعَةُ الْمَشْيِ، فَيَجُوزُ سَلَمُ الْحِمَارِ الْفَارِهِ فِي اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا فَرَاهَةَ فِيهَا، وَالْبِغَالُ مِنْ جِنْسِ الْحَمِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَالِاخْتِلَافُ الْقَوِيُّ فِي الْخَيْلِ بِالسَّبْقِ لَا بِالْهَمْلَجَةِ الَّتِي هِيَ حُسْنُ السَّيْرِ، إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ لَهَا الْبَرْزَنَةُ بِأَنْ يَصِيرَ جَافِي الْأَعْضَاءِ فَيَجُوزُ سَلَمُ الْهِمْلَاجِ الْغَلِيظِ الْأَعْضَاءِ فِي مُتَعَدِّدٍ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي الْجِمَالِ بِكَثْرَةِ الْحَمْلِ، وَفِي الْبَقَرِ بِالْقُوَّةِ عَلَى الْعَمَلِ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ وَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى كَلَامِهِ أَنَّ الْبَقَرَ وَالْجَوَامِيسَ تَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ فِي الْأَمْصَارِ كَمَا تَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْزُ وَالضَّأْنُ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ اخْتِلَافَ الضَّأْنِ بِكَثْرَةِ الصُّوفِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَيَخْتَلِفُ بِبُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْغَزْلِ أَوْ الطَّبْخِ أَوْ الْحِسَابِ أَوْ الْكِتَابَةِ، وَالطَّيْرُ بِالتَّعْلِيمِ لِمَنْفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا بِالْبَيْضِ وَلَا بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا، وَمِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَنْفَعَةِ يَجُوزُ سَلَمُ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ التَّعَدُّدُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ بِمَنْزِلَةِ التَّعَدُّدِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَلَمُ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ وَكَانَ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ عُمُومَ الْمَنْعِ، وَلَوْ عِنْدَ تَسَاوِي الْغَرَضَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ قَرْضًا) وَفِي نُسْخَةٍ شَيْئًا بَدَلَ قَرْضًا (فِي مِثْلِهِ صِفَةً، وَمِقْدَارًا) أَيْ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ.
(وَ) الْحَالُ أَنَّ (النَّفْعَ لِلْمُتَسَلِّفِ) فَقَطْ فَيَجُوزُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ قَرْضٌ وَلَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ وَالنَّقْدَيْنِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْقَرْضِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ الْكَافِيَةُ.

[بَيْع الدِّين بالدين]

ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ مُشَارِكَةٍ لِمَا قَبْلَهَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ وَهِيَ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْكَالِئِ» بِالْهَمْزِ.
قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: وَهُوَ النَّسِيئَةُ أَيْ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ) أَيْ نَسِيئَةٌ بِنَسِيئَةٍ.
فَأَوَّلُ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى شَخْصٍ مِائَةُ شَقَّةٍ

يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ فِي ذِمَّتِهِ فَتَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ لَا تَتَعَجَّلُهُ.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْك حَالًّا.

، وَإِذَا بِعْت سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا تَشْتَرِهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ

[الفواكه الدواني]

مَثَلًا إلَى أَجَلٍ فَتَبِيعُهَا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ بِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ وَيُصَوَّرُ فِي أَرْبَعَةٍ.
وَمِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَلِثَالِثٍ عَلَى رَابِعٍ دَيْنٌ فَبَاعَ كُلٌّ مِنْ صَاحِبَيْ الدَّيْنَيْنِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الَّذِي هُوَ لِلْآخَرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقَدُّمِ عِمَارَةِ ذِمَّةٍ أَوْ ذِمَّتَيْنِ عَلَى الْبَيْعِ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ كَوْنُهُ يُوصِلُ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ الَّتِي يُبْغِضُهَا الشَّارِعُ، وَقِيلَ مَحْضُ تَعَبُّدٍ.

وَثَانِيهَا: ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ تَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَتَأْخِيرُ رَأْسِ الْمَالِ) مُبْتَدَأٌ وَرَأْسُ الْمَالِ مُضَافٌ إلَيْهِ (بِشَرْطٍ إلَى مَحَلِّ السَّلَمِ) أَيْ إلَى حُلُولِهِ (أَوْ) تَأْخِيرُهُ إلَى (مَا بَعُدَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ (مِنْ الْعُقْدَةِ) بِأَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَائِنٌ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ تَأْخِيرِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأٌ، وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِلَا شَرْطٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلَاثًا وَلَوْ بِشَرْطٍ، فَيَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الثَّلَاثِ وَلَوْ قَلِيلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(تَنْبِيهٌ) . فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَالْإِطْلَاقُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى الْعَيْنِ أَشْكَلَ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْمُوهِمِ لِلْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ أَشْكَلَ مَنْطُوقُهُ مَعَ الشَّرْطِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ حُرْمَةُ تَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ بِالشَّرْطِ وَلَوْ حَيَوَانًا، وَأَمَّا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَيَوَانِ، وَلَوْ إلَى حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ، وَأَمَّا الْعَرَضُ وَالطَّعَامُ فَقِيلَ كَذَلِكَ حَيْثُ كِيلَ الطَّعَامُ وَأُحْضِرَ الْعَرَضُ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَقِيلَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ بِشَرْطٍ يُوهِمُ جَوَازَ التَّأْخِيرِ عِنْدَ عَدَمِهِ مُطْلَقًا وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَا بَعُدَ مِنْ الْعُقْدَةِ يُوهِمُ أَنَّ الْقَرِيبَ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَسَّرَ الْقَرِيبُ بِمَا لَمْ يَزِدْ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ ذَلِكَ اتِّكَالًا عَلَى الْمَوْقِفِ، وَلِأَنَّ إطْلَاقَهُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ مَنْطُوقِهِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ بِشَرْطٍ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْعَيْنِ، وَلَا غَيْرِهَا، وَالْمَفْهُومُ عَلَى الْمَوْقِفِ بَيَانُهُ.

وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْأَقْسَامِ، وَهُوَ أَشَدُّهَا حُرْمَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ) وَصَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ) مِنْ الْمَالِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ الْمَدِينِ الْمَفْهُومِ مِنْ لَفْظِ دَيْنٍ (فَتَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ) مُخَالِفٍ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ فِي عَدَدِهِ أَوْ صِفَتِهِ (لَا تَتَعَجَّلُهُ) الْآنَ وَقَدَّرْنَا لَفْظَ مُخَالِفٍ لِفَهْمِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً تَكُونُ غَيْرًا غَالِبًا، وَأَيْضًا لَفْظُ فَسْخٍ يَقْتَضِي الِانْتِقَالَ عَنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ، فَيَشْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا فَفَسَخَهُ فِي عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرَضِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ عَرَضًا وَفَسَخَهُ فِي عَيْنٍ فَيَحْرُمُ أَيْضًا مُطْلَقًا، وَتَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ عَيْنًا وَفَسَخَهَا فِي عَيْنٍ أَجْوَدَ وَأَوْلَى وَأَكْثَرَ.
وَأَمَّا إذَا فَسَخَ الْعَيْنَ فِي عَيْنٍ مِثْلِهَا قَدْرًا وَعَدًّا أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْفَسْخِ عَلَى هَذَا فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَأْخِيرٍ بِالْحَقِّ أَوْ مَعَ حَطِيطَةٍ لِبَعْضِهِ فَفِيهِ ثَوَابٌ.
وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ، وَكَكَالِئٍ بِمِثْلِهِ فُسِخَ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَغَائِبٍ أَوْ مُوَاضَعَةٍ أَوْ مَنَافِعِ عَيْنٍ وَبَيْعُهُ بِدَيْنٍ وَتَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى جَعْلِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ أَقْسَامٌ لِلْكَالِئِ بِالْكَالِئِ الْمُفَسَّرِ بِبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ تَقَسُّمُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُقَسَّمُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ غَيْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِخُصُوصِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُغَايَرَةَ تَحْصُلُ وَلَوْ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَبِمَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ مِمَّنْ وَلِعَ بِأَكْلِ الرِّبَا، وَهِيَ مَا إذَا أَخَذَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ سِلْعَةً فِي دَيْنِهِ ثُمَّ يَرُدُّهَا لَهُ بِشَيْءٍ مُؤَخَّرٍ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَهُوَ أَكْثَرُ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا يُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّهُ فَسَخَ دَيْنَهُ ابْتِدَاءً مِنْ شَيْءٍ لَا يَتَعَجَّلُهُ، وَهُوَ حَقِيقَةُ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَهُوَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الْمَفْسُوخُ فِي مُؤَخَّرٍ قَدْ تَمَّ أَجَلُهُ أَوْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَخَّرَهُ أَزْيَدَ مِنْهُ.
الثَّانِي: إنَّمَا لَمْ يَعْطِفْ الْمُصَنِّفُ فَسْخَ الدَّيْنِ عَلَى سَابِقِهِ بَلْ اسْتَأْنَفَ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ فَسْخَ الدَّيْنِ أَشَدُّ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُرْمَةِ، وَيَلِيهِ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَأَخَفُّهَا ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي رَأْسِ الْمَالِ التَّأْخِيرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ فَسْخُ الدَّيْنِ أَشَدُّ فِي الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَتَحْرِيمُهُمَا بِالسُّنَّةِ.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّلَمَ يَجِبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُؤَجَّلًا شَرَعَ هُنَا فِي مَفْهُومِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْك (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك عَلَى) شَرْطِ (أَنْ

الْأَوَّلِ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ، وَأَمَّا إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ وَتَكُونُ مُقَاصَّةً.

[الْبِيَاعَات الْمُنْهِيَ عَنْهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ]

وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْجُزَافِ

[الفواكه الدواني]

يَكُونَ عَلَيْك) يَا بَائِعَ الشَّيْءِ الَّذِي بِعْته وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَك (حَالًّا) أَيْ مُعَجَّلًا، فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ: بِعْ لِي السِّلْعَةَ الْفُلَانِيَّةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَالِكِهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: بِعْنِي سِلْعَةَ فُلَانٍ، وَمِثْلُ بِعْنِي أُسَلِّمُك عَلَى السِّلْعَةِ الْفُلَانِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَالَّةً عَلَيْك؛ لِأَنَّ السَّلَمَ الْحَالَّ بَاطِلٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ «أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، فَقَالَ حَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي فَأَبْتَاعُ لَهُ مِنْ السُّوقِ، قَالَ: لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» قَالَ الْمَتْيَوِيُّ وَأَشْهَبُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ النَّهْيِ: لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَكَأَنَّهُ أَيْ الْمُشْتَرِي لِتِلْكَ السِّلْعَةِ مِمَّنْ يَبْتَاعُهَا مِنْ الْغَيْرِ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَاشْتَرِ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَك مَا فَضَلَ وَعَلَيْك مَا نَقَصَ، وَفِي هَذَا غَرَرٌ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَيَّنَ لَهُ سِلْعَةَ شَخْصٍ وَقَالَ لَهُ اشْتَرِهَا مِنِّي؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَبِيعُهَا لَهُ وَتَارَةً لَا يَبِيعُهَا، وَعَلَى فَرْضِ بَيْعِهَا لَهُ قَدْ يَكُونُ بِثَمَنٍ مِثْلِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَيُضَيِّعُ عَلَيْهِ الزَّائِدَ، وَهُوَ سَفَهٌ، وَإِنْ بَاعَهَا بِكَثِيرٍ وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِقَلِيلٍ فَيَأْكُلُ الزَّائِدَ بِالْبَاطِلِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَوْضُوعُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى السِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا بَائِعُهَا وَلِذَلِكَ مُنِعَ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ هَذَا مَفْهُومُ السَّلَمِ الْجَائِزِ، وَهُوَ مَا أُجِّلَ فِيهِ الْمُسَلَّمُ فِيهِ، وَهَذَا حَالٌّ وَالسَّلَمُ الْحَالُّ مَمْنُوعٌ، وَأَمَّا لَوْ طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ سِلْعَةً؛ لِيَشْتَرِيَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ فَنَصَّ خَلِيلٌ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةً أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْغَيْرِ وَيَبِيعَهَا بَعْدَ اشْتِرَائِهَا لِطَالِبِهَا وَلَوْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْأُمَّهَاتِ، فَلَا تَتَوَهَّمَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ عَيْنُ كَلَامِ خَلِيلٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا مَوْضُوعًا وَحُكْمًا.
الثَّانِي: قَيَّدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ يَغْلِبُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَغْلِبُ وُجُودُهُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ عَلَى الْحُلُولِ إجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْقَبْضِ وَلَيْسَ سَلَمًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَازَ الشِّرَاءُ مِنْ دَائِمِ الْعَمَلِ كَالْخَبَّازِ وَاللَّحَّامِ بِشَرْطِ وُجُودِهِ عِنْدَهُ، وَحُصُولُ الشُّرُوعِ فِي الْأَخْذِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَشْرَعَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى تَعْجِيلِ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى، وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْدُ الثَّمَنِ؛ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَا سَلَمٌ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِظُهُورِ عِلَّةِ حُرْمَتِهَا، شَرَعَ فِي بِيَاعَاتٍ نُهِيَ عَنْهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَهِيَ بُيُوعُ الْآجَالِ وَحَقِيقَتُهَا بِالْمَعْنَى الْإِضَافِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَجَّلَ ثَمَنُهُ الْعَيْنَ، وَمَا أَجَّلَ ثَمَنُهُ غَيْرَهَا سَلَمٌ، وَحَقِيقَتُهَا بِالْمَعْنَى اللَّقَبِ مَا تَكَرَّرَ فِيهِ بَيْعُ عَاقِدَيْ الْأَوَّلِ وَلَوْ بِغَيْرِ عَيْنٍ قَبْلَ انْقِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَقَعَ لِأَجَلٍ وَاللَّقَبُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ، فَكَانَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ: وَهُوَ عِلْمٌ لِمَا تَكَرَّرَ فِيهِ إلَخْ.
وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ الْمُتَعَاقِدَانِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ، فَمَنَعَهَا مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ فَقَالَ: (وَإِذَا بِعْت) مِنْ شَخْصٍ (سِلْعَةً) عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ (بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ) مَعْلُومٍ كَشَهْرٍ مَثَلًا (فَلَا) يَحِلُّ لَك أَنْ (تَشْتَرِيَهَا) مِمَّنْ اشْتَرَاهَا مِنْك (بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الْيَدِ وَعَادَتْ إلَيْهَا تُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا دَفَعَ قَلِيلًا لِيَأْخُذَ بَدَلَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ.
(وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا أَنْ تَشْتَرِيَهَا مِنْهُ (بِأَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ (إلَى) أَجَلٍ (أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ) الَّذِي اُشْتُرِيَ إلَيْهِ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ يَدْفَعُ عِنْدَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ قَلِيلًا يَأْخُذُ عَنْهُ بَعْدَ الْأَجَلِ الْبَعِيدِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَهَذَا سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَلِذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ لِأَبْعَدَ لَجَازَ، وَبِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ النَّقْدِ وَلِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ أَبْعَدَ بِأَكْثَرَ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) لَوْ اشْتَرَيْت مَا بِعْته مِنْ مُشْتَرِيهِ (إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ) الشِّرَاءُ (كُلُّهُ جَائِزٌ) سَوَاءٌ كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالْعِلَّةِ لِلْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (وَتَكُونُ) أَيْ تُوجَدُ (مُقَاصَّةٌ) أَيْ إنَّمَا جَازَتْ الصُّوَرُ كُلُّهَا عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ؛ لِوُجُودِ الْمُقَاصَّةِ حِينَئِذٍ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطَاهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاقَطَ الثَّمَنَانِ وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّفَاقِ الثَّمَنَيْنِ.
وَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فَعِنْدَ تَمَامِهِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فِي قَدْرِ الْقَلِيلِ، وَيَدْفَعُ الزَّائِدَ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ، فَانْتَفَى ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الْمُوجِبِ لِلْمَنْعِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَرَطَا الْمُقَاصَّةَ فِيمَا أَصْلُهُ مَمْنُوعٌ لَجَازَ، كَشِرَائِهَا بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ، أَوْ بِأَقَلَّ نَقْدًا وَلِدُونِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ ضَابِطَ هَذَا الْبَابِ الْجَائِزِ ابْتِدَاءً لَا يَمْنَعُهُ إلَّا شَرْطُ نَفْيِ الْمُقَاصَّةِ، وَالْمَمْنُوعُ ابْتِدَاءً لَا يُصَيِّرُهُ جَائِزًا إلَّا شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا بِعْت سِلْعَةً فَلَا تَشْتَرِيهَا إلَخْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْك شِرَاءُ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِذَا بَاعَهُ فَرَسًا إلَى أَجَلٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ رَقِيقًا وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَهَا بِهِ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِأَكْثَرَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

لِأَبْعَدَ، وَمِثْلُ شِرَاءِ غَيْرِهَا شِرَاءُ عَيْنِ مَا بَاعَ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ كَثِيرًا فِي جَوَازِ جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مِثْلَهَا مِنْ نَوْعِهَا فَإِنْ كَانَتْ سِلْعَتُهُ مِثْلِيَّةً فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى عَيْنَ مَا بَاعَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَمِثْلِهِ وَالْأَوْلَى كَغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلَّ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، فَالسِّلْعَةُ الْمِثْلِيَّةُ شِرَاؤُهَا أَوْ مِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ فِي امْتِنَاعِ ثَلَاثِ صُوَرٍ، قَبْلَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَهِيَ بِأَقَلَّ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ وَيَجُوزُ مَا عَدَاهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الشِّرَاءُ الثَّانِي بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ زِيدَ عَنْ الثَّلَاثِ الْمَمْنُوعَةِ صُورَتَانِ، وَهُمَا: كَوْنُ الشِّرَاءِ الثَّانِي بِأَقَلَّ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ.
وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مِثْلَ سِلْعَتِهِ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ كَمَا لَوْ كَانَتْ سِلْعَتُهُ فَرَسًا وَاشْتَرَى مِنْهُ فَرَسًا لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ سِلْعَةٍ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا فَتَجُوزُ الصُّوَرُ كُلُّهَا، كَمَا تَجُوزُ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ أَوْ عِنْدَ اتِّفَاقِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ هَذَا الْبَابِ إذَا اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَالْجَوَازُ وَلَا يُنْظَرُ لِاخْتِلَافِ الْأَجَلِ، وَكَذَا إذَا اتَّفَقَ الْأَجَلَانِ فَالْجَوَازُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى اخْتِلَافِ الثَّمَنَيْنِ.
وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ إذَا اخْتَلَفَ الْأَجَلَانِ وَالثَّمَنَانِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الْيَدِ السَّابِقَةِ بِالْعَطَاءِ، فَإِنْ دَفَعَتْ قَلِيلًا وَعَادَ إلَيْهَا كَثِيرٌ فَالْمَنْعُ، وَإِلَّا فَالْجَوَازُ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: فَمَنْ بَاعَ بِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرَضٍ، فَإِمَّا نَقْدًا أَوْ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يَمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا عُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ وَصُوَرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً خَارِجَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعٍ، وَهِيَ صُوَرُ النَّقْدِ، وَلِدُونِ الْأَجَلِ وَلِلْأَجَلِ، وَلِأَبْعَدَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ مِثْلُ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، الْجَائِزُ تِسْعٌ وَالْمُمْتَنِعُ ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلَّ كَشِرَاءِ مَا بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ بِثَمَانِيَةٍ نَقْدًا، أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَبْعَدَ.
(تَنْبِيهٌ) . عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ أَنْ تَكُونَ الْبَيْعَةُ الْأُولَى إلَى أَجَلٍ، وَكَوْنُ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا هُوَ الْبَائِعَ أَوَّلًا أَوْ مَنْ تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ، أَوْ الْبَائِعِ الثَّانِي هُوَ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ أَوْ مَنْ تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَكَوْنُ السِّلْعَةِ الْمُشْتَرَاةِ ثَانِيًا هِيَ الْمُبَاعَةَ أَوَّلًا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْمُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَكِيلُهُ أَوْ عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَوْ الْمَأْذُونُ حَيْثُ كَانَ يَتَّجِرُ لِلسَّيِّدِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَكِيلُ أَوْ الْمُوَكِّلُ بِبَيْعِ الْآخَرِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ بَاعَ السَّيِّدُ ثُمَّ اشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ عَكْسُهُ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ لِأَجَلٍ لِغَيْرِ نَفْسِهِ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَكُرِهَ فَقَطْ، وَمِثْلُ شِرَائِهِ لِابْنِهِ الْمَحْجُورِ شِرَاءُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ.
وَأَمَّا عَكْسُ هَذَا، وَهُوَ شِرَاءُ الْأَجْنَبِيِّ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ أَوْ شِرَاءُ مَحْجُورِهِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلًّا إنَّمَا يَشْتَرِي بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فَهُوَ كَشِرَاءِ الْبَائِعِ لِنَفْسِهِ.
1 - (فَرْعَانِ عَزِيزَانِ مُنَاسِبَانِ لِلْبَابِ) الْأَوَّلُ: مَنْ طَلَبَ مِنْهُ شَخْصٌ دَرَاهِمَ قَرْضًا فَامْتَنَعَ وَدَفَعَ لَهُ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا سِلْعَةً، وَبَعْدَ اشْتِرَائِهَا لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ بَاعَهَا لِطَالِبِ الْقَرْضِ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، فَالظَّاهِرُ أَوْ الْمَجْزُومُ بِهِ حُرْمَةُ هَذَا الْفِعْلِ، وَأَحْرَى فِي الْمَنْعِ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ مِصْرَ تُجَّارُ الْبُنِّ مِنْ بَيْعِهِمْ الْبُنَّ لِشَخْصٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَبِيعُهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ يُعَجِّلُهُ إلَى الْمُشْتَرِي بَلْ هَذَا دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ 1 - الثَّانِي: مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ قَدْ حَلَّ أَجَلُهُ فَطَالَبَهُ بِهِ فَوَجَدَهُ مُعْسِرًا بِجَمِيعِهِ، وَوَجَدَ عِنْدَهُ سِلْعَةً لَا تَفِي بِهِ فَأَخَذَهَا مِنْهُ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ، ثُمَّ بَاعَهَا لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الْيَدِ وَعَادَتْ إلَيْهَا تُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّهُ فَسَخَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ ابْتِدَاءً فَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ.
(خَاتِمَةٌ) . لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَقَعَ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ، بِأَنْ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ، وَمُحَصَّلُهُ: أَنَّ الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ تُفْسَخُ؛ لِأَنَّهَا الْمَمْنُوعَةُ، وَالْأُولَى صَحِيحَةٌ هَذَا إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا يُفْسَخَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ أَوَّلُ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ فَقُلْ إلَّا أَنْ يُفَوِّتَ الثَّانِيَ فَيُفْسَخَانِ، وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ؟ . خِلَافٌ مَحَلُّهُ فِي فَسْخِ الْأَوَّلِ حَيْثُ فَاتَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَهُوَ بَائِعُهَا الْأَوَّلُ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا فَسْخُ الثَّانِي فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ رَوْمًا لِلْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَالَغَ فِي اخْتِصَارِ الْمَسْأَلَةِ.

[بَيْع الجزاف]

وَلَمَّا كَانَ بَيْعُ الْجُزَافِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْجُزَافِ) وَحَقِيقَتُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَهُ أَيْ دُونَ أَنْ يُعْلَمَ بِالْفِعْلِ وَالْأَصْلُ مَعَهُ، وَلَكِنْ خَفَّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ أَوْ قَلَّ جَهْلُهُ، وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُصَادِفَ كَوْنُهُ جُزَافًا، فَلَا يَصِحُّ الْجُزَافُ الْمَدْخُولُ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ لِلْجَزَّارِ أَوْ الْعَطَّارِ أَوْ بَيَّاعِ الْفُولِ: اصْنَعْ لِي كَوْمًا مَثَلًا وَأَنَا أَشْتَرِيهِ مِنْك، أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِ صُبْرَةٍ: امْلَأْ لِي هَذِهِ الْغِرَارَةَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ لِلْجَزَّارِ: اعْطِنِي وَزْنَ هَذَا الْحَجَرِ الْمَجْهُولِ، أَوْ لِلْعَطَّارِ: امْلَأْ هَذِهِ الْوَرَقَةَ فُلْفُلًا مَثَلًا، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْجُزَافِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ مِنْ شِرَاءِ الْفُولِ الْحَارِّ أَوْ الْمِلْحِ أَوْ اللَّبَنِ بِأَنْ يَدْفَعَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي مِقْدَارًا فِي ظَرْفِهِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ.
وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُ مُجَزَّفًا عِنْدَ الْجَزَّارِ أَوْ الْعَطَّارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرَاهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ شِرَائِهِ إنْ كَانَ فِي ظَرْفٍ بِأَنْ يَفْتَحَ وَرَقَةَ الْفُلْفُلِ أَوْ الْبُنِّ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ زِيَادَةً، وَإِلَّا امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي مِنْ الشُّرُوطِ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ حَاضِرًا مَرْئِيًّا، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بَصِيرًا، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى

فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.

سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مَا كَانَ مَسْكُوكًا، وَأَمَّا نِقَارُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَذَلِكَ فِيهِمَا جَائِزٌ.

وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ جُزَافًا، وَلَا مَا يُمْكِنُ عَدَدُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جُزَافًا.

وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ

[الفواكه الدواني]

جُزَافًا وَلَا شِرَاؤُهُ لِاشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ وَلَوْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَيَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِهِ الْمُتَّصِلِ بِبَاقِيهِ كَالصُّبْرَةِ يَرَى ظَاهِرَهَا وَالْغِرَارَةِ وَالْحَاصِلِ الْكَبِيرِ وَكَرُؤْيَةِ بَعْضِ مَغِيبِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ حُضُورُ جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْفَاءِ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ حِرْزِهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ فِي غَيْرِ قِلَالِ الْخَلِّ الْمُطَيَّنَةِ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ يُفْسِدُهَا الْفَتْحُ لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَمْلُوءَةً، أَوْ يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي نَقْصَهَا، وَلَوْ بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ وَصِفَةِ مَا فِيهَا، وَفِي غَيْرِ الثِّمَارِ الْغَائِبَةِ عَنْ بَلَدِ الْعَقْدِ عَلَى مَسِيرَةِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَيُكْتَفَى فِي حِلِّ بَيْعِهَا بِذِكْرِ الصِّفَةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ نَقْدِ الثَّمَنِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهَا، كَمَا إذَا بَعُدَتْ جِدًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَرُهَا يَابِسًا.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكْثُرَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ حِرْزُهُ، وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهُ جُزَافًا وَلَا مَعْدُودًا، وَأَمَّا مَا قَلَّ بِحَيْثُ لَا مَشَقَّةَ فِي ضَبْطِهِ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ فَيَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَعْدُودِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لِلْمُتَبَايِعَيْنِ فَلَوْ عَلِمَاهُ مَعًا لَجَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ بَيْعِ الْجُزَافِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَإِنْ أَعْلَمَ الْعَالِمُ الْجَاهِلَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَسَدَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ يَفْسُدْ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْجَاهِلِ، كَظُهُورِ عَيْبٍ فِي السِّلْعَةِ دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَزْرِ أَوْ يُوَكِّلَا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، وَيُحْرَزُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ.
السَّادِسُ: أَنْ تَسْتَوِيَ أَرْضُهُ بِأَنْ لَا تَكُونَ مُرْتَفِعَةً وَلَا مُنْخَفِضَةً وَيَظْهَرُ كَذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ اسْتِوَاؤُهَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ.
السَّابِعُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمَعْدُودِ أَنْ يَكُونَ فِي عَدِّهِ مَشَقَّةٌ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَأَمَّا الْمَوْزُونُ وَالْمَكِيلُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا بِغَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُمَا الْمَشَقَّةُ لِتَوَقُّفِهِمَا عَنْ مِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مُعْتَادٍ، وَالْعَدُّ يَتَيَسَّرُ غَالِبًا لِكُلِّ أَحَدٍ.
الثَّامِنُ: أَنْ لَا تَتَفَاوَتَ أَفْرَادُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَفَاوُتًا بَيِّنًا بِكَثْرَةِ ثَمَنِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَقِلَّةِ الْبَعْضِ كَالرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ، وَأَمَّا تَفَاوُتُ الثَّمَنِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ فَلَا يُمْنَعُ كَأَثْمَانِ الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ.
التَّاسِعُ: أَنْ لَا يَشْتَرِيَ الْجُزَافَ مَعَ الْكَيْلِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مَعَ خُرُوجِ كُلٍّ عَنْ أَصْلِهِ، بِخِلَافِ لَوْ وَقَعَ كُلٌّ عَلَى الْأَصْلِ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْجَزَّافِينَ وَالْمَكِيلِينَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ مَعَ الْخُرُوجِ عَنْ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ فِي الْحُبُوبِ الْكَيْلُ وَالْأَرْضِ الْجُزَافُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَجُزَافٌ إنْ رَأَى وَلَمْ يَكْثُرْ جِدًّا وَجَهْلًا وَحَزَرًا وَاسْتَوَتْ أَرْضُهُ وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَكُلُّ الشُّرُوطِ لِلصِّحَّةِ سِوَى اسْتِوَاءِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ عِنْدَ تَبَيُّنِ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، وَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ جَازَ مَعَ الْجُزَافِ (فِيمَا يُوزَنُ) كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْبُنِّ (أَوْ يُكَالُ) كَالْحِنْطَةِ وَالْفُولِ، أَوْ يُعَدُّ كَالْبِطِّيخِ وَالسَّمَكِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَا تَتَفَاوَتُ أَثْمَانُ أَفْرَادِهِ أَوْ تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا يَسِيرًا، وَإِنَّمَا أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ الْمَعْدُودَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْمَعْدُودِ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ جُزَافًا، فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ عَلَى حَدِّ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْبَرْدَ، وَالتَّقْدِيرُ هُنَا فِيمَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ أَوْ يُعَدُّ.

وَلَمَّا كَانَ الْمُقَدَّرُ فِي قُوَّةِ الْمَلْفُوظِ بِهِ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَعْدُودَ الْمَسْكُوكَ بِقَوْلِهِ: (سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ) وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ (مَا كَانَ مَسْكُوكًا) فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا جُزَافًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْمَسْكُوكِ جُزَافًا إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهِ عَدَدًا أَوْ عَدَدًا وَوَزْنًا لِقَصْدِ أَفْرَادِهِ حِينَئِذٍ الْمُؤَدِّي لِلْمُخَاطَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ، فَإِنْ انْفَرَدَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ جَازَ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ: وَنَقْدَانِ سَكٍّ وَالتَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ وَإِلَّا جَازَ.
(تَنْبِيهٌ) . فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَسْكُوكِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ اتِّكَالًا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَسْكُوكَ إنَّمَا يَتَعَامَلُ بِهِ عَدَدًا، وَمَفْهُومُ الْمَسْكُوكِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا نِقَارُ) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ فَجَرَاتُ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الشِّرَاءِ جُزَافًا (فِيهِمَا جَائِزٌ) ؛ لِعَدَمِ قَصْدِ الْأَفْرَادِ حِينَئِذٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّبْرَ وَالْحُلِيَّ الْمُكَسَّرَ وَكَذَا الْمَسْكُوكُ الْمُتَعَامَلُ بِهِ وَزْنًا فَقَطْ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَالْفُلُوسُ الْجُدُدُ كَالنَّقْدِ.
(تَنْبِيهٌ) . لَمْ يُبَيِّنْ مَا تُبَاعُ بِهِ النِّقَارُ الْمَذْكُورَةُ إذَا تُعُومِلَ بِهَا وَزْنًا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهَا تُبَاعُ بِالْعُرُوضِ، وَكَذَا بِالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ، وَكَذَا بِجِنْسِهَا بِشَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْوَزْنِ وَالْمُنَاجَزَةِ.

(وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ) وَالْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُقَوَّمَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهَا حَالَ كَوْنِ شِرَائِهَا (جُزَافًا) ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَفْرَادِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا يُؤَدِّي إلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ وَهِيَ حَرَامٌ، وَأَمَّا نَحْوُ الْبِطِّيخِ وَالْأُتْرُجِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَلَا يُمْنَعُ شِرَاؤُهَا جُزَافًا، وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ بَيْعِ الْجُزَافِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ فِي عَدِّ مَا يُعَدُّ ذَكَرَ مَفْهُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ) مَا يُمْكِنُ عَدُّهُ بِلَا مَشَقَّةٍ (جُزَافًا) لِسُهُولَةِ الْعَدِّ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَيَجُوزُ

الْمُبْتَاعُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْإِبَارُ التَّذْكِيرُ، وَإِبَارُ الزَّرْعِ خُرُوجُهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.

وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَا فِي الْعِدْلِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ.

وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ لَا يُنْشَرُ وَلَا

[الفواكه الدواني]

بَيْعُهُمَا جُزَافًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ الْمَشَقَّةُ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى مِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مُعْتَادٍ، وَمِمَّا لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ جُزَافًا مَا لَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ كَحَمَامِ حَيٍّ فِي بُرْجِهِ، وَلَا مَا كَانَ مَدْخُولًا عَلَيْهِ كَامْلَأْ لِي هَذِهِ الْغِرَارَةَ مِنْ ذَلِكَ الْحَبِّ بِدِينَارٍ مَعَ وُجُودِ الْمِكْيَالِ الشَّرْعِيِّ أَوْ الْمُعْتَادِ إلَّا فِي نَحْوِ التِّينِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّ قَفَصَهُمَا كَالْمِكْيَالِ الشَّرْعِيِّ لَهُمَا.

ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفِ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَابِ التَّدَاخُلِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَهَبَ الْمَالِكُ أَوْ يَبِيعَ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا أَوْ يَسْكُتَا عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ أَوْ دُخُولِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنَاءِ يَتَنَاوَلُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ عَلَى الشَّجَرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: تَنَاوُلُ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ الْأَرْضَ وَتَنَاوَلَتْهُمَا وَالْبَذْرَ لَا الزَّرْعَ فَلَا تَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْءٍ مِنْهَا، وَمِثْلُ الزَّرْعِ الْمَدْفُونُ فَلَا تَتَنَاوَلُهُ، وَهُوَ لِلْبَائِعِ إنْ ادَّعَاهُ وَأَشْبَهَ، وَإِلَّا كَانَ لُقَطَةً، وَقَوْلُنَا وَيَسْكُتَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ شَرَطَا هَدْمَ الْبِنَاءِ أَوْ قَطْعَ الشَّجَرِ فَلَا يَتَنَاوَلَانِهَا.
وَالْعَادَةُ كَالشَّرْطِ، وَقَدْ يَقْتَضِي الْعَقْدُ النَّقْصَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا) مُثْمِرًا فَإِنْ كَانَتْ (قَدْ أُبِّرَتْ) كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا (فَثَمَرَتُهَا) بَاقِيَةٌ (لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ) فَتَكُونُ (لَهُ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُشْتَرِي» ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْبُورَةٍ أَوْ أُبِّرَ مِنْهَا دُونَ النِّصْفِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأَصْلِ، وَأَمَّا لَوْ أُبِّرَ نِصْفُهَا لَكَانَ لِكُلٍّ حُكْمُهُ، فَالْمُؤَبَّرُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ.
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْبَائِعِ لِغَيْرِ الْمُؤَبَّرِ، فَصَحَّحَ فِي الشَّامِلِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُبْقًى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَشَهَرَ بَعْضٌ الْمَنْعَ كَمَنْعِ اسْتِثْنَاءِ الْجَنِينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَى.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِأَصْلِهَا، وَاشْتِرَاطُ بَعْضِهَا يَقْتَضِي قَصْدَ بَيْعِهَا لِذَاتِهَا وَعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ.
الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا مُثْمِرًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا نَخْلٌ مُثْمِرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأَرْضِ يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَأَمَّا الثَّمَرُ الَّذِي يَكُونُ مُؤَبَّرًا عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ خَلِيلٌ كَالْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ لَهُ، فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِأَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي قَائِلًا بِأَنَّ تَنَاوُلَ الْأَرْضِ لِأَصْلِهِ يَقْتَضِي تَنَاوُلَهَا لِفَرْعِ الْأَصْلِ بِالْأَوْلَى، وَرَدَّ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» وَأَقُولُ: لَا يَحْسُنُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْعَقْدُ عَلَى ذَاتِ النَّخْلِ، وَفَتْوَى ابْنُ عَتَّابٍ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ لَا ذَاتُ النَّخْلِ وَالْأَرْضُ تَتَنَاوَلُهُ فَكَيْفَ لَا تَتَنَاوَلُ تَمْرَهُ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ سَقْيُ النَّخْلِ الَّذِي ثَمَرُهُ لِلْبَائِعِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى السَّقْيِ.
وَفِي خَلِيلٍ: أَنَّ السَّقْيَ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا لِكُلٍّ السَّقْيُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ.
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ كَوْنِ الثَّمَرِ الْمُؤَبَّرِ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُمْ لَوْ تَنَازَعَا فِي الِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ لَكَانَ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَهُ.
الرَّابِعُ: إنَّمَا أَنَّثَ الْمُصَنِّفُ الضَّمِيرَ الْعَائِدَ عَلَى نَخْلًا فِي قَوْلِهِ: قَدْ أُبِّرَتْ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ وَالنَّخِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَجُوزُ فِي الضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَمِنْهُ: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ النَّخْلِ كَالنَّخْلِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ قَالَ: (وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الثِّمَارِ) كَالْخَوْخِ وَالتِّينِ وَالْعِنَبِ، فَالثَّمَرُ الْمُؤَبَّرُ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْبَائِعُ.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ التَّأْبِيرِ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِبَارُ) مُخْتَلِفٌ فَفِي النَّخْلِ (التَّذْكِيرُ) ، وَهُوَ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى لِئَلَّا تَسْقُطَ ثَمَرَتُهَا وَيُقَالُ لَهُ اللِّقَاحُ، وَقِيلَ شَقُّ الطَّلْعِ عَنْ الثَّمَرَةِ، وَفِي غَيْرِ النَّخْلِ كَالْخَوْخِ وَالتِّينِ أَنْ تُبْرَزَ الثَّمَرَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَتَتَمَيَّزَ بِحَيْثُ تَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ.
(وَإِبَارُ الزَّرْعِ) وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ ذِي الثَّمَرِ كَالْبِرْسِيمِ وَالْقَرَظِ (خُرُوجُهُ مِنْ أَرْضِهِ) فَمَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا ذَاتَ زَرْعٍ ظَاهِرٍ لِلنَّاظِرِ يَكُونُ زَرْعُهَا لِبَائِعِهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، كَمَنْ اشْتَرَى نَخْلًا مُؤَبَّرًا كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ، وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا مَبْذُورَةً لَمْ يَبْرُزْ زَرْعُهَا فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ بَذْرَهَا كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَ) مِثْلُ مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا (مَنْ بَاعَ عَبْدًا) يَمْلِكُ جَمِيعَهُ (وَلَهُ مَالٌ) سِوَى ثِيَابِ مِهْنَتِهِ (فَمَالُهُ) جَمِيعُهُ بَاقٍ (لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) كُلَّهُ (الْمُبْتَاعُ) فَيَكُونَ لَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي» ، وَإِذَا كَانَ مَالُهُ لَا يَتْبَعُهُ فَأَحْرَى وَلَدُهُ.
وَقَوْلُنَا: يَمْلِكُ جَمِيعَهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ، فَإِنَّ مَالَ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ لِمُشْتَرِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ انْتِزَاعُهُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْبَائِعُ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَإِنَّ مَالَهُ يَبْقَى بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ فِي يَوْمِ نَفْسِهِ، وَإِذَا مَاتَ وَرَثَةُ الْمُتَمَسِّكِ بِالرِّقِّ، وَقَوْلُنَا: سِوَى ثِيَابِ مَهْنَتِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ خِدْمَتِهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى ذَاتِ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُهَا، وَاخْتُلِفَ لَوْ شَرَطَهَا الْبَائِعُ هَلْ يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ أَوْ لَا خِلَافَ، وَقَوْلُنَا: كُلُّهُ احْتِرَازٌ عَلَى اشْتِرَاطِ بَعْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، كَمَا لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِ الصُّبْرَةِ أَوْ بَعْضِ الزَّرْعِ أَوْ حِلْيَةِ السَّيْفِ أَوْ أَحَدِ عَبْدَيْنِ يَبِيعُهُمَا وَيَسْتَثْنِي مَالَ أَحَدِهِمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ الْمُرَادُ يَشْتَرِطُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْعَبْدِ؟ . وَالْحُكْمُ الْجَوَازُ فِيهِمَا وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، لَكِنْ فِي اشْتِرَاطِهِ لِلْعَبْدِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي اشْتِرَاطِهِ لِنَفْسِ الْمُشْتَرِي فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَبْدِ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ مَالُهُ، وَأَنْ يَشْتَرِطَهُ جَمِيعَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ، وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ ابْنِ نَاجِي حَيْثُ قَالَ: مَالُ الْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ لِبَيْعِهِ كَالْعَدَمِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ رِبًا وَلَا صَرْفُ مُسْتَأْخِرٍ وَلَا تَفَاضُلٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي سَوَاءٌ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ بِمَالِهِ، أَوْ قَالَ: أَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ وَمَالَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَمَالُهُ مَعَ مَالِهِ، وَصَلَ الْأَقْفَهْسِيُّ بَيْنَ قَوْلِهِ بِمَالِهِ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَشْتَرِيهِ وَمَالَهُ فَيُرَاعَى فِيهِ الرِّبَا، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا لَا يَجُوزُ بِعَيْنٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي عَلَى الْمَعْرُوفِ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُشْتَرَطَ فَإِنَّ الْعَقْدَ يُفْسَخُ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بَاعَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ دَفَعَهُ صَدَاقًا أَوْ خَالَعَتْ بِهِ الزَّوْجَةُ فَمَالُهُ لِلزَّوْجِ فِي الْأُولَى وَلِلزَّوْجَةِ فِي الثَّانِيَةِ، إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَهُ الزَّوْجَةُ فِي الْأُولَى أَوْ الزَّوْجُ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ فَإِنَّ مَالَهُ يَتْبَعُهُ وَلَوْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُنْزَعُ مَالُهُ كَمَا يُشِيرُ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهُ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَقِيلَ مَالُهُ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ لِلْمُعْطَى لَهُ، وَقِيلَ يَبْقَى لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ.
الثَّالِثُ: إسْنَادُ الْمَالِ لِلْعَبْدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْلِكُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ بِدَلِيلِ عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ وَجَوَازِ انْتِزَاعِ السَّيِّدِ لِمَا لَهُ.
الرَّابِعُ: مِثْلُ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَمَالِ الْعَبْدِ فِي كَوْنِهِمَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمَا الْمُشْتَرِي خِلْفَةُ الْقَصِيلِ كَالْقَرَظِ وَالْبِرْسِيمِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُجَدُّ وَيَخْلُفُ كَالْمُلُوخِيَّةِ، فَإِنَّ خِلْفَتَهُ لِبَائِعِهِ حَتَّى يَشْتَرِطَهَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهَا حَيْثُ كَانَتْ فِي أَرْضٍ مَأْمُونَةٍ كَأَرْضِ السَّقْيِ، وَيُشْتَرَطُ جَمِيعُهَا، وَأَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُهَا بِعَدِيدٍ وَصَلَاحِ أَصْلِهَا.
الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ جَوَازِ شِرَاءِ الْمُشْتَرِي لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَائِعِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْخِلْفَةِ أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةً، وَأَنْ يَكُونَ شِرَاؤُهَا قَبْلَ جُذَاذِ أَصْلِهَا؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ حِينَئِذٍ تَابِعٌ.

[الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ]

وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْغَيْبَةِ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ مَنْعُ بَيْعِ مَا فِي الْبَرْنَامَجِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ) وَبَيْعِ (مَا فِي الْعِدْلِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ الثِّيَابِ مُعْتَمَدِينَ (عَلَى الْبَرْنَامَجِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) مَكْتُوبَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْعِدْلِ فَلَا بَأْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَوَازُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ وَعَلَى الْبَرْنَامَجِ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: أَوْ جَازَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ وَكَانَ الْأَصْلُ مَنْعَهُ حَتَّى يُنْظَرَ بِالْعَيْنِ لَكِنَّهُ أُجِيزَ لِمَا فِي حَلِّ الْعِدْلِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ تَلْوِيثِ مَا فِيهِ، وَمُؤْنَةِ شَدِّهِ إلَى أَنْ يَرْضَهُ الْمُشْتَرِي فَأُقِيمَتْ الصِّفَةُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، فَإِنْ وُجِدَ عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ، وَإِلَّا خُيِّرَ الْمُشْتَرِي، وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ بَيَانُ عِدَّةِ الثِّيَابِ وَأَصْنَافِهَا وَذَرْعِهَا وَصِفَتِهَا.
1 - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ تَنَازَعَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِ الْمَتَاعِ وَالْغَيْبَةِ عَلَيْهِ، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثِّيَابَ الَّتِي فِي الْعِدْلِ مُوَافِقَةً لِمَا فِي الدَّفْتَرِ الَّذِي هُوَ الْبَرْنَامَجُ، وَالْحَالُ أَنَّ الدَّفْتَرَ قَدْ ضَاعَ أَوْ حُرِقَ أَوْ كَانَ مَوْجُودًا مَعَهُ، وَادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ مَا أَتَى بِهِ غَيْرَ مَا وَجَدَهُ فِي الْعِدْلِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بَرْنَامَجٍ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ الْمُرَادِ فِي بَيْعِ بَرْنَامَجٍ، فَاللَّامُ بِمَعْنَى فِي، وَصِفَةُ يَمِينِهِ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ مَا فِي الْعِدْلِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْبَرْنَامَجِ، وَحَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى أَنَّ الْبَرْنَامَجَ ضَاعَ أَوْ حُرِقَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
1 - الثَّانِي: لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الثِّيَابَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْبَرْنَامَجِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى خَمْسِينَ ثَوْبًا مَثَلًا فَوَجَدَ زِيَادَةَ ثَوْبٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ الْبَائِعُ شَرِيكًا لِلْمُشْتَرِي بِجُزْءٍ مِنْ

يُوصَفُ.

أَوْ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ لَا يَتَأَمَّلَانِهِ، وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ.

وَلَا يَسُومُ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ

[الفواكه الدواني]

اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا.
وَفِي رِوَايَةٍ: بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا، وَقَوْلُ مَالِكٍ: بِجُزْءٍ مِنْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْحَقُّ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا، وَاعْتَذَرَ ابْنُ اللَّبَّادِ عَنْ مَالِكٍ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ اللِّفَافَةَ فِي الْعَدَدِ، وَإِنْ نَاقَشَ فِيهِ عِيَاضٌ قَائِلًا: اللِّفَافَةُ مَلْغِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ فَهِيَ كَحَبْلِ الشَّدِّ، وَإِنْ وَجَدَ فِيهِ أَقَلَّ بِأَنْ وَجَدَ فِيهِ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَوْبًا وُضِعَ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا، فَإِنْ كَثُرَ النَّقْصُ رَدَّ الْمَبِيعَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ، وَمَحَلُّ الشَّرِكَةِ عِنْدَ الزِّيَادَةِ، وَالْوَضْعُ عِنْدَ ظُهُورِ النَّقْصِ إذَا كَانَ مَا فِي الْعِدْلِ مُتَّحِدِ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ عَشَرَةٌ مِنْ الشَّاشِ وَعَشَرَةٌ مِنْ البفت ثُمَّ وُجِدَتْ الزِّيَادَةُ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَوْ النَّقْصِ لَكَانَ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْوَضْعُ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ فَقَطْ.
الثَّالِثُ: الْبَرْنَامَجِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْعِدْلِ الَّذِي هُوَ الْغِرَارُ.
قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ، بَلْ لَوْ حَفِظَ الْبَائِعُ عَدَدَ الْعِدْلِ وَصِفَتَهُ وَبَاعَهُ عَلَى عَدَدِهِ وَوَصْفِهِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا، وَذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ بَرْنَامَجًا مَصْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْأَعْجَمِيُّ إنَّمَا يُمْنَعُ صَرْفُهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ عَلَمًا فِي اللُّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ.
الرَّابِعُ: مِثْلُ بَائِعِ مَا فِي الْبَرْنَامَجِ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ الصَّيْرَفِيُّ، وَالْمُقْرِضُ يَدَّعِي الْقَابِضَ مِنْهُمَا أَنَّهُ وَجَدَ مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا أَوْ نَاقِصًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا دَفَعْت إلَّا جَيِّدًا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ: وَعَدَمُ دَفْعِ رَدِيءٍ أَوْ نَاقِصٍ، وَصِفَةُ يَمِينِهِ أَنْ يَحْلِفَ مَا يَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَمَا دَفَعْت إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِي، إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَيَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ.

وَلَمَّا كَانَتْ عِلَّةُ جَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ كَثْرَةَ الْمَشَقَّةِ بِحَلِّ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا وَنَشْرِهَا لِكَثْرَتِهَا ذَكَرَ مُحْتَرَزَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ) مَطْوِيٍّ يَشْتَرِطُ بَائِعُهُ عَلَى مُشْتَرِيهِ أَنَّهُ (لَا يُنْشَرُ) لَهُ (وَلَا يُوصَفُ) لَهُ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَا سَبَقَ لَهُ رُؤْيَةٌ بَلْ يَبِيعُهُ عَلَى اللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ لَمْسِهِ بِيَدِهِ وَلَا يُقَلِّبُهُ وَلَا يَعْرِفُ مَا فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ: وَكَمُلَامَسَةِ الثَّوْبِ أَوْ مُنَابَذَتِهِ فَيَلْزَمُ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهُ عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ لَجَازَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَهُ وَلَا جِنْسَهُ.
وَقَوْلُهُمْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ الْعِلْمُ بِالْمَبِيعِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ الْبَتِّ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا يُنْشَرُ وَلَا يُوصَفُ أَنَّهُ لَوْ نُشِرَ لَجَازَ الشِّرَاءُ، وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا لَوْ وُصِفَ فَلَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ فِي الشَّيْرَجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي رُؤْيَتِهِ فَسَادٌ، وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى الْجَوَازِ، كَمَا أَجَازُوا بَيْعَ قِلَالِ الْخَلِّ الْمُطَيَّنَةِ إذَا كَانَ الْفَتْحُ يُفْسِدُهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوءَةً أَوْ يُعْلَمُ مَا نَقَصَ مِنْهَا مِنْ ثُلُثٍ وَنَحْوِهِ، وَيَكْفِي عِلْمُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ مَا فِي الْبَرْنَامَجِ عَلَى الْوَصْفِ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةَ، فَأَوْلَى لِدَفْعِ الْفَسَادِ الْمُؤَدِّي إلَى تَلَفِ الْمَالِ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ.

(أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ (فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ) وَالْحَالُ أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ (لَا يَتَأَمَّلَانِهِ وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اللُّزُومِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى اللُّزُومِ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَدَمُ جَهْلٍ بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنٍ وَلَوْ تَفْصِيلًا، وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ جِنْسَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَا نَوْعَهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ يُوهِمُ أَنَّ الْمُقْمِرَ يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اللُّزُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُقْمِرُ كَالْمُظْلِمِ، وَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ لَفْظِ مُظْلِمٍ أَوْ ذِكْرِ مُقْمِرٍ مَعَ حَذْفِ مُظْلِمٍ لِيَكُونَ نَاصًّا عَلَى الْمُتَوَهِّمِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءٌ بِلَيْلٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ، بَلْ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ نَهَارًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى الْبَتِّ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ فَلَا بُطْلَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَغَائِبٍ: وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: لَا يَتَأَمَّلَانِهِ وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ جَعَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَالتَّعْلِيلِ لِسَابِقِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي اللَّيْلِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ فِي اللَّيْلِ لِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لَيْلًا وَلَوْ تَأَمَّلَاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْأُمَّهَاتِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَبِيعِ لَا تُدْرَكُ لَيْلًا.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْبُرْزُلِيِّ: إذَا كَانَ الْعَاقِدُ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِالْقَمَرِ مِثْلَ النَّهَارِ جَازَ.
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي شَهَادَةٍ.
الثَّالِثُ: إنَّمَا ثَنَّى الضَّمِيرَ فِي يَتَأَمَّلَانِهِ وَيَعْرِفَانِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ الْعِلْمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَالْبَائِعُ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا عِنْدَهُ فَسَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُشْتَرِي لِعِلْمِ الْبَائِعِ بِشَيْئِهِ، وَثُبُوتُ النُّونِ فِي يَتَأَمَّلَانِهِ وَيَعْرِفَانِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ؛ لِأَنَّ لَا نَافِيَةٌ، وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ إسْقَاطِهَا فَهُوَ عَلَى إجْرَاءِ لَا النَّافِيَةِ مَجْرَى النَّاهِيَةِ، أَوْ عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ تَحْذِفُ نُونَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ لِمُجَرَّدِ التَّخْفِيفِ، وَجَاءَ عَلَيْهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَذَلِكَ إذَا رَكَنَا وَتَقَارَبَا لَا فِي أَوَّلِ التَّسَاوُمِ.

وَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ الْمُتَبَايِعَانِ.

وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ.

إذَا ضَرَبَا

[الفواكه الدواني]

أَبَيْتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تُدَلِّكِي ... وَجْهَك بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الزَّكِيّ «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الدَّابَّةَ كَالثَّوْبِ قَالَ: (وَكَذَلِكَ) لَا يَجُوزُ شِرَاءُ (الدَّابَّةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ لَا.
(فِي لَيْلٍ) مُقْمِرٍ وَأَوْلَى (مُظْلِمٍ) عَلَى مَا عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا أَشْهَبُ فَفَصَّلَ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِاللَّيْلِ حَيْثُ كَانَ الْمَقْصُودُ لَحْمَهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِبَارُهُ بِاللَّيْلِ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِاللَّيْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شِرَاءَ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ مِنْ الطُّيُورِ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا اللَّحْمُ، وَمُلَخَّصُ مَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إنْ عَلِمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ إدْرَاكُهُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي النَّهَارِ عَنْ إدْرَاكِهِ لَهُمَا فِي اللَّيْلِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَنَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ» فَالْمُلَامَسَةُ هِيَ لُزُومُ الْمَبِيعِ بِلَمْسِ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ لِآخَرَ وَلَا يَلْمِسَهُ وَلَا يَنْشُرَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِمُجَرَّدِ طَرْحِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ بِحَالِهِ، وَاللُّبْسَتَانِ إحْدَاهُمَا اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقِيهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللُّبْسَةُ الثَّانِيَةُ اخْتِبَاؤُهُ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْخِيَارِ لَجَازَ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَمْرًا مُشَارِكًا لِمَا قَبْلَهُ فِي النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَسُومُ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ صَاحِبِ الْعَطَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِهِ» وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي فَهْمِ الْحَدِيثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ أَنَّ السَّوْمَ وَالْبَيْعَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عَلَى عَطَاءِ الْغَيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُمَا شَيْئَانِ فَالسَّوْمُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ، وَالْبَيْعُ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ السِّلْعَةُ.
وَمِثَالُهُ أَنْ يَحْضُرَ شَخْصٌ لِصَاحِبِ سِلْعَةٍ وَيُرِيدُ شِرَاءَهَا مِنْهُ فَيَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ بِسِلْعَةٍ وَيَقُولُ لِمَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ الْمَذْكُورَ: سِلْعَتِي هَذِهِ خَيْرٌ لَك مِنْ سِلْعَةِ فُلَانٍ الَّتِي أَرَدْت شِرَاءَهَا، وَأَنَا أَرْضَى مِنْك بِمَا أَعْطَيْت فِي سِلْعَةِ فُلَانٍ.
وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّبَاغُضِ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ السَّوْمِ مَشْرُوطَةً بِمَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ رَكَنَ إلَى الْمُشْتَرِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ وَمَحَلُّ حُرْمَةِ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ (إذَا رَكَنَا) أَيْ الْمُتَعَاقِدَانِ أَيْ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَفَسَّرَ التَّرَاكُنَ بِقَوْلِهِ: (وَتَقَارَبَا) بِأَنْ مَالَ الْبَائِعُ إلَى الْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي إلَى الشِّرَاءِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِاللَّفْظِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَطَاءِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ يَعْرِضَ لَهُ سِلْعَةً أُخْرَى يُرَغِّبُهُ فِيهَا حَتَّى يَعْرِضَ عَنْ الْأُولَى، وَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاسِخِينَ، وَبَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا تَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إلَى السَّائِمِ وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ رَكَنَ إلَى الْمُشْتَرِي، فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَيَّنَ مَفْهُومَ إذَا رَكَنَا بِقَوْلِهِ: (لَا مِنْ أَوَّلِ التَّسَاوُمِ) فَلَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَمَّا قَبْلَ التَّرَاكُنِ وَالتَّقَارُبِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَدَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَخْسِهَا وَبَيْعِهَا بِالنَّقْصِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ، وَإِنْ فَهِمَ مِنْ التَّقْيِيدِ رَدًّا عَلَى مَنْ كَرِهَ التَّزَايُدَ فِي السِّلْعَةِ مُطْلَقًا مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِي النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ قَبْلَ التَّرَاكُنِ أَوْ أَرَادَ السَّائِمُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ بِسَوْمِهَا وَالزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِهَا غُرُورَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاجِشًا، وَقَدْ «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَنَاجَشُوا» 1 - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَنْ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ طَلَبَ مُرِيدُ الشِّرَاءِ مِنْ الْغَيْرِ الْكَفَّ عَنْ الْعَطَايَا فِي السِّلْعَةِ لِيَأْخُذَهَا بِرُخْصٍ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ سُؤَالُ الْبَعْضِ لِيَكُفَّ عَنْ الزِّيَادَةِ لَا الْجَمْعِ، وَلَا الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ كَالْجَمْعِ فِي كَوْنِهِ مُقْتَدًى بِهِ، فَإِنْ خَالَفَ الْجَائِزَ وَسَأَلَ مَنْ لَا يَجُوزُ سُؤَالَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ خُيِّرَ الْبَائِعُ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ رَدِّهَا وَعَدَمِهِ، فَإِنْ أَمْضَى بَيْعَهَا فَالْجَمِيعُ فِيهَا شُرَكَاءُ لِتَوَاطُئِهِمْ عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ تَلِفَتْ، وَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ الشَّرِكَةَ إنْ نَقَصَتْ أَوْ تَلِفَتْ، وَلَهُمْ الدُّخُولُ مَعَهُ قَهْرًا عَلَيْهِ إنْ زَادَتْ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهَا فِي سُوقِهَا أَمْ لَا، كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ أَمْ لَا، وَإِنْ فَاتَتْ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ.
الثَّانِي: اسْتَثْنَى بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ السَّوْمِ الْمَذْكُورِ سَوْمَ مَا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ سِلَعِ الْمُفْلِسِ أَوْ مِنْ التَّرِكَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا لِلْأَيْتَامِ، وَكَذَا مَا بِيعَ فِي الْمَغَانِمِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّزَايُدُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرٍ أَعْطَى فِيهِ وَحَصَلَ التَّرَاكُنُ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ قَبُولَ الزِّيَادَةِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

وَيَجُوزُ لِفَاعِلِهَا الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا وَلَا يَدْخُلُ هَذَا تَحْتَ النَّهْيِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ بِأَنْ سَامَ وَزَادَ عَلَى غَيْرِهِ بَعْدَ التَّرَاكُنِ وَوَقَعَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَجَرَى فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى إمْضَائِهِ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَلِمَالِكٍ قَوْلَانِ فِي النَّهْيِ: هَلْ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ؟ وَالْفَسْخُ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؟ وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ، وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ إذَا خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ بَعْدَ التَّرَاكُنِ أَنَّهُ يُفْسَخُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَإِنَّمَا فُسِخَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ حَتَّى يُوجَدَ دَلِيلٌ عَلَى الصِّحَّةِ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا لِدَلِيلٍ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ عَقْدَ مُعَامَلَةٍ أَوْ عِبَادَةٍ، وَقَوْلُهُ: إلَّا لِدَلِيلٍ أَيْ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
الرَّابِعُ: فِي قَوْلِهِ (لَا يَسُومُ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِاللَّفْظِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَا نَاهِيَةٌ وَكَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَ الْوَاوِ مِنْ يَسُومُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا وَقَعَ فِي لَفْظِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا يَسُمْ الرَّجُلُ» بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَثَانِيهِمَا التَّقْيِيدُ بِأَخِيهِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْمُسْلِمِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الذِّمِّيُّ كَذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ أَذَى الْجَمِيعِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَجْرَى النَّهْيَ مَجْرَى الْخَبَرِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْأَخِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَوْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَا أَرَادَهُ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ فَقَالَ: (وَالْبَيْعُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَشَرْعًا (يَنْعَقِدُ) أَيْ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ حَقِيقَتِهِ (بِالْكَلَامِ) وَكَذَا بِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَلَوْ الْإِشَارَةُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ، إلَّا الْأَخْرَسَ الْأَعْمَى الْأَصَمَّ فَلَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ، وَلَا مُنَاكَحَتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ وَبِبِعْنِي فَيَقُولُ: بِعْت وَبَايَعْت أَوْ بِعْتُك وَيَرْضَى الْآخَرُ فِيهِمَا، وَيَلْزَمُ مِنْ لَفْظٍ بِالْمُضَارِعِ ابْتِدَاءٌ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ وَيَرْضَى الْآخَرُ، فَإِنْ قَالَ الْبَادِئُ بَعْدَ رِضَا الْآخَرِ: لَمْ أَرْضَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ، وَإِلَّا لَزِمَ إنْ قَالَ: أَبِيعُكهَا بِكَذَا أَوْ أَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ أَوْ أَتَسَوَّقُ بِهَا، فَقَالَ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِمِائَةٍ، فَقَالَ: أَخَذْتهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْمَاضِي أَوْ الْأَمْرِ أَوْ الْمُضَارِعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا تَقَدُّمُ الْإِيجَابِ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا يَنْعَقِدُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذَكَرْنَا لِدَفْعِ إشْكَالٍ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ، فَكَيْفَ يَقُولُ الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ تَمْيِيزُ الْعَاقِدِ، وَشَرْطَ لُزُومِهِ تَكْلِيفُهُ، فَعَقْدُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ كَعَقْدِ الْمُكْرَهِ إكْرَاهًا حَرَامًا، ثُمَّ إنْ وَقَعَ عَلَى خِيَارِ التَّرَوِّي وَلَوْ بِالْعَادَةِ كَانَ مُنْحَلًّا وَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ بِمُضِيِّ مُدَّتِهِ، وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الْغَدِ وَالْغَدَاءَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ وَرُدَّ فِي كَالْغُدُوِّ إنْ وَقَعَ بَتًّا كَانَ لَازِمًا بِمُجَرَّدِهِ حَيْثُ صَدَرَ مِنْ مُكَلَّفَيْنِ رَشِيدَيْنِ.
(وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ الْمُتَبَايِعَانِ) تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالتَّاءِ لَا بِالْهَمْزَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ «خَبَرُ الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» ، فَمَالِكٌ، وَمَنْ وَافَقَهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِظَاهِرِهِ وَحُمِلَ التَّفَرُّقُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ، وَأَنَّهُمَا إذَا عَقَدَا الْبَيْعَ، وَلَمْ يَذْكُرَا خِيَارًا وَلَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِهِ يَقَعُ الْبَيْعُ لَازِمًا وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا خِيَارٌ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحَامِلَ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْبَابِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.

[بَاب الْإِجَارَة]

[حُكْم الْإِجَارَة]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الذَّوَاتِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْمَنَافِعِ فَقَالَ: (وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ) قَالَ خَلِيلٌ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَجْرِ بِمَعْنَى الثَّوَابِ، يُقَالُ: اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ عَلَى عَمَلٍ بِأَجْرٍ أَيْ بِثَوَابٍ يُعْطِيهِ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: بَيْعُ مَنْفَعَةٍ مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ غَيْرَ سَفِينَةٍ وَلَا حَيَوَانٍ لَا يَعْقِلُ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا، فَخَرَجَ بَيْعُ مَنْفَعَةِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالدَّوَابِّ فَلَا يُسَمَّى إجَارَةً، وَإِنَّمَا يُسَمَّى كِرَاءً، كَمَا خَرَجَتْ الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ، وَالضَّمِيرُ فِي بَعْضِهِ لِلْعِوَضِ وَفِي تَبْعِيضِهَا لِلْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا زَادَ لَفْظَةَ بَعْضِهِ؛ لِيَدْخُلَ فِي التَّعْرِيفِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27] الْآيَةَ.
لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ إجَارَةٌ وَعِوَضَهَا الْبُضْعُ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَوْ حَذَفَهَا لَصَارَ التَّعْرِيفُ غَيْرَ جَامِعٍ، وَجَوَازُهَا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ، فَذَكَرَ تَأْجِيلَ الْإِجَارَةِ وَسَمَّى عِوَضَهَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَقَوْلُهُ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى

لَهَا أَجَلًا وَسَمَّيَا الثَّمَنَ

وَلَا يُضْرَبُ فِي الْجُعْلِ أَجَلٌ فِي رَدِّ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بَيْعِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ.

وَلَا شَيْءَ

[الفواكه الدواني]

بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِيهِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَحَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَهَا خَمْسَةٌ: الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالصِّيغَةُ وَالْأُجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ.
أَمَّا الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَشَرْطُ صِحَّةِ عَقْدِهِمَا التَّمْيِيزُ، وَشَرْطُ لُزُومِهِ التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ، فَعَقْدُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ عَلَى سِلَعِهِمَا أَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمَا صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَلِوَلِيِّهَا فَسْخُهُ وَإِمْضَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَكَذَا إنَّ عَقْدَ السَّفِيهِ أَوْ الْمُكْرَهِ إكْرَاهًا حَرَامًا يَكُونُ لِوَلِيِّ السَّفِيهِ وَلِلْمُكْرَهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ الْإِجَازَةُ أَوْ الْفَسْخُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْدُ السَّفِيهِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي إجَارَتِهِ نَفْسَهُ مُحَابَاةٌ.
1 - وَأَمَّا صِيغَةُ الْإِجَارَةِ فَهِيَ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَهِيَ كُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْجُمْلَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْجُمْلَةِ لِئَلَّا نَنْتَقِضَ الْكُلِّيَّةَ بِالطَّعَامِ، وَمِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ لِصِحَّةِ كَوْنِهِمَا ثَمَنًا، وَعَدَمُ صِحَّةِ كَوْنِهِمَا أُجْرَةَ الْأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ، وَيَجِبُ تَعْجِيلُهَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَجَّلَ إنْ عَيَّنَ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا إلَّا كُرَى حَجٍّ فَالْيَسِيرُ وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ فَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَهِيَ مَا لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ حِسًّا دُونَ إضَافَةٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ غَيْرَ جُزْءٍ مِمَّا أُضِيفَ إلَيْهِ.
وَقَالَ خَلِيلٌ بِمَنْفَعَةٍ تَتَقَوَّمُ قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ قَصْدًا، فَلَا تُسْتَأْجَرُ التُّفَّاحَةُ لِشَمِّهَا؛ لِأَنَّ تَأَثُّرَهَا لَيْسَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُرُورِ الزَّمَانِ، وَلَا الْأَعْمَى لِلْخَطِّ، وَلَا الْأَخْرَسُ لِلْكَلَامِ، وَلَا الْأَرْضُ الَّتِي غَمَرَهَا الْمَاءُ وَلَا يُمْكِنُ انْكِشَافُهَا، وَلَا الْفَقِيهُ لِإِخْرَاجِ الْجَانِّ أَوْ لِحَلِّ الْمَرْبُوطِ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا الْأَشْجَارُ لِثِمَارِهَا، وَلَا الشَّاةُ لِلَبَنِهَا لِأَدَائِهِ إلَى بَيْعِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَلَا الْحَائِضُ لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ بِنَفْسِهَا، وَلَا عَلَى فِعْلِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ كَصَلَاةِ الْوِتْرِ أَوْ الصَّوْمِ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ.

[شُرُوط الْإِجَارَة]

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى شُرُوطِهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا وَسَمَّيَا الثَّمَنَ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَجَلُهَا مَعْلُومًا بِشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ، أَوْ تَكُونَ مَحْدُودَةً بِعَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ كِتَابَةِ كُرَّاسٍ.
وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ مَعْلُومًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَوْ بِالْعُرْفِ، كَأُجْرَةِ الْخِيَاطَةِ أَوْ صَبْغِ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا تَخْتَلِفُ أُجْرَتُهُ عُرْفًا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَمَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الذَّاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لِتَعْلِيمِهَا أَوْ لِرُكُوبِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَيْنُ مُتَعَلِّمٍ وَرَضِيعٍ وَدَارٍ وَحَانُوتٍ وَبِنَاءٍ عَلَى جُدْرَانٍ، وَمَحْمَلٍ إنْ لَمْ تُوصَفْ وَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ، وَإِنْ ضُمِنَتْ فَجِنْسٌ وَنَوْعٌ وَذُكُورَةٌ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِالْأَجَلِ فِيمَا لَا تُعْرَفُ غَايَتُهُ إلَّا بِانْتِهَاءِ الْأَجَلِ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الرِّعَايَةِ أَوْ الْحَرْثِ، وَأَمَّا مَا غَايَتُهُ الْفَرَاغُ مِنْهُ كَالْخِيَاطَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالصَّبْغِ فَيَكْفِي تَعْيِينُ الْعَمَلِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ عِنْدَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا وَتَسَاوَيَا أَوْ مُطْلَقًا خِلَافٌ.
الثَّانِي: مَا قَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ بَيَانٌ لِحُكْمِهَا الْأَصْلِيِّ وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً، مِثْلُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِلْإِمَامَةِ أَوْ لِلْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ أَوْ لِذِمِّيٍّ لَا يَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ مَذَلَّةٌ، وَقَدْ تَكُونُ مُحَرَّمَةً مِثْلُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِذِمِّيٍّ يَنَالُهُ بِذَلِكَ مَذَلَّةٌ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِمَعْرُوفٍ بِالْغَصْبِ، وَكَذَا كُلُّ إجَارَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِعْلٌ مُحَرَّمٌ.
1 - وَلَمَّا كَانَ الْجُعْلُ مُشَارِكًا لِلْإِجَارَةِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدٌ عَلَى عَمَلِ آدَمِيٍّ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْ مَحَلِّهِ بِهِ لَا يَجِبُ إلَّا بِتَمَامِهِ، فَخَرَجَ الْعَقْدُ عَلَى كِرَاءِ السُّفُنِ وَالرَّوَاحِلِ وَالْأَرَضِينَ كَمَا خَرَجَتْ الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ وَشَرِكَةُ الْحَرْثِ، وَزَادَ لَفْظُهُ بِهِ لِيَدْخُلَ: إنْ أَتَيْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَمَلُهُ شَهْرًا مَثَلًا، فَإِنَّهُ جُعْلٌ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لِلْجَهْلِ بِالْعِوَضِ، وَلَوْ سَقَطَ لَفْظَةُ بِهِ لَخَرَجَتْ لِمُشَارَكَتِهَا لِلْقِرَاضِ فِيمَا خَرَجَ بِهِ؛ لِأَنَّ عِوَضَهَا نَشَأَ عَنْ مَحَلِّ الْعَمَلِ، وَالضَّمِيرُ فِي مَحَلِّهِ عَائِدٌ عَلَى عَمَلِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ كَذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعِوَضَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْخُوذٍ عَنْ مَحَلِّ الْعَمَلِ بِسَبَبِ عَمَلِ عَامِلِهِ فَدَخَلَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ عِوَضَهَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ عَمَلِ عَامِلِهَا بَلْ أُخِذَ مِنْ عَمَلِ مَحَلِّهَا لَا بِسَبَبِ عَمَلِ عَامِلِهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى إخْرَاجِهَا مَعَ كَوْنِهَا فَاسِدَةً؛ لِأَنَّ التَّعَارِيفَ لِمُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ الشَّامِلَةِ لِلْفَاسِدَةِ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] فَجُعِلَ لِمَنْ جَاءَ بِصُوَاعِ الْمَلِكِ الَّذِي فَقَدُوهُ حِمْلُ بَعِيرٍ مِنْ الطَّعَامِ وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهُ مُدَّةً، وَأَمَّا السُّنَّةُ «فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَقِصَّةُ الرَّهْطِ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لُدِغَ سَيِّدُهُمْ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سُفْرَةٍ سَافِرُوهَا حَتَّى

لَهُ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ.

وَالْأَجِيرُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَبِعْ وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَإِنْ بَاعَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ

[الفواكه الدواني]

نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا عِنْدَنَا لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَقَدْ سَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ قَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ الْفَاتِحَةَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ يَمْشِي، وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ أَيْ عِلَّةٌ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ.
فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا» يَرُدُّ عَلَى مَنْ نَظَرَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقَضِيَّةِ الرَّهْطِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ إيَّاهُ بِالضِّيَافَةِ، كَمَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «، وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ» مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَا أَخَذُوهُ فِي نَظِيرِ الرُّقْيَةِ لَا الضِّيَافَةِ، وَقَدْ مَضَى عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ.
1 - وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ أَرْكَانَهُ، وَهِيَ أَرْبَعٌ: الْعَاقِدَانِ وَالْعَمَلُ وَالْعِوَضُ، وَأَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ بِالتَّمَامِ، فَشَرْطُ الْعَاقِدِ التَّأَهُّلُ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ صِحَّةً وَلُزُومًا، وَشَرْطُ الْجُعْلِ بِمَعْنَى الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصِحُّ كَوْنُهُ أُجْرَةً، وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُجَاعَلُ عَلَيْهِ فَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَذَلِكَ كَحَفْرِ بِئْرٍ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ عُيِّنَ فِيهَا مِقْدَارٌ مَخْصُوصٌ مِنْ الْأَذْرُعِ كَانَ إجَارَةً، وَإِنْ عَاقَدَهُ عَلَى إخْرَاجِ الْمَاءِ كَانَ جُعْلًا، وَبَعْضُهُ مِمَّا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَذَلِكَ كَالْمُعَاقَدَةِ عَلَى إحْضَارِ عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا يُجْهَلُ فِيهِ الْعَمَلُ، وَبَعْضُهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجَعَالَةُ وَتَتَعَيَّنُ الْإِجَارَةُ، وَذَلِكَ كَالْمُعَاقَدَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَاعِلِ كَحَفْرِ بِئْرٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَمَامِ الْعَمَلِ يَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا مَعَ انْتِفَاعِ الْجَاعِلِ بِعَمَلِهِ، فَبَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْجُعْلِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ عَلَى التَّحْقِيقِ، خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ: فِي كُلِّ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْإِجَارَةُ.

وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْجُعْلِ عَدَمَ تَقْدِيرِ زَمَنٍ لِلْعَمَلِ قَالَ: (وَلَا يُضْرَبُ فِي الْجُعْلِ أَجَلٌ) أَيْ يَحْرُمُ أَنْ يُقَدَّرَ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ (فِي رَدِّ) رَقِيقٍ (آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ) فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ جَاعَلَهُ عَلَى إخْرَاجِ مَائِهَا.
(أَوْ) فِي (بَيْعِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْغَرَرِ، إذْ رُبَّمَا يَنْقَضِي الْأَجَلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا، أَوْ يَتِمُّ الْعَمَلُ قَبْلَ انْقِضَائِهِ فَيَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْجُعْلَ كَامِلًا؛ لِتَمَامِ الْعَمَلِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّةِ الْأَجَلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ شَرَطَ عَلَى الْجَاعِلِ التَّرْكَ مَتَى شَاءَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ضَرْبُ الْأَجَلِ حِينَئِذٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِلَا تَقْدِيرِ زَمَنٍ إلَّا بِشَرْطِ تَرْكِهِ مَتَى شَاءَ، وَلَا يُقَالُ: شَأْنُ الْجُعْلِ أَنَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ التَّرْكَ مَتَى شَاءَ فَلِمَ امْتَنَعَ مَعَ تَقْدِيرِ الزَّمَنِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ تَخْيِيرٍ فِي التَّرْكِ وَجَازَ مَعَ الِاشْتِرَاطِ؟ . لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَجْعُولُ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ دَخَلَ عَلَى التَّمَامِ فَغَرَرُهُ قَوِيٌّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ وَعِنْدَ الشَّرْطِ يَخِفُّ غَرَرُهُ لِدُخُولِهِ ابْتِدَاءً عَلَى التَّخْيِيرِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الْأَجَلِ فِي عَقْدِ الْجُعْلِ لَا يَجُوزُ شَرْطُ نَقْدِ الْعِوَضِ، وَإِذَا وَقَعَ ضَرْبُ الْأَجَلِ فِي عَقْدِهِ أَوْ شُرِطَ نَقْدُ الْعِوَضِ فَسَدَ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ، وَيَجِبُ فِيهِ إنْ تَمَّ الْعَمَلُ جُعْلُ الْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ لَهُ الْجُعْلَ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ فَيَكُونُ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الْفَاسِدِ جُعْلُ مِثْلِهِ إلَّا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا فَأُجْرَتُهُ.
الثَّانِي: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَعَالَةَ كَالْإِجَارَةِ فِي الْعَاقِدِ وَالْعِوَضِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إيقَاعُ الْعَقْدِ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، بَلْ يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْجُعْلَ، وَإِنْ لَمْ يُعَاقِدْهُ رَبُّ الشَّيْءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ جُعْلَ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَهُ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ مَتَى أَحْضَرَ الْعَبْدَ الْآبِقَ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ، سَوَاءٌ وَقَعَ مِنْ رَبِّهِ الِالْتِزَامُ أَوْ لَمْ يَقَعْ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِهِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهُ بِطَلَبِ الْإِبَاقِ فَإِنَّمَا لَهُ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْآبِقِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ لَا نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهَا عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى رَبِّ الْآبِقِ.
الثَّالِثُ: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْجُعْلِ إذَا كَانَ الْمُجَاعَلُ عَلَيْهِ عَبْدًا آبِقًا أَوْ بَعِيرًا شَارِدًا جُهِلَ مَكَانُهُ، فَإِنْ عَلِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا مَكَانَهُ فُسِخَ الْعَقْدُ، فَإِنْ تَمَّ الْعَمَلُ فَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ الْجَاهِلَ وَالْجَاهِلُ الْعَامِلَ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْجُعْلِ وَأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَإِنْ انْفَرَدَ الْمَجْعُولُ لَهُ بِالْعِلْمِ فَلَا شَيْءَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَهُ بِقَدْرِ تَعَبِهِ، وَالْقَوْلُ لِمَنْ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ مِنْهُمَا.
الرَّابِعُ: لَوْ أَعْطَى شَخْصٌ غَيْرَهُ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ وَقَالَ لَهُ: لَا تَبِعْهُ حَتَّى تُشَاوِرنِي لَمْ يَجُزْ إنْ ضَرَبَا لِلْبَيْعِ أَجَلًا؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ يَفْسُدُ بِضَرْبِ الْأَجَلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ تَسْمِيَةُ الثَّمَنِ وَالتَّفْوِيضُ إلَى الْبَائِعِ فِي بَيْعِهِ مَتَى شَاءَ.

وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ عَاقِدِ الْجُعْلِ كَعَاقِدِ الْإِجَارَةِ تَبْعِيضُ الْعِوَضِ كَالْأُجْرَةِ قَالَهُ: (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ) لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَأَمَّا إنْ تَمَّ

نِصْفُ الْإِجَارَةِ.

وَالْكِرَاءُ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ.

وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا إلَى بَلَدٍ فَمَاتَتْ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَقِيَ.

[الفواكه الدواني]

الْعَمَلُ فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ الْمُسَمَّى لَهُ وَجُعْلَ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ تَسْمِيَةٌ حَيْثُ كَانَتْ عَادَتُهُ الْإِتْيَانَ بِالْآبِقِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الشَّيْءَ الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِ رَبِّهِ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِحُرِّيَّةٍ، وَلَا يَرْجِعُ الْجَاعِلُ بِالْجُعْلِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ هُوَ الَّذِي وَرَّطَ الْعَامِلَ فِي الْعَمَلِ مِثْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِلِ فِي تَحْصِيلِهِ بِخِلَافِ مَوْتِهِ قَبْلَ قَبْضِ رَبِّهِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ، وَمِثْلُ الْمَوْتِ فِي تَفْصِيلِهِ لَوْ هَرَبَ الْعَبْدُ أَوْ أُسِرَ أَوْ غُصِبَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يَغْلِبُ كَوْنُهُ نَاشِئًا عَنْ عَدَاءِ الْجَاعِلِ، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْعَامِلِ لَا شَيْءَ لَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ رَبُّ الشَّيْءِ بِعَمَلِهِ، وَإِلَّا اسْتَحَقَّ بِنِسْبَةِ عَمَلِ الثَّانِي.
قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَبُّهُ عَلَى التَّمَامِ، فَبِنِسْبَةِ عَمَلِ الثَّانِي سَوَاءٌ عَمِلَ عَمَلَ الثَّانِي قَدْرَ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ جَعَلَ لِلْأَوَّلِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَلَى حَمْلِ خَشَبَةٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَبَلَّغَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ مَثَلًا وَتَرَكَهَا ثُمَّ جَعَلَ لِآخَرَ عَشَرَةً عَلَى تَبْلِيغِهَا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَوَّلُ عَشَرَةً، وَهَكَذَا وَلَا مَفْهُومَ لِلِاسْتِئْجَارِ، بَلْ لَوْ بَلَّغَهَا رَبُّهَا أَوْ شَخْصٌ آخَرُ مَجَّانًا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَوَّلُ بِنِسْبَةِ عَمَلِ مَنْ يُتِمُّهُ أَنْ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِعَمَلِهِ، رَاجِعْ شَرْحَ خَلِيلٍ لِلْعَلَّامَةِ الْأُجْهُورِيِّ.
1 - (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عَقْدُ الْجُعْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ مُنْحَلٌّ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ وَالْجَاعِلِ، وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَلَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْجَاعِلِ، وَمُنْحَلٌّ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَاعِلِ مُلْتَزِمُ عَقْدِ الْجُعْلِ، وَلَوْ عَقَدَهُ وَكِيلُهُ.
الثَّانِي: إنَّمَا يَصِحُّ عَقْدُ الْجُعْلِ فِيمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ، فَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَلَا يَصِحُّ مُجَاعَلَتُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي جَارِيَتِي وَلَك كَذَا أَوْ مِنْ أُؤَجِّرُهُ نَفْسِي فَدَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِدْلَالُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لِي أَتَزَوَّجُهَا وَلَك كَذَا فَدَلَّهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي أَوْ يَسْتَأْجِرُ، وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَنْ تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ فِي لُزُومِ الْعِوَضِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وُقُوعُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ، وَهُوَ التَّفْتِيشُ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي أَوْ يَسْتَأْجِرُ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ، وَهُوَ النَّصِيحَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَنْصَحَهُ صَارَتْ النَّصِيحَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُ عِوَضٍ فِي وَاجِبٍ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا كَانَ الْجُعْلُ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِلُ إلَّا بِالتَّمَامِ، وَالْإِجَارَةُ تُخَالِفُهُ قَالَ: (وَالْأَجِيرُ عَلَى الْبَيْعِ) أَيْ عَلَى السَّمْسَرَةِ عَلَى أَثْوَابٍ أَوْ دَوَابَّ أَوْ عَبِيدٍ مَعْلُومَةٍ فِي أَجَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ (إذَا تَمَّ) أَيْ انْقَضَى (الْأَجَلُ وَلَمْ يَبِعْ) شَيْئًا مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى بَيْعِهِ (وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ) الْمُشْتَرَطِ أَوْ الْمَعْرُوفِ لَهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ اسْتَوْفَى مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ النِّدَاءُ عَلَى السِّلَعِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
(وَ) أَمَّا (إنْ بَاعَ) الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى بَيْعِهِ (فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ نِصْفُ الْإِجَارَةِ) أَوْ فِي رُبُعِ الْأَجَلِ فَلَهُ رُبُعُ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي مُقَابَلَةِ مَا يُعَادِلُهُ وَيُقَابِلُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّعْرِيفِ: يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْإِجَارَةِ فِي كَلَامِهِ الْأَجْرُ الَّذِي هُوَ الْعِوَضُ، وَحَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى السَّمْسَرَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى نَفْسِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْأَجِيرَ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ شَيْئًا إلَّا بِالْبَيْعِ، وَقَيَّدْنَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُعَيَّنَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا عَلَى بَيْعِ سِلَعٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ شَهْرًا مَثَلًا، وَأَحْضَرَ لَهُ شَيْئًا فَبَاعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ فَلْيَأْتِهِ بِمَتَاعٍ آخَرَ يَبِيعُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ أَوْ يَدْفَعَ لَهُ جَمِيعَ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلِهِ شَهْرًا.
1 - وَقَالَ التَّتَّائِيُّ: (فَرْعٌ) لَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا وَقَالَ لَهُ: لَا تَبِعْ حَتَّى تُسَاوِرَنِي لَمْ يَجُزْ، قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ الْجَوَازِ شِدَّةُ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَاوَرَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُجِيزَ فَيَأْخُذَ الْأُجْرَةَ وَتَارَةً لَا يُجِيزُ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا.
(تَنْبِيهٌ) . ظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا الْبَيَانِ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِجَارَةِ لَا فِي الْجُعْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إذَا تَمَّ الْأَجَلُ، وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ الْإِجَارَةَ تُخَالِفُ الْجُعْلَ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: انْتِقَالُ الْإِجَارَةِ إلَى الْأَجَلِ دُونَ الْجُعْلِ.
الثَّانِي: الْجُعْلُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ تَتَبَعَّضُ الْأُجْرَةُ غَالِبًا بِتَبْعِيضِ الْمَنْفَعَةِ.
الثَّالِثُ: لُزُومُ الْإِجَارَةِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شُرُوعٌ فِي الْعَمَلِ، بِخِلَافِ الْجُعْلِ فَإِنَّهُ مُنْحَلٌّ مِنْ جِهَتِهِمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَبَعْدَهُ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْجَاعِلِ دُونَ الْعَامِلِ.

[الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ الدَّوَابِّ]

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ وَلَازِمَةٌ وَكَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْغَالِبِ فِي بَيْعِ مَنْفَعَةِ الْعَاقِلِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ الدَّوَابِّ وَيُقَالُ لَهُ كِرَاءً مُضَمَّنًا لَهُ بَيَانُ شَرْطِ الْعِوَضِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ: (وَالْكِرَاءُ) بِالْمَدِّ، وَهُوَ بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يَعْقِلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، بِخِلَافِ بَيْعِ مَنْفَعَةِ الْعَاقِلِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى إجَارَةً، وَهَذِهِ تَفْرِقَةٌ لِلْفُقَهَاءِ، وَهِيَ غَيْرُ مُلْتَزِمَةِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ كُلًّا عَلَى الْآخَرِ كَمَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ كَانَتْ مِنْ عَاقِلٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ) مِنْ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ وَالْعِوَضِ الْمُسْتَوْفِي لِلشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ

وَكَذَلِكَ الْأَجِيرُ يَمُوتُ، وَالدَّارُ تَنْهَدِمُ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ.

وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الْمُعَلِّمِ الْقُرْآنَ عَلَى الْحُذَّاقِ.

، وَمُشَارَطَةِ

[الفواكه الدواني]

مَقْدُورًا عَلَيْهِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ.
(وَ) فِيمَا (يَحْرُمُ) مِنْ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَوْ مَجْهُولًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْكِرَاءَ بِمَعْنَى بَيْعِ الْمَنَافِعِ كَالْبَيْعِ فِي الشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ.
ثُمَّ قَالَ: وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ.
1 - (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَرْضِ بِطَعَامٍ وَبِمَا تُنْبِتُهُ، وَإِنْ غَيْرَ خَشَبٍ، وَلَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْخَشَبِ وَالْحَلْفَاءِ وَالْحَشِيشِ، فَالْكُلِّيَّةُ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ لِصِحَّةِ وُقُوعِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَثْمَانًا، وَلَا يَصِحُّ دَفْعُهَا كِرَاءً لِأَرْضِ الزِّرَاعَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ، فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَكُونُ الثَّمَنُ فِيهَا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ وَيَكُونُ الْعَقْدُ مُمْتَنِعًا كَالْبَيْعِ عِنْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، فَقَوْلُهُ كَالْبَيْعِ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَ.
الثَّانِي: إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكِرَاءِ يُوهِمُ مُسَاوَاتَهُ لِلْبَيْعِ فِي كُلِّ الْوُجُوهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْكِرَاءَ فِي نَحْوِ الدَّابَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً أَيْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ عَقْدُ الْكِرَاءِ فِي زَمَنٍ إبَّانَ الْكِرَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْكِرَاءِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْمَنْفَعَةِ.
وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ قَبْلَ الْإِبَّانِ كَوُقُوعِ الْعَقْدِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِالنِّسْبَةِ لَهُ لَا بِهِ الْحَجُّ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ نَحْوِ الدِّينَارِ أَوْ الدِّينَارَيْنِ، وَلَا يَجِبُ تَعْجِيلُ الْجَمِيعِ لِئَلَّا تَهْرُبَ أَصْحَابُ الْإِبِلِ، فَهَذِهِ الصُّوَرُ تُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَجِبُ فِيهِ تَعْجِيلُ كُلِّ الْمُثَمَّنِ أَوْ كُلُّ الثَّمَنِ كَمَا فِي السَّلَمِ هُرُوبًا مِنْ ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
ثَانِيهِمَا: أَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ مُعَيَّنَةً فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ إنْ حَصَلَ الشُّرُوعُ فِي الرُّكُوبِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَأَخَّرَ يَسِيرًا كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ الشُّرُوعُ فَوْقَ الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ كَانَ بِالنَّقْدِ لَمْ يَجُزْ؛ لِتَرَدُّدِ الْمَنْقُودِ بَيْنَ الثَّمَنِيَّةِ وَالسَّلَفِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ فَيَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا إذَا هَلَكَتْ مِنْ رَبِّهَا، وَهَذِهِ أَيْضًا يُخَالِفُ فِيهَا عَقْدُ الْكِرَاءِ الْمَبِيعَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ الْمُعَيَّنَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَبْضِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُنَا فِي الْكِرَاءِ تَأْخِيرَ قَبْضِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ لِكِرَائِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ حَاضِرَةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِي الذَّاتِ الْمُشْتَرَاةِ فِي غَيْبَتِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ بِتَلَفِهِ فَقَالَ: (وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا) بِأَنْ تَكُونَ حَاضِرَةً، وَأَشَارَ إلَيْهَا (إلَى بَلَدٍ) أَيْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ (فَمَاتَتْ) أَوْ تَعَذَّرَ سَيْرُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْمَسَافَةِ بِأَرْضِ نَزْوٍ بِهَا أَوْ غُصِبَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ سَيْرُهَا مَعَهُ (انْفَسَخَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَقِيَ) وَيَرْجِعَانِ لِلْمُحَاسَبَةِ، فَعَلَى الْمُكْتَرِي بِحِسَابِ مَا سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ بِأَنْ تُقَوَّمَ الْمَسَافَةُ كُلُّهَا فَيُقَالَ: بِكَمْ تُكْرَى فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ؟ فَيُقَالُ: عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يُقَالُ: مَا قِيمَةُ هَذَا الَّذِي سَارَهُ مِنْهَا؟ فَإِذَا قِيلَ: خَمْسَةُ دَنَانِيرَ فَتَنْسُبُهَا لِلْعَشَرَةِ فَتَجِدُهَا نِصْفَهَا فَيَرْجِعُ صَاحِبُهَا عَلَى الْمُكْتَرِي بِنِصْفِ الْكِرَاءِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ انْفَسَخَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى أَخْذِ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ الرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ الْهَالِكَةِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ أَوْ نُقِدَ أَوْ اُضْطُرَّ فَيَجُوزُ، كَمَا إذَا كَانَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَعْتَبٍ بِأَنْ لَا يَجِدَ فِيهِ مَا يَكْتَرِيهِ، فَإِنْ نَقَدَ وَلَمْ يَحْصُلْ اضْطِرَارٌ فَلَا يَجُوزُ الرِّضَى بِبَدَلِ الْمُعَيَّنَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي مَنَافِعَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا، وَهِيَ مَنَافِعُ الْمَأْخُوذِ بَدَلًا، وَلَا يُقَالُ: الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ أَخْذِ الْبَدَلِ مَعَ الِاضْطِرَارِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَثِيرًا مَا يُبَاحُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا لِلضَّرُورَةِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَسَيَأْتِي مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِعَيْنِهَا أَنَّ الْمَضْمُونَةَ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُعَيَّنْ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ بِأَنْ قَالَ: أَكْتَرِي مِنْك دَابَّةً أَوْ دَابَّتَك وَلَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَمُشَاهَدَةً وَلَكِنْ لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: دَابَّتَك الْفُلَانِيَّةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ لَهُ سِوَاهَا لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهَا، وَيَلْزَمُ الْمُكْرِيَ أَنْ يَأْتِيَ لِلْمُكْتَرِي بِبَدَلِهَا كَمَا يَأْتِي.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ (الْأَجِيرُ) الْمُسْتَأْجَرَةُ عَيْنُهُ لِخِدْمَةِ بَيْتٍ أَوْ رِعَايَةِ غَنَمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُدَّةً مَعْلُومَةً.
(يَمُوتُ) أَوْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِي الْمُدَّةِ وَلَهُ بِحِسَابٍ مَا عَمِلَ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا الْمُسْتَأْجَرَةُ عَيْنُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ فَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَلِّي أَمْرِ التَّرِكَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا مَنْ يُتِمُّ الْعَمَلَ.
(وَ) كَذَلِكَ (الدَّارُ) الْمُعَيَّنَةُ تُكْتَرَى مُدَّةً مَعْلُومَةً (تَنْهَدِمُ) كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا أَوْ يَتَعَذَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِسَبَبِ غَصْبٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ) فَإِنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ يُفْسَخُ وَيَرْجِعَانِ لِلْمُحَاسَبَةِ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ تُسْتَوْفَى مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِهَا، بِخِلَافِ الذَّاتِ الَّتِي تُسْتَوْفَى بِهَا الْمَنْفَعَةُ، كَالرَّاكِبِ لِلدَّابَّةِ أَوْ السَّاكِنِ فِي الدَّارِ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ لَا بِهِ إلَّا صَبِيٌّ تَعَلَّمَ وَرَضَعَ وَفَرَسُ نَزْوٍ وَرُوِّضَ.
وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ بَعْضُ مَسَائِلَ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِهَا، وَهِيَ مِمَّا تُسْتَوْفَى بِهِ، مِنْهَا الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى حَصْدِ زَرْعٍ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ سِوَاهُ فَاحْتَرَقَ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

أَوْ عَلَى بِنَاءِ حَائِطٍ أَوْ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ نَسْجِهِ فَغَرِقَتْ الدَّارُ ذَاتُ الْحَائِطِ وَحُرِقَ الثَّوْبُ وَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَأْجِرِ سِوَى مَا ذُكِرَ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِي هَذِهِ الْمُلْحَقَاتِ، وَقَيَّدْنَا انْهِدَامَ الدَّارِ بِكُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ الْمُنْهَدِمُ مِنْهَا شَيْئًا خَفِيفًا بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ كَهَدْمِ شُرَّافَةٍ فَإِنَّهُ كَالْعَدَمِ، وَأَمَّا لَوْ انْهَدَمَ مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهَدْمِهِ الضَّرَرُ عَلَى السَّاكِنِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخِ الْكِرَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَدْفَعُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ مَا سَكَنَ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَمِرَّ سَاكِنًا وَيَدْفَعَ جَمِيعَ الْكِرَاءِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا النَّقْصُ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَلَا يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ لِلْمُكْتَرِي وَيَلْزَمُهُ السُّكْنَى وَيُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ النَّقْصِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَادِثَ فِي الدَّارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَقَدْ بَيَّنَّا أَحْكَامَهَا.
(تَنْبِيهٌ) . لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ مَا لَوْ طَلَبَ الْمُكْتَرِي مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يُصْلِحَهَا لَهُ بَعْدَ حُصُولِ انْهِدَامِهَا، وَالْحُكْمُ عَدَمُ الْجَبْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يُجْبَرْ مُؤَجِّرٌ عَلَى إصْلَاحٍ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ الِانْهِدَامُ يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ وَخِيَرَتُهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ، فَإِنْ أَصْلَحَهَا الْمُكْتَرِي مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّبَرُّعِ وَلَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ مَنْقُوضًا أَوْ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ أَنْقَاضِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ وَقْفًا فَيَلْزَمُ الْمُكْرِيَ الْإِصْلَاحُ لِحَقِّ الْوَقْفِ، وَإِنْ أَصْلَحَهَا الْمُكْتَرِي مِنْ مَالِهِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ قَائِمًا، وَلَوْ أَصْلَحَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِإِذْنٍ مِنْ النَّاظِرِ حَيْثُ أَصْلَحَ مَا يَحْتَاجُ لِلْإِصْلَاحِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَيَنْبَغِي أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنْ فَائِضِ الْوَقْفِ، وَإِلَّا فَمِنْ غَلَّتِهِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.

[الْإِجَارَةُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ]

وَلَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مُخْتَارَ إمَامِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الْمُعَلِّمِ الْقُرْآنَ) بِأُجْرَةٍ (عَلَى الْحُذَّاقِ) أَيْ عَلَى الْحِفْظِ لِلْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحُذَّاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِفْظِ غَيْبًا أَوْ مَعْرِفَةِ قِرَاءَتِهِ بِالْحَاضِرِ، كَمَا يَقَعُ لِلْأَعَاجِمِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ فِي الْمُصْحَفِ.
قَالَ خَلِيلٌ: عَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ مُشَاهِرَةً أَوْ عَلَى الْحُذَّاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَالْكِتَابَةَ بِأُجْرَةٍ، وَاحْتَرَزَ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ كَالنَّحْوِ وَالْأُصُولِ وَالْفَرَائِضِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ مَا ذُكِرَ مَكْرُوهَةٌ.
وَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بَيْنَ جَوَازِهَا عَلَى الْقُرْآنِ وَكَرَاهَتِهَا عَلَى تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، بِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنَّ فِيهِ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، وَأَيْضًا تَعْلِيمُ الْفِقْهِ بِأُجْرَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ يُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ طَالِبِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا يَسْتَحِقُّ الْمُعَلِّمُ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ لَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَذَاقَةَ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْإِصْرَافَةِ إنْ اُشْتُرِطَتْ أَوْ جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ، وَيُقْضَى لِلْمُعَلِّمِ بِهَا عَلَى الْأَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اُشْتُرِطَ عَدَمُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَخَذَهَا، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ، كَمَا قَالَ شُرَّاحُهُ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْحَذَاقَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْإِصْرَافَةِ وَلَا حَدَّ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالرُّجُوعُ فِيهَا إلَى حَالِ الْأَبِ مِنْ يُسْرٍ وَعُسْرٍ، وَيُنْظَرُ فِيهَا أَيْضًا إلَى حَالِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ كَانَ حَافِظًا كَثُرَتْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَمَحَلُّهَا مِنْ السُّوَرِ مَا تَقَرَّرَ بِهِ الْعُرْفُ نَحْوُ: " وَالضُّحَى " وَ " سَبِّحْ " وَ " عَمَّ " وَ " تَبَارَكَ " فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَبُ وَلَدَهُ مِنْ عِنْدِ الْمُعَلِّمِ قَبْلَ وُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي إلَيْهَا يَسِيرًا لَزِمَتْ الْأَبَ، وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْ إلَّا بِشَرْطٍ فَيَلْزَمُ مِنْهَا بِحَسَبِ مَا مَضَى، وَلَا يُقْضَى بِهَا فِي مِثْلِ الْأَعْيَادِ، وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ، وَإِذَا مَاتَ الْأَبُ أَوْ الْوَلَدُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهَا سَقَطَتْ، كَمَا تَسْقُطُ إذَا مَاتَ الْمُعَلِّمُ وَلَا طَلَبَ لِوَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنْ لَا بَأْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادُ بِهِ الْجَوَازُ بِمَعْنَى إلَّا إذَا، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْإِجَارَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ الْمَذْكُورِ، إمَّا لِنَفْسِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، أَوْ لِتَعْلِيمِ الصَّبِيِّ الَّذِي فِي كَنَفِهِ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ خَادِمِهِ، وَمِثْلُهُمَا لِزَوْجِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُعَلِّمَ نَحْوَ الصَّبِيِّ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ وَفِي الرَّسُولِ، وَكَذَا سَائِرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَكَذَا مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَطَهَارَتِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُصَلِّي بِهِ مِنْ فَاتِحَةٍ، وَيُسَنُّ تَعْلِيمُهُ مَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَمَنْدُوبٌ، وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ مَا يَشْمَلُ الْقَاضِيَ، فَإِنَّهُ كَالْأَبِ عِنْدَ فَقْدِهِ وَفَقْدِ الْوَصِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّالِثُ: كَمَا يُقْضَى لِلْمُعَلِّمِ بِالْإِصْرَافَةِ زِيَادَةً عَلَى الْأُجْرَةِ، يُطْلَبُ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ تَعْلِيمُهُ الْأَدَبَ وَلَوْ بِالضَّرْبِ عَلَى مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنْ نَحْوِ سَبٍّ وَكَذِبٍ وَسَرِقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ فِعْلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، كَمَا يَضْرِبُهُ عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ الْمَكْتَبِ، وَيَرْجِعُ فِي الضَّرْبِ وَالتَّأْدِيبِ إلَى اجْتِهَادِ الْمُعَلِّمِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّمِينَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَلِيَ تَعْلِيمَهُمْ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ تَعْلِيمَ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَجُرُّ إلَى الْفَسَادِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيمِ وَفِي التَّعْلِيمِ وَفِي صِفَةِ جُلُوسِهِمْ عِنْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ

الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ.

وَلَا يُنْتَقَضُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الرَّاكِبِ أَوْ السَّاكِنِ.

وَلَا بِمَوْتِ غَنَمِ الرِّعَايَةِ وَلْيَأْتِ بِمِثْلِهَا

، وَمَنْ اكْتَرَى

[الفواكه الدواني]

لَهُ تَفْضِيلُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ هَدِيَّتِهِمْ أَوْ يَسْتَخْدِمُهُمْ أَوْ يُرْسِلُهُمْ إلَى نَحْوِ جِنَازَةٍ أَوْ مَوْلُودٍ لِيَقُولُوا شَيْئًا وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ مَا يُدْفَعُ لَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَإِمَامَتِهِ.
إلَّا مَا فَضَلَ مِنْ غِذَائِهِمْ مِمَّا تَسْمَحُ بِهِ النُّفُوسُ غَالِبًا، وَإِلَّا مَا كَانَ مِنْ الْخِدْمَةِ مُعْتَادًا، وَخَفَّ بِحَيْثُ لَا يَشْغَلُ الْوَلَدَ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ تَرْكُ تَعْلِيمِهِمْ فِي نَحْوِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ لِئَلَّا تَسْأَمَ أَنْفُسُهُمْ بِدَوَامِ التَّعْلِيمِ.

وَلَمَّا كَانَتْ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ عَلَى الْحُذَّاقِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ إلَّا بِالتَّمَامِ ذَكَرَهَا عَقِبَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ جَائِزَةٌ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ مُعَاقَدَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَإِذَا بَرِئَ الْمَرِيضُ أَخَذَهَا الطَّبِيبُ، وَإِلَّا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الدَّوَاءِ مِنْ عِنْدِ الْعَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ عِنْدِ الطَّبِيبِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ بَرِئَ الْعَلِيلُ يَدْفَعُ الْأُجْرَةَ وَثَمَنَ الدَّوَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ يَدْفَعُ لَهُ قِيمَةَ الدَّوَاءِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ تِلْكَ الصُّورَةُ لِأَدَائِهَا إلَى اجْتِمَاعِ جُعْلٍ وَبَيْعٍ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعَاقَدَةَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الْبُرْءِ وَعَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ وَكِرَاءِ السَّفِينَةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَهِيَ إعْطَاءُ الرَّجُلِ أَرْضَهُ لِمَنْ يَغْرِسُ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْجَارِ، وَإِذَا بَلَغَتْ حَدًّا مَعْرُوفًا تَصِيرُ الْأَرْضُ وَالْأَشْجَارُ بَيْنَهُمَا مُشَابِهَةً لِلْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعَامِلُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ شَابَهَتْ الْجَعَالَةَ، وَلَمَّا كَانَ إذَا تَرَكَ الْأَوَّلَ وَكَمَّلَ غَيْرُهُ الْعَمَلَ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِحِسَابِهِ لَا بِنِسْبَةِ الثَّانِي شَابَهَتْ الْإِجَارَةَ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِتَرَدُّدِ الْمَنْقُودِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَوْضُوعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا تَعَاقَدَ عَلَى شَرْطِ حُصُولِ الْبُرْءِ.
1 - وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْمُدَاوَاةِ فِي زَمَنِ الْمَرَضِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، وَهُوَ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى مُدَاوَاتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَإِنْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ وَبَرِئَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَهُ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا، وَإِنْ بَرِئَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ نِصْفُ الْأُجْرَةِ وَالدَّوَاءِ مِنْ عِنْدِ الْعَلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِاحْتِمَالِ الْبُرْءِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَتَكُونُ سَلَفًا.
وَقِسْمَانِ فِيهِمَا خِلَافٌ.
أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَاقِدَهُ عَلَى أَنْ يُدَاوِيَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إلَّا أَنَّ الدَّوَاءَ مِنْ عِنْدِ الطَّبِيبِ فَقِيلَ يَجُوزُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الْجُعْلِ وَالْبَيْعِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَعَاقِدُك بِكَذَا عَلَى عِلَاجِ هَذَا الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ، فَإِنْ بَرِئَ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَكُونُ الدَّوَاءُ مِنْ عِنْدِ الطَّبِيبِ، فَقِيلَ يَجُوزُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي تُسْتَوْفَى مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ شَخْصًا، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ التَّعَذُّرُ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنْفَعَةُ مِنْ رَاكِبٍ أَوْ سَاكِنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُنْتَقَضُ) أَيْ لَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ (الْكِرَاءِ بِمَوْتٍ) أَوْ تَعَذُّرِ (الرَّاكِبِ) لِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ (أَوْ السَّاكِنِ) الْمُكْتَرِي لِلدَّارِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ الرَّاكِبُ عَرُوسًا يُزَفُّ عَلَى الْمَرْكُوبِ فِي زَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيَلْزَمُ وَارِثَ الْمَيِّتِ الْخَلَفُ أَوْ يَدْفَعُ جَمِيعَ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ، وَمَنْ مَعَهُ مِمَّا يُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنْفَعَةُ وَالْإِجَارَةُ لَا تَنْفَسِخُ بِتَلَفِهِ، وَأَمَّا لَوْ اكْتَرَى الدَّابَّةَ لِيُزَفَّ عَلَيْهَا الْعَرُوسُ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْ كِرَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ اخْتِيَارًا لَزِمَ الْكِرَاءُ، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِهِ.

(وَلَا) يُنْتَقَضُ الْكِرَاءُ أَيْضًا (بِمَوْتِ غَنَمِ) أَيْ مَاشِيَةِ (الرِّعَايَةِ وَلْيَأْتِ) رَبُّهَا لِلرَّاعِي (بِمِثْلِهَا) ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ مِمَّا تُسْتَوْفَى بِهَا الْمَنْفَعَةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ الْخَلَفِ سَوَاءٌ شَرَطَا ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَمْ لَا، كَانَتْ الْغَنَمُ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَتْ صَحِيحَةً، وَإِلَّا فَلَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى رِعَايَةِ نَحْوِ الْغَنَمِ فِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى رِعَايَتِهَا إلَّا بِشَرْطِ أَنَّ كُلَّ مَا مَاتَ أَوْ سُرِقَ مِنْهَا يَخْلُفُهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا الْخَلَفَ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ وَتُفْسَخُ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى رَعْيِهَا وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْخَلَفُ، وَيَلْزَمُ رَبَّهَا الْخَلَفُ أَوْ دَفْعُ جَمِيعِ الْكِرَاءِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْخَلَفَ وَاجِبٌ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا حَيْثُ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً، فَإِنْ عُقِدَتْ عَلَى شَرْطِ الْخَلَفِ عِنْدَ تَعَيُّنِهَا أَوْ بِغَيْرِ الْخَلَفِ عِنْدَ عَدَمِ تَعَيُّنِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ رَبُّهَا مِنْ الْخَلَفِ لَزِمَهُ دَفْعُ جَمِيعِ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا الْفَاسِدَةُ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا خَلَفٌ لِوُجُوبِ فَسْخِهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ بِمِثْلِهَا أَنَّهُ لَوْ أَخْلَفَ الْغَنَمَ بِغَيْرِهَا كَبَقَرٍ أَوْ مَعْزٍ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ ابْتِدَاءً عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ، وَأَتَى لَهُ بِمَعْزٍ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِمَا فِي رَعْيِهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ رَعْيُ أَوْلَادِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رَعْيِهِ إلَّا لِعُرْفٍ كَمَا هُوَ الْآنَ، وَحَيْثُ لَا عُرْفَ يَلْزَمُ رَبَّهَا الْإِتْيَانُ بِرَاعٍ لَهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْعَاهَا مَعَ الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ رَعْيَ الْوَلَدِ مَعَ الْأُمِّ يُتْعِبُ رَاعِيَ الْأُمِّ لَا لِحُرْمَةِ التَّفْرِقَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْعَاقِلِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى رِعَايَةِ عَدَدٍ مِنْ الْغَنَمِ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِهَا وَلَا بَيَانِ عَدَدِهَا بِأَنْ قَالَ: أَسْتَأْجِرُك عَلَى أَنْ تَرْعَى لِي غَنَمًا، فَإِنَّ هَذَا الْعَقْدَ جَائِزٌ وَيَأْتِي لَهُ بِمَا

كِرَاءً مَضْمُونًا فَمَاتَتْ الدَّابَّةُ فَلْيَأْتِ بِغَيْرِهَا.

مَاتَ الرَّاكِبُ لِلدَّابَّةِ أَوْ السَّفِينَةِ وَإِنْ مَاتَ الرَّاكِبُ لَمْ يَنْفَسِخْ الْكِرَاءُ وَلْيَكْتَرُوا مَكَانَهُ غَيْرَهُ.

وَمَنْ اكْتَرَى مَاعُونًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي هَلَاكِهِ بِيَدِهِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ.

وَالصُّنَّاعُ ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ عَمِلُوهُ

[الفواكه الدواني]

يَقْدِرُ عَلَى رَعْيِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ جَمِيعَ مَنَافِعِهِ، وَلَيْسَ لِلرَّاعِي أَنْ يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ عَدَمَ رَعْيِ غَيْرِهَا، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ الْأَجْرُ لِرَبِّ الْغَنَمِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا فَالشَّرْطُ لَازِمٌ، فَإِنْ خَالَفَ وَرَعَى مَعَهَا غَيْرَهَا فَالْأَجْرُ لِرَبِّ الْغَنَمِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ عَدَمَ رَعْيِ غَيْرِهَا فَيَجُوزُ لَهُ إنْ كَانَ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ بِشَرِيكٍ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَيْسَ لِرَاعٍ رَعْيُ أُخْرَى إلَّا بِمُشَارِكٍ أَوْ ثِقَلٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ خِلَافَهُ، وَإِلَّا فَأَجْرُهُ لِمُسْتَأْجَرِهِ كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ آجَرَ نَفْسَهُ.
الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِلرَّاعِي أَنْ يَأْتِيَ بِرَاعٍ بَدَلَهُ حَيْثُ كَانَ مُعَيَّنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ.
(تَتِمَّةٌ) . لَوْ مَاتَتْ الْغَنَمُ أَوْ سُرِقَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا مَلَكَ مِنْ الْغَنَمِ وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ تَوَلَّى الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ كَمُكْتَرِي الدَّابَّةِ أَوْ الْبَيْتِ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، فِيمَا إذَا ذُبِحَ مِنْهَا شَيْئًا وَادَّعَى خَوْفَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَذْبَحْهَا يَضْمَنُ حَيْثُ ظَهَرَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ، وَالْكَلَامُ فِي الرَّاعِي الْمُكَلَّفِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَقْرَضَ أَوْ أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ: وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الرِّعَايَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّأْمِينِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ الْمُعَيَّنَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اكْتَرَى) دَابَّةً أَوْ سَفِينَةً (كِرَاءً مَضْمُونًا) ، وَهُوَ مَا لَمْ تُعَيَّنْ فِيهِ الدَّابَّةُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا مَعَ حُضُورِهَا بِأَنْ قَالَ: أَكَتْرِي مِنْك دَابَّةً أَوْ سَفِينَةً أَوْ دَابَّتَك أَوْ سَفِينَتَك، وَلَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً بِالْمَجْلِسِ حَيْثُ لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَلَوْ كَانَ يَعْرِفُهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ تَعَيُّنِهَا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ بَيَانِ جِنْسِهَا وَنَوْعِهَا وَذُكُورَتِهَا وَأُنُوثَتِهَا حَتَّى يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا (فَمَاتَتْ الدَّابَّةُ) الْمَضْمُونَةُ أَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ (فَلْيَأْتِ) الْمُكْرِي قَهْرًا عَلَيْهِ لِلْمُكْتَرِي (بِغَيْرِهَا) لِعَدَمِ فَسْخِ الْكِرَاءِ بِمَوْتِهِ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّةِ الْمُكْرِي لَا بِعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّهَا كَالْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يُقَالُ: الدَّابَّةُ تُسْتَوْفَى مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ وَالْكِرَاءُ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الِاسْتِيفَاءُ مِنْ نَوْعِهَا لَا مِنْ عَيْنِهَا وَشَخْصِهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ مَنْفَعَةِ الذَّاتِ الْمَضْمُونَةِ فِي الذِّمَّةِ وَكَوْنِ الْمُكْرِي إذَا أَتَى بِدَابَّةٍ لِلْمُكْتَرِي وَرَكِبَهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ غَيْرِهَا،؛ لِأَنَّهُ بِرُكُوبِهِ عَلَيْهَا اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهَا، حَتَّى لَوْ فَلِسَ الْمُكْرِي بَعْدَ قَبْضِهَا يَكُونُ الْمُكْتَرِي أَحَقَّ بِهَا إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ لِصَيْرُورَتِهَا كَالْمُعَيَّنَةِ بِرُكُوبِهِ عَلَيْهَا.

وَلَمَّا كَانَ الرَّاكِبُ مِمَّا تُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنْفَعَةُ وَالْإِجَارَةُ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ الرَّاكِبُ) لِلدَّابَّةِ أَوْ السَّفِينَةِ (لَمْ يَنْفَسِخْ الْكِرَاءُ) بِمَوْتِهِ (وَلْيَكْتَرُوا) أَيْ وَرَثَةُ الرَّاكِبِ أَوْ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَرَثَةٌ (مَكَانَهُ غَيْرَهُ) مِمَّا هُوَ مُسَاوٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ دُونَهُ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ مَاتَ الرَّاكِبُ إلَخْ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: وَلَا يُنْتَقَضُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الرَّاكِبِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ارْتَكَبَ ذَلِكَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَلْيَكْتَرُوا مَكَانَهُ غَيْرَهُ.
(تَنْبِيهٌ) . لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الرَّاكِبِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ عِنْدَ عَقْدِ الْكِرَاءِ بَلْ يَصِحُّ عَقْدُ الْكِرَاءِ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْفَادِحُ، وَهُوَ الْعَظِيمُ الثَّقِيلُ، وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ الْمَعْرُوفُ بِكَثْرَةِ النَّوْمِ أَوْ بِعَقْرِ الدَّوَابِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَقِيلًا، وَالْأُنْثَى لَيْسَتْ مِنْ الْفَادِحِ مُطْلَقًا، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ وَأَتَاهُ بِامْرَأَةٍ لَزِمَهُ حَمْلُهَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ ثَقِيلَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى حَمْلِ رَجُلٍ فَأَتَى لَهُ بِامْرَأَةٍ فَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ حَمْلِهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِهِ، وَمَا لَا تَنْفَسِخُ بِتَلَفِهِ، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَأْجِرُ عِنْدَ تَلَفِهِ، وَمَا لَا يَضْمَنُهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اكْتَرَى مَاعُونًا) كَصَحْفَةٍ وَقِدْرٍ (أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ سَائِرِ الْأَعْيَانِ الْمُكْتَرَاةِ فَهَلَكَ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي هَلَاكِهِ بِيَدِهِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ) فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ بِيَمِينٍ إنْ كَانَ مِنْهُمَا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِيَدِهِ عَمَّا لَوْ أَكْرَاهُ الْمُكْتَرِي لِغَيْرِهِ وَادَّعَى تَلَفَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إنْ أَكْرَاهُ لِغَيْرِ أَمِينٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ إنْ أَكْرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ أَضَرُّ أَوْ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْأَمَانَةِ، بِخِلَافِ لَوْ أَكْرَى لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْأَمَانَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى إجَارَةِ الْمُسْتَأْجَرِ لِمَا اسْتَأْجَرَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُؤَجِّرِ الْجَوَازُ إنْ كَانَ دَارًا، وَالْمَنْعُ إنْ كَانَ ثَوْبًا، وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَفِي إجَارَتِهَا لِلْغَيْرِ خِلَافٌ، وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ تَصْدِيقَهُ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ) فِي دَعْوَاهُ كَأَنْ يَقُولَ: هَلَكَتْ الدَّابَّةُ مَثَلًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ تَشْهَدُ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَتِهَا عِنْدَهُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، أَوْ يَدَّعِي الْهَلَاكَ فِي مَحَلٍّ فَيُسْأَلُ أَهْلُهُ فَيُنْكِرُونَ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ.
1 - وَإِذَا ادَّعَى الْمُكْتَرِي ضَيَاعَ الشَّيْءِ الْمُكْتَرَى قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ الْأُجْرَةَ لَا يُصَدَّقُ وَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ قَدْ لَزِمَ ذِمَّتَهُ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرَّاعِي وَعَلَى الْمُكْتَرِي التَّصْدِيقُ فِي الْهَلَاكِ أَوْ الضَّيَاعِ بَعْدَ حَلِفِ الْمُتَّهَمِ

بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ.

وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ.

وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ إلَّا عَلَى الْبَلَاغِ.

وَلَا

[الفواكه الدواني]

دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الذَّاتِ الْمُكْتَرَاةِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا كَالثَّوْبِ وَالْوِعَاءِ أَوْ لَا يُغَابُ عَلَيْهَا كَالدَّابَّةِ.
وَأَمَّا لَوْ ذَبَحَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الذَّاتَ الَّتِي تَحْتَ يَدِهِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ الرَّاعِي فِي ذَبْحِهِ لِخَوْفِ مَوْتِ مَا ذَبَحَهُ، بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي لِنَحْوِ ثَوْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ ذَبَحَهُ لِخَوْفِ مَوْتِهِ إلَّا بِلَطْخٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَمِثْلُهُ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُرْتَهِنُ وَالشَّرِيكُ وَالْمُودَعُ، وَإِنْ كَانُوا يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الرَّاعِي مَعَ كَوْنِ الْجَمِيعِ مُؤْتَمَنِينَ تَعَذُّرُ الْإِشْهَادِ مِنْ الرَّاعِي غَالِبًا، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْهَادِ غَالِبًا، وَأَحْرَى مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الضَّمَانِ مَنْ مَرَّ عَلَى دَابَّةِ شَخْصٍ فَذَكَّاهَا، وَادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفَ مَوْتِهَا، أَوْ سَلَخَ دَابَّةَ غَيْرِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهَا مَيِّتَةً فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَطْخٍ.
وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ الذَّبْحَ مِنْ هَؤُلَاءِ حَتَّى مَاتَتْ الدَّابَّةُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى ذَبْحِهَا خَوْفَ الْمَوْتِ، كَمَا يَضْمَنُ الرَّاعِي بِتَرْكِ ذَكَاتِهَا وَشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِتَفْرِيطِهِ.
الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَنْ ذَكَرَ التَّلَفَ أَوْ الضَّيَاعَ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ دَعْوَاهُ رَدَّ الذَّاتَ مَعَ تَكْذِيبِ الْمَالِكِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يُصَدَّقُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الذَّاتُ يُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي تَلَفِهَا بِأَنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهَا كَالدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الضَّيَاعِ أَوْ التَّلَفِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَى مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَذَ الذَّاتَ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ، وَأَمَّا نَحْوُ الثَّوْبِ وَالْمَاعُونِ مِنْ كُلِّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي الْمُسْتَعِيرِ يَدَّعِي رَدَّ الْعَارِيَّةِ، وَفِي الصَّانِعِ يَدَّعِي رَدَّ الْمَصْنُوعِ، بِخِلَافِ الْمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ لِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ حَيْثُ قَبَضَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا حَيْثُ خَفَّفَ فِيهَا وَشَدَّدَ فِي غَيْرِهَا مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ أَنَّ الْحِيَازَةَ فِي الْوَدِيعَةِ لِمَحْضِ حَقِّ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا الْقَابِضُ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَقْبُوضِ فِي الْجُمْلَةِ، هَكَذَا ظَهَرَ لَنَا فِي وَجْهِ الْفَرْقِ، وَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ قُبِضَتْ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُكْتَرَى قُبِضَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الضَّمَانِ أَيْضًا.

[تضمين الصناع]

وَلَمَّا كَانَ الصَّانِعُ يُخَالِفُ نَحْوَ الرَّاعِي وَالْمُكْتَرِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالصُّنَّاعُ) جَمْعُ صَانِعٍ كَالْخَيَّاطِ وَالْقَزَّازِ وَالْكَاتِبِ (ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ) مِنْ مَصْنُوعِهِمْ إذَا ادَّعَوْا ضَيَاعَهُ أَوْ تَلَفَهُ سَوَاءٌ (عَمِلُوهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) صَنَعُوهُ فِي الْحَوَانِيتِ أَوْ الْبُيُوتِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِصُنْعِهِ أَوْ غَيْرِ صُنْعِهِ.
وَلِضَمَانِ الصَّانِعِ شُرُوطٌ مِنْهَا: أَنْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِلصَّنْعَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ الْخَاصِّ بِجَمَاعَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَغِيبَ عَلَى الذَّاتِ الْمَصْنُوعَةِ لَا إنْ صَنَعَهَا بِبَيْتِ رَبِّهَا وَلَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ أَوْ بِحَضْرَتِهِ، وَلَوْ فِي مَحَلِّ الصَّانِعِ فَلَا ضَمَانَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَصْنُوعُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُعَلِّمِ الْأَطْفَالِ أَوْ الْبَيْطَارِ إذَا ادَّعَى الْأَوَّلُ هُرُوبَ الْوَلَدِ وَالثَّانِي هُرُوبَ أَوْ تَلَفَ الدَّابَّةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الصَّنْعَةِ تَغْرِيرٌ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ، كَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَحَرْقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَتَلَفِ الثَّوْبِ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْبَيْطَارِ يَطْرَحُ الدَّابَّةَ لِكَيِّهَا مَثَلًا فَتَمُوتَ، وَكَالْخَاتِنِ لِصَبِيٍّ يَمُوتُ عِنْدَ خَتْنِهِ، وَالطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ يَمُوتُ تَحْتَ يَدِهِ، وَالْحَاجِمِ يُسْتَأْجَرُ لِقَلْعِ الضِّرْسِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا فِي مَالِهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ تَقْصِيرٌ وَلَا خَطَأٌ فِي الصَّنْعَةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَكِنْ أَخْطَأَ فَخَطَؤُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ بَلَغَتْ الْجِنَايَةُ الثُّلُثَ، وَإِلَّا كَانَتْ فِي مَالِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالْعُقُوبَةُ مِنْ الْإِمَامِ فِي بَدَنِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ فَلَا ضَمَانَ، وَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ عَنْ رَبِّ الْمَصْنُوعِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي حِفْظِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ الصَّانِعُ أَحْضَرَهُ لِرَبِّهِ مَصْنُوعًا عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَيَتْرُكُهُ رَبُّهُ اخْتِيَارًا فَيَضِيعَ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ حَيْثُ كَانَ إحْضَارُهُ بَعْدَ دَفْعِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْضَرَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ أَوْ دَعَاهُ لِأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارٍ أَوْ بَقَاءٍ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْبِضَ الْأُجْرَةَ ثُمَّ يَدَّعِيَ ضَيَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مِنْ مَصْنُوعِهِمْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ كَظَرْفِ الْمَصْنُوعِ، كَقُفَّةِ الطَّحِينِ وَجَفِيرِ السَّيْفِ يُدْفَعُ مَعَ السَّيْفِ لِإِصْلَاحِهِ ثُمَّ يَدَّعِي ضَيَاعَ مَا ذُكِرَ، فَيَضْمَنُ الْقَمْحَ وَالسَّيْفَ دُونَ الْقُفَّةِ وَالْجَفِيرِ وَلَوْ كَانَ الْمَصْنُوعُ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ الصَّانِعُ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَصْنُوعٍ وَتُعْتَبَرُ يَوْمَ دَفْعِهِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الصَّانِعُ شَرَطَ عَلَى رَبِّهِ عَدَمَ ضَمَانِهِ عِنْدَ دَعْوَى ضَيَاعِهِ.
(تَنْبِيهٌ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ضَمَانِ الْأُجَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْقَطَ عَنْهُمْ الضَّمَانَ، وَأَخْرَجَ إمَامُنَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْهُمْ الصُّنَّاعَ، وَقَالَ بِضَمَانِهِمْ وَعَدَمِ ائْتِمَانِهِمْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَسَبَقَهُ إلَى تَضْمِينِهِمْ الْخُلَفَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَضَوْا بِتَضْمِينِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ ذَلِكَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ؛ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ يَضْطَرُّ إلَى الِاسْتِصْنَاعِ، فَلَوْ عَلِمَ الصُّنَّاعُ أَنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ أَوْ التَّلَفِ أَوْ رَدِّ الْمَصْنُوعِ إلَى رَبِّهِ لَتَسَارَعُوا إلَى كُلِّ مَا يُدْفَعُ لَهُمْ لِيَصْنَعُوهُ، فَحَكَمَ هَؤُلَاءِ الْعُظَمَاءُ بِالضَّمَانِ لِتِلْكَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الْمَصْلَحَةِ، وَمِنْ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ أَيْضًا مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ عَنْ مَالِكٍ مِنْ جَوَازِ قَتْلِ الثُّلُثِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِإِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُفْسِدُونَ، وَلَا يَحْصُلُ انْزِجَارُهُمْ لَا بِحَبْسِهِمْ وَلَا بِضَرْبِهِمْ إلَّا بِقَتْلِ ثُلُثِهِمْ، هَذَا مَحَلُّ الْجَوَازِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ قَتْلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ لِإِصْلَاحِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْمُفْسِدِينَ؛ لِإِصْلَاحِ ثُلُثَيْهِمْ حَيْثُ تَوَقَّفَ الْإِصْلَاحُ عَلَى الْقَتْلِ، وَإِلَّا ارْتَكَبَ الْأَخَفَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَمَّا كَانَ الْحَارِسُ لِنَحْوِ حَمَّامٍ وَكَرْمٍ مُشْبِهًا لِلصَّانِعِ فِي دَاعِيَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَانَ هَذَا يُوهِمُ ضَمَانَهُ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ حَارِسَ الْحَمَّامِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الثِّيَابِ الَّتِي تَضِيعُ مِنْ الْحَمَّامِ وَلَوْ أَخَذَ عَلَى ذَلِكَ أُجْرَةً؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَالْأَجِيرُ أَمِينٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ وَلَوْ ضَاعَتْ الثِّيَابُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ، وَإِلَّا ضَمِنَ بِأَنْ يَقُولَ: جَاءَنِي إنْسَانٌ يُشْبِهُك فَدَفَعْت إلَيْهِ الثِّيَابَ، أَوْ قَالَ: أَخَذَ شَخْصٌ ثَوْبًا فَتَرَكْته لِظَنِّي أَنَّهُ الْمَالِكُ، وَمِثْلُ حَارِسِ الْحَمَّامِ غَيْرُهُ مِنْ حُرَّاسِ الْكُرُومِ وَالدُّورِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَارِسِ الْأَنْدَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحْرُوسِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُعَابُ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَارِسُ أَجْنَبِيًّا أَوْ كَانَ هُوَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِصَاحِبِ الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهُ الْحَارِسَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ ضَمَانِ صَاحِبِ الْحَمَّامِ لِلثِّيَابِ إنْ لَمْ يَجْعَلْهَا رَبُّهَا رَهْنًا تَحِلُّ الْأُجْرَةُ، وَإِلَّا ضَمِنَهَا ضَمَانَ الرِّهَانِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ ضَمَانِ الْحَارِسِ أَيْضًا أَلَّا يَكُونَ جُعِلَ حَارِسًا لِاتِّقَاءِ شَرِّهِ؛ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَإِلَّا ضَمِنَ مَا يَدَّعِي ضَيَاعَهُ مِمَّا هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَأُمِنَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ، وَمِمَّا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ الْخُفَرَاءُ فِي الْحَارَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَلَوْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً بِضَمَانِ مَا يَضِيعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ، بِخِلَافِ الْتِزَامِ أَمْرٍ مَنْدُوبٍ كَالْتِزَامِ التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِصِيغَةِ النَّذْرِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ عَلَى زَيْدٍ بِكَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ الْتَزَمَ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ أَيْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا تَفْرِيطَ، وَإِلَّا ضَمِنُوا كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ.
هَذَا قَوْلٌ مِنْ كَلَامِ جَدِّ الْأُجْهُورِيِّ وَبَعْضُهُ بِالتَّصْرِيحِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْأُجْهُورِيِّ فَكَانَ يُقَرِّرُ فِي الْمَحَافِلِ مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ الْآنَ تَضَمُّنُ الْخُفَرَاءِ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ فِي شَرْحِهِ.
(تَنْبِيهٌ) . حَارِسُ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ فِي عَدَمِ ضَمَانِهِ حَارِسُ الْأَجِيرِ الَّذِي تَحْتَ يَدِ الصَّانِعِ، وَكَذَلِكَ الدَّلَّالُ تُعْطَى لَهُ الثِّيَابُ يَطُوفُ بِهَا فَتَضِيعُ مِنْهُ أَوْ ثَمَنُهَا بَعْدَ بَيْعِهَا حَيْثُ كَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ.
وَأَمَّا الْجَالِسُ فِي الْحَانُوتِ وَتُوضَعُ عِنْدَهُ الْأَمْتِعَةُ لِلْبَيْعِ فَهَذَا كَالصَّانِعِ يَضْمَنُ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِمَّا نَصَبَ نَفْسَهُ لِأَمْتِعَةِ النَّاسِ.
(خَاتِمَةٌ حَسَنَةٌ) . كُلُّ مَنْ قِيلَ بِضَمَانِهِ مِنْ صَانِعٍ مُطْلَقًا أَوْ حَارِسٍ لِتَفْرِيطِهِ، إذَا غَرِمَ قِيمَةَ مَا ضَمِنَهُ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ لَا لِصَاحِبِهِ، وَمِثْلُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَرِقَةُ شَيْءٍ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ ثُمَّ يُوجَدُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ، وَمِثْلُ مَنْ ذَكَرَ الْمُسْتَعِيرُ يَدَّعِي ضَمَانَ مَا اسْتَعَارَ مِمَّا غَابَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا غَرِمَ قِيمَتَهُ وَوَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ، كَالْغَاصِبِ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ.

(وَلَا) ضَمَانَ أَيْضًا (عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ) وَلَا النُّوتِيِّ الَّذِي يَخْدُمُ فِيهَا فَلَا مَفْهُومَ لِصَاحِبِهَا، وَالْمُرَادُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ إذَا غَرِقَتْ بِفِعْلٍ سَائِغٍ فِعْلُهُ فِيهَا مِنْ عِلَاجٍ أَوْ مَوْجٍ أَوْ رِيحٍ، وَأَمَّا إنْ غَرِقَتْ بِفِعْلٍ غَيْرِ سَائِغٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ.
وَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ الْأَنْفُسِ، وَإِلَّا قُتِلَ بِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ كِرَاءُ السَّفِينَةِ شَبِيهًا بِالْجُعْلِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ قَالَ: (وَلَا كِرَاءَ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ السَّفِينَةِ مُسْتَحَقٌّ (إلَّا عَلَى الْبَلَاغِ) فَإِذَا غَرِقَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ فِي السُّفُنِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْجُعْلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ، وَقَوْلُنَا غَرِقَ جَمِيعُ مَا فِيهَا احْتِرَازٌ عَنْ غَرَقِ بَعْضِهِ وَسَلَامَةِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَاسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ رَبُّهُ، فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ كِرَاءَ مَا بَقِيَ إلَى مَحَلِّ الْغَرَقِ عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ لَا بِنِسْبَةِ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ كِرَاءُ مَا ذَهَبَ بِالْغَرَقِ.
وَأَمَّا لَوْ غَرِقَتْ بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ كَانَ الْغَرَقُ بَعْدَ تَمَكُّنِ رَبِّ الشَّيْءِ مِنْ إخْرَاجِ مَا فِيهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ بِشَيْءٍ.
1 - (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ بَعْضِ مَشَايِخِ مَشَايِخِنَا فِي أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: إذَا اكْتَرَى شَخْصٌ سَفِينَةً لِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وَخَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ اخْتِيَارًا وَاسْتَظْهَرَ أَنْ يَلْزَمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، كَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِمَحَلٍّ وَتَرَكَ رُكُوبَهَا قَبْلَ وُصُولِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ الْوُصُولِ قَهْرًا بِأَنْ غَرِقَتْ وَانْتَقَلَ لِسَفِينَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الْكِرَاءِ حِصَّةُ مَا رَكِبَ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ أَيْضًا إذَا وَحَلَتْ مَثَلًا وَخَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ تَخَلَّصَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لَهَا كَمَرَضِ عَبْدٍ مُسْتَأْجَرٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ثُمَّ يَصِحَّانِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ حَيْثُ كَانَ فِي الْحَضَرِ، أَوْ لَا يَلْزَمُ كَمَرَضِهِمَا وَعَوْدِهِمَا فِي زَمَنِ السَّفَرِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهَا كَهُمَا فِي السَّفَرِ؛ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ مَشَقَّةُ الصَّبْرِ لِانْتِظَارِ صِحَّةِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ.
1 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَلَا خَلِيلٌ حُكْمَ مَا لَوْ خِيفَ عَلَى الْمَرْكَبِ الْغَرَقُ مِنْ كَثْرَةِ مَا فِيهَا وَتَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى الْبَرِّ، وَالْحُكْمُ كَمَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: أَنَّهُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى رَمْيِ مَا ثَقُلَ وَخَفَّتْ قِيمَتُهُ، وَعِنْدَ تَقَارُبِ الْقِيمَةِ يُرْمَى الْأَثْقَلُ وَيُبْدَأُ بِرَمْيِ الْأَمْتِعَةِ عَلَى رَمْيِ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ، وَقَدْ نَظَمَ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ فَقَالَ: إذَا مَرْكَبٌ قَدْ خِيفَ مِنْ حَمْلِهَا الْعَطَبْ ... فَطَرْحُ ثَقِيلٍ عِوَضُهُ قَلَّ قَدْ وَجَبْ كَأَثْقَلِ مَحْمُولَيْنِ فِي الْعِوَضِ عَنْهُمَا ... مُقَارَبَةً فَافْهَمْ وُقِيتَ مِنْ الرِّيَبْ وَإِنْ يَتَسَاوَى ثِقَلُ أَحْمَالِ حَمْلِهَا ... بِقُرْعَةٍ اطْرَحْ مَا بَقَّاهُ بِهِ الْعَطَبْ وَوُزِّعَ مَطْرُوحٌ عَلَى مَا بِهَا بَقِيَ ... لِتَجْرٍ فَقَطْ لَا اللَّذِّ لِقُنْيَةٍ انْتَسَبْ وَهَلْ ذَا عَلَى عِوَضٍ لِبَاقٍ أَوَ أَنَّهُ ... عَلَى قِيمَةِ الْبَاقِي خِلَافٌ بِلَا نَصَبْ وَهَلْ بِمَحَلِّ الطَّرْحِ أَوْ بِمَكَانِ مَا ... بَدَأْت بِهِ سَيْرًا أَوْ اللَّذِّ لَهُ ذَهَبْ أَوْ اُنْظُرْ لَهَا لَكِنْ بِأَقْرَبِ مَوْضِعٍ ... لِمَوْضِعِ طَرْحٍ فَهِيَ خَمْسٌ لِمَنْ حَسَبْ وَإِنْ حَمْلُهَا مِنْ آدَمِيِّينَ فَاطْرَحَنَّ ... بِمَا طَرْحُهُ تَنْجُو بِهِ مِنْ أَذَى الْعَطَبْ وَذَا بِاقْتِرَاعٍ وَالرَّقِيقَ وَكَافِرًا ... وَأُنْثَى وَضِدَّ الْكُلِّ سَوِّ وَلَا عَجَبْ (خَاتِمَةٌ) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ يَحْتَاجُ لَهُمَا الطَّالِبُ: إحْدَاهُمَا الْإِجَارَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَجِيبَةٌ وَغَيْرُهَا، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمُشَاهَرَةِ كَكُلِّ شَهْرٍ بِكَذَا، أَوْ الْمُسَانَاةِ كَكُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا، وَحَقِيقَةُ الْوَجِيبَةِ الْمُدَّةُ الْمَحْسُودَةُ كَأَسْتَأْجِرُهَا السَّنَةَ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ الشَّهْرَ الْفُلَانِيَّ، أَوْ أَسْتَأْجِرُهَا عَقْدًا وَلَمْ يَأْتِ فِي عَقْدِهَا بِلَفْظِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ، وَالْوَجِيبَةُ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا يَتَوَقَّفُ لُزُومُهَا عَلَى نَقْدِ الْأُجْرَةِ، وَغَيْرِهَا لَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ إلَّا بِنَقْدِ الْكِرَاءِ فَيَلْزَمُ بِقَدْرِ مَا نُقِدَ.
ثَانِيَتُهُمَا: عَقْدُ الْإِجَارَةِ اللَّازِمِ لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَا بِمَوْتِهِمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَجِّرُ مُسْتَحِقًّا لِوَقْفٍ وَأَكْرَاهُ مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً وَيَمُوتُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنَّ لِمَنْ اسْتَحَقَّ الْوَقْفَ بَعْدَهُ فَسْخَهَا.
وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِ شَخْصِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ وَبَعْدَهُ عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ يُؤَجِّرُهُ أَهْلُ الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوْ زَيْدٌ مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً ثُمَّ يَمُوتُ الْمُؤَجِّرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنَّ لِمَنْ انْتَقَلَ الْحَقَّ لَهُ فَسْخُ تِلْكَ الْإِجَارَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُقَرَّرُ فِي رِزْقِهِ يُؤَجِّرُهَا مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً وَيَمُوتُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَإِنَّ لِمَنْ يُقَرِّرُهُ نَائِبُ السُّلْطَانِ بَعْدَهُ فَسْخَهَا.
وَأَمَّا إجَارَةُ النَّاظِرِ لِوَقْفٍ مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً وَيَمُوتُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَيْسَ لِمَنْ تُوُفِّيَ نَاظِرًا بَعْدَهُ فَسْخُ تِلْكَ الْإِجَارَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّاظِرُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ.

[بَاب الشَّرِكَة]

[حُكْم الشَّرِكَة وَأَرْكَانهَا]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ بَيْعِ الذَّوَاتِ وَالْمَنَافِعِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِكَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الِاخْتِلَاطُ وَالِامْتِزَاجُ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ تَنْقَسِمُ إلَى شَرِكَةٍ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، فَالْعَامَّةُ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا فَقَطْ، فَتَدْخُلُ شَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ وَالشَّرِكَةِ فِي بَقَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُتَّخَذٌ لِلْقُنْيَةِ، وَتَدْخُلُ شَرِكَةُ التَّجْرِ كَمَا يَخْرُجُ مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ كَثُبُوتِ النَّسَبِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَخَرَجَ بِمَلَكَا فَقَطْ تَقْرِيرُ جَمَاعَةٍ فِي انْتِفَاعٍ بِوَقْفٍ، وَالْخَاصَّةُ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: بَيْعُ مَالِكٍ كُلَّ بَعْضِهِ بِبَعْضِ كُلِّ الْآخَرِ مُوجِبٌ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ أَخَصَّ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى تَقَرُّرِ الْمُتَمَوَّلِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ جَوَازَ التَّصَرُّفِ، فَتَخْرُجُ شَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ، وَشَرِكَةٌ فِي نَحْوِ بَقَرَةٍ أَوْ بَيْتِ الْقُنْيَةِ لِتَوَقُّفِ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ الِانْتِفَاعِ عَلَى إذْنِ الشَّرِيكِ، وَتَدْخُلُ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَرْثِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ، وَمُوجِبٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِبَيْعٍ وَصِحَّةٌ مَفْعُولُ مُوجِبٍ، وَضَمِيرُ تَصَرُّفِهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْمَالِكَيْنِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ كِتَابًا وَسُنَّةً، وَإِجْمَاعًا، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: 19] بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا حَيْثُ لَا نَاسِخَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ «فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهَا، وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِشَرِكَةِ التَّجْرِ.
1 - وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْعَاقِدَانِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَالُ فِي شَرِكَةِ التَّجْرِ، وَالْعَمَلُ فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالصِّيغَةُ.
1 - فَشَرْطُ الْعَاقِدِ أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكِيلٌ، وَمُوَكِّلٌ، فَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ الْبُلُوغُ وَالرُّشْدُ، فَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ عَبْدٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ، وَلَا صَبِيٍّ وَلَا سَفِيهٍ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَوَكُّلِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، خِلَافًا لِابْنِ رُشْدٍ الْقَائِلِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّا نَشْتَرِطُ وُجُودَ شَرْطِ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ مَعًا فِي الشَّرِكَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدُوا عَلَى كَلَامِهِمَا شَرِكَةَ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ، وَشَرِكَةَ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ لِصِحَّةِ شَرِكَتِهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ،

بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ بِالْأَبْدَانِ إذَا عَمِلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ عَمَلًا وَاحِدًا أَوْ مُتَقَارِبًا.

وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْأَمْوَالِ عَلَى أَنْ يَكُونَ

[الفواكه الدواني]

مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ تَوَكُّلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، لَكِنْ جَوَازُهَا فِي الْأَوَّلِ بِلَا قَيْدٍ، وَفِي الثَّانِي بِقَيْدِ حُضُورِ الْمُسْلِمِ لِتَصَرُّفِ الْكَافِرِ، وَأَمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ حَصَلَ لِلْمُسْلِمِ شَكٌّ فِي عَمَلِ الذِّمِّيِّ بِالرِّبَا اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ، وَإِنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالْخَمْرِ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ عَلِمَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا.

وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ التَّسَاوِي فِي الصَّرْفِ وَالْقِيمَةِ إنْ وَقَعَتْ بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا وَبِهِمَا مِنْهُمَا وَبِعَيْنٍ وَبِعَرَضٍ وَبِعَرَضَيْنِ مُطْلَقًا وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أَحْضَرَ لَا فَاتَ إنْ صَحَّتْ، وَأَمَّا فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْعَمَلِ فَالشَّرْطُ التَّسَاوِي أَوْ التَّقَارُبُ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا عُرْفًا مِنْ قَوْلٍ كَاشْتَرَكْنَا، أَوْ فِعْلٍ كَخَلْطِ الْمَالَيْنِ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَتَلْزَمُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا الضَّمَانُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى خَلْطِ الْمَالَيْنِ وَلَوْ حُكْمًا.
1 - وَنَوَّعَهَا الْفُقَهَاءُ إلَى شَرِكَةِ أَبْدَانٍ، وَيُقَالُ لَهَا شَرِكَةُ الْعَمَلِ، وَشَرِكَةُ مُفَاوَضَةٍ، وَشَرِكَةُ عِنَانٍ، وَشَرِكَةُ جَبْرٍ، وَشَرِكَةُ ذِمَمٍ، وَيُقَالُ لَهَا شَرِكَةُ وُجُوهٍ، وَبَدَأَ بِشَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِّهَا لِأَحَدٍ، وَيُمْكِنُ رَسْمُهَا بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ بِأَنَّهَا: اتِّفَاقُ شَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ مُتَّحِدِي الصَّنْعَةِ أَوْ مُتَقَارِبِيهَا عَلَى الْعَمَلِ، وَمَا يَحْصُلُ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ بِالْأَبْدَانِ) أَيْ تَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوِيًا بِشُرُوطٍ أَشَارَ إلَى بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا عَمِلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) هَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي خَلِيلٍ جَوَازُهَا، وَإِنْ بِمَكَانَيْنِ عَلَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَفَّقَ الْأَشْيَاخُ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ بِحَمْلِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَّحِدْ النَّفَاقُ فِي الْمَكَانَيْنِ، وَالْعَيْبِيَّةُ عَلَى الِاتِّحَادِ، وَمِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا أَنْ يَعْمَلَا: (عَمَلًا وَاحِدًا) بِأَنْ تَكُونَ صَنْعَتُهُمَا مُتَّفِقَةً كَحَدَّادِينَ أَوْ نَجَّارِينَ أَوْ خَيَّاطِينَ، لَا إنْ اخْتَلَفَ اخْتِلَافًا بَعِيدًا كَحَدَّادٍ وَخَيَّاطٍ فَلَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ رَوَاجِ صَنْعَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَأْكُلُ أَحَدُهُمَا اسْتِحْقَاقَ الْآخَرِ.
(أَوْ) يَكُونُ عَمَلُهَا (مُتَقَارِبًا) كَمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُجَهِّزُ الدَّقِيقَ وَالْآخَرُ يَعْجِنُ أَوْ يَخْبِزُ، أَوْ أَحَدُهُمَا يُحَوِّلُ وَالْآخَرُ يَنْسِجُ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ إذَا اتَّحَدَ أَوْ تَلَازَمَ وَتَسَاوَيَا فِيهِ أَوْ تَقَارَبَا وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وَإِنْ بِمَكَانَيْنِ، وَمَعْنَى التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ عَمَلِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ وَيَسْتَوِيَا فِي الْحَاصِلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ عَمَلُ كُلٍّ مُسَاوِيًا لِعَمَلِ الْآخَرِ، وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَيْضًا الِاشْتِرَاكُ فِي الْآلَةِ إمَّا بِمِلْكٍ أَوْ اكْتِرَاءٍ مِنْ الْغَيْرِ.
وَأَمَّا لَوْ خَرَّجَ كُلٌّ آلَةً أَوْ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَآجَرَ شَرِيكُهُ نِصْفَهَا فَقِيلَ تَجُوزُ، وَقِيلَ لَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْخِلَافِ، وَيَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ الطِّبُّ وَالصَّيْدُ وَالْحَفْرُ فِي الْمَعَادِنِ وَعَمَلِ الْآجُرِّ، وَتَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا قِرَاءَةُ الْأَطْفَالِ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ يُحَفِّظُ الْقُرْآنَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي شَرِكَةِ شَخْصَيْنِ يُعَلِّمُ أَحَدُهُمَا مَنْ يَقْرَأُ فِي النِّصْفِ الْفَوْقَانِيِّ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَحْفَظُ إلَّا هُوَ، وَالْآخَرُ يُعَلِّمُ مَنْ يَقْرَأُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَحْفَظُ سِوَاهُ، فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ ابْنِ نَاجِي بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَاسْتَصْوَبَ هُوَ، بِخِلَافِ كَلَامِ شَيْخِهِ قَائِلًا: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي الْجَوَازُ.
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَهُوَ وَاضِحٌ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَقْرَأُ مِنْ الْأَعْلَى وَمَنْ يَقْرَأُ مِنْ الْأَسْفَلِ لِحُصُولِ التَّعَاوُنِ.
1 - (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اُخْتُلِفَ فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ هَلْ تَقَعُ لَازِمَةً بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا أَوْ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَكَمَا تُسَمَّى شَرِكَةَ أَبْدَانٍ تُسَمَّى شَرِكَةَ عَمَلٍ، وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ عَدَمُ تَوَقُّفِهَا عَلَى الْمَالِ غَالِبًا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا عَمَلُ الْبَدَنِ.

الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَمَلِ مُدَّةً لِمَرَضِ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأُلْغِيَ مَرَضٌ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُمَا لَا إنْ كَثُرَ، فَفِي مَرَضِ الْيَوْمَيْنِ أَوْ غَيْبَتِهِمَا يُقْسَمُ الْحَاصِلُ مِنْ عَمَلِ أَحَدِهِمَا بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ طُولِ الْمَرَضِ أَوْ الْغَيْبَةِ فَلَا إلْغَاءَ، وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الَّذِي عَمِلَ عَلَى مَنْ مَرِضَ أَوْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ بِنِصْفِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَهُ، وَالْأُجْرَةُ الْمُتَحَصِّلَةُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
(مِثَالٌ يُوَضِّحُ ذَلِكَ) لَوْ عَاقَدَ شَخْصًا عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَغَابَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَرِضَ زَمَنًا طَوِيلًا فَخَاطَهُ الْآخَرُ فَإِنَّ الْعَشَرَةَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ مَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ؟ فَإِذَا قِيلَ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا رَجَعَ الَّذِي صَنَعَهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِدِرْهَمَيْنِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ شَرَعَ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ بِقَوْلِهِ: (وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْأَمْوَالِ) بِأَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِذَهَبِهِ أَوْ فِضَّتِهِ، وَنَقْدُ أَحَدِهِمَا مُسَاوٍ لِنَقْدِ الْآخَرِ صَرْفًا وَوَزْنًا وَقِيمَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا أَيْ وَقْتَ الْمُعَاقَدَةِ وَلَا يَضُرُّ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ بِمُخْتَلِفِ الصَّرْفِ، وَإِذَا وَقَعَتْ فُسِخَتْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ رَأْسُ مَالِهِ بِعَيْنِهِ فِي سِكَّتِهِ، وَالرِّبْحُ بِقَدْرِ وَزْنِ رَأْسِ مَالِهِ لَا عَلَى فَضْلِ السِّكَّةِ، وَكَذَا لَا تَجُوزُ بِتِبْرٍ، وَمَسْكُوكٍ وَلَوْ تَسَاوَيَا وَزْنًا إنْ كَثُرَ فَضْلُ السِّكَّةِ، وَأَمَّا إنْ سَاوَتْهَا جَوْدَةُ التِّبْرِ فَقَوْلَانِ، وَكَذَا تَجُوزُ بِذَهَبٍ وَوَرِقٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِهِمَا مِنْهُمَا وَبِعَيْنٍ وَبِعَرَضٍ وَبِعَرَضَيْنِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مُخْتَلِفٍ وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أَحْضَرَ

الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِلْعَمَلِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مَا شَرَطَا مِنْ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَسْتَوِيَا فِي الرِّبْحِ.

وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ

بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَقَدْ أُرْخِصَ فِيهِ بِنِقَارِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

وَلَا

[الفواكه الدواني]

لَا فَاتَ إنْ صَحَّتْ.
1 - وَتَلْزَمُ شَرِكَةُ الْأَمْوَالِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَلَا يَكُونُ ضَمَانُ التَّالِفِ مِنْهُمَا إلَّا إذْ خَلَطَا الْمَالَيْنِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ بَقِيَتْ صُرَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهَا وَلَكِنْ جَعَلَ الْمَالَيْنِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ، وَإِلَّا كَانَ ضَمَانُ التَّالِفِ مِنْ رَبِّهِ، وَلَا تَصِحُّ بِذَهَبٍ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَوَرِقٍ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ، وَلَوْ عَجَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَخْرَجَهُ لِاجْتِمَاعِ الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ إذَا أَخْرَجَ هَذَا طَعَامًا وَالْآخَرُ كَذَلِكَ وَلَوْ اتَّفَقَ الطَّعَامَانِ نَوْعًا وَصِفَةً وَقَدْرًا لِأَدَائِهِ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بَاعَ نِصْفَ طَعَامِهِ بِنِصْفِ طَعَامِ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ قَبْضٌ لِبَقَاءِ يَدِ كُلٍّ عَلَى مَا بَاعَ، فَإِذَا بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ بَائِعًا الطَّعَامَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ حَصَلَ خَلْطُ الطَّعَامَيْنِ.
1 - وَشَرْطُهَا أَنْ يَدْخُلَا (عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) فَلَا تَجُوزُ إنْ دَخَلَا عَلَى التَّسَاوِي فِي الْمَالِ الْمُخْرَجِ وَالتَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَدْخُلَا عَلَى أَنَّ (الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مَا شَرَطَا مِنْ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ) وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الشَّرِكَةُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، فَإِذَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يَأْتِي بِرُبُعِ الْمَالِ وَيَعْمَلُ الرُّبُعَ وَلَهُ رُبُعُ الرِّبْحِ، وَالْآخَرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَمَلِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الرِّبْحِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ.
(وَ) مَفْهُومُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ (لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَسْتَوِيَا فِي الرِّبْحِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرُ وَالْعَمَلُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ.

وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ فِي الْعَمَلِ، كَمَا تَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ، وَإِذْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً بِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ فَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ.
مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا عِشْرِينَ مَثَلًا وَالْآخَرُ عَشَرَةً وَشَرَطَا التَّسَاوِيَ فِي الرِّبْحِ وَالْعَمَلِ، وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى عَمِلَا فَإِنَّ الرِّبْحَ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْعِشْرِينَ عَلَى صَاحِبِ الْعَشَرَةِ بِفَاضِلِ الرِّبْحِ، وَهُوَ السُّدُسُ، وَيَنْزِعُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبَضَهُ لِيَكْمُلَ لَهُ الثُّلُثَانِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْعَشَرَةِ بِفَاضِلِ عَمَلِهِ، وَهُوَ أَجْرُ سُدُسِ الْعَمَلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ وَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ، وَمَفْهُومُ الِاشْتِرَاطِ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ الرِّبْحِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ لَجَازَ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَوْ يَهَبَهُ شَيْئًا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالتَّبَرُّعُ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِيهِ كَالْوَاقِعِ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا السَّلَفُ فِي الْعَقْدِ فَيَجُوزُ إلَّا لِكَبَصِيرَةٍ الْمُشْتَرِي، هَذَا مُحَصَّلُ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَهُ التَّبَرُّعُ وَالسَّلَفُ وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ.
1 - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ؟ ، وَمُحَصَّلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ خَلِيلٌ أَنَّهُ إنْ أَطْلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ كَانَتْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ التَّصَرُّفُ بِالْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَقْبَلُ وَيُوَلِّي، وَيَقْبَلُ الْعَيْبَ، وَإِنْ أَبَى شَرِيكُهُ، وَإِنْ لَمْ يُطْلِقْ لَهُ بِأَنْ سَكَتَ كُلٌّ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ حَجَرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِاللَّفْظِ كَانَتْ شَرِكَةَ عِنَانٍ أَيْ إذْنٍ، وَهِيَ جَائِزَةٌ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي هَذِهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِشَرِكَةِ الْجَبْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ حَدَّهَا، وَيُمْكِنُ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا اسْتِحْقَاقُ شَخْصٍ الدُّخُولَ مَعَ مُشْتَرٍ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ مِنْ سُوقِهَا الْمُعَدِّ لَهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَالْوَجْهُ الْمَخْصُوصُ كَوْنُ الشُّرَاةِ لِلتِّجَارَةِ فِي الْبَلَدِ لَا إنْ اشْتَرَاهَا لِلسَّفَرِ بِهَا وَلَوْ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلْقُنْيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ سُوقِهَا، وَأَنْ يَكُونَ مُرِيدُ الدُّخُولِ مِنْ تُجَّارِ تِلْكَ السِّلْعَةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا لِشِرَائِهَا وَسَاكِتًا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ السُّوقِ أَمْ لَا، فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ فِي الْحَاضِرِ قُضِيَ لَهُ بِالدُّخُولِ قَهْرًا عَلَى الْمُشْتَرِي، كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ طَلَبَ الْمُشَارَكَةَ مِنْ الْحَاضِرِ لِخَسَارَةٍ مَثَلًا وَأَبَى الْحَاضِرُ لَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ مَعَ الْمُشْتَرِي، وَمَفْهُومُ بَقِيَّةِ الْقُيُودِ مَبْسُوطٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ 1 - وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا الْكَلَامَ عَلَى شَرِكَةِ الذِّمَمِ وَيُقَالُ لَهَا شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَهِيَ فَاسِدَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِبَيْعِ الْوَجِيهِ مَالَ الْخَامِلِ بِحِصَّةٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِالشِّرَاءِ بِلَا مَالٍ حَاضِرٍ بَلْ فِي الذِّمَّةِ، وَوَجْهُ فَسَادِهَا مَا فِيهَا مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ وَالتَّدْلِيسِ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا يُحِبُّ الْبَيْعَ أَوْ الشِّرَاءَ إلَّا مِنْ الْأَمْلِيَاءِ أَوْ مِنْ سِلَعِ غَيْرِ الْخَامِلِ.

الثَّالِثُ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ فِي الْمُتَشَارِكَيْنِ، فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَا رَجُلَيْنِ، أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَرْأَةِ الْمُشَارِكَةِ لِلرَّجُلِ مُتَجَالَّةً أَوْ شَابَّةً لَا تُبَاشِرُ التَّصَرُّفَ.
وَأَمَّا مُشَارَكَةُ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ مَعَ مُبَاشَرَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مُحَادَثَةَ الشَّابَّةِ لِلرِّجَالِ ذَرِيعَةٌ لِلْفَسَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ حَيْثُ كَانَ التَّصَرُّفُ بِحُضُورِهِمَا أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا مَعَ غَيْبَةِ الْمُسْلِمِ فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
1 - الرَّابِعُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا نَفَقَةَ الشَّرِيكِ هَلْ مِنْ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْحُكْمُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ الْإِنْفَاقَ وَالِاكْتِسَاءَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَتُلْغَى نَفَقَتُهُمْ

يَجُوزُ بِالْعُرُوضِ، وَيَكُونُ إنْ نَزَلَ أَجِيرًا فِي بَيْعِهَا، وَعَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ فِي الثَّمَنِ.

وَلِلْعَامِلِ كِسْوَتُهُ وَطَعَامُهُ إذَا سَافَرَ فِي

[الفواكه الدواني]

وَكِسْوَتُهُمْ بِشَرْطَيْنِ: التَّسَاوِي فِي الْمَالِ، وَإِلَّا أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَسَاوَيَا أَوْ يَتَقَارَبَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا فِي بَلَدٍ أَوْ بَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيِّنًا كَانَ وَطَنًا لَهُمَا أَوْ لَا، كَمَا تُلْغَى نَفَقَةُ وَكِسْوَةُ عِيَالِهِمَا إنْ تَقَارَبَا نَفَقَةً وَعِيَالًا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ تَقَارُبٌ فِي النَّفَقَةِ أَوْ الْعِيَالِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقْنَعُ بِالْجَرِيشِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْغَلِيظِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْآخَرُ عَلَى الضِّدِّ، أَوْ تَخَالَفَا بِكَثْرَةِ الْعِيَالِ حَسَبًا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْإِنْفَاقِ أَوْ الْعِيَالِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ 1 - الْخَامِسُ: الشَّرِيكُ أَمِينٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الْخُسْرِ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ يُنَاسِبُهُ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الْمُنَاصَفَةِ عِنْدَ مُنَازَعَةِ شَرِيكِهِ.
(فَائِدَةٌ) . الشَّرِكَةُ فِيهَا لُغَاتٌ ثَلَاثٌ: إحْدَاهَا، وَهِيَ الْفُصْحَى عَلَى وَزْنِ سِدْرَةٍ، وَيَلِيهَا عَلَى وَزْنِ نَمِرَةٍ، وَالثَّالِثَةُ عَلَى وَزْنِ نَبْقَةٍ، فَتَكُونُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ مَعَ إجْحَافِ الْمُؤَلِّفِ فِي الِاخْتِصَارِ.

[بَاب الْقِرَاض]

وَلَمَّا كَانَ الْقِرَاضُ مُنَاسِبًا لِلشَّرِكَةِ فِي كَوْنِ الْعَاقِدِ أَمِينًا فِيهِمَا وَأَيْضًا هُمَا شَرِيكَانِ فِي الرِّبْحِ ذَكَرَهُ عَقِبَهَا فَقَالَ: (وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ) بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَرْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَطَعَ لِلْعَامِلِ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِقِطْعَةٍ مِنْ الرِّبْحِ، وَهَذَا اسْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَقُولُونَ قِرَاضًا، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ الْمُضَارَبَةُ، وَكِتَابُ الْمُضَارَبَةِ بَدَلَ كِتَابِ الْقِرَاضِ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: 101] ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل: 20] وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالَهُ عَلَى الْخُرُوجِ بِهِ إلَى الشَّامِ أَوْ غَيْرِهَا فَيَبْتَاعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْقِرَاضِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَيْهِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى التَّنْمِيَةِ بِنَفْسِهِ فَاضْطُرَّ فِيهِ لِاسْتِنَابَةِ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِأُجْرَةٍ فَرَخَّصَ فِيهِ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: تَمْكِينُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، فَيَدْخُلُ بَعْضُ الْفَاسِدِ كَالْقِرَاضِ بِالدَّيْنِ وَبِالْوَدِيعَةِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ قَوْلُهَا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْطَى رَجُلًا مَالًا يَعْمَلُ لَهُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَعَبَّرَ بِتَمْكِينٍ دُونَ عَقْدٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ عَقْدَهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلِكُلٍّ حَلُّهُ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ شُغْلِ الْمَالِ وَبَعْدَهُ لَازِمٌ لِكُلٍّ، وَبَعْدَ تَزَوُّدِ الْعَامِلِ لِلسَّفَرِ لَازِمٌ لِلْعَامِلِ دُونَ رَبِّ الْمَالِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ قَبْلَ عَمَلِهِ كَرَبِّهِ.
وَالْحَالُ أَنَّ الْعَامِلَ تَزَوَّدَ لِسَفَرٍ وَلَمْ يَظْعَنْ، وَإِلَّا فَلِنَضُوضِهِ، وَجَوَازُ الْقِرَاضِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ الْمُدَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ، وَمِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ، وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْحُرْمَةِ الرِّفْقُ بِالْعِبَادِ كَمَا مَرَّ.
1 - وَأَرْكَانُهُ الْعَاقِدَانِ، وَهُمَا كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ وَالْمَالُ وَالصِّيغَةُ وَالْجُزْءُ الْمَجْعُولُ لِلْعَامِلِ.

وَأَشَارَ إلَى شَرْطِ الْمَالِ بِقَوْلِهِ: (بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ) وَلَوْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً حَيْثُ تُعُومِلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَرُجْ كَالْكَامِلَةِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ النَّقْدِ الْخَالِصِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَعَامَلِ بِهِ فَهُوَ كَالْعَرَضِ (وَقَدْ أَرْخَصَ) أَيْ تُسُوهِلَ (فِيهِ) أَيْ الْقِرَاضِ (بِنِقَارِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَالنِّقَارُ بِكَسْرِ النُّونِ الْقِطَعُ الْخَالِصَةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِثْلُهَا التِّبْرُ وَالْحُلِيُّ، فَإِنَّ حُكْمَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ فِي الْجَوَازِ إنْ تُعُومِلَ بِهَا فِي بَلَدِ الْعَمَلِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مَسْكُوكٌ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَعَامَلْ بِهَا أَوْ وُجِدَ الْمَسْكُوكُ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُرَادُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِالْعَمَلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعِنْدَ أَصْبَغَ مُطْلَقًا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّهُ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِهِ وَلَوْ حَصَلَ الْعَمَلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَ الْمَضْرُوبِ مِنْ تِبْرٍ وَنِقَارٍ وَحُلِيٍّ، لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ رَأْسَ مَالٍ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: التَّعَامُلُ بِهِ فِي بَلَدِ الْعَمَلِ، وَعَدَمُ وُجُودِ الْمَسْكُوكِ، وَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ رَأْسَ مَالٍ مَعَ فَقْدِ الشَّرْطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَضَى بِالْعَمَلِ وَقِيلَ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الْعَقْدِ.
(تَنْبِيهٌ) . فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ أَرْخَصَ فِيهِ بِنِقَارِ إلَخْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْفُلُوسِ الْجُدُدِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ النُّقُودِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا حَيْثُ تُعُومِلَ بِالْمَسْكُوكِ، وَأَمَّا لَوْ انْفَرَدَتْ بِالتَّعَامُلِ بِهَا لَجَازَ جَعْلُهَا رَأْسَ مَالِ قِرَاضٍ.

[الْقِرَاضُ بِالْعُرُوضِ]

ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَمَا مَعَهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) الْقِرَاضُ (بِالْعُرُوضِ) وَالْمُرَادُ بِهَا مَا قَابَلَ الْعَيْنَ، فَتَدْخُلُ الْفُلُوسُ الْجُدُدُ حَيْثُ لَمْ تَنْفَرِدْ بِالتَّعَامُلِ بِهَا، وَيَدْخُلُ الْحَدِيدُ وَالرَّصَاصُ وَالْوَدَعُ وَلَوْ انْفَرَدَتْ بِالتَّعَامُلِ، كَمَا لَا يَجُوزُ بِسَائِرِ الْمُقَوَّمَاتِ وَالْمِثْلِيَّاتِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ، وَالْوَارِدُ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ، وَلَا يُقَالُ: الشَّارِعُ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِالتِّبْرِ وَلَا بِالْجُدُدِ وَلَا بِنِقَارِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِمَاذَا رَخَّصَ فِيهَا؟ . لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَذْكُورَاتُ أَعْيَانٌ وَأَثْمَانٌ وَرُءُوسُ أَمْوَالٍ، وَالْجُدُدُ عِنْدَ انْفِرَادِ التَّعَامُلِ بِهَا قَدْ قِيلَ إنَّهَا مِنْ النُّقُودِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْحُكْمَ لَوْ وَقَعَ بِالْعَرَضِ فَقَالَ: (وَيَكُونُ) أَيْ عَامِلُ الْقِرَاضِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ (إنْ نَزَلَ) الْعَقْد بِالْعُرُوضِ (أَجِيرًا فِي بَيْعِهَا) أَيْ الْعُرُوضِ

الْمَالِ الَّذِي لَهُ بَالٌ، وَإِنَّمَا يُكْتَسَى فِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ

؟ وَلَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَالِ.

وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ.

فِي

[الفواكه الدواني]

فَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِي تَوْلِيَةِ بَيْعِهَا حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ بَيْعِهَا، فَقَوْلُهُ أَجِيرًا أَيْ كَأَجِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْعَرَضِ وَالشِّرَاءِ بِثَمَنِهِ أَمْتِعَةً فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ مِنْ الثَّمَنِ) أَيْ إذَا اتَّجَرَ بِالثَّمَنِ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ إنْ وَقَعَ عَقْدُ الْقِرَاضِ بِعَرَضٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَاسِدًا يَجِبُ فَسْخُهُ، فَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى بَاعَ الْعَامِلُ الْعَرَضَ فَإِنَّهُ يَجِبُ فَسْخُهُ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي تَوْلِيَةِ الْبَيْعِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى اتَّجَرَ بِثَمَنِ الْعُرُوضِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِي تَوْلِيَةِ بَيْعِ الْعَرَضِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ، وَلَهُ قِرَاضُ مِثْلِهِ فِي الِاتِّجَارِ بِالثَّمَنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، هَذَا إذَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي يُبَاعُ بِهِ الْعَرَضُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْعَرَضَ اجْعَلْهُ رَأْسَ مَالٍ أَوْ قِيمَتَهُ الْآنَ أَوْ يَوْمَ الْمُفَاصَلَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَأَجِيرٍ فِي بَيْعِهَا وَيُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِي الِاتِّجَارِ بِالثَّمَنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِرَاضِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَنَّ قِرَاضَ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ لَا شَيْءَ لَهُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ فَتَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ دَفَعَ رَجُلٌ عِدْلَ كَتَّانٍ مَثَلًا لِآخَرَ وَقَالَ لَهُ: امْضِ بِهِ إلَى الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ فَادْفَعْهُ لِفُلَانٍ يَبِيعُهُ وَيَقْبِضُ ثَمَنَهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ فَخُذْهُ مِنْهُ وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا بَيْنِي وَبَيْنِك، فَإِنَّ هَذِهِ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
1 - وَمُلَخَّصُ شُرُوطِ الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا مَضْرُوبًا، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا وَقْتَ الْعَقْدِ مِنْ يَدِهِ، فَلَا يَصِحُّ بِدَيْنٍ وَلَا رَهْنٍ وَلَا وَدِيعَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ مَجْهُولَ الْكَمِّيَّةِ مَعْلُومَ النِّسْبَةِ كَرُبُعِ أَوْ خُمُسِ الرِّبْحِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ وَلَا يَتَقَيَّدُ عَقْدُهُ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: تَمْكِينُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ فَلَا وَجْهَ لِتَنْظِيرِ بَعْضِ الشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ.

(وَ) يَجِبُ (لِلْعَامِلِ) فِي حَالِ الْقِرَاضِ (كِسْوَتُهُ وَطَعَامُهُ) بِشُرُوطٍ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا سَافَرَ) لِلتِّجَارَةِ وَتَنْمِيَةِ مَالِ الْقِرَاضِ مُدَّةَ سَفَرِهِ وَإِقَامَتِهِ بِالْبَلَدِ الَّتِي يَتَّجِرُ فِيهِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ قَبْلَ السَّفَرِ إنْفَاقٌ، وَلَوْ شَغَلَهُ التَّزَوُّدُ لِلسَّفَرِ عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي كَانَ يَتَمَعَّشُ مِنْهَا خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، وَيُشْتَرَطُ فِي إنْفَاقِهِ فِي مَحَلِّ إقَامَتِهِ لِلتَّجْرِ عَدَمُ الْبِنَاءِ بِزَوْجَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَنْفَقَ إنْ سَافَرَ وَلَمْ يَبْنِ بِزَوْجَةٍ، فَإِنْ بَنَى بِهَا أَوْ دُعِيَ لِلدُّخُولِ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا السَّفَرَ بِكَوْنِهِ لِلتَّجْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ سَافَرَ بِمَالِ الْقِرَاضِ لِقَصْدِ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ أَوْ لِقُرْبَةٍ أَوْ لِبَلَدِ زَوْجَتِهِ الْمَبْنِيِّ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لَا فِي ذَهَابِهِ وَلَا فِي إيَابِهِ إلَّا فِي السَّفَرِ لِبَلَدِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّمَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ فِي مُدَّةِ الذَّهَابِ وَالْإِقَامَةِ، لَا فِي مُدَّةِ رُجُوعِهِ لِبَلَدٍ لَيْسَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ فَإِنَّ لَهُ الْإِنْفَاقَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ أَوْ الْقُرْبَةِ الرُّجُوعُ فِيهِ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَالذَّهَابِ فَلَا يُنْفِقُ بِخِلَافِ رُجُوعِهِ مِنْ بَلَدِ الزَّوْجَةِ، وَقَيَّدَ خَلِيلٌ الْبِنَاءَ بِالزَّوْجَةِ بِكَوْنِهِ فِي بَلَدِ التِّجَارَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ فَإِنَّ لَهُ الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ ذَهَابًا، وَإِيَابًا وَفِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِلتِّجَارَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
وَمِنْ شُرُوطِ الْإِنْفَاقِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ (فِي) أَيْ مِنْ (الْمَالِ الَّذِي لَهُ بَالٌ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَثِيرُ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْإِنْفَاقَ، فَلَا إنْفَاقَ لَهُ مِنْ الْمَالِ الْيَسِيرِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يُنْفِقَ بِالْمَعْرُوفِ، فَلَا يَجُوزُ السَّرَفُ فِي النَّفَقَةِ أَوْ الْكِسْوَةِ، فَإِنْ أَسْرَفَ كَانَ عَلَيْهِ كَالْإِنْفَاقِ الزَّائِدِ عَلَى مَالِ الْقِرَاضِ.
وَكَمَا لَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ ثُمَّ ضَاعَ مَالُ الْقِرَاضِ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَيُلْحَقُ بِالْإِنْفَاقِ الْجَائِزِ أُجْرَةُ نَحْوِ الْحَجَّامِ وَالْمُزَيِّنِ وَصَاحِبِ الْحَمَّامِ وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ التَّاجِرُ عُرْفًا، لَا عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَاةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَهُ فِيهِ، وَأَمَّا اتِّخَاذُهُ خَادِمًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِ الْعَامِلِ أَهْلًا لِلْإِخْدَامِ فَلَهُ اتِّخَاذُهُ فِي السَّفَرِ بِشُرُوطِ النَّفَقَةِ.
وَالْمُرَادُ اتِّخَاذُ الْخَادِمِ بِالْأُجْرَةِ لَا بِشِرَاءِ رَقِيقٍ، فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ كَثُرَ الْمَالُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ الْكِسْوَةِ كَالنَّفَقَةِ فِي جَوَازِ فِعْلِهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فِي السَّفَرِ وَلَوْ كَانَ قَصِيرًا قَالَ كَالْمُسْتَدْرَكِ عَلَى مَا سَبَقَ: (وَإِنَّمَا يُكْتَسَى فِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ) الَّذِي تَخْلَقُ فِيهِ الثِّيَابُ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ طُولُ زَمَانِهِ، فَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ كِسْوَةٍ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاكْتَسَى إنْ بَعُدَ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ فِي الْإِنْفَاقِ فِي السَّفَرِ وَكَوْنِهِ لِلتَّجْرِ فَقَطْ، لَا لِأَهْلٍ وَلَا لِحَجٍّ أَوْ غَزْوٍ أَوْ قُرْبَةٍ وَاحْتِمَالِ الْمَالِ وَكَوْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ.

وَلَمَّا كَانَ عَقْدُ الْقِرَاضِ بَعْدَ شُغْلِ الْمَالِ بِالْعَمَلِ لَازِمًا وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَضُوضَهُ لِإِيجَابِ لِذَلِكَ بَلْ الْكَلَامُ لِلْحَاكِمِ قَالَ: (وَلَا يَقْتَسِمَانِ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ (الرِّبْحَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَالِ) أَوْ يَتَرَاضَيَا عَلَى قِسْمَةٍ، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَضُوضَهُ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ اسْتَنَضَّهُ فَالْحَاكِمُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْجِيلٍ أَوْ تَأْخِيرٍ فَمَا كَانَ صَوَابًا فَعَلَهُ، وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْعُرُوضِ إذَا تَرَاضَوْا عَلَيْهَا وَتَكُونُ بَيْعًا، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ قِسْمَتُهُ قَبْلَ نَضُوضِهِ إلَّا بِرِضَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا قُسِمَ قَدْ تَهْلِكُ السِّلَعُ أَوْ تَتَحَوَّلُ أَسْوَاقُهَا فَيَنْقُصُ رَأْسُ الْمَالِ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ لِرَبِّ الْمَالِ بِعَدَمِ جَبْرِ رَأْسِ الْمَالِ بِالرِّبْحِ.
(تَتِمَّاتٌ) . الْأُولَى: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ نَضَّ الْمَالُ وَتَمَّ عَمَلُ الْقِرَاضِ، هَلْ يَجُوزُ لِلْعَامِلِ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيكُهُ بِغَيْرِ إذْنِ

الْأُصُولِ.

عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ.

وَالْعَمَلُ عَلَى الْمُسَاقِي وَلَا يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ عَمَلًا غَيْرَ عَمَلِ الْمُسَاقَاةِ

وَلَا عَمَلَ

[الفواكه الدواني]

رَبِّ الْمَالِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ؟ . وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْرِيكُهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَلَهُ تَحْرِيكُهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ رَبِّ الْمَالِ.
1 - الثَّانِيَةُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا حُكْمَ مَا لَوْ وَقَعَ الْقِرَاضُ فَاسِدًا؟ . وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، وَإِذَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى فَسَادِهِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ فَيَفُوتُ فَسْخُهُ حَيْثُ كَانَ الْعَامِلُ يَسْتَحِقُّ قِرَاضَ مِثْلِهِ مِنْ رِبْحِهِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ لِكَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ عَرَضًا أَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمَجْعُولُ لِلْعَامِلِ مُبْهَمًا وَلَا عَادَةَ لِلْعَامِلِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ لَهُ عِنْدَ الْفَسَادِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ بِأَنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يَسْتَقِلَّ بِالْعَمَلِ أَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مُرَاجَعَتَهُ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَلَوْ بَعْدَ الْعَمَلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَاسِدَ يُفْسَخُ عِنْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا بَعْدَ الْعَمَلِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِ الْوَاجِبِ فِيهِ قِرَاضَ الْمِثْلِ فَلَا يُفْسَخُ وَيَمْضِي أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَيُفْسَخُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقِرَاضِ الْمِثْلِ أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ الرِّبْحُ، بِخِلَافِ قِرَاضِ الْمِثْلِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا إلَّا إنْ حَصَلَ رِبْحٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْسَخْ فِي الْأَوَّلِ بَعْدَ الْعَمَلِ لِئَلَّا يَضَعَ عَمَلُهُ بَاطِلًا بِخِلَافِ الثَّانِي.
1 - الثَّالِثَةُ: الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ أَمِينٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِ الْمَالِ أَوْ ضَيَاعِهِ أَوْ خُسْرِهِ إلَّا أَنْ تُكَذِّبَهُ التُّجَّارُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي رَدِّهِ لِرَبِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يُقْبَلُ فِي رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ.

الرَّابِعَةُ: إذَا حَصَلَ فِي رَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ خُسْرٌ وَحَصَلَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ رِبْحٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ جَبْرُ الْخُسْرِ بِالرِّبْحِ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خِلَافَ ذَلِكَ مَا دَامَ الْمَالُ تَحْتَ يَدِ الْعَامِلِ لَا إنْ قَبَضَهُ رَبُّهُ بَعْدَ الْخُسْرِ وَرَدَّهُ لِلْعَامِلِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ قِرَاضًا مُسْتَأْنَفًا.
1 - الْخَامِسَةُ: إذَا مَاتَ الْعَامِلُ قَبْلَ نَضُوضِ الْمَالِ فَلِوَارِثِهِ الْأَمِينِ إتْمَامُ الْعَمَلِ، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ أَمَانَةً مِنْ مُوَرِّثِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْجُزْءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا فَلَهُ الْإِتْيَانُ بِأَمِينٍ كَمُوَرِّثِهِ فِيهَا، وَإِلَّا سَلَّمَ الْمَالَ لِرَبِّهِ هَدَرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِوَارِثِ الْعَامِلِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ اتَّخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَنْ يُتَمِّمُ الْعَمَلَ فَلَيْسَ كَالْجُعْلِ فِي هَذِهِ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا مَكَّنَ الْوَارِثَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِأَمِينٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ عُدَّ مُعْرِضًا عَنْ حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ فِي الْجُعْلِ لَمْ يُمَكِّنْهُ الشَّارِعُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَغْلُوبٌ فَجُعِلَ لَهُ بِنِسْبَةِ الثَّانِي، وَاسْتَحْسَنَ شُيُوخُنَا هَذَا الْفَرْقَ.

[بَاب الْمُسَاقَاة]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الْقِرَاضِ شَرَعَ فِي الْمُسَاقَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ) ، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ أَرْبَعَةٍ مَمْنُوعَةٍ.
الْأَوَّلُ: الْإِجَارَةُ بِالْمَجْهُولِ، الثَّانِي: الْمُخَابَرَةُ، وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، الثَّالِثُ: بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بَلْ قَبْلَ وُجُودِهَا، الرَّابِعُ: الْغَرَرُ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَدْرِي أَتَسْلَمُ الثَّمَرَةُ أَمْ لَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ عَمَلِهَا وَلَفْظُهَا مُفَاعَلَةٌ عَلَى حَدِّ سَافَرَ وَعَافَاهُ اللَّهُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ فَيَكُونُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُتَعَلَّقِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ عَنْ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْعَقْدُ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدٌ عَلَى عَمَلِ مُؤْنَةِ الْبَنَاتِ بِقَدْرٍ لَا مِنْ غَيْرِ غَلَّتِهِ لَا بِلَفْظِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ، فَيَدْخُلُ قَوْلُهَا لَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ لِلْعَامِلِ، وَمُسَاقَاةِ الْبَقْلِ، وَقَوْلُهُ لَا بِلَفْظِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ يَدْخُلُ فِيهِ عَقْدُهَا بِلَفْظِ عَامَلْتُك مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُسَاقَاةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ غَيْرَ مَانِعٍ.
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: التَّعْرِيفُ عَلَى طَرِيقِ سَحْنُونٌ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ عِنْدَهُ بِغَيْرِ لَفْظِ سَاقَيْت كَعَامَلْتُك، وَارْتَضَى طَرِيقَهُ جَمْعٌ مِنْ الشُّيُوخِ قَائِلًا: وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَإِنَّمَا قَالَ لَا مِنْ غَيْرِ غَلَّتِهِ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى كُلِّ الثَّمَرَةِ أَوْ بَعْضِهَا، وَيَخْرُجُ مَا لَوْ كَانَ بِجُزْءٍ مِنْ غَيْرِ الثَّمَرَةِ، فَلَا تَصِحُّ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمُسَاقَاةِ كَوُقُوعِهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ.

[أَرْكَانُ الْمُسَاقَاة]

وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الشَّجَرُ، وَالْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ لِلْعَامِلِ وَالْعَمَلُ وَالصِّيغَةُ وَالْعَاقِدُ وَشَرْطُهُ كَشَرْطِ عَاقِدِ الْإِجَازَةِ، وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى جَوَازِهَا بِمَا فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» وَوَقَعَ عَقْدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ يَوْمَ فَتْحِ خَيْبَرَ، سَاقَاهُمْ فِي النَّخْلِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ بِعَمَلِهِمْ وَالنِّصْفَ يُؤَدُّونَهُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَكَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ؛ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَتَضْمَنُونَ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي وَأَضْمَنُ نَصِيبَكُمْ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ» . فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَصِّصًا لِمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عُمُومٌ، وَمُسَاقَاتُهُ لِيَهُودِ خَيْبَرَ فِي النَّخِيلِ خُصُوصٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَمِلَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ.
وَصِلَةٌ جَائِزَةٌ (فِي الْأُصُول) جَمْعُ أَصْلٍ، وَهُوَ كُلُّ مَا تُجْتَنَى ثَمَرَتُهُ وَيَبْقَى أَصْلُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا تَصِحُّ مُسَاقَاةُ شَجَرٍ، وَإِنْ بَعْلًا ذِي ثَمَرٍ لَمْ يَخْلُ بَيْعُهُ وَلَمْ يَخْلُفْ إلَّا تَبَعًا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ شَرْطَ مُسَاقَاةِ الْأَشْجَارِ بُلُوغُهَا حَدَّ الْإِثْمَارِ، وَلَوْ تَمَّ الثَّمَرُ بِالْفِعْلِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَخْلُفَ الْأَصْلُ أَوْ ثَمَرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ، أَوْ مَا بَدَا صَلَاحُهُ، أَوْ مَا يَخْلُفُ تَبَعًا، وَإِلَّا جَازَ، وَالتَّبَعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ التَّابِعُ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ.

وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ (عَلَى) كُلِّ (مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ) قَالَ خَلِيلٌ: تَصِحُّ بِكُلِّ جُزْءٍ قَلَّ

شَيْءٍ يُنْشِئُهُ فِي الْحَائِطِ إلَّا مَا لَا بَالَ لَهُ مِنْ سَدِّ الْحَظِيرَةِ، وَإِصْلَاحِ الضَّفِيرَةِ وَهِيَ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشِئَ بِنَاءَهَا، وَالتَّذْكِيرُ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِصْلَاحُ مَسْقَطِ الْمَاءِ مِنْ الْغَرْبِ وَتَنْقِيَةُ مَنَاقِعِ الشَّجَرِ وَتَنْقِيَةُ الْعَيْنِ وَشِبْهُ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ.

وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى إخْرَاجِ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ الدَّوَابِّ.

وَمَا مَاتَ مِنْهَا فَعَلَى رَبِّهِ خَلَفُهُ.

وَنَفَقَةُ

[الفواكه الدواني]

أَوْ كَثُرَ شَاعَ وَعُلِمَ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْجُزْءَ لَا حَدَّ لَهُ، بَلْ لَوْ جُعِلَ لِلْعَامِلِ كُلُّ الثَّمَرَةِ صَحَّتْ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجُزْءِ الشُّيُوعُ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَرُبُعٍ أَوْ نِصْفٍ أَوْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ، فَلَا تَصِحُّ بِثَمَرِ نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا وَلَا بِجُزْءٍ مُبْهَمٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ مَعْرُوفَةً عِنْدَ النَّاسِ بِحَدٍّ، وَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَصْنَافٍ مِنْ الثِّمَارِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُتَّفِقًا، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْحَائِطِ إمَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْوَصْفِ، فَتَدْخُلُ مُسَاقَاةُ الْحَائِطِ الْغَائِبِ إنْ وُصِفَ حَيْثُ كَانَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ كَمَالِ طِيبِهِ.
(تَنْبِيهٌ) . مُقْتَضَى قَوْلِهِ: فِي الْأُصُولِ عَدَمُ جَوَازِهَا فِي غَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ تَصِحُّ فِي الزَّرْعِ كَالْقَصَبِ وَالْبَصَلِ وَالْمَقَاثِي لَكِنْ بِشُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: عَجْزُ رَبِّ الزَّرْعِ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بِتَرْكِ السَّعْيِ.
ثَالِثُهَا: أَلَّا يَبْرُزَ مِنْ الْأَرْضِ.
رَابِعُهَا: أَنْ لَا يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.
وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي نَحْوِ الْقُطْنِ وَالْوَرْدِ مِمَّا تُجْنَى ثَمَرَتُهُ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَصْلُهُ، فَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَ هَذِهِ بِالشَّجَرِ، وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهَا بِالزَّرْعِ، فَتَجُوزُ مُسَاقَاتُهَا بِالشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الزَّرْعِ.

(وَ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (الْعَمَلُ) الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحَائِطُ أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ سَقْيٍ وَآبَارٍ وَتَنْقِيَةِ مَنَاقِعِ الشَّجَرِ وَالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ، وَمَا أَشْبَهَهُ كُلُّهُ (عَلَى الْمُسَاقَى) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهُوَ الْعَامِلُ كَمَا عَلَيْهِ إقَامَةُ الْأَدَوَاتِ مِنْ الدِّلَاءِ وَالْمَسَاحِي وَالْأُجَرَاءِ وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَمِلَ الْعَامِلُ جَمِيعَ مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ عُرْفًا كَآبَارٍ وَتَنْقِيَةٍ وَدَوَابَّ وَأُجَرَاءَ، لِذَا لَا يَلْزَمُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَشْتَرِطَ) رَبُّ الْحَائِطِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (عَمَلًا غَيْرَ عَمَلِ الْمُسَاقَاةِ) خَارِجًا عَنْ الْحَائِطِ كَاشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِ حَصْدَ زَرْعٍ لَهُ أَوْ بَيْعَ سِلْعَةٍ أَوْ بِنَاءَ حَائِطٍ فِي دَارِهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَائِطِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَالٌ أَمْ لَا بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ مَا لَا بَالَ لَهُ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَائِطِ وَإِبْقَاءِ مَا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَائِطِ عَلَى عُمُومِهِ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ (عَمَلَ شَيْءٍ يُنْشِئُهُ فِي الْحَائِطِ) مِمَّا لَهُ كَحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ إنْشَاءِ غَرْسٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ جَوَازُ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَفْهُومُ فِي الْحَائِطِ قَدْ سَبَقَ قَبْلَ هَذِهِ الْقَوْلَةِ.
وَاسْتَثْنَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ الَّذِي تَسْمَحُ بِهِ النُّفُوسُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا مَا) قَلَّ مِمَّا (لَا بَالَ لَهُ) فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ) نَحْوِ (سَدِّ الْحَظِيرَةِ) ، وَهِيَ الزَّرْبُ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْحَائِطِ لِمَنْعِ مَنْ يَتَسَوَّرُ عَلَى الْحَائِطِ، وَيُرْوَى بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، فَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ سَدُّ الْفُرْجَةِ الْكَائِنَةِ فِي ذَاتِ الْحَظِيرَةِ، وَعَلَى الثَّانِي إصْلَاحُ الْحَظِيرَةِ بِالْأَحْبُلِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمْسِكُ الْحَظِيرَةَ، وَهِيَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةُ مِنْ الْحَظْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ.
(وَ) مِنْ (إصْلَاحِ الضَّفِيرَةِ) بِالضَّادِ (وَهِيَ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ) كَالصِّهْرِيجِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشِئَ بِنَاءَهَا) إلَى اشْتِرَاطِ يَسَارِهِ مَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ: وَقَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًّا كَعَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِصْلَاحُ جِدَارٍ، وَكَنْسُ عَيْنٍ، وَسَدُّ حَظِيرَةٍ، وَإِصْلَاحُ ضَفِيرَةٍ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ تَعْظُمْ مُؤْنَتُهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ إنْشَاءِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى الْعَامِلِ فَلَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ الْقَضَاءِ مُدَّةَ الْمُسَاقَاةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِاشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ، وَمُلَخَّصُ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَعَلِّقٌ بِإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرُ مُتَعَلِّقٍ، فَغَيْرُ الْمُتَعَلِّقِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَوْ قَلَّ، وَالْمُتَعَلِّقُ عَلَى الْعَامِلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَمِلَ الْعَامِلُ جَمِيعَ مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ عُرْفًا كَآبَارٍ وَتَنْقِيَةٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَالتَّذْكِيرُ عَلَى الْعَامِلِ) بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَيُقَالُ لَهُ التَّلْقِيحُ وَالتَّأْبِيرُ وَهُوَ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَكَذَا مَا يَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَإِصْلَاحُ مَسْقَطِ الْمَاءِ) مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ وَخَبَرُهُ جَائِزٌ الْآتِي، وَالْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعُ سُقُوطِهِ.
(مِنْ الْغَرْبِ) أَيْ الدَّلْوِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلَاتِ الْمَاءِ، وَمَسْقَطٍ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الْكَسْرُ كَمَسْجِدٍ، وَهَذَا مِمَّا شَذَّ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ اسْمِ الْمَكَانِ مِمَّا مُضَارِعُهُ بِالضَّمِّ أَوْ الْفَتْحِ فَتْحُ عَيْنِهِ نَحْوُ مَدْخَلٍ وَمَكْتَبٍ، وَمَذْهَبٍ.
(وَتَنْقِيَةُ مَنَاقِعِ الشَّجَرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى إصْلَاحٍ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ، وَالْمَنَاقِعُ جَمْعُ مَنْقَعٍ بِفَتْحِ الْقَافِ مَوْضِعٌ يُسْتَنْقَعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَالْمُرَادُ كَنْسُ أَمَاكِنِ الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي أُصُولِ الشَّجَرِ بِأَنْ يَحْفِرَ حَوْلَ الشَّجَرَةِ لِيَجْرِيَ فِيهِ الْمَاءُ.
(وَتَنْقِيَةُ) أَيْ كَنْسُ (الْعَيْنِ) بِأَنْ يَخْرُجَ كُلُّ مَا سَقَطَ فِي السَّاقِيَّةِ مِنْ وَرِقٍ وَسَعَفٍ.
(وَشِبْهُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِإِصْلَاحِ الثَّمَرِ، كَإِصْلَاحِ الدَّلْوِ وَجَذِّ الثَّمَرِ وَرَمِّ نَحْوِ قُفَّةٍ وَتَهْيِئَةِ قَنَاةِ الْمَاءِ (جَائِزٌ) خَبَرُ إصْلَاحٍ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً، وَأَفْرَدَهُ لِتَنَاوُلِهِ بِالْمَذْكُورِ أَوْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، وَ (أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ) فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فَاعِلُ جَائِزٍ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَنَاقُضًا حَيْثُ جَعَلَ أَنَّ هَذِهِ

الدَّوَابِّ وَالْأُجَرَاءِ عَلَى الْعَامِلِ.

وَعَلَيْهِ زَرِيعَةُ الْبَيَاضِ الْيَسِيرِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلْغَى ذَلِكَ لِلْعَامِلِ وَهُوَ أَحَلُّهُ.

وَإِنْ كَانَ.

[الفواكه الدواني]

الْمَذْكُورَاتِ عَلَى الْعَامِلِ بِالْأَصَالَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَتَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ بِالْأَصَالَةِ بِالشُّرُوطِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَامِلِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا: وَالْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْمُسَاقَى بِفَتْحِ الْقَافِ، وَنَصَّ هُنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَلَا يَفْسُدُ عَقْدُهَا بِالِاشْتِرَاطِ، فَيَكُونُ نَصَّ عَلَى مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَشْيَاءَ تَكُونُ وَاجِبَةً بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَاشْتِرَاطُهَا فِي صُلْبِهِ يُفْسِدُهُ كَمَا فِي مَسَائِلَ يَصِحُّ نَقْدُ الْعِوَضِ فِيهَا تَطَوُّعًا وَتَفْسُدُ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ اشْتِرَاطِ مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عَلَى الْعَامِلِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ وَقَعَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَعَمِلَ الْعَامِلُ جَمِيعَ مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ عُرْفًا، ثُمَّ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ: وَقَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًّا كَعَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِصْلَاحُ جِرَارٍ وَكَنْسُ عَيْنٍ وَسَدُّ حَظِيرَةٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ بِقَوْلِهِ: (وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ) الْمَدْخُولُ فِيهَا (عَلَى إخْرَاجِ مَا) كَانَ (فِي الْحَائِطِ مِنْ الدَّوَابِّ) وَالرَّقِيقِ وَالْأُجَرَاءِ وَالْآلَةِ، فَإِنْ وَقَعَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي صُلْبِ عَقْدِهَا فَسَدَتْ، كَمَا يَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِ زِيَادَةِ عَمَلٍ عَلَيْهِ غَيْرِ عَمَلِ الْحَائِطِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ: وَلَا نَقْصَ مَنْ فِي الْحَائِطِ وَلَا تَجْدِيدَ وَلَا زِيَادَةَ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَسَدَ عَقْدُهَا، وَإِنْ حَصَلَ عَمَلٌ وَجَبَ لَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِتِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) . تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ تَقَعَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ التَّمْرِ إلَخْ وَتَرَكَ التَّعَرُّضَ لِغَايَتِهَا، مَعَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تُحَدَّدَ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُشْتَرَطُ بَاقِيهَا، وَأَقَلُّهُ الْجِذَاذُ، وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَيُحْمَلُ انْتِهَاؤُهَا عَلَى الْجِذَاذِ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ فَيُحْمَلُ انْتِهَاؤُهَا عَلَى الْجِذَاذِ الْأَوَّلِ إنْ تَمَيَّزَتْ الْبُطُونُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحُمِلَتْ عَلَى أَوَّلِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ثَانٍ.
وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَلَى مَا يُطْرَحُ بُطُونًا وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَلَا يَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ إلَّا تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِمَّا يَنْضَبِطُ جِذَاذُهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ خَلَفُهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا مَاتَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ، وَهِيَ فِي الْحَائِطِ (فَعَلَى رَبِّهِ خَلَفُهُ) ، وَمِثْلُ الْمَوْتِ الْمَرَضُ وَالْإِبَاقُ، فَالْمَوْتُ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، وَوُجُوبُ الْخَلَفِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ مَاتَ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْلِفَهُ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَامِلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) . كَمَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ خَلَفُ مَا مَاتَ مِنْ الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أُجْرَةُ مَا كَانَ فِيهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَحْبُلٍ وَدِلَاءٍ، وَمَسَاحِي وَصَوَادِيدِ الْبِئْرِ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالزَّرَانِيقِ إذَا بَلِيَتْ أَوْ سُرِقَتْ فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْحَائِطِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى انْتِفَاعِهِ بِهَا حَتَّى تَهْلِكَ أَعْيَانُهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ تَجْدِيدَهَا عَلَى الْعَامِلِ فَلَيْسَتْ كَالدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ، وَبَيْنَ مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ مِنْ الْأَحْبُلِ، وَمَا مَعَهَا مِنْ الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ مُدَّةَ حَيَاتِهَا مَجْهُولَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَمَلُهَا بِذِمَّةِ رَبِّ الْحَائِطِ لَفَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ لِلْغَرَرِ، وَأَمَّا الْأَحْبُلُ وَنَحْوُهَا فَزَمَنُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مَعْلُومٌ فِي الْعَادَةِ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهَا عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي التَّعْيِينِ.

(وَنَفَقَةُ) الرَّقِيقِ وَعَلَفُ (الدَّوَابِّ، وَ) نَفَقَةُ (الْأُجَرَاءِ) وَكِسْوَتُهُمْ وَاجِبَةٌ (عَلَى الْعَامِلِ) سَوَاءٌ كَانَتْ لِرَبِّ الْحَائِطِ بِأَنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْحَائِطِ أَوْ كَانَتْ لِلْعَامِلِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ وَنَفَقَةُ دَوَابِّ الْحَائِطِ وَرَقِيقِهِ كَانُوا لَهُ أَوْ لِرَبِّ الْحَائِطِ، وَأَمَّا مَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْحَائِطِ قِيلَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ نَفَقَةُ مَا ذُكِرَ، وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لِرَبِّ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَجَمِيعَ الْمُؤَنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ الَّتِي تَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ الْعَامِلَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْأُجَرَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْبَاجِيِّ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَهُ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ الْوُجُوبَ بِغَيْرِ الْوَجِيبَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبَيَاضِ، وَهُوَ مَا خَلَا مِنْ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ هَلْ يَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ أَمْ لَا بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (زَرِيعَةُ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ الْمُخَفَّفَةِ (الْبَيَاضِ الْيَسِيرِ) الَّذِي اشْتَرَطَا إدْخَالَهُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الْمَجْعُولُ لِلْعَامِلِ فِيهِ مَوْقِفًا لِجُزْءِ الْحَائِطِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ عَلَى الْعَامِلِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعْهَدْ أَنَّهُ دَفَعَ لِأَهْلِ خَيْبَرَ شَيْئًا حِينَ عَامَلَهُمْ عَلَى سَقْيِ حَوَائِطِهَا» . الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ الْبَيَاضِ مُنْفَرِدًا ثُلُثَ قِيمَةِ التَّمْرَةِ فَأَقَلَّ، كَمَا إذَا كَانَ مِائَةً وَقِيمَةُ الثَّمَرَةِ بَعْدَ إسْقَاطِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِائَتَانِ، وَالْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ، هَذَا مُلَخَّصُ قَوْلِ خَلِيلٍ مُشَبَّهًا فِي الْجَوَازِ، وَكَبَيَاضِ نَخْلٍ أَوْ زَرْعٍ إنْ وَافَقَ الْجُزْءَ وَبَذَرَهُ الْعَامِلُ وَكَانَ ثُلُثًا بِإِسْقَاطِ كُلْفَةِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ فَسَدَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ، وَيَرُدُّ الْعَامِلُ إنْ عَمِلَ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِي الْحَائِطِ، وَإِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ فِي الْبَيَاضِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ جَوَازِ إلْغَائِهِ لِلْعَامِلِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِهِ أَكْثَرَ مِمَّا شُرِطَ لَهُ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلْغَى) أَيْ يُتْرَكَ (ذَلِكَ) الْبَيَاضُ الْيَسِيرُ (لِلْعَامِلِ) إنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ

فصول الكتاب · 4 فصل · 422 صفحة
جارٍ التحميل