الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيروانيصفحات 247-286
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ (الْغُسْلِ)

صفحات 247-286

أَوْصَى بِحَجٍّ أَنُفِذَ وَالْوَصِيَّةُ بِالصَّدَقَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا

وَإِذَا مَاتَ أَجِيرُ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ وَمَا هَلَكَ بِيَدِهِ فَهُوَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْبَلَاغِ فَالضَّمَانُ مِنْ الَّذِينَ وَاجْرُوهُ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ إنْ فَضَلَ شَيْءٌ.

[الفواكه الدواني]

أَقَرَّ لِشَخْصٍ مِنْ الْوَرَثَةِ مَعَ وُجُودِ مُسَاوِيهِ وَأَوْلَى لِأَقْرَبَ مِنْهُ (أَوْ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ (بِقَبْضِهِ) أَيْ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى وَارِثِهِ الْمُتَّهَمِ عَلَى الْإِقْرَارِ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَى ابْنِي الْبَارِّ أَوْ الصَّغِيرِ مَعَ وُجُودِ الْعَاقِّ أَوْ الْكَبِيرِ قَدْ أَدَّاهُ إلَيَّ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: يُؤَاخَذُ الْمُكَلَّفُ بِلَا حَجْرٍ بِإِقْرَارِهِ لِأَهْلٍ لَمْ يُكَذِّبْهُ وَلَا يُتَّهَمُ كَالْعَبْدِ فِي غَيْرِ الْمَالِ بَلْ بِمَا يُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ عُقُوبَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَأَخْرَسَ وَمَرِيضٍ إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِأَبْعَدَ أَوْ لِمُلَاطَفَتِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِعَدَمِ الِاتِّهَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَيْدَ الِاتِّهَامِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ وَفِي إقْرَارِ الصَّحِيحِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي إقْرَارِ الصَّحِيحِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالُوا بِصِحَّةِ إقْرَارِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَلَوْ عُلِمَ مَيْلُهُ لَهَا، وَإِنَّمَا فَصَلُوا فِي إقْرَارِهِ فِي حَالِ مَرَضِهِ فَقَالُوا: إنْ عُلِمَ مَيْلُهُ لَهَا لَا يَصِحُّ وَإِنْ عُلِمَ بُغْضُهُ لَمَا صَحَّ، وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ مَعَهَا صَحَّ إنْ وَرِثَهُ ابْنٌ وَلَوْ صَغِيرًا، وَكَذَا لَوْ وَرِثَهُ بَنُونَ حَيْثُ لَمْ تَنْفَرِدْ بِوِلَادَةِ الصَّغِيرِ فَلَا يَصِحُّ لِاتِّهَامِهِ، وَالْمَرَضُ الْخَفِيفُ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَانَ إيصَاؤُهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مَنْعُهُ

قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى) فِي حَالِ مَرَضِهِ (بِحَجٍّ) عَنْ نَفْسِهِ (أُنْفِذَتْ) وَصِيَّتُهُ وُجُوبًا مِنْ ثُلُثِهِ سَوَاءٌ كَانَ ضَرُورَةً أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَكَانَ غَيْرَ ضَرُورَةٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَنْفِيذُهَا وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِوُجُوبِ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَكْرُوهٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُفِّذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أُنْفِذَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ الصَّرُورَةُ لَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِالْحَجِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ وَإِلَّا كُرِهَ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَعَبَّرَ بِأَنْفَذْت إشَارَةً إلَى أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ ابْتِدَاءً وَلِذَا قَالَ: (وَالْوَصِيَّةُ بِالصَّدَقَةِ) وَهِيَ عَطِيَّةٌ يُقْصَدُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ (أَحَبُّ إلَيْنَا) مِنْ صَرْفِ الْمَالِ فِي الْحَجِّ لِوُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ لِلْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ لِمَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ لِلْخِلَافِ فِي حُصُولِ ثَوَابِهِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ وَلِذَلِكَ لَا نَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَعَلَّهَا إنَّمَا صَحَّتْ بِالْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ لَا يَحْصُلُ لِلْمَحْجُوجِ أَنَّهُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَجْرَ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ وَإِنَّمَا لَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ إذْ لَا أَحَبِّيَّةَ فِي الْحَجِّ لِكَرَاهَتِهِ.

[حُكْمِ مَا إذَا مَاتَ أَجِيرُ الْحَجِّ قَبْلَ التَّمَام]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا إذَا مَاتَ أَجِيرُ الْحَجِّ قَبْلَ التَّمَامِ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا مَاتَ أَجِيرُ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ) لِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَ الْوُصُولِ وَقَبْلَ إتْمَامِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِعْلُهُ (فَلَهُ) أَيْ يَجِبُ لِوَرَثَتِهِ (بِحِسَابِ مَا سَارَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ بِالْحِسَابِ إنْ مَاتَ أَوْ صُدَّ أَوْ حَصَلَ الْخَطَأُ فِي الْعَدَدِ، وَيُنْظَرُ لِمَا سَارَهُ مِنْ حَيْثُ الصُّعُوبَةُ وَالسُّهُولَةُ وَالْخَوْفُ وَالْأَمْنُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي أَجْرِ الضَّمَانِ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْعَقْدُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ وَأَبَى وَارِثُهُ مِنْ الْإِتْمَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْجَعَالَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِمَوْتِهِ أَوْ صَدِّهِ قَبْلَ التَّمَامِ.
وَأَمَّا فِي إجَارَةِ الْبَلَاغُ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا أَنْفَقَ إذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَامِ (وَ) إذَا أَخَذَ أَجِيرُ الضَّمَانِ بِحِسَابِ مَا سَارَ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ مَا بَقِيَ) مَعَهُ مِنْ الْمَالِ (وَمَا هَلَكَ) أَيْ ضَاعَ حَالَ كَوْنِ الْمَالِ (بِيَدِهِ فَهُوَ مِنْهُ) أَيْ فَضَمَانُهُ مِنْ أَجِيرِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ قَبْضِهِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ضَمَانِ الْأَجِيرِ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ) مِنْهُ (عَلَى الْبَلَاغِ فَ) إنَّ (الضَّمَانَ) لِجَمِيعِ مَا يَهْلَكُ (مِنْ الَّذِينَ وَاجَرُوهُ) لَا عَلَى الْأَجِيرِ، وَإِنَّمَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الَّذِينَ وَاجْرُوهُ لِتَفْرِيطِهِمْ بِعَدَمِ إجَارَةِ الضَّمَانِ الَّتِي هِيَ أَحْوَطُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ أَيْ وَفُضِّلَتْ إجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ، وَمَعْنَى فَضْلِهَا كَوْنُهَا أَحْوَطَ لِلْمَالِ؛ لِأَنَّ إجَارَةَ الْبَلَاغِ إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ لِلْأَجِيرِ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ، وَإِنْ ضَاعَ مِنْهُ الْمَالُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ رَجَعَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الضَّائِعِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْمَالِ قَبْلَ إتْمَامِ مَا عَلَيْهِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَيَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ تَسَلَّفَهُ وَيُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ، وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَامِ أَوْ صُدَّ يُرْجَعُ لِلْمُحَاسَبَةِ كَأَجِيرِ الضَّمَانِ، وَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُتِمَّ الْعَمَلَ لَا شَيْءَ لَهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا تَرَكَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا فَلَا يُنَافِي الرُّجُوعَ لِلْمُحَاسَبَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ الصَّدِّ، وَقَوْلُهُ: وَاجَرُوهُ صَوَابُهُ بِالْهَمْزِ بَدَلَ الْوَاوِ (وَ) إذَا تَمَّمَ أَجِيرُ الْبَلَاغِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الْعَمَلَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ مَا فَضَلَ) بَعْدَ الْإِنْفَاقِ (إنْ فَضَلَ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا أَخَذَهُ إلَّا مَا أَنْفَقَهُ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ إنْ ضَاعَ الْمَالُ قَبْلَ إحْرَامِهِ يَرْجِعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الْعَمَلِ وَالْإِنْفَاقِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الذَّهَابِ وَلَا فِي الْإِيَابِ إلَى مَوْضِعِ الضَّيَاعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ضَاعَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى عَمَلِ الْحَجِّ وَيُكْمِلُ الْعَمَلَ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الضَّمَانِ الَّذِي هُوَ الْأَحْوَطُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَحَقِيقَةُ إجَارَةِ الضَّمَانِ الْعَقْدُ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فِي عَيْنِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ هُوَ الَّذِي أَوْصَى بِإِجَارَةِ الْبَلَاغِ فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْحَجِّ إمَّا ضَمَانٌ أَوْ بَلَاغٌ أَوْ جَعَالَةٌ وَأَحْوَطُهَا لِلْمَالِ إجَارَةُ الضَّمَانِ، وَلِذَلِكَ تَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَصِيِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ ضَمَانِ الْأَجِيرِ فِيهَا لِمَا ضَاعَ بِخِلَافِ أَجِيرِ الْبَلَاغِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الرُّجُوعِ لِلْمُحَاسَبَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ التَّمَامِ لِمَوْتٍ أَوْ صَدٍّ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ.

[بَابٌ فِي الْفَرَائِضِ]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَمَا بِهِ قَطْعُ التَّنَازُعِ مِنْ صُلْحٍ وَقَضَاءٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ وَالْجِنَايَاتِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ فَقَالَ:

بَابٌ فِي الْفَرَائِضِ وَلَا يَرِثُ مِنْ الرِّجَالِ إلَّا عَشَرَةٌ الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ وَالْأَبُ وَالْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا وَالْأَخُ وَابْنُ الْأَخِ وَإِنْ

[الفواكه الدواني]

(بَابٌ فِي) عِلْمِ (الْفَرَائِضِ) جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَيُقَالُ لَهُ عِلْمُ الْمَوَارِيثِ وَهُوَ عِلْمٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ وَعَظِيمُ الْأَجْرِ إذْ هُوَ مِنْ الْعُلُومِ الْقُرْآنِيَّةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكِلْ قِسْمَةَ مَوَارِيثِكُمْ إلَى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا إلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَلَكِنْ تَوَلَّى قِسْمَتَهَا أَبْيَنُ قِسْمَةً لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَرَغَّبَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَضَّ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ حَيْثُ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» . وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَفَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» الْآيَةُ الْمُحْكَمَةُ كِتَابُ اللَّهِ، وَالسُّنَّةُ الْقَائِمَةُ الثَّابِتَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْفَرِيضَةُ الْعَادِلَةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَتَكُونُ هَذِهِ الْفَرِيضَةُ تَعْدِلُ مَا أُخِذَ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُمَا.
وَرُوِيَ فِي فَضْلِهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْسَى وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْفَرَائِضَ نِصْفُ الْعِلْمِ» فَقَالَ أَهْلُ السَّلَامَةِ: لَا نَعْلَمُ مَعْنَاهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ وَإِنْ لَمْ نَعْقِلْ مَعْنَاهُ، وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: لِلْآدَمِيِّ حَالَتَانِ: حَالَةُ حَيَاةٍ وَحَالَةُ مَوْتٍ، فَحَالَةُ الْحَيَاةِ سَبَبٌ لِسَائِرِ الْعُلُومِ غَيْرِ الْفَرَائِضِ، وَحَالُ الْمَوْتِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ حَجْمًا، لَكِنْ الثَّوَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ كَالثَّوَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَا عَدَاهُ مِنْ الْعُلُومِ أَوْ هُوَ نِصْفٌ، بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الْمُوصِلِ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الِاخْتِيَارِيِّ وَالْجَبْرِيِّ، فَالْأَوَّلُ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ، وَالثَّانِي الْإِرْثُ أَوْ نِصْفٌ بِاعْتِبَارِ فُرُوعِهِ لَوْ بُسِطَتْ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّصْفِ النِّصْفُ عَلَى حَدِّ: إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ فَإِنَّ الْمُرَادَ صِنْفَانِ.
وَعِلْمُ الْفَرَائِضِ لَهُ حَدٌّ وَمَوْضُوعٌ وَلَهُ غَايَةٌ وَلَهُ حُكْمٌ.
أَمَّا حَدُّهُ فَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَقَدْ حَدَّهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السِّبْطُ فِي شَرْحِ الْحُوفِيِّ بِقَوْلِهِ: هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُخْتَصِّ تَعَلُّقُهَا بِالْمَالِ بَعْدَ مَوْتِ مَالِكِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، فَتَحْقِيقُ الْمَوْتِ وَالْمِلْكِ مَعْلُومٌ، وَأَمَّا تَقْدِيرُهُمَا فَكَالْمَفْقُودِ وَالْجَنِينِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَيِّتٌ تَقْدِيرًا، وَالثَّانِيَ مَالِكٌ تَقْدِيرًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عِلْمُ الْفَرَائِضِ لَقَبًا الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِرْثِ، وَعِلْمُ مَا يُوصِلُ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا يَجِبُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْ التَّرِكَةِ، وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَاتُ؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهَا الذَّاتِيَّةِ، كَحَقِّ الْمَيِّتِ الْمُتَعَلِّقِ بِالتَّرِكَةِ مِنْ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَحَقِّ الْوَارِثِ وَالْمُوصَى لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِلصُّورِيِّ مِنْ أَنَّ مَوْضُوعَهُ الْعَدَدُ، وَالتَّرِكَاتُ جَمْعُ تَرِكَةٍ وَهُوَ حَقٌّ قَابِلٌ لِلتَّجَزِّي يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقٍّ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِقَرَابَةٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِلْإِرْثِ كَالنِّكَاحِ وَالْوَلَاءِ، وَغَايَتُهُ وَيُقَالُ لَهَا فَائِدَتُهُ حُصُولُ مِلْكِهِ لِلْإِنْسَانِ تُوجِبُ سُرْعَةَ الْجَوَابِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، وَالصَّوَابُ وَحِكْمَةُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ فَرْضِيَّتِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ لِاسْتِيفَاءِ الصَّحَابَةِ النَّظَرَ فِيهِ وَكَثْرَةَ مُنَاظَرَتِهِمْ وَأَجْوِبَتِهِمْ فِيهِ، فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ اهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْإِرْثَ لَهُ أَرْكَانٌ وَأَسْبَابٌ وَشُرُوطٌ وَمَوَانِعُ.
فَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: وَارِثٌ وَمُوَرِّثٌ وَشَيْءٌ مَوْرُوثٌ.
وَأَسْبَابُهُ أَرْبَعَةٌ: الْقَرَابَةُ الْمَخْصُوصَةُ، وَالْوَلَاءُ، وَجِهَةُ الْإِسْلَامِ فِي الصَّرْفِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَالنِّكَاحُ وَلَوْ فَاسِدًا حَيْثُ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ دُخُولٌ.
وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ: فَقُدِّمَ مَوْتُ الْمُوَرِّثِ، وَاسْتِقْرَارُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ، وَالْعِلْمُ بِالْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِرْثِ، وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ إلَى بَعْضِ مَوَانِعِهِ.
وَشَرَعَ هُنَا فِي تَعْدَادِ مَنْ يَرِثُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ) الْمَيِّتَ (مِنْ الرِّجَالِ) بِالِاخْتِصَارِ إجْمَاعًا (إلَّا عَشَرَةٌ الِابْنُ) وَهُوَ أَقْوَى الْعَصَبَةِ وَلِذَا بَدَأَ بِهِ (وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَالضَّمُّ أَحْسَنُ (وَالْأَبُ وَالْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ بَعُدَ) وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِسُفْلٍ

بَعُدَ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ وَإِنْ بَعُدَ وَالزَّوْجُ وَمَوْلَى النِّعْمَةِ

وَلَا يَرِثُ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرُ سَبْعٍ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ وَالْأُخْتُ وَالزَّوْجَةُ وَمُوَلَّاةُ النِّعْمَةِ

فَمِيرَاثُ الزَّوْجِ مِنْ الزَّوْجَةِ إنْ لَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ النِّصْفُ فَإِنْ تَرَكَتْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ أَوْ مَنْ غَيْرُهُ فَلَهُ الرُّبُعُ وَتَرِثُ هِيَ مِنْهُ الرُّبُعَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ مِنْهَا أَوْ

[الفواكه الدواني]

وَإِنْ عَلَا (وَالْأَخُ) مُطْلَقًا وَلَوْ لِأُمٍّ (وَابْنُ الْأَخِ) الشَّقِيقِ أَوْ لِلْأَبِ (وَإِنْ بَعُدَ) وَأَمَّا ابْنُ الْأَخِ لِلْأُمِّ فَلَا يَرِثُ.
(وَالْعَمُّ) الشَّقِيقُ أَوْ لِلْأَبِ (وَإِنْ بَعُدَ) وَأَمَّا عَمُّ الْأُمِّ فَلَا يَرِثُ ابْنُهَا وَوَلَدُهُ أَحْرَى.
(وَالزَّوْجُ) وَلَوْ كَانَ عَقْدُهُ فَاسِدًا وَلَمْ يَحْصُلْ دُخُولٌ حَيْثُ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِيهِ الْإِرْثُ إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ، وَإِنْكَاحُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ لَا أَتَّفِقُ عَلَى فَسَادِهَا فَلَا طَلَاقَ وَلَا إرْثَ كَخَامِسَةٍ.
(وَمَوْلَى النِّعْمَةِ) وَهُوَ الْمُعْتَقُ، وَمَوْلَى الْمَوْلَى وَهُوَ مُعْتَقُ الْمُعْتَقِ.
وَقَيَّدْنَا بِالِاخْتِصَارِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا بِالْبَسْطِ فَعِدَّتُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ: الِابْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، وَالْأَبُ وَالْجَدُّ وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَخُ الشَّقِيقُ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ، وَالْأَخُ لِلْأُمِّ، وَابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَالْعَمُّ الشَّقِيقُ، وَالْعَمُّ لِلْأَبِ، وَابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ، وَالزَّوْجُ، وَذُو الْوَلَاءِ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ مِنْ الذُّكُورِ فَمِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَابْنِ الْبِنْتِ، وَأَبِي الْأُمِّ، وَابْنِ الْأَخِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمِّ لِلْأُمِّ وَنَحْوِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِصَارَ وَقَعَ فِي الْأَخِ وَابْنِهِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ وَالْمَوْلَى كَمَا يُفْهَمُ مِنْ تَقْرِيرِنَا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِإِطْلَاقِنَا فِي الْأَخِ وَالْعَمِّ وَأَبْنَائِهِمَا وَزِيَادَةِ مَوْلَى الْمَوْلَى، فَتَنْتَهِي الْعَشَرَةُ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَجَمِيعُهُمْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ إلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُعْتَقًا أَوْ ابْنَ عَمٍّ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَخُ لِلْأُمِّ ابْنَ عَمٍّ، وَإِلَّا فَيَجْمَعَانِ بَيْنَ الْإِرْثِ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَجَمِيعُهُمْ يَرِثُ بِالنَّسَبِ إلَّا الزَّوْجَ وَمَوْلَى النِّعْمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ ابْنَ عَمٍّ، وَكَذَلِكَ مَوْلَى النِّعْمَةِ قَدْ يَرِثُ بِالنَّسَبِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جَدُّ الْأَوْلَادِ أَبَاهُ.

[الْوَارِثَاتِ مِنْ النِّسَاءِ]

وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ الْوَارِثَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ) الْمَيِّتَ (مِنْ النِّسَاءِ) عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ (غَيْرُ سَبْعٍ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ وَالْأُخْتُ وَالزَّوْجَةُ وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ) وَأَمَّا عِدَّتُهُنَّ بِالْبَسْطِ فَعَشَرَةٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِهَا، وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْمُعْتَقَةُ، فَالِاخْتِصَارُ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْجَدَّةِ وَالْأُخْتِ الْجَدَّةُ بِوَاحِدَةٍ وَالْأُخْتُ بِاثْنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى السَّبْعَةِ كَمُلَتْ الْعَشَرَةُ، وَجَمِيعُهُنَّ يَرِثُ بِالنَّسَبِ إلَّا الزَّوْجَةَ وَالْمُعْتَقَةَ، وَجَمِيعُهُنَّ يَرِثُ بِالْفَرْضِ إلَّا الْأَخَوَاتِ مِنْ غَيْرِ الْأُمِّ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ وَمَوْلَاةِ النِّعْمَةِ، وَإِلَّا الْأُمَّ مَعَ الْأَبِ فِي الْغَرَّاوَيْنِ فَإِنَّهَا تَرِثُ مَعَهُ ثُلُثَ الْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ.
(مُهِمَّاتٌ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إلَى مَعْرِفَتِهَا) . إحْدَاهَا: كُلُّ ذَكَرٍ مَاتَ وَخَلَّفَ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُ مِنْ الذُّكُورِ لَا يَرِثُ مِنْهُمْ إلَّا اثْنَانِ الْأَبُ وَالِابْنُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَبَ يَحْجُبُ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ كَالْجَدِّ وَالْأَعْمَامِ وَالْإِخْوَةِ، وَالِابْنُ يَحْجُبُ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ كَابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ.
وَثَانِيَتُهَا: كُلُّ ذَكَرٍ مَاتَ وَخَلَّفَ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُهُ مِنْ النِّسَاءِ لَا يَرِثُهُ مِنْهُنَّ إلَّا خَمْسٌ: الْأُمُّ وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالزَّوْجَةُ وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ، وَمَنْ عَدَاهُنَّ مَحْجُوبٌ بِهِنَّ عَلَى التَّوْزِيعِ.
وَثَالِثَتُهَا: كُلُّ ذَكَرٍ مَاتَ وَخَلَّفَ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلَا يَرِثُهُ مِنْهُمْ إلَّا خَمْسٌ: الِابْنُ وَالْأَبُ وَالْأُمُّ وَالزَّوْجَةُ وَالْبِنْتُ.
وَرَابِعَتُهَا: كُلُّ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُهَا مِنْ الذُّكُورِ لَمْ يَرِثْهَا مِنْهُمْ إلَّا ثَلَاثَةٌ: الِابْنُ وَالْأَبُ وَالزَّوْجُ.
وَخَامِسَتُهَا: كُلُّ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُهَا مِنْ النِّسَاءِ لَا يَرِثُهَا إلَّا أَرْبَعٌ: الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُخْتُ لِغَيْرِ الْأُمِّ وَالْأُمُّ.
وَسَادِسَتُهَا: كُلُّ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُهَا مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لَا يَرِثُ مِنْهُمْ سِوَى خَمْسَةٍ: الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ وَالزَّوْجُ، فَإِنْ قِيلَ: مَاتَ شَخْصٌ وَخَلَّفَ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُهُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، قِيلَ: هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الْخُنْثَى، الْمُشْكِلِ إذَا وَلَدَ مِنْ ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ.
وَسَابِعَتُهَا: إذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْ الذُّكُورِ وَرِثَ جَمِيعَ الْمَالِ إلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَوْ الْأَخُ لِلْأُمِّ ابْنَ عَمٍّ أَوْ يَكُونَ مَوْلًى.
وَثَامِنَتُهَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ انْفَرَدَ مِنْ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْمَالِ إلَّا الْمُعْتَقَةُ،

[الْفُرُوض فِي الْمِيرَاث]

وَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (فَمِيرَاثُ الزَّوْجِ مِنْ الزَّوْجَةِ إنْ لَمْ تَتْرُكْ) أَيْ الزَّوْجَةُ (وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ) لَا وَلَدَ بِنْتٍ (النِّصْفُ فَإِنْ تَرَكَتْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) وَلَوْ مِنْ زِنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْ أُمِّهِ بِحَالٍ (فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الرُّبُعُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء: 12] فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْضَيْنِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لَا إنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ وَارِثًا إلَّا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ وَلَا يَرِثُونَ وَذَلِكَ مَعَ الْأَبِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَصْحَابِ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُمْ خَمْسَةٌ: الزَّوْجُ وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ،

مِنْ غَيْرِهَا فَلَهَا الثُّمُنُ

وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ ابْنِهَا الثُّلُثُ إنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ مَا كَانُوا فَصَاعِدًا إلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فِي زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَمَا بَقِيَ لِلْأَبِ وَفِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَمَا بَقِيَ لِلْأَبِ وَلَهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الثُّلُثُ إلَّا مَا نَقَصَهَا الْعَوْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ

[الفواكه الدواني]

لَكِنْ الزَّوْجُ يَسْتَحِقُّهُ بِشَرْطٍ عَدَمِيٍّ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْبِنْتُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مُسَاوٍ وَلَا مُعَصِّبٌ، وَبِنْتُ الِابْنِ بِثَلَاثَةٍ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مُسَاوٍ وَلَا مُعَصِّبٌ وَلَا أَعْلَى مِنْهُ، وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مُسَاوٍ وَلَا مُعَصِّبٌ وَلَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مُسَاوٍ وَلَا مُعَصِّبٌ وَلَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا شَقِيقَةٌ، فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَصْحَابُ الرُّبُعِ اثْنَانِ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الزَّوْجُ بِشَرْطٍ وُجُودِيٍّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالزَّوْجَةُ بِشَرْطٍ عَدَمِيٍّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَتَرِثُ هِيَ) أَيْ الزَّوْجَةُ وَالْمُرَادُ جِنْسُهَا فَيَشْمَلُ الْوَاحِدَةَ وَالْمُتَعَدِّدَةَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزَّوْجِ (الرُّبُعَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) لَا حَقَّ بِهِ (أَوْ وُلِدَ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَهَا) أَوْ لَهُنَّ (الثُّمُنُ) تَخْتَصُّ بِهِ الْوَاحِدَةُ وَتَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُتَعَدِّدَاتُ، فَالثُّمُنُ فَرْضُ صِنْفٍ مِنْ الْوَرَثَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالرُّبُعُ الزَّوْجُ بِفَرْعٍ وَزَوْجَةٍ فَأَكْثَرَ، وَالثُّمُنُ لَهَا أَوْ لَهُنَّ بِفَرْعٍ لَاحِقٍ، فَالْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، فَلَا يَحْجُبُ الزَّوْجَةَ مِنْ الرُّبُعِ إلَى الثُّمُنِ بَلْ تَرِثُ الرُّبُعَ مَعَ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ ابْنِ الزَّوْجَةِ مِنْ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَحْجُبُ زَوْجَهَا مِنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبُعِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْهَا بِوَجْهٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْعَوْلِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَوْلِ فَيَأْخُذُ كُلَّ فَرْضِهِ نَاقِصًا عَنْ نِصْفِهِ أَوْ رُبْعَ أَوْ ثُمُنَ الْمَالِ حَقِيقَةً، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرُّبُعَ أَوْ الثُّمُنَ تَشْتَرِكُ فِيهِ النِّسَاءُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ عَلَى السَّوَاءِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ نَادِرَةٍ، كَمَنْ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَمَاتَتْ وَجُهِلَتْ الْمُطَلَّقَةُ وَعُلِمَتْ الْمُتَزَوِّجَةُ وَكُلٌّ مِنْ الْأَرْبَعِ تَقُولَنَّ أَنَا زَوْجَةٌ، وَنَفْرِضُ الْمَالَ أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ دِينَارًا مَثَلًا رُبْعُهُ سِتَّةَ عَشَرَ لِلزَّوْجَاتِ فِي عَدَمِ الْوَلَدِ الْوَارِثِ، فَنُعْطِي الْجَدِيدَةَ أَرْبَعَةً وَالْبَاقِيَ اثْنَيْ عَشَرَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ مَعَ أَيْمَانِهِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَدِيدَةَ تَحَقَّقَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ فَلَهَا أَرْبَعَةٌ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الرُّبُعِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ، فَإِنْ جُهِلَتْ الْجَدِيدَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ فَالرُّبُعُ بَيْنَ الْخَمْسِ عَلَى السَّوَاءِ مَعَ إيمَانِهِنَّ، وَقَدْ يَرِثُ الرُّبُعَ عَشْرٌ مِنْ الزَّوْجَاتِ أَوْ أَكْثَرُ وَذَلِكَ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ عَلَيْهِنَّ وَيُسْلِمْنَ مَعَهُ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَالرُّبُعُ أَوْ الثُّمُنُ لِلْجَمِيعِ، إلَّا أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْإِسْلَامِ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ فَلَا إرْثَ لِوَاحِدَةٍ مِمَّنْ أَسْلَمْنَ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَارَ اثْنَتَيْنِ مِمَّنْ أَسْلَمْنَ لَكَانَ بَاقِي الرُّبُعِ أَوْ الثُّمُنِ لِبَاقِي الْمُسْلِمَاتِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ إرْثِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ شَرَعَ فِي مِيرَاثِ الْأُمِّ مِنْ ابْنِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ ابْنِهَا) الْمُرَادُ وَلَدُهَا لِيَشْمَلَ الْأُنْثَى (الثُّلُثُ) بِشَرْطَيْنِ أَوَّلُهُمَا: (إنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا) وَارِثًا (أَوْ وَلَدَ ابْنٍ) كَذَلِكَ وَبَاقِي الشَّرْطَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ اثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ مَا كَانُوا) أَيْ أَشِقَّاءَ أَوْ لِأَبٍ أَوْ أُمٍّ (فَصَاعِدًا) أَيْ فَأَكْثَرَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالثُّلُثُ الْأُمُّ وَوَلَدَاهَا فَأَكْثَرُ وَحَجَبَهَا لِلسُّدُسِ وَإِنْ سَفَلَ وَأَخَوَانِ أَوْ أُخْتَانِ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ.
(إلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ) إحْدَاهُمَا: (فِي زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ) ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ عَدَدٍ يَخْرُجُ مِنْهَا فَرْضًا (وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ) وَهُوَ رُبْعُ جَمِيعِ الْمَالِ (وَمَا بَقِيَ) وَهُوَ اثْنَانِ فَهُوَ (لِلْأَبِ، وَ) الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ (فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ) أَصْلُهَا اثْنَانِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ أَقَلُّ عَدَدٍ يَخْرُجُ مِنْهُ فَرْضُهَا، وَفَرْضُ الزَّوْجِ النِّصْفُ وَهُوَ مِنْ اثْنَيْنِ يَبْقَى بَعْدَهُ وَاحِدٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَاصِبَ الذَّكَرَ يُفْرَضُ مَعَ مَنْ يُعَصِّبُهُ مِنْ الْإِنَاثِ بِرَأْسَيْنِ، وَالْوَاحِدُ يُبَايِنُ الثَّلَاثَةَ فَتُضْرَبُ الثَّلَاثَةُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِسِتَّةٍ (فَلِلزَّوْجِ) مِنْهَا (النِّصْفُ) ثَلَاثَةٌ (وَلِلْأُمِّ مَا بَقِيَ) وَهُوَ وَاحِدٌ (وَمَا بَقِيَ لِلْأَبِ) وَهُوَ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ إرْثَهَا مَعَهُ بِالتَّعْصِيبِ فَيَأْخُذُ مِثْلَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي فِي زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَوْضِعُ الْأَبِ جَدٌّ لَكَانَ لَهَا الثُّلُثُ حَقِيقَةً مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا تَرِثُ مَعَهُ بِالْفَرْضِ وَمَعَ الْأَبِ بِالْقِسْمَةِ أَيْ التَّعْصِيبِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ لِلْأُمِّ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِلْأُمِّ فِيهَا أَرْبَعَةٌ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْعَمَلُ بِالْقَوَاعِدِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ يَجِبُ أَنْ يُفَضَّلَ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى، وَلَوْ أَخَذَتْ الْأُمُّ الثُّلُثَ كَامِلًا فِيهِمَا لَأَدَّى إلَى مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ الْمُقَدَّمَةِ مُرَاعَاتُهَا عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ نُقَدِّمُ الْقَوَاعِدَ عَلَى الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَوَاعِدُ مِنْ الْقَوَاطِعِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ قَطْعِيًّا فَدَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةٌ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ بِالْغَرَّاوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ غَرَّتْ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَتْهُ رُبْعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَسُدُسٌ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُسَمَّى لَهَا فِي الْآيَةِ (وَ) يُفْرَضُ (لَهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْفَرِيضَتَيْنِ (الثُّلُثُ) كَامِلًا (إلَّا مَا نَقَصَهَا

وَلَدُ ابْنٍ أَوْ اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ مَا كَانَا فَلَهَا السُّدُسُ حِينَئِذٍ

وَمِيرَاثُ الْأَبِ مِنْ وَلَدِهِ إذَا انْفَرَدَ وَرِثَ الْمَالَ كُلَّهُ وَيُفْرَضُ لَهُ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ السُّدُسُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ وَأُعْطِيَ مَنْ شَرِكَهُ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ سِهَامَهُمْ ثُمَّ كَانَ لَهُ مَا بَقِيَ

وَمِيرَاثُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ جَمِيعُ الْمَالِ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ بَعْدَ سِهَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ وَابْنُ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ ابْنٌ فَإِنْ كَانَ ابْنٌ وَابْنَةٌ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَذَلِكَ فِي كَثْرَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَقِلَّتِهِمْ يَرِثُونَ كَذَلِكَ جَمِيعَ الْمَالِ أَوْ مَا فَضَلَ مِنْهُ بَعْدَ مَنْ شَرِكَهُمْ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ

[الفواكه الدواني]

الْعَوْلُ) كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ لِغَيْرِ أُمٍّ، وَأُمٍّ أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا نِصْفًا وَثُلُثًا وَتَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ وَالْأُخْتُ كَذَلِكَ وَلِلْأُمِّ اثْنَانِ فَصَارَ ثُلُثُهَا رُبْعًا وَلِذَلِكَ تُسَمَّى بِالْمُبَاهَلَةِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ شَرْطِ إرْثِ الْأُمِّ الثُّلُثَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ أَوْ اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ مَا كَانَا) وَلَوْ إخْوَةً لِأُمٍّ وَلَوْ اثْنَيْنِ وَلَوْ مَحْجُوبَيْنِ بِالشَّخْصِ كَأَبٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةٍ فَإِنَّهُمْ يَحْجُبُونَهَا مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ فِي حَجْبِهِمْ غَيْرَهُمْ مَعَ عَدَمِ إرْثِهِمْ.
قَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ: وَفِيهِمْ فِي الْفَرْضِ أَمْرٌ عَجَبُ ... ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ حُجِبُوا وَحَجَبُوا لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرِثُ لَا يَحْجُبُ (فَلَهَا السُّدُسُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ وُجِدَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ عَدَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ، وَقَيَّدْنَا الْحَجْبَ بِالشَّخْصِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْحَجْبِ بِالْوَصْفِ، كَأَنْ يَكُونَا رَقِيقَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ فَلَا يَحْجُبَانِ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ بِقَوْلِهِ: وَحَجَبَهَا لِلسُّدُسِ وَلَدٌ وَإِنْ سَفَلَ وَأَخَوَانِ أَوْ أُخْتَانِ مُطْلَقًا.
(تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ رُبَّمَا يُوهِمُ اشْتِرَاطَ كَمَالِ الْأَخَوَيْنِ أَوْ الْأُخْتَيْنِ، وَأَنَّهُمَا لَوْ تَبَعَّضَا لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَصُورَتُهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: مَنْ تَرَكَ أُمًّا وَنِصْفَ أُخْتٍ وَنِصْفَ أُخْتٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَعْطَى الْأُمَّ السُّدُسَ وَأَعْطَى النِّصْفَيْنِ نَصِيبَ أُخْتٍ وَاحِدَةٍ فَجَعَلَهُمَا فِي الْحَجْبِ اثْنَتَيْنِ وَفِي الْمِيرَاثِ بِوَاحِدَةٍ، وَهَذَا مِنْ الْمُشْكِلَاتِ إذْ جَعَلَهُمَا فِي الْإِرْثِ وَاحِدَةً وَفِي الْحَجْبِ اثْنَتَيْنِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى إرْثِ الزَّوْجَيْنِ وَالْأُمِّ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى إرْثِ الْأَبِ فَقَالَ: (وَمِيرَاثُ الْأَبِ مِنْ وَلَدِهِ إذَا انْفَرَدَ) بِأَنْ لَمْ يُخَلِّفْ الْمَيِّتُ فَرْعًا (وَرِثَ الْمَالَ كُلَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَاصِبٌ (وَيُفْرَضُ لَهُ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) الْمَحَلُّ لِلضَّمِيرِ (السُّدُسُ) فَقَطْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ) ذَكَرٌ (وَلَا وَلَدُ ابْنٍ) وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ أَوْ بَنَاتٌ (فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ وَأُعْطِيَ مَنْ شَرِكَهُ) أَيْ وَرِثَ مَعَهُ (مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ) أَيْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ (سِهَامَهُمْ ثُمَّ) بَعْدَ أَخْذِ سِهَامِهِمْ (كَانَ لَهُ مَا بَقِيَ) . وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْأَبِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: الْأُولَى: أَنْ يَحُوزَ جَمِيعَ الْمَالِ وَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْفَرْعِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرِثَ الْفَرْضَ فَقَطْ وَذَلِكَ مَعَ وُجُودِ فَرْعِ الْمَيِّتِ الذَّكَرِ.
الثَّالِثَةُ: جَمْعُهُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ وَذَلِكَ مَعَ الْفَرْعِ وَالْأُنْثَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيَرِثُ بِفَرْضِ عُصُوبَةِ الْأَبِ ثُمَّ الْجَدِّ مَعَ بِنْتٍ وَإِنْ سَفَلَتْ كَابْنِ عَمِّ أَخٍ لِأُمٍّ وَكَزَوْجٍ هُوَ مُعْتَقٌ أَوْ ابْنُ عَمٍّ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ إرْثِ الْوَالِدِ شَرَعَ فِي بَيَانِ إرْثِ الْوَلَدِ مِنْ أَبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمِيرَاثُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ) مِنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ (جَمَعَ الْمَالَ إنْ كَانَ وَحْدَهُ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ بِالْفَرْضِ (أَوْ) أَيْ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ بِأَنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَرِثُ الْمَيِّتَ بِالْفَرْضِ فَإِنَّهُ (يَأْخُذُ مَا بَقِيَ بَعْدَ سِهَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ) وَإِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ؛ لِأَنَّهُمْ الْأَصْلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْعَاصِبَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، وَإِنَّمَا لَهُ جَمِيعُ الْمَالِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ وَمَا أَبْقَتْ ذُو السِّهَامِ، فَلَوْ قُدِّمَ عَلَى صَاحِبِ الْفَرْضِ لَاسْتَغْرَقَ جَمِيعَ الْمَالِ، فَإِذَا كَانَ مَعَ الْوَلَدِ زَوْجَةٌ لِلْمَيِّتِ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ لَهَا الثُّمُنُ وَالْبَاقِي لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْوَلَدِ زَوْجٌ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَانِ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ لِلْأَبَوَيْنِ ثُلُثُهَا وَلِلِابْنِ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ فَالْمَسْأَلَةُ أَيْضًا مِنْ سِتَّةٍ لِلْجَدِّ أَوْ الْجَدَّةِ السُّدُسُ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي لَهُ (وَابْنُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ (بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ) لِلْمَيِّتِ (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ) لَهُ (ابْنٌ) فَيَأْخُذُ جَمِيعَ الْمَالِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ وَيَأْخُذُ مَا بَقِيَ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَقَيَّدْنَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لَا يَرِثُ وَيَسْقُطُ، وَذَلِكَ فِي فَرِيضَةٍ فِيهَا ابْنَتَانِ وَأَبَوَانِ وَابْنُ ابْنٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَخْذِ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْأَبَوَيْنِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُ ابْنٌ لَمْ تَسْقُطْ؛ لِأَنَّ الِابْنَ الصُّلْبَ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ مَنْ يَحْجُبُهُ.
(فَإِنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ لِلْمَيِّتِ (ابْنٌ أَوْ ابْنَةٌ) وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا أَحَدٌ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ (فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَذَلِكَ فِي كَثْرَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَقِلَّتِهِمْ يَرِثُونَ كَذَلِكَ جَمِيعَ الْمَالِ أَوْ مَا فَضَلَ مِنْهُ) أَيْ الْمَالِ (بَعْدَ مَنْ شَرِكَهُمْ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا لَا فَرْضَ فِيهَا فَأَصْلُهَا عَدَدُ عَصَبَتِهَا وَضُعِّفَ لِلذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ

وَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي عَدَمِهِ فِيمَا يَرِثُ وَيَحْجُبُ

وَمِيرَاثُ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ النِّصْفُ وَالِاثْنَيْنِ الثُّلُثَانِ فَإِنْ كَثُرْنَ لَمْ يَزِدْنَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ شَيْئًا وَابْنَةُ الِابْنِ كَالْبِنْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتٌ وَكَذَلِكَ بَنَاتُهُ كَالْبَنَاتِ فِي عَدَمِ الْبَنَاتِ فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ ابْنٍ فَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ وَإِنْ كَثُرَتْ بَنَاتُ الِابْنِ لَمْ يَزِدْنَ عَلَى ذَلِكَ السُّدُسِ شَيْئًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ وَمَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْبَنَاتُ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِبَنَاتِ الِابْنِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ فَيَكُونُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الذَّكَرُ تَحْتَهُنَّ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثَ بَنَاتُ الِابْنِ مَعَ الِابْنَةِ السُّدُسَ وَتَحْتَهُنَّ بَنَاتُ ابْنٍ مَعَهُنَّ أَوْ تَحْتَهُنَّ ذَكَرٌ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَاتِهِ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ مِنْ عَمَّاتِهِ وَلَا

[الفواكه الدواني]

صَاحِبُ فَرْضٍ كَزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ فَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ يُقْسَمُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ يَجِبُ أَنْ يُفَضَّلَ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى إلَّا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ فَإِنَّ ذَكَرَهُمْ كَأُنْثَاهُمْ (وَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي عَدَمِهِ) أَيْ الِابْنِ (فِيمَا يَرِثُ وَيَحْجُبُ) فَيَجُوزُ جَمْعُ الْمَالِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ وَيَأْخُذُ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَوِي السِّهَامِ وَيَحْجُبُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ كَمَا يَحْجُبُهُمْ الِابْنُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا بِحَسَبِ الْغَالِبِ، أَمَّا فِي الْإِرْثِ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ بِخِلَافِ الِابْنِ وَذَلِكَ كَأَبَوَيْنِ وَابْنَتَيْنِ وَابْنِ ابْنٍ وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُ ابْنٌ لَمْ يَسْقُطْ، وَأَمَّا الْحَجْبُ فَإِنَّ الِابْنَ يَحْجُبُ بِنْتَ الِابْنِ وَابْنُ الِابْنِ لَا يَحْجُبُهَا بَلْ يُعَصِّبُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا أَعَادَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمِهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: وَيَحْجُبُ، وَلِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ ابْنَ الِابْنِ لَا يَحْجُبُ الزَّوْجَ مِنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبُعِ وَلَا الزَّوْجَةَ مِنْ الرُّبُعِ إلَى الثُّمُنِ.

(وَمِيرَاثُ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ النِّصْفُ وَالِاثْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ فَإِنْ كَثُرْنَ لَمْ يَزِدْنَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ شَيْئًا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اثْنَتَانِ فَفَوْقُ وَلَفْظُ فَوْقُ مَقْحَمَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالثُّلُثَانِ لِذِي النِّصْفِ إنْ تَعَدَّدَ (وَابْنَةُ الِابْنِ كَالْبِنْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتٌ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا تَأْخُذُ النِّصْفَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهَا بِنْتُ صُلْبٍ، وَلَا مُعَصِّبَ لَهَا، وَلَا أُنْثَى فِي دَرَجَتِهَا (وَكَذَلِكَ بَنَاتُهُ) أَيْ ابْنُ الْمَيِّتِ (كَالْبَنَاتِ فِي عَدَمِ الْبَنَاتِ) لِلصُّلْبِ فَفَرْضُ الْمُنْفَرِدَةِ النِّصْفُ وَلِلْمُتَعَدِّدَاتِ الثُّلُثَانِ.
(فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ وُجِدَتْ (ابْنَةٌ وَابْنَةُ ابْنٍ) مَعًا (فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ سُئِلَ عَنْ بِنْتِ ابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الِابْنِ، وَقَالَ لِلسَّائِلِ: اذْهَبْ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَعَلَّهُ يُوَافِقُنِي، فَلَمَّا سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَقَدْ ضَلَلْت إذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ، سَأَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِبِنْتِ الصُّلْبِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ، وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ.
قَالَ: فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ» وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا عَلِمْت.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ أَنَّ نِصْفَ الْبِنْتِ مَعَ سُدُسِ بِنْتِ الِابْنِ فَرْضٌ وَاحِدٌ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ فَرْضَانِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الشُّفْعَةِ إذَا بَاعَتْ إحْدَاهُمَا حِصَّتَهَا تَكُونُ الْأُخْرَى أَحَقَّ بِحِصَّةِ الْبَائِعَةِ تَخْتَصُّ بِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا فَرْضٌ وَاحِدٌ لَا عَلَى أَنَّهُمَا فَرْضَانِ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ إلَخْ الْمُرَادُ جِنْسُهَا قَالَ: (وَإِنْ كَثُرَتْ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ (بَنَاتُ الِابْنِ) مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ (لَمْ يَزِدْنَ عَلَى ذَلِكَ السُّدُسِ شَيْئًا) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وَ) حِينَئِذٍ يَكُونُ (مَا بَقِيَ) بَعْدَ نِصْفِ الْبِنْتِ وَسُدُسِ بِنْتٍ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ (لِلْعَصَبَةِ) أَيْ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ (وَإِنْ كَانَتْ الْبَنَاتُ اثْنَتَيْنِ) فَأَكْثَرَ (لَمْ يَكُنْ لِبَنَاتِ الِابْنِ شَيْءٌ) لِاسْتِغْرَاقِ الثُّلُثَيْنِ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ) الْأَوْلَى ذِكْرُ أَخٍ أَوْ ابْنِ عَمٍّ فِي دَرَجَتِهِنَّ (فَيَكُونُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الذَّكَرُ تَحْتَهُنَّ) فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهُنَّ وَهُوَ مَعْنَى (كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الْبَاقِي (بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الِابْنِ يُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَجَبَهَا ابْنٌ فَوْقَهَا وَبِنْتَانِ فَوْقَهَا إلَّا ابْنًا فِي دَرَجَتِهَا مُطْلَقًا أَوْ أَسْفَلَ فَمُعَصِّبٌ.
فَتَخَلَّصَ أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يُعَصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مُطْلَقًا، وَكَذَا مَنْ فَوْقَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي تَعْصِيبِ ابْنِ الِابْنِ لِمَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ وَلِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ مَسْأَلَتَيْنِ عُلِمَ حُكْمُهُمَا مِمَّا مَرَّ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثَ بَنَاتُ الِابْنِ مَعَ الِابْنَةِ السُّدُسَ، وَ) الْحَالُ أَنَّ (تَحْتَهُنَّ بَنَاتُ ابْنٍ مَعَهُنَّ) ذَكَرٌ فِي دَرَجَتِهِنَّ (أَوْ تَحْتَهُنَّ ذَكَرٌ كَانَ ذَلِكَ) الْبَاقِي بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ (بَيْنَهُ) أَيْ ذَلِكَ الذَّكَرِ.
(وَبَيْنَ أَخَوَاتِهِ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ مِنْ عَمَّاتِهِ) وَيُقَاسُ عَلَى بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتٍ أَوْ بَنَاتِ الصُّلْبِ بَنَاتِ ابْنِ

يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ دَخَلَ فِي الثُّلُثَيْنِ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ

وَمِيرَاثُ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ النِّصْفُ وَالِاثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ فَإِنْ كَانُوا إخْوَةً وَأَخَوَاتٍ شَقَائِقَ أَوْ لِأَبٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا

وَالْأَخَوَاتُ مَعَ الْبَنَاتِ كَالْعَصَبَةِ لَهُنَّ يَرِثْنَ مَا فَضَلَ عَنْهُنَّ وَلَا يُرْبَى لَهُنَّ مَعَهُنَّ

[إرْثِ الْبَنَاتِ مَعَ الْأَخَوَاتِ]

وَلَا مِيرَاثَ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْأَبِ وَلَا مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ

وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقَائِقِ كَالشَّقَائِقِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَأُخْتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ لِأَبٍ فَالنِّصْفُ لِلشَّقِيقَةِ وَلِمَنْ بَقِيَ مِنْ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ وَلَوْ كَانَتَا شَقِيقَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَيَأْخُذُونَ مَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ

وَمِيرَاثُ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ وَالْأَخِ لِلْأُمِّ سَوَاءٌ

[الفواكه الدواني]

ابْنٍ أَنْزَلُ مِنْ غَيْرِهِنَّ، فَلِلْعَالِيَةِ الْمُنْفَرِدَةِ النِّصْفُ، وَلِلنَّازِلَةِ عَنْهَا الْوَاحِدَةُ أَوْ الْمُتَعَدِّدَةِ السُّدُسُ، وَلَا شَيْءَ لِمَنْ هِيَ أَنْزَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذَكَرٌ فِي دَرَجَتِهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا (وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ) الْبَاقِي بَعْدَ اسْتِغْرَاقِ الثُّلُثَيْنِ (مَنْ دَخَلَ فِي الثُّلُثَيْنِ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ) أَوْ بَنَاتِ ابْنِ ابْنٍ مَعَ أَعْلَى مِنْهُنَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ مُسَاوٍ أَوْ أَنْزَلُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي إرْثِ الْأَخَوَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَمِيرَاثُ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ) مِنْ أُخْتِهَا أَوْ أَخِيهَا (النِّصْفُ) حَيْثُ انْفَرَدَتْ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا مَنْ يُعَصِّبُ مِنْ أَخٍ أَوْ جَدٍّ.
(وَ) مِيرَاثُ (الِاثْنَتَيْنِ) مِنْ الْأَخَوَاتِ (فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ) حَيْثُ لَا أَصْلَ وَلَا فَرْعَ وَلَا مَنْ يُعَصِّبُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (إخْوَةً وَأَخَوَاتٍ) فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ كَانُوا (شَقَائِقَ أَوْ لِأَبٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا) قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا لَا فَرْضَ فِيهَا فَأَصْلُهَا عَدَدُ عَصَبَتِهَا وَضُعِّفَ لِلذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ إرْثِ الْبَنَاتِ مَعَ الْأَخَوَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَخَوَاتُ) الشَّقَائِقُ أَوْ لِأَبٍ (مَعَ) الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ أَوْ (الْبَنَاتِ) أَوْ مَعَ بِنْتٍ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ.
(كَالْعَصَبَةِ لَهُنَّ) أَيْ لِلْبَنَاتِ (يَرِثْنَ) الْأَخَوَاتُ (مَا فَضَلَ عَنْهُنَّ) أَيْ عَنْ الْبَنَاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَالْعَصَبَةِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُنَّ عَصَبَةٌ لِئَلَّا يَتَبَادَرَ إلَى الذِّهْنِ الْعَاصِبُ بِالنَّفْسِ الَّذِي يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ عِنْدَهُ انْفِرَادُهُ، وَوَجْهُ كَوْنِهِنَّ كَالْعَصَبَةِ أَنَّهُنَّ يَأْخُذْنَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْبِنْتِ أَوْ الْبَنَاتِ، وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الْعَاصِبِ السُّقُوطَ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ قَالَ: (وَلَا يُرْبَى) أَيْ لَا يُفْرَضُ (لَهُنَّ) أَيْ لِلْأَخَوَاتِ (مَعَهُنَّ) أَيْ مَعَ الْبَنَاتِ بَلْ إنْ فَضَلَ عَنْ الْبَنَاتِ شَيْءٌ أَخَذَتْهُ وَلَوْ أَقَلَّ قَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا لِصَاحِبِ الْفَرْضِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَاصِبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَاصِبٌ بِنَفْسِهِ، وَعَاصِبٌ بِغَيْرِهِ، وَعَاصِبٌ مَعَ غَيْرِهِ.
فَالْأَوَّلُ: كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ عِنْدَ انْفِرَادِهِ.
وَالثَّانِي: كَالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ مَعَ فَقْدِ الْبَنَاتِ مَعَ الذَّكَرِ الْمُسَاوِي لَهُنَّ مُطْلَقًا، أَوْ الْإِنْزَالِ بِالنِّسْبَةِ لِبَنَاتِ الِابْنِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا هُوَ.
وَالثَّالِثُ: الْأَخَوَاتُ مَعَ الْبَنَاتِ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْوَارِثَ لِلْمَيِّتِ إمَّا زَوْجَتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ وَأَصْلُهُ الْمُدْلِي إلَيْهِ بِذِكْرٍ وَإِنْ عَلَا، أَوْ حَاشِيَةُ أَصْلِهِ كَأَعْمَامِهِ، أَوْ حَاشِيَةُ نَفْسِهِ كَإِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَبَنِي إخْوَتِهِ وَأَعْمَامِهِ لَا بَنَاتِهِنَّ

[أَنْوَاع الحجب]

شَرَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْحَجْبِ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَالسَّتْرُ، وَاصْطِلَاحًا مَنْعُ الْوَارِثِ جُمْلَةً أَوْ مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْبَ عَلَى قِسْمَيْنِ: حَجْبُ نُقْصَانٍ وَحَجْبُ حِرْمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ إذْ الِابْنُ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ فَقَالَ: (وَلَا مِيرَاثَ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ) مِنْ أَخِيهِمْ (مَعَ الْأَبِ) ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُدْلُونَ لِلْمَيِّتِ بِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَدْلَى بِوَاسِطَةٍ فَإِنَّهُ يُحْجَبُ بِهَا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَهُمْ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ أَخَاهُمْ وَمَعَ وُجُودِهَا مَعَ أَدِلَّائِهِمْ بِهَا.
(وَلَا) مِيرَاثَ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ أَيْضًا مِنْ أَخِيهِمْ (مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ) الذَّكَرِ وَتَقْيِيدُ الْوَلَدِ بِالذَّكَرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ بِنْتِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهَا لَا تَحْجُبُ إلَّا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ، وَتَقْيِيدُ وَلَدِ الْوَلَدِ بِالذَّكَرِ لِإِخْرَاجِ ابْنِ الْبِنْتِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ جَدَّهُ لِأُمِّهِ وَلَا يَحْجُبُ أَوْلَادَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ يُحْجَبُونَ حِرْمَانًا مِنْ ثَلَاثَةٍ: الْأَبِ وَالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ

وَأَشَارَ إلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقَائِقِ كَالشَّقَائِقِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ) إلَّا فِي الْمُشْتَرِكَةِ فَالْأَشِقَّاءُ تَرِثُ وَإِخْوَةُ الْأَبِ يَسْقُطُونَ؛ لِأَنَّ الْأَشِقَّاءَ إنَّمَا يَرِثُونَ فِيهَا بِوِلَادَةِ الْأُمِّ وَلَمَّا كَانَتْ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ مَعَ الشَّقَائِقِ بِمَنْزِلَةِ بَنِي الِابْنِ مَعَ الِابْنِ فُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ وُجِدَتْ (أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَ) وُجِدَ مَعَهَا (أُخْتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ لِأَبٍ فَالنِّصْفُ لِلشَّقِيقَةِ، وَ) يُعْطَى (لِمَنْ بَقِيَ مِنْ) جِنْسِ (الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ) تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ كَبِنْتِ صُلْبٍ وَبِنْتٍ أَوْ بَنَاتِ ابْنٍ فَلِبِنْتِ الصُّلْبِ النِّصْفُ وَلِبِنْتٍ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ (وَلَوْ كَانَتَا) أَيْ الْأُخْتَانِ (شَقِيقَتَيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ (لَمْ يَكُنْ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ شَيْءٌ) لِاسْتِكْمَالِ الشَّقِيقَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ) مُسَاوٍ لَهُنَّ فِي أُخُوَّةِ الْأَبِ (فَيَأْخُذُونَ مَا بَقِيَ) بَعْدَ الشَّقِيقَاتِ وَهُوَ الثُّلُثُ يَقْتَسِمُونَهُ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وَقَيَّدْنَا بِالْمُسَاوِي فِي إخْوَةِ الْأَبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ ابْنِ الْأَخِ فَإِنَّهُ لَا يُعَصِّبُ أُخْتَهُ، وَالْبَاقِي بَعْدَ الْأَشِقَّاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَخٌ لِأَبٍ يَأْخُذُهُ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ دُونَ أُخْتِهِ؛ لِأَنَّهُ

السُّدُسُ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَإِنْ كَثُرُوا فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ وَيَحْجُبُهُمْ عَنْ الْمِيرَاثِ الْوَلَدُ وَبَنُوهُ وَالْأَبُ وَالْجَدُّ لِلْأَبِ.

وَالْأَخُ يَرِثُ الْمَالَ إذَا انْفَرَدَ كَانَ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ وَالشَّقِيقُ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ وَإِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ فَأَكْثَرُ شَقَائِقَ أَوْ لِأَبٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَخِ ذُو سَهْمٍ بُدِئَ بِأَهْلِ السِّهَامِ وَكَانَ لَهُ مَا بَقِيَ وَكَذَلِكَ يَكُونُ مَا بَقِيَ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ السِّهَامِ إخْوَةٌ لِأُمٍّ قَدْ وَرِثُوا الثُّلُثَ وَقَدْ بَقِيَ أَخٌ شَقِيقٌ أَوْ إخْوَةٌ ذُكُورٌ أَوْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ شَقَائِقُ مَعَهُمْ فَيُشَارِكُونَ كُلُّهُمْ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ وَهِيَ الْفَرِيضَةُ الَّتِي تُسَمَّى الْمُشْتَرِكَةَ وَلَوْ كَانَ مَنْ بَقِيَ إخْوَةٌ لِأَبٍ لَمْ

[الفواكه الدواني]

لَا يُعَصِّبُهَا، فَعَمَّتُهُ الَّتِي هِيَ فَوْقَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ الِابْنِ يُعَصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مُطْلَقًا وَمَنْ فَوْقَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ دُونَ ابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ، لِشُمُولِ لَفْظِ الْبُنُوَّةِ لِبَنَاتِ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ، بِخِلَافِ لَفْظِ ابْنِ الْأَخِ.

[مِيرَاث الْإِخْوَة لإم]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ إرْثِ الْأَشِقَّاءِ أَوْ لِلْأَبِ شَرَعَ فِي أُخُوَّةِ الْأُمِّ بِقَوْلِهِ: (وَمِيرَاثُ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ وَالْأَخِ لِلْأُمِّ سَوَاءٌ) وَهُوَ (السُّدُسُ لِكُلِّ وَاحِدٍ) عِنْدَ انْفِرَادِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ ذَكَرَهُمْ كَإِنَاثِهِمْ (وَإِنْ كَثُرُوا) بِأَنْ زَادُوا عَلَى الْوَاحِدِ (فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ) يَقْتَسِمُونَهُ (الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَنَّ إرْثَ الْأُنْثَى مُسَاوٍ لِإِرْثِ الذَّكَرِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَأَنَّهُمْ لَا يَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَأَنَّ ذَكَرَهُمْ يُدْلَى بِأُنْثَى، وَأَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَعَ مَنْ يُدَلُّونَ بِهِ، وَأَنَّهُمْ يَحْجُبُونَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ نَظِيرٌ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَحْجُبُهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْجُبُهُمْ) أَيْ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ (عَنْ الْمِيرَاثِ) حِرْمَانًا (الْوَلَدُ) وَلَوْ أُنْثَى (وَبَنُوهُ) أَيْ الْوَلَدِ الذَّكَرِ وَإِنْ سَفَلُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا (وَالْأَبُ وَالْجَدُّ لِلْأَبِ) وَإِنْ عَلَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَ بِابْنٍ وَابْنِهِ وَبِنْتٍ وَإِنْ سَفَلَتْ وَأَبٍ وَجَدٍّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إخْوَةَ الْأُمِّ تُحْجَبُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ سِتَّةٍ: الِابْنُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَالْأَبُ وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: لِلْأَبِ عَنْ الْجَدِّ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ فَضْلًا عَنْ الْحَجْبِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَاصِبِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَخُ يَرِثُ الْمَالَ) كُلَّهُ (إذَا انْفَرَدَ) بِإِرْثِ الْمَيِّتِ إنْ (كَانَ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ إنَّمَا يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَهُوَ السُّدُسُ إذَا انْفَرَدَ، أَوْ الثُّلُثَ إذَا تَعَدَّدَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنَ عَمٍّ (وَ) الْأَخُ (الشَّقِيقُ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ) ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَنْ سَاوَى غَيْرَهُ فِي دَرَجَتِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ بِوِلَادَةِ الْأُمِّ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ إلَّا إخْوَةَ الْأُمِّ (وَإِنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ لِلْمَيِّتِ (أَخٌ وَأُخْتٌ فَأَكْثَرُ شَقَائِقُ أَوْ لِأَبٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ الذَّكَرُ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَخِ) أَيْ جِنْسِ الْأَخِ فَيَشْمَلُ الْمُتَعَدِّدَ (ذُو سَهْمٍ) كَزَوْجَةِ الْمَيِّتِ أَوْ ابْنَتِهِ (بُدِئَ بِأَهْلِ السِّهَامِ وَكَانَ لَهُ) أَيْ لِلْأَخِ (مَا بَقِيَ) مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْعَاصِبَ إنَّمَا يَأْخُذُ مَا أَبْقَتْ الْفُرُوضُ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ الْأَخِ الْمُنْفَرِدِ عَنْ الْأَخَوَاتِ (يَكُونُ مَا بَقِيَ) بَعْدَ أَصْحَابِ الْفَرْضِ (لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ) الْأَشِقَّاءِ أَوْ لِلْأَبِ يَقْتَسِمُونَهُ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْعَاصِبَ يَسْقُطُ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ (إلَّا) فِي مَسْأَلَةٍ فَلَا تَسْقُطُ الْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ وَهِيَ (أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ السِّهَامِ إخْوَةٌ لِأُمٍّ قَدْ وَرِثُوا الثُّلُثَ) كَزَوْجٍ وَأُمٍّ أَوْ جَدَّةٍ مَعَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ السُّدُسُ وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ.
(وَقَدْ بَقِيَ) أَيْ وُجِدَ بَعْدَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ (أَخٌ شَقِيقٌ أَوْ إخْوَةٌ ذُكُورٌ أَوْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ شَقَائِقُ مَعَهُمْ) أَيْ مَعَ أَهْلِ السِّهَامِ (فَ) إنَّهُمْ لَا يَسْقُطُونَ وَيَرْجِعُونَ عَلَى الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فَ (يُشَارِكُونَ كُلُّهُمْ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ وَهِيَ الْفَرِيضَةُ الَّتِي تُسَمَّى الْمُشْتَرِكَةَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَصُورَتُهَا: زَوْجٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ وَأَخَوَانِ فَصَاعِدًا لِأُمٍّ وَشَقِيقٍ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَيُشَارِكُونَ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى فَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ: لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ نِصْفُهَا وَلِلْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ السُّدُسُ وَاثْنَانِ ثُلُثُهَا لِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ لِلْأَشِقَّاءِ.
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَوَّلِ عَامٍ مِنْ خِلَافَتِهِ فَأَسْقَطَ الْأَشِقَّاءَ، وَوَقَعَ لَهُ نَظِيرُهَا فِي ثَانِي عَامٍ مِنْ خِلَافَتِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ أَوَّلًا وَيُسْقِطَ الْأَشِقَّاءَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَشِقَّاءِ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَوْ حَجَرًا مَطْرُوحًا فِي الْيَمِّ أَلَيْسَتْ الْأُمُّ تَجْمَعُنَا؟ وَقِيلَ: الْقَائِلُ ذَلِكَ لِعُمَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ وَجْهُ كَلَامِهِمْ شَرِكَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَقْضِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي هَكَذَا؟ فَقَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي، وَلَا يُنْقَضُ أَحَدُ الِاجْتِهَادَيْنِ بِالْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمُشْتَرِكَةِ جَدٌّ لَسَقَطَتْ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْأَشِقَّاءِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَرِثُونَ فِيهَا بِوِلَادَةِ الْأُمِّ وَالْجَدِّ يَسْقُطُ كُلُّ مَنْ يَرِثُ بِهَا، وَتُلَقَّبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِشِبْهِ الْمَالِكِيَّةِ، لِلْجَدِّ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ الزَّوْجِ، وَالْأُمِّ لِسُقُوطِ إخْوَةِ الْأُمِّ بِهِ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ:

يُشَارِكُوا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ وِلَادَةِ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ أُخْتًا أَوْ أَخَوَاتٍ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أُعِيلَ لَهُنَّ وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَخٌ وَاحِدٌ أَوْ أُخْتٌ لَمْ تَكُنْ مُشْتَرِكَةً وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْإِخْوَةِ إنْ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَإِنْ كُنَّ إنَاثًا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أُعِيلَ لَهُنَّ وَالْأَخُ لِلْأَبِ كَالشَّقِيقِ فِي عَدَمِ الشَّقِيقِ إلَّا فِي الْمُشْتَرِكَةِ، وَابْنُ الْأَخِ كَالْأَخِ فِي عَدَمِ الْأَخِ كَانَ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ وَلَا يَرِثُ ابْنُ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ أَخٍ شَقِيقٍ وَابْنُ أَخٍ شَقِيقٍ أَوْلَى مِنْ ابْنِ أَخٍ وَابْنُ أَخٍ لِأَبٍ يَحْجُبُ عَمًّا لِأَبَوَيْنِ

وَعَمٌّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ عَمًّا لِأَبٍ وَعَمٌّ لِأَبٍ يَحْجُبُ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ ابْنَ عَمٍّ لِأَبٍ وَهَكَذَا يَكُونُ الْأَقْرَبُ أَوْلَى وَلَا يَرِثُ بَنُو الْأَخَوَاتِ مَا كُنَّ وَلَا بَنُو الْبَنَاتِ وَلَا بَنَاتُ الْأَخِ مَا كَانَ وَلَا بَنَاتُ الْعَمِّ وَلَا جَدٌّ لِأُمٍّ وَلَا عَمٌّ أَخُو أَبِيك لِأُمِّهِ

وَلَا يَرِثُ عَبْدٌ وَلَا مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ

[الفواكه الدواني]

وَقَدْ بَقِيَ أَخٌ شَقِيقٌ إلَخْ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَ مَنْ بَقِيَ) بَعْدَ اسْتِغْرَاقِ أَهْلِ السِّهَامِ (إخْوَةٌ لِأَبٍ) لَسَقَطُوا؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ (لَمْ يُشَارِكُوا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ) فِي ثُلُثِهِمْ (لِخُرُوجِهِمْ عَنْ وِلَادَةِ الْأُمِّ) وَالشَّقِيقُ إنَّمَا وَرِثَ بِوِلَادَةِ الْأُمِّ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهَا مُشْتَرِكَةً أَنْ لَا يَكُونَ الْأَشِقَّاءُ كُلُّهُنَّ إنَاثًا قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ) بَعْدَ أَهْلِ السِّهَامِ (أُخْتًا أَوْ أَخَوَاتٍ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أُعِيلَ لَهُنَّ) وَلَا يَسْقُطْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ أَصْحَابُ فَرْضٍ، وَضِيقُ الْمَالِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ صَاحِبِ الْفَرْضِ، فَيُعَالُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ بِمِثْلِ نِصْفِهَا فَتَبْلُغُ تِسْعَةً وَلِلْبِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ فَتَبْلُغُ عَشَرَةً وَهِيَ غَايَةُ عَوْلِ السِّتَّةِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مُشْتَرِكَةٌ، وَأَشَارَ إلَى مَا هُوَ خَارِجٌ أَيْضًا عَنْ الْمُشْتَرِكَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَخٌ وَاحِدٌ أَوْ أُخْتٌ) وَاحِدَةٌ (لَمْ تَكُنْ مُشْتَرِكَةً وَكَانَ مَا بَقِيَ) وَهُوَ السُّدُسُ (لِلْإِخْوَةِ) الْأَشِقَّاءِ (إنْ كَانُوا ذُكُورًا) فَقَطْ (أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَإِنْ كُنَّ إنَاثًا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أُعِيلَ لَهُنَّ) لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّ إرْثَهُمْ حِينَئِذٍ بِالتَّعْصِيبِ هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً عُلِمَ حُكْمُهَا مِمَّا مَرَّ كَرَّرَهَا لِأَجْلِ التَّفْصِيلِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَخُ لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقِيقِ كَالشَّقِيقِ إلَّا فِي الْمُشْتَرِكَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّقِيقَ يَرِثُ فِيهَا وَيَسْقُطُ الْأَخُ لِلْأَبِ (وَابْنُ الْأَخِ كَالْأَخِ فِي عَدَمِ الْأَخِ) سَوَاءٌ (كَانَ) الْأَخُ (شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ) الْمُرَادُ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي التَّعْصِيبِ لَا أَنَّهُ مِثْلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ بَنِي الْإِخْوَةِ يُخَالِفُونَ آبَاءَهُمْ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، الْأَوَّلُ: ابْنُ الْأَخِ لَا يُعَصِّبُ أُخْتَهُ وَالْأَخُ يُعَصِّبُهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِخْوَةَ لَا يَحْجُبُهُمْ الْجَدُّ وَيَحْجُبُ أَبْنَاءَهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ بَنِي الْإِخْوَةِ لَا يَحْجُبُونَ الْأُمَّ بِخِلَافِ آبَائِهِمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّ ابْنَ الْأَخِ إذَا كَانَ مَكَانَ الْأَخِ فِي الْمُشْتَرِكَةِ لَمْ تَكُنْ مُشْتَرِكَةً بَلْ يَسْقُطُ ابْنُ الْأَخِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُ، وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ هَذَا الْخَامِسَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ ابْنُ الْأَخِ لِلْأُمِّ) بِخِلَافِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ غَيْرِ الْعَاصِبِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ) لِقُوَّةِ الشَّقِيقِ لِجَمْعِهِ رَحِمًا وَتَعْصِيبًا، وَلَيْسَ فِي الْأَخِ لِلْأَبِ إلَّا التَّعْصِيبُ (وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَوْلَى) أَيْ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ (مِنْ ابْنِ أَخٍ شَقِيقٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ بِدَرَجَةٍ (وَابْنُ أَخٍ شَقِيقٍ أَوْلَى مِنْ ابْنِ أَخٍ لِأَبٍ) لِقُوَّةِ الْأَوَّلِ (وَابْنُ أَخٍ لِأَبٍ يَحْجُبُ عَمَّا لِأَبَوَيْنِ) لِإِدْلَائِهِ بِوِلَادَةِ الْأَبِ وَالْعَمِّ، إنَّمَا يُدْلِي بِوِلَادَةِ الْجَدِّ.

(وَعَمٌّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ عَمًّا لِأَبٍ وَعَمٌّ لِأَبٍ يَحْجُبُ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ) لِعُلُوِّهِ عَلَيْهِ بِدَرَجَةٍ (وَابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ ابْنَ عَمٍّ لِأَبٍ وَهَكَذَا يَكُونُ الْأَقْرَبُ أَوْلَى) فِي الْإِخْوَةِ وَأَبْنَائِهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَأَبْنَائِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ حَجْبَ الْحِرْمَانِ لَا يَتَأَتَّى فِي وَلَدِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَاصِبَ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ يَسْقُطُ بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي سَهْمٍ وَلَا عَصَبَةٍ فَقَالَ: (وَلَا يَرِثُ بَنُو الْأَخَوَاتِ) وَأَوْلَى بَنَاتُهُنَّ (مَا كُنَّ) أَيْ شَقَائِقُ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْأُخْتِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يَرِثُ خَالَهُ (وَلَا) يَرِثُ أَيْضًا (بَنُو الْبَنَاتِ) وَلَا بَنُو بَنَاتِهِنَّ مِنْ بَابِ (وَلَا بَنَاتُ الْأَخِ مَا كَانَ) الْأَخُ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ (وَلَا) يَرِثُ أَيْضًا (بَنَاتُ الْعَمِّ وَلَا جَدٌّ لِأُمٍّ وَلَا عَمٌّ) هُوَ (أَخُو أَبِيك لِأُمِّهِ) وَلَا جَدٌّ لِأُمِّهِ، أَوْ لِابْنِ أَخٍ لِأُمٍّ، وَلَا أُمُّ أَبِي الْأُمِّ، وَلَا الْخَالَةُ، وَلَا الْعَمَّةُ، وَلَا الْخَالُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُرَدُّ وَلَا يُدْفَعُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ وَيُدْفَعُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَظَاهِرُهُ كَانَ مُنْتَظِمًا لِعَدَالَةِ الْإِمَامِ أَمْ لَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ يُرَدُّ الْمَالُ الزَّائِدُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ وَيُدْفَعُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ، وَالْمُرَادُ بِعَدَالَةِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَسْقَطَ الْكَلَامَ عَلَى سَبَبِ الْإِرْثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إمَّا عَامٌّ كَجِهَةِ الْإِسْلَامِ فِي صَرْفِ الْمِيرَاثِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا لَا يُورَثُ بِهِ إلَّا بِالْعُصُوبَةِ وَهُوَ الْعِتْقُ، وَمَا لَا يُورَثُ بِهِ إلَّا الْفَرْضُ وَهُوَ النِّكَاحُ، وَثَانِيهِمَا الْقَرَابَةُ وَالْإِرْثُ بِهَا تَارَةً يَكُونُ بِالْعُصُوبَةِ وَتَارَةً يَكُونُ بِالْفَرْضِ وَتَارَةً بِهِمَا، وَمَا فِي الرَّحَبِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ:

وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ

وَلَا ابْنُ أَخٍ لِأُمٍّ وَلَا جَدٌّ لِأُمٍّ وَلَا أُمُّ أَبِي الْأُمِّ، وَلَا تَرِثُ أُمُّ أَبِي الْأَبِ مَعَ وَلَدِهَا أَبِي الْمَيِّتِ

وَلَا تَرِثُ إخْوَةٌ لِأُمٍّ مَعَ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَلَا مَعَ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى وَلَا مِيرَاثَ لِلْإِخْوَةِ مَعَ الْأَبِ مَا كَانُوا وَلَا يَرِثُ عَمٌّ مَعَ الْجَدِّ وَلَا ابْنُ أَخٍ مَعَ الْجَدِّ

وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ مِنْ مَالٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَإِ مِنْ الدِّيَةِ وَيَرِثُ مِنْ الْمَالِ وَكُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ فَلَا يَحْجُبُ وَارِثًا

وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ تَرِثُ

[الفواكه الدواني]

أَسْبَابُ مِيرَاثِ الْوَرَى ثَلَاثَهْ ... كُلٌّ يُفِيدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ وَهِيَ نِكَاحٌ وَوَلَاءٌ وَنَسَبُ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيثِ سَبَبُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يُوَرِّثُ بَيْتَ الْمَالِ

[مَوَانِعِ الْإِرْث]

وَشَرَعَ الْآنَ فِي مَوَانِعِهِ وَهِيَ سِتَّةٌ أَشَارَ لَهَا فِي التِّلْمِسَانِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَيَمْنَعُ الْمِيرَاثَ فَاعْلَمْ سِتَّهْ ... فَخَمْسَةٌ تَمْنَعُ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ الْكُفْرُ وَالرِّقُّ وَقَتْلُ الْعَمْدِ ... وَالشَّكُّ وَاللِّعَانُ فَافْهَمْ قَصْدِي وَوَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فِي الْحَالِ ... وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْرَ عَنْ أَشْكَالِ وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مَا يَشْمَلُ الشَّكَّ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الْمَوْتِ، أَوْ فِي الْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِرْثِ، أَوْ الْوُجُودِ وَعَدَمِهِ، أَوْ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ عَبْدٌ) لَا شَائِبَةَ فِيهِ وَلَا يُورَثُ (وَلَا مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا رَقِيقَ وَلِسَيِّدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ جَمِيعُ إرْثِهِ، وَلَا يُورَثُ إلَّا الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ عَنْ مَالٍ زَائِدٍ عَنْ كِتَابَتِهِ وَمَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ أَيْ إرْثًا لُغَوِيًّا، أَيْ يَأْخُذُ الْمَالَ الْبَاقِيَ بَعْدَ أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ لُغَةً الْبَقَاءُ لَا الْإِرْثَ الشَّرْعِيَّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ

وَأَشَارَ إلَى ثَانِي الْمَوَانِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَا الْإِسْلَامَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ هَلْ يُحْكَمُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَالْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ مِلَلٍ وَأَدْيَانٍ؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ مِلَّةٌ وَالْيَهُودِيَّةَ مِلَّةٌ، وَمَا عَدَاهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا يَرِثُ يَهُودِيٌّ نَصْرَانِيًّا وَلَا عَكْسُهُ، وَكَذَا الْمَجُوسِيُّ، وَيَقَعُ التَّوَارُثُ بَيْنَ مَنْ عَدَاهُمَا مِنْ الْمَجُوسِ وَعُبَّادِ الشَّمْسِ أَوْ الْحَجَرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا مُخَالِفَ فِي دِينٍ كَمُسْلِمٍ مَعَ مُرْتَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَيَهُودِيٍّ مَعَ نَصْرَانِيٍّ وَسِوَاهُمَا مِلَّةٌ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ مَرْزُوقٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ غَيْرَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة مِلَلٌ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمَّهَاتِ، وَأَنَّ خَلِيلًا اعْتَمَدَ عَلَى نَقْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ مَالِكٍ وَفِيهِ مَقَالٌ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا لَا يُعْلَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِعَدَمِ إرْثِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَعَكْسِهِ، وَسَكَتَ عَنْ تَوَارُثِ الْكُفَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَدْخُلُ الْكَافِرُ الزِّنْدِيقُ أَوْ السَّاحِرُ أَوْ السَّابُّ إذَا قُتِلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ مَالَهُمْ لِوَارِثِهِمْ إنْ أَنْكَرُوا مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ تَابُوا؛ لِأَنَّهُمْ يَقِلُّونَ حَدًّا لَا كُفْرًا، بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ وَأَصَرُّوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ كُفْرًا وَيَكُونُ مَالُهُمْ لِبَيْتِ الْمَالِ.

(وَلَا) يَرِثُ (ابْنُ الْأَخِ لِأُمٍّ وَلَا جَدٌّ لِأُمٍّ وَلَا أُمُّ أَبُو الْأُمِّ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَلَا تَرِثُ أُمُّ أَبُو الْأَبِ مَعَ وَلَدِهَا أَبُو الْمَيِّتِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأَبَ يَحْجُبُ الْجَدَّةَ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ عَلَتْ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَدْلَى بِوَاسِطَةٍ تَحْجُبُهُ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ، فَقَوْلُهُ: أُمُّ أَبِي الْمَيِّتِ بَدَلٌ مِنْ وَلَدِهَا، وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ لَوْ قَالَ: وَلَا تَرِثُ الْجَدَّةُ مِنْ وَلَدِهَا لِيَسْلَمَ مِنْ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ الْجَدِّ، وَآخِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ الْأَبِ، وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَبٌ، فَالثَّانِي زِيَادَةُ بَيَانٍ.

(وَلَا تَرِثُ إخْوَةٌ لِأُمٍّ مَعَ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَلَا مَعَ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يُحْجَبُ بِوَاحِدٍ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا وَالْفَرْعُ وَإِنْ سَفَلَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يُحْجَبُ بِوَاحِدٍ مِنْ سِتَّةٍ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَسَقَطَ بِابْنٍ وَابْنِهِ وَبِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَإِنْ سَفَلَتْ وَأَبٍ وَجَدٍّ (وَ) كَذَا (لَا مِيرَاثَ لِلْإِخْوَةِ مَعَ الْأَبِ مَا كَانُوا) أَيْ أَشِقَّاءَ أَوْ لِأَبٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَدْلَى بِوَاسِطَةٍ لَا يَرِثُ مَعَهَا (وَ) كَذَا (لَا يَرِثُ عَمٌّ مَعَ الْجَدِّ وَلَا ابْنُ أَخٍ مَعَ الْجَدِّ) ؛ لِأَنَّ رُتْبَةَ الْأَخِ فِي رُتْبَةِ الْجَدِّ وَالْأَخُ يَحْجُبُ ابْنَهُ فَكَذَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ.

وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْمَوَانِعِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْعُدْوَانِ (مِنْ مَالٍ وَلَا دِيَةٍ) لِاتِّهَامِهِ عَلَى الِاسْتِعْجَالِ بِمَوْتِ الْمُوَرَّثِ (وَ) كَذَا (لَا يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَإِ مِنْ الدِّيَةِ وَيَرِثُ مِنْ الْمَالِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا قَاتِلٌ عَمْدًا عُدْوَانًا وَإِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ كَمُخْطِئٍ مِنْ الدِّيَةِ، وَقَيَّدْنَا كَخَلِيلٍ الْعَمْدَ بِالْعُدْوَانِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ

زَوْجَهَا إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَلَا يَرِثُهَا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدَةً وَقَدْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِدَّةِ

. وَإِنْ طَلَّقَ الصَّحِيحُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ فَإِنْ انْقَضَتْ فَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا بَعْدَهَا

وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْهُ وَلَا يَرِثُهَا

وَتَرِثُ الْجَدَّةُ لِلْأُمِّ السُّدُسَ وَكَذَلِكَ الَّتِي لِلْأَبِ فَإِنْ اجْتَمَعَتَا فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ

[الفواكه الدواني]

الْعَمْدِ غَيْرِ الْعُدْوَانِ، كَقَتْلِ الْإِمَامِ الْعَدْلِ أَحَدًا مِمَّنْ يَرِثُهُ فِي حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَكَقَتْلِ شَخْصٍ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ فِي الْبَاغِيَةِ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ وَوِرْثُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ إرْثِ قَاتِلِ الْعَمْدِ خَبَرُ: «لَيْسَ لِقَاتِلِ الْعَمْدِ شَيْءٌ» وَهَذَا فِي الْمَالِ، وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَاخْتُلِفَ فِي إرْثِ قَاتِلِ مُسْتَحِقِّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ التِّلْمِسَانِيَّة إرْثُهُ وَلَفْظُهُ وَيَرِثَانِ مَعًا الْوَلَاءَ وَصُورَتُهُ: أَنَّ مَنْ قَتَلَ شَخْصًا لَهُ وَلَاءُ عِتْقٍ، وَالْقَاتِلُ وَارِثُ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَرِثُ مَالَهُ مِنْ الْوَلَاءِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْتِقَ بِالْكَسْرِ إذَا قَتَلَ عَتِيقَهُ عَمْدًا يَرِثُهُ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ عَمْدًا.
(تَنْبِيهٌ) لَيْسَ مِنْ الْقَتْلِ الْخَطَإِ قَتْلُ الصَّبِيِّ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، بَلْ هُوَ مِنْ الْعَمْدِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْإِرْثِ مِنْ الْمَقْتُولِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ إنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ كَخَطَئِهِ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الْمَوَانِعِ فِي نَظْمِ التِّلْمِسَانِيَّة، وَنُوقِشَ فِي عَدِّ الْإِشْكَالِ مِنْ الْمَوَانِعِ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى نِصْفَ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ مِنْ قَوْلِ التِّلْمِسَانِيَّة فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْطَى حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى إشْكَالِهِ وَرِثَ وَإِنْ اتَّضَحَ بِجِهَةٍ وَرِثَ بِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِي الْحَاجِبِ كَوْنَهُ وَارِثًا بَيَّنَ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ) لِحُصُولِ مَانِعٍ (فَلَا يَحْجُبُ وَارِثًا) وَإِنَّمَا قُلْنَا الْغَالِبُ لِمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ تِلْكَ الْكُلِّيَّةِ وَهُوَ سِتُّ مَسَائِلَ الْحَاجِبُ فِيهَا غَيْرُ وَارِثٍ: أُمٌّ وَجَدٌّ وَإِخْوَةٌ لِأُمٍّ فَإِنَّهُمْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ وَلَا يَرِثُونَ لِحَجْبِهِمْ بِالْجَدِّ.
الثَّانِيَةُ: أَبَوَانِ وَإِخْوَةٌ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ وَلَا يَرِثُونَ لِحَجْبِهِمْ بِالْأَبِ.
الثَّالِثَةُ: الْمُشْتَرِكَةُ إذَا كَانَ فِيهَا جَدٌّ.
الرَّابِعَةُ: الْمَالِكِيَّةُ وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ وَأَخٌ لِأَبٍ وَجَدٌّ فَإِنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ وَلَا يَرِثُونَ.
الْخَامِسَةُ: الْمُعَادَةُ كَأَخٍ شَقِيقٍ وَأَخٍ لِأَبٍ وَجَدٌّ فَإِنَّ الشَّقِيقَ يَعُدُّ عَلَى الْجَدِّ الْأَخَ لِلْأَبِ فَيَتَقَاسَمُونَ الْمَالَ أَثْلَاثًا، ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّقِيقُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ فَيَأْخُذُ مَا بِيَدِهِ، فَقَدْ حَجَبَ الْأَخُ لِلْأَبِ الْجَدَّ عَنْ النِّصْفِ إلَى الثُّلُثِ وَلَمْ يَرِثْ شَيْئًا.

وَلَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ لَا مُطْلَقًا قَالَ: (وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ) الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ (تَرِثُ زَوْجَهَا) بِشَرْطِ (إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ مُعَامِلَةً لِمُطَلِّقِهَا بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ مَنْعُهَا مِنْ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ إخْرَاجِ الْوَارِثِ كَمَا نَهَى عَنْ إدْخَالِهِ، وَلَا يَنْقَطِعُ إرْثُهَا مِنْ مُطَلِّقِهَا إلَّا بِالصِّحَّةِ الْبَيِّنَةِ (وَلَا يَرِثُهَا) أَيْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْمَرَضِ مُطَلِّقُهَا إذَا مَاتَتْ قَبْلُ لِبَيْنُونَتِهَا، وَمِثْلُ الطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ لَوْ كَانَ طَلَاقُهَا أَوْ ظِهَارُهَا أَوْ الْإِيلَاءُ مِنْهَا مُعَلَّقًا فِي صِحَّتِهِ عَلَى دُخُولِ دَارٍ مَثَلًا ثُمَّ فَعَلَتْ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ فِي حَالِ مَرَضِ الزَّوْجِ الْمَخُوفِ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَلَوْ قَصَدَتْ تَحْنِيثَهُ بِفِعْلِهَا الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَإِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَنَفَّذَ خُلْعَ الْمَرِيضِ وَرَثَتُهُ دُونَهُ كَمُخَيَّرَةٍ وَمُمَلَّكَةٍ فِيهِ وَمُولًى مِنْهَا وَمُلَاعَنَةٍ أَوْ أَحْنَثَتْهُ فِيهِ أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ أُعْتِقَتْ أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَوَرِثَتْ أَزْوَاجًا وَإِنْ فِي عِصْمَةٍ، وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ بِصِحَّةِ بَيِّنَةٍ.
ثُمَّ شُبِّهَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ إرْثِهَا مِنْهُ مُطْلَقًا دُونَهُ قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ) الْوَاقِعُ فِي الْمَرَضِ (وَاحِدَةً) رَجْعِيَّةً (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ مَاتَ) الزَّوْجُ (مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ) الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ (بَعْدَ) انْقِضَاءِ (الْعِدَّةِ) فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَلَوْ اتَّصَلَتْ بِالْأَزْوَاجِ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَتْ دُونَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ، وَمَفْهُومُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ لَوَرِثَهَا إنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَفْهُومُ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَلَاقُهَا رَجْعِيٌّ، فَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يَتَوَارَثَانِ وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا تَرِثُهُ دُونَهُ مُعَامِلَةً لَهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، وَمِثْلُ الْوَاحِدَةِ الِاثْنَتَانِ، كَمَا أَنَّ مِثْلَ الثَّلَاثِ الْوَاحِدَةُ الْبَائِنَةُ.

(وَ) مَفْهُومُ الْمَرِيضِ (إنْ طَلَّقَ الصَّحِيحُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً) رَجْعِيَّةً أَوْ اثْنَتَيْنِ كَذَلِكَ.
(فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ كَالزَّوْجَةِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَلُحُوقِ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، سِوَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْأَكْلِ مَعَهَا.
(فَإِنْ انْقَضَتْ) عِدَّةُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ (فَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا بَعْدَهَا) لِبَيْنُونَتِهَا وَالطَّلَاقُ فِي الصِّحَّةِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهَا لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ انْقَضَتْ إلَّا زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ.

(وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (لَمْ تَرِثْهُ وَلَا يَرِثُهَا) لِحُرْمَةِ ذَلِكَ النِّكَاحِ وَفَسَادِهِ وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَلَا يُقَالُ: النِّكَاحُ الْفَاسِدُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ فَسْخِهِ فِيهِ الْإِرْثُ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ اسْتَثْنَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ نِكَاحَ الْمَرِيضِ فَإِنَّهُ لَا إرْثَ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِيهِ الْإِرْثُ إلَّا نِكَاحَ

تَكُونَ الَّتِي لِلْأُمِّ أَقْرَبَ بِدَرَجَةٍ فَتَكُونَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي فِيهَا النَّصُّ وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي لِلْأَبِ أَقْرَبَهُمَا فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا يَرِثُ عِنْدَ مَالِكٍ أَكْثَرُ مِنْ جَدَّتَيْنِ أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُمَا وَيُذْكَرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ وَاحِدَةَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَاثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ أَبِي الْأَبِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ الْخُلَفَاءِ تَوْرِيثُ أَكْثَرَ مِنْ جَدَّتَيْنِ

وَمِيرَاثُ الْجَدِّ إذَا انْفَرَدَ فَلَهُ الْمَالُ وَلَهُ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ الذَّكَرِ السُّدُسُ فَإِنْ شَرِكَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ غَيْرُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ فَلْيُقْضَ لَهُ بِالسُّدُسِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ كَانَ لَهُ

فَإِنْ كَانَ مَعَ أَهْلِ السِّهَامِ إخْوَةٌ

[الفواكه الدواني]

الْمَرِيضِ أَيْ فَلَا إرْثَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فَسَادَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إدْخَالَ وَارِثٍ، وَقَدْ نُهِيَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ إدْخَالِهِ وَعَنْ إخْرَاجِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يُفْسَخُ إذْ صَحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا.

[إرْث الْجَدَّة]

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى إرْثِ الْجَدَّةِ فَقَالَ: (وَتَرِثُ الْجَدَّةُ لِلْأُمِّ السُّدُسَ) عِنْدَ انْفِرَادِهَا (وَكَذَلِكَ) تَرِثُ الْجَدَّةُ (الَّتِي لِلْأَبِ) عِنْدَ انْفِرَادِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ قِيَاسًا عَلَى الَّتِي لِلْأُمِّ (فَإِنْ اجْتَمَعَتَا) وَاتَّحَدَتَا فِي الدَّرَجَةِ (فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا) سَوِيَّةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: «جَاءَتْ الْجَدَّةُ أَيْ الَّتِي لِلْأُمِّ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: مَا لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا عَلِمْت لَك فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَك غَيْرُك؟ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، فَأَتَى بِهِ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ فَأَنْفَذَهُ أَيْ أَعْطَاهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى أَيْ أُمُّ الْأَبِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ عَنْ مِيرَاثِهَا فَقَالَ: مَا لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قَضَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ إلَّا لِغَيْرِك وَمَا أَنَا زَائِدٌ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَهُوَ لَكُمَا أَيْ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا» . وَقَوْلُنَا: وَاتَّحَدَتَا فِي الدَّرَجَةِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتَا فِيهَا فَفِيهِمَا تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ الَّتِي لِلْأُمِّ أَقْرَبَ بِدَرَجَةٍ فَتَكُونَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي) وَرَدَ (فِيهَا النَّصُّ وَإِنْ كَانَتْ لِلْأَبِ أَقْرَبَهُمَا فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَالْجَدَّةُ فَأَكْثَرُ أَيْ فُرِضَ لَهَا السُّدُسُ وَأَسْقَطَتْهَا الْأُمُّ مُطْلَقًا، وَالْأَبُ الْجَدَّةَ مِنْ جِهَتِهِ وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الْبُعْدِيِّ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَإِلَّا اشْتَرَكَتَا (وَلَا يَرِثُ عِنْدَ) الْإِمَامِ (مَالِكٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَكْثَرُ مِنْ جَدَّتَيْنِ) فَقَدْ قَالَ: لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا أَيْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَرَّثَ أَكْثَرَ مِنْ جَدَّتَيْنِ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ إلَى الْيَوْمِ وَهُمَا: (أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُمَا) لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُمَا عِنْدَ عَدَمِهِمَا كَكُلِّ مُدْلٍ بِغَيْرِهِ، وَعَلَّلَ الْقَرَافِيُّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ:؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمِيرَاثِ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَأُمَّهَاتُهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا وَبَقِيَ غَيْرُهُنَّ عَلَى الْأَصْلِ (وَيُذْكَرُ) أَيْ يُحْفَظُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَنَّهُ وَرَّثَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ (ثَلَاثَ جَدَّاتٍ) وَتَفْصِيلُهَا: (وَاحِدٌ مِنْ قِبَلِ) أَيْ جِهَةِ (الْأُمِّ وَاثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ) وَهُمَا: (أُمُّ أُمِّ الْأَبِ) وَالْمُرَادُ أُمُّ الْأَبِ (وَ) الثَّانِيَةُ (أُمُّ أَبِي الْأَبِ) ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ الْخُلَفَاءِ تَوْرِيثُ أَكْثَرَ مِنْ جَدَّتَيْنِ) . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا قَضَى بِهِ الْخُلَفَاءُ، وَلَمْ يُعَوِّلْ عَلَى مَا زَادَهُ غَيْرُهُمْ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ وَمَسْرُوقٍ وَسُفْيَانَ وَابْنِ سِيرِينَ فِي تَوْرِيثِ بَعْضِهِمْ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ وَبَعْضِهِمْ أَكْثَرَ، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ إرْثِ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ يَرِثُونَ بِالْإِجْمَاعِ، وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ ابْنُ الِابْنِ وَالْعَمُّ وَابْنَاهُمَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَيَرِثُ تَارَةً بِالْفَرْضِ وَتَارَةً بِالتَّعْصِيبِ وَتَارَةً يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ يَحْجُبُ مَا يَحْجُبُهُ الْأَبُ إلَّا الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ

[مِيرَاث الْجَدّ]

، وَأَشَارَ إلَى حَالَةِ إرْثِهِ بِالتَّعْصِيبِ بِقَوْلِهِ: (وَمِيرَاثُ الْجَدِّ) لِلْأَبِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَرِثُ (إذَا انْفَرَدَ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ ابْنٌ لِلْمَيِّتِ وَلَا ابْنُ ابْنٍ وَلَا إخْوَةٌ (فَلَهُ الْمَالُ جَمِيعُهُ) كَالْأَبِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعَاصِبِ بِالنَّفْسِ حِيَازَةُ جَمِيعِ الْمَالِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ، وَأَشَارَ إلَى حَالَةِ إرْثِهِ بِالْفَرْضِ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ الْجَدِّ (مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ الذَّكَرِ السُّدُسُ) وَمَا زَادَ عَلَيْهِ لِلْفَرْعِ الذَّكَرِ وَإِنْ سَفَلَ، وَأَشَارَ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ شَرِكَهُ) أَيْ الْجَدَّ (أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ) أَيْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ (غَيْرِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ فَلْيُقْضَ لَهُ بِالسُّدُسِ) وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ السِّهَامِ الْبِنْتُ أَوْ بِنْتُ الِابْنِ أَوْ اثْنَتَانِ فَأَكْثَرُ مِنْهُنَّ، إذْ لَا يُفْرَضُ لَهُ السُّدُسُ مَعَ ذِي الْفَرْضِ إلَّا مَعَ الذُّكُورَاتِ وَحْدَهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيَرِثُ بِفَرْضٍ وَعُصُوبَةٍ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ مَعَ بِنْتٍ وَإِنْ سَفَلَتْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ مِنْ غَيْرِهِنَّ كَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ الْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ كَانَ لَهُ مَا بَقِيَ فَقَطْ تَعْصِيبًا (فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ) بَعْدَ أَخْذِ الْجَدِّ سُدُسَهُ وَصَاحِبِ السَّهْمِ سَهْمَهُ (كَانَ لَهُ) أَيْ الْجَدِّ مَضْمُومًا إلَى سُدُسِهِ فَيَرِثُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ كَمِيرَاثِ الْأَبِ مَعَ الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِ الِابْنِ أَوْ اثْنَتَيْنِ

فَالْجَدُّ مُخَيَّرٌ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ يَأْخُذُ أَيَّ ذَلِكَ أَفْضَلَ لَهُ إمَّا مُقَاسَمَةُ الْإِخْوَةِ أَوْ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ ثُلُثُ مَا بَقِيَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ الْإِخْوَةِ فَهُوَ يُقَاسِمُ أَخًا أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ عَدْلَهُمَا أَرْبَعَ أَخَوَاتٍ فَإِنْ زَادُوا فَلَهُ الثُّلُثُ فَهُوَ يَرِثُ الثُّلُثَ مَعَ الْإِخْوَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُقَاسَمَةُ أَفْضَلَ لَهُ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ مَعَهُ فِي عَدَمِ الشَّقَائِقِ كَالشَّقَائِقِ

فَإِنْ اجْتَمَعُوا عَادَّهُ الشَّقَائِقُ

[الفواكه الدواني]

فَصَاعِدًا (تَنْبِيهٌ) فِي قَوْلِهِ: غَيْرُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ بَعْضُ مُسَامَحَةٍ،؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ، وَالْأَخَوَاتُ إذَا كُنَّ مَعَ الْجَدِّ إنَّمَا يَرِثْنَ بِالتَّعْصِيبِ إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُفْرَضُ لِأُخْتِ مَعَهُ إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ وَيُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ، وَأَجَابَ بَعْضٌ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ أَيْ الْفُرُوضِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى إرْثِ الْجَدِّ مَعَ غَيْرِ الْإِخْوَةِ شَرَعَ فِي إرْثِهِ مَعَهُمْ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهُ إخْوَةٌ وَصَاحِبُ فَرْضٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَحْضُ إخْوَةٍ، وَصَدَّرَ بِوَجْهِ اجْتِمَاعِهِ مَعَ الْإِخْوَةِ وَأَصْحَابِ السِّهَامِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ مَعَ أَهْلِ السِّهَامِ إخْوَةٌ) أَشِقَّاءُ أَوْ لِأَبٍ مَحْضٍ ذُكُورٌ أَوْ إنَاثٌ أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
(فَالْجَدُّ مُخَيَّرٌ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ يَأْخُذُ أَيَّ ذَلِكَ أَفْضَلَ لَهُ) وَبَيَّنَ الثَّلَاثَةَ بِقَوْلِهِ: (إمَّا مُقَاسَمَةُ الْإِخْوَةِ أَوْ السُّدُسُ) يَأْخُذُهُ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ ثُلُثُ مَا بَقِيَ) بَعْدَ ذَوِي الْفُرُوضِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ مَعَ ذِي فَرْضٍ مَعَهُمَا السُّدُسُ أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي أَوْ الْمُقَاسَمَةُ، فَالْمُقَاسَمَةُ أَفْضَلُ فِي جَدٍّ وَجَدَّةٍ وَأَخٍ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الْجَدَّةِ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةٍ خَمْسَةٌ فَيَخُصُّهُ بِالْمُقَاسَمَةِ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ السُّدُسِ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَمِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي وَهُوَ وَاحِدٌ وَثُلُثَانِ وَالسُّدُسُ أَفْضَلُ لَهُ فِي زَوْجَةٍ وَبِنْتَيْنِ وَجَدٍّ وَأَخٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ خَمْسَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، ثُلُثُهَا وَاحِدٌ وَثُلُثَانِ وَحِصَّتُهُ مِنْهَا إنْ قَاسَمَ الْأَخَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَإِنْ أَخَذَ سُدُسَ جَمِيعِ الْمَالِ أَخَذَ مِنْهَا أَرْبَعَةً وَهِيَ أَحَظُّ لَهُ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ وَمِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، وَثُلُثُ الْبَاقِي أَفْضَلُ لَهُ مَعَ أُمٍّ وَعَشَرَةِ إخْوَةٍ وَجَدٍّ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الْأُمِّ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ ثُلُثُهَا خَمْسَةٌ وَهِيَ أَكْثَرُ مِمَّا يَأْخُذُهُ بِالْقِسْمَةِ، وَمِنْ سُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَخُصُّهُ بِالْقِسْمَةِ وَاحِدٌ، وَأَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ سَهْمٍ وَسُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ ثَلَاثَةٌ وَقَدْ تَسْتَوِي الْمُقَاسَمَةُ، وَالسُّدُسُ كَزَوْجٍ وَأُمٍّ وَجَدٍّ وَأُخْتَيْنِ أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَقَدْ تَسْتَوِي الْمُقَاسَمَةُ، وَثُلُثُ الْبَاقِي إذَا كَانَتْ الْإِخْوَةُ مِثْلَيْهِ كَأُمٍّ وَجَدٍّ وَأَخَوَيْنِ وَقَدْ تَسْتَوِي الثَّلَاثَةُ الْمُقَاسَمَةُ وَثُلُثُ الْبَاقِي وَسُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَذَلِكَ فِي زَوْجٍ أَوْ بِنْتٍ وَجَدٍّ وَاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ أَوْ أَرْبَعِ أَخَوَاتٍ أَوْ أَخٍ وَأُخْتَيْنِ أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَالْجَدُّ مُخَيَّرٌ لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ يُقْضَى لَهُ بِأَوْفَرَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ الْأَظْهَرَ، فَلَهُ الْأَحَظُّ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لِإِيهَامِ لَفْظِ مُخَيَّرٍ خِلَافَ الْمُرَادِ.
الثَّانِي: قَدْ عَلِمْت مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ اسْتِوَاءِ الْمُقَاسَمَةِ مَعَ السُّدُسِ أَوْ ثُلُثِ الْبَاقِي أَوْ الثَّلَاثِ أَنَّ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ السُّدُسُ أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي مَانِعَةُ خُلُوٍّ لَا مَانِعَةُ جَمْعٍ لِجَوَازِ الْجَمْعِ كَمَا عَرَفْت، وَأَشَارَ إلَى ثَانِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَحْضُ إخْوَةٍ بِقَوْلِهِ: (وَ) أَمَّا (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أَيْ الْجَدِّ (غَيْرُ الْإِخْوَةِ) وَالْأَخَوَاتِ لِغَيْرِ أُمٍّ فَلَهُ الْخَيْرُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْمُقَاسَمَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ الْأَشِقَّاءِ أَوْ لِأَبٍ الْخَيْرُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ الْمُقَاسَمَةِ (فَهُوَ يُقَاسِمُ أَخًا وَأَخَوَيْنِ أَوْ عَدْلَهُمَا) مِنْ الْإِنَاثِ وَهُوَ (أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ) وَضَابِطُ مَسَائِلِ الْمُقَاسَمَةِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْإِخْوَةُ عَلَى مِثْلَيْهِ (فَإِنْ زَادُوا) أَيْ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ عَلَى مِثْلَيْهِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ لَا حَصْرَ لَهَا (فَلَهُ الثُّلُثُ) أَيْ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ (فَهُوَ يَرِثُ الثُّلُثَ مَعَ الْإِخْوَةِ) الصَّادِقَةِ بِمِثْلَيْهِ كَأَخَوَيْنِ أَوْ أَرْبَعِ أَخَوَاتٍ فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِلْمُقَاسَمَةِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُقَاسَمَةُ أَفْضَلَ لَهُ) مِنْ الثُّلُثِ فَتَتَعَيَّنُ لَهُ الْمُقَاسَمَةُ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْإِخْوَةُ أَقَلَّ مِنْ مِثْلَيْهِ كَجَدٍّ وَأَخٍ أَوْ جَدٍّ وَأُخْتٍ أَوْ جَدٍّ وَأُخْتَيْنِ أَوْ جَدٍّ وَثَلَاثِ أَخَوَاتٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الثُّلُثَ يَتَعَيَّنُ إنْ زَادَتْ الْإِخْوَةُ عَلَى مِثْلَيْهِ، وَالْمُقَاسَمَةُ تَتَعَيَّنُ إنْ نَقَصَتْ عَنْ مِثْلَيْهِ، وَيَسْتَوِيَانِ إنْ كَانَتْ الْإِخْوَةُ مِثْلَيْهِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ عِنْدَ عَدَمِ أَصْحَابِ السِّهَامِ، وَتَقَدَّمَ مَعَ ذَوِي السِّهَامِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ، فَقَدْ تَمَّتْ جُمْلَةُ الْعَشَرَةِ أَحْوَالٍ الْمَشْهُورَةِ فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهَا الْجَدُّ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَحْجُبُ سَائِرَ الْإِخْوَةِ، وَالْجَدُّ لَا يَحْجُبُ إلَّا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ وَإِنَّمَا وَجَبَ لِلْجَدِّ مُقَاسَمَةُ الْإِخْوَةِ وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُدْلِي بِهِ الْجَمِيعُ الْأَبُ وَهُمْ بَنُوهُ وَهُوَ أَبُوهُ وَبَنُوهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَقْوَى مِنْهُمْ حَيْثُ وَرِثَ مَعَ الْبَنِينَ، وَهُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ حَيْثُ كَانُوا وَلَدَ الْأَبِ وَجَبَتْ لَهُ الْمُقَاسَمَةُ دَفْعًا لِلنِّزَاعِ.
(تَنْبِيهٌ) إرْثُ الْجَدِّ لَيْسَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَلَا الْحَدِيثِ لِعَدَمِ وُرُودِ ذِكْرِهِ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا إرْثُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَارِثِينَ بِالْإِجْمَاعِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: الْجَدُّ وَبَنُو الْبَنِينَ وَالْأَعْمَامُ وَبَنُوهُمْ، وَلِصُعُوبَةِ الْقَوْلِ فِي

بِاَلَّذِينَ لِلْأَبِ فَمَنَعُوهُ بِهِمْ كَثْرَةَ الْمِيرَاثِ ثُمَّ كَانُوا أَحَقَّ مِنْهُمْ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَدِّ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَلَهَا أَخٌ لِأَبٍ أَوْ أُخْتٌ لِأَبٍ أَوْ أَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ فَتَأْخُذُ نِصْفَهَا مِمَّا حَصَلَ وَتُسَلِّمُ مَا بَقِيَ إلَيْهِمْ وَلَا يُرْبَى لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْجَدِّ إلَّا فِي الْغَرَّاءِ وَحْدَهَا وَسَنَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا

وَيَرِثُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى إذَا انْفَرَدَ جَمِيعَ الْمَالِ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُ

[الفواكه الدواني]

إرْثِ الْجَدِّ قَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَحِمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلْيَقْضِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ، وَكَانَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ يَقُولَانِ: دَعُونَا مِنْ مَسَائِلِ الْجَدِّ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِ وَتَفَاصِيلِهَا.
(وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ مَعَهُ) أَيْ الْجَدِّ (فِي عَدَمِ الشَّقَائِقِ كَالشَّقَائِقِ) فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَلَهُ الْمُقَاسَمَةُ وَأَخْذُ الثُّلُثِ عِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْفَرْضِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ الْفَرْضِ لَهُ الْأَوْفَرُ مِنْ سُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي أَوْ الْمُقَاسَمَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ كَالشَّقِيقِ عِنْدَ عَدَمِهِ إلَّا فِي الْحِمَارِيَّةِ وَالْمُشْتَرِكَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَادِلُ الشَّقِيقَ لِسُقُوطِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَاصِبٌ، وَالشَّقِيقُ يَرِثُهُ بِالْفَرْضِ بِوِلَادَةِ الْأُمِّ.

[اجْتِمَاعِ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ اجْتِمَاعِ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ وَيُقَالُ لَهُ بَابُ الْعَادَةِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ اجْتَمَعُوا) أَيْ الْأَشِقَّاءُ وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ (عَادَّهُ الشَّقَائِقُ بِاَلَّذِينَ لِلْأَبِ) أَيْ حَاسَبَ الشَّقَائِقُ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَأَدْخَلُوهُمْ فِي عِدَادِهِمْ (فَمَنَعُوهُ بِهِمْ كَثْرَةَ الْمِيرَاثِ ثُمَّ) بَعْدَ مَنْعِ الْجَدِّ مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْهِ بِسَبَبِ عَدِّ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ (كَانُوا) أَيْ الْأَشِقَّاءُ (أَحَقَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَخِ لِلْأَبِ، الْمَفْهُومُ مِنْ الْجَمْعِ السَّابِقِ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّعْبِيرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ (بِذَلِكَ) أَيْ الَّذِي أَخَذَهُ الْأَخُ لِلْأَبِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَتْرُكَ الْمَيِّتُ جَدًّا وَأَخًا شَقِيقًا وَأَخًا لِأَبٍ، فَإِنَّ الشَّقِيقَ بَعْدَ الْأَخِ لِلْأَبِ عَلَى الْجَدِّ لِيَأْخُذَ الْجَدُّ الثُّلُثَ بِالْمُقَاسَمَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّقِيقُ فَيَأْخُذُ سَهْمَ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَخِ الشَّقِيقِ أُخْتٌ لِأَبٍ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ مِنْ خَمْسَةٍ: لِلْجَدِّ سَهْمَانِ وَلِلْأَخِ سَهْمَانِ وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْأَخُ عَلَى الْأُخْتِ فَيَأْخُذُ مَا بِيَدِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَادَ الشَّقِيقُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ كَالشَّقِيقَةِ بِمَالِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ وَلِذَلِكَ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَدِّ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَلَهَا أَخٌ لِأَبٍ أَوْ) لَهَا (أَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ فَتَأْخُذُ) تِلْكَ الشَّقِيقَةُ (نِصْفَهَا مِمَّا حَصَلَ) لَهَا وَلِلْأَخِ لِلْأَبِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: كَالشَّقِيقَةِ بِمَالِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ (وَ) بَعْدَ أَخْذِهَا نِصْفَهَا (تُسَلِّمُ مَا بَقِيَ إلَيْهِمْ) أَيْ إلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ، وَمِثْلُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: جَدٌّ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَأَخٌ لِأَبٍ فَهِيَ مِنْ خَمْسٍ؛ لِأَنَّ مَا لَا فَرْضَ فِيهَا فَأَصْلُهَا عَدَدُ عَصَبَتِهَا، وَالْأَخَوَاتُ يُعَصِّبُهُنَّ الْجَدُّ، فَلِلْجَدِّ سَهْمَانِ وَلِلْأَخِ مِثْلُهُ وَلِلْأُخْتِ وَاحِدٌ، ثُمَّ تَرْجِعُ الشَّقِيقَةُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ بِتَمَامِ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْخُذُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ وَلَا نِصْفَ لِلْخَمْسَةِ صَحِيحٌ، فَتُضْرَبُ فِي مَقَامِ النِّصْفِ يَحْصُلُ عَشَرَةٌ، فَتَأْخُذُ الشَّقِيقَةُ خَمْسَةً وَالْجَدُّ أَرْبَعَةً وَالْأَخُ لِلْأَبِ لَهُ السَّهْمُ الْبَاقِي؛ وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ: جَدٌّ وَشَقِيقَةٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ أُخْتٍ سَهْمٌ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُعَصِّبُ الْأَخَوَاتِ، ثُمَّ تَرْجِعُ الشَّقِيقَةُ عَلَى الَّتِي لِلْأَبِ لِيَكْمُلَ لَهَا النِّصْفُ وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ الَّتِي لِلْأَبِ شَيْءٌ.
وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ: جَدٌّ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَأَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ مِنْ سِتَّةٍ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ وَكَذَلِكَ الْأَخُ وَلِكُلِّ أُخْتٍ سَهْمٌ، ثُمَّ تَرْجِعُ الشَّقِيقَةُ عَلَيْهِمَا بِتَمَامِ نِصْفِهَا فَتَأْخُذُ مِمَّا بِيَدِ الْأَخِ وَاحِدًا وَتَأْخُذُ مِنْ الْأُخْتِ السَّهْمَ الَّذِي بِيَدِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَلَى أَخِيهَا فَتُقَاسِمُهُ فِي السَّهْمِ الَّذِي بِيَدِهِ عَلَى ثَلَاثَةٍ لَا تَنْقَسِمُ، فَتُضْرَبُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَصْلِهَا اتَّخَذَهُ مَضْرُوبًا فِي ثَلَاثَةٍ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ رَجَعَ كَالشَّقِيقَةِ بِمَالِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جَدٌّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ شَقِيقٌ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ مَا أَخَذَهُ مَنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَبِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ شَقِيقٌ بَلْ شَقِيقَةٌ فَإِنَّهَا تَسْتَكْمِلُ نِصْفَهَا أَوْ الثُّلُثَيْنِ إنْ تَعَدَّدَتْ، وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ أَخَذَهُ مَنْ وُجِدَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَبِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ هُمَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ ذُو سَهْمٍ أَمْ لَا، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ عَادَتْ الْأَشِقَّاءُ بِالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَ حَجْبِهِمْ بِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَشِقَّاءَ يَحْتَجُّونَ عَلَى الْجَدِّ بِإِرْثِهِمْ مَعَهُ لَوْ انْفَرَدُوا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى حَجْبِهِمْ وَيَقُولُونَ لَهُ فَكَذَلِكَ لَا تَمْنَعُهُمْ مَعَ وُجُودِنَا، فَإِذَا أَخَذُوا مَعَ الشَّقِيقِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا كَانَ إرْثُ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْجَدِّ بِالتَّعْصِيبِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُنَّ كَأَخٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا يُرْبَى) أَيْ لَا يُفْرَضُ (لِلْأَخَوَاتِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْجَدِّ وَإِنَّمَا يَرِثْنَ مَعَهُ بِالتَّعْصِيبِ (إلَّا فِي الْغَرَّاءِ) بِالْمَدِّ (وَحْدَهَا) وَيُقَالُ لَهَا الْأَكْدَرِيَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُفْرَضُ لِأُخْتٍ مَعَهُ إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ وَالْغَرَّاءِ، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ وَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْجَدِّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى الْمُقَاسَمَةِ (وَسَنَذْكُرُهَا) أَيْ صُورَتَهَا وَبَيَانَهَا (بَعْدَ هَذَا) آخِرَ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَنْ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَنْ يَرِثُ بِالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ شَرَعَ فِيمَنْ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ وَهُوَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُكْمَ الْعُصُوبَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» فَقَالَ: (وَيَرِثُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى) وَهُوَ الْمُعْتِقُ بِالْكَسْرِ (إذَا انْفَرَدَ) عَنْ وَارِثٍ لِلْمَيِّتِ سَوَاءٌ (جَمِيعَ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ الْعَاصِبَ بِالنَّفْسِ يَجُوزُ جَمْعُ الْمَالِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ (رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً) وَأَمَّا الْأَسْفَلُ وَهُوَ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ

سَهْمٍ كَانَ لِلْمَوْلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ أَهْلِ السِّهَامِ وَلَا يَرِثُ الْمَوْلَى مَعَ الْعَصَبَةِ وَهُوَ أَحَقُّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا سَهْمَ لَهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَرِثُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ إلَّا مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّهُ مِنْ أَعْتَقْنَ إلَيْهِنَّ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ

وَإِذَا اجْتَمَعَ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَكَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ أُدْخِلَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ الضَّرَرُ وَقُسِمَتْ الْفَرِيضَةُ عَلَى مَبْلَغِ سِهَامِهِمْ

وَلَا يُعَالُ لِلْأُخْتِ مَعَ الْجَدِّ إلَّا فِي الْغَرَّاءِ

[الفواكه الدواني]

سَيِّدَهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُ سَهْمٍ) كَزَوْجَةٍ أَوْ بِنْتٍ أَوْ هُمَا (كَانَ لِلْمَوْلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ أَهْلِ السِّهَامِ) وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ عُصُوبَةِ النَّسَبِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهَا قَالَ: (وَلَا يَرِثُ الْمَوْلَى) الْأَعْلَى (مَعَ عَصَبَةِ النَّسَبِ) لِلْعَتِيقِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ فَرْعٌ وَالنَّسَبَ أَصْلٌ، وَلَا حُكْمَ لِلْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ.
(وَهُوَ) أَيْ الْمَوْلَى (أَحَقُّ) بِالْمِيرَاثِ (مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ) وَهُمْ غَيْرُ الْعَصَبَةِ (الَّذِينَ لَا سَهْمَ لَهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَرِثُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ إلَّا مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ) كَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ فَرْضَهُمْ وَيَأْخُذُ الْمَوْلَى الْبَاقِيَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَخُ لِلْأُمِّ ابْنًا لَا عَمًّا، وَإِلَّا أَخَذَ الْبَاقِيَ تَعْصِيبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مَوْجُودًا فَمُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: ثُمَّ مُعْتِقُ الْمُعْتَقِ ثُمَّ عَصَبَتُهُ (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءَ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا) وَلَاءَ (مَا) الْأَوْلَى مِنْ (أَعْتَقْنَ) أَيْ بَاشَرْنَ عِتْقَهُ وَلَوْ بِالْكِتَابَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا تَصِيرُ بِهِ الرَّقَبَةُ حُرَّةً (أَوْ جَرَّهُ مَنْ أَعْتَقْنَ إلَيْهِنَّ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ) كَأَنْ تُعْتِقَ الْمَرْأَةُ رَقَبَةً ثُمَّ تَتَزَوَّجَ تِلْكَ الرَّقَبَةَ وَتَلِدَ وَلَدًا وَيَمُوتَ عَلَى مَالٍ، أَوْ تُعْتِقَ تِلْكَ الرَّقَبَةُ رَقَبَةً أُخْرَى وَتَمُوتَ السُّفْلَى عَنْ مَالٍ، وَلَا عَاصِبَ لِلرَّقَبَةِ الْمَيِّتَةِ مِنْ النَّسَبِ فَيَرِثَهَا مَنْ أَعْتَقَ مُعْتِقَهَا.

[أَحْكَام الْعَوْل]

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَوْلِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَيْلُ وَالْجَوْرُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ الزِّيَادَةُ فِي السِّهَامِ وَالنَّقْصُ فِي الْأَنْصِبَاءِ فَقَالَ: (وَإِذَا اجْتَمَعَ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أَوْ فِي السُّنَّةِ أَوْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ (وَ) قَدْ (كَانَ ذَلِكَ) الْمُجْتَمِعُ مِنْ سِهَامِ مَنْ لَهُ شَيْءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ (أَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ) بِأَنْ تَكُونَ السِّهَامُ نِصْفًا وَنِصْفًا وَسُدُسًا، وَالْمَالُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةً (أُدْخِلَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ الضَّرَرُ) بِالنَّقْصِ فِي أَنْصِبَائِهِمْ مَعَ زِيَادَةِ عَدَمِ السِّهَامِ (وَقُسِمَتْ الْفَرِيضَةُ عَلَى مَبْلَغِ سِهَامِهِمْ) كَمَيِّتٍ وَجَدٍّ عِنْدَهُ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَعَلَيْهِ لِرَجُلٍ ثَلَاثَةٌ وَلِآخَرَ أَرْبَعَةٌ، فَإِنَّ السِّتَّةَ تُجْعَلُ سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ زَادَتْ الْفُرُوضُ أُعِيلَتْ، وَحَقِيقَةُ الْعَوْلِ كَمَا قَدَّمْنَا الزِّيَادَةُ فِي السِّهَامِ وَالنَّقْصُ فِي الْأَنْصِبَاءِ وَالْمَفْرُوضُ الَّتِي تَعُولُ ثَلَاثَةً السِّتَّةُ وَالِاثْنَا عَشَرَ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ.
فَالسِّتَّةُ تَعُولُ عَلَى تَوَالِي الْأَعْدَادِ إلَى عَشَرَةٍ فَتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ بِمِثْلِ سُدُسِهَا، كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ لِغَيْرِ أُمٍّ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ فَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَعَالَتْ إلَى سَبْعَةٍ، فَقَدْ نَقَصَ لِكُلِّ وَاحِدٍ سُبْعُ مَا بِيَدِهِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ فَرِيضَةٍ عَالَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي خِلَافَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَجَمَعَ الصَّحَابَةُ فَقَالَ: فَرَضَ اللَّهُ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ وَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، فَإِنْ بَدَأْت بِالزَّوْجِ لَمْ يَبْقَ لِلْأُخْتَيْنِ حَقُّهُمَا، وَإِنْ بَدَأْت بِالْأُخْتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لِلزَّوْجِ حَقُّهُ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، فَأَشَارَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْعَوْلِ وَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ سِتَّةَ دَرَاهِمَ وَلِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَلِآخَرَ أَرْبَعَةٌ أَلَيْسَ يُجْعَلُ الْمَالُ سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ؟ فَأَخَذَتْ الصَّحَابَةُ بِقَوْلِهِ، وَأَظْهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْخِلَافَ فِيهِ وَأَنْكَرَ الْعَوْلَ حَتَّى قَالَ: إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا لَمْ يَجْعَلْ فِي الْمَالِ نِصْفًا وَثُلُثًا،؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَانِ مُخَالَفَتِهِ كَانَتْ زَوْجًا وَأُخْتًا، وَأَمَّا وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِهَذَا التَّعْبِيرِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ صِحَّةُ الْعَوْلِ، وَضَعْفُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ بِمِثْلِ ثُلُثِهَا، كَزَوْجٍ وَأُمِّ أُخْتٍ لِأَبٍ أَوْ لِأَبَوَيْنِ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَمَجْمُوعُهَا ثَمَانِيَةٌ، وَأَصْلُهَا سِتَّةٌ وَتَعُولُ إلَى تِسْعَةٍ بِمِثْلِ نِصْفِهَا، كَزَوْجٍ وَأُمِّ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ أَيْضًا، وَلِكُلٍّ مِنْ الْبَاقِينَ السُّدُسُ وَمَجْمُوعُهَا تِسْعَةٌ فَأَصْلُهَا سِتَّةٌ، وَتَعُولُ إلَى عَشَرَةٍ بِمِثْلِ ثُلُثَيْهَا، كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَوَلَدَيْهَا، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِوَلَدَيْهَا الثُّلُثُ وَمَجْمُوعُهَا عَشَرَةٌ.
وَأَمَّا الِاثْنَا عَشَرَ فَتَعُولُ ثَلَاثَ عَوْلَاتٍ عَلَى تَوَالِي الْأَفْرَادِ، فَتَعُولُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِمِثْلِ نِصْفِ سُدُسِهَا، كَزَوْجٍ وَأُمٍّ وَبِنْتَيْنِ فَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَمَجْمُوعُهُمَا مِنْ الِاثْنَيْ عَشْرَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَتَعُولُ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ بِمِثْلِ رُبْعِهَا، كَزَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَابْنَتَيْنِ لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ وَلِلْأَبَوَيْنِ سُدُسَانِ وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَمَجْمُوعُهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَتَعُولُ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ بِمِثْلِ رُبْعِهَا وَسُدُسِهَا، كَزَوْجَةٍ وَأُمِّ وَلَدَيْهَا وَأُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَمَجْمُوعُهَا مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ فَتَعُولُ عَوْلَةً وَاحِدَةً إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَتُسَمَّى الْبَخِيلَةَ وَالْمِنْبَرِيَّةَ فَتَعُولُ بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، كَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ وَابْنَتَيْنِ، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا سَيِّدُنَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: صَارَ ثَمَنُهَا تِسْعًا، وَلَا يَدْخُلُ الْعَوْلُ بَاقِيَ الْأُصُولِ، وَهُوَ اثْنَانِ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ، وَجُمْلَةُ الْأُصُولِ سَبْعَةٌ اثْنَانِ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسِتَّةٌ وَاثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَبَقِيَ اثْنَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا وَهُمَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا سُدُسُ وَثُلُثُ مَا بَقِيَ وَمَا

وَحْدَهَا وَهِيَ امْرَأَةٌ تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَأُخْتَهَا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ وَجَدِّهَا فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ فَلَمَّا فَرَغَ الْمَالُ أُعِيلَ لِلْأُخْتِ بِالنِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ جُمِعَ إلَيْهَا سَهْمُ الْجَدِّ فَيُقْسَمُ جَمِيعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ لَهَا وَالثُّلُثَيْنِ لَهُ فَتَبْلُغُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ سَهْمًا.

[الفواكه الدواني]

بَقِيَ وَسِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا سُدُسُ وَرُبْعُ وَثُلُثُ مَا بَقِيَ، وَمِثَالُ الْأَوَّلِ جَدَّةٌ وَجَدٌّ وَإِخْوَةٌ، وَمِثَالُ الثَّانِي هَؤُلَاءِ بِزِيَادَةِ زَوْجٍ وَالْأُصُولِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَالْأُصُولُ اثْنَانِ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسِتَّةٌ وَاثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَالنِّصْفُ مِنْ اثْنَيْنِ، وَالرُّبُعُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَالثُّمُنُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَالثُّلُثُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالسُّدُسُ مِنْ سِتَّةٍ، وَالرُّبُعُ وَالثُّلُثُ أَوْ السُّدُسُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَالثُّمُنُ وَالسُّدُسُ أَوْ الثُّلُثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَأَصْلُ الْفَرِيضَةِ أَقَلُّ عَدَدٍ يَخْرُجُ مِنْهَا فَرْضُهَا أَوْ فُرُوضُهَا.
(فَائِدَةٌ) إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَا عَالَتْ بِهِ الْمَسْأَلَةُ فَانْسُبْهُ إلَيْهَا بِغَيْرِ عَوْلِهَا، وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَا نَقَصَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِسَبَبِ الْعَوْلِ فَانْسُبْ مَا عَالَتْ بِهِ إلَيْهَا مَعَ عَوْلِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَصْرِيرِ الْمَسَائِلِ الْعَائِلَةِ.

[كَيْفِيَّةُ تَصْحِيحِ الْمَسَائِلِ وَتَأْصِيلِهَا وَكَيْفِيَّةُ قَسْمِ التَّرِكَةِ]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْغَرَّاءِ الَّتِي وَعَدَ بِهَا فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ هُنَا: (وَلَا يُعَالُ لِلْأُخْتِ) الَّتِي تَرِثُ (مَعَ الْجَدِّ) أَيْ لَا يُفْرَضُ لَهَا مَعَهُ بَلْ لَا تَرِثُ مَعَهُ إلَّا بِالتَّعْصِيبِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهَا كَأَخِيهَا كَإِرْثِهَا مَعَ الْإِخْوَةِ (إلَّا فِي الْغَرَّاءِ وَحْدَهَا) وَيُقَالُ لَهَا الْأَكْدَرِيَّةُ (وَهِيَ امْرَأَةٌ) مَاتَتْ وَ (تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَأُخْتَهَا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ وَجَدَّهَا) لِأَبِيهَا أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا نِصْفًا وَثُلُثًا (فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ) ثَلَاثَةٌ (وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ) اثْنَانِ (وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ) وَاحِدٌ بَقِيَّةُ السِّتَّةِ (فَلَمَّا فَرَغَ الْمَالُ أُعِيلَ لِلْأُخْتِ بِالنِّصْفِ) وَهُوَ (ثَلَاثَةُ) أَسْهُمٍ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُعَلْ لَهَا إمَّا أَنْ تُقَاسِمَ الْجَدَّ فِي سُدُسِهِ فَيَنْقُصُ سُدُسُهُ وَهُوَ لَا يَنْزِلُ عَنْهُ بِحَالٍ، وَإِمَّا أَنْ لَا تُقَاسِمَ فَتُحْرَمُ مَعَ عَدَمِ مَنْ يَحْجُبُهَا وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَصِحُّ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْعَوْلِ لَهَا بِثَلَاثَةٍ (جُمِعَ) الْقَاسِمُ (إلَيْهَا) أَيْ الثَّلَاثَةُ (سَهْمُ الْجَدِّ فَيُقْسَمُ جَمِيعُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ سَهْمِهِ وَثَلَاثَتِهَا (بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ لَهُمَا وَالثُّلُثَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ كَأَخِيهَا، وَكُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ يَجِبُ تَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَلَا ثُلُثَ لِلْأَرْبَعَةِ صَحِيحٌ، فَتُضْرَبُ الرُّءُوسُ الْمُنْكَسِرُ عَلَيْهَا سِهَامُهَا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِعَوْلِهَا وَهُوَ تِسْعَةٌ (فَتَبْلُغُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ سَهْمًا) ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ التِّسْعَةِ أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِي ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ بِرَأْسَيْنِ وَالْأُخْتَ بِرَأْسٍ وَالثَّلَاثَةَ جُزْءُ السَّهْمِ، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مَضْرُوبَةٌ فِيهَا بِتِسْعَةٍ، لِلْأُمِّ اثْنَانِ مَضْرُوبَةٌ فِيهَا بِسِتَّةٍ، وَلِلْأُخْتِ وَالْجَدِّ أَرْبَعَةٌ مَضْرُوبَةٌ فِيهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَدَّ وَالْأُخْتَ يُفْرَضُ لَهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ يَرْجِعَانِ إلَى الْمُقَاسَمَةِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَيُلْغَزُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ أَرْبَعَةٌ وَرِثُوا مَيِّتًا أَخَذَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَ مَالِهِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَأَخَذَ الثَّانِي ثُلُثَ الْبَاقِي وَهُوَ الْأُمُّ، وَأَخَذَ الثَّالِثُ ثُلُثَ بَاقِي الْبَاقِي وَهُوَ الْأُخْتُ، وَأَخَذَ الرَّابِعُ الْبَاقِيَ وَهُوَ الْجَدُّ.
ثَانِيهِمَا: أَنْ يُقَالَ مَا فَرِيضَةُ أُخِّرَ قَسْمُهَا لِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ أُنْثَى وَرِثَ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا لَا يَرِثُ، وَصُورَتُهَا: مَاتَتْ امْرَأَةٌ عَنْ زَوْجِهَا وَجَدِّهَا وَأُمُّهَا حَامِلٌ، فَإِنْ وَضَعَتْ أُنْثَى فَهِيَ الْأَكْدَرِيَّةُ، وَإِنْ وَضَعَتْ ذَكَرًا فَعَاصِبٌ لَمْ يَفْضُلْ لَهُ شَيْءٌ.
وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: أُخْتٌ عَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ الْجَدِّ أُخْتَانِ أَوْ أَكْثَرُ لِغَيْرِ أُمٍّ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَلَهُمَا أَوْ لَهُنَّ السُّدُسُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَوْضِعَ الْأُخْتِ أَخٌ لِأَبٍ أَوْ شَقِيقٌ وَمَعَهُ إخْوَةٌ لِأُمٍّ اثْنَانِ فَصَاعِدًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَخِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يَقُولُ لَهُ: لَوْ كُنْت دُونِي لَمْ تَرِثْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ الْبَاقِيَ يَأْخُذُهُ أَوْلَادُ الْأُمِّ، وَأَنَا أَحْجُبُ كُلَّ مَنْ يَرِثُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، فَيَأْخُذُ الْجَدُّ حِينَئِذٍ الثُّلُثَ كَامِلًا وَتُسَمَّى الْمَالِكِيَّةَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِالْغَرَّاءِ إمَّا؛ لِأَنَّ الْجَدَّ غَرَّهَا بِفَرْضِ الثَّلَاثَةِ لَهَا ثُمَّ رَجَعَ وَقَاسَمَهَا، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشُهْرَتِهَا فِي مَسَائِلِ الْجَدِّ كَغُرَّةِ الْفَرَسِ، وَسُمِّيَتْ بِالْأَكْدَرِيَّةِ أَيْضًا، قِيلَ:؛ لِأَنَّهَا كَدَّرَتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَذْهَبَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَفْرِضُ فِي بَابِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ لِلْأُخْتِ، وَإِنَّمَا يَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ بِالْعَصَبِ وَلَا عَوْلَ وَلَا فَرْضَ وَقَدْ فُرِضَ لَهَا وَأُعِيلَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ وَلَا يُعَالُ أَيْ لَا يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ مَعَ الْجَدِّ إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ، اعْتَرَضَهُ الْعَلَّامَةُ الْمَارْدِينِيُّ، بِمَا مُحَصِّلُهُ: كَيْفَ يُصِرُّونَ الْفَرْضَ لِلْأُخْتِ مَعَ الْجَدِّ فِي الْغَرَّاءِ مَعَ أَنَّهَا يُفْرَضُ لَهَا مَعَهُ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ سِوَاهَا مِنْهَا جَدٌّ وَشَقِيقَةٌ وَأَخَوَانِ أَوْ أَخٌ وَأُخْتَانِ أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ أَوْ أَكْثَرُ لِأَبٍ، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْجَدِّ الثُّلُثُ وَلِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الْأَبِ بِالْعُصُوبَةِ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ وَلِلشَّقِيقَةِ ثَلَاثَةٌ وَلِوَلَدِ الْأَبِ سَهْمٌ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، وَيَخْتَلِفُ التَّصْحِيحُ بِحَسَبِ رُءُوسِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ صُوَرًا أُخَرَ، وَأَجَابَ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَصْرَ إضَافِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَأَجَبْته بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْفِرَاضِ لَا يُفْرَضُ لَهَا إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ أَيْ حَيْثُ تَسْتَغْرِقُ أَرْبَابَ الْفُرُوضِ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَوْلُ أَوْ حِرْمَانُهَا كَمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْجَعْدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ 1 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

(خَاتِمَةٌ لِبَابِ الْفَرَائِضِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ الْفَرْضُ إلَيْهِ أَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ: كَيْفِيَّةُ تَصْحِيحِ الْمَسَائِلِ وَتَأْصِيلِهَا، وَكَيْفِيَّةُ قَسْمِ التَّرِكَةِ) وَبَيَانُ ذَلِكَ بِإِيضَاحِ أَنَّ الْوَرَثَةَ إنْ كَانَتْ مَحْضَ عَصَبَةٍ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا عَدَدُ رُءُوسِ عَصَبَتِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا لَا فَرْضَ فِيهَا فَأَصْلُهَا عَدَدُ عَصَبَتِهَا وَضُعِّفَ لِلذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُ فَرْضٍ أَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ فَإِنَّ الْحَاسِبَ يَأْخُذُ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَقَلُّ عَدَدٍ يَخْرُجُ مِنْهُ فَرْضُهَا أَوْ فُرُوضُهَا، فَإِنْ انْقَسَمَتْ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنْ غَيْرِ انْكِسَارٍ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، كَزَوْجَةٍ وَثَلَاثَةِ إخْوَةٍ لِغَيْرِ أُمٍّ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ لِلزَّوْجِ وَاحِدٌ لِكُلِّ أَخٍ وَاحِدٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَنْقَسِمْ السِّهَامُ عَلَى الرُّءُوسِ بِأَنْ انْكَسَرَتْ وَلَوْ عَلَى فَرِيقٍ مِنْ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ الْحَاسِبَ يَنْظُرُ بَيْنَ السِّهَامِ الْمُنْكَسِرَةِ وَرُءُوسِهَا بِنَظَرَيْنِ الْمُوَافِقَةِ وَالْمُبَايِنَةِ فَقَطْ، فَالْمُوَافِقَةُ يَرُدُّهُ إلَى وَفْقِهِ، وَالْمُبَايِنُ يُثْبِتُ جَمِيعَهُ، وَقَوْلُنَا: فَقَطْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُدَاخَلَةِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُنْقَسِمَةٌ لِعَدَمِ الِانْكِسَارِ فِيهَا وَبُعْدِ النَّظَرِ وَرَدِّ الْمُوَافِقِ لِوَفْقِهِ وَإِثْبَاتِ الْمُبَايِنِ بِحَمْلَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الِانْكِسَارُ عَلَى فَرِيقٍ وَاحِدٍ فَإِنَّك تَضْرِبُ وَفْقَ عَدَدِ الرُّءُوسِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ التَّوَافُقِ، أَوْ جَمِيعَ الرُّءُوسِ الْمُنْكَسِرِ عَلَيْهَا سِهَامُهَا عِنْدَ التَّبَايُنِ، وَإِمَّا إنْ كَانَ الِانْكِسَارُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ فَرِيقٍ فَإِنَّك تَنْظُرُ بَيْنَ الْمُثْبِتَاتِ وَيُقَالُ لَهَا الرَّوَاجِعُ وَالْفِرَقُ وَالْأَحْيَازُ بِأَرْبَعَةِ أَنْظَارٍ: الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُدَاخَلَةُ وَالْمُبَايَنَةُ وَالْمُوَافَقَةُ، فَتَضْرِبُ أَحَدَهَا عِنْدَ التَّمَاثُلِ وَأَكْثَرَهَا عِنْدَ التَّدَاخُلِ.
وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ الْمُبَايِنِ فِي غَيْرِهِ عِنْدَ التَّبَايُنِ أَوْ الْوَفْقِ فِي غَيْرِهِ عِنْدَ التَّوَافُقِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ تَقْسِمُ مَا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَتَدْفَعُ لِمَنْ لَهُ النِّصْفُ نِصْفَ مَا صَحَّتْ مِنْهُ، وَلِمَنْ لَهُ الرُّبُعُ رُبُعَهَا وَهَكَذَا.
وَلِقَسْمِ التَّرِكَةِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: الْأُولَى: طَرِيقُ النِّسْبَةِ وَهِيَ أَنْ تُصَحِّحَ الْمَسْأَلَةَ وَتَنْسُبَ نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ مِنْهَا، وَبِتِلْكَ النِّسْبَةِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّرِكَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَك مِنْ التَّرِكَةِ بِنِسْبَةِ حَظِّهِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَ حَظُّهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ رُبُعَهَا فَإِنَّهُ يُعْطَى رُبْعَ التَّرِكَةِ وَهَكَذَا.
الثَّانِيَةُ: الضَّرْبُ وَالْقِسْمَةُ وَهُوَ أَنْ تَضْرِبَ نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ فِي التَّرِكَةِ وَتَقْسِمَ الْخَارِجَ مِنْ الضَّرْبِ عَلَى مَا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ مَعَ عَوْلِهَا إنْ كَانَتْ عَائِلَةً.
الثَّالِثَةُ: أَنْ تَقْسِمَ التَّرِكَةَ عَلَى مَا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ مَعَ عَوْلِهَا إنْ كَانَتْ عَائِلَةً، وَتَضْرِبَ نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ فِي خَارِجِ الْقِسْمَةِ، فَمَا حَصَلَ فَهُوَ نَصِيبُ ذَلِكَ الْوَارِثِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ التَّرِكَةِ وَالْمَسْأَلَةِ مُوَافَقَةٌ ضَرَبْت نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ فِي وَفْقِ التَّرِكَةِ وَقَسَمْت الْحَاصِلَ عَلَى وَفْقِ الْمَسْأَلَةِ، فَمَا حَصَلَ فَهُوَ نَصِيبُ ذَلِكَ الْوَارِثِ، وَلْنَذْكُرْ مِثَالًا لِيَعْمَلَ الْحَاسِبُ عَلَى مِنْوَالِهِ فَنَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمُبَاهَلَةِ وَهِيَ زَوْجٌ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَأُمٌّ التَّرِكَةُ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا نِصْفًا وَثُلُثًا وَتَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَطَرِيقُ النِّسْبَةِ أَنْ تُنْسَبَ نَصِيبُ الزَّوْجِ إلَى الْمَسْأَلَةِ رُبْعٌ وَثُمُنٌ فَلَهُ مِنْ التَّرِكَةِ رُبْعُهَا وَثُمُنُهَا وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ، وَلِلْأُخْتِ كَذَلِكَ وَلِلْأُمِّ سَهْمَانِ وَنِسْبَتُهُمَا مِنْ الْمَسْأَلَةِ رُبُعُهَا فَلَهَا رُبُعُ التَّرِكَةِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الضَّرْبُ وَالْقِسْمَةُ فَتَضْرِبُ سِهَامَ الزَّوْجِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فِي التَّرِكَةِ وَهِيَ عِشْرُونَ تَكُونُ سِتِّينَ فَاقْسِمْهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ يَخْرُجُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ وَلِلْأُخْتِ كَذَلِكَ وَلِلْأُمِّ اثْنَانِ فِي عِشْرِينَ بِأَرْبَعِينَ قَسْمُهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ يَخْرُجُ خَمْسَةٌ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ الْقِسْمَةُ وَالضَّرْبُ فَتَقْسِمُ التَّرِكَةَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَتَخْرُجُ الْقِسْمَةُ اثْنَيْنِ وَنِصْفًا فَتَضْرِبُ نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ فِي ذَلِكَ، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ فِي اثْنَيْنِ وَنِصْفٍ بِسَبْعَةٍ وَنِصْفٍ وَلِلْأُخْتِ كَذَلِكَ وَلِلْأُمِّ اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْنِ وَنِصْفٍ بِخَمْسَةٍ وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَعَادَهُ مُجْمَلًا فِي بَابٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِرَةً لِمَا سَبَقَ فَقَالَ:

بَابٌ: جُمَلٌ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْوَاجِبَةِ وَالرَّغَائِبِ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ إلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَسْحَ الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ،

وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ مُرَغَّبٌ فِيهِ،

وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفٌ،

وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَدَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ،

[الفواكه الدواني]

[بَابٌ جُمَلٌ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْوَاجِبَةِ وَالرَّغَائِبِ]

(بَابٌ) مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ (جُمَلٍ) جَمْعُ جُمْلَةٍ أَيْ عِدَّةٍ (مِنْ الْفَرَائِضِ) جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ، وَيُرَادِفُ الْفَرْضُ الْوَاجِبَ وَاللَّازِمَ وَالْمُحَتَّمَ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا جَازِمًا أَيْ لَا تَرْخِيصَ فِي تَرْكِهِ، وَيُقَالُ فِي حَقِيقَتِهِ مَا يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ غَالِبًا.
(وَ) جُمَلٌ (مِنْ السُّنَنِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ الْمُؤَكَّدَةِ (وَ) شَيْءٌ مِنْ (الرَّغَائِبِ) جَمْعُ رَغِيبَةٍ وَهِيَ كُلُّ مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ فِي جَمَاعَةٍ فَهِيَ دُونَ السُّنَّةِ وَفَوْقَ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُ الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ يُطْلَقُ لَفْظُ السُّنَّةِ عَلَى مَا دُونَ الْفَرْضِ وَهِيَ طَرِيقُ الْبَغْدَادِيِّينَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ مَا دُونَ الْفَرْضِ فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمِنْ الْفَرَائِضِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (الْوُضُوءُ) أَوْ بَدَلُهُ (لِلصَّلَاةِ) أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ (فَرِيضَةٌ) وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَافِلَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ، فَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يُجْعَلُ الْوُضُوءُ تَابِعًا لِمَا يُفْعَلُ بِهِ، وَأَفْهَمْ قَوْلُهُ لِلصَّلَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا لِذَاتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى فَرِيضَتِهِ لِلنَّافِلَةِ أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ أَقْوَى مِنْ مَقْصِدِهَا، لِأَنَّا نَقُولَ: الطَّهَارَةُ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَرْضُ وَغَيْرُهُ، وَلَا يُقَالُ: الْفَرْضُ مَا يُعَاقَبُ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِهِ وَوُضُوءُ النَّافِلَةِ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: يُعَاقَبُ عَلَيْهِ عِنْدَ فِعْلِ النَّافِلَةِ بِدُونِهِ، لِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِدُونِ طَهَارَةٍ مَعْصِيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ حُكْمِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا يُطْلَبُ مِنْ الْوَلِيِّ تَعْلِيمُ الصَّبِيِّ صِفَةَ الْوُضُوءِ وَحُكْمَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ تَوَابِعِهِ كَزَوْجَةٍ وَخَادِمِهِ، وَيُكَفَّرُ الْمُكَلَّفُ بِجَحْدِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَرِيضَتِهِ.
(وَهُوَ) أَيْ الْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ (مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ) وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَهُوَ طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَلَمَّا شَمِلَ الْوُضُوءُ سَائِرَ أَفْعَالِهِ اسْتَثْنَى غَيْرَ الْفَرْضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَسْحَ الْأُذُنَيْنِ) وَمِثْلُهَا الِاسْتِنْثَارُ وَرَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ.
(فَإِنَّ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ (سُنَّةٌ) وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ بِتَرْكِهَا، بِخِلَافِ سُنَنِ الصَّلَاةِ تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ وَسِيلَةٌ وَالصَّلَاةَ مَقْصِدٌ، وَالشَّيْءُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ.

[حُكْم السِّوَاك]

(وَالسِّوَاكُ) بِمَعْنَى الِاسْتِيَاكِ وَلَوْ بِأُصْبُعِهِ وَإِنْ نُدِبَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَاقِي أَفْعَالِهِ خَلَا الْمَفْرُوضَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (مُسْتَحَبٌّ مُرَغَّبٌ فِيهِ) تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ جَمْعٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَمِنْهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ السِّوَاكِ سُنَّةٌ لِخَبَرٍ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَلِمُدَاوَمَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى فِعْلِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ فِعْلِ الْمَضْمَضَةِ لِلْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ يَسْتَاكُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ، وَيَسْتَاكُ عَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ وَطُولًا فِي اللِّسَانِ، وَلَا يَسْتَاكُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَيَسْتَاكُ بِكُلِّ شَيْءٍ خَشِنٍ إلَّا عُودَ الرُّمَّانِ وَالرَّيْحَانِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ لِتَحْرِيكِ الْأَوَّلَيْنِ عِرْقَ الْجُذَامِ وَالثَّالِثُ يُورِثُ الْأَكَلَةَ، وَلَا يَسْتَاكُ بِالْحَلْفَاءِ وَلَا بِعُودِ الشَّعِيرِ وَلَا بِالْعُودِ الْمَجْهُولِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً أَعْظَمُهَا تَذْكِيرُهُ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَحْرُمُ وَقَدْ يُكْرَهُ.

[الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]

(وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) بِالشُّرُوطِ الْعَشَرَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا (رُخْصَةٌ) جَائِزَةٌ جَوَازًا مَرْجُوحًا عَلَى طَرِيقَةِ الْأَكْثَرِ، بِنَاءً عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَسْحِ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَإِنْ مُسْتَحَاضَةً، وَقَوْلُهُ: (وَتَخْفِيفٌ) تَفْسِيرٌ لِلرُّخْصَةِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا كَمَا قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَغَيِّرُ مِنْ صُعُوبَةٍ إلَى سُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِأَنَّهَا إبَاحَةُ الشَّيْءِ الْمَمْنُوعِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمَانِعِ، وَقَدَّمْنَا إيضَاحَ ذَلِكَ، وَيُقَابِلُ الرُّخْصَةَ

فَرِيضَةٌ،

وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ،

وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ،

وَالْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فَرِيضَةٌ لِأَنَّهُ جُنُبٌ،

وَغُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ،

وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَرِيضَةٌ،

وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَرِيضَةٌ وَبَاقِي التَّكْبِيرِ سُنَّةٌ،

وَالدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَرِيضَةٌ،،

[الفواكه الدواني]

الْعَزِيمَةُ وَهِيَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ الْمَشْرُوعُ أَوَّلًا.

(وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ) وَهِيَ الْحَدَثُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ أَوْ مَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ إنْزَالٌ.
(وَ) كَذَا الْغُسْلُ مِنْ (دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ (فَرِيضَةٌ) لِآيَةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَآيَةِ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ، وَلِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْحُكْمُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْغُسْلِ لِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ إذَا خَرَجَ الْوَلَدُ جَافًّا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ فَالْمَشْهُورُ اسْتِحْبَابُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِاسْتِحَاضَةٍ وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ.

(وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ) وَصِفَتُهُ كَالْجَنَابَةِ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يَجْزِي فِعْلُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لَوْلَا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ شَوَاهِدُ فِي الصَّحِيحِ، وَأَقُولُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يُسَنُّ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ لَا الصَّبِيِّ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ يُخَالِفُهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ لِنَحْوِ رِقٍّ أَوْ سَفَرٍ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتَلِمًا.

(وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ وَغُسْلٌ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِدُخُولِ السُّدُسِ الْأَخِيرِ، وَلِذَا لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِالرَّوَاحِ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ، فَلِذَلِكَ يُطْلَبُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُصَلٍّ، وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَمِمَّا هُوَ سُنَّةٌ غُسْلُ الْإِحْرَامِ أَوْ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيِّنٌ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ، وَغُسْلُ الْعِيدِ مُسْتَحَبٌّ تَبَعِيَّةُ الْأَوَّلِ لِفَرْضٍ دُونَ غَيْرِهِ.

(وَالْغُسْلُ عَلَى) كُلِّ (مَنْ أَسْلَمَ) مِنْ الْكُفَّارِ الْبَالِغِينَ (فَرِيضَةٌ لِأَنَّهُ جُنُبٌ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَجِبُ غُسْلُ كَافِرٍ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَا ذُكِرَ وَصَحَّ قَبْلَهَا، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِقَوْلِهِ: جُنُبٌ، وَخَلِيلٍ: أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ مِنْهُ مُوجِبُ غُسْلٍ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وُجُوبُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَوْ صَبِيًّا تَعْظِيمًا لِلْإِسْلَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ غُسْلُهُ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الطُّهْرَ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ أَوْ الْإِسْلَامَ، أَوْ نَوَى بِهِ الْإِسْلَامَ وَالتَّنْظِيفَ، لَا إنْ نَوَى بِهِ التَّنْظِيفَ فَقَطْ، وَكَمَا يَصِحُّ الْغُسْلُ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ، وَلَا يُقَالُ: شَرْطُ صِحَّةِ كُلٍّ الْإِسْلَامُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْعَازِمُ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ حُكْمًا.

(وَغُسْلُ) بِمَعْنَى تَغْسِيلِ (الْمَيِّتِ) الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ اسْتِقْرَارُ حَيَاةٍ وَغَيْرِ شَهِيدِ حَرْبٍ الْمَوْجُودِ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ حُكْمًا.
(سُنَّةٌ) وَقِيلَ فَرِيضَةٌ، وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ: وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ وَكَفَنِهِ وَسُنِّيَّتِهِمَا خِلَافٌ وَتَلَازُمًا وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ، فَيُبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وُضُوءًا كَامِلًا مَرَّةً وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ.
وَقَوْلُنَا وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ أَوْ سَابِيه مِنْ أَوْلَادِ الْمَجُوسِ لَوْ مُمَيِّزًا إلَّا الْكِتَابِيَّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ التَّبَعِيَّةِ، فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا مَحْكُومَ بِكُفْرِهِ وَإِنْ صَغِيرًا ارْتَدَّ أَوْ نَوَى بِهِ سَلِيبَةَ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ عَلَامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمَعْنَى تَغْسِيلِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَحْيَاءُ فِي الْمَيِّتِ.

(وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلَوْ عَلَى كَافِرٍ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالتَّقْيِيدِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي آيَةِ: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] لَا يُنَافِي وُجُوبَهَا عَلَى الْكُفَّارِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْجَاحِدُ وَلَوْ لِرُكْنٍ مِنْهَا كَافِرٌ حَيْثُ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، وَالْمُقِرُّ بِالْوُجُوبِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْفِعْلِ عِنَادًا يُؤَخَّرُ إلَى بَقَاءِ رَكْعَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا آخَرَ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَفْعَلُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ فَاضِلٍ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ بَلْ يُشْهَرُ زَجْرًا لِأَمْثَالِهِ.

(وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا.
(فَرِيضَةٌ) فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ قَادِرٍ عَلَيْهِ وَصِفَتُهَا أَنْ تَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ بِمَدِّ لَفْظِ الْجَلَالَةِ الْمَدَّ الطَّبِيعِيَّ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا، وَالْعَاجِزُ عَنْهَا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ تَكْفِيه النِّيَّةُ، وَلَا يُكَلَّفُ الْإِتْيَانَ بِمُرَادِفِهَا بِلُغَتِهِ، فَإِنْ أَتَى بِهَا بِلُغَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ

وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ،

وَالْقِرَاءَةُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،

وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرِيضَةٌ،،

[الفواكه الدواني]

صَلَاةِ مَنْ دَعَا فِي صَلَاتِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، خِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ فِي ذَخِيرَتِهِ، وَتَجِبُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ إلَّا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى تَكْبِيرٍ زَائِدٍ عَلَى تَكْبِيرِ الْخَفْضِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا نَاوِيًا فِعْلَهَا مُكَبِّرًا فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ.
(تَنْبِيهٌ) سَكَتَ هُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَجِبُ إلَّا فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ غَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَفِي وُجُوبِ الْقِيَامِ لَهَا فِي حَقِّهِ وَعَدَمِهِ تَأْوِيلَانِ جَارِيَانِ فِيمَنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ الْعَقْدَ أَوْ نَوَى الْعَقْدَ وَالرُّكُوعَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا أَجْزَأَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، فَعَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَعَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ يُعْتَدُّ بِهَا، بِخِلَافِ لَوْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ بَعْدَ تَمَامِ الِانْحِطَاطِ مَعَ الْفَصْلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، سَوَاءٌ افْتَتَحَهُ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَوْ فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ، وَأَمَّا لَوْ افْتَتَحَهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ فَقَطْ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَالصُّوَرُ سِتٌّ.
وَلَعَلَّ وَجْهَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ فِي الرَّكْعَةِ التَّالِيَةِ لِلرَّكْعَةِ الْبَاطِلَةِ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَحْرَمَ فِي حَالِ قِيَامِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ.
(وَبَاقِي التَّكْبِيرِ) الزَّائِدِ عَلَى الْإِحْرَامِ (سُنَّةٌ) الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ جَمِيعَ الْبَاقِي سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ شُهِرَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ وَاحِدَةٍ وَيَسْجُدُ لِتَرْكِ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْقَوْلَانِ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ فَأَكْثَرَ أَوْ جَمِيعَهُ سَهْوًا وَتَرَكَ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ حَتَّى طَالَ زَمَنُ التَّرْكِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَعَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبْطُلُ ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ، وَمَا قِيلَ فِي التَّكْبِيرِ يُقَالُ فِي التَّسْمِيعِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ تَكْبِيرِ الْعِيدِ، وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَسْجُدُ لِتَرْكِهَا الْإِمَامُ وَالْفَذُّ.

(وَالدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ (بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَرِيضَةٌ) وَالْمُرَادُ بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ نِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ فَرْضِيَّتَهَا، لِأَنَّ نِيَّةَ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ بِكَوْنِهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا يَتَضَمَّنُ فَرْضِيَّتَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحْرِمِ بِالْفَرِيضَةِ مُلَاحَظَةُ عَيْنِهَا وَفَرْضِيَّتِهَا وَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا وَأَدَائِهَا أَوْ قَضَائِهَا وَالِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، وَيَقْصِدُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ ذَهِلَ عَنْ الْجَمِيعِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ حَيْثُ نَوَى فِعْلَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا وَخَرَجَ مِنْهَا بِلَا نِيَّةٍ غَيْرِهَا لَا إنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَمَحَلُّ نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَزْمُ عَلَى الْمَنْوِيِّ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْ الشُّرُوعِ فِيهِ بَطَلَ مُطْلَقًا، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِكَثِيرٍ فَكَذَلِكَ، وَيَسِيرُ فِي صِحَّتِهِ وَبُطْلَانِهِ خِلَافٌ، وَإِنْ نَوَى فِي قَلْبِهِ شَيْئًا وَتَلَفَّظَ بِخِلَافِهِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا نَوَاهُ لَا مَا لَفَظَ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِصَلَاةٍ غَيْرِ فَرْضٍ فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً أَوْ رَغِيبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهَا بِعَيْنِهَا كَالْفَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهَا، وَيَكْفِي نِيَّةُ فِعْلِ مُطْلَقِ صَلَاةِ نَفْلٍ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ كَوْنَهَا ضُحًى أَوْ كَوْنَهَا تَرَاوِيحَ أَوْ تَحِيَّةً، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي نِيَّةٍ نَحْوِ الصَّوْمِ مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ تَخْتَلِفُ صِفَتُهَا بِالْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ) عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ (سُنَّةٌ) خَفِيفَةٌ وَقِيلَ مَنْدُوبٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ فَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَيَرْفَعُهَا حَذْوَ أُذُنَيْهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ كَسَائِرِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ يُطْلَبُ مُقَارَنَتُهُ لِحَرَكَةِ أَرْكَانِهَا.
قَالَ خَلِيل: وَتَكْبِيرُهُ فِي الشُّرُوعِ إلَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلِاسْتِقْلَالِهِ.

(وَالْقِرَاءَةُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ) ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَرِيضَةٌ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ وَلَوْ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا وَالْعَاجِزُ يَأْتَمُّ بِمَنْ يَحْفَظُهَا، وَتَسْقُطُ عَنْ الْعَاجِزِ كَمَا تَسْقُطُ عَنْ الْأَخْرَسِ، وَيُنْدَبُ فَصْلُهُ بَيْنَ تَكْبِيرِهِ وَرُكُوعِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ وَقَدَرَ عَلَى السُّورَةِ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ شَيْءٍ لَا يُسْقِطُ غَيْرَهُ وَحَرَّرَهُ.
وَيُسَنُّ إنْصَاتُ الْمُقْتَدِي فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْقِرَاءَةُ فِي السِّرِّيَّةِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَالْأَفْضَلُ الْقِرَاءَةُ لِأَنَّ مِنْ الْوَرَعِ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهَا فِي كُلِّ مَذْهَبٍ خَيْرٌ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَقَيَّدْنَا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْمُصَلِّي مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ، فَيَقْرَأُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْفَاتِحَةِ مَرَّةً مَعَ شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ لِتَصِحَّ الصَّلَاةُ بِاتِّفَاقٍ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا هَلْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ الْجُلِّ؟ خِلَافٌ.
(تَنْبِيهٌ) تَوَقَّفَ بَعْضُ شُيُوخِ شَيْخِنَا الْأُجْهُورِيُّ فِي وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا عَلَى مَنْ يُلْحِنُ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ، وَاسْتَظْهَرَ وُجُوبَ قِرَاءَتِهَا بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِاللَّحْنِ فِيهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ وَلَوْ غَيَّرَ الْمَعْنَى كَأَنْعَمْتُ بِالضَّمِّ أَوْ الْكَسْرِ.
(وَمَا زَادَ عَلَيْهَا) فَقِرَاءَتُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ فِي الْفَرِيضَةِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الثُّنَائِيَّةِ وَلَا فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا فِي صَلَاةِ

وَالْجَلْسَةُ الْأُولَى سُنَّةٌ وَالثَّانِيَةُ فَرِيضَةٌ،

وَالسَّلَامُ فَرِيضَةٌ وَالتَّيَامُنُ بِهِ قَلِيلًا سُنَّةٌ،

وَتَرْكُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ،

وَالتَّشَهُّدَانِ سُنَّةٌ،

وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ،

وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَرِيضَةٌ،

و

َصَلَاةُ الْجُمُعَةِ

وَالسَّعْيُ إلَيْهَا فَرِيضَةٌ ،

[الفواكه الدواني]

النَّافِلَةِ فَمُسْتَحَبَّةٌ.

(وَالْقِيَامُ) فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَلِلرُّكُوعِ.
(وَ) كَذَلِكَ (الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) وَالرَّفْعُ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَذَا سَائِرُ أَفْعَالِهَا، سِوَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالتَّيَامُنِ بِالسَّلَامِ وَالْجُلُوسِ الْأَوَّلِ وَالزَّائِدِ عَلَى السَّلَامِ مِنْ الثَّانِي (فَرِيضَةٌ) خَبَرُ الْقِيَامِ وَمَا عَطْفٌ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ بِفَرْضٍ قِيَامٌ إلَّا لِمَشَقَّةٍ أَوْ لُحُوقِهَا بِهِ فِيهَا أَوْ قَبْلَ ضِرَارِ كَالتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا فَفَرْضَانِ حَتَّى فِي النَّافِلَةِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ اسْتِقْلَالًا فَيُصَلِّي قَائِمًا مُسْتَنِدًا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ مَعَ الِاسْتِنَادِ صَلَّى جَالِسًا مُسْتَقِلًّا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى جَالِسًا مُسْتَنِدًا، وَالِاسْتِنَادُ يَكُونُ لِغَيْرِ جُنُبٍ وَحَائِضٍ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجُلُوسِ بِقِسْمَيْهِ صَلَّى مُضَجِّعًا عَلَى الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ أَوْ عَلَى الظَّهْرِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تِلْكَ الْحَالَاتِ جَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى بَطْنِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِأَنْ تَكُونَ رَأْسُهُ فِيهَا وَرِجْلَاهُ فِي دُبْرِهَا، وَأَمَّا الْقِيَامُ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَمُسْتَحَبٌّ وَلَوْ مَنْذُورَةً إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْقِيَامَ.

(وَالْجَلْسَةُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَرَّةَ (الْأُولَى) الْمُرَادُ غَيْرُ الْآخِرَةِ (سُنَّةٌ) كَمَا أَنَّ مَظْرُوفَهَا وَهُوَ التَّشَهُّدُ سُنَّةٌ.
(وَ) أَمَّا الْجِلْسَةُ (الثَّانِيَةُ) الْمُرَادُ جِلْسَةُ السَّلَامِ فَهِيَ (فَرِيضَةٌ) الْفَرْضُ مِنْهَا ظَرْفُ السَّلَامِ، وَأَمَّا ظَرْفُ التَّشَهُّدِ فَسُنَّةٌ، وَظَرْفُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ خِلَافُهَا، وَظَرْفُ الدُّعَاءِ كَهُوَ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: يُعْطَى الظَّرْفُ حُكْمَ الْمَظْرُوفِ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، فَمَا كَانَ ظَرْفًا لِلْفَاتِحَةِ أَوْ لِلْإِحْرَامِ أَوْ لِلرُّكُوعِ فَفَرْضٌ وَظَرْفُ السُّورَةِ سُنَّةٌ.

(وَالسَّلَامُ) الْمُعَرَّفُ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ لِلتَّحْلِيلِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ لَهَا سَلَامٌ (فَرِيضَةٌ) وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَافِلَةً، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ كُلُّ مُنَافٍ، وَأَمَّا سَلَامُ غَيْرِ التَّحْلِيلِ فَسُنَّةٌ عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ، وَأَمَّا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ وَلَا يُنْدَبُ لَهَا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ السَّاجِدُ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ.
(وَالتَّيَامُنُ بِهِ) أَيْ بِالسَّلَامِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ مِنْهُ (قَلِيلًا) بِحَيْثُ تَرَى صَفْحَةَ وَجْهِهِ (سُنَّةٌ) لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا فِي سَلَامِ غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَبْتَدِئُ السَّلَامَ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ لَا قُبَالَتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ سَلَامُ غَيْرِ الْمَأْمُومِ قُبَالَتُهُ مُتَيَامَنًا قَلِيلًا، وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمَأْمُومَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ التَّيَامُنِ بِالسَّلَامِ سُنَّةً خِلَافُ كَلَامِ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ.

(وَتَرْكُ الْكَلَامِ) وَكَذَا كُلُّ فِعْلٍ كَثِيرٍ (فِي) حَالِ فِعْلِ (الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ) لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ «أَنَّا كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] أَيْ سَاكِتِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ» ، فَإِنْ تَكَلَّمَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ وَلَوْ وَجَبَ لِكَإِنْقَاذِ أَعْمَى، أَوْ تَكَلَّمَ مُكْرَهًا لَا إنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ عَمْدًا لِإِصْلَاحِهَا فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِكَثِيرِهِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي غَيْرِ الْكَثِيرِ.

(وَالتَّشَهُّدَانِ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ يَسْجُدُ لِتَرْكِهَا سَهْوًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ بِغَيْرِ تَشَهُّدِ عُمَرَ، قَالَ خَلِيلٌ فِي مَبْحَثِ السُّنَنِ: وَمُطْلَقُ التَّشَهُّدِ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْخَاصُّ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ فَضِيلَةٌ.

[الْقُنُوت فِي الصَّلَاة]

(وَالْقُنُوتُ فِي) ثَانِيَةِ صَلَاةِ (الصُّبْحِ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَقُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحٍ فَقَطْ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ وَلَفْظُهُ وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ فَلَا تَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ وَلَا يُسْجَدُ لِسَهْوِهِ وَلَا يَرْجِعُ لَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، وَإِنْ سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَجَدَ تَبَعًا لِإِمَامٍ يَسْجُدُ لِتَرْكِهِ.

(وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) فِي فِعْلٍ كَلَا صَلَاةٍ وَلَوْ جِنَازَةٍ أَوْ سَجْدَةِ تِلَاوَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْأَمْنِ إلَّا فِي حَالِ سَفَرِ الْقَصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ فَقِبْلَتُهُ جِهَةُ سَفَرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصُوِّبَ سَفَرُ قَصْرٍ لِرَاكِبِ دَابَّةٍ فَقَطْ بُدِلَ فِي نَفْلٍ وَإِنْ وِتْرًا وَإِنْ سَهُلَ الِابْتِدَاءُ لَهَا وَإِلَّا فِي حَالِ الِالْتِحَامِ أَوْ مَرِيضٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحْوِيلِ وَلَا التَّحَوُّلِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الِاسْتِقْبَالُ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] أَيْ جِهَةَ شَطْرِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ إذَا تَوَجَّهَ نَحْوَ الْبَيْتِ» هَذَا فِي حَقِّ الْخَارِجِ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا مَنْ بِمَكَّةَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إذَا صَلَّى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ صَلَّى خَارِجَهُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ سَمْتِهَا يَقِينًا وَلَوْ بِمَشَقَّةٍ، وَالْمُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال لِمِحْرَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَهُوَ مُسَامِتٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ إمَّا بِإِقَامَةِ جِبْرِيلَ أَوْ بِاجْتِهَادِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَإِ، وَمِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ مَنْ صَلَّى بِجَامِعِ سَيِّدِنَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ

وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ وَاجِبَةٌ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا وَهُوَ فِعْلٌ يَسْتَدْرِكُونَ بِهِ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ،

وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ،

وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ تَخْفِيفٌ وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ،

وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،

وَجَمْعُ الْمُسَافِرِ فِي جِدِّ السَّيْرِ رُخْصَةٌ،

وَجَمْعُ الْمَرِيضِ يَخَافُ أَنْ

[الفواكه الدواني]

بِالْفُسْطَاطِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اجْتَمَعُوا عَلَى نَصْبِ مِحْرَابِهِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْجِهَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَرَجَ عَنْ تِلْكَ الْبِقَاعِ الثَّلَاثِ، فَمَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيَقْطَعُهَا وَلَوْ أَعْمَى مُنْحَرِفًا يَسِيرًا وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْخَطَأُ لِلْمُصَلِّي فِيهَا إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَتَجِبُ إعَادَتُهَا أَبَدًا وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ يَسِيرًا مِنْ أَعْمَى، وَلَا فَرْقَ فِي الْقِسْمَيْنِ بَيْنَ كَوْنِ الِانْحِرَافِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا، وَأَمَّا مَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي غَيْرِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَلَوْ كَانَ الِانْحِرَافُ كَثِيرًا حَيْثُ كَانَ الْمُنْحَرِفُ أَعْمَى وَبَصِيرًا وَانْحِرَافُهُ يَسِيرٌ وَإِنْ كَثُرَ انْحِرَافُهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ لِبُطْلَانِهَا فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الِانْحِرَافُ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تُعَادُ وَلَا فِي الْوَقْتِ إلَّا عَلَى الْبَصِيرِ الْمُنْحَرِفِ كَثِيرًا فَيُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ بِصَلَاةٍ قُطِعَ غَيْرُ أَعْمَى وَمُنْحَرِفٌ يَسِيرًا فَيَسْتَقْبِلَانِهِ اوَبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَمَفْهُومُ الْخَطَإِ أَنَّ تَعَمُّدَ الِانْحِرَاف مُبْطِلٌ، وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ مَطْلُوبِيَّةَ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ نَسِيَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَوْ جَهِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِ كُلٍّ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبَالِ فَقِيلَ يُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا، وَقِيلَ فِي الْوَقْتِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ يُعِيدُ النَّاسِي أَبَدًا خِلَافٌ، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ وُجُوبَ الِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ الْفَرْضَ أَبَدًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.

[صَلَاةُ الْجُمُعَةِ]

(وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ) فَرِيضَةٌ.
(وَ) كَذَلِكَ (السَّعْيُ إلَيْهَا) لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ (فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُتَوَطِّنٍ وَإِنْ بَقَرِيَّةٍ نَائِيَةٍ عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ وَزَمَنِ السَّعْيِ بِحَيْثُ إذَا شَرَعَ فِيهِ يُدْرِكُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَوْ مَعَ الْخُطْبَةِ، فَقَوْلُهُ فَرِيضَةٌ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّعْيِ.

[صَلَاة الْوِتْر]

(وَ) صَلَاةُ (الْوِتْرِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ رَكْعَةٌ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ وَوَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ وَضَرُورِيَّةٌ لِلصُّبْحِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إيقَاعُهُ عَقِبَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ بِسَلَامٍ، وَيُكْرَهُ وَصْلُهُ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ.
(وَكَذَلِكَ صَلَاةُ) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ (الْعِيدَيْنِ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَا أَفْضَلِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْضِيلِ صَلَاةِ عِيدِ النَّحْرِ وَوَقْتِهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ سُنَّةً مَعَ الْجَمَاعَةِ وَتُنْدَبُ لِمَا فَاتَتْهُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الزَّوَالُ فَتَفُوتَ.
(وَ) كَذَلِكَ صَلَاةُ (الْخُسُوفِ) وَهُوَ ذَهَابُ كُلِّ أَوْ بَعْضِ ضَوْءِ الشَّمْسِ إلَّا مَا قَلَّ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
(وَ) كَذَلِكَ صَلَاةُ (الِاسْتِسْقَاءِ) سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ ثُمَّ عِيدٌ ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، وَأَمَّا صَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ فَالْمَشْهُورُ نَدْبُهَا، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ تُقَدَّمُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَتُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَمِثْلُهَا الِاسْتِسْقَاءُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَفُعِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ لِئَلَّا تَفُوتَ تَأْخِيرُهَا لِلْمُصَلِّي بِانْجِلَائِهَا بِخِلَافِ الْعِيدِ لِأَنَّهُ لَا تَفُوتُ صَلَاتُهُ إلَّا بِالزَّوَالِ.
(وَ) كَيْفِيَّةُ إيقَاعِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (الْخَوْفِ) عَلَى مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَاجِبَةٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ (أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانُهُ) وَتَعَالَى (بِهَا) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102] الْآيَةَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تُنْسَخْ بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا حَيْثُ لَمْ يُرْجَ انْكِشَافُ الْعَدُوِّ قَبْلَ ذَهَابِ الْوَقْتِ، فَإِنْ رَجَا انْكِشَافَهُ أَخَّرَهُمْ حَتَّى يَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ.
(وَهُوَ) أَيْ فِعْلُهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِحَالِ الْخَوْفِ مِنْ قَسْمِ الْجَمَاعَةِ قِسْمَيْنِ.
(فِعْلٌ يَسْتَدْرِكُونَ) أَيْ يُحَصِّلُونَ (بِهِ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ سُنَّةٌ.

(وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ) فِي حَقِّ مَنْ يَصِحُّ طَوَافُهُ فَلَا يُطْلَبُ مِنْ حَائِضٍ وَلَا نُفَسَاءَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ لِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِذِي طُوًى وَلَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ إبْقَاءً لِلشَّعَثِ وَخَوْفَ قَتْلِ شَيْءٍ مِنْ الدَّوَابِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ غُسْلِ عَرَفَةَ فَيُنْدَبُ وَلَوْ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقُبْهُ طَوَافٌ وَلَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْإِحْرَامِ فَاغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ.

[جَمْعِ الصَّلَاة]

(وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ) الْكَثِيرِ وَلَوْ الْمُتَوَقَّعَ الَّذِي يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، أَوْ الطِّينِ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ بِالْمَدَاسِ مَعَ الظُّلْمَةِ، وَمِثْلُهُ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْقَرَائِنِ وَخَبَرُ الْجَمْعِ قَوْلُهُ: (تَخْفِيفٌ) وَتَرْخِيصٌ وَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ صِفَتَهُ بِقَوْلِهِ: أُذِّنَ لِلْمَغْرِبِ كَالْعَادَةِ وَأُخِّرَ قَلِيلًا ثُمَّ صُلِّيَا وَلَاءً إلَّا قَدْرَ أَذَانٍ مُنْخَفِضٍ بِمَسْجِدٍ وَإِقَامَةٍ فَهُوَ جَمْعُ تَقْدِيمٍ، فَلَوْ جَمَعُوا لِأَجْلِ الْمَطَرِ الْمُتَوَقَّعِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَنْبَغِي الْإِعَادَةُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْوَقْتِ كَخَائِفِ إغْمَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الْأُولَى ثُمَّ لِعَدَمِ حُصُولِ مَا خَافَهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ الْعِشَاءِ عِنْدَ الْمَغْرِبِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ فَعَلَهُ) أَيْ الْجَمْعَ لَيْلَةَ الْمَطَرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَ (الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) بَعْدَهُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ

يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ تَخْفِيفٌ وَكَذَلِكَ جَمْعُهُ لِعِلَّةٍ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ،

وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ وَالْإِقْصَارُ فِيهِ وَاجِبٌ،،

[الفواكه الدواني]

الْجَمِيعِ، فَحُكْمُهُ مُسْتَمِرٌّ إلَى الْآنِ لَمْ يُنْسَخْ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ الْقَرَافِيُّ بِمَا مُحَصَّلُهُ: فِعْلُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَاجِبٌ وَهَذَا الْجَمْعُ مَنْدُوبٌ وَكَيْفَ يُتْرَكُ وَاجِبٌ لِتَحْصِيلِ مَنْدُوبٍ.
وَأُجِيبَ عَنْ إشْكَالِهِ بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَإِيضَاحُ الْجَوَابِ أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْمُقَدَّمَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالْإِشْكَالُ إنَّمَا كَانَ يُوجَدُ مَعَ بَقَاءِ الْوُجُوبِ فَافْهَمْ.

(وَالْجَمْعُ) بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعُ تَقْدِيمٍ (بِعَرَفَةَ وَ) كَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعُ تَأْخِيرٍ.
(الْمُزْدَلِفَةِ) بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ عَرَفَةَ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَمَعَ وَقَصَرَ إلَّا أَهْلَهَا كَمِنًى وَعَرَفَةَ، وَالضَّمِيرُ فِي وَجَمَعَ لِلْحَالِّ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ إنْ نَفَرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَصِفَةُ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَقَامَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّاهَا، ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ وَيُقِيمُ لَهَا وَيُصَلِّيهَا، وَصِفَةُ الْجَمْعِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَحُطَّ رَحْلَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ، وَقِيلَ يَحُطُّ رَحْلَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ مُتَوَالِيَتَيْنِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ الْجَمْعِ إذَا وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ مَعَ النَّاسِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ لِغَيْرِ عَجْزٍ، فَإِنْ وَقَفَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَإِنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَتَأَخَّرَ لِعَجْزٍ صَلَّاهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: أَنْ يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفِرَ مَعَهُ وَحُكْمُهَا وَاضِحٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِفَ مَعَهُ وَيَتَأَخَّرَ لِعَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَتَأَخَّرَ عَنْهُ اخْتِيَارًا فَلَا يَجْمَعُ إلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ: الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ لَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ جَمْعَ التَّأْخِيرِ لَا يُؤَذَّنُ فِيهِ لِأُولَى الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ ثَانِيَتِهِمَا وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.

(وَجَمْعُ الْمُسَافِرِ) سَفَرًا مُبَاحًا فِي الْبَرِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
(فِي) حَالِ (جِدِّ السَّيْرِ) لِإِدْرَاكِ أَمْرٍ مُهِمٍّ (رُخْصَةٌ) مَرْجُوحٌ فِعْلُهَا إذْ الْأَوْلَى تَرْكُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ وَإِنْ قَصَرَ وَلَمْ يَجِدْ بِلَا كُرْهٍ وَفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ لِإِدْرَاكِ أَمْرٍ بِمَنْهَلٍ زَالَتْ بِهِ وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَأَخَّرَ الْعَصْرَ وَبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا، وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَفِي وَقْتَيْهِمَا، وَحُكْمُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حُكْمُ الظُّهْرَيْنِ لَمَّا غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَازِلٌ أَوْ سَائِرٌ بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثِ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا بَعْدَهُ لِلْفَجْرِ بِمَنْزِلَةِ الِاصْفِرَارِ سَوَاءٌ غَرَبَتْ عَلَيْهِ نَازِلًا أَوْ سَائِرًا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ كَوْنِ الْمُسَافِرِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ سَائِرًا عَلَى رَجُلَيْهِ أَوْ رَاكِبًا دَابَّةً، وَأَمَّا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ اللَّاهِي أَوْ الْمُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ فَلَا يَجْمَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَجَمْعُ الْمَرِيضِ) الَّذِي (يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (عَلَى عَقْلِهِ) عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمُشْتَرَكَيْنِ (تَخْفِيفٌ) أَيْ مُرَخَّصٌ فِيهِ لَهُ بِأَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِ الْأُولَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَدَّمَ خَائِفُ الْإِغْمَاءِ وَالنَّاقِضِ وَالْمَيْدِ، وَإِذَا قَدَّمَ وَسَلَّمَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ جَمْعِ الْمُسَافِرِ وَلَا حُكْمُ جَمْعِ الْخَائِفِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ جَمْعَ الْمُسَافِرِ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَأَمَّا جَمْعُ الْخَائِفِ مِنْ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَمُسْتَحَبٌّ كَمَا بَيَّنَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حُكْمُ مَنْ خَافَ مِنْ الْمَوْتِ عِنْدَ الثَّانِيَةِ أَوْ خَافَتْ الْحَيْضَ وَقَالَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: لَا يُشْرَعُ لَهُ الْجَمْعُ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فُرُوقًا وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهَا، وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي أَحْرَوِيَّةُ الْجَمْعِ لِمَا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَطْلُبُ الْجَمْعَ لِلْخَوْفِ مِمَّا لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ غَالِبًا كَالْإِغْمَاءِ وَالْحُمَّى لِسُرْعَةِ زَوَالِهِ فَالْجَمْعُ لِلْمُسْقِطِ أَوْلَى وَحُرِّرَ الْحُكْمُ.
(وَكَذَلِكَ) يُرَخَّصُ وَيُخَفَّفُ (جَمْعُهُ) أَيْ الْمَرِيضِ لِلظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ (لِعِلَّةٍ بِهِ) غَيْرِ مَا سَبَقَ كَحُصُولِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ بِإِيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا (فَيَكُونُ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَكَالْمَبْطُونِ وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَنْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِالْوُضُوءِ أَوْ الْقِيَامِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا صَلَّاهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ إذَا صَلَّاهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُهُمَا جَمْعًا صُورِيًّا.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَقَالَ فِيهَا: وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ لِلْمَرِيضِ أَرْفَقُ بِهِ لِشِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ بَطْنٍ مُنْخَرِقٍ مِنْ غَيْرِ مَخَافَةٍ عَلَى عَقْلٍ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَالثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ حَمَلَ جَمَاعَةٌ قَوْلَهَا وَسَطَ الْوَقْتِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ وَهُوَ آخَرُ الْقَامَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ، وَفَسَّرَهُ بَعْضٌ بِرُبْعِ الْقَامَةِ، وَقِيلَ يَجْمَعُ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُولَى وَهَذَا فِي الْمَبْطُونِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا يَضْبِطُ إسْهَالَ بَطْنِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَضْبِطُ وَقْتَ إسْهَالِ بَطْنِهِ أَوْ مُلَازَمَةِ حَدَثِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الْأُولَى أَوْ تَأْخِيرَ الْأُولَى عِنْدَ الثَّانِيَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى

وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ مِنْ الرَّغَائِبِ وَقِيلَ مِنْ السُّنَنِ،

وَصَلَاةُ الضُّحَى نَافِلَةٌ،

وَكَذَلِكَ قِيَامُ رَمَضَانَ نَافِلَةٌ وَفِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وَمَنْ قَامَهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَالْقِيَامُ مِنْ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا،

وَالصَّلَاةُ

[الفواكه الدواني]

الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ.

[الْفِطْر فِي السَّفَر]

(وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ) بِمَعْنَى تَبْيِيتِ الْفِطْرِ فِيهِ لَيْلًا (رُخْصَةٌ) مَرْجُوحَةٌ حَيْثُ جَاوَزَ الْمُسَافِرُ مَحَلَّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ شُرِعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ وَإِلَّا قَضَاهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ، وَرَاجِعْ مُحْتَرَزَاتِ تِلْكَ الْقُيُودِ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءَ الْغَلِيلِ.
وَقُلْنَا رُخْصَةٌ مَرْجُوحَةٌ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] (وَالْإِقْصَارُ فِيهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ لِلصَّلَاةِ الرَّبَاعِيَةِ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ فَلَا يَحْرُمُ الْإِتْمَامُ، وَصَرَّحَ خَلِيلٌ بِالسُّنِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: سُنَّ لِمُسَافِرٍ قَصْرُ رَبَاعِيَةٍ وَقْتِيَّةٍ إلَخْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا سَافَرُوا قَصَرُوا الصَّلَاةَ» وَإِنَّمَا كَانَ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ وَالْفِطْرُ فِيهِ مَكْرُوهًا، مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ رُخْصَةٌ، لِأَنَّ فِي الْقَصْرِ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ مَعَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ تَشْتَغِلُ مَعَهُ الذِّمَّةُ.

[رَكْعَتَا الْفَجْر]

(وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ) اُخْتُلِفَ فِيهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ: (مِنْ الرَّغَائِبِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهِيَ رَغِيبَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهَا وَعُزِيَ هَذَا الْقَوْلُ لِلْأَكْثَرَيْنِ.
(وَقِيلَ) إنَّهُمَا (مِنْ السُّنَنِ) وَيَنْبَنِي عَلَى السُّنِّيَّةِ نَدْبُ فِعْلِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى عَدَمِهَا نَدْبُ فِعْلِهِمَا فِي الْبَيْتِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي حَقِيقَةِ السُّنَّةِ، فَمَنْ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَاوَمَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَهُ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ: إنَّهُمَا رَغِيبَتَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُظْهِرْهُمَا فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا جَعَلَهُمَا سُنَّةً.

[صَلَاة الضُّحَى]

(وَصَلَاةُ الضُّحَى) بِالْقَصْرِ (نَافِلَةٌ) مُتَأَكِّدَةٌ، وَمَعْنَى النَّافِلَةِ مَا دُونَ السُّنَّةِ وَالرَّغِيبَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَوْسَطُهَا سِتٌّ وَأَكْثَرُهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: يُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِ بِنِيَّةِ الضُّحَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ فِي النَّوَافِلِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُنَا بِالْقَصْرِ إشَارَةٌ إلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، وَأَمَّا بِالْمَدِّ فَيَنْتَهِي إلَى الزَّوَالِ، وَأَمَّا الضَّحْوَةُ فَهِيَ وَقْتُ الشُّرُوقِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ: ضَحْوَةٌ وَضُحًى بِالْقَصْرِ وَضُحَا بِالْمَدِّ وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَفَضْلُهَا مَشْهُورٌ فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ: «مِنْ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتِي الضُّحَى لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنْ الْعَابِدِينَ» . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَيَجْزِي عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ تَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» أَيْ يَكْفِي عَنْ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عَنْ جَمِيعِ السُّلَامَيَاتِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الضُّحَى، لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَبْدُ فَقَدْ قَامَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِوَظِيفَتِهِ وَأَدَّى شُكْرَ نِعْمَتِهِ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ تُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهِيَ عِظَامُ الْجَسَدِ وَمَفَاصِلِهِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الضُّحَى اسْمٌ لِلصَّلَاةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ وَقْتِهِ.

[قِيَام رَمَضَان]

(وَكَذَلِكَ قِيَامُ رَمَضَانَ) الْمُسَمَّاةُ بِالتَّرَاوِيحِ (نَافِلَةٌ) مُتَأَكِّدَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ الْمُتَأَكِّدِ: وَتَرَاوِيحُ وَانْفِرَادٌ فِيهَا إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ أَيْ وَتَأَكَّدَ قِيَامُ رَمَضَانَ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ الْقِيَامَ فِي فِعْلِهَا، وَيَجْلِسُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَوَقْتُهَا وَقْتُ الْوِتْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ، وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَرَاهَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً كَالْعِيدَيْنِ وَكَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالِانْفِرَادِ فِيهَا فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَلَوْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ آفَاقِيًّا بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ لَا يَنْشَطُ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ وَيَخْشَى تَعْطِيلَ الْمَسَاجِدِ، وَإِلَّا كَانَ الْأَفْضَلُ صَلَاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ.
(وَفِيهِ) أَيْ رَمَضَانَ (فَضْلٌ) أَيْ ثَوَابٌ (كَبِيرٌ) رُوِيَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ زِيَادَةِ فَضْلِهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا أَيْ تَصْدِيقًا بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ وَاحْتِسَابًا أَيْ مُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ لَا يَقْصِدُ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً بَلْ لِمُجَرَّدِ الثَّوَابِ.
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» يَعْنِي الصَّغَائِرَ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ مَحْضُ الْعَفْوِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَاعِلِ صَغَائِرُ فَقِيلَ يُكَفَّرُ بِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبَائِرُ وَلَا صَغَائِرُ يُرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٌ، وَيُقَالُ هَكَذَا مَعَ كُلِّ مَا يُكَفِّرُ، وَقَدْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّرَاوِيحَ فَقِيلَ صَلَّاهَا فِي لَيْلَتَيْنِ، وَقِيلَ فِي ثَلَاثٍ ثُمَّ تَرَكَ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ خَشْيَةَ فَرْضِهَا عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:

عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَرِيضَةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا وَكَذَلِكَ مُوَارَاتُهُمْ بِالدَّفْنِ وَغُسْلُهُمْ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ.

وَكَذَلِكَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَامَّةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا إلَّا مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ،

وَفَرِيضَةُ الْجِهَادِ عَامَّةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا إلَّا أَنْ يَغْشَى الْعَدُوُّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ فَيَجِبُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ قِتَالُهُمْ إذَا كَانُوا مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ،

وَالرِّبَاطُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّهَا وَحِيَاطَتُهَا وَاجِبٌ يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ.

وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ،

وَالِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ،

وَالتَّنَفُّلُ بِالصَّوْمِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ،

[الفواكه الدواني]

وَفِيهِ قَدْ صَلَّى نَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ ... قِيَامَهُ بِلَيْلَتَيْنِ فَاعْلَمْهُ أَوْ بِثَلَاثٍ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ ... خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ثُمَّتْ كَانَ الْجَمْعُ فِيهِ مِنْ عُمَرَ ... لِمَا وَعَاهُ مِنْ عَلِيٍّ مِنْ خَبَرٍ مِنْ أَنَّهُ تَنْزِلُ أَمْلَاكٌ كِرَامٌ ... بِرَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ لِلْقِيَامِ فَمَنْ لَهُمْ قَدْ مَسَّ أَوْ مَسُّوهُ ... يَسْعَدْ وَالشِّقْوَةُ لَا تَعْرَوْهُ وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ مُرَادُهُ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ شَبِيهٌ بِالْبِدْعَةِ لَا أَنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا بِدْعَةٌ، لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ صَلَاةِ النَّفْلِ فِي اللَّيْلِ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ قَالَ: (وَالْقِيَامُ) بِمَعْنَى الصَّلَاةِ فِي جُزْءٍ (مِنْ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا) لِأَنَّ فِيهِ حُضُورَ الْقَلْبِ لِتَفَرُّغِهِ مِنْ الشَّوَاغِلِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ فِي اللَّيْلِ مِنْ شِعَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ هِيَ الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ، وَأَفْضَلُ اللَّيْلِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ الْقِيَامِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِرَمَضَانَ وَإِنَّمَا الْمُخْتَصُّ بِهِ تَأْكِيدُ النَّدْبِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ لِيَحْصُلَ لِعَامَّةِ النَّاسِ الِانْتِفَاعُ بِسَمَاعِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ.

[صَلَاة الْجِنَازَة]

(وَالصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ) وَلَوْ حُكْمًا مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي بَابِ الْجَنَائِزِ (فَرِيضَةٌ) عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ (يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا) عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا، وَقِيلَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مُطْلَقِ الْوُجُوبِ (مُوَارَاتُهُمْ بِالدَّفْنِ) فَإِنَّهَا فَرْضٌ بِاتِّفَاقٍ وَلِذَلِكَ قُلْنَا التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الْوُجُوبِ.
(وَغُسْلُهُمْ) أَيْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ.
(سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُوَارَاتَهُمْ بِالْكَفَنِ وَالدَّفْنِ لَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا غُسْلُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَفِيهِمَا خِلَافٌ بِالْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ.

[طَلَب الْعِلْم]

(وَكَذَلِكَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَامَّةٌ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا) عَنْ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا.
(إلَّا مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ) الْمُرَادُ الشَّخْصُ الْمُكَلَّفُ (فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ) كَمَعْرِفَةِ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَكَذَا أَحْكَامُ الْمُعَامَلَاتِ لِمَنْ يَتَعَاطَاهَا، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْفِقْهُ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَأُصُولٍ وَكَلَامٍ وَنَحْوِ لُغَةٍ بِإِقْرَاءٍ أَوْ تَأْلِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] فَجَعَلَ مِنْ النَّاسِ سَائِلًا وَمَسْئُولًا، وَخَبَرُ: «اُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ» . فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ طَلَبِ الْعِلْمِ بِمَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ.

[الْجِهَاد قَيْءٍ سَبِيل اللَّه]

(وَفَرِيضَةُ الْجِهَادِ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ قِتَالُ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ (عَامَّةٌ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ قَادِرٍ.
(وَيَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا) وَيَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ بَاقِي الْمُكَلَّفِينَ.
(إلَّا أَنْ يَغْشَى) أَيْ يَفْجَأَ (الْعَدُوُّ) الْكَافِرُ (مَحَلَّةَ قَوْمٍ) أَيْ مَنْزِلَهُمْ (فَيَجِبُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ) جَمِيعُهُمْ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ (قِتَالُهُمْ) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ مِنْ الْكُفَّارِ.
(إذَا كَانُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ خَلِيلٌ بِالْعِطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ فَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَنْ مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ، وَلَوْ كَانَتْ الْكُفَّارُ عَدَدَ الرِّمَالِ حَيْثُ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا الْوَاوُ لِلْحَالِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ أَيْ لَا إنْ نَقَصُوا عَنْ نِصْفٍ فَيَجُوزُ الْفِرَارُ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.

(وَالرِّبَاطُ) أَيْ الْإِقَامَةُ (فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّهَا وَحِيَاطَتُهَا) أَيْ حِفْظُهَا (وَاجِبٌ) عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ (يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ) عَنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، وَقَدْ صَحَّ: «مَنْ رَابَطَ فِي

صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَرَجَبَ وَشَعْبَانَ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَالتَّرْوِيَةِ وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْحَاجِّ.

وَزَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَرِيضَةٌ،

وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ.

وَحَجُّ الْبَيْتِ فَرِيضَةٌ،

وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،

وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،

وَالنِّيَّةُ بِالْحَجِّ فَرِيضَةٌ،

وَالطَّوَافُ لِلْإِفَاضَةِ فَرِيضَةٌ،

وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَرِيضَةٌ وَالطَّوَافُ الْمُتَّصِلُ بِهِ،

[الفواكه الدواني]

سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ» . وَالثُّغُورُ بِالْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَغْرٍ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ الْفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَيُتَوَقَّعُ مِنْهَا الْخَوْفُ، وَلَا يُعَدُّ الْإِنْسَانُ مُرَابِطًا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ إلَّا مَا كَانَ مُقِيمًا بِنَفْسِهِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.

(وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ) عَلَى الْمُكَلَّفِينَ الْمُطِيقِينَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، مَنْ شَكَّ فِيهَا يُكَفَّرُ وَيُسْتَتَابُ، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَهْرٍ وَلَا قَرِينَةَ وَعَدَمُ صِحَّةِ كَوْنِهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، مَنْ صَامَهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

(وَالِاعْتِكَافُ) وَهُوَ لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ عَلَى الذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّوْمُ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ لِمَعْنِيِّهِ الْمَمْنُوعِ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَقَضَاءِ حَاجَةٍ.
(نَافِلَةٌ) مِنْ نَوَافِلِ الْغَيْرِ يُفْعَلُ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ لِلتَّشَبُّهِ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي اسْتِغْرَاقِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ بِالْعِبَادَةِ حَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَصِحَّتُهُ بِإِسْلَامٍ وَعَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ وَمُطْلَقِ صَوْمٍ وَمَسْجِدٍ مُبَاحٍ وَقَدْ فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَالتَّنَفُّلُ) بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فِي أَوْقَاتِ الْجَوَازِ مَنْدُوبٌ شَرْعًا خُصُوصًا (بِالصَّوْمِ) فَإِنَّهُ (مُرَغَّبٌ فِيهِ) بِشَهَادَةِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] فَإِنَّهُ قِيلَ: إنَّهُمْ هُمْ الصَّائِمُونَ، وَمِنْهَا مَا جَاءَ: «أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ، وَمَعْنَى إجْزَائِهِ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى إذَا حَاسَبَ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَظَالِمِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتَحَمَّلُ عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ الدَّهْرِ وَالْجُمُعَةِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَتْ تَصُومُ الدَّهْرَ حَضَرًا وَسَفَرًا.
وَلَمَّا كَانَ صَوْمُ بَعْضِ الْأَيَّامِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، كَمَا أَنَّ صَوْمَ بَعْضِ الشُّهُورِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْمُرَغَّبِ فِي صَوْمِهِ «صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِالْمَدِّ وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِهِ قَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ يَوْمُ تَاسُوعَاءَ، وَأَمَّا صَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَاَلَّتِي بَعْدَهُ، وَالتَّكْفِيرُ مَنُوطٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ، وَكَانَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَرْضًا قَبْلَ رَمَضَانَ ثُمَّ نُسِخَتْ فَرْضِيَّتُهُ.
(وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِي صَوْمِهِ شَهْرُ (رَجَبَ) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّرْجِيبِ وَهُوَ التَّعْظِيمُ، وَيُسَمَّى بِالْأَصَمِّ بِالْمِيمِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فِيهِ صَوْتَ السِّلَاحِ وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَبَقِيَّتُهَا الثَّلَاثَةُ مُتَوَالِيَةٌ: الْقِعْدَةُ وَالِحْجَةُ وَالْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الْأَرْبَعَةِ الْمُحَرَّمُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَة صَلَاةُ اللَّيْلِ» . (وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ صِيَامُ شَهْرِ (شَعْبَانَ) فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَا يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا.
(وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِي صِيَامِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ صَوْمُ (يَوْمِ عَرَفَةَ) وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ وَهُوَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ.
(وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ صَوْمُ يَوْمِ (التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ مَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ فِيهِ عِنْدَ إرَادَةِ الذَّهَابِ إلَى مِنًى وَهُوَ يُكَفِّرُ سَنَةً.
وَلَمَّا كَانَ نَدْبُ صَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ قَالَ: (وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَفْسِهِ (لِلْحَاجِّ) وَأَمَّا الْحَاجُّ فَالْفِطْرُ لَهُ أَفْضَلُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

(وَزَكَاةُ الْعَيْنِ) لَا الْفُلُوسِ الْجُدُدِ وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا (وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ) وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ (فَرِيضَةٌ) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْجَاحِدُ لَهَا يُسْتَتَابُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا عِنَادًا كُرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ.

(وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ) أَيْ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَقِيلَ: وَبِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]

(وَحَجُّ الْبَيْتِ) عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ (فَرِيضَةٌ) فِي الْعُمُرِ مَرَّةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، جَاحِدُهُ كَافِرٌ وَتَارِكُهُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ اللَّهُ حَسِيبُهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ بِعَدْلِهِ.

(وَالْعُمْرَةُ) وَهِيَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَعْيٌ وَطَوَافٌ (سُنَّةٌ) فِي الْعُمُرِ مَرَّةً (وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ.

(وَالتَّلْبِيَةُ) فِي حَالِ فِعْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) الَّذِي شَهَرَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ وُجُوبُهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى تَارِكِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ قُدِّمَ إنْ طَالَ،

وَاجِبٌ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ آكَدُ مِنْهُ،

وَالطَّوَافُ لِلْوَدَاعِ سُنَّةٌ،

وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ سُنَّةٌ،

وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَاجِبٌ،

وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَرِيضَةٌ،

وَمَبِيتُ الْمُزْدَلِفَةِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،

وَوُقُوفُ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مَأْمُورٌ بِهِ،

وَرَمْيُ الْجِمَارِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَكَذَلِكَ الْحِلَاقُ،

وَتَقْبِيلُ الرُّكْنِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،

وَالْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ سُنَّةٌ،

وَالرُّكُوعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ،

وَغُسْلُ عَرَفَةَ سُنَّةٌ،

وَالْغُسْلُ،

[الفواكه الدواني]

وَإِنَّمَا السُّنِّيَّةُ مُقَارَنَتُهَا لِلْإِحْرَامِ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ مَا شَهَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ فَتَأَمَّلْ.
وَيُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْإِجَابَةُ، فَمَعْنَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ أَجَبْتُك إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبَّى الْمَلَائِكَةُ كَمَا أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ.

(وَالنِّيَّةُ بِالْحَجِّ) وَكَذَا الْعُمْرَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَيَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ فِي بِالْحَجِّ زَائِدَةٌ لِأَنَّ نَوَى وَمَصْدَرَهُ مُتَعَدِّيَانِ

(وَالطَّوَافُ لِلْإِفَاضَةِ) وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شُرُوطِهِ.

(وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) لِلْحَجِّ وَكَذَلِكَ لِلْعُمْرَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَالسَّعْيَ وَالطَّوَافَ أَرْكَانٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، إلَّا أَنَّ طَوَافَ الْعُمْرَةِ لَا يُقَالُ لَهُ طَوَافُ إفَاضَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ طَوَافُ إفَاضَةٍ إلَّا مَا وَقَعَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ النُّزُولِ مِنْ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] إلَخْ وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَمُخْتَصٌّ بِالْحَجِّ فَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ وَالْعُمْرَةُ ثَلَاثٌ، وَزَمَنُ سَعْيِ الْحَجِّ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ بِأَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِالْحَرَمِ وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ.
(وَالطَّوَافُ الْمُتَّصِلُ) أَيْ السَّعْيُ (بِهِ) أَيْ بِالطَّوَافِ لِأَنَّ صِحَّةَ السَّعْيِ بِتَقْدِيمِ طَوَافٍ (وَاجِبٍ) يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ يُحْرِمْ، وَلَكِنَّهُ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْفَرْضِ لِانْجِبَارِهِ بِالدَّمِ دُونَ الْفَرْضِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالرُّكْنِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ آكَدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّوَافِ السَّابِقِ عَلَى السَّعْيِ قُبَيْلَ عَرَفَةَ وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ لِانْجِبَارِهِ بِالدَّمِ، دُونَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: الْوَاجِبُ وَالْفَرْضُ مُتَرَادِفَانِ وَيَسْتَوِيَانِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي الْحَجِّ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَخَفُّ مِنْ الْفَرْضِ مِنْ حَيْثُ انْجِبَارُ الْوَاجِبِ بِالدَّمِ دُونَ الْفَرْضِ وَإِنْ تَرَتَّبَ الْإِثْمُ عَلَى تَرْكِ كُلٍّ.

(وَالطَّوَافُ لِلْوَدَاعِ) وَهُوَ الَّذِي يُفْعَلُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَجِّ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَلَوْ لِلْجُحْفَةِ (سُنَّةٌ) خَفِيفَةٌ، وَقَالَ خَلِيلٌ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إنْ خَرَجَ لَكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ لِحَاجَةٍ، وَأَمَّا الْخَارِجُ لِنَحْوِ التَّنْعِيمِ فَلَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْإِقَامَةَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ» وَلَا دَمَ عَلَى تَارِكِهِ كَسَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ الَّتِي لَمْ يُشْهَرَ وُجُوبُهَا، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَوْدِيعٌ بِالْبَيْتِ وَيَتَأَدَّى بِالْإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ طَوَافَ الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: رُكْنٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ الْأَوَّلُ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَالثَّانِي: الْقُدُومُ، وَالثَّالِث: الْوَدَاعُ وَمَا عَدَّا ذَلِكَ تَطَوُّعٌ.

(وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ) التَّاسِعِ وَهُوَ (يَوْمُ عَرَفَةَ سُنَّةٌ) وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ النَّدْبُ وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا دَمَ فِي تَرْكِهِ.

(وَالْجَمْعُ) بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ (بِعَرَفَةَ) جَمْعُ تَقْدِيمٍ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ جَمْعُ تَأْخِيرٍ (وَاجِبٌ) أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ.

(وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) بَعْدَ الْغُرُوبِ سَاعَةً لَيْلَةِ النَّحْرِ (فَرِيضَةٌ) يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِهِ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ مِنْ جِهَةِ فَوَاتِ الْحَجِّ بِفَوَاتِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَالْأَفْضَلُ فِي صِفَةِ الْوُقُوفِ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ حَدِيثِ: «لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ» وَيَكُونُ فِي وُقُوفِهِ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ وَقْتُ غُفْرَانِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ.

(وَمَبِيتُ) لَيْلَةِ (الْمُزْدَلِفَةِ) بِهَا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ الِاسْتِحْبَابَ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ النُّزُولُ بِهَا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ وَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ.

(وَوُقُوفُ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلذِّكْرِ (مَأْمُورٌ بِهِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] وَهُوَ مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنْ مِنًى.

(وَرَمْيُ الْجِمَارِ) مُطْلَقًا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْوُجُوبُ يُلْزِمُ الدَّمَ وَلَوْ بِتَرْكِ حَصَاةٍ، وَقَوْلِي مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَغَيْرَهَا، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَرَمْيِهِ الْعَقَبَةِ حِينَ وُصُولِهِ، فَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الرَّمْيِ حِينَ الْوُصُولِ، وَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
(وَكَذَلِكَ الْحِلَاقُ) فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ، وَاَلَّذِي

لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ.

وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً،

وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذًّا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ،

[الفواكه الدواني]

مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْوُجُوبُ لِلُّزُومِ الدَّمِ لِمَنْ تَرَكَهُ جُمْلَةً وَأَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا فِيهِ الدَّمُ: كَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ لِبَلَدِهِ أَوْ الْإِفَاضَةِ لِلْمُحْرِمِ وَرَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ أَوْ الْجَمِيعِ لِلَيْلٍ.
قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ وَتَأْخِيرُ رَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا فِيهِ دَمٌ، وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ حَصَاةِ جَمْرَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ الْجِمَارِ الْجَمِيعِ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَهُوَ النَّهَارُ لِلَّيْلِ وَهُوَ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَأَوْلَى فِي وُجُوبِ الدَّمِ لَوْ فَاتَ الْوَقْتَانِ.

(وَتَقْبِيلُ الرُّكْنِ) وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ مِنْ الطَّوَافِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَمُسْتَحَبٌّ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي بَيَانِ سُنَنِ الطَّوَافِ: وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ بِأَنْ قَالَ: وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَأَمَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَمُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْبِيلِهِ بِفَمِهِ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَضَعْهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَمَسَّهُ بِعُودٍ ثُمَّ يَضَعْهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ عَجَزَ كَبَّرَ وَمَضَى، وَمِثْلُ الْحَجَرِ فِي السُّنِّيَّةِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ فَإِنَّهُ يُسَنُّ اسْتِلَامُهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْيَمَانِيُّ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ اسْتِلَامُهُ لَا تَقْبِيلُهُ.

(وَالْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ سُنَّةٌ) وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ فِي طَلَبِ اتِّصَالِهِ بِالْإِحْرَامِ وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ، وَيُطْلَبُ حَتَّى مِنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَيَتَدَلَّكُ فِيهِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.

(وَالرُّكُوعُ) أَيْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ) وَالْفَرْضُ مُجْزِئٌ فِي تَحْصِيلِ سُنَّةِ الْإِحْرَامِ.

(وَغُسْلُ) الْمُحْرِمِ عِنْدَ إرَادَةِ الْوُقُوفِ فِي (عَرَفَةَ سُنَّةٌ) وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْوُقُوفِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ، فَلَا يَصِحُّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ وَيُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُطْلَبُ مِنْ كُلِّ مَرِيدٍ الْوُقُوفَ وَلَوْ الْحَائِضَ، وَلَكِنْ لَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْوُقُوفِ مُسْتَحَبٌّ.

(وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِدُخُولِهَا أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَبِيتَ خَارِجَهَا، وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ بِطُوًى إنْ مَرَّ بِهَا، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْغُسْلُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِطَوَافٍ لَمْ يُطْلَبْ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الطَّوَافُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ حَائِضٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اغْتِسَالَاتِ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ السُّنَّةُ مِنْهَا غُسْلُ الْإِحْرَامِ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَا عَدَاهُ مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْحَطَّابُ.

(وَ) فِعْلُ (الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ (فِي الْجَمَاعَةِ) وَهِيَ مَا قَابَلَ الْفَذَّ فَيَصْدُقُ بِالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وَفِي رِوَايَةٍ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، فَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ كَانَتْ لَهُ دَرَجَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً أَوْ سِتٌّ وَعِشْرُونَ، لِأَنَّ السَّبْعَ أَوْ الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَعْنَى الْجُزْءِ وَالدَّرَجَةِ الصَّلَاةُ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ لِجَوَازِ كَوْنِ الْجُزْءِ الْأَكْبَرِ مِنْ الدَّرَجَةِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أَخْبَرَ بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ إيضَاحُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ لَا يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ أَقَلِّ مِنْ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَفْرُوضَةِ فَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الِانْفِرَادُ إلَّا التَّرَاوِيحَ.

(وَالصَّلَاةُ) الْمَفْرُوضَةُ (فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ (وَ) كَذَا الصَّلَاةُ فِي (مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَكَذَا مَسْجِدُ إيلْيَاءَ وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ يَلِي الْأَوَّلَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَيَلِي تِلْكَ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ مَسْجِدُ قُبَاءَ حَالَةَ كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ.
(فَذًّا أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْمَسَاجِدِ) وَسَكَتَ كَغَيْرِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَدَمَ التَّفَاضُلِ مِنْ حَيْثُ الْبِقَاعُ فَالصَّلَاةُ فِي نَحْوِ الْأَزْهَرِ كَالصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ فَيُمْكِنُ التَّفَاضُلُ فِي الثَّوَابِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ عَلَى غَيْرِهَا، أَنَّ مَنْ صَلَّى فَذًّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا يُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَسَاجِدِهَا لَا فَذًّا وَلَا جَمَاعَةً لِمَا عَرَفَتْ مِنْ أَنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا فَذَّا فَيُعِيدُ فِيهَا وَلَوْ فَذًّا، وَأَمَّا الْمُصَلِّي فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً فَإِنَّمَا يُعِيدُ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ وَقِيلَ وَفَذًّا، وَقَوْلُنَا فِي غَيْرِ مَسَاجِدِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَلَّى فِي بَعْضِهَا ثُمَّ دَخَلَ الْبَعْضَ الْآخَرَ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ صَلَّى فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ غَيْرَهُ مِنْ نَدْبِ إعَادَةِ الْفَذِّ فِي الْجَمَاعَةِ فَقَطْ لَا إنْ صَلَّى جَمَاعَةً، فَلَا يُعِيدُ فِي غَيْرِ مَا صَلَّى فِيهِ وَلَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ أَفْضَلَ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهَا، وَقَيَّدْنَا بِالْمَفْرُوضَةِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ الْفِعْلُ فِي الْبُيُوتِ إلَّا لِلْغَرِيبِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ فِعْلُ النَّوَافِلِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرَائِضِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِيمَا سِوَاهَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ تَفَاضُلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: (وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ) أَيْ الزِّيَادَةِ (بِذَلِكَ) التَّفْصِيلِ (بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي بَيَانِ فَضْلِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَلَمْ يَرْتَضِهِ جَمِيعُ شُرَّاحِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيَانُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ الْبَلَدَيْنِ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُنَا مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ

فِيمَا سِوَاهُ وَسِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَرَائِضِ،

وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَفِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الطَّوَافِ وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ.

وَمِنْ الْفَرَائِضِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْ الْمَحَارِمِ،

[الفواكه الدواني]

الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ تَفْضِيلُ مَكَّةَ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ قَبْرِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي ثَوَابِ الْعَمَلِ، فَيَكْثُرُ فِي الْفَاضِلِ وَيَنْقُصُ فِي الْمَفْضُولِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ تَبِعَنَا فِي شُرَّاحِهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ قَوْلِهِ: وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ دُونَ أَنْ يُقَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لِشُرَّاحِهِ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيَانَ قَدْرِ التَّضْعِيفِ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُخْتَلَفْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي (أَنَّ الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ (فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) تُصَلَّى (فِيمَا سِوَاهُ وَسِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَسَاجِدِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . وَاخْتَلَفَ فَهْمُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهُ عَلَى عَدَمِهَا، فَالشَّافِعِيُّ فَضَّلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِمِائَةٍ لِأَنَّ مَكَّةَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَا مَعْنَى لِفَضْلِ الْبَلَدِ إلَّا كَثْرَةَ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا.
(وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ) وَأَعْظَمُهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ) لِأَنَّ مَالِكًا وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُفَضِّلُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّفْضِيلِ إلَّا بِكَثْرَةِ ثَوَابِ الْعَمَلِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَفَسَّرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ دُونَ الْأَلْفِ بِسَبْعِمِائَةِ صَلَاةٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَتَّى مَكَّةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَلِيهَا فِي الْفَضْلِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَهُمْ، وَيَلِي الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيَلِيهَا الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَمَا عَدَا الْمَسَاجِدَ الْأَرْبَعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَفْضِيلٌ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ الْوَارِدَ فِي تِلْكَ الْمَسَاجِدِ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ بِقَوْلِهِ: (وَهَذَا) الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ (كُلُّهُ فِي) صَلَاةِ (الْفَرَائِضِ)

[صَلَاة النَّوَافِل فِي الْبُيُوت]

(وَأَمَّا) صَلَاةُ (النَّوَافِلِ) الْمُقَابِلَةِ لِلسُّنَّةِ (فَفِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ) لِخَبَرِ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» إلَّا التَّرَاوِيحَ إذَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا الرَّغَائِبُ وَالسُّنَنُ كَالْوِتْرِ وَالْكُسُوفِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَفِي غَيْرِ الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يُنْدَبُ لِغَرِيبِ الْمَدِينَةِ التَّنَفُّلُ بِمَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لِأَهْلِ مَكَّةَ) الْمُرَادُ بِهِمْ سَاكِنُوهَا وَلَوْ عَلَى حَسَبِ الْمُجَاوَرَةِ (أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (مِنْ الطَّوَافِ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ الْمُزَاحَمَةِ بِوَاسِطَةِ الْغُرَبَاءِ، وَأَمَّا غَيْرُ السَّاكِنِ بِهَا فَأَشَارَ إلَى الْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ) وَهُمْ غَيْرُ السَّاكِنِينَ بِهَا كَأَهْلِ الْمَوْسِمِ (أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ) لِأَنَّ الطَّوَافَ إنَّمَا يَكُونُ حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَيَتَيَسَّرُ وَلَوْ لِلْخَارِجِ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ لِلْقَادِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ الدَّاخِلِ فِيهِ لِإِرَادَةِ الطَّوَافِ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْمُشَاهَدَةِ فَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ إنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْجَوَارِحِ السَّبْعَةِ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَيُقَالُ لَهَا الْكَوَاسِبُ وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ عَلَى عَدَدِ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ قَالَ:

[غَضّ الْبَصَر]

(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ كَفُّ عَيْنَيْهِ (عَنْ نَظَرِ) جَمِيعِ (الْمَحَارِمِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ لِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَا لِأَمْرَدَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَالصُّورَةِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ كَالنَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَيْهِ لَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ أَوْ الْخَلْوَةِ بِهِ فَلَا حُرْمَةَ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، لَكِنَّ السَّلَامَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا لِأَصْحَابِ الْفَضْلِ الْمُتَأَكِّدِ فِي حَقِّهِمْ الْمُبَاعَدَةُ مِنْ مَظَانِّ التُّهَمِ، وَلَا يَخْتَصُّ وُجُوبُ غَضِّ الْبَصَرِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، بَلْ يَتَنَاوَلُ غَضَّهُ عَنْ النَّظَرِ لِلْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِقَارِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ مَالِكُهُ نَظَرَ الْغَيْرِ إلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِ لِخَبَرِ: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَأَنَّمَا نَظَرَ فِي فَرْجِ أُمِّهِ» وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنْ بِلَفْظِ: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ» وَقَالَ: إنَّهُ

وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الْأُولَى بِغَيْرِ تَعَمُّدِ حَرَجٍ وَلَا فِي النَّظَرِ إلَى الْمُتَجَالَّةِ وَلَا فِي النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا وَشَبَهِهِ وَقَدْ أُرْخِصَ فِي ذَلِكَ لِلْخَاطِبِ.

وَمِنْ الْفَرَائِضِ صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْفَحْشَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ،

[الفواكه الدواني]

ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ السَّخَاوِيُّ.
قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى مَحْظُورٍ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الِانْكِفَافِ يَعْنِي احْتِيَاطًا، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يُؤَيِّدُهُ.
قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ.
وَقَوْلُنَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُخَاطَبُ بِالْفَرْضِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ لِئَلَّا يَتَطَبَّعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ ذَرِيعَةً لِلْفَسَادِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي زَمَانِنَا.
وَمِنْ أَقْبَحِ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَلِيِّ إلْبَاسُ ابْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ الصَّغِيرِ الْحَسَنِ الصُّورَةِ الثِّيَابَ الْجَمِيلَةَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحِلْيَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِ الْفَاسِقِ بِهِ، بَلْ لَا تَبْعُدُ حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ النَّظَرِ مُخْتَصَّةً بِحَالَةِ الْعَمْدِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ قَالَ: (وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الْأُولَى) إلَى مَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ (بِغَيْرِ تَعَمُّدِ) الْتِذَاذٍ أَوْ نَحْوِ انْتِقَاصٍ (حَرَجٌ) أَيْ إثْمٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى وَجْهِ جَمِيلٍ أَوْ جَمِيلَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَغَضَّهُ سَرِيعًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَجِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ لِلِالْتِذَاذِ أَوْ أَدَامَهُ مَعَ قَصْدِهِ لَا إثْمَ لِأَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ النَّظَرُ بِمُجَرَّدِهِ، لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ أَنَّ وَجْهَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ قَصْدِ الِالْتِذَاذِ أَوْ خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ.
(وَلَا) حَرَجَ أَيْضًا (فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمُتَجَالَّةِ) وَهِيَ الَّتِي لَا تَمِيلُ إلَيْهَا نَفْسُ النَّاظِرِ، وَأَمَّا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا مَنْ يَلْتَذُّ بِهَا فَيَنْزِلُ عَلَى النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِأَنَّ كُلَّ سَاقِطَةٍ لَهَا لَاقِطَةٌ.
(وَلَا) حَرَجَ أَيْضًا (فِي النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِعُذْرٍ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ نِكَاحٍ (وَشَبَهِهِ) أَيْ الْعُذْرُ كَالطَّبِيبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ النَّظَرُ إلَيْهَا، لَكِنَّ الشَّاهِدَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَلَى مِنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ لِيُسَجِّلَ مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانٍ، وَلَا عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ لِتَتَعَيَّرَ لِلْأَدَاءِ، وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ النَّظَرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ تَأَمُّلُ جَمِيعِ صِفَاتِهَا لِأَنَّ النَّظَرَ مُتَمَحِّضٌ لِلشَّهَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَطْلُوبُ الطَّبِيبِ فِي عَوْرَتِهَا فَإِنَّهُ يَبْقُرُ الثَّوْبَ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمَأْلُومِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الطَّبِيبُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ بِفَرْجِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَيَنْبَغِي أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الطَّبِيبُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا بِرُؤْيَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّبِيبُ يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ وَيَصِفْنَهُ لَهُ فَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِجَوَازِ رُؤْيَةِ الرَّجُلِ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ عُيُوبِ الزَّوْجَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي نَحْوِ ظَهْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ فَرْجِهَا فَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ وَلَا تَحِلُّ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لَهُ وَلَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِفَرْجِهَا فَتُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي نَفْيِهِ إلَّا أَنْ تُمَكِّنَ النِّسَاءَ مِنْ رُؤْيَةِ فَرْجِهَا فَتُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَأَنَّ الطَّبِيبَ لَيْسَ كَالشَّاهِدِ لِضَرُورَةِ نَظَرِ الطَّبِيبِ دُونَ الشَّاهِدِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ رُؤْيَةَ وَجْهِ الشَّابَّةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ الْحَرَجُ أَيْ الْإِثْمُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ نَظَرَ وَجْهِ الشَّابَّةِ مَظِنَّةٌ لِلِالْتِذَاذِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا حَرَجَ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ الِالْتِذَاذِ، لِأَنَّ الْقَلْشَانِيَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ النَّظَرَ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَكْشُوفًا بِغَيْرِ لَذَّةٍ جَائِزٌ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى الْغُبْرِينِيِّ عَنْ ابْنِ نَاجِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَوَجْهِهَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ أَنْكَرَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَأَفْهَمَ تَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ الْعُذْرَ بِالشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ، فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الشَّابَّةِ عِنْدَ تَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ قُرْآنٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَرَا عَنْ قَصْدِ اللَّذَّةِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِأَنَّ مُدَاوَمَةَ النَّظَرِ يَنْشَأُ عَنْهَا الِالْتِذَاذُ غَالِبًا، بِخِلَافِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الذَّكَرِ فَيَجُوزُ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَخْشَ الْمُعَلِّمُ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ الِافْتِتَانَ بِهِ، وَإِلَّا حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ يُخْشَى مِنْ رُؤْيَتِهَا الْفِتْنَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا حَتَّى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُخْشَ مِنْ رُؤْيَتِهَا ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ مَا عَدَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَلِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ، وَعَلَى الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِمْ.
وَأَقُولُ: الَّذِي يَقْتَضِيه الشَّرْعُ وُجُوبَ سَتْرِهَا وَجْهَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، لَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا تُعُورِفَ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ أَنَّ كَشَفَ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا يُؤَدِّي إلَى تَطَرُّقِ الْأَلْسِنَةِ إلَى قَذْفِهَا، وَحِفْظُ الْأَعْرَاضِ وَاجِبٌ كَحِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالْأَنْسَابِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
(وَقَدْ أُرْخِصَ) أَيْ سُومِحَ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الشَّابَّةِ وَكَفَّيْهَا (لِلْخَاطِبِ) لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ قَصَدَ مُجَرَّدَ عِلْمِ صِفَتِهَا فَقَطْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ نَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُنْظُرْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

إلَيْهَا» وَإِنَّمَا نَدَبَ النَّظَرَ إلَى خُصُوصِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ الْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ، وَبِرُؤْيَةِ الْكَفَّيْنِ عَلَى خَصْبِ الْبَدَنِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَ الْخَاطِبُ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَوْ وَلِيَّهَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ النَّظَرُ إلَيْهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: عِلْمُهَا وَالْعِلْمُ بِإِجَابَتِهَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ الِافْتِتَانُ بِرُؤْيَتِهَا وَإِلَّا حَرُمَ، وَإِنَّمَا كُرِهَ النَّظَرُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ بِرُؤْيَتِهَا، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مِثْلِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَظِنَّةُ قَصْدِ اللَّذَّةِ، وَلَا يُقَالُ: مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ كَرَاهَةُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِإِجَابَتِهَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: الشَّارِعُ أَجَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ نَظَرًا إلَى مَصْلَحَتِهِ وَهُوَ اسْتِدَامَةُ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِ إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ النَّظَرِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: إذَا كَانَ قَصْدُهُ إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ مَعْرِفَةِ وَصْفِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَظَرُهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْخَاطِبَ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَخْطُوبَةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

[صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ]

(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) الْعَيْنِيَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (صَوْنُ) أَيْ كَفُّ (اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي وُقُوعِهِ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ تَحَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَهُوَ كَذَّابٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَدَّثَ الْمُكَلَّفُ إلَّا بِمَا عَلِمَ قَطْعًا، أَوْ بِمَا سَمِعَهُ أَوْ نُقِلَ إلَيْهِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى يَسْتَفِيضَ عِلْمُهُ، لِأَنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورُ يَهْدِي إلَى النَّارِ، دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الْكَذِبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61] وَأَمَّا السُّنَّةُ: «فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَكْذِبُ عَلَى امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا جُنَاحَ عَلَيْك» . وَخَبَرُ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَذَكَرَ الْكَذِبَ وَخُلْفَ الْوَعْدِ وَخِيَانَةَ الْمُؤْتَمِنِ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى حُرْمَتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ مَا كَانَ لِإِنْقَاذِ نَفْسِ مَعْصُومَةٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ ظَالِمٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
عِنْدَ التَّتَّائِيِّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، عِنْدَ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ وَهُوَ مِنْ الْغَمُوسِ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْوِزْرِ، وَحَرَامٌ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تُكَفِّرُهُ التَّوْبَةُ كَالْإِخْبَارِ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَالثَّانِي أَنْ يُقْتَطَعَ بِهِ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَتَجِبُ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَيُطْلَبُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ الْمُسَامَحَةُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ حَقِّهِ، وَمَنْدُوبٌ كَإِخْبَارِ الْكُفَّارِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَظْفَرُونَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَمُبَاحٌ الْكَذِبُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الصُّلْحِ وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَمَكْرُوهٌ كَالْكَذِبِ لِلزَّوْجَةِ وَنَحْوِ الْعَبْدِ، وَقِيلَ إنَّهُ مُبَاحٌ لِتَطْيِيبِ خَاطِرِ مَنْ ذُكِرَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: «لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ» . 1 - (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ الْعَيْنِيَّةِ أَيْضًا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ شَهَادَةِ (الزُّورِ) وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ وَإِنْ وَافَقَ الْوَاقِعَ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ الْكَذِبِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لِأَنَّ الزُّورَ مُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ، وَحُرْمَةُ الزُّورِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ» وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُعَزِّرَ شَاهِدَ الزُّورِ وَيَأْمُرَ بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْمَلَأِ بَيْنَ النَّاسِ لِيَرْتَدِعَ غَيْرَهُ، وَلَا يَحْلِقُ لَهُ رَأْسًا وَلَا لِحْيَةً وَلَا يَسْتَحِمُّ لَهُ وَجْهًا، وَيُسَجِّلُهُ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا فِي شَأْنِهِ وَيَضَعَهُ عِنْدَ الثِّقَاتِ لِيَعْلَمُوا أَوْصَافَهُ.
(تَنْبِيهٌ) الزُّورُ مَأْخُوذٌ مِنْ زَوَرِ الصَّدْرِ وَهُوَ اعْوِجَاجُهُ، وَشَاهِدُ الزُّورِ مَالَ عَنْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ حَيْثُ شَهِدَ بِخِلَافِهِ، وَلَيْسَ مِنْ تَزْوِيرِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ تَحْسِينُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلَامًا أَيْ حَسَّنْته.
1 - (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ أَيْضًا التَّنَزُّهُ عَنْ مُلَابَسَةِ (الْفَحْشَاءِ) جَمْعُهَا فَوَاحِشُ وَهِيَ كُلُّ مُحَرَّمٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَحُرْمَةُ الْفَوَاحِشِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: 90] وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33] . وَخَبَرُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ» فَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ، وَالْبَذَاءُ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ، وَالْبَيَانُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ.

(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ أَيْضًا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ (الْغِيبَةِ) وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِهِ مَعَ غِيبَتِهِ مَا يَكْرَهُهُ لَوْ سَمِعَهُ وَلَوْ كَانَ حَقًّا، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي دِينِهِ أَوْ فِي دُنْيَاهُ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ وَزَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ حِرْفَتِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ أَوْ مَرْكُوبِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، سَوَاءٌ ذَكَرْته بِلَفْظِك أَوْ كِتَابِك، أَوْ أَشَرْت إلَيْهِ بِعَيْنِك أَوْ يَدِك أَوْ رَأْسِك، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفْهَمْت بِهِ غَيْرَك نُقْصَانَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

مُسْلِمٍ فَهُوَ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَالِمِ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا مُرِيدًا التَّشْنِيعَ عَلَيْهِ فِي حُكْمٍ أَوْ إعْرَابٍ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا إنْ لَمْ يُعَيِّنُهُ أَوْ عَيَّنَهُ لِيُنَبِّهَ الْغَيْرَ عَلَى خَطَإِ كَلَامِهِ فَلَا يَكُونُ غِيبَةً بَلْ نَصِيحَةً وَاجِبَةً، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي ضَابِطِهَا أَنَّ الْغِيبَةَ تَحْصُلُ بِالتَّعْرِيضِ، كَمَا إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: مَا تَقُولُ فِي فُلَانٍ؟ فَيَقُولُ: يُصْلِحُ اللَّهُ، أَوْ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ، أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى الظُّلْمَةِ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِالذَّكَرِ كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا: «أَنْ تَذْكُرَ أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» بَلْ الْمَدَارُ عَلَى انْتِقَاصِ الْمُسْلِمِ، فَيَشْمَلُ الْغِيبَةَ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ وَهُوَ حَرَامٌ مِثْلُ الْقَوْلِ، وَالْمُرَادُ بِسُوءِ الظَّنِّ عَقْدُ الْقَلْبِ وَحُكْمُهُ عَلَى الْغَيْرِ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا الْخَاطِرُ بِالْقَلْبِ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لِلشَّخْصِ فِي وُقُوعِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: حُرْمَةُ الْغِيبَةِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى بَهَتَّهُ بِالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ رَمَيْته بِالْبُهْتَانِ وَهُوَ الْكَذِبُ.
الثَّانِي: اخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ فِي مَرْتَبَةِ الْغِيبَةِ مِنْ التَّحْرِيمِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهَا، فَذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ وَحَكَى عَلَيْهِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهَا صَغِيرَةٌ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ أَنَّ غِيبَةَ الْعَالِمِ أَوْ حَامِلِ الْقُرْآنِ كَبِيرَةٌ وَغِيبَةُ غَيْرِهِمَا صَغِيرَةٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ: وَلَمْ يَشْهَدْ لِلتَّفْرِقَةِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ فَالْمُتَّجِهُ الطَّرْدُ لِحُرْمَةِ الْمُغْتَابِ.
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْغِيبَةِ فِي حَقِّ الْمُغْتَابِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ سَامِعِيهَا، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهَا وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً أَنْ يَنْهَى الْفَاعِلَ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُ مَعَ الْإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ، فَإِنْ نَهَاهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ كَانَ عَاصِيًا.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَلْبِ مِنْ النِّفَاقِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِثْمِ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ ذِكْرِ الْأَخِ فِي حَدِّ الْغِيبَةِ وَالتَّقْيِيدِ بِالْكَرَاهَةِ عَدَمُ الْغِيبَةِ فِي الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ أَخَاهُ بِمَا لَا يَكْرَهُهُ كَقَوْلِهِ فِي غِيبَتِهِ هُوَ سَارِقٌ أَوْ مُحَارِبٌ وَهُوَ يَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَجَاهِرِ.
(خَاتِمَتَانِ) الْأُولَى: تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ بَلْ رُبَّمَا تَجِبُ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهَا جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي بَيْتٍ بِقَوْلِهِ: لِسِتٍّ غِيبَةً كَرِّرْ وَخُذْهَا ... مُنَظَّمَةً كَأَمْثَالِ الْجَوَاهِرِ تَظَلَّمْ وَاسْتَغِثْ وَاسْتَفْتِ حَذِّرْ ... وَعَرِّفْ وَاذْكُرَنْ فِسْقَ الْمُجَاهِرِ فَالتَّظَلُّمُ كَإِخْبَارِ الْمَظْلُومِ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى رَدْعِ الظَّالِمِ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَيُسَمِّيهِ لَهُ.
وَالِاسْتِغَاثَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ النُّونِ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ هُوَ فِي شِدَّةٍ وَكَرْبٍ مِنْ شَخْصٍ ذِي جَوْرٍ إزَالَتَهَا أَوْ مِمَّنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمُسْتَغَاثِ مِنْهُ.
وَالِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ الْمَظْلُومُ لِلْعَالِمِ: كَيْفَ الْخَلَاصُ مِمَّنْ ظَلَمَنِي بِسَرِقَةِ مَالِي أَوْ سَبَّنِي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ.
وَالتَّحْذِيرِ بِأَنْ يَقُولَ الْعَالِمُ فِي دَرْسِهِ قَوْلُ فُلَانٍ ضَعِيفٌ أَوْ حَدِيثُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَوْ فُلَانٌ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ الْعَمَلِ بِكَلَامِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إخْبَارُ الْحَاكِمِ بِحَالِ الشَّاهِدِ الْمَجْرُوحِ عِنْدَ إرَادَتِهِ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ، وَشَرَطَ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى ذِكْرِ الْقَادِحِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ وَلِطَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي حَقِّ مَنْ طَلَبَ الرِّوَايَةَ، فَلَا يُخْبِرُ بِحَالِ شَخْصٍ لَمْ يُرَدْ أَنْ يَشْهَدَ وَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ الرِّوَايَةَ عَنْهُ.
وَالتَّعْرِيفُ بَيَانُ حَالِ مَنْ سَأَلَك عِنْدَ إنْسَانٍ لِيَتَزَوَّجَ مِنْهُ أَوْ يُعَامِلَهُ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَتُعَرِّفُهُ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ السُّؤَالِ وَمَنْدُوبَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا حَيْثُ انْفَرَدَ هَذَا الشَّخْصُ بِمَعْرِفَةِ مَسَاوِئِ هَذَا الْإِنْسَانِ.
وَذَكَرَ فِسْقَ الْمُجَاهِرِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ مُعْلِنًا بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ زِنًا فَيَجُوزُ لَك أَنْ تَذْكُرَ ذَلِكَ الَّذِي تَجَاهَرَ بِهِ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ مِنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّجَاهُرِ وَالْإِعْلَانِ بِارْتِكَابِهِ الْمُفَسِّقَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّجَاهُرِ بِالْمُفَسِّقِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتِ الصِّحَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَوْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ وَجَبَ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُغْتِيبَ بِجِنْسِ مَا فُسِّقَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ أَوْ مُجَاهَرَتِهِ بِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ

وَالْبَاطِلِ كُلِّهِ قَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -،

[الفواكه الدواني]

بَعْدَ تَوْبَتِهِ لَا تَجُوزُ غِيبَتُهُ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ إطْلَاقَهُ اتِّفَاقًا، وَمِنْ الْجَائِزِ تَعْرِيفُ الْمَشَايِخِ بِأَلْقَابِهِمْ حَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُونَ إلَّا بِهَا نَحْوَ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَفْطَسِ وَالْأَصَمِّ، وَلَمْ يَقْصِدُ بِوَصْفِهِمْ تَنْقِيصَهُمْ وَإِلَّا حَرُمَ.
(الْخَاتِمَةُ الثَّانِيَةُ) الْغِيبَةُ لَهَا جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا مِنْ حَيْثُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا، وَالْأُخْرَى مِنْ حَيْثُ أَذِيَّةُ الْمُغْتَابِ، فَالْأُولَى تَنْفَعُ فِيهَا التَّوْبَةُ بِمُجَرَّدِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ طَلَبِ عَفْوِ الْمُغْتَابِ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَوْ بِالْبَرَاءَةِ الْمَجْهُولِ مُتَعَلَّقُهَا عِنْدَنَا، وَعَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الْغِيبَةِ لِصَاحِبِهَا إنْ بَلَغَتْهُ عَلَى وَجْهٍ أَفْحَشَ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا.
1 - (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ (النَّمِيمَةِ) وَهِيَ نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِفْسَادُ بَيْنَهُمْ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: إنَّمَا تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَنْ يَنْمِي قَوْلَ الْغَيْرِ إلَى الْمَقُولِ فِيهِ كَقَوْلِهِ: فُلَانٌ يَقُولُ فِيك كَذَا، وَلَيْسَتْ النَّمِيمَةُ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ بَلْ حَدُّهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ ثَالِثٌ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَشْفُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْكِتَابَةِ أَوْ الرَّمْزِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنْ الْأَعْمَالِ أَوْ الْأَحْوَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَذِيَّةُ الْغَيْرِ وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: حَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى كُلِّ مَا يَرَاهُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، إلَّا مَا كَانَ فِي حِكَايَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعُ مَعْصِيَةٍ، وَإِذَا رَأَى الْمُكَلَّفُ شَخْصًا يُخْفِي حَالَ نَفْسِهِ فَذَكَرَهُ لِلْغَيْرِ كَانَ نَمِيمَةً.
قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَكُلُّ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ نَمِيمَةٌ وَقِيلَ لَهُ قَالَ فِيك فُلَانٌ كَذَا لَزِمَهُ سِتَّةُ أُمُورٍ: عَدَمُ تَصْدِيقِهِ وَنَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهَا وَبُغْضُهُ مِنْ أَجَلِهَا وَعَدَمُ ظَنِّهِ سُوءًا بِالْمَنْقُولِ عَنْهُ وَعَدَمُ بَحْثِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَعَدَمُ الرِّضَا لِنَفْسِهِ بِمَا نَهَى التَّمَامُ عَنْهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّ حُرْمَةِ النَّمِيمَةِ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا وَإِلَّا جَازَتْ، وَرُبَّمَا تَجِبُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخْبِرَك شَخْصٌ أَنَّ قَصْدَهُ قَتْلُ فُلَانٍ أَوْ سَرِقَةُ مَالِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ إعْلَامُ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى زَجْرِ الْعُصَاةِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِيهِ، وَيُطْلَبُ مِنْ الْحَاكِمِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ الْفَحْصُ عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَتُهُ.
الثَّانِي: الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ النَّمِيمَةِ وَأَنَّهَا كَبِيرَةٌ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ قَتَّاتٌ لِأَنَّهُ النَّمَّامُ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، وَصَاحِبُهَا مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ، وَأَكْبَرُ أَنْوَاعِهَا السِّعَايَةُ وَهِيَ الْإِدْلَاءُ بِالنَّاسِ لِلظُّلْمَةِ.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَقَدْ بُحِثَ عَنْ فَاعِلِهَا فَلَمْ يُوجَدْ قَطُّ إلَّا وَلَدُ زِنًا، وَأُخِذَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ - مَنَّاعٍ﴾ [القلم: 11 - 12] الْآيَةَ أَنَّ النَّمَّامَ لَا يَكُونُ إلَّا وَلَدَ زِنًا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» هُوَ وَأَمْثَالُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ، 1 - وَلَمَّا كَانَتْ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَثِيرَةً قَالَ: (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ اجْتِنَابُ (الْبَاطِلِ) وَهُوَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ.
(كُلِّهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ كَالسَّبِّ وَاللَّعْنِ وَالْقَذْفِ، أَوْ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْغَصْبِ وَالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْغِشِّ وَاللَّهْوِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ اخْتِيَارَيْهَا اخْتِيَارًا، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ الْأَخْلَاقِ كَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا فِي جَوْهَرَتِهِ: وَأْمُرْ بِعُرْفٍ أَوْ اجْتَنِبْ نَمِيمَهُ ... وَغِيبَةً وَخَصْلَةً ذَمِيمَهُ كَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَدَاءِ الْحَسَدْ ... وَكَالْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ فَاعْتَمِدْ فَالْكِبْرُ هُوَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ لِخَبَرِ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْكِبْرِ» هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكِبْرِ عَلَى الصَّالِحِينَ، وَأَمَّا التَّكَبُّرُ عَلَى نَحْوِ الْفَسَقَةِ فَمَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَغَمْصُ النَّاسِ بِالصَّادِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ احْتِقَارُهُمْ، وَبَطَرُ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَالْعُجْبُ هُوَ رُؤْيَةُ الْعِبَادَةِ حَسَنَةً وَاسْتِعْظَامُهَا مِنْ الْعَبْدِ، كَمَا يُعْجَبُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَلَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ الرِّيَاءِ وَلَا الْعُجْبِ رُؤْيَةُ الشَّخْصِ ثَوْبَهُ أَوْ فِعْلَهُ حَسَنًا لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ الْبَاطِلِ كُلِّهِ بِحَدِيثَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ) الْإِيمَانَ الْكَامِلَ الْمُنْجِي مِنْ عَذَابِهِ الْمُوَصِّلِ إلَى رِضَاهُ (بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ) وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ الِاعْتِرَافُ بِوُجُوبِ وُجُودِهِ وَصَانِعِيَّتِهِ لِلْعَالَمِ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَبِأَهْوَالِهِ وَفَظَائِعِهِ الَّتِي تَقَعُ فِيهِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ.
(فَلْيَقُلْ) أَيْ يَذْكُرْ (خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَاضِيه صَمَتَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ

مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَلَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ أَوْ يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانِهِ أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي،

[الفواكه الدواني]

بِكَسْرِهَا وَقِيلَ بِضَمِّهَا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَوْلِ الْخَيْرِ أَوْ السُّكُوتِ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلِذَلِكَ أَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيَقُلْ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ، أَوْ يَسْكُتُ عَنْ شَرٍّ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: " أَوْ " فِيهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَالْمَعْنَى: فَلْيَقُلْ خَيْرًا وَلْيَصْمُتْ عَنْ الشَّرِّ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِيهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ، وَ (السَّلَامُ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ أَيْ الْإِنْسَانِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» أَيْ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِي فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنْ حُسْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي لَيْسَ هُوَ الْإِسْلَامُ وَلَا جُزْءٌ مِنْهُ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَآثَرَ ذِكْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَخْ وَالْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ اخْتِيَارِيَّةٌ لِلْإِنْسَانِ، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ الرَّاجِعَةِ لِلْإِيمَانِ فَهِيَ اضْطِرَارِيَّةٌ مَانِعَةٌ لِمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ وَيُوقِعُهُ فِيهَا الَّذِي يَعْنِي الْإِنْسَانَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ عِنَايَتُهُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ، أَوْ يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَمَا يَعِفُّ فَرْجَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ دُونَ مَا يَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ، فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَعْنِيه سَلِمَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاتِ وَحَصَلَ مَا أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَهَذَانِ حَدِيثَانِ جَلِيلَانِ، لِأَنَّ أَوَّلَهُمَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالثَّانِي يَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ صُحْبَةِ مَنْ لَا خَيْرَ فِي صُحْبَتِهِ، وَيُرَغِّبُهُ فِي صُحْبَةِ مِنْ يَنْتَفِعُ بِصُحْبَتِهِ لِاسْتِفَادَتِهِ مِنْهُ عِلْمًا أَوْ مَالًا.
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئًا ... سِوَى الْهَذَيَانِ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلَّا ... لِأَخْذِ الْعِلْمِ أَوْ إصْلَاحِ حَالْ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ أَنْ يُلْهِمَنَا رُشْدَنَا وَيُمَلِّكَنَا أَنْفُسَنَا أَوْ يُذَكِّرَنَا عُيُوبَنَا.
(وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) سَفْكَ (دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ) أَوْ قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ أَهْلُ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ لِوُجُوبِ عِصْمَةِ الْجَمِيعِ، دَلَّ عَلَى الْحُرْمَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسَّحَرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا» عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَيَرَحْ بِفَتْحِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَتَهَا مَعَ أَنَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ يَشُمُّهَا مَنْ هُوَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَأَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ أَوْ السِّتِّ مِمَّا أَجْمَعَتْ الْمِلَلُ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا لِشَرَفِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ.
وَفِي آخَرَ: «أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضَكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . وَأَشَارَ إلَى ضَبْطِهَا صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ: وَحِفْظُ دِينٍ ثُمَّ نَفْسٍ مَالٍ نَسَبْ ... وَمِثْلُهَا عَقْلٌ وَعِرْضٌ قَدْ وَجَبْ وَلِوُجُوبِ حِفْظِ النُّفُوسِ شَرَعَ الْقِصَاصَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالطَّرْفِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَالْعُدْوَانِ.
(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ إتْلَافَ (أَمْوَالِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ أَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْمَالِ كُلُّ مَا مُلِكَ شَرْعًا وَلَوْ قَلَّ، وَلِوُجُوبِ حِفْظِهِ شَرَعَ حَدَّ السَّرِقَةِ وَحَدَّ الْحِرَابَةِ.
(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَذِيَّةَ (أَعْرَاضِهِمْ) جَمْعُ عِرْضٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَقِيلَ الْحَسَبُ، وَلِحِفْظِهِ شَرَعَ حَدَّ الْقَذْفِ لِمَنْ رَمَى غَيْرَهُ بِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ أَوْ نَفَى نَسَبَهُ اللَّاحِقَ وَالتَّعْزِيرُ لِغَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِينَ مُعَطَّلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الْمَالِ بِخِلَافِ الْأَعْرَاضِ.
وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً قَالَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ (إلَّا بِحَقِّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ، وَالْمُرَادُ بِحَقِّهَا السَّبَبُ الْمُقْتَضَيْ لِاسْتِحْقَاقِهَا، فَحَقُّ الْأَمْوَالِ الْمُبِيحُ لَهَا هُوَ إتْلَافُهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرَضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَحَقُّ الْأَعْرَاضِ عَدَمُ الْعِفَّةِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ التَّعْزِيرَ.
وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَحِلُّ) إرَاقَةُ (دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ) الْمُتَقَرِّرِ

الْأَرْضِ أَوْ يَمْرُقَ مِنْ الدِّينِ وَلْتَكُفَّ يَدَك عَمَّا لَا يَحِلُّ لَك مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ دَمٍ وَلَا تَسْعَ بِقَدَمَيْك فِيمَا لَا يَحِلُّ لَك وَلَا تُبَاشِرْ بِفَرْجِك أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِك مَا لَا يَحِلُّ لَك» قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ،

وَأَنْ يُقْرَبَ النِّسَاءُ فِي دَمِ حَيْضِهِنَّ أَوْ نِفَاسِهِنَّ،

[الفواكه الدواني]

بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا، وَهُوَ الرِّدَّةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» أَيْ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ (يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانِهِ) فَيُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَدِلَةِ حَتَّى يَمُوتَ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِحْصَانِ وَشُرُوطُهُ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ (يَقْتُلَ نَفْسًا) مَعْصُومَةً مُكَافِئَةً لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (بِغَيْرِ نَفْسٍ) عَمَّا لَوْ قَتَلَ نَفْسًا قِصَاصًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْصُومَةٍ لِلْوَلِيِّ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ (فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ) بِأَنْ يُحَارِبَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قَتْلِ النَّاسِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ، أَوْ يَسْقِيَ غَيْرَهُ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافِ أَوْ نَفْيِهِ لِآيَةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ (يَمْرُقَ) أَيْ يَخْرُجَ (مِنْ الدِّينِ) بِاعْتِقَادِ مَا يَكْفُرُ بِهِ، كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ مُفَصَّلَةً أَوْ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا كَمَا تَعْتَقِدُهُ الْقَدَرِيَّةُ الْأُولَى، وَمِمَّا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ الزَّنْدَقَةُ وَالسِّحْرُ وَسَبُّ الْبَارِي، أَوْ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَوْ مِلْكِيَّتِهِ، أَوْ جَحْدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عِنَادًا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصِّيَامِ أَوْ الزَّكَاةِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا حَمَلْنَا الْمُرُوقَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى اعْتِقَادِ مَا يُكَفِّرُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِشَارَةُ إلَى عَدَمِ تَكْرَارِهِ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ ارْتَدَّ بِنَحْوِ إلْقَاءِ مُصْحَفٍ فِي قَذَرٍ أَوْ شَدِّ زُنَّارٍ مَعَ تَوَجُّهٍ لِنَحْوِ كَنِيسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِاعْتِقَادٍ، وَالْمُرُوقُ مِنْ الدِّينِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ.
وَثَانِيهمَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ فِرَقَ الْمُبْتَدِعَةِ مِنْهُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَوْجِبُونَ الْأَدَبَ، وَقَوْلُ الْعَلَّامَةِ السَّنُوسِيِّ: إنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَحْمُولٌ إمَّا عَلَى مَجْمُوعِهِمْ أَوْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ عَلَى حَدِّ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ تُقْطَعُ يَدُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ إلَى ضَابِطِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِمَّا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: (وَلْتَكُفَّ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (يَدَك عَمَّا لَا يَحِلُّ لَك) تَنَاوَلَهُ شَرْعًا وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ مَالِ) مَمْلُوكٍ لِغَيْرِك لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ لَا يَحِلُّ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِ مَالِكِهِ، وَلِذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ الْبَيْعَ لَيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَا فِي يَدِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ.
(أَوْ) مَسِّ (جَسَدِ) أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ ذَكَرٍ أَوْ دَابَّةٍ عَلَى قَصْدِ الِالْتِذَاذِ.
(أَوْ) إرَاقَةِ (دَمٍ) وَلَوْ بِجُرْحٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُمْسِكَ نَفْسَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ بِهِ فِعْلُهُ وَلَوْ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ فَلَا مَفْهُومَ لِلْيَدِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَا تَسْعَ) بِالْجَزْمِ بِحَذْفِ الْأَلْفِ (بِقَدَمَيْك فِيمَا لَا يَحِلُّ لَك) السَّعْيُ إلَيْهِ كَزِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَالسَّعْيِ إلَى أَهْلِ الْجَوْرِ، وَإِلَّا لِحَاجَةٍ كَشَفَاعَةٍ لِمَظْلُومٍ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ مِمَّا يُسَهِّلُ هَوْلَ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْرِيجُ الْكَرْبِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ.
(وَلَا تُبَاشِرْ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (بِفَرْجِك أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِك مَا لَا يَحِلُّ لَك) مُبَاشَرَتُهُ وَهُوَ مَا خَلَا الزَّوْجَةَ وَالْأَمَةَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] مِنْ الْإِنَاثِ (إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] أَيْ الْمُتَجَاوِزُونَ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَلِذَا لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبَاشِرَ بِشَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ سِوَى زَوْجِهَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ النَّظَرِ.
(وَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْك أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّهُ (حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى جَمِيعَ (الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33] قِيلَ هُوَ الْخَمْرُ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» وَالْبَذِيءُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الَّذِي يُصَرِّحُ بِمَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ الْقَبِيحِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَاحِشِ كُلُّ مُسْتَقْبَحٍ شَرْعًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَالْمُرَادُ بِمَا ظَهَرَ مَا يُشَاهَدُ بِالْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِمَا بَطَنَ خِلَافُهُ، فَيَدْخُلُ الْغِيبَةُ بِالْقَلْبِ وَتَحْدِيثُ النَّفْسِ بِمَسَاوِئِ النَّاسِ وَالْمُرَادُ جَزْمُ الْقَلْبِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: 12] الْآيَةَ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَالْمُرَادُ أَنْ تَجْزِمَ بِقَلْبِك لَا مُجَرَّدَ حَدِيثِ النَّفْسِ بِقِيَامِ السُّوءِ بِالْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ» وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْخَاطِرُ غِيبَةً أَوْ كُفْرًا، فَمَنْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ نَحْوُ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ لِتَحْصِيلِهِ ثُمَّ صَرَفَهُ فِي الْحَالِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

[الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فِي زَمَنِ خُرُوجِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاس]

(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى (أَنْ يُقْرَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (النِّسَاءُ) بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ (فِي) زَمَنِ

وَحَرَّمَ مِنْ النِّسَاءِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا إيَّاهُ،

وَأَمَرَ بِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَهُوَ الْحَلَالُ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْكُلَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَلْبَسَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَرْكَبَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَسْكُنَ إلَّا طَيِّبًا وَتَسْتَعْمِلَ سَائِرَ مَا تَنْتَفِعُ بِهِ طَيِّبًا وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ مُشْتَبِهَاتٌ مَنْ تَرَكَهَا سَلِمَ وَمَنْ،

[الفواكه الدواني]

خُرُوجِ (دَمِ حَيْضِهِنَّ أَوْ) زَمَنِ خُرُوجِ دَمِ (نِفَاسِهِنَّ) وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَمْنُوعِ: أَوْ تَحْتَ إزَارٍ وَلَوْ بَعْدَ نَقَاءٍ وَتَيَمُّمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُمَا خَارِجَانِ، فَلَا يَحِلُّ التَّمَتُّعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ وَطْءٍ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ، وَأَمَّا النَّظَرُ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِغَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مِمَّا هُوَ فَوْقَ السُّرَّةِ أَوْ نَزَلَ عَنْ الرُّكْبَةِ أَوْ بِهِمَا فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَلَوْ بِالْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَائِضُ تَشُدُّ إزَارَهَا وَشَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا» قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أَيْ يَرَيْنَ عَلَامَةَ الطُّهْرِ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ أَيْ بِالْمَاءِ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] فَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَوْ تَيَمَّمَتْ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ فَيَحِلَّ بَعْدَ التَّيَمُّمِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُوهِمِ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ أَيْ فَوْقَ السُّرَّةِ، وَحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إمَّا تَعَبُّدِيَّةٌ وَقِيلَ لِمَا يُصِيبُ الْوَاطِئَ أَوْ الْوَلَدَ مِنْ نَحْوِ الْجُذَامِ أَوْ الْبَرَصِ أَوْ الْفَزَعِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّانِي: الْحُرْمَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمَةِ بَلْ الْكَافِرَةُ كَذَلِكَ، فَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِ الْكَافِرَةِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا، وَيُجْبِرُهَا عَلَى الْغُسْلِ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَمِثْلُهَا الْمَجْنُونَةُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُجْبِرُ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُهَا: وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهَا النِّيَّةُ إذْ لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْغُسْلِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَأَمَّا الْغُسْلُ لِحِلِّ الْوَطْءِ فَلَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ.
وَلِذَا يُقَالُ لَنَا: غُسْلُ فَرْضٍ يَصِحُّ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَيُقَالُ هُوَ غُسْلُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ حَيْضِهَا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لِحِلِّ الْوَطْءِ فَقَطْ، وَلِذَا لَوْ أَسْلَمَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِيَرْتَفِعَ حَدَثُهَا لِتَصِحَّ صَلَاتُهَا.
(وَحَرَّمَ) اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (مِنْ النِّسَاءِ) نِكَاحَ كُلِّ (مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا إيَّاهُ) فِي بَابِ النِّكَاحِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ النِّسَاءِ سَبْعًا بِالْقَرَابَةِ وَسَبْعًا بِالرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ، وَقَوْلُهُ: وَحَرَّمَ اللَّهُ وَطْءَ الْكَوَافِرِ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: مَا تَقَدَّمَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ مَا فِي الْعَاقِلِ أَوْ هُوَ قَلِيلٌ أَوْ هُوَ عَلَى تَنْزِيلِ النَّاقِصِ فِي الْعَقْلِ مَنْزِلَةَ مَا لَا عَقْلَ فِيهِ وَهُوَ سَائِغٌ.

[أَكْلِ الطَّيِّبِ]

(وَأَمَرَ) اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ (بِأَكْلِ الطَّيِّبِ) وَشُرْبِهِ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الْحَلَالُ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51] وَ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172] وَالْحَلَالُ فِيهِ خِلَافٌ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا يَنْبَغِي الْيَوْمَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَصْلِ شَيْءٍ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانَ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَكْلِ الطَّيِّبِ عَلَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (فَلَا يَحِلُّ لَك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (أَنْ تَأْكُلَ) أَوْ تَشْرَبَ (إلَّا طَيِّبًا) أَيْ حَلَالًا.
(وَلَا تَلْبَسَ إلَّا) مَلْبُوسًا (طَيِّبًا وَلَا تَرْكَبَ إلَّا) مَرْكُوبًا (طَيِّبًا وَلَا تَسْكُنَ إلَّا) مَسْكَنًا (طَيِّبًا وَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْك أَنْ (تَسْتَعْمِلَ سَائِرَ) أَيْ جَمِيعَ (مَا تَنْتَفِعُ بِهِ طَيِّبًا) وَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ بِتَقْدِيمِ أَكْلِ الطَّيِّبِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي آيَةِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172] وَآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51] عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ إلَّا بَعْدَ إصْلَاحِ الرِّزْقِ بِاكْتِسَابِهِ مِنْ بَابِ حِلٍّ لِمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» وَالسُّحْتُ الْحَرَامُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ فِي بَطْنِهِ حَرَامٌ.
وَعَنْهُ أَيْضًا: مَنْ أَكَلَ لُقْمَةً مِنْ حَرَامٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عَمَلُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ حَثٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْقُوتِ، وَتَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ تَسْكُنُ إلَيْهَا نَفْسُهُ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لِلْغَيْرِ حَقًّا فِيهِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: الَّذِي إذَا أَصْبَحَ سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصَاهُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: الَّذِي إذَا أَمْسَى سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصَاهُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمَهُ النَّاسُ لَتَكَلَّفُوهُ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمُوا وَلَكِنَّهُمْ قَدْ غَشَمُوا الْمَعِيشَةَ غَشْمًا» . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَعَسَّفُوا تَعَسُّفًا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ تَسْتَعْمِلُ وَتَنْتَفِعُ بَعْضُ تَكْرَارٍ لِسَبَبٍ ارْتَكَبَهُ الشَّيْخُ إيضَاحًا لِلطَّلَبِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ حَلِّ مَجْهُولِ الْأَصْلِ دُخُولُ الْمُتَشَابِهِ قَالَ كَالْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: (وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ) الْحَلَالِ أَشْيَاءُ (مُشْتَبِهَاتٌ) بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَهِيَ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حِلِّهَا وَحُرْمَتِهَا، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ.
(مِنْ تَرَكَهَا سَلِمَ

أَخَذَهَا كَانَ كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.

وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكَلَ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ وَمِنْ الْبَاطِلِ الْغَصْبُ وَالتَّعَدِّي وَالْخِيَانَةُ وَالرِّبَا وَالسُّحْتُ وَالْقِمَارُ وَالْغَرَرُ وَالْغِشُّ وَالْخَدِيعَةُ وَالْخِلَابَةُ،

وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ،

[الفواكه الدواني]

وَمَنْ أَخَذَهَا) أَيْ اسْتَعْمَلَهَا (كَانَ كَالرَّاتِعِ) أَيْ الرَّاعِي (حَوْلَ الْحِمَى) أَيْ الْمَحَلِّ الْمَحْمِيِّ لِغَيْرِهِ (يُوشِكُ) أَيْ يَقْرُبُ (أَنْ يَقَعَ فِيهِ) سَرِيعًا وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنُهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» الْحَدِيثَ.
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ حِلَّ بَعْضِ أَشْيَاءَ وَحَرَّمَ بَعْضَ أَشْيَاءَ بَيَانًا ظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَبَقِيَتْ أَشْيَاءُ اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ لِتَعَارُضِ أَدِلَّةِ الْحِلِّ وَالتَّحْرِيمِ فِيهَا وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَمَعْنَى اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ وَطَلَبَ الْبَرَاءَةَ لِدِينِهِ، وَمَعْنَى الْوُقُوعِ فِي الْمُتَشَابِهِ اسْتِعْمَالُهُ لِقَوْلِهِ: «وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» ، وَالْوَاقِعُ فِي الْحَرَامِ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ سَطْوَةِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ رَعَى فِي حِمَى غَيْرِهِ مِنْ سَطْوَةِ مَالِكِهِ، وَالْحِمَى الْمَحَلُّ الَّذِي يَحْمِيهِ صَاحِبُ الشَّوْكَةِ وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ الرَّعْيِ فِيهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْحَدِيثِ الدَّلَالَةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْمُتَشَابِهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى اسْتِعْمَالِ مُحَقَّقِ الْحَمْلِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ بِمَا تَعَارَضَتْ فِيهِ أَدِلَّةُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ أَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ أَنَّ الْحَلَالَ مَا اتَّفَقَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى حِلِّهِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِ الْحَلَالِ بِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ وَلَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ جَهْلُهُ مِنْ جِهَةِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْفَاكِهَانِيِّ: لَا يَنْبَغِي الْيَوْمَ السُّؤَالُ عَنْ الْأَشْيَاءِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَصْلَهُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا مَا دَلَّ عَلَى حِلِّهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ جَائِزَةٌ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَوْجُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ النَّهْبُ وَالْغَصْبُ وَنَدَرَ فِيهِ الْحَلَالُ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمَّا قَدَّمَ الْأَمْرَ بِأَكْلِ الْحَلَالِ وَكَانَ الْأَمْرُ يَقَعُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ:

(وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ) أَيْ تَنَاوُلَ (الْمَالِ) الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ اخْتِيَارًا (بِالْبَاطِلِ) أَيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْحِلَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] وَلِذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ الْبَيْعَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ الشَّخْصُ إلَى إبَاحَةِ مَالِ غَيْرِهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نَحْوِ السَّمَكِ وَثِمَارِ الْجِبَالِ وَحَيَوَانِهَا الَّذِي يُصَادُ مِنْهَا فَإِنَّ الْجَمِيعَ حَلَالٌ، وَبِالِاخْتِيَارِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مَالُ الْغَيْرِ وَلِوُجُوبِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ، وَيُقَدَّمُ مَالُ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ وَيُقَاتِلُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لَهُ سَرِقَتُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ وَنَحْوَهُ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْ مَالِكِهِ وَلَوْ بِالشِّرَاءِ وَيَمْتَنِعُ، وَلَا ثَمَنَ عَلَى الْمُضْطَرِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَكْلِ مِمَّا يَمُرُّ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ نَحْوِ الْفُولِ وَالْفَوَاكِهِ وَلَبَنِ الْغَنَمِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَمُحَصِّلُهُ الْجَوَازُ لِلْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَاجِ فَقِيلَ بِالْجَوَازِ وَقِيلَ بِعَدَمِهِ، وَثَالِثُهَا الْجَوَازُ لِلصِّدِّيقِ دُونَ غَيْرِهِ، وَرَابِعُهَا يَجُوزُ فِي اللَّبَنِ دُونَ الْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمَنْعُ لِعُمُومِ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُمُومِ، كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْحِسُّ وَالْعِيَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِوَضْعِهِمْ الْحَرَسَ عَلَى نَحْوِ الْفُولِ وَالذُّرَةِ وَسَائِرِ الثِّمَارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ الْبَاطِلِ الْغَصْبُ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهِ وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ.
(وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (التَّعَدِّي) وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ تَمَلُّكِ الذَّاتِ، وَمِنْهُ التَّجَاوُزُ عَنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ تَمَلُّكِ الذَّاتِ لِيَمْتَازَ عَنْ الْغَصْبِ.
(وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْخِيَانَةُ) وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَأْذُونِ فِي دُخُولِهِ لِلْآخِذِ، كَأَخْذِ الضَّيْفِ أَوْ أَخْذِ الْأَمِينِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي ائْتُمِنَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِيَانَةُ أَنْ يَخُونَ الشَّخْصُ غَيْرَهُ فِي أَمَانَتِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي مَحْرَمِهِ وَتَكُونُ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرَّمَ خِيَانَةَ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا، وَقَدْ تُطْلَقُ الْخِيَانَةُ عَلَى إظْهَارِ مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ، كَأَنْ يُظْهِرَ الشَّخْصُ أَنَّهُ عَالِمٌ أَوْ صَالِحٌ أَوْ زَاهِدٌ وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ هَذَا.
(وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الرِّبَا) بِالْقَصْرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ كَبَيْعٍ أَوْ إقْرَاضِ دِرْهَمٍ بِاثْنَيْنِ أَوْ النَّسَاءِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاءٍ.
(وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (السُّحْتُ) وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالرِّشْوَةِ عَلَى إمْضَاءِ الْحُكْمِ وَبِمَا يَأْخُذُهُ الشَّاهِدُ عَلَى شَهَادَتِهِ.
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَهْرُ الْبَغِيِّ وَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَزْنِي بِهَا، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَالْقِرْدِ وَالسُّؤَالُ لِلتَّكْثِيرِ، وَثَمَنُ

وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَمَا أَعَانَ عَلَى مَوْتِهِ تَرَدٍّ مِنْ جَبَلٍ أَوْ وَقْذَةٍ بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا وَالْمُنْخَنِقَةُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ كَالْمَيْتَةِ وَذَلِكَ إذَا صَارَتْ بِذَلِكَ إلَى حَالٍ لَا حَيَاةَ بَعْدَهُ فَلَا ذَكَاةَ فِيهَا،

[الفواكه الدواني]

الْجَاهِ وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى شَفَاعَةٍ سَوَاءٌ اشْتَرَطَهُ الشَّافِعُ عَلَى الْمَشْفُوعِ لَهُ أَمْ لَا، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَأْخُذُهُ الْكَبِيرُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَوْفِ إلَى الْأَمْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَحُرْمَةُ السُّحْتِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
فَفِي الْحَدِيثِ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ بِالسُّحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» . (وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ (الْقِمَارُ) وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الشَّخْصُ مِنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ الْمُغَالَبَةِ عِنْدَ اللَّعِبِ بِنَحْوِ الطَّابِ أَوْ الْمُسَابِقَةِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ.
(وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْغَرَرُ) الَّذِي لَا يَغْتَفِرُهُ الشَّرْعُ وَهُوَ الْكَثِيرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ كَالشُّرْبِ مِنْ السِّقَاءِ وَدُخُولِ الْحَمَّامِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ كَشِرَاءِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْبَحْرِ وَالْمُزَابَنَةُ كَبَيْعِ الثَّمَرِ بِمِثْلِهِ عَلَى أَصْلِهِ بِالْخَرْصِ.
(وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْغِشُّ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالشَّيْنِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ إظْهَارُ خِلَافِ مَا فِي الْوَاقِعِ كَخَلْطِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ لِتَكْثِيرِهِ، وَكَخَلْطِ السَّمْنِ بِمَا يُشْبِهُ لَوْنَهُ لِيَظْهَرَ لِلْغَيْرِ أَنَّ الْجَمِيعَ جَيِّدٌ، وَمِنْ الْغِشِّ الْكِيمْيَاءُ وَوَضْعُ نَحْوِ الْكَتَّانِ فِي النَّدَى لِيَثْقُلَ، وَتَلَطُّخُ الثِّيَابُ بِالنَّشَا، وَسَقْيُ الْحَيَوَانِ الْمَاءَ عِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِهِ بَعْدَ إطْعَامِهِ شَيْئًا مِنْ الْمِلْحِ، وَخَلْطُ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغِشَّ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ يَكُونُ فِي الْأَدْيَانِ، كَأَنْ يَرَى الشَّخْصُ غَيْرَهُ أَنَّهُ صَالِحٌ أَوْ عَالِمٌ أَوْ زَاهِدٌ وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةً وَهِيَ: لَوْ أَعْطَاك شَخْصٌ شَيْئًا لِوَصْفٍ يَعْتَقِدُهُ فِيك مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ وَأَنْتَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَك قَبُولُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطَاءِ عَلَى شَرْطٍ.
وَالْغِشُّ حُرْمَتُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْخَدِيعَةُ) وَهِيَ لَبَنُ الْكِلَابِ أَوْ تَحْسِينُ الْفِعْلِ لِلْغَيْرِ لِقَصْدِ التَّوَصُّلِ إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ التَّاجِرُ مَعَ مُرِيدِ الشِّرَاءِ.
(وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْخِلَابَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ هِيَ الْخَدِيعَةُ فَعَطْفُهَا عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى مُرَادِفِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي اللَّفْظِ الْمُوَافِقِ لَهُ فِي الْمَعْنَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَنْوَاعَ الْبَاطِلِ لَا خِلَافَ فِي حُرْمَتِهَا، مَنْ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِنْهَا كَفَرَ، وَإِنْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ مَعْلُومَةً مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَالٍ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَيَجِبُ رَدُّهُ أَوْ عَرَضُهُ لِرَبِّهِ أَوْ وَارِثِهِ حَيْثُ عَرَفَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْحَرَامِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْغَيْرِ شَرَعَ فِي الْحَرَامِ لِتَحْرِيمِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ:

[أَكْلَ الْمَيْتَةِ]

(وَحَرَّمَ اللَّهُ) عَزَّ وَجَلَّ (أَكْلِ الْمَيْتَةِ) مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَحَقِيقَةُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلُّ مَا خَرَجَتْ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ مِمَّا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا، وَذَلِكَ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ الْبَرِّيَّةِ وَلَوْ جَرَادَةً تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا، وَأَمَّا لِلضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ، وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ الْبَحْرِيَّةُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ فَتَحِلُّ مَيْتَتُهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . (وَ) وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (الدَّمَ) الْمَسْفُوحَ الْخَارِجَ مِنْ مَحَلِّهِ وَلَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ أَوْ خَارِجٍ مِنْ الْمُذَكَّى بَعْدَ تَقْطِيعِ لَحْمِهِ لَا مَا بَقِيَ فِي الْعُرُوقِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ مِنْ اللَّحْمِ بِحَالٍ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ كَدَمِ حُوتٍ طُبِخَ أَوْ شُوِيَ مِنْ غَيْرِ تَقْطِيعِهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ خَلِيلٍ دُونَ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا.
(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ (لَحْمِ) وَشُرْبَ لَبَنِ (الْخِنْزِيرِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْمُرَادُ الْخِنْزِيرُ الْبَرِّيُّ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَآدَمِيِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ حُرْمَةِ خِنْزِيرِ الْبَرِّ فَقِيلَ لِلتَّعَبُّدِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْغَيْرَةَ.
(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا أَكْلَ (مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) هُوَ (مَا ذُبِحَ) أَيْ ذُكِّيَ (لِغَيْرِ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وَعُورِضَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الضَّحَايَا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَّاهُ نَحْوُ الْمَجُوسِيِّ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَا تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَّاهُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ لَهُمْ وَمَمْلُوكٌ لَهُمْ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] . وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُتَنَاوِلٌ حَتَّى لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا ذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ بِأَنْ ذَبَحَ بِاسْمِ الصَّنَمِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّ حِلَّ مَا ذَكَّاهُ الْكِتَابِيُّ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ عَلَيْهِ نَحْوَ اسْمِ الصَّنَمِ.
(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا أَكْلَ (مَا أَعَانَ عَلَى مَوْتِهِ تَرَدٍّ) أَيْ سُقُوطٌ.
(مِنْ) فَوْقُ نَحْوُ (جَبَلٍ أَوْ) أَعَانَ عَلَى مَوْتِهِ (وَقْذَةٌ) أَيْ ضَرْبَةٌ (بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ حَجَرٍ.
(وَ) حَرَّمَ اللَّهُ أَيْضًا (الْمُنْخَنِقَةَ) أَيْ الْمَمْسُوكَةَ بِعُنُقِهَا (بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَكَذَا النَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ شَيْئًا مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]

وَلَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَيَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا إذَا دُبِغَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُبَاعُ وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَبَيْعِهَا وَيُنْتَفَعُ بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا وَمَا يُنْزَعُ

[الفواكه الدواني]

وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} . (إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ) الشَّخْصُ (إلَى) أَكْلِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ نَحْوِ الْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ (كَالْمَيْتَةِ) بِغَيْرِ تَرَدٍّ وَنَحْوِهِ.
(وَذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ حِلِّهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
(إذَا صَارَتْ) أَيْ الْمُتَرَدِّيَةُ وَمَا مَعَهَا (بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ التَّرَدِّي وَالْخَنْقِ (إلَى حَالٍ لَا حَيَاةَ) مَرْجُوَّةَ لَهَا (بَعْدَهُ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْفُذَ التَّرَدِّي أَوْ الْخَنْقُ مَقْتَلَهَا بِأَنْ قَطَعَ نُخَاعَهَا أَوْ نَثَرَ دِمَاغَهَا أَوْ حَشْوَتَهَا.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ كَالْمَيْتَةِ قَوْلَهُ: (فَلَا ذَكَاةَ) تَصِحُّ (فِيهَا) وَلَا يُنْظَرَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْحَيَاةِ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، وَلَا يُقَالُ: الْمَأْيُوسُ مِنْ حَيَاتِهِ تُعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَأْيُوسُ مِنْ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ إنْفَاذِ مَقْتَلٍ تُمْكِنُ حَيَاتُهُ بِصِحَّتِهِ، بِخِلَافِ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ تَسْتَحِيلُ حَيَاتُهُ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمَيِّتِ بِالْفِعْلِ وَالْمَيِّتُ لَا تُعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَافْهَمْ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إذَا صَارَتْ إلَخْ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَصِرْ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ بِأَنْ نُطِحَتْ أَوْ تَرَدَّتْ أَوْ خُنِقَتْ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلٌ مِنْ مَقَاتِلِهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ ذَكَاتُهَا لِقَوْلِ خَلِيلٍ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إنْ لَمْ يَنْخَعْهَا، وَلَمَّا اُخْتُلِفَ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ السَّابِقَةِ فِي قَوْله: إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يُؤْذَنَ (لِلْمُضْطَرِّ) وَهُوَ مَنْ وَصَلَ فِي الْجُوعِ إلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ (أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ) وَيَشْرَبَ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ النَّجِسَةِ سِوَى مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَسِوَى الْخَمْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ إلَّا لِغُصَّةٍ، وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ لَا عَلَى لَحْمِهِ، وَأَمَّا مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ فَلَا تُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَكْلَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ وَصَحَّحَ أَكْلَهُ أَيْضًا، وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَيَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، بِخِلَافِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَفَسَّرْنَا لَا بَأْسَ بِالْإِذْنِ لِوُجُوبِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةَ لِحِفْظِ حَيَاتِهِ عَلَى إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي صِفَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ بَيْنَ الْمَشْهُورِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ لَهُ إذَا أَكَلَ الْمَيْتَةَ أَنْ (يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ) إلَى مَحَلٍّ يُظَنُّ فِيهِ وُجُودَ مَا يُغْنِي عَنْهَا مِنْ الْمُبَاحِ وَلَوْ بِالشِّرَاءِ فِي ذِمَّتِهِ.
(فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا) وُجُوبًا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ الْفَتْوَى، وَمُقَابِلُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ حَتَّى اعْتَرَضُوا عَلَى قَوْلِ خَلِيلٍ وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ، وَادَّعَوْا بِأَنَّهُ مُصَحَّفُ يُشْبِعُ وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ سَاكِتًا عَنْ التَّزَوُّدِ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوفٍ بِالْمَشْهُورِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ كَمَا يُبَاحُ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ لِجُوعِهِ يُبَاحُ لَهُ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ النَّجِسَةِ لِعَطَشِهِ سِوَى الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لِلْعَطَشِ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا شُرْبُهُ لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ فَيَجُوزُ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ وَيَحْرُمُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ.
الثَّانِي: قَدْ أَسَلَفْنَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ يُقَدِّمُ طَعَامَ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ، لَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يُذْهِبُ أَلَمَ الْجُوعِ فَلَا يَشْبَعُ وَلَا يَتَزَوَّدُ وَلَا ثَمَنَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَرَاجِعْ مَا سَبَقَ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ عَدَمُ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا) أَيْ مَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ (إذَا دُبِغَ) بِمَا أَزَالَ الرِّيحَ وَالدُّسُومَةَ وَالرُّطُوبَةَ وَحَفِظَهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ وَمَاءٍ، وَأَمَّا فِي الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الدَّبْغُ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ وَلَوْ بَعْدَ الدَّبْغِ لِشَرَفِ الْآدَمِيِّ وَقَذَارَةِ الْخِنْزِيرِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ عَدَمِ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» لِحَمْلِهِ عِنْدَنَا عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ لَا الطَّهَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى مُطْلَقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ كَاسْتِحَالَةِ الذَّاتِ النَّجِسَةِ، كَانْقِلَابِ الْخَمْرِ خَلًّا، وَالدَّمِ مِسْكًا أَوْ لَبَنًا، وَالنَّجَاسَةِ رَمَادًا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَالدِّبَاغُ لَا يُحِيلُ الْجِلْدَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا) أَنْ (يُبَاعَ) لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيمَا يُصَلَّى فِيهِ وَمَا يُبَاعُ قَالَ خَلِيلٌ: وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ، وَشُرِطَ لِصَلَاةٍ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَخَبَثٍ، وَلَمَّا كَانَ جِلْدُ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ كَجِلْدِ مُبَاحِ الْأَكْلِ بِالذَّكَاةِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ) وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ جَرَاءَةٌ أَيْ شِدَّةٌ عَلَى الِافْتِرَاسِ وَالْعَدَاءِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا ذُكِّيَتْ) وَلَوْ بِقَصْدِ أَخْذِ جِلْدِهَا فَقَطْ.
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي (بَيْعِهَا) وَأَوْلَى غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ

فصول الكتاب · 4 فصل · 422 صفحة
جارٍ التحميل