لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنْ سَلَّمْت بَعْدَ هَذَا أَجُزْأَك وَمِمَّا تَزِيدُهُ إنْ شِئْت وَأَشْهَدُ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ
[الفواكه الدواني]
وَأَمَّا الْبُهَمُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ جَمْعُ بُهْمَةٍ فَهُوَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ جُلُوسِك عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِك مِنْ سُجُودِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصُّبْحِ (تَتَشَهَّدُ) أَيْ تَشْرَعُ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ، وَتَحْصُلُ بِمُطْلَقِ تَشَهُّدٍ سَوَاءٌ الْوَارِدُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ الْوَارِدُ عَنْ عُمَرَ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَ مَالِكٍ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنْ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عَلَّمَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ بَلْ قُبِلَ خُصُوصِهِ سُنَّةً، وَلِذَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَالتَّشَهُّدُ) الَّذِي ارْتَضَاهُ مَالِكٌ (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جَمْعُ تَحِيَّةٍ وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ مَعْنَاهَا الْمُلْكُ وَقِيلَ الْعَظَمَةُ وَقِيلَ السَّلَامُ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى السَّلَامِ فَالتَّقْدِيرُ جَمِيعُ التَّحِيَّاتِ الَّتِي تُحَيَّا بِهَا الْمُلُوكُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ، وَعَلَى تَفْسِيرِهَا بِالْمُلْكِ فَيَكُونُ جَمْعُهَا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الَّذِي هُوَ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ.
(الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ) الْمُرَادُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي تَزْكُو وَتَنْمُو بِكَثْرَةِ الْإِخْلَاصِ.
(الطَّيِّبَاتُ) أَيْ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ.
(الصَّلَوَاتُ) الْخَمْسُ وَقِيلَ كُلُّ الصَّلَوَاتِ، وَقِيلَ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا وَالْأَدْعِيَةُ وَهُوَ الْأَوْلَى.
(لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك) أَيْ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْك؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (أَيُّهَا النَّبِيُّ) أَيْ أَخُصُّ النَّبِيَّ وَهُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَيَنْبَغِي إذَا قَالَهُ الْمُصَلِّي أَنْ يَقْصِدَ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ.
(وَرَحْمَةُ اللَّهِ) الْمُرَادُ بِهَا مَا تَجَدَّدَ مِنْ نَفَحَاتِ إحْسَانِهِ، وَلِهَذَا أَظْهَرَ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ بِالْإِرَادَةِ، وَإِنْ صَحَّ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ.
(وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ خَيْرَاتُهُ الْمُتَزَايِدَةُ.
(السَّلَامُ عَلَيْنَا) أَيْ اللَّهُ شَهِيدٌ وَمُطَّلِعٌ عَلَيْنَا أَوْ أَمَانُهُ وَحِفْظُهُ عَلَيْنَا.
(وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا قَالَهَا الْعَبْدُ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» قَالَ ابْنُ نَاجِي: أُقِيمُ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ إذَا لَقِيَ آخَرَ فَقَالَ لَهُ فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَلَمْ يَكُنْ فُلَانٌ أَمَرَهُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ أَنَّهُ غَيْرُ كَاذِبٍ لِقَوْلِ الْمُصَلِّي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُونَ، وَهَذِهِ إقَامَةٌ ظَاهِرَةٌ حَيْثُ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ يَعْلَمُ مَعْنَى مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ يَعْلَمُ مَدْلُولَ مَا هُوَ مُتَكَلَّمٌ بِهِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَعْنَى مَا يَقُولُ أَوْ شَكَّ فِي عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا.
(أَشْهَدُ) أَيْ أَعْتَرِفُ (أَنْ لَا إلَهَ) أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ (إلَّا اللَّهُ) زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عُمَرَ (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) بِالضَّمِيرِ وَفِي بَعْضِهَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَيُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِ تِلْكَ الصِّيَغِ التَّوْسِعَةُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، وَأَمَّا نَبِيُّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا كَانَ يَتَشَهَّدُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ بَلْ أَلْفَاظُ التَّشَهُّدِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» فَالْكَلَامُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُخَالِفُ هَذَا.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا آخِرُ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّشَهُّدِ عَلَمٌ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِمُطْلَقِ تَشَهُّدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي خُصُوصِ هَذَا فَقِيلَ فَضِيلَةٌ وَقِيلَ سُنَّةٌ، فَالْآتِي بِهَذَا اللَّفْظِ آتٍ بِسُنَّتَيْنِ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ، وَالْآتِي بِغَيْرِهِ آتٍ بِالسُّنَّةِ فَقَطْ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَيْسَ جَمِيعُهُ سُنَّةً بَلْ إتْمَامُهُ مُسْتَحَبٌّ وَالسُّنَّةُ تَحْصُلُ بِبَعْضِهِ قِيَاسًا عَلَى السُّورَةِ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَقَدْ أَدَّى السُّنَّةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ مَا يَشْمَلُ نَحْوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَشَهُّدٌ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا، وَسُمِّيَ هَذَا اللَّفْظُ تَشَهُّدًا لِتَضَمُّنِهِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَبَحَثَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسِ قَائِلًا: الْمَسْنُونُ التَّشَهُّدُ وَهُوَ اسْمٌ لِهَذَا اللَّفْظِ، وَالْمَسْنُونُ قِرَاءَةُ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ يَصْدُقُ بِبَعْضِ سُورَةٍ، وَرُبَّمَا يُقَوِّي بَحْثَ بَعْضِ شُيُوخِنَا قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَلَّمْت بَعْدَ هَذَا) أَيْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (أَجْزَأَك) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَجْزَأَك فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ لَمْ يَجْزِهِ فَيُخَالِفُ قِيَاسَهُ عَلَى السُّورَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِالْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا سُجُودَ مَعَهُ وَلَا إثْمَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْإِجْزَاءَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ، فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي التَّشَهُّدِ أَجْزَأَهُ أَيْ لِصِدْقِ التَّشَهُّدِ عَلَيْهِ.
(وَمِمَّا تَزِيدُهُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ (إنْ شِئْت) لِكَمَالِ الْمُوجِبِ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي الزِّيَادَةِ وَعَدَمِهَا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَا يَخْفَى، أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: إنْ شِئْت الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ أَرَادَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ هَذَا الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْعِيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا عَلَّمَهُمْ التَّشَهُّدَ قَالَ: وَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ
مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ وَعَلَى أَنْبِيَائِكَ
[الفواكه الدواني]
مَا أَحَبَّ» وَأَمَّا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ فَالْمَطْلُوبُ تَقْصِيرُهُ وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعَاءٌ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَيَتَشَهَّدُ فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى، إلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَشَارَ إلَى مَا يَزِيدُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ وَشَيْءٍ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، إشَارَةً إلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: (وَأَشْهَدُ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (حَقٌّ) أَيْ ثَابِتٌ إذْ الْحَقُّ هُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ يُطْلَقُ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْعَقَائِدِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ وَيُقَابِلُهُ الْبَاطِلُ، وَأَمَّا الصِّدْقُ فَقَدْ شَاعَ فِي الْأَقْوَالِ خَاصَّةً وَيُقَابِلُهُ الْكَذِبُ وَحَقِيقَتُهُ مُطَابَقَةُ حُكْمِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ (وَأَنَّ الْجَنَّةَ) وَهِيَ دَارُ الثَّوَابِ (حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ) وَهِيَ دَارُ الْعَذَابِ (حَقٌّ) وَأَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ الْيَوْمَ، وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ.
(وَأَنَّ السَّاعَةَ) وَهِيَ الْقِيَامَةُ وَانْقِرَاضُ الدُّنْيَا (آتِيَةٌ) أَيْ جَائِيَةٌ (لَا رَيْبَ فِيهَا) الْخَبَرُ هُنَا مَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا تَرْتَابُوا فِيهَا أَوْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ، وَنَزَلَ رَيْبُ الْمُرْتَابِينَ مَنْزِلَةَ عَدَمِهِ لَمَّا أَنَّ مَعَهُمْ مِنْ الْأَدِلَّةِ إنْ نَظَرُوا فِيهِ لَمْ يَرْتَابُوا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ لَا رَيْبَ فِيهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ.
(وَ) أَشْهَدُ (أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ) أَيْ يُحْيِي (مَنْ فِي الْقُبُورِ) وَكَذَا غَيْرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَاتِ، فَذِكْرُ الْقُبُورِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْبَعْثِ وَمَجِيءِ الْقِيَامَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِدُخُولِهَا فِيمَا جَاءَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعَادَهَا اهْتِمَامًا بِهَا.
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّحْمَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّ تِلْمِيذِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَتَشْنِيعِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وُهِمَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَهْمًا قَبِيحًا خَفِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ فَزَادَ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَمِمَّا رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُؤَلِّفَ مِنْ الْحُفَّاظِ، وَأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ صَحَّ عِنْدَهُ، وَمِمَّا رُدَّ بِهِ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ بِمَعْنَى ارْحَمْهُ، وَمِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَيْضًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّحْمَةِ وَعَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَمِمَّا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَلِّي فِي التَّحِيَّاتِ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَمِيعِ صَلَوَاتِهِ وَأَمَرَ بِهِ كُلَّ مُصَلٍّ، فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَقْوَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِدِ وَانْتَهَرَهُ النَّاسُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَقَدْ حَجَرْت، فَأَقَرَّهُ عَلَى مَا قَالَ مِنْ دُعَائِهِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكِرٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ إقْرَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْجَوَازِ إذَا كَانَ الَّذِي أَقَرَّهُ مُسْلِمًا كَوَاقِعَةِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّحْمَةِ إذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ ذِكْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً رَحْمَةُ اللَّهِ، هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ وَلِي فِيهِ وَقْفَةٌ مَعَ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ (وَ) ارْحَمْ (آلَ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ) أَيْ وَانْشُرْ رَحْمَتَك (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت) الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَرَحِمْت) تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلِاعْتِنَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَبَارَكْت) أَيْ نَشَرْت رَحْمَتَك (عَلَى إبْرَاهِيمَ) تُنَازِعُهُ الْعَوَامِلُ الثَّلَاثَةُ، وَلَفْظُ إبْرَاهِيمَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَعْنَاهُ أَبٌ رَحِيمٌ.
(وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ) بِمَعْنَى مَحْمُودٍ (مَجِيدٌ) بِمَعْنَى كَرِيمٍ أَوْ شَرِيفٍ، وَقِيلَ وَاسِعُ الْكَرْمِ وَالْجَمِيعُ فِيهِ سُبْحَانَهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الصَّلَاةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ الصَّلَاةُ الْكَامِلَةُ وَحُكْمُهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ فَضِيلَةٌ وَمَحَلُّهَا كَمَا قَدَّمْنَا فِي تَشَهُّدِ السَّلَامِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
(تَتِمَّةٌ) إنْ قِيلَ: كَيْفَ يُشَبِّهُ الصَّلَاةَ عَلَى أَفْضَلِ الْخَلْقِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ مَفْضُولٌ بِقَوْلِهِ: كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ تَشْبِيهُ الضَّعِيفِ بِالْقَوِيِّ أَوْ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ عَكْسُ مَا هُنَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا شَبَّهَ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِشَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: شَبَّهَ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ تَوَاضُعًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي حَدِيثِ: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» وَقِيلَ: الْوَقْفُ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالتَّشْبِيهُ بَيْنَ آلِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ، أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ طَلَبُ زِيَادَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ أَوْ شَبَّهَ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ لِأَجْلِ مَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ وَهِيَ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: 73]
وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِأَئِمَّتِنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ مَغْفِرَةً عَزْمًا اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ سَأَلَكَ مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَسُوءِ الْمَصِيرِ السَّلَامُ
[الفواكه الدواني]
وَإِنَّمَا خُصَّ إبْرَاهِيمُ بِالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ كُلُّ نَبِيٍّ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَاحِدٌ مِنْهُ عَلَى أُمَّتِهِ غَيْرُ إبْرَاهِيمَ، فَأَمَرَنَا مَعَاشِرَ الْأُمَّةِ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مُجَازَاةً لِإِحْسَانِهِ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ جَلَسَ مَعَ أَهْلِهِ فَبَكَى وَدَعَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ شُيُوخِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَهَبْهُ مِنِّي السَّلَامَ فَقَالَ أَهْلُ بَيْتِهِ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: اللَّهُمَّ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ كُهُولِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَهَبْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَقَالُوا: آمِينَ، فَقَالَ إسْمَاعِيلُ: اللَّهُمَّ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ شَبَابِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَهَبْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَقَالُوا: آمِينَ، ثُمَّ قَالَتْ سَارَةُ: اللَّهُمَّ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ نِسَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَهَبْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَقَالُوا: آمِينَ، ثُمَّ قَالَتْ هَاجَرُ: اللَّهُمَّ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ الْمَوَالِي وَالْمُوَالِيَاتِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَهَبْهُ مِنِّي السَّلَامَ، لَمَّا سَبَقَ مِنْهُمْ السَّلَامُ قَابَلْنَاهُمْ فِي الصَّلَاةِ مُجَازَاةً عَلَى صَنِيعِهِمْ، وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَمْ نُصَلِّ نَحْنُ بِأَنْفُسِنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ فَأَمَرَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَشْرَفِ خَلْقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَقَعَ الصَّلَاةُ مِنْ كَامِلٍ عَلَى كَامِلٍ.
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِك) جَمْعُ مَلَكٍ (وَ) صَلِّ عَلَى عِبَادِك (الْمُقَرَّبِينَ) كَذَا رُوِيَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فَتَكُونُ شَامِلَةً لِغَيْرِ الْمَلَائِكَةِ.
وَرُوِيَ بِحَذْفِ الْوَاوِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ خَاصَّةً بِالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ تَشْرِيفًا لَهُمْ.
(عَلَى أَنْبِيَائِك وَالْمُرْسَلِينَ) رُوِيَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
(وَعَلَى أَهْلِ طَاعَتِك أَجْمَعِينَ) الْمُرَادُ بِهِمْ الْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانُوا عُصَاةً لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُوا مِنْ طَاعَةٍ.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أَيْ اُسْتُرْ ذُنُوبِي (وَ) اغْفِرْ (لِوَالِدَيَّ) يُرِيدُ الْمُؤْمِنِينَ يَصِحُّ بِفَتْحِ الدَّالِ فَيَكُونُ مُثَنًّى، وَيُحْتَمَلُ بِكَسْرِهَا فَيَكُونُ جَمْعًا قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَفِي كَلَامِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِمَّنْ أَرَادَ قَبُولَ دُعَائِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِوَالِدَيْهِ ثُمَّ بِمَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَبْدَأُ بِمُعَلِّمِهِ قَبْلَ أَبَوَيْهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْمُعَلِّمَ تَسَبَّبَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى شَرَفِ الْوَالِدَيْنِ.
(وَ) اغْفِرْ اللَّهُمَّ (لِأَئِمَّتِنَا) وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ النَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَ) اغْفِرْ (لِمَنْ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ دَخَلُوا فِي أَهْلِ الطَّاعَةِ.
(مَغْفِرَةً عَزْمًا) أَيْ عَاجِلَةً وَقِيلَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ الْعَزْمُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي إنْ شِئْت لِإِيهَامِهِ الِاسْتِغْنَاءَ.
(اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ سَأَلَك مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مِمَّا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ فَلَا تَرُدَّ الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ.
(وَأَعُوذُ بِك) أَيْ أَتَحَصَّنُ بِك يَا اللَّهُ (مِنْ كُلِّ شَرٍّ اسْتَعَاذَك) أَيْ اسْتَعَاذَ بِك (مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَالدُّعَاءُ بِهِ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْمِيمٌ فِي الدُّعَاءِ، وَسَبَبُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الدُّعَاءَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كَذَا وَكَذَا، وَأَخَذَ يُكْثِرُ مِنْ الْمَسَائِلِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْ اللَّهُمَّ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ: وَيُكْرَهُ الْإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ وَالدُّعَاءُ بِالْمُحَالِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَرُدُّ الدُّعَاءُ مِنْ الْقَدْرِ شَيْئًا أَوْ لَا يَرُدُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ؟ قَالَ الشَّاذِلِيُّ: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ وَأَنَّهُ يَرُدُّ الْقَدْرَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» .
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ فَلْيُكْثِرْ مِنْ الدُّعَاءِ فِي الرَّخَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا مَرْفُوعًا: «وَأَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ» وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ: «إنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقَاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أَيْ يَتَصَارَعَانِ وَيَتَدَافَعَانِ
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا) مِنْ الذُّنُوبِ (وَمَا أَخَّرْنَا) مِنْ الطَّاعَاتِ عَنْ أَوْقَاتِهَا.
(وَ) اغْفِرْ لَنَا (مَا أَسْرَرْنَا) وَهُوَ مَا أَخْفَيْنَاهُ مِنْ الْمَعَاصِي (وَمَا أَعْلَنَّا) أَيْ أَظْهَرْنَاهُ مِنْ الْمَعَاصِي.
(وَ) اغْفِرْ لَنَا (مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا) وَهُوَ مَا أَقَرَفْنَاهُ عَمْدًا أَوْ نَسِينَاهُ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ حَالَ النِّسْيَانِ لَا إثْمَ فِيهِ لِخَبَرِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَفْعَلْ» قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى مَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ فَيُؤَاخَذُ بِهِ حِينَئِذٍ، وَمِنْ الدُّعَاءِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201] قِيلَ الْعِلْمُ، وَقِيلَ الْمَالُ الْحَلَالُ، وَقِيلَ الزَّوْجَةُ الْحَسَنَةُ، وَقِيلَ الْعَافِيَةُ فِي الدُّنْيَا.
﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201] وَهِيَ الْعَاقِبَةُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ الْمَغْفِرَةُ ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] أَيْ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا وِقَايَةً، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْفَاكِهَانِيُّ: عَذَابُ النَّارِ الْمَرْأَةُ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا، وَمَعَ الْأَدْعِيَةِ بِمَا فِي السُّنَّةِ: (وَأَعُوذُ) أَيْ أَتَحَصَّنُ (بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا) قِيلَ الْكُفْرُ، وَقِيلَ الْعِصْيَانُ، وَقِيلَ الْمَالُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ
ثُمَّ تَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِكَ تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِكَ وَتَتَيَامَنُ بِرَأْسِك قَلِيلًا هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُسَلِّمُ
[الفواكه الدواني]
وَالْوَلَدُ، وَالْأَحْسَنُ كُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ اللَّهِ فِتْنَةُ الْمَحْيَا.
(وَ) أَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ (الْمَمَاتِ) وَهِيَ التَّبْدِيلُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَوَاتِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي الْإِنْسَانَ عِنْدَ خُرُوجِ رَوْحِهِ بِصِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ فَيَقُولُ لَهُ: قَدْ سَبَقْتُك إلَى الْآخِرَةِ فَأَحْسَنُ الْأَدْيَانِ دِينُ كَذَا لِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَمُتْ عَلَيْهِ وَيَكُونُ لَك مَا كَانَ لِي مِنْ الْخَيْرِ، فَيَتَحَيَّرُ الْمَيِّتُ فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ ثَبَاتَهُ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا يَطْرُدُهُ، اللَّهُمَّ نَجِّنَا مِنْ كَيَدِهِ.
(وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ.
(وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْقَدَمَيْنِ، وَقِيلَ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ أَيْ طَوَافِهِ فِيهَا فِي أَقَلِّ زَمَنٍ مِنْ فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ يُخَافُ مِنْهَا إذْ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ وَتَتَبُّعَهُ الْأَرْزَاقَ فَمَنْ تَبِعَهُ كَفَرَ، وَيَسْلُكُ الدُّنْيَا كُلَّهَا إلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَيَمْكُثُ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَضَعُ رِجْلَهُ حَيْثُ يَنْتَهِي بَصَرُهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ الْيَوْمَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُهُ أَطْلَقَهُ اللَّهُ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: (الدَّجَّالُ) ؛ لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَلِتَحْصُلَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِالْمَسِيحِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَا مَسَحَ عَلَى ذِي عَاهَةٍ إلَّا وَيَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ لِسِيَاحَتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ بِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ بِالدُّهْنِ، فَعِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسِيحُ الْهُدَى، وَالدَّجَّالُ مَسِيحُ الضَّلَالِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ، رُبَّمَا قِيلَ فِيهِ مَسِيخٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لَكِنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الضَّبْطِ.
(وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَسُوءِ الْمَصِيرِ) وَنَاقَشَ ابْنُ نَاجِي الْمُصَنِّفَ قَائِلًا: إنْ أَرَادَ بِسُوءِ الْمَصِيرِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ فَقَدْ قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَالْمَمَاتِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ سُوءَ الْمُنْقَلَبِ أَيْ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمُمْكِنُ الْجَوَابِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
(السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ خَيْرَاتُهُ الْمُتَكَاثِرَةُ (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى) سَائِرِ (عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ زِيَادَةِ هَذَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ خِلَافًا لِابْنِ عُمَرَ، وَعَلَى نَدْبِ زِيَادَتِهِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، هَكَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ حَيْثُ قَالَ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الدُّعَاةِ، وَعَنْ مَالِكٍ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ إلَخْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ مَا مَرَّ مِنْ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ التَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ تُوقِعُ تَسْلِيمَةً بِأَنْ (تَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّرْتِيبِ وَصِيغَةِ الْجَمْعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَلَامٌ عُرِّفَ بِأَلْ، فَلَوْ قَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ سَلَامِي عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَوْ أَسْقَطَ أَلْ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْوِينِ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الصِّحَّةُ تَخْرِيجًا عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ اللَّاحِنِ فِي الْفَاتِحَةِ عَجْزًا عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ لِعَدَمِ مُعَلِّمٍ أَوْ ضِيقِ وَقْتٍ مَعَ قَبُولِ التَّعَلُّمِ لَهُ وَإِلَّا اتَّفَقَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَلَا يَكْفِي أَمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنْ بَعْضِهِ حَيْثُ كَانَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُ مَعْنَى، وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِنِيَّتِهِ، وَيَنْبَغِي الْجَزْمُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَوْ سَلَّمَ بِاللُّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ عَجْزًا عَنْ الْعَرَبِيَّةِ فَيَظْهَرُ لَنَا عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ أَتَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِالْعَجَمِيَّةِ لِلْعَجْزِ عَنْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي الشَّكُّ فِيهِ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ لَحَنَ فِيهِ أَوْ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ اللَّحْنَ فِيهِمَا عَجْزًا عَنْ الصَّوَابِ لَيْسَ بِأَقْبَحَ مِنْ اللَّحْنِ فِي الْفَاتِحَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لِلْقَوْلِ لَا لِلْقَائِلِ، وَتَسْلِيمَةُ التَّحْلِيلِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِكُلِّ مُنَافٍ حَتَّى عَمْدُ الْحَدَثِ دَلِيلُنَا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ حُسْنِ الدُّعَاءِ فَهِيَ خَارِجُ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهَا، وَجَرَى خِلَافٌ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ السَّلَامِ، شَهَرَ الْفَاكِهَانِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهَا وَعَلَيْهِ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَدِمِهَا وَتَبْطُلُ مُقَابِلُهُ، وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الِاشْتِرَاطِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ إمَامًا يَقْصِدُ بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْمَأْمُومُ يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَبِالثَّانِيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَالْفَذُّ يَنْوِي بِهَا التَّحْلِيلَ وَالسَّلَامَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ فَقِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الَّتِي لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ نِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ قَوْلًا وَاحِدًا بَيْنَ سَلَامِ التَّحْلِيلِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضٌ أَيْضًا؟ وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَدِّدٌ يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، فَاحْتَاجَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لِمُصَاحَبَتِهَا النِّيَّةَ وَرَفْعَ الْيَدَيْنِ مَعَهَا لَيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ، وَثَانِيهِمَا ضَعْفُ أَمْرِ التَّسْلِيمِ وَعِظَمُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَكْتَفِي بِكُلِّ مُنَافٍ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَأَيْضًا نِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةُ وَاجِبَةٌ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ إيقَاعِ السَّلَامِ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ بَيْنَ مَفْعُولِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ: (تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً) عَلَى هَيْئَتِهَا السَّابِقَةِ (عَنْ يَمِينِك تَقْصِدُ بِهَا) أَيْ
وَاحِدَةً يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا، وَيَرُدُّ أُخْرَى عَلَى الْإِمَامِ قُبَالَتَهُ يُشِيرُ بِهَا إلَيْهِ وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَمْ يَرُدَّ عَلَى يَسَارِهِ شَيْئًا
وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ فِي تَشَهُّدِهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَيَقْبِضُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَبْسُطُ
[الفواكه الدواني]
تَبْتَدِئُهَا (قُبَالَةَ وَجْهِك) أَيْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ (وَتَتَيَامَنُ بِرَأْسِك قَلِيلًا هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ) قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ وَتَيَامُنٌ بِالسَّلَامِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: سَلَامُ غَيْرِ الْمَأْمُومِ قُبَالَتُهُ مُتَيَامِنًا قَلِيلًا، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَبْتَدِئُهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ يَلْتَفِتُ إلَى جِهَةِ الْيُمْنَى قَلِيلًا بِحَسَبِ الِانْتِهَاءِ، فَلَا إشْكَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: عَنْ يَمِينِك الْمُوهِمِ أَنَّهُ يُوقِعُ جَمِيعَ التَّسْلِيمَةِ عَلَى الْيَمِينِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: قُبَالَةَ وَجْهِك لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ بِهَا عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَالتَّيَامُنِ قَلِيلًا بِحَسَبِ الِانْتِهَاءِ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُطْقِهِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ الِابْتِدَاءَ بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَأْمُورَانِ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِهَا، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ نُدِبَ انْحِرَافُهُ فِي أَثْنَائِهِ إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ الِانْحِرَافُ دَلِيلًا لِنَحْوِ الْأَصَمِّ أَوْ التَّنْبِيهُ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَالتَّيَامُنُ مُسْتَحَبٌّ، كَمَا أَنَّ ابْتِدَاءَهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَيْضًا مُسْتَحَبٌّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْقَلِيلِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ: بِحَيْثُ تَرَى صَفْحَةَ وَجْهِهِ، فَلَوْ أَوْقَعَ الْإِمَامُ أَوْ الْفَذُّ جَمِيعَ التَّسْلِيمَةِ عَلَى يَمِينِهِ أَجْزَأَتْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَوْ أَوْقَعَهَا عَلَى جِهَةِ الْيَسَارِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَسَارِ ثُمَّ تَكَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ وَفَاعِلُ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَالْفَذُّ، وَسَوَاءٌ وَقَعَ السَّلَامُ عَلَى الْيَسَارِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَقَوْلُهُ: وَاحِدَةً هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ مِنْ تَسْلِيمَتَيْنِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْتَصِرُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ وَاَلَّذِي رَأَى مَالِكٌ الْعَمَلَ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةً، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ مِنْ الْوَرَعِ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ.
(وَأَمَّا الْمَأْمُومُ) الَّذِي أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ (فَ) صِفَةُ سَلَامِهِ أَنْ (يُسَلِّمَ) تَسْلِيمَتَيْنِ (وَاحِدَةٌ) بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ سَلَامِهِ وَلَوْ الثَّانِيَةُ كَأَنْ يَرَى الثَّانِيَةَ وَيَنْدُبُ لَهُ أَنْ (يَتَيَامَنَ بِهَا قَلِيلًا) أَيْ يَرْفَعَ جَمِيعَهَا عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِهَا، وَهَذِهِ فَرِيضَةٌ لِأَنَّهَا تَسْلِيمَةُ التَّحْلِيلِ (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُزَادَ أُخْرَى) أَيْ يُسَلِّمُ الْأُخْرَى (عَلَى الْإِمَامِ قُبَالَتَهُ) أَيْ يُوقِعُهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَتَيَامَنُ وَلَا يَتَيَاسَرُ بِهَا حَالَةَ كَوْنِهِ (يُشِيرُ بِهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِمَامِ بِقَلْبِهِ لَا بِرَأْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ أَمَامَهُ أَوْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ وَيُجْزِئُهُ فِي تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْك السَّلَامُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُوقِعُ جَمِيعَ التَّسْلِيمَةِ عَلَى يَمِينِهِ هُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَرُدَّ عَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً (لَمْ يَرُدَّ عَلَى يَسَارِهِ شَيْئًا) وَيَقْتَصِرُ عَلَى تَسْلِيمَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَأْمُومَ الَّذِي يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ لَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ لَا يُسَنُّ رَدُّهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٌ مِنْ الْمَأْمُومِ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ بِالْعَطْفِ عَلَى السُّنَنِ وَرَدُّ مُقْتَدٍ عَلَى إمَامِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ وَبِهِ أَحَدٌ، فَيَشْمَلُ كَلَامُهُ مَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ سَوَاءٌ كَانَ بَاقِيًا حَتَّى أَتَمَّ هَذَا الْمُسْلِمُ صَلَاتَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ وَسَلَّمَ مَعَ إمَامِهِ وَذَهَبَ وَأَتَمَّ هَذَا صَلَاتَهُ بَعْدَهُ لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَرُدُّ عَلَى إمَامِهِ وَلَوْ انْصَرَفَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، كَمَا أَنَّ الْمَأْمُومَ الَّذِي يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ يُسَلِّمُ عَلَى الْمَسْبُوقِ الَّذِي تَأَخَّرَ سَلَامُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ عَلَى الْيَسَارِ كَوْنُهُ سَلَّمَ عَلَى هَذَا الرَّادِّ، خِلَافًا الظَّاهِرُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ سَلَامِ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَهَا السُّنِّيَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي السُّنَنِ: وَرَدُّ مُقْتَدٍ عَلَى إمَامِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ وَبِهِ أَحَدٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ عَلَى إمَامِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ رَدَّ عَلَيْهِ " وَفِي الْحَدِيثِ: «أُمِرْنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» .
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ شَرْطَ الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ، فَمَنْ لَمْ يُحَصِّلُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَرُدُّ عَلَى إمَامِهِ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَمَنْ عَلَى يَمِينِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ لِرَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ قَبْلَ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ
السَّبَّابَةَ يُشِيرُ بِهَا، وَقَدْ نَصَبَ حَرْفَهَا إلَى وَجْهِهِ وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيكِهَا فَقِيلَ يَعْتَقِدُ بِالْإِشَارَةِ بِهَا أَنَّ اللَّهَ إلَهٌ وَاحِدٌ، وَيَتَأَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُهَا أَنَّهَا مُقْمِعَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَأَحْسِبُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ مَا يَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ السَّهْوِ فِيهَا وَالشَّغْلِ عَنْهَا، وَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ وَلَا يُحَرِّكُهَا وَلَا يُشِيرُ بِهَا
وَيُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ
[الفواكه الدواني]
السَّابِقُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمَأْمُومُ كَأَهْلِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ عَلَى الْإِمَامِ، وَيُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ: لَنَا مَأْمُومٌ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَلَا يُسَلِّم عَلَى إمَامِهِ؛ لِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ.
قَالَهُ عَلَّامَةُ الْعَصْرِ الْأُجْهُورِيُّ وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ مَعَ الْمَسْبُوقِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مَعَ كَوْنِ الْمَسْبُوقِ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ تَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ وَتَسْلِيمَةِ الرَّدِّ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ عَدَمُ الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ بِقَصْدِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ مَعَ نِيَّةِ الْإِتْيَانِ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَتَى بِهَا عَنْ قُرْبٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ السَّلَامَ عَلَى يَمِينِهِ حَتَّى انْصَرَفَ وَطَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْيَسَارِ لِقَصْدِ الرَّدِّ وَيَقْصِدُ السَّلَامَ عَلَى الْيَمِينِ لِلْفَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْيَسَارِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَلَّمَ لِلتَّحْلِيلِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ فَإِنْ أَتَى بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ عَنْ قُرْبٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ.
الرَّابِعُ: يُسَنُّ الْجَهْرُ بِسَلَامِ التَّحْلِيلِ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا وَلَوْ امْرَأَةً، وَأَمَّا مَا عَدَا تَسْلِيمَ التَّحْلِيلِ فَالْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِسْرَارُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَيَنْدُبُ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَالْإِسْرَارُ بِمَا عَدَاهَا لِلْمَأْمُومِ وَالْفَذِّ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَالشَّأْنُ فِي حَقِّهِ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْمِيعُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ الْمَأْمُومُ.
[صفة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ السَّلَامِ مِنْ كُلِّ مُصَلٍّ ذَكَرَ صِفَةَ وَضْعِ يَدَيْهِ فِي حَالِ تَشَهُّدِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا قَبْلَ السَّلَامِ بَلْ قَبْلَ التَّشَهُّدِ فَقَالَ: (وَ) يَنْدُبُ أَنْ (يَجْعَلَ يَدَيْهِ فِي) حَالِ (تَشَهُّدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) تَثْنِيَةُ فَخِذٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ وَالْوَرِكِ أَوْ يَجْعَلَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِقُرْبِهِمَا مِنْ فَخِذَيْهِ، وَقَوْلُهُ كَخَلِيلٍ فِي تَشَهُّدَيْهِ لَا مَفْهُومَ لِلتَّشَهُّدَيْنِ بَلْ مِثْلُهُمَا حَالَ الدُّعَاءِ أَيْضًا إلَى السَّلَامِ.
(وَ) يَنْدُبُ أَنْ (يَقْبِضَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ الْيُمْنَى) الْوُسْطَى وَالْبِنْصِرَ وَالْخِنْصَرَ (وَيَبْسُطَ) أَيْ يَمُدَّ (السَّبَّابَةَ) وَالْإِبْهَامَ يَمُدُّهَا أَيْضًا تَحْتَ السَّبَّابَةَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ عَقْدُهُ يُمْنَاهُ فِي تَشَهُّدَيْهِ الثَّلَاثَ مَادًّا السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ وَفِي حَالِ بَسْطِ السَّبَّابَةِ (يُشِيرُ بِهَا) أَيْ يَنْصِبُهَا مُحَرِّكًا لَهَا يَمِينًا وَشِمَالًا أَوْ مِنْ أَسْفَلَ إلَى أَعْلَى وَعَكْسُهُ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ نَصَبَ حَرْفَهَا) أَيْ السَّبَّابَةِ وَالْمُرَادُ جَنْبُهَا (إلَى وَجْهِهِ) أَيْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ (وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيكِهَا) أَيْ فِي سَبَبِ تَحْرِيكِ السَّبَّابَةِ مَعَ نَصْبِهَا الَّذِي أَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتَحْرِيكُهَا دَائِمًا أَيْ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ بَلْ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِلَّةُ تَحْرِيكِهَا أَنَّهُ إلَى السَّلَامِ (فَقِيلَ يَعْتَقِدُ بِالْإِشَارَةِ بِهَا أَنَّ اللَّهَ إلَهٌ وَاحِدٌ وَ) قِيلَ (يَتَأَوَّلُ) أَيْ يَقْصِدُ (مِنْ تَحَرُّكِهَا أَنَّهَا مُقْمِعَةٌ لِلشَّيْطَانِ) لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَسْهُو أَحَدُكُمْ مَا دَامَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ» .
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «تَحْرِيكُ الْأُصْبُعِ فِي الصَّلَاةِ مُذْعِرَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَمُقْمِعَةٌ» إنْ جُعِلَتْ مَحَلًّا لِلْقَمْعِ كَانَتْ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَإِنْ جُعِلَتْ آلَةً لَهُ كُسِرَتْ الْمِيمُ الثَّانِيَةُ وَضَمَّتْ الْأُولَى وَالْأَنْسَبُ الْمَعْنَى الثَّانِي.
وَلَمَّا ذَكَرَ عِلَّةَ التَّحْرِيكِ عَنْ الشُّيُوخِ بَيَّنَ مَا اخْتَارَهُ هُوَ فِي الْعِلَّةِ فَقَالَ: (وَأَحْسِبُ) أَيْ أَعْتَقِدُ (تَأْوِيلَ ذَلِكَ) أَيْ عِلَّةَ التَّحْرِيكِ الْمَذْكُورِ (أَنْ يَذْكُرَ) الْمُصَلِّي (بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ مَا يَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ السَّهْوِ فِيهَا وَالشَّغْلِ عَنْهَا) وَالْمَعْنَى: أَنَّ سَبَبَ تَحْرِيكِ السَّبَّابَةِ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ حُضُورُ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُشُوعُ، وَمَا دَامَ الْقَلْبُ حَاضِرًا يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتُصَّتْ السَّبَّابَةُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ عُرُوقَهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْقَلْبِ فَإِذَا حُرِّكَتْ يَنْزَعِجُ الْقَلْبُ فَيَنْتَبِهُ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا يَمْنَعُهُ وَيَحْفَظُهُ عَنْ السَّهْوِ كَالْخَاتَمِ يَكُونُ فِي أُصْبُعٍ فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً يَنْزِعُهُ وَيَجْعَلُهُ فِي الْأُخْرَى، وَلَعَلَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ حَيْثُ لَا يَكْثُرُ وَإِلَّا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الْأَصَابِعِ وَلَا كَيْفِيَّةُ حَالِ السَّبَّابَةِ مَعَ الْإِبْهَامِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُ إنَّهُ عَلَى هَيْئَةِ عَدَدِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ فَيَكُونُ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى أَطْرَافُهُنَّ عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَحْتَ الْإِبْهَامِ، وَيَبْسُطُ الْمُسَبِّحَةَ وَيَجْعَلُ جَنْبَهَا إلَى السَّمَاءِ وَيَمُدُّ الْإِبْهَامَ بِجَنْبِهَا عَلَى الْوُسْطَى، فَقَبْضُ الثَّلَاثَةِ وَوَضْعُ أَطْرَافِهِنَّ عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَحْتَ الْإِبْهَامِ هُوَ قَبْضُ تِسْعَةً، وَمَدُّ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ هُوَ الْعِشْرُونَ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي تَشَهُّدَيْهِ أَنَّهُ لَا يَعْقِدُ فِي رُكُوعِهِ وَلَا سُجُودِهِ بَلْ يَنْصِبُهُمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ قُرْبَهُمَا فِي الرُّكُوعِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ مَبْسُوطَتَيْنِ.
(وَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ) أَوْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (وَلَا يُحَرِّكُهَا وَلَا يُشِيرُ بِهَا) وَلَوْ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ.
[مَا يُسْتَحَبُّ عَقِبَ الصَّلَاةِ]
وَقَدْ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا وَأَشَارَ إلَى مَا يُسْتَحَبُّ عَقِبَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ بِأَثَرِ الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِنَافِلَةٍ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى الْفَرِيضَةَ فَقَامَ لِيَتَنَقَّلَ فَجَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَجْلَسَهُ وَقَالَ لَهُ: لَا تُصَلِّ النَّافِلَةَ بِأَثَرِ الْفَرِيضَةِ، فَقَالَ لَهُ
يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَيُسْتَحَبُّ بِإِثْرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ
[الفواكه الدواني]
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: أَصَبْت يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ اللَّهُ بِك» وَأَمَّا الْفَصْلُ بِآيَةِ الْكُرْسِيِّ فَلَا يُكْرَهُ، وَكَذَا تَكْبِيرُ أَيَّامِ الضَّحَايَا؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى التَّسْبِيحِ، وَالْأَذْكَارُ الْوَارِدَةُ كَثِيرَةٌ وَالْمُخْتَارُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْهَا أَنْ (يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَسْبِيحَةً بِلَفْظِ سُبْحَانَ اللَّهِ يَمُدُّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ مَدًّا طَبِيعِيًّا وَهُوَ مَا كَانَ قَدْرَ أَلِفٍ (وَيَحْمَدُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (اللَّهَ) بِأَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرُ اللَّهَ) بِأَنْ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ (وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ الْمُمْكِنَاتِ (قَدِيرٌ) فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ.
فِي الصَّحِيحَيْنِ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ عَلَى التَّكْبِيرِ كَمَا هُنَا، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْكِتَابِ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّحْمِيدِ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ، أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَمِنْ الْأَذْكَارِ الْمَسْمُوعَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ» زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: «وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» . وَمِنْهَا: «أَنَّ مَنْ قَالَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» .
وَمِنْهَا: «أَنَّ مَنْ قَالَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180] ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 181] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 182] فَقَدْ اكْتَالَ بِالْجَرِيبِ الْأَوْفَى» وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» .
وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي الصُّبْحِ خَاصَّةً: «أَنَّ مَنْ قَالَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ: «إذَا صَلَّيْت الصُّبْحَ فَقُلْ ثَلَاثًا: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، تَعَافَى مِنْ الْعَمَى وَالْجُذَامِ وَالْفَالِجِ» .
وَالْأَذْكَارُ كَثِيرَةٌ وَثَوَابُهَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِهَا لُطْفًا وَامْتِنَانًا مِنْ مَوْلَى الثَّوَابِ حَيْثُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَى عَبْدِهِ فِي خُصُوصِ لَفْظٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ يُحْيِي وَيُمِيتُ عَقِبَ لَهُ الْمُلْكُ كَمَا يَزِيدُهَا بَعْضُ النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَيُرْوَى زِيَادَتُهَا بَعْدَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، نَعَمْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَأَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، فَالْأَحْوَطُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَيُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُ كَذَلِكَ وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ بِقَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ دُونَ ثُمَّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَجْمُوعَةً، وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ عَرَفَةَ وَجَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَ غَيْرُهُمْ الْإِتْيَانَ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى حِدَةٍ وَالتَّحْمِيدِ كَذَلِكَ وَالتَّكْبِيرِ كَذَلِكَ، وَأَقُولُ: فَيُسْتَفَادُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ.
الثَّالِثُ: الْأَذْكَارُ الْوَارِدَةُ عَنْ الشَّارِعِ مَضْبُوطَةٌ هَلْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا؟ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ: إنَّ الْأَعْدَادَ الْوَارِدَةَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ لِثَوَابٍ مَخْصُوصٍ، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهَا أَوْ نَقَصَ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ الثَّوَابُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالْمِقْدَارِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ الثَّوَابُ فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ مُزِيلَةً لَهُ، وَرُبَّمَا يُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ الزِّيَادَةُ عَلَى تَحْدِيدِ الشَّارِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ الْمُوهِمَةِ أَنَّهُ لَا يُعْطِي الثَّوَابَ إلَّا بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ.
الرَّابِعُ: اُخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ فِي الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ السِّرُّ أَوْ الْجَهْرُ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْت أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ» وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ.
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ بِصَوْتِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» . وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ زَمَنًا يَسِيرًا حَتَّى عَلَّمَهُمْ صِفَةَ الذِّكْرِ لَا أَنَّهُ دَاوَمَ عَلَى الْجَهْرِ، فَاخْتَارَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ إخْفَاءَ الذِّكْرِ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ تَعْلِيمَ الْجَمَاعَةِ أَوْ إعْلَامَهُمْ، قُلْت: وَفِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا فِي التَّكْبِيرِ الْمَطْلُوبِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ مَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُمْ عَدُّوا رَفْعَ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ بِدْعَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: سَبَبُ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الذِّكْرِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ: «أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ.
قَالَ: مَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ كَمَا نَفْعَلُ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ يَتَصَدَّقُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ مِنْهَا
وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِ طُلُوعِهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْفَجْرِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ يُسِرُّهَا
وَالْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ مِنْ الطِّوَالِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا
[الفواكه الدواني]
فَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: تُسَبِّحُونَ اللَّهَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدُونَهُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرُونَهُ كَذَلِكَ وَتَخْتِمُونَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلْنَا، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 54] » فَقَالَ الْفُقَهَاءُ: لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 54] وَقَالَتْ الصُّوفِيَّةُ: بَلْ قَوْلُهُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ إلَخْ يُرِيدُ هَذَا الْفَضْلُ مَخْصُوصٌ بِهِمْ لَا يَلْحَقُهُمْ غَيْرَهُمْ.
(وَيُسْتَحَبُّ) زِيَادَةٌ عَلَى الذِّكْرِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ غَيْرِهِ (بِإِثْرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِ طُلُوعِهَا) لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» وَفِي الصَّحِيحِ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، وَجَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ ثَوَابُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ قَالَهُ ثَلَاثًا» وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَجَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ إلَى أَنْ رَكَعَ سَجْدَةَ الضُّحَى غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» وَعَلَى هَذَا مَضَى السَّلَفُ الصَّالِحُ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّمَا رَغَّبَ الشَّارِعُ فِي إحْيَاءِ هَذَا الْوَقْتِ وَكَثَّرَ الثَّوَابَ فِي إحْيَائِهِ؛ لِأَنَّهُ زَمَنُ خُلُوِّ قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَتَفَرُّغِهِ مِنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُحَدِّثُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَإِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ تَرَكَ الْكَلَامَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَسَمِعْت مَنْ يَقُولُ: إنَّ زَمَانَ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ شَبِيهٌ بِزَمَنِ الْجَنَّةِ أَبَاحَهَا اللَّهُ لَنَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَقَوْلُهُ: فِي الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ تَرَدَّدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي فَهْمِهَا فَقَالَ بَعْضٌ: التَّسْبِيحُ خِلَافُ الِاسْتِغْفَارِ وَخِلَافُ الدُّعَاءِ، وَقَالَ بَعْضٌ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، وَلِذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْقُرْآنُ أَفْضَلُ شَيْءٍ يَشْتَغِلُ بِهِ الْإِنْسَانُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ: يَدْعُو ابْتِدَاءً بِالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بِالذِّكْرِ بَعْدَهُ ثُمَّ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ثُمَّ التَّفَكُّرِ فِي هَذَا الْعَالَمِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَأَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ.
قَالَ التَّادَلِيُّ: وَبِأَفْضَلِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا لِقِلَّةِ الْحَامِلِينَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَقُولُ لِخَبَرِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إحْدَاهَا عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ مِمَّا تَبْقَى فَائِدَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ» وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا تَرْكُ مَالِكٍ لَهُ بَعْدَ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ زَمَنَهُ لَمْ يَقِلَّ فِيهِ حَامِلُ الْعِلْمِ.
(تَنْبِيهٌ) : كَمَا يُسْتَحَبُّ التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ بَعْدَ الصُّبْحِ يُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ أَوَّلَ صَحِيفَتِهِ حَسَنَاتٌ وَفِي آخِرِهَا حَسَنَاتٌ مَحَا اللَّهُ مَا بَيْنَهُمَا» وَلِمَا وَرَدَ: «أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: يَا عَبْدِي اُذْكُرْنِي سَاعَةً بَعْدَ الصُّبْحِ وَسَاعَةً بَعْدَ الْعَصْرِ أَغْفِرْ لَك مَا بَيْنَهُمَا أَوْ أَكْفِك مَا بَيْنَهُمَا» فَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ هِدَايَةِ الْمُرِيدِ: أَنَّ فَضْلَ هَذَا الْوَقْتِ كَفَضْلِ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَا قَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّسْبِيحِ بَعْدَ الصُّبْحِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: 130] رَدَّهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ) أَيْ التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ (بِوَاجِبٍ) وَلَوْلَا قَصْدُ الرَّدِّ لَاسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَيُسْتَحَبُّ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَمَا يَفْعَلُ بَعْدَهَا شَرَعَ فِيمَا هُوَ دُونَ الصُّبْحِ فِي الرُّتْبَةِ وَقَبْلَهَا فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَفَاءً بِمَا وَعَدَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْفَرَائِضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الرَّغَائِبِ وَالسُّنَنِ فَقَالَ: (وَيَرْكَعُ) أَيْ يُصَلِّي (رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) لَكِنْ (بَعْدَ) تَحَقُّقِ طُلُوعِ (الْفَجْرِ) الصَّادِقِ الَّذِي هُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فَإِنْ رَكَعَهُمَا قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تُجْزِي إنْ تَبَيَّنَّ تَقَدُّمُ إحْرَامِهَا لِلْفَجْرِ وَلَمْ يَتَحَرَّ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَّ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِهِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ أَنَّهَا تُجْزِي، وَهُوَ كَذَلِكَ مَعَ التَّحَرِّي، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُجْزِي وَلَوْ تَبَيَّنَّ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِهِ، فَ الْمُصَنِّفُ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ وَقْتُهَا وَلَمْ يَنُصَّ هُنَا عَلَى حُكْمِهَا لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابٍ جَمَلَ فِي الْقَوْلَيْنِ بِالسُّنِّيَّةِ وَالرَّغِيبَةِ، وَاقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: وَهِيَ رَغِيبَةٌ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَفَاوُتُ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّ ثَوَابَ السُّنَّةِ أَوْفَى مِنْ ثَوَابِ الرَّغِيبَةِ، وَفِعْلَ السُّنَّةِ فِي الْمَسْجِدِ
وَلَا يَجْهَرُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سِرًّا وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا سِرًّا، وَيَتَشَهَّدُ فِي الْجَلْسَةِ الْأُولَى إلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَقُومُ فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى
[الفواكه الدواني]
أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ بِخِلَافِ الرَّغِيبَةِ، وَكُلٌّ مِنْ السُّنَّةِ وَالرَّغِيبَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ تَخُصُّهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) فَقَطْ (وَيُسِرُّهَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ سِرًّا لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ فِيهِمَا حَتَّى أَقُولَ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟» رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَدَلِيلُ هَذَا أَظْهَرُ مِنْ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ هَذَا نَصَّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةً بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ دَلِيلُهُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ إنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ، وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الْإِسْرَاعُ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالسُّورَةِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ (فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ أَنَّهُ مِمَّا جَرَّبَ لِدَفْعِ الْمَكَارِهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ " بِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَك " وَ " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ".
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ وَسَائِلِ الْحَاجَاتِ وَآدَابِ الْمُنَاجَاةِ: وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّالِحِينَ وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِ " أَلَمْ نَشْرَحْ " وَ " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ " قَصُرَتْ عَنْهُ كُلُّ يَدٍ عَادِيَةٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَيْهِ سَبِيلًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ اهـ مِنْ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفِيلِ لِسَيِّدِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيِّ.
(خَاتِمَةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ، مِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهُمَا بِبَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُعِيدُهُمَا وَلَا يُصَلِّي تَحِيَّةً بَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصُّبْحُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ صَلَاتِهِمَا يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَقْضِيهِمَا بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَلَا يَفْعَلُهُمَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُطَوِّلُ بِحَيْثُ يُحْرِمُ مَعَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ لِخَبَرِ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لَفِعْلِهِمَا، بِخِلَافِ الْوِتْرِ تُقَامُ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَى مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْرُجُ لِيَرْكَعَهَا حَيْثُ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ، وَمِثْلُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامُ إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَيْهِ قَبْلَ صَلَاتِهِ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِالصُّبْحِ وَلَا يَسْكُتُ الْمُؤَذِّنُ بِخِلَافِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يَسْكُتُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَفْعَلَهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوِتْرِ أَنَّ الْفَجْرَ يُقْضَى بَعْدَ الصُّبْحِ بِخِلَافِ الْوِتْرِ، وَمِنْهَا: لَوْ أُقِيمَتْ الصُّبْحُ عَلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ قَبْلَ فِعْلِهِمَا فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُمَا خَارِجَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وَمِنْهَا: لَوْ نَامَ عَنْ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ صَلَّاهُمَا بَعْدَ حَلِّ النَّافِلَةِ، هَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُصَلِّي الصُّبْحَ خَاصَّةً ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ، وَمُقَابِلُهُ لِأَشْهَبَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُصَلِّيهِمَا مَعَ الصُّبْحِ قَائِلًا: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَاهُنَّ يَوْمَ الْوَادِي، وَقَالَ أَشْهَبُ: بَلَغَنِي وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جَرَى خِلَافٌ فِي قَضَائِهِمَا يَوْمَ الْوَادِي، وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَضَاهُمَا فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى شَيْئًا مِنْ التَّطَوُّعَاتِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَقْضِي غَيْرَ فَرْضٍ إلَّا هِيَ فَلِلزَّوَالِ، وَمِثْلُ مَنْ نَامَ عَنْهُمَا مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ نَاسِيًا لَهُمَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ (الْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ مِنْ) جِهَةِ (الطِّوَالِ) بِنَاءً عَلَى تُسَاوِيهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ (أَوْ) أَيْ وَقِيلَ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ (دُونَ ذَلِكَ) الْمَقْرُوءِ فِي الصُّبْحِ (قَلِيلًا) أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ صُبْحٍ وَالظُّهْرُ تَلِيهَا أَيْ تَقْرُبُ مِنْهَا فِي الطُّولِ، فَإِنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ مَثَلًا فِي الصُّبْحِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْجُمُعَةِ وَالصَّفِّ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ التَّطْوِيلُ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ لِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ التَّطْوِيلَ لَا الْإِمَامُ لِغَيْرِ مَحْصُورِينَ أَوْ غَيْرِ مَحْصُورِينَ لَا يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ فَيُكْرَهُ لِخَبَرِ: «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» . (وَلَا يُجْهَرُ فِيهَا) أَيْ يُكْرَهُ أَنْ يُجْهَرَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ (بِشَيْءٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ) لَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا (وَ) إنَّمَا (يَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْهَا (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سِرًّا وَ) كَذَا يَقْرَأُ (فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا سِرًّا) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْإِسْرَارَ فِي الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا سُنَّةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَمِثْلُهَا السُّورَةُ إلَّا أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَسُنَّةٌ خَفِيفَةٌ فِي السُّورَةِ، فَلَوْ
يَسْتَوِيَ قَائِمًا هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَبَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ يَقُومُ الْمَأْمُومُ أَيْضًا فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ، وَيَفْعَلُ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ مِنْ صِفَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الصُّبْحِ
وَيَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
وَيُسْتَحَبُّ مِثْلُ ذَلِكَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ
وَيَفْعَلُ فِي الْعَصْرِ
[الفواكه الدواني]
خَالَفَ وَأَبْدَلَ السِّرَّ بِأَعْلَى الْجَهْرِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ وَلَوْ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ فِي السُّورَةِ لَكِنْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَا عَكْسُهُ لَوْ أَسَرَّ فِي مَحَلِّ الْجَهْرِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلُ لَكِنْ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَا وَقَعَتْ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ كَالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي السُّورَةِ فَقَطْ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَا سُجُودَ، وَهَذَا حُكْمُ الْمُخَالَفَةِ سَهْوًا، وَفَاتَ التَّدَارُكُ بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ جَهَرَ فِي مَحَلِّ السِّرِّ أَوْ أَسَرَّ فِي مَحَلِّ الْجَهْرِ قَبْلَ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ عَلَى سُنَّتِهَا وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ حَيْثُ حَصَلَ ذَلِكَ فِي سُورَةٍ، وَأَمَّا فِي الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا لَوْ كَرَّرَ أُمَّ الْقُرْآنِ سَهْوًا، وَأَمَّا لَوْ خَالَفَ السُّنَّةَ عَمْدًا فَأَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: بُطْلَانُ الصَّلَاةِ وَعَدَمُ بُطْلَانِهَا وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَالثَّالِثُ يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قَالَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا مَعَ عَدَمِ تَوَهُّمِهِ لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ السُّورَةَ تُزَادُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ كَالْأُولَيَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَرَاهَةُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مَعَ الرُّبَاعِيَّة كَالثَّالِثَةِ مِنْ الثُّلَاثِيَّةِ، وَحُجَّةُ الْمَشْهُورِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» .
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي الْجَلْسَةِ الْأُولَى) بِأَنْ يَقُولَ التَّحِيَّاتُ (إلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ نَدْبِ التَّقْصِيرِ وَكَرَاهَةِ التَّطْوِيلِ فِي الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ.
(ثُمَّ يَقُومُ) بَعْدَ فَرَاغِ التَّشَهُّدِ (فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) ؛ لِأَنَّهُ فِي قِيَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ كَالْمُفْتَتِحِ لِصَلَاةٍ بِخِلَافِ الْقِيَامِ بَعْدَ الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ يُسْتَحَبُّ تَعْمِيرُ الرُّكْنِ بِالتَّكْبِيرِ، فَيُكَبِّرُ فِي الشُّرُوعِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُصَلِّي (وَحْدَهُ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَبَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ) بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ (يَقُومُ الْمَأْمُومُ أَيْضًا) سَاكِتًا (فَإِذَا اسْتَوَى) أَيْ اسْتَقَلَّ (قَائِمًا كَبَّرَ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَلِذَا يَقُومُ بَعْدَ اسْتِقْلَالِ إمَامِهِ، وَلَوْ قَامَ فِي أَثْنَاءِ تَشَهُّدِهِ بِتَرْكِهِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: كَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَيَتَشَهَّدُ فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى إلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(وَيَفْعَلُ فِي بَقِيَّةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ صِفَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَحَالَ تَشَهُّدِهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ وَتَقْدِيمِهَا عِنْدَ هَوِيِّهِ لِلسُّجُودِ (نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي) صِفَةِ صَلَاةِ (الصُّبْحِ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَّصِلُ بِالظُّهْرِ مِنْ النَّوَافِلِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا) أَيْ الظُّهْرِ وَبَعْدَ الْفَصْلِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَارِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَرَدَ التَّحْدِيدُ بِأَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ إمَامَنَا فَرَضَهُ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الثَّوَابِ الْمَخْصُوصِ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الصَّلَاةِ فَيُصَلِّ وَلَوْ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فَلَا إشْكَالَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ» .
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) قَبْلَهَا أَيْ الظُّهْرِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُ يَوْمِهِ ذَلِكَ» وَإِنَّمَا قَالَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ عَدَمُ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى» وَلَفْظُ الْمُوَطَّإِ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ نَدْبِ السَّلَامِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ لَوْ سَهَا وَقَامَ لِثَالِثَةٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَبْلَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهَا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ عَقْدِهَا تَمَادَى وَصَلَّاهَا أَرْبَعًا كَانَتْ نَافِلَةَ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالتَّمَادِي وَالسُّجُودِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: إنَّمَا ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ لِمَا فِي التَّمَادِي مِنْ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَالسُّجُودُ مُرَاعَاةٌ لِمَذْهَبِنَا، وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِخَامِسَةٍ فِي النَّفْلِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِزِيَادَةِ مِثْلِهَا سَهْوًا فَكَيْفَ يَرْجِعُ مُطْلَقًا؟ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّفَلِ الْمَحْدُودِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ لِمُرِيدِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَنْ يَفْعَلَ (مِثْلَ ذَلِكَ) النَّفْلِ الْكَائِنِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) لِخَبَرِ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» وَدُعَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَمَا وَصَفْنَا فِي الظُّهْرِ سَوَاءً، إلَّا أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِالْقِصَارِ مِنْ السُّوَرِ مِثْلُ وَالضُّحَى وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ وَنَحْوِهِمَا
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهَا وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ السُّوَرِ الْقِصَارِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَيَتَشَهَّدُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ تَنَفَّلَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ فَحَسَنٌ وَالتَّنَفُّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا فَكَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي
[الفواكه الدواني]
مُسْتَجَابٌ، فَإِذَا صَلَّى دَخَلَ فِي دُعَائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَشْغُولٌ بِأَمْرِ الدُّنْيَا فَتَنْفِرُ نَفْسُهُ مِنْ الْعِبَادَةِ أَشَدَّ نُفُورٍ، فَأَمَرَ بِصَلَاةِ أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ لِتَتَأَنَّسَ نَفْسُهُ وَيَحْضُرَ قَلْبُهُ فَيَأْلَفَ الْعِبَادَةَ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَرَائِضِ فَلِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ لِمَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ نَقَصَ مِنْهَا، وَمَعَ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَفَّلَ الْإِنْسَانُ بِقَصْدِ إنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ يَكُونُ هَذَا جَابِرًا لَهُ لِكَرَاهَةِ تِلْكَ النِّيَّةِ.
قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ أَنْ يَتَنَفَّلَ وَيَقُولَ أَخَافُ أَنِّي نَقَصْت مِنْ الْفَرِيضَةِ وَمَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ يَفْعَلُهُ.
(وَيَفْعَلُ فِي) صَلَاةِ (الْعَصْرِ كَمَا وَصَفْنَا فِي الظُّهْرِ) حَالَةَ كَوْنِهِمَا (سَوَاءً) أَيْ مُسْتَوِيَتَيْنِ فِي الْإِسْرَارِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَكُلِّ مَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنَّهُ) يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) مَعَ الْعَصْرِ (مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِالْقِصَارِ مِنْ السُّوَرِ) الْمُشَارِ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ وَالضُّحَى وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ وَنَحْوِهِمَا) إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، فَلَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ بِسُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ تَرَكَهَا وَقَرَأَ قَصِيرَةً، وَسَكَتَ عَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا لِكَرَاهَتِهِ بَعْدَ فِعْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَحُرْمَتِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ،
وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مُخَالِفَةً لِصِفَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنْ جِهَةِ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ أَتَى بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ فَقَالَ: (وَأَمَّا) صَلَاةُ (الْمَغْرِبِ فَيَجْهَرُ) اسْتِنَانًا (بِالْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهَا) وَيُسِرُّ فِي الثَّالِثَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
(وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْأُولَيَيْنِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ السُّوَرِ الْقِصَارِ) لِضِيقِ وَقْتِهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ يَقْرَأُ فِيهِمَا مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْصِيرُهَا بِمَغْرِبٍ وَعَصْرٍ، وَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِآلِ عِمْرَانَ» فَقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَرَفَ مِمَّنْ خَلْفَهُ الرِّضَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ التَّخْفِيفُ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ عَنْ قِرَاءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالسُّورَةِ الطَّوِيلَةِ مَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: مِنْ أَنَّ التَّضْيِيقَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلشُّرُوعِ فِيهَا فَقَطْ.
(وَ) يَقْرَأُ (فِي الثَّالِثَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ) أَيْ فَحَسْبُ زَادَهُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِ بِزِيَادَةِ سُورَةٍ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الثَّالِثَةِ كَالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8] فَهُوَ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ يُحْفَظُ وَلَا يُتَّبَعُ، وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: يُسَنُّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِارْتِدَادِ فِي زَمَنِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمَا أَجَابَ بِهِ الْبَاجِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ فَغَيْرُ صَوَابٍ لِكَرَاهَةِ الدُّعَاءِ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَهَا، وَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ (وَيَتَشَهَّدُ) وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَشَهُّدِ الصُّبْحِ (وَيُسَلِّمُ) عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا مِنْ أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّسْلِيمَةِ عَلَى قُبَالَةِ وَجْهِهِ وَتَيَامُنِهِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ بِحَيْثُ تَرَى صَفْحَةَ وَجْهِهِ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَيُسَلِّمُهَا عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ.
(وَ) إذَا أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَارِ بَعْدَ سَلَامِهَا (يُسْتَحَبُّ) لَهُ (أَنْ) هـ (يَتَنَفَّلَهُ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ) لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ «أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ» وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي جَامِعِهِ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ كُتِبَتَا فِي عِلِّيِّينَ» وَيَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ بِهِمَا لِمَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ وَرَزِينٌ فِي جَامِعِهِ: «تَعَجَّلُوا الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُمَا يُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ» .
(وَمَا زَادَ) عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ (فَهُوَ خَيْرٌ) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا، فَفِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . (وَإِنْ تَنَفَّلَ) بَعْدَهَا (بِسِتِّ رَكَعَاتٍ فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» قِيلَ مِنْ عِبَادَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَوَرَدَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» وَوَرَدَ: «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ غُفِرَتْ لَهُ بِهَا ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً» .
(تَنْبِيهٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ تَنَفَّلَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ فَحَسَنٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحْدُودِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا عَلَى قَوْلِهِ: وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ ذِكْرُ الْمَحْدُودِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَعْقُبُهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ، وَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ أَنَّ التَّحْدِيدَ غَيْرُ شَرْطٍ إلَّا فِي الثَّوَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَ) بِالْجُمْلَةِ (التَّنَفُّلُ
غَيْرِهَا
وَأَمَّا الْعِشَاءُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ الْعَتَمَةُ وَاسْمُ الْعِشَاءِ أَخَصُّ بِهَا وَأَوْلَى فَيَجْهَرُ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِرَاءَتُهَا أَطْوَلُ قَلِيلًا مِنْ قِرَاءَةِ الْعَصْرِ وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي سَائِرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْفِ
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي يُسِرُّ بِهَا فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا هِيَ
[الفواكه الدواني]
بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ) أَيْ حَضَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ لِمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَصَلَاةُ الْغَفْلَةِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ بِمُلَاغَاةِ النَّهَارِ وَتُهَذِّبُ آخِرَهُ» أَيْ تَطْرَحُ مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْبَاطِلِ وَاللَّهْوِ وَتُصَفِّي آخِرَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَعَمْ سَاعَةُ الْغَفْلَةِ يَعْنِي الصَّلَاةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّيْت مَعَهُ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى إلَى الْعِشَاءِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
(وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْجَهْرِ وَالْقِرَاءَةِ مِنْ الْقِصَارِ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ التَّنَفُّلِ مِمَّا هُوَ (مِنْ شَأْنِهَا) أَيْ الْمَغْرِبِ كَالتَّكْبِيرِ وَالْجُلُوسِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ فِيهَا (فَ) حُكْمُهَا فِيهِ (كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِهَا) مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى بَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ،
وَلَمَّا كَانَتْ الْعِشَاءُ تُخَالِفُ الْمَغْرِبَ فِي الْقِرَاءَةِ زِيَادَةَ رَكْعَةٍ أَتَى بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ فَقَالَ: (وَأَمَّا الْعِشَاءُ) بِالْمَدِّ (الْأَخِيرَةُ) احْتِرَازٌ مِنْ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْعِشَاءِ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيبِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُسَمَّ بِهِ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا (وَهِيَ الْعَتَمَةِ) فَلَهَا اسْمَانِ (وَ) لَكِنْ (اسْمُ الْعِشَاءِ أَخَصُّ) وَفِي نُسْخَةٍ أَحَقُّ (بِهَا وَأَوْلَى) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ تَسْمِيَتِهَا بِالْعَتَمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَهُمَا ضَعِيفَانِ بَلْ لَا وَجْهَ لِلْحُرْمَةِ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَتْ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَعَلَى فَرْضِ وُرُودِ التَّسْمِيَةِ بِهَا أَيْ مَحْظُورٌ تَرَتَّبَ عَلَى تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ وَجُمْلَةٌ وَهِيَ الْعَتَمَةُ وَكَذَا جُمْلَةٌ وَاسْمُ الْعِشَاءِ أَحَقُّ بِهَا اعْتِرَاضٌ بَيِّنٌ، أَمَّا فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا الْعِشَاءُ وَجَوَابُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَيَجْهَرُ فِي الْأُولَيَيْنِ) مِنْهَا (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْهَا لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، فَإِنْ خَالَفَ وَأَسَرَّ أَعَادَ الْقِرَاءَةَ عَلَى سُنَّتِهَا إنْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ إنْ أَعَادَ الْفَاتِحَةَ لَا السُّورَةَ فَقَطْ إلَّا مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ فَاتَ التَّدَارُكُ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ كَمَا يَأْتِي فِي السَّهْوِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ (قِرَاءَتُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِسُورَةٍ (أَطْوَلُ) طُولًا (قَلِيلًا مِنْ قِرَاءَةِ الْعَصْرِ) فَتَكُونُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ قِرَاءَةِ الظُّهْرِ وَقِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ، فَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " " وَالشَّمْسِ " وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَطْوَلَ الصَّلَاةِ قِرَاءَةً الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ قَرِيبَةٌ مِنْهَا فِي الطُّولِ، وَأَقْصُرَهَا الْمَغْرِبُ وَيَقْرُبُ مِنْهَا فِي الْقِصَرِ الْعَصْرُ، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَمُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فَيَقْرَأُ فِيهَا: بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَسُورَةِ وَالشَّمْسِ، هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ الَّذِي نَقَلَهُ الْأَئِمَّةُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ صُبْحٍ وَالظُّهْرُ تَلِيهَا وَتَقْصِيرُهَا لِمَغْرِبٍ وَعَصْرٍ كَتَوَسُّطٍ بِعِشَاءٍ، تَقَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّ النَّدْبِ التَّطْوِيلُ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ لِمَنْ يَرْضَى بِالتَّطْوِيلِ.
(وَ) يَقْرَأُ (فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ) وَحْدَهَا (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْهَا (سِرًّا) وَلَا يَزِيدُ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي زِيَادَةِ سُورَةٍ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ (ثُمَّ يَفْعَلُ فِي سَائِرِهَا) أَيْ فِي بَاقِي أَفْعَالِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْفِ) فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنَبِّهُ عَلَى مَا تُخَالِفُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَوَاتِ غَيْرَهَا، فَأَمَّا مَا تَتَوَافَقُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ فَقَدْ عُلِمَ بَيَانُهُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَخْلَصَهُ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ صِفَةَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَوَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا كَمَالَ بَعْدَهُ، وَلِذَا نَصَّ بَعْضُ شُرَّاحِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى صِفَةِ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ، وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ فَرْضَهَا مِنْ سُنَّتِهَا، وَهَا هُنَا قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَوَاتِ.
(وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ إبَّانَ النَّوْمِ، فَإِذَا نَامَ قَبْلَ فِعْلِهَا رُبَّمَا يُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا (وَ) يُكْرَهُ (الْحَدِيثُ) الْمُبَاحُ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاتِهَا (لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَإِنَّمَا كُرِهَ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا مَخَافَةَ النَّوْمِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَقَبْلَ صَلَاتِهَا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى مَعَهُ فَوَاتُهَا كَالنَّوْمِ قَبْلَهَا، كَمَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بَعْدَهَا إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ كَالْعِلْمِ أَوْ مَعَ الضَّيْفِ أَوْ الْعَرُوسِ، وَكَذَا كُلُّ مَا خَفَّ، وَكَذَا يُكْرَهُ السَّهَرُ بِلَا كَلَامٍ خَوْفَ تَفْوِيتِ الصُّبْحِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ كُلِّهِ لِمَنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّوْمِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُهُ حَرَامًا، نَعَمْ وَرَدَ أَنَّ الْأَرْضَ عَجَّتْ مِنْ نَوْمِ الْعُلَمَاءِ بِالضُّحَى مَخَافَةَ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ، وَمَا وَرَدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصُّبْحَةُ تَمْنَعُ بَعْضَ الرِّزْقِ» فَحَدِيثٌ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ
بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِالتَّكَلُّمِ بِالْقُرْآنِ، وَأَمَّا الْجَهْرُ فَأَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ إنْ كَانَ وَحْدَهُ، وَالْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ فِي الْجَهْرِ
وَهِيَ فِي هَيْئَةِ صَلَاتِهَا مِثْلُهُ غَيْرَ أَنَّهَا تَنْضَمُّ وَلَا تَفْرُجُ فَخِذَيْهَا وَلَا عَضُدَيْهَا وَتَكُونُ مُنْضَمَّةً مُنْزَوِيَةً فِي جُلُوسِهَا وَسُجُودِهَا وَأَمْرِهَا كُلِّهِ
ثُمَّ يُصَلِّي الشَّفْعَ وَالْوِتْرَ جَهْرًا
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ الْإِجْهَارُ وَفِي نَوَافِلِ النَّهَارِ
[الفواكه الدواني]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: النَّوْمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: نَوْمُ خُرْقٍ وَنَوْمُ خُلْقٍ وَنَوْمُ حُمْقٍ، فَالْخُرْقُ نَوْمَةُ الصَّبْحَى يَقْضِي النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ وَهُوَ نَائِمٌ، وَنَوْمَةُ خُلْقٍ نَوْمَةُ الْقَائِلَةِ، وَنَوْمَةُ حُمْقٍ النَّوْمُ حِينَ تَحْضُرُ الصَّلَاةُ،
وَلَمَّا بَيَّنَ مَا يُقْرَأُ فِيهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ سِرًّا وَمَا يُقْرَأُ فِيهَا جَهْرًا بَيَّنَ حَقِيقَةَ كُلٍّ بِقَوْلِهِ: (وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي يُسِرُّ بِهَا فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا) بِالرَّفْعِ تَوْكِيدٌ لِلْقِرَاءَةِ الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً (هِيَ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِالتَّكَلُّمِ) أَيْ فِي التَّلَفُّظِ (بِالْقُرْآنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَفَاتِحَةٌ بِحَرَكَةِ لِسَانٍ وَهَذَا أَقَلُّ السِّرِّ وَأَعْلَاهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا إجْرَاءُ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ لِسَانِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ إذْ لَا يُعَدُّ قِرَاءَةً، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا يَقْرَأُ بِهِ كَمَا لَا يَبَرُّ الْحَالِفُ لَيَقْرَأَنَّ السُّورَةَ الْفُلَانِيَّةَ بِإِجْرَائِهَا عَلَى قَلْبِهِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِالتَّكَلُّمِ الْقُرْآنُ عَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ بِنَحْوِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَلَا يَكْفِيهِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِنَسْخِهَا بِالْقُرْآنِ، أَوْ لِأَنَّهَا غُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، أَوْ لِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُصَلِّ إلَّا بِالْقُرْآنِ، لَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ بِالتَّكَلُّمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْقُرْآنَ حَادِثٌ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ وَالْقَدِيمُ مَدْلُولُهُ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْقُرْآنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَةِ ذَاتِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْقِرَاءَةُ إلَى قَوْلِهِ.
هِيَ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ مَا يُطْلَبُ بِهِ الْإِسْرَارُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ كَتَسْلِيمِ الْمَأْمُومِ لِلرَّدِّ وَكَتَكْبِيرِ غَيْرِ الْإِمَامِ لِغَيْرِ الْإِحْرَامِ لَيْسَ كَالْقُرْآنِ اهـ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ فِي الْجَمِيعِ مِنْ حَرَكَةِ اللِّسَانِ عَلَى مَا يَظْهَرُ، إذْ مُجَرَّدُ الْإِجْرَاءِ عَلَى الْقَلْبِ لَا حُكْمَ لَهُ فِي قِرَاءَةٍ وَلَا ذِكْرٍ وَلَا أَدْعِيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا الْجَهْرُ) أَيْ أَقَلُّهُ الَّذِي يُسَنُّ فِعْلُهُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَأُولَتَيْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (فَ) هُوَ (أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ) أَنْ لَوْ كَانَ (إنْ كَانَ) صَلَّى (وَحْدَهُ) وَأَمَّا أَعْلَاهُ فَلَا حَدَّ لَهُ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَالْمَطْلُوبُ فِي حَقِّهِ الزِّيَادَةُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْمَأْمُومِ لِإِسْمَاعِ الْمَأْمُومِينَ لَا خُصُوصَ مَنْ يَلِيهِ بِحَيْثُ يُسْتَغْنَى عَنْ الْمُسْمِعِ، وَإِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فَفِي الْمُوَطَّإِ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُسْمَعُ قِرَاءَتُهُ فِي دَارِ أَبِي جَهْمٍ بِالْبَلَاطِ مَوْضِعٍ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ إنْ طَلَبَ مَحَلَّ الْجَهْرِ حَيْثُ كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَخْلِيطٌ عَلَى الْغَيْرِ، وَإِلَّا نَهَى عَمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّخْلِيطُ وَلَوْ أَدَّى إلَى إسْقَاطِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْتَكَبُ مُحَرَّمٌ لِتَحْصِيلِ سُنَّةٍ (وَ) أَمَّا (الْمَرْأَةُ) فَهِيَ (دُونَ الرَّجُلِ فِي الْجَهْرِ) بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا تُسْمِعُ مَنْ يَلِيهَا فَيَكْفِيهَا حَرَكَةُ لِسَانِهَا، فَالْجَهْرُ فِي حَقِّهَا كَالسِّرِّ فَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهَا الْجَهْرُ بَلْ تُنْهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ حَالَتِهَا فِي الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ طُرُوَّ أَحَدٍ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَذَانِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لِلضَّرُورَةِ.
(وَهِيَ فِي هَيْئَةِ) أَيْ صِفَةِ (صَلَاتِهَا) مِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ الرَّجُلِ (غَيْرَ أَنَّهَا) يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ (تَنْضَمَّ) أَيْ تَنْكَمِشَ (وَلَا تَفْرُجُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِتَنْضَمَّ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ إسْقَاطَ الْوَاوِ وَيَقُولُ بَعْدَ تَنْضَمُّ لَا تَفْرُجُ (فَخِذَيْهَا وَلَا عَضُدَيْهَا وَ) إنَّمَا (تَكُونُ مُنْضَمَّةً مُنْزَوِيَةً) تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِمَا قَبْلَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ الْحَالَةَ الَّتِي تَنْضَمُّ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (فِي جُلُوسِهَا وَسُجُودِهَا وَأَمْرِهَا كُلِّهِ) يَدْخُلُ فِيهِ الرُّكُوعُ فَلَا تَجْنَحُ كَالرَّجُلِ، وَكَلَامُهُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ: وَتُجَافِي ضَبْعَيْك عَنْ جَنْبَيْك فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: وَأَمْرُهَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَجْلِسُ عَلَى وَرِكِهَا الْأَيْسَرِ وَفَخِذِهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، تَضُمُّ بَعْضَهُمَا لِبَعْضٍ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ جُلُوسُهَا كَالرَّجُلِ فَسَوَّى فِيهَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْجُلُوسِ بِإِفْضَاءِ الْيُسْرَى لِلْأَرْضِ وَالْيُمْنَى عَلَيْهَا فَيَصِيرُ قُعُودُهَا عَلَى أَلْيَتِهَا الْيُسْرَى وَلَا تَقْعُدُ عَلَى رِجْلِهَا الْيُسْرَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَارِ (يُصَلِّي الشَّفْعَ) وَأَقَلُّ مَا يَنْدُبُ مِنْهُ رَكْعَتَانِ (وَ) يُصَلِّي (الْوَتْرِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ آكَدُ السُّنَنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوَتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ ثُمَّ عِيدٌ ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ وَوَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ، إنَّمَا كَانَ آكَدَ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ مُسْتَدِلِّينَ بِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَدَلِيلُنَا عَلَى السُّنِّيَّةِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِلسَّائِلِ عَنْ الْإِسْلَامِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فَنَفَى الْوُجُوبَ عَنْ غَيْرِ الْخَمْسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَالْمَنْدُوبُ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ بِسَلَامٍ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ فَلَا كَرَاهَةَ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الشَّفْعَ وَبِالْأَخِيرَةِ الْوَتْرَ، وَإِنْ نَوَى الْإِمَامُ بِالْجَمِيعِ الْوَتْرَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ابْتِدَاءً أَنَّهُ وَاصِلٌ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ نِيَّةَ الْوِتْرِ عِنْدَ قِيَامِ الْإِمَامِ لَهَا
الْإِسْرَارُ إنْ جَهَرَ فِي النَّهَارِ فِي تَنَفُّلِهِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ
وَأَقَلُّ الشَّفْعِ رَكْعَتَانِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يُصَلِّي الْوِتْرَ رَكْعَةً يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَإِنْ زَادَ مِنْ الْإِشْفَاعِ جَعَلَ آخِرَ ذَلِكَ الْوِتْرَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ
[الفواكه الدواني]
مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَإِذَا دَخَلَ مَعَ الْوَاصِلِ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الشَّفْعَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَيْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِسَلَامٍ وَلَا جُلُوسٍ بَيْنَهُمَا، وَيَقْرَأُ فِيهِمَا بِمَا يَقْرَأُ بِهِ فِيهِمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، وَيُلْغَزُ بِهَا وَيُقَالُ شَخْصٌ صَلَّى الشَّفْعَ بَعْدَ الْوَتْرِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ بِسَلَامِهِ بَلْ يَقُومُ لِلثَّالِثَةِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ تَبَعًا لِوَصْلِ إمَامِهِ، نَعَمْ تَرَدَّدَ الْأُجْهُورِيُّ فِيمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ هَلْ يَنْوِي بِهِ رَكْعَةَ الْقَضَاءِ أَوْ يَنْوِي بِهِ الْوِتْرَ مُحَاذَاةً لِلْإِمَامِ؟ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) . الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ وَقْتِهِ عَنْ خَلِيلٍ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ الْعِشَاءَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ لِضَرُورَةٍ كَالْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ لَا يُصَلِّي الْوَتْرَ إلَّا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ لَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَضَرُورِيُّهُ مِنْهُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ عَقْدِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، وَأَمَّا قَبْلَ عَقْدِهَا فَيَنْدُبُ قَطْعُهَا لَهُ لِلْفَذِّ.
وَفِي الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَقْطَعُ الصُّبْحَ لِلْوَتْرِ وَفِعْلُهُ فِي الضَّرُورِيِّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَكْرُوهٌ
1 -
الثَّانِي: مَنْ أَعَادَ الْعِشَاءَ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ يُعِيدُ الْوَتْرَ، وَمِثْلُهُ مَنْ صَلَّاهَا بِنَجَاسَةٍ وَأَعَادَهَا لِأَجْلِ صَلَاتِهَا بِنَجَاسَةٍ نَاسِيًا وَأَحْرَى مَنْ أَعَادَهَا لِظُهُورِ بُطْلَانِهَا يُعِيدُ الْوَتْرَ، بِخِلَافِ مُعِيدِ الْعِشَاءِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ جَهْلًا أَوْ عَمْدًا لَا يُعِيدُهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ تَخُصُّهُ كَالْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمَسْنُونَاتِ وَالرَّغَائِبَ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ نِيَّةٍ تَخُصُّهَا، بِخِلَافِ مُطْلَقِ التَّطَوُّعَاتِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ فَيَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الْفِعْلِ.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِنْ أَنَّ وَقْتَهُمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الصَّحِيحَةِ وَالشَّفَقِ الْأَحْمَرِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ (جَهْرًا) لَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهُ فِي الْوِتْرِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَتَأَكَّدَ بِوِتْرٍ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ كَمَا يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (يُسْتَحَبُّ فِي) بَاقِي (نَوَافِلِ اللَّيْلِ الْإِجْهَارُ) لَكِنَّ التَّشْبِيهَ غَيْرُ تَامٍّ لِمَا عَلِمْت مِنْ تَأَكُّدِهِ فِي الْوِتْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ نَوَافِلِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا تُؤَكَّدُ فِيهَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالصِّفَةُ تَشْرُفُ بِشَرَفِ مَوْصُوفِهَا.
(وَ) أَمَّا الْقِرَاءَةُ (فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ) فَالْمُسْتَحَبُّ فِيهَا (الْإِسْرَارُ) اتِّبَاعًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ وَلَيْسَ بِحَدِيثٍ.
(وَإِنْ) خَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ بِأَنْ (جَهَرَ فِي النَّهَارِ فِي تَنَفُّلِهِ) أَوْ أَسَرَّ فِي اللَّيْلِ فِي تَنَفُّلِهِ (فَذَلِكَ وَاسِعٌ) أَيْ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَالْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ الْجَهْرِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْإِسْرَارِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ تَقَعُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُظْلِمَةِ فَيُنَبِّهُ الْقَارِئُ بِجَهْرِهِ الْمَارَّةَ، وَلِلْأَمْنِ مِنْ لَغْوِ الْكَافِرِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ لِاشْتِغَالِهِ غَالِبًا فِي اللَّيْلِ بِالنَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ الْجَهْرَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِحُضُورِ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى فَأَمَرَ الْقَارِئَ بِالْجَهْرِ لِيَسْمَعُوهُ فَيَحْصُلُ لَهُمْ الِاتِّعَاظُ بِسَمَاعِهِ.
[وَأَقَلُّ الشَّفْعِ]
(وَأَقَلُّ الشَّفْعِ رَكْعَتَانِ) وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) مِنْهُ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَ) يَقْرَأُ (فِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ) سُورَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهَا يَجْلِسُ (وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فَصْلُهُ عَنْ الْوِتْرِ، وَيُكْرَهُ وَصْلُهُ كَمَا قَدَّمْنَا.
(ثُمَّ يُصَلِّي الْوِتْرَ رَكْعَةً) وَاحِدَةً وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقْرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحُهَا خَطَأٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ: «أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سُئِلَتْ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَتْ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَةِ: بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ.
وَفِي الثَّالِثَةِ: بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» . وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ بِهَذِهِ السُّوَرِ كَانَ لَهُ حِزْبٌ أَمْ لَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَخَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَالَ: إلَّا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ فَمِنْهُ، وَبَحَثَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ غَازِيٍّ قَائِلًا: تَبِعَ خَلِيلٌ فِي تَقْيِيدِهِ بَحْثَ الْمَازِرِيِّ وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ الْعُدُولُ عَنْ نَقْلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَلَوْ لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، وَأَيْضًا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِيمَنْ لَهُ حِزْبٌ وَغَيْرُهُ، فَلِلَّهِ دُرُّ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ تَرَكَ التَّقْيِيدَ.
(فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) أَحَدُهَا: إنْ لَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْوَتْرِ أَوْ فِي ثَانِيَةِ الشَّفْعِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا ثَانِيَةَ الشَّفْعِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَنْ شَكَّ أَصَلَّى وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
ثَانِيهَا: إنْ شَكَّ أَهُوَ فِي ثَانِيَةِ الشَّفْعِ أَوْ أُولَاهُ أَوْ فِي الْوَتْرِ؟ جَعَلَهَا أُولَى الشَّفْعِ وَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الْوَتْرَ بَعْدَ ذَلِكَ.
ثَالِثُهَا: مَنْ زَادَ رَكْعَةً فِي الْوِتْرِ سَهْوًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ.
رَابِعُهَا: مَنْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِ وِتْرِهِ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ شَفْعِهِ فَإِنَّهُ يُشَفِّعُ وِتْرَهُ بِنِيَّةِ الشَّفْعِ، وَلَا يَضُرُّ إحْدَاثُ هَذِهِ النِّيَّةِ ثُمَّ يَسْجُدُ لِزِيَادَةِ الْجُلُوسِ الَّذِي كَانَ يُسَلِّمُ بَعْدَهُ ثُمَّ يُوتِرُ.
خَامِسُهَا: إذَا شَكَّ هَلْ شَفَّعَ وِتْرَهُ؟ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قِيلَ يُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيُجْزَ بِهِ، وَقِيلَ يَسْجُدُ
اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَقِيلَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ
وَأَفْضَلُ اللَّيْلِ آخِرُهُ فِي الْقِيَامِ فَمَنْ أَخَّرَ تَنَفُّلَهُ وَوِتْرَهُ إلَى آخِرِهِ فَذَلِكَ أَفْضَلُ إلَّا مَنْ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَنَبَّهَ فَلْيُقَدِّمْ وِتْرَهُ مَعَ مَا يُرِيدُ مِنْ النَّوَافِلِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ إذَا اسْتَيْقَظَ فِي آخِرِهِ تَنَفَّلَ مَا شَاءَ مِنْهَا مَثْنَى مَثْنَى
وَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ
وَمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ عَنْ حِزْبِهِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ، ثُمَّ يُوتِرُ وَيُصَلِّي الصُّبْحَ
وَلَا يَقْضِي الْوِتْرَ مَنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الصُّبْحَ
وَمَنْ دَخَلَ
[الفواكه الدواني]
وَيَأْتِي بِوَتْرٍ آخَرَ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَإِنْ زَادَ) مُصَلِّي الشَّفْعِ (مِنْ الْإِشْفَاعِ) عَلَى أَقَلِّهِ وَهُوَ رَكْعَتَانِ (جَعَلَ) نَدْبًا (آخَرَ ذَلِكَ) الَّذِي صَلَّاهُ (الْوَتْرَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» .
(وَ) لِمَا رُوِيَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ» أَيْ فِيهِ «اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» ، وَقِيلَ كَمَا رُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي «عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَسَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا «أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ» فَتَارَةً اعْتَبَرْتهمَا مِنْ الْوَرْدِ فَجَعَلْته اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَتَارَةً لَمْ تَعْتَبِرْهُمَا لِأَنَّهُمَا لِلْوُضُوءِ، وَلَحِلّ عُقْدَةِ الشَّيْطَانِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَقِيلَ: كَانَ قِيَامُهُ مِنْ اللَّيْلِ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ وُرُودُهُ فِي الصَّحِيحِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَحَلِّ الْوِتْرِ الْأَفْضَلِ بِقَوْلِهِ: (وَأَفْضَلُ اللَّيْلِ آخِرُهُ فِي الْقِيَامِ) وَالْمُرَادُ بِآخِرِهِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حَيْثُ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» وَمَعْنَى يَنْزِلُ رَبُّنَا أَيْ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: اُخْتُلِفَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ لِمَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي حَقِّنَا، وَأَمَّا فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ وَاجِبٌ لِمَا فِي الْبَيْهَقِيّ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: التَّهَجُّدُ وَهُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ وَالضُّحَى» وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ أَقَلُّهُ وَهُوَ رَكْعَتَانِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَقُرْبَةٌ إلَى رَبِّكُمْ» . ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ أَفْضَلُ اللَّيْلِ آخِرُهُ قَوْلَهُ: (فَمَنْ أَخَّرَ تَنَفُّلَهُ وَوِتْرَهُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ اللَّيْلِ (فَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ) مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ (إلَّا مَنْ الْغَالِبِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْتَبِهَ آخِرَهُ) بِأَنْ كَانَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ النَّوْمَ إلَى الصُّبْحِ (فَلْيُقَدِّمْ وِتْرَهُ مَعَ مَا يُرِيدُ) صَلَاتَهُ (مِنْ النَّوَافِلِ أَوَّلَ اللَّيْلِ) احْتِيَاطًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْوِتْرِ مَنْدُوبٌ فِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ الِانْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْلِ وَتَسْتَوِي حَالَتَاهُ وَتَقْدِيمُهُ مُسْتَحَبٌّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ النَّوْمَ إلَى الصُّبْحِ.
(ثُمَّ إنْ شَاءَ) مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الِانْتِبَاهِ وَقَدَّمَ وِتْرَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ (إذَا اسْتَيْقَظَ فِي آخِرِهِ) عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ (تَنَفَّلَ) اسْتِحْبَابًا (مَا شَاءَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ النَّوَافِلِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَلَا يَكُونُ تَقْدِيمُهُ لِلْوِتْرِ مَانِعًا لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَحَلُّ نَدْبِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ إذَا حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةُ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ، وَأَمَّا مَنْ نَوَى أَنْ يَجْعَلَ الْوِتْرَ أَثْنَاءَ نَفْلٍ فَمُخَالِفٌ لِلسَّنَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَوْتَرَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهُ أَنْ يَتَرَبَّصَ قَلِيلًا، وَيُكْرَهُ أَنْ يُوقِعَ النَّفَلَ عَقِبَ الْوِتْرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَيَكْفِي الْفَصْلُ وَلَوْ بِالْمَجِيءِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْوِتْرِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَكُونُ تَنَفُّلُهُ (مَثْنَى مَثْنَى) أَيْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِسَلَامٍ،
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِذَا نَوَى شَخْصٌ النَّفَلَ أَرْبَعًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَدَخَلَ مَعَهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ فَهَلْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ بَلْ يُفِيدُ النَّقْلَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّهُ مَثْنَى مَثْنَى بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا أَتَمَّ أَرْبَعًا لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ عَلَى أَصْلِهِ نَوَاهُ أَرْبَعًا ابْتِدَاءً أَمْ لَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالسَّلَامِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى نِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يُتِمَّ أَرْبَعًا، وَمَنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُقِيمٌ فَإِنَّهُ يُتِمُّ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ أَرْبَعًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَإِذَا تَنَفَّلَ بَعْدَ وِتْرِهِ الَّذِي قَدَّمَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ (لَا يُعِيدُ الْوِتْرَ) حَيْثُ وَقَعَ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ، بَلْ يَحْرُمُ لِخَبَرِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ تَقَدَّمَ عَلَى الْأَمْرِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يُعِدْهُ مُقَدَّمٌ ثُمَّ صَلَّى وَجَازَ أَيْ جَوَازًا رَاجِحًا؛ لِأَنَّ النَّفَلَ مَنْدُوبٌ لَا مَا يُوهِمُهُ لَفْظٌ جَازَ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنْ شَاءَ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَلَا مَكْرُوهٍ فَلَا يُنَافِي النَّدْبَ
(وَمَنْ) أَخَّرَ وِرْدَهُ لِعَدَمِ انْتِبَاهِهِ آخِرَ اللَّيْلِ وَلَكِنْ (غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ عَنْ حِزْبِهِ) بِأَنْ اسْتَغْرَقَهُ النَّوْمُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ وِرْدِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّيهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِأَنْ انْتَبَهَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ لَا يَسْعَهُ (فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَا بَيْنَهُ) أَيْ مَا بَيْنَ وَقْتِ انْتِبَاهِهِ (وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ) الْأَعْلَى الَّذِي يُمَيِّزُ فِيهِ الشَّخْصُ جَلِيسَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الصُّبْحَ لَا ضَرُورِيَّ لَهَا.
وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الِانْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْلِ وَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ انْتَبَهَ قَبْلَهُ بِيَسِيرِ صَلَاةِ وِرْدِهِ وَوِتْرِهِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ وَيُصَلِّي الصُّبْحَ، وَلَوْ
الْمَسْجِدَ عَلَى وُضُوءٍ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إنْ كَانَ وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَرْكَعْ
[الفواكه الدواني]
بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا ضَرُورِيَّ لَهَا، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ لَهَا ضَرُورِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاتِهَا مَعَ مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا مِنْ فَجْرٍ وَوِتْرٍ قَبْلَ الْإِسْفَارِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بَيْنَ انْتِبَاهِهِ وَالْإِسْفَارِ ظَرْفٌ لِفِعْلِ الْوَرْدِ وَالْوِتْرِ أَوْ الصُّبْحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهَا ضَرُورِيًّا هَكَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ التَّحْدِيدُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَا بِالْإِسْفَارِ وَنَصُّهَا: وَمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ تَخَالُفًا؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَقْتَضِي أَنَّ الْحِزْبَ لَا يُصَلَّى بَعْدَ الْإِسْفَارِ، فَالْمُدَوَّنَةُ تَقْتَضِي أَنَّهُ يُصَلَّى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: فَلْيُصَلِّهِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَفَّقَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَهُمَا بِمَا مُحَصِّلُهُ: إنَّ الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَنْ انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنْ بِزَمَنٍ يَسَعُ الْوِرْدَ وَالشَّفْعَ وَالْوِتْرَ وَالْفَجْرَ وَالصُّبْحَ قَبْلَ الْإِسْفَارِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَنْ انْتَبَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ بِحَيْثُ يُصَلِّي الْحِزْبَ وَالْفَجْرَ وَالصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الصُّبْحَ لَا ضَرُورِيَّ لَهَا، أَوْ قَبْلَ الْإِسْفَارِ عَلَى أَنَّ لَهَا ضَرُورِيًّا، وَاَلَّذِي تَحْفَظُهُ عَنْ شُيُوخِنَا أَنَّ الرَّاجِحَ كَلَامُ الرِّسَالَةِ وَأَنَّ الْحِزْبَ لَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْإِسْفَارِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ مُخَالَفَةٌ لِحَدِيثِ: «لَا صَلَاةَ نَافِلَةَ بَعْدِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ» فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَادَهُ صَاحِبُهُ صَارَ فِي حَقِّهِ كَالْمَنْذُورِ، وَأَيْضًا عَمَلُ الصَّحَابَةِ الْمُسْتَمِرُّ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْحَدِيثِ.
(تَنْبِيهٌ) : فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ تَأْخِيرَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مَعَ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ فَإِنَّهُ أَلْحَقَ الْعَامِدَ بِمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، وَلَعَلَّهُ تَبِعَ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ تَرَكَهُ وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ إذَا لَمْ يَقُلْهُ مَالِكٌ إلَّا فِيمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، وَاعْتَرَضُوا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْبَرَادِعِيِّ فِي زِيَادَةِ أَوْ تَرَكَهُ نَعَمْ يَلْحَقُ بِمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ مَنْ حَصَلَ لَهُ إغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ حَيْضٌ وَزَالَ عَنْهُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، نَعَمْ شَرْطُ فِعْلِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَنْ يُخْشَى فَوَاتُ الْجَمَاعَةِ، فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ شَرْطَ فِعْلِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يَخْشَى إسْفَارًا وَلَا فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَنْ يَكُونَ نَامَ عَنْهُ، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ تَرَكَهُ وَصَلَّى الصُّبْحَ بَعْدَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ؛ لِأَنَّهُمَا يُفْعَلَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حِزْبِهِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ (يُوتِرُ) وَيُصَلِّي الْفَجْرَ (وَيُصَلِّي الصُّبْحَ) إذَا تَبَيَّنَّ اتِّسَاعُ الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَبْقَ إلَّا قَدْرَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ صَلَّى الْوِتْرَ وَالصُّبْحَ وَأَخَّرَ الْفَجْرَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ أَيْ الضَّرُورِيُّ إلَّا لِرَكْعَتَيْنِ تَرَكَهُ أَيْ الْوِتْرَ لَا لِثَلَاثٍ وَلِخَمْسٍ صَلَّى الشَّفْعَ وَلَوْ قَدَّمَ وَلِسَبْعٍ زَادَ الْفَجْرَ،
وَلَمَّا كَانَ ضَرُورِيُّ الْوِتْرِ يَنْقَضِي بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَشَارَ إلَى حُكْمِ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ نَاسِيًا لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَقْضِي الْوِتْرَ مَنْ ذَكَرَهُ) فَاعِلُ يَقْضِي، وَذَكَرَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى الْوِتْرِ مَنْ ذَكَرَهُ نَظَرًا إلَى لَفْظِ الْوِتْرِ (بَعْدَ أَنْ صَلَّى الصُّبْحَ) لِانْقِضَاءِ ضَرُورِيِّهَا؛ لِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُوتِرُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يُصَلُّوا الصُّبْحَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَالْحُكْمُ إنْ كَانَ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً مِنْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقَطْعُ إنْ كَانَ فَذًّا، ثُمَّ يُصَلِّي الْوِتْرَ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْقَطْعُ بَلْ يَتَمَادَى، وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَفِي نَدْبِ قَطْعِهِ رِوَايَتَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ قَطْعُهَا لَهُ لِفَذٍّ لَا مُؤْتَمٍّ، وَفِي الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى قَطْعِهِ فَهَلْ يَسْتَخْلِفُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، اقْتَصَرَ الْأُجْهُورِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ.
وَفِي الشَّيْخِ سَالِمٍ مَا يُخَالِفُهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ عَقْدِ رَكْعَةٍ يَتَمَادَى وَلَوْ فَذًّا، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ لِلْوِتْرِ وَالصُّبْحِ، وَأَمَّا ضِيقُهُ فَيَجِبُ التَّمَادِي، وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ تَمَادِي الْمَأْمُومِ أَنَّهُ مِنْ مَسَاجِينِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَسَاجِينَ الْإِمَامِ أَرْبَعَةٌ، عَدُّوا مِنْهَا مَنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهِيَ مَسْأَلَتُنَا هُنَا، وَمِنْهَا مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ، وَمِنْهَا مَنْ لَمْ يُكَبِّرْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا كَبَّرَ قَاصِدًا بِتَكْبِيرِهِ الرُّكُوعَ، وَمِنْهَا مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا خَلْفَ الْإِمَامِ، ذَكَرَ الْجَمِيعَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ، وَنَصَّ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مِنْ تَمَادِي الْمَأْمُومِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَلَعَلَّ فِيهِ مُصَادَمَةً لِعَدِّهِ مِنْ مَسَاجِينِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَسْجُونَ الْإِمَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَتَأَمَّلْهُ.
1 -
(فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ صَلَّى شَخْصٌ الْفَجْرَ نَاسِيًا الْوِتْرَ ثُمَّ ذَكَرَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى الْوِتْرَ ثُمَّ أَعَادَ الْفَجْرَ.
1 -
الثَّانِي: إذَا صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةَ فَرْضٍ تَقَدَّمَ عَلَى الصُّبْحِ لِكَوْنِهَا يَسِيرَةً فَإِنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَائِتَةِ يُعِيدُ الْفَجْرَ.
الثَّالِثُ: لَوْ ذَكَرَ الْوِتْرَ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهَلْ يَقْطَعُهَا؟ لَهُ قَوْلَانِ لِابْنِ نَاجِي وَشَيْخِهِ الْبُرْزُلِيِّ
(وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ) حَالَةَ كَوْنِهِ (عَلَى وُضُوءٍ) فَإِنْ كَانَ مَسْجِدٌ غَيْرَ مَكَّةَ (فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ) نَدْبًا (رَكْعَتَيْنِ) يَنْوِي بِهِمَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَالتَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تَحِيَّةُ رَبِّ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ بَيْتَ مَلِكٍ إنَّمَا يُحَيَّى الْمَلِكَ.
(إذَا كَانَ وَقْتُ) الدُّخُولِ (يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ) لِلنَّافِلَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَدْخُلَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ وَقْتَ جَوَازٍ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَا
الْفَجْرَ أَجْزَأَهُ لِذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَإِنْ رَكَعَ الْفَجْرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ يَرْكَعُ وَقِيلَ لَا يَرْكَعُ
وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةً بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
[الفواكه الدواني]
يَجْلِسُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» وَالنَّهْيُ عَلَى الْأُولَى لِلْكَرَاهَةِ، وَالْأَمْرُ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَوَرَدَ: «أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْجُلُوسِ» وَكَوْنُهُمَا قَبْلَ الْجُلُوسِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَلَوْ جَلَسَ لَا يَفُوتَانِ وَلَوْ طَالَ زَمَانُ الْجُلُوسِ، فَأَلْ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاسْتِغْرَاقِ يَتَنَاوَلُ مَسْجِدَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرَهَا، وَهَلْ يَتَنَاوَلُ مَسَاجِدَ الْبُيُوتِ أَوْ قَاصِرٌ عَلَى الْمَسَاجِدِ الْمُبَاحَةِ؟ وَأَقُولُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْعُمُومُ لِتَسْمِيَةِ الْجَمِيعِ مَسَاجِدَ، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ مَسْجِدِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ تَحِيَّةَ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ لِلْقَادِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ إفَاضَةٍ أَوْ الْمُقِيمِ الَّذِي يُرِيدُ الطَّوَافَ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلْمُشَاهَدَةِ فَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَغَيْرِهِ.
قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَعِيَاضٌ وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَمَسْجِدُ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَغَيْرِهِ يَبْدَأُ بِالتَّحِيَّةِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ حَقُّ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمُصْطَفَى حَقُّ عَبْدِهِ، وَحَقُّ اللَّهِ أَوْكَدُ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَارَّ أَوْ الدَّاخِلَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَا تُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ فِي حَقِّهِ صَلَاةً، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، قَالَ الْحَطَّابُ: وَهُوَ حَسَنٌ لِمَكَانِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ وَإِنْ سَقَطَتْ لَا يَسْقُطُ بَدَلُهَا (وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَرْكَعْ الْفَجْرَ) فِي بَيْتِهِ (أَجْزَأَهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَا الْفَجْرِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إيقَاعُهَا أَيْ الْفَجْرِ بِمَسْجِدِهِ وَنَابَتْ عَنْ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ شَغْلُ الْبُقْعَةِ وَقَدْ حَصَلَ كَمَا أَنَّهَا تَحْصُلُ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَأَدَّتْ بِفَرْضٍ، وَمَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَتَأْدِيَتِهَا بِالْفَرْضِ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ سُقُوطُ طَلَبِهَا، وَأَمَّا حُصُولُ ثَوَابِهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مُلَاحَظَتِهَا وَنِيَّتِهَا عِنْدَ فِعْلِ غَيْرِهَا مِمَّا تَتَأَدَّى بِهِ، وَنَازَعَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي إجْزَاءِ الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ عَنْ التَّحِيَّةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ تَقُومُ الْعِبَادَةُ الْوَاحِدَةُ مَقَامَ اثْنَيْنِ؟ وَأَجَابَ الشُّيُوخُ: بِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إذْ قَصْدُ الشَّارِعِ افْتِتَاحَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةٍ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ دُخُولِ الْبَيْتِ.
(تَنْبِيهٌ) : اسْتَشْكَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَجْزَأَهُ لِذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، كَمَا اسْتَشْكَلَ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَنَابَتْ عَنْ التَّحِيَّةِ، بِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ لَا يُطْلَبُ فِيهِ تَحِيَّةٌ، وَالْإِجْزَاءُ عَنْ الشَّيْءِ أَوْ تَأْدِيَتُهُ فَرْعُ الطَّلَبِ بِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِطَلَبِ التَّحِيَّةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَأَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ: وَمَنْ رَكَعَ الْفَجْرَ فِي بَيْتِهِ، إلَى قَوْلِهِ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى الْفَجْرَ بَعْدَ الشَّمْسِ قَضَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ رَكَعَ) أَيْ صَلَّى (الْفَجْرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ) لِصَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ الْإِمَامِ (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ هَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ تَحِيَّةٌ (فَقِيلَ يَرْكَعُ) رَكْعَتَيْنِ لِخَبَرِ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ يَنْوِي بِهِمَا التَّحِيَّةَ أَوْ إعَادَةِ الْفَجْرِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَقِيلَ لَا يَرْكَعُ) بَلْ يَجْلِسُ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لِخَبَرِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ فَعَلَهَا أَيْ الْفَجْرَ بِنِيَّتِهِ لَمْ يَرْكَعْ أَيْ لَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَرْكَعْ الْفَجْرَ أَجْزَأَهُ لِذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ أَنَّ التَّحِيَّةَ تُطْلَبُ بَعْدَ الْفَجْرِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ:
(وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةً) جَائِزَةٌ (بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ) وَالْوِرْدُ لِنَائِمٍ عَنْهُ، وَالشَّفْعُ وَالْوَتْرُ مُطْلَقًا، وَكَالْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ فَإِنَّ هَذِهِ تُفْعَلُ، وَالنَّهْيُ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَيَنْتَهِي (إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) فَإِنْ أَخَذَتْ فِي الطُّلُوعِ حُرِّمَتْ النَّافِلَةُ حَتَّى يَتَكَامَلَ طُلُوعُهَا فَتَعُودُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ مِنْ أَرْمَاحِ الْعَرَبِ الَّذِي قَدْرُهُ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا بِالشِّبْرِ الْمُتَوَسِّطِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ نَفْلٌ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَخُطْبَةُ جُمُعَةٍ وَكُرِهَ بَعْدَ فَجْرٍ، وَفَرْضُ عَصْرٍ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ وَتُصَلِّي الْمَغْرِبَ إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَالْوِرْدُ قَبْلَ الْفَرْضِ لِنَائِمٍ عَنْهُ وَجِنَازَةٌ وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ قَبْلَ الْإِسْفَارِ وَالِاصْفِرَارِ فَيَحْرُمُ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ مَا عَدَا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
الْجِنَازَةُ الَّتِي لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهَا، وَالنَّفَلُ الْمَنْذُورُ وَالْمُفْسِدُ رَعْيًا لِأَصِلْهُ، وَأَمَّا الْفَرَائِضُ الْخَمْسُ وَمِثْلُهَا الْجِنَازَةُ الَّتِي يُخْشَى عَلَيْهَا تَغَيُّرُهَا فَلَا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِنْهَا وَقْتَ الطُّلُوعِ وَلَا وَقْتَ الْغُرُوبِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَا كَرَاهَةَ فِي فِعْلِ شَيْءٍ مِنْهَا قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةً إلَخْ، لَا نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ نَصْبًا بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، وَنَافِلَةً نَعْتٌ مُفْرَدٌ تَابِعٌ لِمُفْرَدٍ فَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ لِتَرَكُّبِهِ مَعَ اسْمِهَا، وَالنَّصْبُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ رَسْمِ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِمَحَلِّ صَلَاةٍ، وَالرَّفْعُ تَبَعًا لِمَحَلِّ لَا مَعَ اسْمِهَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
وَمُفْرَدًا نَعْتًا لِمَبْنِيٍّ يَلِي ... فَافْتَحْ أَوْ انْصِبْنَ أَوْ ارْفَعْ تَعْدِلِي 1 - (خَاتِمَةٌ) قَدْ مَرَّ أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَاةِ سَبْعَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا أَوَّلَ الْبَابِ بِالْعَدِّ، وَأَمَّا سُنَنُهَا فَلَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ اهْتِمَامَهُ إنَّمَا هُوَ بِبَيَانِ صِفَةِ الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْفَرْضِ مِنْ السُّنَّةِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا رِفْقًا بِالطَّالِبِ فَنَقُولُ: هِيَ ثَمَانِ عَشْرَةَ: قِرَاءَةُ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَالْقِيَامُ لَهُ، وَالْجَهْرُ وَالسِّرُّ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ بِمَحَلِّهِمَا وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ أَوْ جَمِيعُ التَّكْبِيرِ سِوَى الْإِحْرَامِ لِكُلِّ مُصَلٍّ، وَكُلُّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَوْ جَمِيعُهُ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ، وَكُلُّ مُطْلَقِ تَشَهُّدٍ وَكُلُّ جُلُوسٍ سِوَى ظَرْفِ السَّلَامِ، وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَرَدُّ الْمُقْتَدِي عَلَى إمَامِهِ السَّلَامَ وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَجَهْرٌ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا، وَسُتْرَةٌ لِإِمَامٍ وَفَذٍّ يَخْشَيَانِ الْمُرُورَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَاعْتِدَالٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَفْظُ التَّشَهُّدِ الْخَاصُّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
[مَنْدُوبَات الصَّلَاة]
1 وَأَمَّا مَنْدُوبَاتُهَا فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَمِنْهَا: قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ، وَمِنْهَا: تَقْصِيرُ زَمَنِ ثَانِي الْفَرِيضَةِ عَنْ أُولَاهَا، وَمِنْهَا: تَقْصِيرُ غَيْرِ جُلُوسِ السَّلَامِ، وَمِنْهَا: قَوْلُ الْمُقْتَدِي وَالْفَذِّ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَمِنْهَا: التَّسْبِيحُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمِنْهَا: تَأْمِينُ الْفَذِّ عَلَى قِرَاءَتِهِ مُطْلَقًا وَالْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ إنْ سَمِعَ قَوْلَ الْإِمَامِ: وَلَا الضَّالِّينَ، وَمِنْهَا: إسْرَارُ التَّأْمِينِ، وَغَالِبُ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
[مَكْرُوهَات الصَّلَاة]
وَمَكْرُوهَاتُهَا كَثِيرَةٌ أَيْضًا مِنْهَا: الْبَسْمَلَةُ، وَالتَّعَوُّذُ فِي الْفَرِيضَةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ خِلَافٍ، وَكَالْقَبْضِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ، وَكَالدُّعَاءِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ أَثْنَاءِ السُّورَةِ فِي الْفَرْضِ، وَكَالدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَكَالدُّعَاءِ قَبْلَ التَّشَهُّدِ وَكَالدُّعَاءِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَكَالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ غَيْرِ الْأَخِيرِ، وَكَالسُّجُودِ عَلَى مَا فِيهِ رَفَاهِيَةٌ لِقَصْدِ الرَّفَاهِيَةِ، وَمِنْهَا الدُّعَاءُ الْخَاصُّ وَبِالْعَجَمِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَالتَّفَكُّرُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
[بَاب فِي الْإِمَامَة]
[بَيَان حُكْم الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الصَّلَاةِ وَكَانَ يُسَنُّ فِعْلُهَا مَعَ إمَامٍ شَرَعَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ بِقَوْلِهِ:.
بَابٌ فِي الْإِمَامَةِ وَحُكْمِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَيَؤُمُّ النَّاسَ أَفْضَلُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ وَلَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ لَا رِجَالًا وَلَا نِسَاءً
وَيَقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (الْإِمَامَةِ) وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ التَّقَدُّمِ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَتَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: إمَامَةُ وَحْيٍ أَيْ حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْوَحْيِ وَهِيَ النُّبُوَّةُ، وَإِمَامَةُ وِرَاثَةٍ أَيْ حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَهِيَ الْعِلْمُ، وَإِمَامَةُ مَصْلَحَةٍ وَهِيَ الْخِلَافَةُ الْعُظْمَى وَيُقَالُ لَهَا الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى، وَإِمَامَةُ عِبَادَةٍ وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ مَتْبُوعًا لَا تَابِعًا وَكُلُّهَا تَحَقَّقَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْرِيفِ إمَامَةِ الْعِبَادَةِ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: اتِّبَاعُ مُصَلٍّ آخَرَ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ غَيْرَ تَابِعٍ غَيْرَهُ، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ تَابِعٍ غَيْرَهُ صِفَةٌ لِآخَرَ.
(وَ) فِي بَيَانِ (حُكْمِ الْإِمَامِ) مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ ذَكَرًا وَعَالِمًا بِمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ إنْ صَلَّى وَحْدَهُ إنْ كَانَ رَاتِبًا وَصَلَّى فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي.
1 -
(وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْمَأْمُومِ) مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَمُسَاوَاتِهِ لِإِمَامِهِ وَكَوْنِهِ يَقِفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَحْدَهُ،
1 -
وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ بِقَوْلِهِ: (وَيَؤُمُّ النَّاسَ أَفْضَلُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ) لِخَبَرِ: «أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» وَخَبَرِ: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنْ سِرَّكُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْكُمْ صَلَاتُكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ فَإِنَّهُ وَفْدٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ فَلَا يَؤُمَّكُمْ إلَّا الذُّكُورُ» .
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ لَا رِجَالًا وَلَا نِسَاءً) لِخَبَرِ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» وَسَوَاءٌ عُدِمَتْ الرِّجَالُ أَوْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ خُطَّةٌ شَرِيفَةٌ فِي الدِّينِ وَمِنْ شَرَائِعِ الْمُسْلِمِينَ
[شُرُوط صِحَّة الْإِمَامَة]
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَةَ لَهَا شُرُوطُ صِحَّةٍ وَشُرُوطُ كَمَالٍ، فَشُرُوطُ صِحَّتِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوَّلُهَا الذُّكُورَةُ الْمُحَقَّقَةُ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَلَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ دُونَ الْأُنْثَى الَّتِي صَلَّتْ إمَامًا.
ثَانِيهَا: الْإِسْلَامُ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْكَافِرِ وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
ثَالِثُهَا: الْعَقْلُ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَجْنُونِ وَلَوْ مُتَقَطِّعًا وَأَمَّ فِي حَالَةِ صَحْوِهِ.
رَابِعُهَا: بُلُوغُهُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَبِغَيْرِهِ تَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ.
خَامِسُهَا: عَدَمُ الْفِسْقِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصَّلَاةِ، فَالْفَاسِقُ فِسْقًا مُتَعَلِّقًا بِهَا كَمَنْ يَقْصِدُ بِإِمَامَتِهِ الْكِبْرَ أَوْ يَقْرَأُ عَمْدًا بِالشَّاذِّ الْمُخَالِفِ لِلرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ أَوْ بِالتَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ إمَامَتُهُ بَاطِلَةٌ، بِخِلَافِ فَاسِقِ الْجَارِحَةِ كَمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَزْنِي فَتُكْرَهُ إمَامَتُهُ فَقَطْ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، كَمَا تَصِحُّ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ الْمُخْتَلَفِ فِي تَكْفِيرِهِ بِبِدْعَتِهِ كَالْحَرُورِيِّ وَالْقَدَرِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمَا فِي خَلِيلٍ مِنْ بُطْلَانِهَا بِفَاسِقِ الْجَارِحَةِ فَهُوَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ إذْ كَيْفَ تَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ؟ وَتَبْطُلُ إمَامَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِكُفْرِهِ.
سَادِسُهَا: عِلْمُ الْإِمَامِ بِمَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَفِقْهٍ، فَالْجَاهِلُ بِالْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي بِهِ، وَأَمَّا الْأُمِّيُّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ بِمِثْلِهِ فَتَصِحُّ عِنْدَ فَقْدِ الْقَارِئِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ التَّعْلِيمَ، وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ مَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ مَعْرِفَةُ فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا وَمَا يُوجِبُ السُّجُودَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ، وَيَكْفِي مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَلَوْ حُكْمًا، كَمَنْ أَخَذَ صِفَةَ الصَّلَاةِ مِنْ كَلَامِ مُصَنَّفٍ أَوْ مِنْ عَالِمٍ يَأْتِي بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ كَوَصْفِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ خَلْفَهُ وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ فَرْضًا مِنْ سُنَّةٍ، بِخِلَافِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا فَرَائِضُ أَوْ سُنَنٌ أَوْ فَضَائِلُ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهَا فَرَائِضَ وَغَيْرَهَا، وَلَا يُمَيِّزُ الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا أَخَذَ الْوَصْفَ مِنْ كَلَامِ مُصَنَّفٍ وَلَا مِنْ عَالِمٍ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَلَا صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ أَيْضًا إلَّا لِمَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ فَرْضِيَّةَ جَمِيعِ أَفْعَالِهَا وَيَأْتِي بِهَا مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا، فَيَنْبَغِي صِحَّةُ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِهِ لَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ.
سَابِعُهَا: الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَرْكَانِ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْعَاجِزِ عَنْ بَعْضِهَا إلَّا كَالْقَاعِدِ بِمِثْلِهِ.
ثَامِنُهَا: مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ لِلْإِمَامِ فِي الْوَاجِبَاتِ، فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ يُسْقِطُ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ أَوْ يَتْرُكُ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ مَثَلًا، ذُكِرَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا سَبَقَ وَلَكِنَّ اشْتِرَاطَهُ يُنَافِي صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ فِي الْفُرُوعِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ لَا يُسْقِطَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْكَانِ بَلْ كَانَ يَأْتِي بِهَا، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَثَلًا يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا، وَالْمَأْمُومُ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا، وَأَمَّا شُرُوطُ الِاقْتِدَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا كَالتَّسَاوِي فِي
فِيهِ وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ
وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ فَلْيَقْضِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مَا فَاتَهُ عَلَى نَحْوِ مَا
[الفواكه الدواني]
شَخْصِ الصَّلَاةِ وَوَصْفِهَا وَالْمُعَاقَبَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَوْفِيُّ: كُلُّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَا تَضُرُّ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ وَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ يُوجِبُ الدَّلْكَ بِمَنْ لَا يُوجِبُهُ، وَمَنْ يُوجِبُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ بِمَنْ يَكْتَفِي بِمَسْحِ بَعْضِهِ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ أَوْ بِمُعِيدٍ، وَأَمَّا اقْتِدَاءُ الْمَالِكِيِّ بِالْحَنَفِيِّ الَّذِي لَا يَعُدُّ الرَّفْعَ مِنْ فَرَائِضِهَا فَإِنْ كَانَ يَأْتِي بِهِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الذَّخِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمَأْمُومَ الْمَالِكِيَّ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَإِنْ أَتَى بِهِ مَعَ تَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتَى بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ إمَامُهُ، وَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَى كَلَامِ الْعَوْفِيِّ، خِلَافًا لِكَلَامِ سَنَدٍ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ، وَلَوْ رَآهُ يَأْتِي بِمُنَافٍ أَيْ مُبْطِلٍ كَتَقْبِيلِ الْحَنَفِيِّ لِزَوْجَتِهِ، وَسَنَدٌ يَشْتَرِطُ عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِالْمُنَافِي، رَاجِعْ شَرْحَ خَلِيلٍ لِلْأُجْهُورِيِّ، تَاسِعُهَا: الْإِقَامَةُ فِي الْجُمُعَةِ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُسَافِرِ إلَّا الْخَلِيفَةَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ الْخَارِجُ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَخْطُبَ فِيهَا إلَّا إذَا نَوَى إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.
وَعَاشِرُهَا: الْحُرِّيَّةُ فِي الْجُمُعَةِ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْعَبْدِ فِيهَا وَتُعَادُ جُمُعَةٌ إنْ أَمْكَنَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَصِحَّ إمَامَةُ الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ لِسُقُوطِهِمَا عَنْهُمَا فَالِاقْتِدَاءُ بِهِمَا يُشْبِهُ اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْجُمُعَةِ فَيَصِحُّ.
حَادِي عَاشِرَهَا: الْمُسَاوَاةُ فِي الصَّلَاةِ شَخْصًا، وَصْفًا وَزَمَانًا، فَلَا تَصِحُّ ظُهْرٌ خَلْفَ عَصْرٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا أَدَاءً خَلْفَ قَضَاءٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا ظُهْرُ سَبْتٍ خَلْفَ ظُهْرِ أَحَدٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُ التَّسَاوِي عَلَى الِاحْتِمَالِ فَلَا يَقْتَدِي أَحَدُ شَخْصَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَاكٌّ فِي ظُهْرِ الْخَمِيسِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ كُلٍّ تَحْتَمِلُ الْفَرْضِيَّةَ وَالنَّفْلِيَّةَ.
وَثَانِيَ عَشْرَهَا: عِمَارَةُ ذِمَّتِهِ بِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُعِيدِ.
ثَالِثَ عَشْرَهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُومًا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُومٌ فِيهِ حُكْمًا، وَالْمَأْمُومُ لَا يَكُونُ إمَامًا بِخِلَافِ مَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ الْبَشَرِيَّةُ فَإِنَّ الْمَشَذَّالِيَّ قَالَ: قُوَّةُ كَلَامِهِمْ تَقْتَضِي اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ بَشَرًا، وَلَكِنَّ الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ حُكَّامِ الْجَانِّ صِحَّةُ إمَامَةِ الْجِنِّيِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ، بَلْ مَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمَلَكِ لِلْبَشَرِ بِدَلِيلِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِي بَحْثٌ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إمَامَةً حَقِيقِيَّةً، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُجَرَّدَ مُتَابَعَةٍ فَقَطْ لِلتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ صِفَةَ الصَّلَاةِ حِينَ فَرَضَهَا عَلَيْهِ حَتَّى عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ، وَأَيْضًا النَّبِيُّ مُفْتَرِضٌ وَجِبْرِيلُ مُتَنَفِّلٌ وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، بِخِلَافِ الْجِنِّيِّ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَرِضٌ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ هَذَا الْإِيضَاحَ،
1 -
وَأَمَّا شُرُوطُ الْكَمَالِ فَهِيَ السَّلَامَةُ مِنْ النَّقْصِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، فَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَقْطَعِ وَالْأَشَلِّ وَالْأَعْرَابِيِّ وَصَاحِبِ السَّلَسِ لِلصَّحِيحِ وَالْفَاسِقِ بِالْجَارِحَةِ، وَمَنْ تَكْرَهُهُ كُلُّ الْمَأْمُومِينَ أَوْ مُعْظَمُهُمْ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ رُومًا لِإِفَادَةِ الطَّالِبِ.
[بَيَان حُكْم الْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة]
(وَ) مِنْ أَحْكَامِ الْمَأْمُومِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يَقْرَأَ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَتْ إنْ أَسَرَّ (وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ) أَيْ الْمَأْمُومُ (فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ بَلْ يُسَنُّ لَهُ الْإِنْصَاتُ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي عَدَّ السُّنَنِ وَإِنْصَاتِ مُقْتَدٍ وَلَوْ سَكَتَ إمَامُهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ خَلْفَهُ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَسَمِعَ قِرَاءَةَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَزَلَ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] » الْآيَةَ، وَهَذَا مَا لَمْ يُرَاعِ الْمَأْمُومُ الْخِلَافَ، وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقِرَاءَةُ لِمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ: مِنْ أَنَّ مِنْ الْوَرَعِ الْقِرَاءَةَ فِي الْجَهْرِيَّةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِتْيَانَ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَرَامٌ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، بَلْ قِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ أَسَرَّ الْإِمَامُ فِيمَا يُسَنُّ فِيهِ الْجَهْرُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ الْقِرَاءَةُ خَلْفَهُ، وَعَمَّا لَوْ جَهَرَ فِي مَحَلِّ السِّرِّ فَلَا يُسَنُّ الْإِنْصَاتُ خَلْفَهُ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ
، وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَأْمُومِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ) مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ لِأَنَّهَا الَّتِي تُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ (فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ) كَذَا فِي الْمُوَطَّإِ لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ بَدَلَ الْجَمَاعَةِ، وَمَعْنَى أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ أَوْ الصَّلَاةَ أَدْرَكَ فَضْلَهَا وَحُكْمَهَا، وَالْمُرَادُ بِفَضْلِهَا التَّضْعِيفُ الْوَارِدُ فِي خَبَرِ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ
فَعَلَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فَفِعْلُهُ كَفِعْلِ الْبَانِي الْمُصَلِّي وَحْدَهُ
وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي
[الفواكه الدواني]
دَرَجَةً» أَيْ صَلَاةً وَحُكْمُهَا فَلَا يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَلْزَمُهُ السُّجُودُ الْقَبْلِيُّ وَالْبَعْدِيُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى إمَامِهِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى إمَامِهِ وَعَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً لَا يَحْصُلُ لَهُ حُكْمُهَا فَيُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى إمَامِهِ وَلَا عَلَى يَسَارِهِ وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُهَا الْمُتَقَدِّمُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ مَا أَدْرَكَ مِنْ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ دُونَ رَكْعَةٍ، وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ هُنَا يَكُونُ بِتَحَقُّقِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهَا وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ إلَّا بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَ سَجْدَتَيْهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنْ زُوحِمَ عَنْهُمَا أَوْ نَعَسَ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَيَأْتِي بِهِمَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَأَقُولُ: الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا الْحُصُولُ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا حُصُولُ الْفَضْلِ، وَلَوْ فَاتَتْهُ بَقِيَّةُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ اخْتِيَارًا خِلَافًا لِتَقْيِيدِ حَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ بِمَا إذَا فَاتَهُ وَبَاقِي الصَّلَاةِ اضْطِرَارًا، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ أَنَّ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ مِنْ الِاخْتِيَارِيِّ بِمَنْزِلَةِ إدْرَاكِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ، وَلَوْ أَخَّرَ اخْتِيَارًا، وَأَيْضًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ اخْتِيَارًا يُعِيدُ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا، وَقَوْلُنَا بِتَحَقُّقِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ إلَخْ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ شَكَّ هَلْ وَضَعَهُمَا قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَيُلْغِيهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا وَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ، قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: وَإِنْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ أَيْقَنَ أَنَّهُ إنَّمَا أَدْرَكَهُ رَافِعًا مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَخِرُّ سَاجِدًا مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَرْفَعُ، فَإِنْ فَعَلَ وَرَفَعَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ أَتَى بَدَلَهَا بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَهَذَا إذَا تَيَقَّنَ عَدَمَ الْإِدْرَاكِ قَبْلَ الرَّفْعِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ إلَّا بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَمِثْلُ تَيَقُّنِ عَدَمِ الْإِدْرَاكِ الشَّكُّ، وَلِلْأُجْهُورِيِّ مَا مُحَصِّلُهُ: أَنَّ مَنْ انْحَنَى مَعَ الْإِمَامِ مَعَ تَيَقُّنٍ أَوْ ظَنٍّ أَوْ شَكِّ الْإِدْرَاكِ وَتَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ يَرْفَعُ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَوْ تَرَكَهُ وَخَرَّ سَاجِدًا لَمْ تَبْطُلْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حِينَ الِانْحِنَاءِ يَتَيَقَّنُ أَوْ يَظُنُّ عَدَمَ الْإِدْرَاكِ وَتَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ فَهَذَا يَخِرُّ سَاجِدًا وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ رَفَعَ غَيْرَ سَاهٍ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: الْجَمَاعَةُ بِفَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْضُ حَاضِرًا أَوْ فَائِتًا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْبَلَدِ وَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَفِي حَقِّ كُلِّ مُرِيدِ صَلَاةٍ فَيُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يُوقِعَ صَلَاتَهُ فِي جَمَاعَةٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ جَامِعًا بَيْنَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ: إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَلَدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يُجْبَرُونَ عَلَى إحْضَارِ ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ امْتَنَعُوا أُجْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ بِالْقِتَالِ، وَيَكْفِي ثَلَاثَةٌ بِالْإِمَامِ، وَيُسَنُّ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ أَيْضًا إقَامَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَيَنْدُبُ لِلْمُنْفَرِدِ بَعْدَ إقَامَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالسُّنَّةِ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَقِيلَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ مَنْدُوبَةٌ وَطَلَبُ الْجَمَاعَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
قَالَ الْقَيْسِيُّ عَلَى الْعِزِّيَّةِ: وَالنِّسَاءُ فِيهَا كَالرِّجَالِ لِحَدِيثِ.
«لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ إقَامَتَهَا لِلنِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» وَفِي لَفْظٍ: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَالْمُرَادُ بِالْجُزْءِ وَالدَّرَجَةِ الصَّلَاةُ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَتَّى لَا يَتَنَافَيَا بِأَنَّ الْجُزْءَ أَكْبَرُ مِنْ الدَّرَجَةِ، أَوْ بِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ، ثُمَّ تَفَضَّلَ بِالزِّيَادَةِ فَأَخْبَرَهُ بِهَا ثَانِيًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ بِثَمَانٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَاحِدَةٌ كَصَلَاةِ الْفَذِّ وَبِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى رِوَايَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ،
1 -
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً كَامِلَةً مَعَ الْإِمَامِ يُحَصِّلُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا كَالتَّكْبِيرِ شَرَعَ فِي كَيْفِيَّةِ إتْيَانِهَا بِبَاقِيهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَتَى بَقَاءُ التَّفْرِيعِ فَقَالَ: (فَلْيَقْضِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مَا فَاتَهُ) قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ (عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ) فَمَا قَرَأَ فِيهِ الْإِمَامُ بِأُمِّ الْقُرْآن وَسُورَةٍ جَهْرًا أَوْ سِرًّا يَقْرَأُ فِيهِ كَذَلِكَ.
(وَأَمَّا) حَالُهُ (فِي) نَحْوِ (الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فَفِعْلُهُ) فِيهِ (كَفِعْلِ الْبَانِي الْمُصَلِّي وَحْدَهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَقَضَى الْقَوْلَ وَبَنَى الْفِعْلَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَسْبُوقَ الْمُدْرِكَ لِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ مَعَ إمَامِهِ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ وَقَامَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي الْأَقْوَالَ وَيَبْنِي فِي الْأَفْعَالِ، وَحَقِيقَةُ الْقَضَاءِ جَعْلُ مَا فَاتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَا أَدْرَكَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ، وَالْبِنَاءُ جَعَلَ مَا أَدْرَكَ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَمَا فَاتَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ عَكْسَ الْقَضَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَقْوَالِ الْقِرَاءَةُ خَاصَّةً، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فَهُوَ بَانٍ فِيهِ، فَلِذَا يَجْمَعُ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَإِذَا أَدْرَكَ ثَانِيَةَ الصُّبْحِ يَقْنُتُ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الَّتِي يَقْضِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالْجُزُولِيُّ: فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الْعِشَاءِ قَامَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَأَتَى بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَهُوَ قَاضٍ ثُمَّ يَجْلِسُ؛ لِأَنَّ الَّتِي أَدْرَكَهَا كَالْأُولَى بِالنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَأْتِي بِأُخْرَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي الْقَوْلَ وَلَا يَجْلِسُ بَلْ يَقُومُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَيَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَانِ سِوَى هَذِهِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَاضٍ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ بَانٍ فِيهِمَا وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَرُوِيَ «فَاقْضُوا» فَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِرِوَايَةِ «فَاقْضُوا» فَجَعَلَهُ قَاضِيًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِرِوَايَةِ فَأَتِمُّوا فَجَعَلَهُ بَانِيًا فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَجَمَعَ مَالِكٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَحَمَلَ رِوَايَةَ فَأَتِمُّوا عَلَى الْأَفْعَالِ وَرِوَايَةَ فَاقْضُوا عَلَى الْأَقْوَالِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ قَاضٍ مُطْلَقًا يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَلَا يَجْلِسُ أَيْ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بَانَ مُطْلَقًا يَأْتِي بِالثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْلِسُ، ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ فِي الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَانِيَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ وَالْقَاضِيَ هُوَ الْمَسْبُوقُ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُدْرِكِ وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَفَعَلَهُ أَيْ الْمُدْرِكُ لِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ مَعَ الْإِمَامِ فِي حَالِ قَضَاءِ مَا سَبَقَهُ بِهِ الْإِمَامُ الْمُنْفَرِدُ فِي حَالِ بِنَائِهِ حَتَّى يُفْسِدَ بَعْضَ رَكَعَاتِهِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَيَبْنِي عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: كَفِعْلِ الْبَانِي الْمُصَلِّي وَحْدَهُ إشْكَالٌ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ أَحَالَ الْمُدْرِكُ بِفِعْلِهِ عَلَى الْبَانِي وَهُوَ لَمْ يُبَيِّنْ صُورَةَ الْبَانِي فَأَحَالَ مَجْهُولًا عَلَى مَجْهُولٍ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِجَعْلِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ تَفْسِيرًا لَلْبَانِي فَكَأَنَّهُ قَالَ: فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ فِعْلَ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَيْسَ فِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ بَلْ عَلَى مَعْلُومٍ، وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ سَلِمَ الْإِشْكَالُ وَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَانِي بِالْمُصَلِّي وَحْدَهُ زَوَالُ الْإِشْكَالِ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ يَفْعَلُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ إذَا تَبَيَّنَّ لَهُ فَسَادُ بَعْضِ صَلَاتِهِ، وَفَسَّرَ الْبَانِي بِأَنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي صَلَاتَهُ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا يُفْسِدُ لَهُ بَعْضَ صَلَاتِهِ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ خَلِيلٍ: وَرَجَعَتْ الثَّانِيَةُ أَوْلَى بِبُطْلَانِهَا لِفَذٍّ وَإِمَامٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَصُوَرُهُ ثَلَاثٌ: إحْدَاهَا أَنْ يَذْكُرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَةً إمَّا بِتَرْكِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ مَثَلًا، وَيُوَازِي هَذَا مِنْ حَالِ الْمُدْرِكِ الَّذِي كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ.
ثَانِيَتُهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَتَيْنِ وَيُوَازِي هَذَا مِنْ حَالِ الْمُدْرِكِ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَتَانِ.
ثَالِثَتُهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَيُوَازِي هَذَا مِنْ حَالِ الْمُدْرِكِ أَنْ تَفُوتَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ.
وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ جَمِيعَهَا فَلَا عَمَلَ عِنْدَهُ فِيهَا وَهُوَ كَحَالِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الصَّلَاةِ شَيْئًا، وَصُورَةُ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامَ عَلَى حِدَةٍ وَالْبَانِي عَلَى حِدَةٍ وَالْمُدْرِكُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا، فَيَفْعَلُ أَيْ الْمُدْرِكُ وَهُوَ الْمَسْبُوقُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْقِرَاءَةِ كَفِعْلِ الْإِمَامِ وَيَفْعَلُ فِي الْأَفْعَالِ كَفِعْلِ الْبَانِي فَقَدْ أَخَذَ مِنْ كُلِّ طَرَفٍ شَيْئًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَلْيَقْضِ عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فَكَالْبَانِي الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي الْبَانِي أَنْ يَجْعَلَ مَا صَحَّ عِنْدَهُ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَيَبْنِي عَلَيْهِ، وَيَأْتِي بِمَا فَسَدَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يَفْعَلُ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الْعِشَاءِ مَثَلًا وَهُوَ فِي حَالِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بَعْدَ رَكْعَةٍ وَزَادَ الرَّكْعَةَ الْمُلْغَاةَ.
وَالْمُدْرِكُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ كَفِعْلِ الْإِمَامِ فِيهَا، وَيُخَالِفُهُ فِي الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَجْلِسْ فِيهَا، وَجَلَسَ هُوَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا رَابِعَةٌ لَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً، وَتَكُونُ صَلَاتُهُ كُلُّهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ السُّورَتَيْنِ وَزَادَ الرَّكْعَتَيْنِ الْفَاسِدَتَيْنِ وَنَقَصَ الْجُلُوسَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَأَمَّا الْمُدْرِكُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَرَأَ فِيهِمَا كَذَلِكَ فِي آخَرِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ أَتَى بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، وَيَقُومُ فَيَأْتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَيَسْجُدُ أَيْضًا قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ السُّورَةَ وَزَادَ الرَّكَعَاتِ الْفَاسِدَةَ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْبَانِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَخَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرَجَعَتْ ثَانِيَتُهُ أَوْلَى بِبُطْلَانِهَا لِفَذٍّ وَإِمَامٍ لِانْقِلَابِ رَكَعَاتِهِمَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا فَسَدَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَفْسَدَهُ.
وَأَمَّا الْمُدْرِكُ إذَا فَاتَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْعَلُهَا مَعَ الَّتِي أَدْرَكَ، وَيَجْلِسُ بَعْدَهَا، فَوَافَقَ فِي هَذَا الْفِعْلِ الْبَانِيَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَهَذَا وَجْهُ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ صُوَرٍ الَّتِي تُتَصَوَّرُ فِي الْبَانِي وَالْمُدْرِكِ، وَإِنْ
الْجَمَاعَةِ لِلْفَضْلِ فِي ذَلِكَ إلَّا الْمَغْرِبَ وَحْدَهَا
وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
ذَكَرَ الْبَانِي أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ تَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْهَا، فَإِنْ كَانَ تَذَكَّرَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ وَتَصِيرُ الرَّابِعَةُ أَوْلَى فَيَبْنِي عَلَيْهَا لِبُطْلَانِ الثَّلَاثِ الْأُولَى، لِفَوَاتِ تَدَارُكِ إصْلَاحِ كُلِّ رَكْعَةٍ بِعَقْدِ مَا بَعْدَهَا وَعَقْدُهَا بِالِانْحِنَاءِ فِيهَا وَقَبْلَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ثُمَّ يَأْتِي بِثَانِيَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ ثُمَّ بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ الرَّكَعَاتِ الْبَاطِلَةِ وَنَقْصَ السُّورَةِ مِنْ الرَّابِعَةِ الَّتِي صَارَتْ أَوْلَى، وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّلَامِ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يُفَوِّتُ تَدَارُكَ الْأَخِيرَةِ، وَهَذِهِ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَبَطَلَتْ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِثْلُ الْأَرْبَعِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا لَوْ ذَكَرَ الْبَانِي أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ هِيَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَخِرُّ سَاجِدًا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَلَمْ يَفُتْ تَدَارُكِهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ إنْ كَانَ تَذَكُّرُهُ أَوْ شَكُّهُ وَهُوَ فِي الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَةِ يَأْتِي بَعْدَ السَّجْدَةِ بِرَكْعَةٍ بِفَاتِحَةٍ فَقَطْ لِانْقِلَابِ رَكَعَاتِهِ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَرَجَعَتْ الَّتِي لَا سُورَةَ فِيهَا مَكَانَهَا، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا سَجَدَهَا.
وَفِي الْأَخِيرَةِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَفِي قِيَامِ ثَالِثَتِهِ بِثَلَاثٍ وَرَابِعَتِهِ بِرَكْعَتَيْنِ وَتَشَهُّدٍ أَيْ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالسَّجْدَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا ثَبَتَ لَهُ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مُحَقَّقٌ سِوَاهُمَا.
الثَّانِي: قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ كَفِعْلِ الْبَانِي دُونَ قَيْدِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ لَكَانَ أَتَمَّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْفَذِّ فِي الْبِنَاءِ عَلَى مَا صَحَّ مِنْ صَلَاتِهِمْ عِنْدَ تَبَيُّنِ فَسَادِ بَعْضِهَا سَوَاءً اهـ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فِي كَلَامِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يُخَالِفُ الْفَذَّ وَالْإِمَامَ لِانْقِلَابِ رَكَعَاتِهِمَا، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا تَنْقَلِبُ رَكَعَاتُهُ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ تَنْقَلِبْ رَكَعَاتُ إمَامِهِ لَمْ تَنْقَلِبْ رَكَعَاتُهُ، وَيَأْتِي بِمَا فَسَدَ لَهُ عَلَى صُورَةِ مَا فَسَدَ.
الثَّالِثُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَلْيَقْضِ يُوهِمُ اخْتِصَاصَ هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُدْرِكِ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْمَسْبُوقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِثْلُهُ مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِثْلَ الْمَسْبُوقِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بَعْضُ صَلَاتِهِ فَيَقُومُ قَاضِيًا فِي الْأَقْوَالِ بَانِيًا فِي الْأَفْعَالِ.
الرَّابِعُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ سُجُودِ السَّهْوِ لِظُهُورِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَانِيَ يَسْجُدُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةً وَرُبَّمَا يَنْضَمُّ لَهَا نَقْصٌ، بِخِلَافِ الْمُدْرِكِ قَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ نَقْصٌ وَلَا زِيَادَةٌ، نَعَمْ إنْ كَانَ عَلَى إمَامِهِ سُجُودٌ يُخَاطَبُ بِهِ أَوْ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ قِيَامِهِ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ السُّجُودَ يَسْجُدُ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ وَتَسْهِيلًا عَلَى الطَّالِبِ،
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ) فَرِيضَةً أَوْ صَلَّاهَا مَعَ صَبِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ إمَامًا رَاتِبًا صَلَّى فِي مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ (فَلَهُ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (أَنْ يُعِيدَ) صَلَاتَهُ وَلَوْ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ (فِي الْجَمَاعَةِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا مَعَ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا، خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ مَعَ وَاحِدٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يُصَدِّقُ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِالْإِعَادَةِ مَعَ الْوَاحِدِ غَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَيَنْوِي بِإِعَادَتِهِ الْفَرْضَ مَعَ التَّفْوِيضِ لِاحْتِمَالِ تَبَيُّنِ عَدَمِ صِحَّةِ الْأُولَى فَتَجْزِيهِ هَذِهِ الْمُعَادَةُ، وَأَمَّا لَوْ صَلَّاهَا مَعَ بَالِغٍ وَلَوْ امْرَأَةً فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْفَضْلُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ إمَامًا رَاتِبًا صَلَّى فِي مَحَلِّهِ الْمُعْتَادِ لَهُ بَعْدَ الْأَذَانِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْفَضْلُ لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَالْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي: وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ كَجَمَاعَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الْإِعَادَةِ بِقَوْلِهِ: (لِلْفَضْلِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» أَيْ صَلَاةً، وَتَنْدُبُ إعَادَتُهَا لِذَلِكَ الْفَضْلِ.
وَلَوْ كَانَ صَلَّاهَا وَحْدَهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ، بِخِلَافِ أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا عَلَى فِعْلِهَا جَمَاعَةً آخِرَهُ، وَمَحَلُّ نَدْبِ إعَادَةِ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ أَنْ لَا يَكُونَ صَلَّاهَا فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَّا لَمْ تَنْدُبُ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا فَكَيْفَ يُعِيدُ؟ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُعِيدُ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ وَاحِدًا مِنْهَا بَعْدَ أَنَّ صَلَّى فِي بَعْضِهَا فَذًّا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ فِي جَمَاعَةٍ لَا فَذٍّ، وَلَوْ كَانَ مَا دَخَلَ فِيهِ أَفْضَلَ مِمَّا صَلَّى فَذًّا فِيهِ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا مُنْفَرِدًا اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا فِيهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ صَلَّى فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً فَلَا يُعِيدُ فِيهَا إلَّا فِي جَمَاعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ لِلَّخْمِيِّ يُعِيدُهَا وَلَوْ فَذًّا وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: أَنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةٍ غَيْرِهَا، وَلَمَّا كَانَ مَفْعُولُ صَلَّى يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ لِحَذْفِهِ اسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَا يُعَادُ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمَغْرِبَ وَحْدَهَا) كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ: وَإِلَّا الْعِشَاءَ بَعْدَ الْوِتْرِ فَتَحْرُمُ إعَادَتُهَا لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ تَعْبِيرِ التَّوْضِيحِ بِالْمَنْعِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ وَبِالْإِعَادَةِ تَصِيرُ شَفْعًا، فَإِنْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ وَأَعَادَ الْمَغْرِبَ قَطَعَ مَا لَمْ يَرْكَعْ وَإِلَّا شَفَّعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ شَفَّعَهَا بِوَاحِدَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَعَادَ وَلَمْ يَقْعُدْ قَطَعَ وَإِلَّا شَفَّعَ، وَإِنْ أَتَمَّ وَلَوْ سَلَّمَ أَتَى
لَمْ يُدْرِكْ إلَّا التَّشَهُّدَ أَوْ الْجُلُوسَ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي جَمَاعَةٍ
وَالرَّجُلُ الْوَاحِدُ مَعَ الْإِمَامِ يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَقُومُ الرَّجُلَانِ فَأَكْثَرَ خَلْفَهُ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مَعَهُمَا قَامَتْ خَلْفَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ صَلَّى عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
بِرَابِعَةٍ إنْ قَرُبَ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ إعَادَةُ الْعِشَاءِ بَعْدَ الْوِتْرِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ اجْتِمَاعِ وِتْرَيْنِ فِي لَيْلَةٍ إنْ أَعَادَ الْوِتْرَ، وَمِنْ مُخَالِفَةِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» إنْ لَمْ يُعِدْهُ فَإِنْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ وَأَعَادَ الْعِشَاءَ فَالظَّاهِرُ مِنْ التَّفْرِيعِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ عَلَى إعَادَةِ الْمَغْرِبِ فَقَطْ قَطَعَ الْعِشَاءَ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ قَطْعِ الْعِشَاءِ مُطْلَقًا وَشَفْعِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ عَقْدِهَا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْعِشَاءَ بَعْدَ الْوِتْرِ لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت أَنَّ الْعِشَاءَ بَعْدَ الْوِتْرِ كَالْمَغْرِبِ فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ عَلِمْت أَنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَغْرِبِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِغَيْرِ الْمَشْهُورِ، وَعَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ مِنْ إعَادَةِ الْعِشَاءِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الْوِتْرِ فَهَلْ يُعَادُ الْوِتْرُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ لِسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِي: الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَعْدَ الْوِتْرِ وَإِنْ كَانَا لَا يُعَادَانِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ يُعَادَانِ لِلتَّرْتِيبِ وَلِلصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ نِسْيَانًا، وَيُعَادُ الْوِتْرُ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ لِلْحِلِّ آكَدُ مِنْهَا لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَلَوْ مَعَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ (فَلَا يُعِيدُهَا فِي الْجَمَاعَةِ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ عَدَدًا؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي تُشَرَّعُ لِأَجْلِهِ الْإِعَادَةُ قَدْ حَصَلَ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ابْتِدَاءً مَعَ الْفُضَلَاءِ وَفِي الْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ أَفْضَلَ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ لَا تُشَرَّعُ لِأَجْلِهِ الْإِعَادَةُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ وَاحِدٍ كَالصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ يُعِيدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ وَحْدَهُ يُعِيدُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ فِي أَنَّهُ إنْ صَلِّي وَحْدَهُ يَحْصُلُ لَهُ الْفَضْلُ وَلَا يُعِيدُ مَفْهُومُ مَا هُنَا بِمَا يَأْتِي.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَلَا يُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الَّتِي يُرِيدُ الْإِعَادَةَ مَعَهَا فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ تَقْيِيدُ كَلَامِهِ بِمَا إذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الَّتِي يُرِيدُ الْإِعَادَةَ مَعَهَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى فِي أَحَدِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى فِي غَيْرِهَا وَالثَّانِيَةُ فِيهَا فَيَنْدُبُ لَهُ الْإِعَادَةُ مَعَهَا لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي غَيْرِهَا فِي جَمَاعَةٍ يُعِيدُ فِيهَا جَمَاعَةً لِأَنَّ جَمَاعَتَهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ هُنَا وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً إلَخْ لَيْسَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلِ الْبَابِ: وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ قَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ الْإِمَامِ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَمَا هُنَا قَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ مُحَصِّلَ الْفَضْلِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِلْفَضْلِ الْحَاصِلِ، وَلَا يُقَالُ: مِنْ الْأَوَّلِ يُفْهَمُ الثَّانِي؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ كَوْنُهُ مَقْصُودًا مِنْهُ.
(وَ) مَفْهُومُ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ إلَخْ أَنَّ (مَنْ لَمْ يُدْرِكْ) مَعَ الْإِمَامِ (إلَّا التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ أَوْ الْجُلُوسَ) وَنَحْوَهُمَا مِمَّا لَيْسَ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ (فَلَهُ) عَلَى النَّدْبِ (أَنْ يُعِيدَ) تِلْكَ الصَّلَاةَ (فِي جَمَاعَةٍ) أُخْرَى لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ كَمَنْ صَلَّاهَا ابْتِدَاءً وَحْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ هَذِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِحُصُولِ الْفَضْلِ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ أَوْ لِمُجَرَّدِ رَفْعِ تَوَهُّمِ اعْتِقَادِ حُصُولِ الْفَضْلِ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ وَيُدْرِكَ جَمَاعَةً أُخْرَى يَرْجُوهَا، فَإِنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةً كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَلَا يَقْطَعُهَا حَيْثُ كَانَ غَيْرَ مُعِيدٍ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْمُعِيدُ لِفَضْلِهَا فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً يُشَفِّعُ نَدْبًا حَيْثُ كَانَتْ الصَّلَاةُ الْأُولَى مِمَّا يَنْتَفِلُ بَعْدَهَا كَمَا فِي الْجَلَّابِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَحَلِّ وُقُوفِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَحْكَامِهِ بِقَوْلِهِ: (وَالرَّجُلُ الْوَاحِدُ) وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ الَّذِي يَعْقِلُ الْقُرْبَةَ إذَا صَلَّى وَاحِدًا مِنْهُمَا (مَعَ الْإِمَامِ) يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يَقُومَ) أَيْ يُصَلِّيَ (عَنْ) أَيْ جِهَةَ (يَمِينِهِ) وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَأْمُومِ وَتُكْرَهُ مُحَاذَاتُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» وَإِنَّمَا لَمْ يُدِرْهُ مِنْ أَمَامِهِ لِئَلَّا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي.
(وَ) مَفْهُومُ الْوَاحِدِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقُومَ) أَيْ يُصَلِّيَ (الرَّجُلَانِ فَأَكْثَرَ خَلْفَهُ) لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «قُمْت عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ
صَلَّى بِزَوْجَتِهِ قَامَتْ خَلْفَهُ
وَالصَّبِيُّ إنْ صَلَّى مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ خَلْفَ الْإِمَامِ قَامَا خَلْفَهُ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ لَا يَذْهَبُ وَيَدْعُ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ
وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ إنْ صَلَّى وَحْدَهُ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ
وَيُكْرَهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَنْ تُجْمَعَ فِيهِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ
وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَلَا يَؤُمُّ فِيهَا أَحَدًا
وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ فَلْيَتْبَعْهُ مَنْ لَمْ يَسْهُ مَعَهُ مِمَّنْ خَلْفَهُ
[الفواكه الدواني]
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ أَوَّلًا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ أَنَّهُمَا يَتَأَخَّرَانِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَلَا يُؤْمَرُ الْإِمَامُ بِالتَّقَدُّمِ أَمَامَهُمَا بَلْ يَسْتَمِرُّ وَاقِفًا وَهُمَا الْمَأْمُورَانِ بِالتَّأَخُّرِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِتَأْوِيلِنَا يَقُومُ فَيُصَلِّي يَشْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُصَلِّيَ جَالِسًا.
(فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مَعَهُمَا) أَيْ مَعَ الرَّجُلَيْنِ (قَامَتْ خَلْفَهُمَا) وَلَا تَقِفُ فِي صَفِّهِمَا لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا» وَالْيَتِيمُ حَمْزَةُ وَالْعَجُوزُ أُمُّ سُلَيْمٍ.
(فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةِ بِقَرِينَةِ اسْمِ كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إلَّا الْإِمَامُ وَالْمَرْأَةُ (رَجُلٌ) وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ الَّذِي يَعْقِلُ الْقُرْبَةَ (صَلَّى) الرَّجُلُ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ (عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةُ) تُصَلِّي (خَلْفَهُمَا) لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» وَحُكْمُ جَمَاعَةِ النِّسْوَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَالرَّجُلِ حُكْمُ الْوَاحِدَةِ مَعَهُمَا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْمَنْدُوبِ: كَوُقُوفِ ذَكَرٍ عَنْ يَمِينِهِ وَاثْنَيْنِ خَلْفَهُ وَصَبِيٍّ عَقَلَ الْقُرْبَةَ كَالْبَالِغِ وَالنِّسَاءِ خَلْفَ الْجَمِيعِ.
(وَمَنْ صَلَّى بِزَوْجَتِهِ) الْمُرَادُ بِامْرَأَةٍ وَلَوْ أَجْنَبِيَّةً (قَامَتْ خَلْفَهُ) وَلَا تَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَوْ وَقَفَتْ بِجَنْبِهِ كَالرَّجُلِ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ لَهَا بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمُحَاذَاةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلُ مَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ كَخَلِيلٍ حُكْمُ وُقُوفِ الْخُنْثَى، وَيَنْبَغِي أَنَّ حُكْمَهُ مَعَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ رِجَالٍ كَالْأُنْثَى، وَأَمَّا مَعَ رِجَالٍ وَإِنَاثٍ فَيَقِفُ خَلْفَ الرِّجَالِ وَالْأُنْثَى الْمُحَقَّقَةُ خَلْفَهُ، هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَحَرَّرَهُ.
(وَالصَّبِيُّ إنْ صَلَّى مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ خَلْفَ الْإِمَامِ) الْمُرَادُ اقْتَدَيَا بِهِ (فَإِمَّا خَلْفَهُ) كَالْبَالِغِينَ لَكِنْ بِشَرْطِ (إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ) الْقُرْبَةَ بِحَيْثُ (لَا يَذْهَبُ وَيَدْعُ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَصَبِيٌّ عَقَلَ الْقُرْبَةَ كَالْبَالِغِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَيَتْرُكُهُ الْإِمَامُ يَقِفُ كَيْفَ شَاءَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ وَكَذَا الْوُقُوفَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُسْتَحَبٌّ، وَخِلَافُهُ مَكْرُوهٌ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ وَمُحَاذَاتِهِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ.
1 -
الثَّانِي: مِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَاتِّصَالُهَا، وَيُكْرَهُ عَدَمُ تَسْوِيَتِهَا أَوْ تَقْطِيعُهَا، وَكَذَلِكَ لَا يُشْرَعُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الْأَوَّلِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْأَوَّلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِالْمَقْصُورَةِ أَوْ الْمِنْبَرِ، وَسَوَاءٌ قَرُبَ صَاحِبُهُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ بَعُدَ عَنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِيقَاعُ الْفَرْضِ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ لِخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ ثَلَاثًا عَلَى أَهْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَوَاحِدَةً مَنْ يَلِيهِ» وَيَحْصُلُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَنَا وَلَوْ صَلَّى فِي غَيْرِ الصَّفِّ اخْتِيَارًا، وَإِنَّمَا يَفُوتُهُ ثَوَابُ الصَّلَاةِ فِي الصَّفِّ حَيْثُ تَرَكَ الدُّخُولَ فِيهِ اخْتِيَارًا لَا لِضَرُورَةٍ فَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ لِنِيَّةِ الدُّخُولِ فِيهِ لَوْلَا الْمَانِعُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَلَاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ أَيْ يَحْصُلُ مَعَهَا فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كُرِهَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّفِّ
(وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ) وَهُوَ الَّذِي نَصَّبَهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ نَصَّبَهُ وَاقِفُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ وَإِنْ كَانَ بِمَكْرُوهٍ، وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَإِنْ أَمَرَ بِمَكْرُوهٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ أَنَّ طَاعَةَ السُّلْطَانِ وَاجِبَةٌ فِي أَمْرِهِ بِالْمَكْرُوهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّاتِبُ مَنْصُوبًا فِي مَسْجِدٍ أَوْ سَفِينَةٍ أَوْ فِي مَكَان جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْجَمْعِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَوْ بَعْضِهَا.
(إنْ صَلَّى وَحْدَهُ) فِي مَكَانِهِ الَّذِي نُصِّبَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ (قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ) فِي حُصُولِ فَضْلِهَا لَهُ وَهُوَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ أَوْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً زِيَادَةً عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ، فَتَصِيرُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ أَوْ سِتَّةً وَعِشْرِينَ، وَجَعَلْنَا التَّمْيِيزَ صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ بِالْجُزْءِ أَوْ الدَّرَجَةِ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ كَجَمَاعَةٍ فَلَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ لِحُصُولِ الْفَضْلِ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَجْمَعَ فِي مَحَلِّهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ لَيْلَةَ الْمَطَرِ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقِيلَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي قِيَامِهِ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ صَلَاتُهُ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ وَانْتِظَارُ النَّاسِ عَلَى الْعَادَةِ وَنِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ.
قَالَ سَنَدٌ: إذَا أَقَامَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ لَمْ يَنْدُبْ لَهُ طَلَبُ جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ.
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِمَّا (لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ) عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَا (أَنْ تُجْمَعَ فِيهِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ
وَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ
وَيَفْتَتِحْ بَعْدَهُ وَيَقُومُ مِنْ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ قِيَامِهِ
وَيُسَلِّمُ بَعْدَ سَلَامِهِ وَمَا
[الفواكه الدواني]
الرَّاتِبِ، وَإِنْ أَذِنَ الْإِمَامُ، لَكِنْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: يُكْرَهُ جَمْعُهَا مَرَّتَيْنِ يَصْدُقُ بِصَلَاتِهَا جَمَاعَةً قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ يُوهِمُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْجَمْعِ بَعْدَهُ فَقَطْ اهـ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْجَمْعِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ أَذِنَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِشَخْصٍ أَنْ يُؤْذِيَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَذِيَّتُهُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْجَمْعُ لِغَيْرِ الرَّاتِبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ تَكْثِيرُ الْجَمَاعَةِ لِخَبَرِ: الْجَمْعُ الْكَثِيرُ مَغْفُورٌ لَهُ، فَإِذَا عَلِمَتْ النَّاسُ عَدَمَ جَمْعِ الصَّلَاةِ فِي الْمَحَلِّ مَرَّتَيْنِ بَادَرُوا لِحُضُورِهَا مَعَ الرَّاتِبِ، وَمِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى أَنْ جَعَلَ الْجُمُعَةَ مَجْمَعًا لِلنَّاسِ فَوْقَ الْجَمَاعَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ قَدْ لَا يَكُونُ فِيهَا مَغْفُورٌ لَهُ فَنَجِدُهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَشُرِعَ الْعِيدُ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ الْمُتَقَارِبَةِ، وَشُرِعَ الْمَوْقِفُ بِعَرَفَةَ لِاجْتِمَاعِ سَائِرِ الْأَقْطَارِ فِيهِ، فَفِيهِ اعْتِنَاءٌ بِشَأْنِ الْعِيدِ، وَحَمَلْنَا الْكَرَاهَةَ فِي الْجَمْعِ عَلَى وُقُوعِهَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَمْعِ فِي حَالِ صَلَاةِ الرَّاتِبِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ، بَلْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ حَرَامٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ عَلَى مُحَصِّلِ النَّفْلِ، وَهُوَ بِهِ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّهَا وَلَا غَيْرَهَا، وَإِلَّا لَزِمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ» وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ الَّتِي لَا رَاتِبَ لَهَا لَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، كَمَا لَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا بَعْدَ جَمْعِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ قَبْلَ الرَّاتِبِ، وَيَخْرُجُ قَبْلَ إتْيَانِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الرَّاتِبِ أَنْ يَجْمَعَ إذَا جَاءَ فَوَجَدَ غَيْرَهُ جَمَعَ فِي مَحَلِّهِ حَيْثُ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِلَّا كُرِهَ لَهُ كَمَا يُكْرَهُ جَمْعُهُ إذَا تَأَخَّرَ كَثِيرًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ الْجَمْعُ إنْ جَمَعَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ إنْ لَمْ يُؤَخِّرْ كَثِيرًا.
(تَنْبِيهٌ) : نَائِبُ الرَّاتِبِ حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّاتِبِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً) بِحَيْثُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا سَوَاءٌ صَلَّاهَا فَذًّا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ (فَلَا يَؤُمَّ فِيهَا أَحَدًا) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ أَنْ لَا يَكُونَ مُعِيدًا سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً، فَمَنْ صَلَّى الْعِيدَ فِي جَمَاعَةٍ لَا يَؤُمَّ فِيهَا غَيْرَهُ، وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمُعِيدِ يُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا حَيْثُ كَانَ صَلَاتُهُ فَرِيضَةً وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُ خَلِيلٍ: وَأَعَادَ مُؤْتَمٌّ بِمُعِيدٍ أَبَدًا أَفْذَاذًا فَإِنَّ قَوْلَهُ أَفْذَاذًا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ كَالْعِيدِ فَتُعَادُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهَذَا فِي الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ إلَّا إذَا كَانَ أَدَّاهَا أَوَّلًا مُنْفَرِدًا لِحُصُولِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى تَقْدِيرِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ الْأُولَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ.
(وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ) عَنْ شَيْءٍ يُوجِبُ السَّهْوَ عَنْهُ السُّجُودُ (وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ فَلْيَتَّبِعْهُ) فِي السُّجُودِ وُجُوبًا (مَنْ لَمْ يَسْهُ مَعَهُ مِمَّنْ خَلْفَهُ) وَأَوْلَى مَنْ حَضَرَ مَعَهُ السَّهْوَ وَإِنْ أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَا يُجْمِلُهُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ يَكُونُ سَهْوُ الْإِمَامِ سَهْوًا لِلْمَأْمُومِ، وَإِنْ فَعَلَهُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ مُوجِبَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُومَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا فَأَمْرُهُ وَاضِحٌ مِنْ لُزُومِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا فَإِنْ كَانَ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً يُخَاطَبُ بِالسُّجُودِ، وَإِنْ سَجَدَ وَلَوْ مَعَ الْإِمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ سَجَدَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ وَالْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ، فَلَوْ سَجَدَهُ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ كَمَا تَبْطُلُ بِسُجُودِهِ الْقَبْلِيِّ مَعَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِسُجُودِ الْمَسْبُوقِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدِيًّا مُطْلَقًا أَوْ قَبْلِيًّا إنْ لَمْ يَلْحَقْ رَكْعَةً، وَإِلَّا سَجَدَ وَلَوْ تَرَكَ إمَامَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكْ مُوجِبَهُ وَأُخْرَى الْبَعْدِيُّ.
(تَنْبِيهٌ) : مَفْهُومُ قَوْلِهِ: فَلْيَتَّبِعْهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ تَرَكَ تَبَعِيَّةَ الْإِمَامِ فِي السُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ قَبْلِيًّا، وَتَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، وَلَا تَبْطُلُ إنْ تَرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ سَهْوًا، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُجُودِهِ الْبَعْدِيِّ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ لِسَهْوِهِ لَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِلَّا سَجَدَ وَلَوْ تَرَكَ إمَامُهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكْ مُوجِبَهُ، وَأَخَّرَ الْبَعْدِيَّ فَإِنْ سَجَدَ الْمَأْمُومُ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ وَتَرَكَهُ إمَامُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ إمَامِهِ إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَتُزَادُ هَذِهِ عَلَى قَاعِدَةِ كُلُّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ.
(وَ) مِنْ أَحْكَامِ الْمَأْمُومِينَ أَنَّهُ (لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ) مِنْهُمْ (رَأْسَهُ) مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ) رَفْعِ (الْإِمَامِ) لِحُرْمَةِ ذَلِكَ، وَيُقَاسَ عَلَيْهِ الْخَفْضُ لِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» قَالَ ابْنُ نَاجِي: فَلَوْ رَفَعَ لِاعْتِقَادِهِ رَفْعَ الْإِمَامِ رَجَعَ إلَيْهِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ وَإِلَّا تَمَادَى، خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فِي قَوْلِهِ: لَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِهِ لِيَقَعَ رَفْعُهُ بَعْدَ الْإِمَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَمْرُ الرَّافِعِ بِعَوْدِهِ إنْ عُلِمَ إدْرَاكُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ كَأَنْ خَفَضَ عَلَى مَا صَوَّبَهُ ابْنُ غَازِيٍّ، فَلَوْ تَرَكَ الْعَوْدَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ حَيْثُ أَخَذَ فَرْضَهُ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ رَفْعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَ فَرْضَهُ وَتَرَكَ الرُّجُوعَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ كَمُتَعَمِّدٍ تَرْكَ رُكْنٍ، كَانَ سَهْوًا كَانَ كَمَنْ زُوحِمَ تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ وَيَأْتِي بِبَدَلِهَا.
(وَ)
سِوَى ذَلِكَ فَوَاسِعٌ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَهُ، وَبَعْدَهُ أَحْسَنُ
وَكُلُّ سَهْوٍ سَهَاهُ الْمَأْمُومُ فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ إلَّا رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً أَوْ
[الفواكه الدواني]
الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ أَنْ (لَا يَفْعَلَ) وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا (إلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ) أَيْ الْإِمَامِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعَ سُجُودًا بَعْدَهُ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عُمُومُ التَّأَخُّرِ عَنْ الْإِمَامِ حَتَّى فِي الرُّكُوعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقِيلَ: يَشْرَعُ مَعَهُ فِي الرُّكُوعِ وَهُوَ لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَأَمَّا فِيهِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى طَلَبِ التَّأَخُّرِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الْإِمَامُ قَائِمًا، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ وَلَا يَفْعَلُ إلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَوَّلَ نَهَى فِيهِ عَنْ السَّبَقِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: وَلَا يَفْعَلُ إلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ نَهَى فِيهِ عَنْ الْمُصَاحَبَةِ الَّتِي كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ جَوَازُهَا.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبْقُ الْإِمَامِ وَلَا مُصَاحَبَتُهُ فِي فِعْلِ رُكْنٍ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَحُكْمُ السَّبْقِ الْحُرْمَةُ وَالْمُصَاحَبَةِ الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا التَّأَخُّرُ عَنْهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَى رُكْنٍ آخَرَ فَحَرَامٌ، وَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِمَامِ فِي السَّبْقِ فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ،
وَأَمَّا هُمَا فَأَشَارَ إلَى الْإِحْرَامِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى مُرِيدِ الِاقْتِدَاءِ أَنْ (يَفْتَتِحَ) أَيْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَهَذَا خَبْرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْإِمَامِ، فَإِنْ افْتَتَحَ الْمَأْمُومُ الْإِحْرَامَ قَبْلَ إمَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ خَتَمَهُ بَعْدَهُ، وَكَذَا إنْ صَاحَبَهُ فِي افْتِتَاحِهِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ خَتْمُهُ، وَأَمَّا إنْ افْتَتَحَ الْإِمَامُ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمَأْمُومِ وَلَوْ بِحَرْفٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فِي خَتْمِهِ، وَكَذَا إنْ صَاحَبَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَبْطُلُ إنْ خَتَمَهُ قَبْلَهُ، فَالصُّوَرُ تِسْعٌ، تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فِي سَبْعٍ وَتَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ فِي صُورَةِ الْبُطْلَانِ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ إحْرَامَهُ سَابِقٌ عَلَى إحْرَامِ إمَامِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَهُ فَقَالَ مَالِكٌ: يُكَبِّرُ وَلَا يُسَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ لِمُخَالَفَتِهِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ التَّأْخِيرِ عَنْ الْإِمَامِ، خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فِي قَوْلِهِ يُسَلِّمُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَهَذَا إنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ يَقْطَعُ بِسَلَامٍ، وَإِلَّا كَبَّرَ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى سَلَامٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْ الْمَأْمُومِ أَنْ (يَقُومَ مِنْ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ قِيَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ، وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقُومَ مِنْ اثْنَتَيْنِ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْلَالِ إمَامِهِ وَيَحْرُمُ سَبْقُهُ وَتُكْرَهُ مُصَاحَبَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَا
، وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ لَا (يُسَلِّمَ) إلَّا (بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: فِي شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ وَمُتَابَعَةٌ فِي إحْرَامٍ وَسَلَامٍ، فَإِنْ شَرَعَ فِي السَّلَامِ قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ، وَمِثْلُ السَّبْقِ الْمُصَاحَبَةُ فِي ابْتِدَائِهِ تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ خَتْمُهُ عَنْ الْإِمَامِ، أَمَّا لَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ فِي ابْتِدَائِهِ وَلَوْ بِحَرْفٍ فَهَذَا إنَّمَا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ إنْ خَتَمَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا إنْ تَأَخَّرَ عَنْ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ صَاحَبَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَالصُّوَرُ تِسْعٌ كَصُوَرِ الْإِحْرَامِ تَبْطُلُ فِي سَبْعٍ وَتَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ، وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ فِي سَبْعٍ: السَّلَامُ إنْ وَقَعَ السَّلَامُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ مَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ، وَأَمَّا لَوْ سَبَقَهُ سَهْوُ الْأَمْرِ بِالسَّلَامِ بَعْدَ الْإِمَامِ، لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمُبْطِلٍ بَعْدَ سَلَامِهِ.
(وَمَا سِوَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الِافْتِتَاحِ بِالْإِحْرَامِ وَالْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالتَّأَخُّرِ بِالسَّلَامِ (فَوَاسِعٌ) أَيْ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي (أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ (وَ) لَكِنَّ فِعْلَهُ (بَعْدَهُ أَحْسَنُ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ.
(تَنْبِيهٌ) : كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الْمُسَاوَاةِ فِي نَحْوِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ كَلَامُ خَلِيلٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ كَرَاهَةُ الْمُسَاوَاةِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَفِيهِمَا مُبْطِلَةٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِوَاسِعٍ عَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَبَعْدَهُ أَحْسَنُ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٍّ فَأَفْعَلُ.
لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْمَأْمُومِ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْإِمَامِ فِي كُلِّ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَيَحْرُمُ سَبْقُهُ فِي جَمِيعِهَا، وَكَذَا مُصَاحَبَتُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِمَا، وَأَمَّا السَّبْقُ فِي غَيْرِهِمَا عَمْدًا فَحَرَامٌ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا الْمُسَاوَاةُ فَمَكْرُوهَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُتَابَعَةٌ فِي إحْرَامٍ وَسَلَامٍ، فَالْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ شَكَّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ مُبْطَلَةٌ لَا الْمُسَاوَاةُ كَغَيْرِهِمَا لَكِنَّ سَبْقَهُ مَمْنُوعٌ وَإِلَّا كُرِهَ.
(وَكُلُّ سَهْوٍ سَهَاهُ الْمَأْمُومُ) فِيمَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ إمَامُهُ فِي حَالِ اقْتِدَائِهِ (فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ) كَالتَّكْبِيرِ وَلَفْظِ التَّشَهُّدِ وَزِيَادَةِ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا سَهْوَ عَلَى مُؤْتَمٍّ حَالَةَ الْقُدْوَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا سَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ عَنْ شَيْءٍ فَلَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ بَلْ يَسْجُدُ لَهُ، وَلَا مَفْهُومَ لِلسَّهْوِ فِي كَلَامِهِ كَخَلِيلٍ بَلْ يُحْمَلُ عَنْهُ بَعْضُ عَمْدٍ كَتَرْكِ التَّكْبِيرِ أَوْ لَفْظِ التَّشَهُّدِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا
تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامَ وَاعْتِقَادَ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ
وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَلْيَنْصَرِفْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ.
[الفواكه الدواني]
مِمَّا يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (إلَّا) نَحْوَ (رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ) أَوْ رُكُوعٍ أَوْ طُمَأْنِينَةٍ.
(أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامَ أَوْ اعْتِقَادَ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ) فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَنْ الْمَأْمُومِ لِأَنَّهَا فَرَائِضُ، وَالْإِمَامُ إنَّمَا يَحْمِلُ عَنْ الْمَأْمُومِ مَا يَسْجُدُ لِأَجْلِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ اعْتِقَادَ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ قَالَ التَّادَلِيُّ: الصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظِ اعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ إرَادَةُ الْفِعْلِ.
وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْعَزْمِ، وَالْعَزْمُ سَابِقٌ عَلَيْهَا، وَلِي فِي هَذَا الْكَلَامِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَّفُوا النِّيَّةَ بِأَنَّهَا الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، فَلَعَلَّ إضَافَةَ اعْتِقَادِ إلَى نِيَّةٍ بَيَانِيَّةٌ أَيْ اعْتِقَادٌ هُوَ نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ.
(وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ) مِنْ الصَّلَاةِ (فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ سَلَامِهِ) وَفَسَّرَ عَدَمَ الثُّبُوتِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَنْصَرِفْ) مِنْ مِحْرَابِهِ نَدْبًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ، وَقَالَ شَارِحُهُ: وَكَذَا جُلُوسُهُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِي الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِانْصِرَافٍ أَوْ تَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الِانْصِرَافِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الِانْصِرَافَ سَرِيعًا مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ الْإِمَامِ الِانْصِرَافُ بَعْدَ سَلَامِهِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الدَّاخِلُ أَنَّهُ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ التَّعَالِيلِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ عَقِبَ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ أَوْ تَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْدُبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُغَيِّرَ حَالَتَهُ بَعْدَ السَّلَامِ إمَّا بِالِانْصِرَافِ أَوْ تَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، إمَّا إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ التَّلْبِيسُ عَلَى الدَّاخِلِ، وَإِمَّا بِالِانْصِرَافِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ تَطْرُقُ الْعَجَبَ إلَيْهِ أَوْ الرِّيَاءَ، فَقَدْ نَقَلَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا إذَا سَلَّمَا يَنْهَضَانِ مِنْ الْمِحْرَابِ نَهْضَةَ الْبَعِيرِ الْهَائِجِ مِنْ عِقَالِهِ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ: وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ هُوَ السُّنَّةُ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ أَبِي جَمْرَةَ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ لَا انْصِرَافُهُ جُمْلَةً مِنْ مَحَلِّهِ، فَإِنَّ هَذَا فِعْلُ أَهْلِ التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ حَتَّى يَقُومَ الرَّجُلُ سَرِيعًا كَأَنَّمَا ضُرِبَ بِشَيْءٍ يُؤْلِمُهُ، وَيَفُوتُهُ بِذَلِكَ خَيْرُ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، يَقُولُونَ لَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.
قُلْت: وَفِي هَذَا نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ الْمَنْقُولِ عَنْ مُسْلِمٍ، وَاَلَّذِي تَرْكَنُ إلَيْهِ النَّفْسُ مَا قَالَهُ الثَّعَالِبِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَصَاحِبُ الْمَدْخَلِ؛ لِأَنَّ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الْفَوْرِيَّةُ فَأَوْلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ بَعْدَ مُكْثِهِ مُدَّةً لَطِيفَةً بِقَدْرِ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ وَإِلَيْك يَرْجِعُ السَّلَامُ تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
وَلَمَّا عَلَّلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ طَلَبَ الِانْصِرَافِ بِزَوَالِ اسْتِحْقَاقِهِ لِمَحَلِّ صَلَاتِهِ بِفَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ) ذَلِكَ الْإِمَامُ صَلَّى (فِي مَحَلِّهِ) الْمَمْلُوكِ لَهُ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ (فَذَلِكَ) أَيْ جُلُوسُهُ فِي مَحَلِّ صَلَاتِهِ (وَاسِعٌ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِانْصِرَافِ أَوْ تَحَوُّلِهِ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ.
1 -
(خَاتِمَةٌ) : قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِأَثَرِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ الذِّكْرُ، وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِالدُّعَاءِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ عَمَلٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلِذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ، فَيَحْصُلُ لِلْإِمَامِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْعَظَمَةِ بِسَبَبِ نَصْبِ نَفْسِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الرَّبِّ وَعَبْدِهِ مِنْ تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي: قُلْت وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيته يُصَرِّحُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ وَرَدَ الْحَثُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلِذَا صَارَ تَابِعًا فِعْلَهُ بَلْ الْغَالِبُ عَلَى مَنْ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِذَلِكَ التَّوَاضُعِ وَالرِّقَّةِ فَلَا يُهْمَلُ أَمْرُهُ بَلْ يُفْعَلُ، وَمَا كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، بَلْ هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ، وَالِاجْتِمَاعُ فِيهِ يُورِثُ الِاجْتِهَادَ فِيهِ وَالنَّشَاطَ، وَأَقُولُ: طَلَبُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ شَاهِدُ صِدْقٍ فِيمَا ارْتَضَاهُ ابْنُ نَاجِي.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَدْ انْتَهَى رُبْعُ الرِّسَالَةِ أَعَانَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ عَلَى بَاقِيهَا.
[بَاب جَامِع فِي الصَّلَاة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّبْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ:
بَابٌ جَامِعٌ فِي الصَّلَاةِ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ الدِّرْعُ الْخَصِيفُ السَّابِغُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا، وَهُوَ الْقَمِيصُ وَالْخِمَارُ الْخَصِيفُ
وَيُجْزِئُ الرَّجُلَ فِي الصَّلَاةِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَلَا يُغَطِّي أَنْفَهُ وَوَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَضُمُّ ثِيَابَهُ أَوْ يَكْفِتُ
[الفواكه الدواني]
بَابٌ جَامِعٌ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ بِتَنْوِينِ بَابٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِعَدَمِ إيهَامِهِ، وَبِالْإِضَافَةِ أَيْ بَابِ جَامِعٍ لَكِنَّ الْإِضَافَةَ تُوهِمُ أَنَّهُ جَمَعَ كُلَّ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ، وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ تَنْوِينِهِ الْمَعْنِيِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَذْكُرُ مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةً (فِي الصَّلَاةِ) وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى نُسْخَةِ فِي، وَأَمَّا عَلَى إسْقَاطِهَا فَالتَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ سِيَّانِ فِي أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَابَ جَمَعَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ لَكِنْ يُوهِمُ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ لَا غَيْرَهَا، مَعَ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ غَيْرِ الصَّلَاةِ مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةً بِالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ كَقَوْلِهِ: وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ، وَيُوهِمُ أَيْضًا أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ إلَّا أَحْكَامَ الصَّلَاةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ جَامِعٌ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ وُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ جَامِعٍ مُعْظَمَ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ عَلَى حَدِّ: الْحَجُّ عَرَفَةَ، وَعَلَى إضَافَةِ بَابٍ إلَى جَامِعٍ فَيَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الدَّالِ إلَى مَدْلُولِهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، وَعَلَى إسْقَاطِ فِي وَتَنْوِينِ بَابٍ يَصِحُّ فِي الصَّلَاةِ النَّصْبُ وَالْجَرُّ عَلَى حَدِّ: وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا، وَابْتَدَأَ هَذَا الْبَابَ بِمَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ يُطْلَبُ حِينَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) شَيْئَانِ سَاتِرَانِ لِجَسَدِهَا أَحَدُهُمَا (الدِّرْعُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (الْحَصِيفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ الْكَثِيفُ الْمَتِينُ الَّذِي لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ، وَيُرْوَى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَسَّرَهُ عَلَى الضَّبْطَيْنِ بِقَوْلِهِ: (السَّابِغُ) أَيْ (الَّذِي يَسْتُرُ) جَمِيعَ جَسَدِهَا سِوَى رَأْسِهَا حَتَّى (ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) ، وَلَمَّا كَانَ الدِّرْعُ مُشْتَرَكًا لَفْظًا بَيْنَ دِرْعِ الْحَدِيدِ وَبَيْنَ الثَّوْبِ قَالَ: (وَهُوَ الْقَمِيصُ) الَّذِي يَسْلُكُ فِي الْعُنُقِ.
(وَ) ثَانِي الْأَمْرَيْنِ (الْخِمَارُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ (الْخَصِيفُ) وَحَقِيقَةُ الْخِمَارِ الثَّوْبُ الَّذِي تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا وَخَدَّيْهَا، سُمِّيَ خِمَارًا؛ لِأَنَّهُ يُخَمِّرُ الرَّأْسَ أَيْ يُغَطِّيهِ، وَاحْتُرِزَ بِالْخَصِيفِ مِنْ الْخَفِيفِ النَّسْجُ الَّذِي يَشِفُّ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَالْبُنْدُقِيِّ الرَّفِيعِ فَإِنْ صَلَّتْ بِهِ أَعَادَتْ أَبَدًا عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ: مِنْ أَنَّ الَّذِي يَشِفُّ كَالْعَدَمِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ وَتَابِعِيهِ الشَّافُّ كَالْعَدَمِ وَمَا يَصِفُ لِرِقَّتِهِ يُكْرَهُ، وَهْمٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِرِوَايَةِ الْبَاجِيِّ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ صَلَاتِهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ جَسَدِهَا وَشَعْرَهَا حَتَّى دَلَالِيلَهَا مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ هُنَا الْوَجْهُ الْمُتَقَدِّمُ تَحْدِيدُهُ فِي فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ لِحْيَتِهَا إنْ خُلِقَ لَهَا لِحْيَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ بَعْضِ خَدَّيْهَا، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ إلَخْ أَنَّهَا لَوْ صَلَّتْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ لَمْ يُجِزْهَا، وَتُعِيدُ أَبَدًا وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ عَلَى تَفْصِيلٍ تَقَدَّمَ وَهُوَ: إنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الصَّدْرِ أَوْ بَعْضَ الْأَطْرَافِ كَظُهُورِ قَدَمَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَشَعْرَهَا أَوْ بَعْضَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا وَأَطْرَافِهَا بِوَقْتٍ كَكَشْفِ أَمَةٍ فَخِذًا لَا رِجْلًا، وَأَمَّا لَوْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ شَيْءٍ مِنْ نَحْوِ الْبَطْنِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ الْجَنْبِ لَأَعَادَتْ أَبَدًا، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَيَحِلُّ لِكُلٍّ النَّظَرُ لِفَرْجِ الْآخَرِ، وَأَمَّا مَعَ الْغَيْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ مَعَ مَحْرَمِهَا وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَمِيعَ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
(وَيُجْزِئُ الرَّجُلَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْفَاعِلُ (الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) وَيُشْتَرَطُ فِيهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ كَوْنُهُ كَثِيفًا بِحَيْثُ لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ وَإِلَّا كُرِهَ وَكَوْنُهُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ جَسَدِهِ.
فَإِنْ سَتَرَ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ فَقَطْ أَوْ كَانَ مِمَّا
شَعْرَهُ
وَكُلُّ سَهْوٍ فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَةٍ فَلْيَسْجُدْ لَهُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ يَتَشَهَّدُ لَهُمَا وَيُسَلِّمُ مِنْهُمَا
[السَّاهِي فِي صَلَاتِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ مِنْ سُجُودٍ وَعَدَمِهِ]
وَكُلُّ سَهْوٍ يُنْقِصُ
[الفواكه الدواني]
يَصِفُ أَيْ يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ أَوْ يَشِفُّ بِأَنْ يُرَى مِنْهُ لَوْنُهَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ حَتَّى مِنْ الَّذِي يَشِفُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ»
1 -
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا كَرَّرَهَا الْمُصَنِّفُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُقَدِّمْهُ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلَا يُغَطِّي) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْفَهُ أَوْ وَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ يُكْرَهُ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ امْرَأَةً الِانْتِقَابُ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُغَطِّي أَنْفَهُ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا التَّلَثُّمُ بِأَنْ يُغَطِّيَ شَفَتَهُ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْخُشُوعِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ عَادَتُهُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ حَيْثُ كَانَ مِمَّنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ لَهُ حَتَّى فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمُتَكَبِّرِينَ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا (يَضُمُّ ثِيَابَهُ أَوْ يَكْفِتُ) أَيْ يَضُمُّ (شَعْرَهُ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ أَنْ يُشَمِّرَ ثَوْبَهُ أَوْ كُمَّهُ أَوْ يَضُمَّ شَعْرَهُ لِمُنَافَاةِ جَمِيعِ ذَلِكَ لِلْخُشُوعِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ انْتِقَابُ امْرَأَةٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَأَوْلَى رَجُلٍ كَكَفْتِ كُمٍّ وَشَعْرٍ لِصَلَاةٍ وَتَلَثُّمٍ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ لِصَلَاةٍ رَاجِعٌ لِلِانْتِقَابِ وَلِلْمُشَبَّهِ بِهِ، وَمَفْهُومُ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ضَمُّ الثَّوْبِ وَلَا الشَّعْرِ لِغَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ عَادَ لِمَا كَانَ الْكَفْتُ لَهُ مِنْ الشُّغْلِ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إذَا عَادَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرَتْ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَلَا أَكْفِتُ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ إذَا قُصِدَ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَرُوِيَ: «إذَا سَجَدَ الْإِنْسَانُ فَسَجَدَ مَعَهُ شَعْرُهُ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً» ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِانْتِقَابِ وَالتَّلَثُّمِ وَالِاحْتِزَامِ وَالتَّشْمِيرِ وَضَمِّ الْأَكْمَامِ وَالشَّعْرِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا فُعِلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ إلَّا الِانْتِقَابَ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ مُحْتَزِمٌ أَوْ شَامِرٌ لِثَوْبِهِ لَا تُكْرَهُ صَلَاتُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى حَلَّ ذَلِكَ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِ السَّاهِي فِي صَلَاتِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ مِنْ سُجُودٍ وَعَدَمِهِ فَقَالَ: (وَكُلُّ سَهْوٍ) أَيْ ذُهُولٍ عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ النِّسْيَانِ سَهَاهُ (فِي الصَّلَاةِ) وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً فَإِنْ كَانَ (بِزِيَادَةٍ) يَسِيرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ أَكْثَرَ حَيْثُ لَمْ تَبْلُغْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَوَامِلَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ أَوْ الثُّنَائِيَّةِ الْمَقْصُورَةِ أَوْ اثْنَتَيْنِ فِي الثُّنَائِيَّةِ أَصَالَةً كَالصُّبْحِ أَوْ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَالْكَمَالُ هُنَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرَّكْعَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ.
(فَلْيَسْجُدْ لَهُ سَجْدَتَيْنِ) اسْتِنَانًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَلَوْ تَكَرَّرَ سَهْوُهُ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا (بَعْدَ السَّلَامِ) بِإِحْرَامٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْوِي بِتَكْبِيرَةِ الْهَوِيِّ الْإِحْرَامَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ تَكْبِيرٍ لَهُ وَيُكَبِّرُ فِي الرَّفْعِ وَ (يَتَشَهَّدُ لَهَا وَيُسَلِّمُ مِنْهُمَا) جَهْرًا وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، قَالَ خَلِيلٌ: بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ جَهْرًا.
وَإِنَّمَا طُلِبَ لِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ إحْرَامٌ وَتَشَهُّدٌ وَسَلَامٌ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ فِي السَّلَامِ أَنْ يَقَعَ عَقِبَ تَشَهُّدٍ، وَحُكْمُ السَّلَامِ مِنْ الْبَعْدِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَلَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ وَاقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ بِنِيَّتِهِمَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، بَلْ لَوْ تَرَكَ الْبَعْدِيَّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلُ الصَّلَاةِ فَهُوَ جَابِرٌ لَهَا، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْبَعْدِيِّ تَرْغِيمُ أَنْفِ الشَّيْطَانِ، وَقَيَّدْنَا الزِّيَادَةَ بِالْيَسِيرَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْفِعْلِ الْكَثِيرِ وَلَوْ سَهْوًا وَلَوْ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَزِيَادَةِ أَرْبَعٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ أَوْ الْمَقْصُورَةِ.
وَأَمَّا زِيَادَةُ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ فَلَا سُجُودَ فِي سَهْوِهَا كَمَا لَا تَبْطُلُ بِعَمْدِهَا، كَمَا لَوْ كَرَّرَ السُّورَةَ أَوْ التَّكْبِيرَ أَوْ زَادَ سُورَةً فِي أُخْرَيَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فَرْضًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ سَهْوًا وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَعَمُّدِ تَكْرِيرِهَا وَالْمُعْتَمَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ، وَيُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَيَتَعَمَّدُ كَسَجْدَةٍ مِنْ كُلِّ رُكْنٍ فَعَلَى عَدَمِ بُطْلَانِهَا بِتَعَمُّدِ زِيَادَةِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ يُصَلِّي وَلَا يَسْجُدُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَوْ نَافِلَةً لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ السَّهْوَ فِي النَّافِلَةِ كَالسَّهْوِ فِي الْفَرِيضَةِ إلَّا فِي خَمْسِ مَسَائِلَ: تَرْكُ السِّرِّ وَالْجَهْرِ فِي مَحَلِّهَا وَتَرْكُ السُّورَةِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا سُجُودَ فِي تَرْكِهَا مِنْ النَّافِلَةِ، وَيَسْجُدُ لَتَرْكِهَا مِنْ الْفَرِيضَةِ، وَالرَّابِعَةُ إذَا عَقَدَ ثَالِثَةَ النَّفْلِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهَا يُكَمِّلُهَا أَرْبَعًا وَفِي الْفَرْضِ يَرْجِعُ، وَالْخَامِسَةُ إذَا تَرَكَ رُكْنًا مِنْ النَّافِلَةِ وَطَالَ أَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ مُطْلَقًا أَوْ نَافِلَةٍ وَرَكَعَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلزِّيَادَةِ فَقَطْ بَعْدَ السَّلَامِ خَبَرُ الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ
فَلْيَسْجُدْ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ إذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَقِيلَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ
وَمَنْ نَقَصَ وَزَادَ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
فَقَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيت؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ فَأَتَمَّ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ وَهُوَ جَالِسٌ» وَمَعْنَى أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ هَلْ أُوحِيَ إلَيْك بِقَصْرِهَا أَمْ نَسِيت؟ فَالتَّاءُ فِي أَقَصُرَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَالصَّلَاةُ فَاعِلٌ وَلَيْسَتْ حَرْفَ خِطَابٍ لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ أَمْ نَسِيت، وَفُهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ أُمُورٌ مِنْهَا: مَشْرُوعِيَّةُ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ إلَى الْآنَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ أَنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخَةٌ، وَمَا وَقَعَ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ إسْلَامًا فَالْحَقُّ عَدَمُ نَسْخِ قِصَّتِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ سَجْدَتَانِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ لِلزِّيَادَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّ السَّلَامَ سَهْوًا لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ بَعْدَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ لِإِصْلَاحِهَا مِنْ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ لَا يُبْطِلُهَا إذَا لَمْ يَكْثُرُ، وَمِنْهَا: جَوَازُ سُؤَالِ الْمَأْمُومِ لِإِمَامِهِ عِنْدَ شَكِّهِ، وَجَوَازُ سُؤَالِ الْإِمَامِ لِمَأْمُومِيهِ كَذَلِكَ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحْضَ الزِّيَادَةِ يُسْجَدُ لَهَا بَعْدَ السَّلَامِ ذَكَرَ مُحْتَرَزَهَا بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ سَهْوٍ بِنَقْصٍ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ دَاخِلَةٌ فِي الصَّلَاةِ كَالزَّائِدِ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ جَمِيعِهَا حَيْثُ أَتَى بِهَا فِي جُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَقَلِّهَا عَلَى مَا يَأْتِي لِلْفَاكِهَانِيِّ، وَمِثْلُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ السُّنَّتَانِ الْخَفِيفَتَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ مُحَقَّقًا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَخَبَرُ كُلِّ سَهْوٍ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأٌ (فَلْيَسْجُدْ لَهُ) سَجْدَتَيْنِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ وَلَوْ كَثُرَتْ السُّنَنُ الْمَتْرُوكَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: سُنَّ لِسَهْوٍ وَإِنْ تَكَرَّرَ بِنَقْصِ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ مَعَ زِيَادَةِ سَجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَمُقَابِلُهُ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ (قَبْلَ السَّلَامِ) يُكَبِّرُ لِلْخَفْضِ وَالرَّفْعِ مَعَ نِيَّةِ فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَخِلَافُهُ لَا يَظْهَرُ، وَجَعَلْنَا مَفْعُولَ الْمَصْدَرِ سُنَّةً لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يُسْجَدُ لَهَا وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَدَارُكِهَا، وَقَيَّدْنَا السُّنَّةَ بِالْمُؤَكَّدَةِ أَوْ الْخَفِيفَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ التَّكْبِيرَةِ لَا يُسْجَدُ لَهَا وَبِدَاخِلَةِ الصَّلَاةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِقَامَةِ فَلَا يُسْجَدُ لَهَا، وَإِنْ سَجَدَ لِمَا لَا يُسْجَدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَوْ جَهْلًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَسْجُدَ تَبَعًا لِمَنْ يَرَى السُّجُودَ لِذَلِكَ، وَمُحْتَرَزُ السَّهْوِ أَنَّ الْعَمْدَ لَا يُسْجَدُ لَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ؟ قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ لَا؟ وَلَا سُجُودَ خِلَافٌ وَمَحَلُّ السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ (إذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ) الَّذِي هُوَ آخَرُ صَلَاتِهِ وَفَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدُّعَاءِ أَيْضًا (ثُمَّ) بَعْدَ فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ) أَيْ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ اسْتِنَانٌ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: يَتَشَهَّدُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُطْلَبُ فِي تَشَهُّدِهَا الدُّعَاءُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الدُّعَاءِ.
(وَيُسَلِّمُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ سَلَامُ الْفَرِيضَةِ.
وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّ إعَادَةَ التَّشَهُّدِ هِيَ الصَّوَابُ ذَكَرَ مُقَابِلَهَا بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ) ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْمُبَيِّنُ لِمَا بِهِ الْفَتْوَى حَيْثُ قَالَ: وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا: أَنَّ إعَادَةَ التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إعَادَتَهُ وَلَوْ عَمْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ لِلْفَرِيضَةِ وَاكْتَفَى بِتَشَهُّدِ الْفَرِيضَةِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ تَرْكِ إعَادَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) : لَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ سَجْدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ أَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَوْ لَمْ يَسْجُدْ أَصْلًا؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ وَاحِدَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ يَأْتِي بِسَجْدَتَيْنِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ سَلَامِهِ، فَلَيْسَ كَمَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَبَنَى عَلَى الْأَقَلِّ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فِي شَكِّهِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَأَمْكَنَ أَنْ يَشُكَّ مَرَّةً أُخْرَى وَيَسْجُدَ فَيَتَسَلْسَلُ الْأَمْرُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سُئِلَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: الْمُصَغَّرُ لَا يُصَغَّرُ، وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ سَهْوًا فَيَفْتَرِقُ الْحَالُ إنْ كَانَ قَبْلِيًّا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ لَا إنْ كَانَ بَعْدِيًّا،
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحْضَ الزِّيَادَةِ يُسْجَدُ لَهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَحْضَ النَّقْصِ قَبْلَ السَّلَامِ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ نَقَصَ) سُنَّةً مِنْ سُنَنِ صَلَاتِهِ وَلَوْ خَفِيفَةً (وَزَادَ) فِيهَا أَيْضًا زِيَادَةً سَهْوًا لَا تَبْطُلُ بِمِثْلِهَا (سَجَدَ) لَهُمَا (قَبْلَ السَّلَامِ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ عَلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّ جَابِرٌ هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ مَعَ الزِّيَادَةِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالْخَفِيفَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا بَيْنَ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمَشْكُوكِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ جَعَلُوا الصُّوَرَ تِسْعًا بَيَانُهَا أَنَّ النَّقْصَ وَحْدَهُ إمَّا مُحَقَّقٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالزِّيَادَةَ وَحْدَهَا كَذَلِكَ إمَّا مُحَقَّقَةٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهَا فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَا فَصُوَرُهُمَا أَرْبَعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا مُحَقَّقَانِ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِمَا أَوْ النَّقْصُ مُحَقَّقٌ وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا أَوْ عَكْسُهُ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تُضَمُّ لِلْأَرْبَعِ الْأُولَى تَصِيرُ ثَمَانِ صُوَرٍ، وَلِلتَّاسِعَةِ أَنْ يَتَيَقَّنَ حُصُولَ الْمُوجِبِ لِلسُّجُودِ وَيَشُكَّ هَلْ هُوَ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ فَيَسْجُدَ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ السَّلَامِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ يَسْجُدُ فِيهِمَا بَعْدَ السَّلَامِ وَهُمَا بَعْضُ الزِّيَادَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَالزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِي حُصُولِهَا وَعَدَمِ حُصُولِهَا.
نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ فَلْيَسْجُدْ مَتَى مَا ذَكَرَهُ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ سَجَدَ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَإِنْ بَعُدَ ابْتَدَأَ
[الفواكه الدواني]
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ هُوَ مَرَضِيُّ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَحَمَلَ السُّجُودَ لِلْجَمِيعِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَعَلَهُ بَعْدِيًّا مُطْلَقًا، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ إمَامِنَا عَلَى الزِّيَادَةِ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَدَلِيلُ النَّقْصِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ لِلتَّشَهُّدِ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ غَلَبَ النَّقْصُ عَلَى الزِّيَادَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا» .
الثَّانِي: لَوْ خَالَفَ الْمُصَلِّي وَقَدَّمَ مَا يُؤَخَّرُ وَأَخَّرَ مَا يُقَدَّمُ لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ لَكِنْ مَعَ حُرْمَةِ تَقْدِيمِ الْبَعْدِيِّ عَمْدًا وَكَرَاهَةِ تَأْخِيرِ الْقَبْلِيِّ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمِمَّا يَصِحُّ أَيْضًا لَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ فِي مَحَلِّهِ، وَقَدَّمَهُ الْمَأْمُومُ أَوْ أَخَّرَهُ فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ أَيْ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْبَعْدِيِّ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَتَأْخِيرُ الْقَبْلِيِّ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمَنْ نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ) عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ بِالسُّجُودِ (بَعْدَ السَّلَامِ) وَهُوَ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا سَهْوًا لَا تَبْطُلُ بِزِيَادَتِهِ وَفَارَقَ مَحَلَّ صَلَاتِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ (فَلْيَسْجُدْ مَتَى مَا ذَكَرَهُ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ) بَعْدَ سَلَامِهِ وَتَذَكَّرَهُ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ نَسِيَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْجُدُ الْبَعْدِيَّ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لِتَرْغِيمِ أَنْفِ الشَّيْطَانِ بِخِلَافِ الْقَبْلِيِّ فَإِنَّهُ جَابِرٌ لَنَقْصِ الصَّلَاةِ فَلِذَا طَلَبَ وُقُوعَهُ فِيهَا أَوْ عَقِبَهَا بِالْقُرْبِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) .
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السُّجُودَ يُفْعَلُ وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَبْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ وَتَابِعٌ لَهَا، وَأَمَّا الْبَعْدِيُّ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَهُ مِنْ صَلَاةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ لِحَلِّ النَّافِلَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَحَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ رَعْيًا لِأَصْلِهِ، وَيُوَافِقُهُ نَقْلُ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ.
الثَّانِي ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَسْجُدُ الْبَعْدِيَّ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وَلَوْ مِنْ صَلَاةِ جُمُعَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنْ كَانَ مِنْ صَلَاةِ جُمُعَةٍ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي جَامِعٍ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ إنْ كَانَ قَبْلِيًّا كَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ مِنْهَا وَقَامَ لِلْقَضَاءِ فَنَسِيَ السُّورَةَ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَهُ سَرِيعًا فَإِنَّهُ يَرْكَعُ لِمَسْجِدِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَيَسْجُدُ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلُ طُولٌ بِنَاءً، عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِطُولٍ بَلْ بِالْعُرْفِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدِيًّا كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ زَادَ رَكْعَةً سَهْوًا وَنَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِي أَيِّ جَامِعٍ كَانَ، قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْجَامِعِ فِي الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِهِ.
الثَّالِثُ: التَّقْيِيدُ بِالسَّهْوِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَطْلُبُ السُّجُودَ لِلْعَمْدِ كَطُولٍ بِمَحَلٍّ لَمْ يُشَرَّعْ بِهِ التَّطْوِيلُ كَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَمَنْ اسْتَوْفَزَ لِلْقِيَامِ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، بِخِلَافِ التَّطْوِيلِ بِمَحِلٍّ يُشَرَّعُ فِيهِ التَّطْوِيلُ فَلَا سُجُودَ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّهِ فَيَسْجُدُ، وَمِنْ غَيْرِ السَّهْوِ الشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا، وَأَيْضًا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ عَمْدًا مِنْ رَكْعَةٍ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَمُقَابِلُهُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ: السُّنَّةُ الْوَاحِدَةُ جَرَى الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ.
هَذِهِ سُنَّةٌ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَبِتَرْكِ السُّجُودِ لَهَا، وَلَوْ مِنْ رَكْعَةٍ عِنْدَ تَرْكِهَا سَهْوًا، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ إلَّا إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ.
(وَإِنْ كَانَ) السُّجُودُ الَّذِي سَهَا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ (قَبْلَ السَّلَامِ) وَسَلَّمَ تَارِكًا لَهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ كَانَ) تَذَكُّرُهُ (قَرِيبًا) مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقُرْبُ بِالْعُرْفِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَشْهَبَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَيُحْرِمُ لَهُمَا وَلَا يَرْجِعُ إلَّا إصْلَاحَ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا بِإِحْرَامٍ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَأْخِيرُ الْقَبْلِيَّتَيْنِ عَفْوٌ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ إنْ ذَكَرَهُمَا قَبْلَ سَلَامِهِ رَجَعَ لَهُمَا بِإِحْرَامٍ، وَكَذَا كُلُّ رَاجِعٍ لِبَاقٍ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ، كَمَنْ سَلَّمَ وَتَذَكَّرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَةً أَوْ نَسِيَ رُكُوعًا مِنْ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا حَيْثُ قَرُبَ لَكِنْ بِإِحْرَامٍ، وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِمًا، وَتَارِكُ سَجْدَةٍ يَجْلِسُ لَا سَجْدَتَيْنِ، وَتَارِكُ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ يَرْجِعُ مُحْدَوْدَبًا، وَقَالَ أَيْضًا: وَتَدَارُكُ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ إنْ لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ رَكْعَةٍ تَالِيَةٍ لِرَكْعَةِ السَّهْوِ، وَإِلَّا رَجَعَتْ الْمَعْقُودَةُ مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ الرُّكْنُ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْأَخِيرَةِ يُتَدَارَكُ إنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَإِنْ سَلَّمَ بَنَى إنْ قَرُبَ بِإِحْرَامٍ وَلَمْ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ وَجَلَسَ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
(وَ) مَفْهُومُ إنْ كَانَ قَرِيبًا (إنْ بَعُدَ) تَذَكُّرُهُ مِنْ السَّلَامِ (ابْتَدَأَ
صَلَاتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ خَفِيفٍ كَالسُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ وَشِبْهَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ
وَلَا سَجْدَةٍ
وَلَا لِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا أَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ
[الفواكه الدواني]
صَلَاتَهُ) لِبُطْلَانِهَا حَيْثُ كَانَ السُّجُودُ مُتَرَتِّبًا عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَأَكْثَرَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) السُّجُودُ (مِنْ نَقْصِ) أَيْ مِنْ أَجْلِ نَقْصِ (شَيْءٍ خَفِيفٍ كَالسُّورَةِ) الَّتِي تُقْرَأُ (مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ) فَلَا يَلْزَمُهُ ابْتِدَاءُ صَلَاتِهِ لِعَدَمِ بُطْلَانِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ، إلَّا إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ، وَعَدَمُ لُزُومِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ السُّجُودُ لِتَرْكِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِلسُّورَةِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْقِيَامُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ لَهَا سُنَّةٌ وَسِرُّهَا أَوْ جَهْرُهَا مِنْ صِفَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا سُنَّةً وَاحِدَةً فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ السُّجُودِ لَهَا وَلَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً، وَأَمَّا لَوْ قُلْنَا: الْقِيَامُ لَهَا سُنَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى السُّورَةِ وَالسِّرِّ أَوْ الْجَهْرِ كَذَلِكَ لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ السُّجُودِ حَيْثُ تَرَكَ الْجَمِيعَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَحْتَمِلُ كَلَامُهُ الْمَشْيَ عَلَى عَدِّ قِيَامِهَا سُنَّةً، فَلَا يُقَيِّدُ كَلَامُهُ بِمَا إذَا قَامَ، وَيُحْتَمَلُ الْمَشْيُ عَلَى عَدِّهِ سُنَّةً كَالسِّرِّ أَوْ الْجَهْرِ فَيُقَيِّدُ عَدَمَ الْبُطْلَانِ بِمَا إذَا قَامَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ ثَلَاثَ سُنَنٍ، وَإِنَّمَا نَقَصَ سُنَّتَيْنِ، وَجَرَى عَلَى هَذَا أَكْثَرُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالُوا عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِتَرْكِ قَبْلِيٍّ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ سَوَاءٌ كَانَتْ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً كَالسُّورَةِ أَوْ قَوْلِيَّةً فَقَطْ كَثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ نَقْصِ (تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ) وَالْحَالُ أَنَّهُ جَلَسَ لَهُمَا وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَائِلًا: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْسَى التَّشَهُّدَيْنِ وَيَكُونُ السُّجُودُ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ سَهْوُهُ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إلَّا بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَهُ ظَرْفٌ لِلتَّشَهُّدِ، وَأُجِيبُ بِتَصَوُّرِ ذَلِكَ فِي الْمُدْرِكِ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ فِي جُلُوسِهِ الْأَخِيرِ، فَإِذَا قَامَ أَتَى بِرَكْعَةٍ وَجَلَسَ عَلَيْهَا يَتَشَهَّدُ، فَإِذَا أَتَى بِالثَّانِيَةِ يَتَشَهَّدُ، فَإِذَا نَسِيَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَتَشَهَّدُهُ مَعَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي يُتَصَوَّرُ بِنِسْيَانِ تَشَهُّدَيْنِ زَائِدَيْنِ عَلَى مَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَذَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُقِيمِ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ، وَلِي فِي هَذَا الْجَوَابِ بَحْثٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ فَلَا يُنْظَرُ لَهُ: وَالْبَحْثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّشَهُّدَيْنِ يُسْجَدُ لَهُمَا، نَعَمْ يُتَصَوَّرُ فِي الرَّاعِفِ الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَالْمُقِيمُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ خَلْفَ مُسَافِرٍ، وَالْمُقِيمُ الْمَسْبُوقُ يُصَلِّي خَلْفَ مُسَافِرٍ، فَيَجْتَمِعُ لِهَؤُلَاءِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَا فَاتَهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ، وَالْبِنَاءُ وَهُوَ مَا فَاتَهُمْ بَعْدَهُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ تَقْدِيمُ الْبِنَاءِ.
(وَ) مِنْ الْخَفِيفِ (شِبْهِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ كَنَصِّ تَكْبِيرَةِ عِيدٍ أَوْ تَسْمِيعَةٍ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُخَاطَبُ بِالسُّجُودِ لِجَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَقْصِ السُّورَةِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْبُطْلَانِ وَعَدَمِ السُّجُودِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَبِتَرْكِ قَبْلِيٍّ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ لَا أَقَلَّ فَلَا سُجُودٌ.
(تَنْبِيهٌ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ بِشَرْطِ الطُّولِ إنْ كَانَ تَرَكَهُ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ هَكَذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ السَّنْهُورِيُّ: لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالطُّولِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا، وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْأَوْجَهَ كَلَامُ السَّنْهُورِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّأْخِيرَ الْقَبْلِيَّ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ عَمْدًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمْدًا فَإِطْلَاقُ خَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ وَطَالَ مُسْلِمٌ وَتَأَمَّلْهُ،
وَلَمَّا كَانَ الْمَجْبُورُ بِالسُّجُودِ مُخْتَصًّا بِنَقْصِ السُّنَنِ قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ) كَامِلَةٍ تَيَقَّنَ تَرْكُهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ حَالَ تَشَهُّدِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا لِفَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ، وَكَيْفِيَّةُ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَانِيًا عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَسْجُدُ لِنَقْصِ السُّورَةِ إذَا فَاتَتْهُ فِيمَا صَارَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ لِانْقِلَابِ رَكَعَاتِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ حَيْثُ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا.
(وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ (سَجْدَةٍ) أَوْ رُكُوعٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُمَا، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَالِ قِيَامِهِ أَوْ تَشَهُّدِهِ قَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالرُّكُوعِ قَبْلَ عَقْدِ مَا يَلِي الرَّكْعَةَ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا بِأَنْ يَرْجِعَ لِلرُّكُوعِ قَائِمًا إنْ ذَكَرَهُ جَالِسًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِمًا، وَتَارِكُ الرَّفْعِ مِنْهُ يَرْجِعُ مُحْدَوْدَبًا، وَتَارِكُ سَجْدَةٍ يَجْلِسُ وَسَجْدَتَيْنِ يَخِرُّ سَاجِدًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَا نَسِيَهُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ إمْكَانِ تَدَارُكِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يُسَلِّمْ إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْأَخِيرَةِ، وَلَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنْ سَلَّمَ بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الْمَنْقُوصُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ الْأَخِيرَةِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدِ رُكُوعٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ لِاعْتِقَادِهِ كَمَالَ صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَعَهُ إنْ قَرُبَ.
قَالَ خَلِيلٌ مُفَرِّعًا عَلَى السَّلَامِ وَبَنَى إنَّ قَرُبَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بِإِحْرَامٍ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ وَجَلَسَ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ إنْ كَانَ السَّلَامُ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَإِلَّا حَرُمَ مِنْ الْحَالَةِ الَّتِي فَارَقَ الصَّلَاةَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَا لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَ النَّقْصَ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الَّتِي تَلِيهَا فَإِنَّ الْمَنْقُوصَ مِنْهَا
فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ وَاخْتُلِفَ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا فَقِيلَ يُجْزِئُ فِيهِ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقِيلَ يُلْغِيهَا وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، وَقِيلَ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا وَهَذَا
[الفواكه الدواني]
تَبْطُلُ وَتَرْجِعُ الْمَعْقُودَةُ مَكَانَهَا وَتَنْقَلِبُ رَكَعَاتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَتْ الثَّانِيَةُ أَوْلَى بِبُطْلَانِهَا لِفَذٍّ وَإِمَامٍ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ جَمِيعُ سَجَدَاتِ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَإِنَّ رَكَعَاتِهِ تَبْطُلُ مَا عَدَا الْأَخِيرَةَ فَيُجْبِرُهَا بِالسُّجُودِ لَهَا حَيْثُ لَمْ يُسَلِّمْ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَبَطَلَ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ الْأُوَلِ وَتَرْكُ جَمِيعِ السَّجَدَاتِ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْأَرْبَعِ بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّجَدَاتِ حَتَّى سَلَّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كُلُّهَا.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) . الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَفَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ مِنْهَا مِنْ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ فَرِيضَةً وَلَمْ يُدْرِكُونَهَا سَجْدَةً أَوْ رُكُوعًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ الْإِحْرَامَ أَوْ النِّيَّةَ فَيُحْرِمُ بِنِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاتِهِ وَيَأْتِي بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ الْإِحْرَامَ وَحْدَهُ أَوْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَيَقَّنَ الْإِتْيَانُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ إحْرَامًا أَوْ مَعَ شَيْءٍ بَعْدَهُ، فَمُتَيَقِّنُ الْإِحْرَامِ يَبْنِي عَلَيْهِ أَوْ الْإِحْرَامَ وَالْفَاتِحَةَ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَيْهِمَا وَيَأْتِي بِمَا بَعْدَهُمَا، وَهَكَذَا يَجْعَلُ الْمَشْكُوكَ فِيهِ هُوَ مَا بَعْدَ الْمُتَيَقَّنِ، فَمُتَيَقِّنُ الْإِحْرَامِ فَقَطْ يَجْعَلُ الْمَنْسِيَّ الْفَاتِحَةَ وَهَكَذَا، وَلَا يُقَالُ: لُزُومُ الْإِحْرَامِ بِنِيَّةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُولَى بَطَلَتْ أَصْلًا فَلِأَيِّ شَيْءٍ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ مَعَ بَقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهَا بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ الْإِتْيَانُ بِإِحْرَامٍ مُتَيَقَّنٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الْأُولَى كَمَا قَدَّمْنَا لِاحْتِمَالِ وُجُودِ إحْرَامِهِ وَلَا مُوجِبَ لِقَطْعِهِمَا فَيَكُونُ هَذَا الْإِحْرَامُ مَحْضَ زِيَادَةٍ هَذَا إيضَاحُهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُمْ الْفَرْضُ الْمَتْرُوكُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَأَمَّا نَحْوُ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَلَا يُتَدَارَكَانِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا نُسِيَا لَمْ تُوجَدُ صَلَاتُهُ، فَإِذَا سَهَا عَنْ النِّيَّةِ أَوْ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ مِنْ أَوَّلِهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَوْ شَكَّ فِي عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَيَقُّنُ تَرْكِ النِّيَّةِ فَلَا شَيْءَ مَعَهُ يَبْنِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا وَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّقْصَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَالْمُحَقَّقِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مَا يَشْمَلُ الْوَهْمَ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي نَقْصِ الْفَرَائِضِ كَتَحَقُّقِهِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حَيْثُ لَا اسْتِنْكَاحَ، بِخِلَافِ السُّنَنِ فَلَا يَسْجُدُ لِنَقْصِهَا إلَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ النَّقْصِ أَوْ التَّرَدُّدِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ لَا عِنْدَ تَوَهُّمِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي ذَلِكَ شَفَقَةٌ عَلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ هَذَا الْإِيضَاحُ.
(وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا سُجُودُ السَّهْوِ (لِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ) لِلْفَاتِحَةِ (فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا) عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِنْ وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ الْإِجْزَاءُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ الرَّكَعَاتِ لِحَمْلِ الْإِمَامِ لَهَا، قَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ شُذُوذٌ.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ (فِي) تَرْكِ الْقِرَاءَةِ عَنْ (رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يُجْزِئُ السُّجُودُ (فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ) أَوْ الْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا، فَتُلَخَّصُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَوْ جُلِّهَا أَوْ نِصْفِهَا حَيْثُ فَاتَ تَدَارُكُ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا.
وَشَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ أَتَى بِهَا فِي جُلِّ صَلَاتِهِ وَتَرَكَهَا فِي أَقَلِّهَا، وَهُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ الصُّبْحِ بَلْ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ، وَأَتَى بِهَا فِي جُلِّ الصَّلَاةِ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ عَنْ الْإِمَامِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدٍ تَرَاهُ فِي مَحَلِّهِ أَشَارَ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: (فَقِيلَ يُجْزِئُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْفَاتِحَةِ مِنْ رَكْعَةٍ (سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ) بِنَاءً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا أَوْ فِي رَكْعَةٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ هَذَا الْقِيلَ بِمَا إذَا فَاتَ تَدَارُكُهَا بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ عَدَمَ قِرَاءَتِهَا إلَّا بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ بِنَاءً عَلَى عَقْدِهَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَعَلَى مُقَابِلِهِ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَفُتْ التَّدَارُكُ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا، وَلَوْ كَانَ قَرَأَ السُّورَةَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعِيدُ السُّورَةَ أَوْ لَا؟ وَعَلَى إعَادَتِهَا فَقِيلَ يَسْجُدُ لِزِيَادَتِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ لَا سُجُودَ قَوْلَانِ: فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ السُّجُودِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّجُودِ سَجَدَ بَعْدَهُ إنْ ذَكَرَهُ بِالْقُرْبِ وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سُنَّةٌ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا فَالسُّجُودُ لَهَا أَوْكَدُ مِنْ الْقَبْلِيِّ الْمُرَتَّبِ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ.
وَيُفْهَمُ مِنْ الْخِلَافِ فِي إعَادَةِ السُّورَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْفَاتِحَةِ الْمَنْسِيَّةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بَاقِي الرَّكَعَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ) لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَاتِحَةِ السُّجُودُ، وَلَوْ مِنْ رَكْعَةٍ وَ (يُلْغِيهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ الْمَتْرُوكَةُ مِنْهَا الْفَاتِحَةُ (وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ) وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا
أَحْسَنُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ عَنْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّةً أَوْ الْقُنُوتِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ لِفَوَاتِ رُكْنِهَا كَمَا لَوْ نَسِيَ سُجُودَهَا أَوْ رُكُوعَهَا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ حَيْثُ جَلَسَ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ بِحَيْثُ قَرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الْمَلْغِيَّةِ وَنَقْصِ الْجُلُوسِ وَالسُّورَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ الَّتِي ظَنَّهَا ثَالِثَةً؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ لِجَعْلِهِ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا ثَالِثَةً وَيَأْتِي بِرَابِعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَيَجْتَمِعُ لَهُ نَقْصٌ وَزِيَادَةُ الزِّيَادَةِ هِيَ الرَّكْعَةُ الْمَلْغِيَّةُ وَالنَّقْصُ السُّورَةُ وَالْجُلُوسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ إكْمَالِهَا بِسَجْدَتَيْهَا لَأَلْغَى مَا فَعَلَهُ مِنْ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ، وَاسْتَأْنَفَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُلْغِيهَا وَيَجْعَلُ الثَّانِيَةَ الَّتِي قَامَ لَهَا مَحَلَّهَا، وَإِنْ تَذَكَّرَهَا فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا مَعَ السُّورَةِ، وَيَجْعَلُهَا ثَانِيَةً وَيَسْجُدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ سَلَامٍ إذْ مَعَهُ مَحْضُ زِيَادَةٍ، وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ يَسْجُدُ) لَهَا (قَبْلَ السَّلَامِ وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ) بَلْ يَعْتَدُّ بِهَا لِإِغْنَاءِ السُّجُودِ عَنْ إعَادَتِهَا (وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ) نَدْبًا (احْتِيَاطًا) .
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ إتْمَامَ الْأُولَى وَاجِبٌ وَإِعَادَتَهَا مَنْدُوبَةٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْدُوبًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِالِاحْتِيَاطِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَبِالْإِعَادَةِ افْتَرَقَتْ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْأُولَى لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا تَمَيَّزَتْ الثَّالِثَةُ عَنْ الْأُولَى بِنَدْبِ إعَادَتِهَا.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا فَاتَ تَدَارُكُهَا، وَكَانَ التَّذَكُّرُ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ تَدَارُكُهَا بِأَنْ ذَكَرَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهَا أَوْ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ لَرَجَعَ لِلْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّذَكُّرُ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَوْلَانِ بِالْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ شَفْعٍ وَقِيلَ يُشَفِّعُهَا، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهَا فَإِنَّهُ يُشَفِّعُهَا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ قِيَامِهِ لِلرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يُشَفِّعُهَا وَلَوْ بَعْدَ سُجُودِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّ إتْمَامَهَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ كُلُّ قَوْلٍ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَهَذَا) الْقِيلُ الثَّالِثُ (أَحْسَنُ ذَلِكَ) الْخِلَافِ أَيْ الْمُرْتَضَى مِنْ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَحْسَنَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ بِالْإِعَادَةِ فَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَرْغِيمِ أَنْفِ الشَّيْطَانِ بِالسُّجُودِ وَالْإِعَادَةِ لِلِاحْتِيَاطِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) مَعَ كَوْنِهِ أَحْسَنَ الرِّوَايَاتِ إمَّا لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِمَا قَالَهُ مِنْ الْأَحْسَنِيَّةِ أَوْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَهَذَا مَسْلَكٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْحَسَنِ قَطْعًا مُفَوَّضٌ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا الْفَرْعُ زِيَادَةٌ عَلَى كَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: وَإِنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ جُلِّ الصَّلَاةِ وَطَوَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ السُّجُودِ فِي تَرْكِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ نِصْفِهَا، وَأُولَى جُلِّهَا هِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يُنَافِي مَا شَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ مِنْ أَنَّ تَرْكَهَا فِي جُلِّ صَلَاتِهِ وَأُولَى نِصْفِهَا يَجْزِيهِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً أَوْ فِي رَكْعَةٍ فَقَطْ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا، وَمَا شَهَرَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا فِي نِصْفِ صَلَاتِهِ يَتَمَادَى وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ مِنْ رَكْعَةٍ يَسْجُدُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَلَعَلَّهُ مُرَاعَاةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً.
الثَّالِثُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ تَرْكِهِ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا عَمْدًا، وَمُحَصِّلُهُ كَمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا أَوْ بَعْضَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَأَمَّا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً أَوْ عَلَى وُجُوبِهَا فِي بَعْضِهَا فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُطْلَانُ وَهُوَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ وَحُكِيَ عَلَيْهَا الِاتِّفَاقُ، وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ يَسْجُدُ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ لِمَا عَلِمْت مِنْ حِكَايَةِ بَعْضِهِمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِنَقْصِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا كَانَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً أَوْ خَفِيفَةً مُتَعَدِّدَةً شَرَعَ فِي مُحْتَرَزِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ) مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرِ الْعِيدِ وَغَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، (أَوْ عَنْ) لَفْظِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً) رَاجِعٌ لِلتَّكْبِيرَةِ وَالتَّسْمِيعَةِ (أَوْ) سَهَا عَنْ (الْقُنُوتِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) جَوَابُ مَنْ سَهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَإِنْ سَجَدَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا قَبْلَ سَلَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامٍ سَجَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَرَكَ السُّجُودَ خَلْفَهُ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ تَكْبِيرَةَ الْعِيدِ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْعِيدِ أَوْ تَسْمِيعَتَيْنِ لَسَجَدَ، وَإِنْ صَحَّتْ
انْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَرْجِعْ إنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ السَّلَامَ
وَمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى أَثْلَاثَ رَكَعَاتٍ أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ، وَأَتَى بِرَابِعَةٍ وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ
وَمَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
[الفواكه الدواني]
الصَّلَاةُ بِعَدَمِ السُّجُودِ، وَمِثْلُ التَّكْبِيرَتَيْنِ لَفْظُ التَّشَهُّدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِهِ عَلَى مَا شَهَرَهُ غَيْرُ خَلِيلٍ وَادَّعَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَوْلُنَا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لَهُ.
[مَا يَفْعَلُهُ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ كَمَالَهَا]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ كَمَالَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ انْصَرَفَ) أَيْ خَرَجَ (مِنْ الصَّلَاةِ) بِسَلَامٍ مُعْتَقِدًا كَمَالَهَا (ثُمَّ) بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا بِالسَّلَامِ (ذَكَرَ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (فَلْيَرْجِعْ) وُجُوبًا بِإِحْرَامٍ إلَى تَمَامِ صَلَاتِهِ (إنْ كَانَ) تَذَكَّرَهُ (بِقُرْبِ ذَلِكَ) الِانْصِرَافِ (فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا) أَيْ يَنْوِي بِهَا إتْمَامَ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيَنْدُبُ لَهُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ الْإِحْرَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى إنْ قَرُبَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بِإِحْرَامٍ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ، وَجَلَسَ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ إنْ كَانَ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فَارَقَ الصَّلَاةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَجْلِسْ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَإِذَا قُلْنَا يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي فَارَقَ الصَّلَاةَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ وَهُوَ قَائِمٌ رَجَعَ إلَى حَالَةِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَأَحْرَمَ مِنْهُ وَلَا يَجْلِسُ، وَحُكْمُ هَذَا الْجُلُوسِ إذَا كَانَ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ الْوُجُوبُ، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ، وَإِذَا جَلَسَ وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْ فَارَقَ الصَّلَاةَ مِنْ اثْنَتَيْنِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا (يُصْلِحُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُصَلِّي (مَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكَحًا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي فَذًّا أَوْ إمَامًا وَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ خَالَفُوهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ فَلَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَثُرَ الْمُخْبِرُونَ لَهُ جِدًّا رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَوْ تَيَقَّنَ خِلَافَ مَا أَخْبَرُوهُ بِهِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَ إمَامٌ فَقَطْ لِعَدْلَيْنِ إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ إلَّا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًّا.
(وَ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ (إنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ) التَّذَكُّرُ، وَهُوَ مَحْدُودٌ بِالْعُرْفِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ (أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) عِنْدَ أَشْهَبَ (ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ) جَوَابُ إنْ تَبَاعَدَ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ لِلطُّولِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَشْهَبَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ تَبَاعُدٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا وَصَلَّى بِقُرْبِ بَابِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ التَّحْدِيدُ لِلْقُرْبِ وَالْبُعْدِ بِالْعُرْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ عَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ الْمَحَلُّ الْمَحْصُورُ، فَإِنْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَالْبَعْدُ عِنْدَهُ أَنْ يَصِلَ الْمُصَلِّي بَعْدَ انْصِرَافِهِ إلَى مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ فِيهِ مِمَّنْ يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْمُصَلِّي النَّاسِي.
(تَنْبِيهٌ) : مَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ عَامِدًا لِاعْتِقَادِهِ إتْمَامَ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ عَالِمًا عَدَمَ إتْمَامِهَا أَوْ شَاكًّا فِي إتْمَامِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْبُطْلَانِ: كَمُسْلِمٍ شَكَّ فِي الْإِتْمَامِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْكَمَالُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَأَوْلَى لَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْكَمَالِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ وَأَمَّا الْمُسْتَنْكِحُ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْأَكْثَرِ، وَقَوْلُنَا عَامِدًا إلَخْ لَا يُنَافِي أَنَّهُ سَاهٍ عَنْ الْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْإِتْمَامَ سَاهٍ عَنْ النُّقْصَانِ فَافْهَمْ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِمَامِ وَالْفَذِّ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ لِظَنِّهِ سَلَامَ إمَامِهِ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ سَلَامَ إمَامِهِ وَيُسَلِّمُ مَعَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَإِلَّا ابْتَدَأَهَا،
ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْبِنَاءِ مَعَ الْقُرْبِ وَابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ الْبُعْدِ مَنْ كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَنَسِيَ السَّلَامَ عَقِبَ التَّشَهُّدِ مِنْهَا فَقَالَ: (وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ السَّلَامَ) وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى طَالَ طُولًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ أَوْ فَارَقَ مَوْضِعَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ بَعْدَ رُجُوعِهِ بِإِحْرَامٍ مِنْ جُلُوسٍ لِيَقَعَ سَلَامُهُ مِنْ جُلُوسٍ عَقِبَ تَشَهُّدٍ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَ تَارِكُ السَّلَامِ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ إنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا إنْ تَبَاعَدَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، هَذَا هُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ فِيمَا تَقَدَّمَ الْبِنَاءَ مَعَ الْبُعْدِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ نَاسِيَ السَّلَامِ يُتَصَوَّرُ فِيهِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ: يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا الطُّولُ الْمُتَوَسِّطُ أَوْ مُفَارَقَةُ الْمَوْضِعِ.
الثَّالِثُ: الطُّولُ جِدًّا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
الرَّابِعُ: الْقُرْبُ جِدًّا وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَيَعْتَدِلُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ وَلَا تَشَهُّدٍ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَنْحَرِفَ فَيُسَلِّمَ فَقَطْ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُجُودِ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ انْحِرَافُهُ مُبْطِلًا كَمَنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو.
(وَمَنْ لَمْ يَدْرِ) أَيْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ (مَا صَلَّى أَثْلَاثَ رَكَعَاتٍ أَمْ أَرْبَعًا) وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا (بَنَى) وُجُوبًا (عَلَى الْيَقِينِ) أَيْ عَلَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ (وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي تَرْكِهِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ
وَمَنْ لَمْ يَدْرِ أَسَلَّمَ أَمْ لَمْ يُسَلِّمْ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ
وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فِي السَّهْوِ فَلْيَلْهَ عَنْهُ، وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ عَلَيْهِ
[الفواكه الدواني]
وَطَرْحِهِ الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَهُوَ الرَّابِعَةُ فَيَأْتِي بِهَا، فَقَوْلُهُ: (وَأَتَى بِرَابِعَةٍ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مَا شَكَّ فِيهِ (وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ) وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ يَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ نَدْبًا، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا قَابَلَ الْيَقِينَ فَيَشْمَلُ الْوَهْمَ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَابِعَةٍ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ يَقِينًا فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِأَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الشَّاكَّ فِيمَا صَلَّى يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ.
قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَبِهِ أَقُولُ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السَّلَامُ إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» وَإِنَّمَا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ فَتَصِيرُ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً فَتَنْقُصُ السُّورَةُ وَالْجُلُوسُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا وَقَعَ فِي التَّوَالِي هَلْ هُوَ فِي الرَّابِعَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؟ تُحَقَّقُ سَلَامَةُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ النَّقْصِ بِأَنْ تُحَقَّقَ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِيهِمَا وَالْجُلُوسُ بَعْدَهُمَا، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لِانْقِلَابِ الرَّكَعَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي تَرْكِ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ، أَوْ حَصَلَ شَكٌّ مُرَكَّبٌ بِأَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ مَا صَلَّاهُ أَرْبَعٌ أَوْ ثَلَاثٌ هَلْ قَرَأَ السُّورَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ يُرَاعَى وَلَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ.
(تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَتَى بِرَابِعَةٍ تَفْسِيرٌ لِمَا شَكَّ فِيهِ، عَلِمْت أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ الثَّالِثَةُ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ الَّتِي هِيَ الرَّابِعَةُ ثُمَّ قَالَ: وَأَتَى بِرَابِعَةٍ فَهِيَ رَابِعَةٌ فِي اللَّفْظِ خَامِسَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَأَجَابَ بَعْضٌ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَتَى بِرَابِعَةٍ مِنْ زِيَادَةِ النَّاسِخِ، وَبَعْضٌ بِأَنَّهُ مَحْضُ تَكْرَارٍ، وَأَجَابَ بَعْضٌ؛ لِأَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَعُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا الشَّكَّ بِمَا قَابَلَ الْيَقِينَ دَفَعَ الْإِشْكَالَ فِي كَلَامِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: بَنَى عَلَى الْيَقِينِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى الظَّنِّ، ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي مَا ظَنَّ فِعْلَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا تَدَافُعٌ، وَقَدْ عَلِمْت انْدِفَاعَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّرَدُّدَ عَلَى السَّوَاءِ بَلْ مَا قَابَلَ الْيَقِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّنُّ.
(وَمَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا) عَنْ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ (سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ) إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ الْإِمَامُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ سَاهِيًا عَنْ الْمُعْتَمَدِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِكَلَامِهِ، وَلَوْ قَلَّ أَوْ وَجَبَ كَالْكَلَامِ لَإِنْقَاذِ أَعْمَى، أَوْ لِإِجَابَةِ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى فَرْضِ وُقُوعِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، إلَّا مَا كَانَ لِإِصْلَاحِهَا فَلَا تَبْطُلُ بِهِ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا يَعُدُّهُ الْعُرْفُ كَثِيرًا وَلَوْ تَوَقَّفَ الْإِصْلَاحُ عَلَيْهِ، وَمِثَالُ الْكَلَامِ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مُعْتَقِدًا كَمَالَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ هَلْ كَمُلَتْ أَمْ لَا؟ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّسْبِيحُ فَسَأَلَ مَنْ خَلْفَهُ هَلْ كَمَّلَ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ وَلَا سُجُودَ فِي هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ وَإِنْ سَجَدَ لِزِيَادَةِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ وَهُوَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَنَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ» بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ؟ «فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ، فَالْتَفَتَ فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ» .
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَلَّمَ ثُمَّ قَالَ.
لَا يُقَالُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ كَانَ بِمَكَّةَ وَقِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ بِمَكَّةَ أَيْضًا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ ادَّعَى النَّسْخَ أَيْضًا بِأَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ إسْلَامًا، وَقَوْلُنَا يُسَلِّمُ مُعْتَقِدًا لِلْإِتْمَامِ، وَشَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ شَكَّ قَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ السَّلَامُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ، فَلَوْ سَلَّمَ أَوْ سَأَلَ فِي حَالِ شَكِّهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي إتْمَامِ صَلَاتِهِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ عُرِضَ لَهُ الشَّكُّ بَعْدَ سَلَامِهِ مَعَ اعْتِقَادِ كَمَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ بِالْكَلَامِ وَلَا السَّلَامِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا الْإِمَامَ يُسَلِّمُ عَلَى يَقِينٍ، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ الشَّكُّ مِنْ كَلَامِ الْمَأْمُومِينَ فَيَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ بِالْكَلَامِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْعِلْمِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ بِإِشَارَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ.
1 -
فَرْعٌ: مَنْ قَالَ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ السَّلَامُ فَقَطْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، الْبُرْزُلِيُّ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يُفْتِي بِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ أَيْ وَيَسْجُدُ، وَسَمِعْت فِي الْمُذَكِّرَاتِ أَنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَا إحْرَامَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى
(وَمَنْ لَمْ يَدْرِ) بَعْدَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ (سَلَّمَ أَمْ لَمْ يُسَلِّمْ) وَتَفَكَّرَ قَلِيلًا (سَلَّمَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ لَوْ شَكَّ هَلْ سَهَا عَنْ شَيْءٍ أَوْ لَمْ يَسْهُ، وَتَفَكَّرَ قَلِيلًا ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُ سَهْوِهِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ السُّجُودِ حَيْثُ كَانَ قَرِيبًا، وَلَمْ يَنْحَرِفْ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ، فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْهَا سَجَدَ وَإِنْ طَالَ زَمَنُ تَفَكُّرِهِ بِأَنْ تَوَسَّطَ، وَمِثْلُهُ لَوْ فَارَقَ مَكَانَهُ بَنَى بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَّمَ
أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَهُوَ الَّذِي يَكْثُرُ ذَلِكَ مِنْهُ يَشُكُّ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ سَهَا زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَلَا يُوقِنُ فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَطْ
وَإِذَا أَيْقَنَ بِالسَّهْوِ سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَهُوَ يَعْتَرِيهِ كَثِيرًا أَصْلَحَ صَلَاتَهُ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ
[الفواكه الدواني]
وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَإِنْ طَالَ جِدًّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْجُدْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ سَلَامَهُ إمَّا وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَكِلَاهُمَا لَا يَسْجُدُ لَهُ،
وَلَمَّا كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مُحْتَرَزُهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ) أَيْ كَثُرَ (الشَّكُّ فِي السَّهْوِ) فِي الصَّلَاةِ (فَلْيَلْهَ عَنْهُ) أَيْ يُعْرِضْ عَنْهُ وُجُوبًا (وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَدَاؤُهُ كَالنَّفَسِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَمُخَالَفَتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ، فَلَوْ بَنَى الْمُسْتَنْكَحُ عَلَى الْأَقَلِّ وَلَمْ يَلْهَ عَنْهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ عَامِدًا كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ الْمُسْتَنْكَحِ تَخْفِيفًا عَنْهُ فَإِذَا أَصْلَحَ فَعَلَ الْأَصْلَ، وَلَا يُقَالُ: الشَّكُّ فِي النُّقْصَانِ كَتَحَقُّقِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنْ عُمُومِهِ الْمُسْتَنْكَحَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَلَا يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرَيْهِ، خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْمُوَسْوِسَ يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرَيْهِ، فَإِنْ سَبَقَ لَهُ خَاطِرٌ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَمَّتْ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ إنَّهَا لَمْ تَتِمَّ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَنَّهَا تَمَّتْ، وَعَكْسُهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَالْمُدَوَّنَةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُسْتَنْكَحَ لَمْ يَنْضَبِطْ لَهُ خَاطِرٌ أَوَّلٌ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ الْوِجْدَانُ، إذَا الشَّاكُّ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ إصْلَاحِ الْمُسْتَنْكَحِ عَدَمُ سُجُودِهِ قَالَ: (وَلَكِنْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْتَنْكَحِ (أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ) اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّهُ إلَى الزِّيَادَةِ أَقْرَبُ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّمَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: فَلْيَلْهَ الْهَاءُ مِنْهُ مَفْتُوحَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُضَارِعُ لَهَى كَعَلِمَ وَخَشِيَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْجَازِمُ حُذِفَتْ أَلِفُهُ وَبَقِيَتْ الْفَتْحَةُ دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُعْتَلَّةِ تَبْقَى حَرَكَةُ مَا قَبْلَ حَرْفِ الْعِلَّةِ بَعْدَ حَذْفِهِ، وَمَعْنَى الْإِلْهَاءِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَعَدَمُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ بِحَيْثُ يَأْتِي بِمَا شَكَّ فِي عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ حَقِيقَةَ الْمُسْتَنْكَحِ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَنْكَحُ (الَّذِي يَكْثُرُ ذَلِكَ) أَيْ الشَّكُّ (مِنْهُ) أَيْ الْمُسْتَنْكَحِ، وَذَلِكَ بِأَنْ (يَشُكَّ كَثِيرًا) أَيْ زَمَنًا كَثِيرًا (أَنْ يَكُونَ سَهَا زَادَ أَوْ نَقَصَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَا يُوقِنُ) بِشَيْءٍ يَبْنِي عَلَيْهِ هَذَا هُوَ مَعْنَى الِاسْتِنْكَاحِ، وَفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ الْكَثْرَةَ بِأَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَحٍ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَظَهَرَ لِي أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ مَا جَرَى فِي مَسْأَلَةِ السَّلَسِ، فَإِذَا زَادَ مِنْ إتْيَانِهِ عَلَى زَمَنِ عَدَمِ إتْيَانِهِ أَوْ تَسَاوَيَا فَهُوَ مُسْتَنْكَحٌ، وَإِنْ قَلَّ زَمَنُ إتْيَانِهِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَحٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ إتْيَانِهِ الْوَقْتَ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ، بَلْ الْمُرَادُ الْأَيَّامُ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا وَلَوْ مَرَّةً فَقَطْ، فَإِذَا أَتَاهُ يَوْمًا وَانْقَطَعَ يَوْمًا وَهَكَذَا أَوْ أَتَاهُ يَوْمَيْنِ وَيَنْقَطِعُ الثَّالِثَ وَهَكَذَا كَانَ مُسْتَنْكَحًا، وَأَمَّا لَوْ أَتَاهُ يَوْمًا وَانْقَطَعَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَحٍ، بَلْ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحَنَفِيَّةُ السَّمْحَةُ أَيْ الشَّرِيعَةُ السَّهْلَةُ أَنَّ الِاسْتِنْكَاحَ مَا يَشُقُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ فِي الشَّكِّ فِي الْوُضُوءِ، وَفِي الصَّلَاةِ مَا تَشُقُّ مَعَهُ الصَّلَاةُ،؛ لِأَنَّهُ لَا يُلَفَّقُ شَكُّ الْوُضُوءِ إلَى الشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: (فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَطْ) مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يُوقِنُ تَكْرَارٌ فِي الْمَعْنَى مَعَ قَوْلِهِ يَشُكُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَشُكُّ لَا يُوقِنُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ فِي كَلَامِهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ وَالْوَاجِبُ عَكْسُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْهَى عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَوَّرَ، وَأَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِلْغَيْرِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ، وَالْوَاجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى التَّصْدِيقِ هُوَ التَّصَوُّرُ لَا التَّصْوِيرُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ مُتَصَوِّرًا لِلْمُسْتَنْكَحِ قَبْلَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَلْهَى عَنْهُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشَّاكِّ بِقِسْمَيْهِ غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ وَالْمُسْتَنْكَحِ شَرَعَ فِي السَّاهِي بِقِسْمَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَيْقَنَ) الْمُصَلِّي (بِالسَّهْوِ) بِأَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ (سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ) بِالْإِتْيَانِ بِالْمَنْسِيِّ بِأَنْ تَذَكَّرَ فِي تَشَهُّدِهِ أَنَّهُ نَسِيَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا مِنْ أُولَاهُ أَوْ ثَانِيَتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، لِأَنَّ مَعَهُ مَحْضُ زِيَادَةٍ إنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً أَوْ سُجُودًا قَبْلَ السَّلَامِ إنَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ أَنَّ نَقْصَ السُّورَةِ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ لَفْظَ تَشَهُّدٍ مَعَ جُلُوسِهِ أَوْ بِدُونِهِ كَمَا قَدَّمْنَا، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ إحَالَةٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ مَحْضَ الزِّيَادَةِ يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَغَيْرَهَا يَسْجُدُ لَهَا قَبْلَهُ.
(فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ) السَّهْوُ (مِنْهُ فَهُوَ يَعْتَرِيهِ كَثِيرًا) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ كَثُرَ (أَصْلَحَ صَلَاتَهُ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَيَقَّنَ نِسْيَانُهُ وَعَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهِ (وَلَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ السَّهْوُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَمَحَلُّ الْإِصْلَاحِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ، فَالْمَنْسِيُّ إنْ كَانَ سُورَةً أَتَى بِهَا مَا لَمْ يَنْحَنِ وَيَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى
وَمَنْ قَامَ مِنْ اثْنَيْنِ رَجَعَ مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَإِذَا فَارَقَهَا تَمَادَى، وَلَمْ يَرْجِعْ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
رُكْبَتَيْهِ، وَمِثْلُهَا السِّرُّ وَالْجَهْرُ وَتَكْبِيرُ الْعِيدِ، وَإِلَّا فَاتَتْ وَلَا سُجُودَ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ السَّهْوِ عَنْ الْجُلُوسِ الْوَسَطُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا لَوْ كَانَ السَّهْوُ عَنْهُ فَرْضًا كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَيَكْفِيهِ إصْلَاحُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَحْدَهُ إنْ لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ الْوَالِيَةِ لِلْمَنْسِيِّ مِنْهَا لِبُطْلَانِهَا وَلَا سُجُودَ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: شَاكٌّ غَيْرُ مُسْتَنْكَحٍ وَأَشَارَ إلَيْهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَدْرِ إلَخْ، وَشَاكٌّ مُسْتَنْكَحٌ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ إلَخْ، فَالْأَوَّلُ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ، وَالثَّانِي يَسْجُدُ وَلَا يُصْلِحُ، وَسَاهٍ غَيْرُ مُسْتَنْكَحٍ وَهَذَا كَالشَّاكِّ غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ، وَالرَّابِعُ السَّاهِي الْمُسْتَنْكَحُ وَهُوَ عَكْسُ الشَّاكِّ الْمُسْتَنْكَحِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُصْلِحُ فَقَطْ، وَالثَّانِي يَسْجُدُ فَقَطْ، وَغَيْرُ الْمُسْتَنْكَحِ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ مُطْلَقًا، وَالتَّفْرِقَةُ فِي الْمُسْتَنْكَحِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّاهِي وَالشَّاكِّ أَنَّ السَّاهِيَ يَضْبِطُ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنْكَحًا أَمْ لَا، وَالشَّاكُّ بِقِسْمَيْهِ لَا يَضْبِطُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ خَالَفَ الْمُسْتَنْكَحُ لِلسَّهْوِ وَسَجَدَ، وَنَظَرَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ: وَلَوْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَمْ لَا؟ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا أَصْلَحَ مَا سَهَا عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُصْلِحْ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ لَهُ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ السَّهْوُ فَيَجْرِي فِيهِ حُكْمُهُ، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ أَوْ بِرَكْعَةٍ إنْ فَاتَ تَدَارُكُهُ، وَإِنْ كَانَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَدَارَكَ مَا نَسِيَهُ مِنْ السُّنَنِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ الْمُسْتَنْكَحِ وَلَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَعَمَّدَ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ بِالْأُولَى مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ إذَا خَالَفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَصْلَحَ بِأَنْ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ وَزَادَ رَكْعَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي خِفَّةِ زِيَادَةِ السُّجُودِ عَنْ زِيَادَةِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ وَحَرَّرَهُ.
الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ أَنَّ السَّهْوَ الذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ أَمْ لَا، وَالنِّسْيَانُ الذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ فَهُوَ أَخَصُّ.
قَالَ صَاحِبُ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ: السَّهْوُ زَوَالُ الْمَعْلُومِ مِنْ الْقُوَّةِ الْمُدْرَكَةِ مَعَ بَقَائِهِ فِي الْحَافِظَةِ، وَالنِّسْيَانُ زَوَالُهُ مِنْهَا وَمِنْ الْحَافِظَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّاكِّ وَالسَّاهِي بَعْدَ ضَبْطِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَتَذَكَّرُ مَا سَهَا عَنْهُ.
(وَمَنْ قَامَ) أَيْ تَزَحْزَحَ وَهَمَّ لِلْقِيَامِ (مِنْ اثْنَتَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ نَاسٍ لِلْجُلُوسِ (سَهْوًا رَجَعَ) لِلْجُلُوسِ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ سَرِيعًا (مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ) جَمِيعًا فَإِذَا رَجَعَ تَشَهَّدَ كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِيَسَارَةِ مَا حَصَلَ مِنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَارِكِ السُّنَّةِ عَمْدًا، فَحُكْمُ الرُّجُوعِ الْوُجُوبُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالسُّنِّيَّةُ عَلَى الثَّانِي، وَأَمَّا لَوْ تَمَادَى عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَرْجِعْ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ وَطَالَ زَمَنُ التَّرْكِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ: الْجُلُوسِ وَمُطْلَقِ التَّشَهُّدِ وَخُصُوصِ اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَحَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ تَارِكًا لِلْجُلُوسِ، وَمَنْ لَازَمَهُ تَرْكُ التَّشَهُّدِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَرَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَلَا سُجُودَ وَإِلَّا فَلَا، لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ جَلَسَ وَقَامَ نَاسِيًا التَّشَهُّدَ فَلَا يَرْجِعُ لَهُ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَلَفْظُهُ: لَوْ جَلَسَ الْجِلْسَةَ الْوُسْطَى وَنَسِيَ التَّشَهُّدَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى نَهَضَ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا سُجُودَ فِي تَرْكِهِ كَالتَّسْبِيحِ، فَإِنْ رَجَعَ لِلتَّشَهُّدِ بَعْدَ نُهُوضِهِ لِلْقِيَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إذَا رَجَعَ لِلْجُلُوسِ، قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
(فَإِذَا فَارَقَهَا) أَيْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ (تَمَادَى) عَلَى الْقِيَامِ وُجُوبًا لَتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ (وَلَمْ يَرْجِعْ) لِلْجُلُوسِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ (وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ) فَلَوْ خَالَفَ وَرَجَعَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَبْطُلُ إنْ رَجَعَ، وَلَوْ اسْتَقَلَّ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالرُّجُوعِ، وَإِذَا رَجَعَ فَلَا يَنْهَضُ حَتَّى يَتَشَهَّدَ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ مُعْتَدٍّ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَنْقَلِبُ سُجُودُهُ الْقَبْلِيُّ بَعْدِيًّا، فَلَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ عَمْدًا بَعْدَ رُجُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا عَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ؟ وَإِذَا كَانَ إمَامًا تَبِعَهُ مَأْمُومُهُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، فَلَوْ لَمْ يَتْبَعْهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: حَمَلْنَا الْقِيَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ: مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّتَانِ يُتَشَهَّدُ فِي وَسَطِهِمَا، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّافِلَةَ إذَا قَامَ مِنْهَا بَعْدَ اثْنَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ يَرْجِعُ، وَلَوْ اسْتَقَلَّ قَائِمًا إلَّا أَنْ يَعْقِدَ الثَّالِثَةَ بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ رُكُوعِهِمَا، وَإِلَّا كَمَّلَهَا أَرْبَعًا وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَقِيلَ بَعْدَهُ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ
ذَكَرَ صَلَاةً صَلَّاهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا عَلَى نَحْوِ مَا فَاتَتْهُ ثُمَّ أَعَادَ مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا صَلَّى بَعْدَهَا
وَمَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ
[الفواكه الدواني]
وَرُكْبَتَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَنْكَحًا لِلسَّهْوِ، وَلَا يُقَالُ: مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ يُصْلِحُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْإِصْلَاحُ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ، وَبَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَاتَهُ الْجُلُوسُ لِتَلَبُّسِهِ بِالْفَرْضِ وَلَا يَرْجِعُ مِنْهُ لِسُنَّةٍ، وَقَيَّدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَدَمَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ الْفِقْهَ نَقْلِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ.
الثَّالِثُ: قَدْ قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَمَامِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إبْطَالَ رُكْنٍ، وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْفَاتِحَةُ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُقْرَأُ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
الرَّابِعُ: وَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِي نَحْوِ السُّورَةِ إذَا رَجَعَ لَهَا بَعْدَ الِانْحِنَاءِ أَوْ السِّرِّ أَوْ الْجَهْرِ، فَهَلْ يَصِحُّ قِيَاسُ مَا ذَكَرَ عَلَى الْجُلُوسِ بِجَامِعٍ أَنَّ كُلًّا يُفَوِّتُ الشُّرُوعَ فِي الرُّكْنِ الَّذِي بَعْدَهُ؟ فَبَعْضٌ سَمِعْنَا مِنْهُ عَدَمَ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ رَجَعَ لِنَحْوِ السُّورَةِ بَعْدَ انْحِنَائِهِ، قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ مَنْ رَجَعَ لِلْجُلُوسِ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ قَائِمًا، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ الْفِقْهَ نَقْلِيٌّ.
الْخَامِسُ: قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَقُومُ مِنْ عَدَمِ رُجُوعِ مَنْ فَارَقَ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ تَارِكًا لِلْجُلُوسِ، وَمَنْ نَسِيَ السُّورَةَ حَتَّى انْحَنَى، أَنَّ نَاسِيَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لَا يَرْجِعُ لَهُمَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي غَسْلِ وَجْهِهِ بَلْ يَتَمَادَى وَيَفْعَلُهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ بِالرُّجُوعِ عَلَى غَيْرِ النَّاسِي، وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا شَرَعَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ الثَّانِي لِاعْتِقَادِ أَنَّهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُهَا لِلْمُؤَذِّنِ، الثَّالِثُ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
[ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ السَّهْوِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ فَقَالَ: (وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً) نَسِيَهَا مِنْ إحْدَى الْخَمْسِ (صَلَّاهَا) وُجُوبًا (مَتَى مَا ذَكَرَهَا) وَلَوْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا، أَوْ ظَنُّهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيَفْعَلْهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وَقْتُهَا» وَفِي مُسْلِمٍ: «فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَمَا فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مُتَعَمِّدَ التَّرْكِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَيِّ وَقْتٍ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّائِمِ وَالسَّاهِي بِخِلَافِ الْمُتَعَمِّدِ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ صَلَاتِهَا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى فِعْلِهَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْتَلُ إذَا عَانَدَ فِي فِعْلِهَا؟ فَقِيلَ يُقْتَلُ، وَقِيلَ لَا، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ عَدَمُ قَتْلِهِ بِالْفَائِتَةِ فَإِنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَيَّدْنَا بِمُحَقِّقَةِ التَّرْكِ أَوْ الْمَظْنُونَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْكُوكَ فِي تَرْكِهَا وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَلَكِنْ يَتَوَقَّى الْفَاعِلُ أَوْقَاتَ النَّهْيِ وُجُوبًا فِي نَهْيِ الْحُرْمَةِ وَنَدْبًا فِي نَهْيِ الْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا الْوَهْمُ وَالتَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ فَلَا يَجِبُ بِهِمَا وَلَا يُنْدَبُ قَضَاءٌ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ، وَلَا يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَقْصَ الْفَرَائِضِ وَلَوْ الْمَوْهُومَ كَالْمُحَقَّقِ فَأَوْلَى الْفَرْضُ الْكَامِلُ الْمَوْهُومُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَرْضِ الْمُحَقَّقِ الْخِطَابُ بِهِ، وَمَا هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ خِطَابٌ فَافْهَمْ، وَمِنْ هُنَا عُلِمَ خَطَأُ بَعْضِ الْمُطَاوَعَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِقَضَاءِ صَلَاةِ زَمَنٍ مِنْ الصِّبَا أَوْ مُدَّةِ الْبَطْنِ، وَيُسَمُّونَهَا صَلَاةً وَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُمْ، وَيُفَوِّتُ الْإِنْسَانُ بِهِ ثَوَابَ النَّفْلِ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا.
(عَلَى نَحْوِ) أَيْ صِفَةِ (مَا فَاتَتْهُ) مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ أَوْ قَصْرٍ أَوْ إتْمَامٍ، وَقُنُوتٍ فِي صُبْحٍ وَتَطْوِيلِ قِرَاءَةٍ، وَقِرَاءَةٍ بِسُورَةٍ فِي الثُّنَائِيَّةِ وَأُولَتَيْ غَيْرِهَا، وَاسْتَثْنُوا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْمَرَضِ وَقَضَاهَا فِي الصِّحَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْجُلُوسَ فِي الْمَرَضِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ خَفَّ مَعْذُورٌ انْتَقَلَ لِلْأَعْلَى.
وَعَكْسُهُ مَنْ فَاتَتْهُ فِي الصِّحَّةِ يَقْضِيهَا وَلَوْ مِنْ جُلُوسٍ، أَوْ فَاتَتْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَمْ يَقْضِهَا إلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْفَوَائِتِ أَوْ عَكْسُهُ.
(ثُمَّ) إنْ كَانَ ذَكَرَهَا بَعْدَ فِعْلِ صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ (أَعَادَ مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا صَلَّى بَعْدَهَا) بَيَانٌ لِمَا، وَالضَّمِيرُ فِي وَقْتِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى الْفَرْضِ وَلِذَا ذَكَرَ الضَّمِيرَ، وَالضَّمِيرُ فِي بَعْدَهَا عَلَى الْمَنْسِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ صَلَّى فَرِيضَةً فِي وَقْتِهَا الْحَاضِرِ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهَا فَائِتَةٌ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا وَهِيَ خَمْسُ أَوْ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْدَ صَلَاةِ تِلْكَ الْفَائِتَةِ إعَادَةُ تِلْكَ الْحَاضِرَةِ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا مَا دَامَ وَقْتُهَا وَلَوْ الضَّرُورِيَّ لِحُصُولِ التَّرْتِيبِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ عَمَّا فَاتَهُ وَقْتُهُ فَلَا يُعَادُ، مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَنْسَى الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَيُعِيدُ الصُّبْحَ إذَا كَانَ التَّذْكِيرُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِبَقَاءِ وَقْتِهَا، وَلَا يُعِيدُ الْعِشَاءَ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَقَطْ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمُعِيدُ إمَامًا فَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِهِ صَلَاتَهُ خِلَافٌ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا إعَادَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّاجِحُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَادِلُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَطَائِفَةٌ، وَقَيَّدْنَا الْفَائِتَةَ بِالْيَسِيرَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَلَّى حَاضِرَةً ثُمَّ ذَكَرَ فَائِتَةً كَثِيرَةً وَهِيَ سِتٌّ أَوْ خَمْسٌ فَإِنَّ الْحَاضِرَةَ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا، فَلَا يَتَأَتَّى إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ قَضَائِهَا فَافْهَمْ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الضَّرُورِيَّ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي يَسِيرِ الْفَوَائِتِ مَعَ الْحَاضِرَةِ: فَإِنْ خَالَفَ وَلَوْ عَمْدًا أَعَادَ