الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيروانيصفحات 83-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

فِيهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى حَقِيقَةِ وُجُودِ الْجَنَّةِ الْآنَ مِنْ ثَمَّ إخْرَاجُهُمَا مِنْهُمَا بِالْأَكْلِ مِنْ الشَّجَرَةِ وَكَوْنُهُمَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قِصَّةُ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِسْكَانُهُمَا الْجَنَّةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَحَمْلُ الْجَنَّةِ فِي قِصَّةِ آدَمَ عَلَى بُسْتَانٍ مِنْ بَسَاتِينِ الدُّنْيَا، وَآدَمُ عَلَى رَجُلٍ يُسَمَّى بِذَلِكَ كَانَ فِي حَدِيقَةٍ لَهُ عَلَى رَبْوَةٍ أَيْ مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ فَعَصَى فِيهَا فَأُهْبِطَ مِنْهَا إلَى بَطْنِ الْوَادِي تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ، كَمَا سَيُشِيرُ إلَى رَدِّهِ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم.
. . إلَخْ وَثَانِيهِمَا خَيْرُ حَمْلِ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: 15] وَ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133] ، وَمِنْ السُّنَّةِ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ فَتَنَاوَلْت مِنْهَا عُنْقُودًا» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا دَارُ الثَّوَابِ، وَأَنَّ آدَمَ الْمُرَادُ بِهِ أَبُو الْبَشَرِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْكَارُ وُجُودِ الْجَنَّةِ الْآنَ، فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهَا الْآنَ وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ كَافِرٌ كَالْفَلَاسِفَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهَا الْآنَ وَيَعْتَرِفُ بِوُجُودِهَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ كَأَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَهُمْ مُبْتَدِعَةٌ، وَتَمَسُّكُهُمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَهَلَكَتْ لِعُمُومِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: 88] مَرْدُودٌ بِأَنَّهَا مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الَّتِي لَا تَهْلِكُ كَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْقَلَمِ وَاللَّوْحِ.
الثَّانِي: وَقَعَ خِلَافٌ فِي مَحَلِّهَا كَالنَّارِ فَقَالَ بَعْضٌ: لَا يَعْلَمُ مَحَلَّهُمَا إلَّا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَلَعَلَّ هَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ لِعَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ بِتَعْيِينِ مَحَلِّهِمَا، وَقَالَ بَعْضٌ: الْجَنَّةُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَالنَّارُ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَقِيلَ: جَهَنَّمُ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا وَالْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا، فَلِذَلِكَ ضُرِبَ الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ «هِرَقْلَ كَتَبَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَدْعُونِي إلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ» ، وَكَمَا مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِخَلْقِ الْجَنَّةِ خَصَّهُمْ بِهَا (وَأَكْرَمَهُمْ فِيهَا بِالنَّظَرِ) بِأَبْصَارِهِمْ (إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ) الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْمُفْرَدِ الْمُؤَنَّثِ لِلْجَنَّةِ، وَالْمُذَكَّرِ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَمِنْهُ أَنْ يُنْظَرَ بِالْأَبْصَارِ ... لَكِنْ بِلَا كَيْفٍ وَلَا انْحِصَارٍ فَيَنْكَشِفُ لَهُمْ انْكِشَافًا تَامًّا مُنَزَّهًا عَنْ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ قُوَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي خَلْقِهِ يَنْكَشِفُ لَهُمْ بِهَا الْمَرْئِيُّ وَلَا تَسْتَدْعِي جِرْمِيَّةً وَلَا جِهَةً وَلَا مُقَابَلَةً، وَإِنَّمَا تَسْتَدْعِي مُطْلَقَ مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ، وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاتِّفَاقِ لَا الشَّرْطِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَعْلَمُهُ سُبْحَانَهُ لَا فِي جِهَةٍ وَلَا مَكَان؟ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] وَآيَةُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] فَلَوْلَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ مَا طَلَبَهَا مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَيْضًا اللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ رُؤْيَةَ ذَاتِهِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ وَهُوَ مُمْكِنٌ فَتَكُونُ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ مُمْكِنَةً.
وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَوْلَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَا عَيَّرَ سُبْحَانَهُ الْكُفَّارَ بِالْحَجْبِ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَوْ لَمْ يُوقِنْ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بِأَنَّهُ يَرَى رَبَّهُ فِي الْمَعَادِ لَمَا عَبَدَهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ: «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى رُؤْيَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ مُتَمَسِّكِينَ بِشُبْهَةِ الْمُقَابَلَةِ الَّتِي تَقْرِيرُهَا: لَوْ كَانَ مَرْئِيًّا لَكَانَ مُقَابِلًا لِلرَّائِي بِالضَّرُورَةِ فَيَكُونُ فِي جِهَةٍ وَحَيِّزٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَجَوَابُهَا الْمُقَابَلَةُ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي رُؤْيَةِ الْمَخْلُوقِ، وَقِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْغَائِبِ وَصِفَتِهِ وَهِيَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ لَنَا، وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِشُبْهَةٍ سَمْعِيَّةٍ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103] وَجَوَابُهَا أَنَّ الْإِدْرَاكَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ، إذْ الْإِدْرَاكُ الْإِحَاطَةُ بِالْمُدْرَكِ وَهِيَ مَحَالَةٌ عَلَى اللَّهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103] وَلَمْ يَقُلْ لَا تَرَاهُ، وَإِلَى الْجَوَابِ عَنْ الشُّبْهَةِ الْأُولَى أَشَارَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ: بِلَا كَيْفٍ، وَعَنْ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَا انْحِصَارٍ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ تَخْصِيصِ الْإِكْرَامِ بِالنَّظَرِ فِي الْجَنَّةِ قَصْرُ الرُّؤْيَا فِيهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَظَاهِرُهُ تَنَاوُلُ النِّسَاءَ؛ لِأَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا يَرَوْنَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ، وَأَمَّا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَقِيلَ عَامَّةٌ وَقِيلَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ وَسَيَأْتِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

مَا فِيهِ، وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا عَقْلَ لَهَا فَلَا تَرَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا فِي الْمَوْقِفِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ الَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ؛ لِأَنَّ الْوَارِدَ فِي النُّصُوصِ فِي رُؤْيَةِ الْعُقَلَاءِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
الثَّانِي: يَدْخُلُ فِيمَنْ يَرَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كُلُّ مَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، حَتَّى يَتَنَاوَلَ الصِّبْيَانَ وَالْمَلَائِكَةَ وَمُؤْمِنَ الْجِنِّ وَالْأُمَمَ السَّابِقَةِ وَالْبُلْهَ وَالْمَجَانِينَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ الْبُلُوغُ عَلَى الْجُنُونِ وَمَاتُوا عَلَيْهِ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِالتَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ؛ لِأَنَّ إيمَانَهُمْ صَحِيحٌ، إذْ هُوَ فِي حُكْمِ مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ فِي الْجُمْلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ مَحَلُّ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: رُؤْيَتُهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ مُخْتَصَّةٌ بِمُؤْمِنِ الْإِنْسِ.
وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ وَمُؤْمِنُوا الْجِنِّ فَلَا يَرَوْنَهُ إلَّا جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ يَرَاهُ، وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ تَعَالَى فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَقَالَ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَقِيلَ: يَرَاهُ الْكَافِرُ أَوَّلًا ثُمَّ يُحْجَبُ عَنْهُ لِتَكُونَ الْحَجْبَةُ حَسْرَةً لَهُ الثَّالِثُ: الرُّؤْيَةُ فِي الْجَنَّةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الرَّائِي، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ فِي الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا كَالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ فِي الْعِيدِ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، الرَّابِعُ: الْكَلَامُ السَّابِقُ فِي رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ الدُّنْيَا لَكِنْ فِي الْمَوْقِفِ الصَّحِيحِ اخْتِصَاصُهَا بِالْمُؤْمِنِ كَمَا مَرَّ، وَمُقَابِلُهُ يَرَاهُ حَتَّى الْكَافِرُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: خُصُوصُ الْمُنَافِقِ ثُمَّ يُحْجَبُ، وَأَمَّا فِي الْجَنَّةِ فَالِاخْتِصَاصُ بِالْمُؤْمِنِ ظَاهِرٌ لِحُرْمَةِ الْجَنَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَهِيَ مِنْ الْجَائِزَاتِ الْعَقْلِيَّةِ بِدَلِيلِ طَلَبِ سَيِّدِنَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهَا مِنْ رَبِّهِ، وَلَكِنْ لَمْ تَقَعْ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا يَقِظَةً إلَّا لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: " وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ". وَأَمَّا مُوسَى فَفِي رُؤْيَتِهِ خِلَافٌ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ، فَمَنْ ادَّعَاهَا مِنْ آحَادِ النَّاسِ غَيْرُهُمَا فِي الدُّنْيَا يَقِظَةً فَهُوَ ضَالٌّ بِإِطْبَاقِ الْمَشَايِخِ.
وَفِي كُفْرِهِ قَوْلَانِ: فَفِي الْحَدِيثِ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ» . وَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْمَشْهُورِينَ بِالْوِلَايَةِ مِنْ دَعْوَى رُؤْيَتِهِ تَعَالَى يَقِظَةً فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ لَا الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ، وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ تَعَالَى.
الْخَامِسُ: وَقَعَ خِلَافٌ فِي كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ، فَنَقَلَ شُرَّاحُ هَذَا الْكِتَابِ كَالْجَزُولِيِّ وَالْأَقْفَهْسِيِّ وَالشَّاذِلِيِّ التَّكْفِيرَ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَأَمَّا مَسَائِلُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَالتَّوَلُّدِ وَشِبْهِهَا مِنْ الدَّقَائِقِ فَالْمَنْعُ مِنْ إكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ فِيهَا أَوْضَحُ، إذْ لَيْسَ فِي الْجَهْلِ شَيْءٌ مِنْهَا جَهْلٌ بِاَللَّهِ، وَلَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْهَا، نَعَمْ يُؤَدَّبُ وَيُفَسَّقُ إنْ لَمْ يَتُبْ، وَأَمَّا مَنْ لَا تَأْوِيلَ عِنْدَهُ أَصْلًا وَهُوَ الْعَابِدُ، وَالْجَاهِلُ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى شُبْهَةٍ فَيَكْفُرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا النَّظَرُ هَلْ هِيَ فِي الدُّنْيَا أَوْ هِيَ دَارُ الثَّوَابِ؟ بَيَّنَ الصَّحِيحَ مِنْ الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ) أَيْ الْجَنَّةُ بِمَعْنَى دَارٍ حَدِيثًا وَأَيَّدَهَا دَارَ خُلُودٍ وَأَكْرَمَ اللَّهُ فِيهَا أَوْلِيَاءَهُ (الَّتِي أُهْبِطَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنَى أُنْزِلَ (مِنْهَا آدَم) بِالرَّفْعِ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْ الْفَاعِلِ وَمَنَعَ الصَّرْفَ الْعَلَمِيَّةُ وَالْعُجْمَةُ، وَلَوْ قَرَأَ أَهْبَطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَلَى اللَّهِ لَصَحَّ نَصْبُ آدَمَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَآدَمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُوَ أَبُو الْبَشَرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأُدْمَةِ لَوْنِهِ وَهِيَ حُمْرَةٌ تَمِيلُ إلَى سَوَادٍ، وَكُنْيَتُهُ إلَى الْجَنَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ، كَانَ هُبُوطُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، كَمَا كَانَ خَلْقُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهَا أُخْرِجَ وَأُنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَقِيلَ بِمَا خُلِقَ فِي الْأَرْضِ وَرُدَّ إلَيْهَا، وَعَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَدَفَنَهُ وَلَدُهُ شِيثٌ، بِغَارِ أَبِي قَيْسٍ: وَكَانَ طُولُهُ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ الطِّينِ خَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَمَاتَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ، وَكَانَ بَيْنَ خَلْقِهِ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أَرْبَعُ جُمَعٍ مِنْ جُمَعِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ بَيْنَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ وَخُرُوجِهِ سِتَّةُ أَيَّامٍ، وَسَبَبُ هُبُوطِهِ أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ فَأَكَلَ مِنْهَا، قِيلَ نَاسِيًا، وَقِيلَ مُتَأَوِّلًا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا غَيْرُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، وَاخْتُلِفَ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَقِيلَ شَجَرَةُ التِّينِ، وَقِيلَ الْحِنْطَةُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَصَدَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا.
. . إلَخْ، الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا بِأَرْضِ عَدَنَ مُحْتَجًّا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ جَنَّةَ أَوْلِيَائِهِ بِدَارِ الْخُلْدِ وَالْقَرَارِ وَالْمُقَامَةِ وَالسَّلَامِ وَالْجَزَاءِ، وَلَا خَوْفَ فِيهَا وَلَا نَصَبَ وَلَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيمَ وَلَا كَدَرَ وَلَا حَسَدَ، وَمَنْ دَخَلَهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْ جَنَّةِ آدَمَ لِأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنْهَا وَكَذَبَ فِيهَا إبْلِيسُ وَأَثِمَ وَتَكَبَّرَ وَحَسَدَ، وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُ اللَّهِ لَهَا بِصِفَةٍ هِيَ عَلَامَةٌ عَلَى خِلَافِهَا، وَأُجِيبَ عَمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ بِأَنَّ صِفَاتِ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً لَهَا، بَلْ يَجُوزُ وَصْفُهَا بِذَلِكَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، أَوْ يَكُونُ وَصْفُهَا بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ مَوْقُوفًا عَلَى شَرْطٍ فَلَا تُوصَفُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الشَّرْطَ، وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِالْجَنَّةِ فِي كَلَامِهِ دَارَ الثَّوَابِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِآدَمَ فِي كَلَامِهِ أَيْضًا أَبَا الْبَشَرِ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: (نَبِيُّهُ وَخَلِيفَتُهُ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُكْمِهِ بِأَمْرِهِ

إلَى أَرْضِهِ: بِمَا سَبَقَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ.

، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ، وَأَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ وَكُتُبِهِ

[الفواكه الدواني]

لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ خَلِيفَتُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخَلَفِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ أَيْ مِنْ الْإِنْسِ؛ لِأَنَّ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَقَوْلُ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ: كَانَ قَبْلَ آدَمَ سَبْعُ أُمَمٍ يَتَعَيَّنُ فَهْمُهُ عَلَى ذَلِكَ رَاجِعٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30] . فَإِنَّهُمْ بَنُو الْجَانِّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْأَرْضِ فَلَمَّا أَفْسَدُوا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَطَرَدُوهُمْ إلَى الْجَزَائِرِ وَالْجِبَالِ رَاجِعِ التَّفْسِيرَ، وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُوُفِّيَ سَبْعُونَ أُمَّةً قَبْلهَا هِيَ آخِرُهَا» فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ آدَمَ الَّذِي أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ لَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ لِلَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَانَ فِي حَدِيقَةٍ لَهُ عَلَى رَبْوَةٍ أَيْ مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ فَعَصَى فِيهَا فَأُهْبِطَ مِنْهَا، فَنَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ دَارُ الثَّوَابِ، وَآدَمُ هُوَ أَبُو الْبَشَرِ، فَيَجُوزُ فِي نَبِيِّهِ وَخَلِيفَتِهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى حُكْمِ مَا سَبَقَ فِي آدَمَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَصِلَةُ أُهْبِطَ (إلَى أَرْضِهِ) وَكَذَا قَوْلُهُ: (بِمَا سَبَقَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ) فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأُهْبِطَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ آدَمَ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى الْأَرْضِ بِسَبَبِ حُصُولِ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ الْقَدِيمِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي الْأَكْلِ مِنْ الشَّجَرَةِ.
فَقَوْلُهُ: فِي سَابِقِ عِلْمِهِ صِلَةٌ لَسَبَقَ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ عِلْمُهُ السَّابِقُ، وَهَذَا سَبْقُ حُكْمٍ وَمَرْتَبَةٍ لَا سَبْقُ زَمَانٍ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ وَلَا تَرْتِيبَ فِي تَعَلُّقِ عِلْمِهِ، بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِسَائِرِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا، وَالْهُبُوطُ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا وَحِسِّيًّا، فَالْحِسِّيُّ يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَعْنَوِيُّ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ الِانْحِطَاطُ فِي الرُّتْبَةِ، وَهُبُوطُ آدَمَ حِسِّيٌّ وَهُوَ رُقِيٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ ازْدَادَ بِهِ قَدْرُهُ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ وَحُصُولِ الذُّرِّيَّةِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ وَهُوَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَسَائِرُ الصَّالِحِينَ، فَإِهْبَاطُهُ مِنْهَا لَيْسَ طَرْدًا بَلْ لِقَضَاءِ أَوْطَارِهِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهَا، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: فَكَانَ مُرَادُ الْحَقِّ مِنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْأَكْلَ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ لِيُنْزِلَهُ إلَى الْأَرْضِ وَيَسْتَخْلِفَهُ فِيهَا، فَكَانَ هُبُوطًا فِي الصُّورَةِ رُقِيًّا فِي الْمَعْنَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَاَللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آدَمَ إلَى الْأَرْضِ وَاسْتَخْلَفَهُ فِيهَا لِتَنْقِيصِهِ وَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ لِيَجْعَلَ لَهُ الْمَزِيَّةَ حَتَّى عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِتَعْلِيمِهِمْ وَالْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكْلِيفِ، فَكَمَّلَ فِي آدَمَ الْعُبُودِيَّتَانِ: عُبُودِيَّةَ التَّعْرِيفِ وَعُبُودِيَّةَ التَّكْلِيفِ، فَعَظُمَتْ مِنَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَتَوَفَّرَ إحْسَانُهُ إلَيْهِ.
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ مِنْ شَخْصَيْنِ آدَم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِبْلِيسُ لَعَنْهُ اللَّهُ، فَجَمِيعُ الْبَشَرِ مِنْ آدَمَ وَجَمِيعُ الْجِنِّ مِنْ إبْلِيسَ، وَكَانَ لَإِبْلِيسَ سَبْعَةُ أَوْلَادٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ حِرْفَةٌ مِنْ حِرَفِ السُّوءِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَكَالدُّخُولِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ بِالرَّمْيِ بِالْمَكَارِهِ، وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى مَا مِنْهُ وِلَادَةُ إبْلِيسَ هَلْ مِنْ زَوْجِهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا آدَم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقِيلَ وُلِدَ لَهُ مِنْ حَوَّاءَ أَرْبَعُونَ بَطْنًا فِي كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، وَكَانَ يُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذَا الْبَطْنِ لِأُنْثَى الْأُخْرَى، فَمَا مَاتَ حَتَّى بَلَغَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِائَةَ أَلْفٍ مَاتُوا جَمِيعًا إلَّا شِيثًا، وَخَرَجَ مِنْ شِيثٍ ذُرِّيَّةٌ كَثِيرَةٌ إلَّا نُوحًا، وَخَرَجَ مِنْ نُوحٍ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ وَهُمْ الَّذِينَ أَعْقَبُوا، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَالرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ، وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ وَالْخَزْرَجِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَا هُنَالِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا هَبَطَ نُوحٌ مِنْ السَّفِينَةِ لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ نَامَ ذَاتَ يَوْمٍ فَبَدَتْ عَوْرَتُهُ فَنَظَرَ إلَيْهَا حَامٌ فَضَحِكَ وَلَمْ يَسْتُرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ سَامٌ فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ وَغَطَّى عَوْرَةَ أَبِيهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَدَعَا وَلَدَهُ حَامًا فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ غَيَّرَ اللَّهُ مَاءَ صُلْبِك فَلَا يَلِدُ غَيْرَ السُّودَانِ السِّنْدِ وَالْهِنْدِ وَالنُّوبَةِ، وَقَوْلُنَا إلَّا شَيْئًا الْمُرَادُ وَزَوْجُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي نُوحٍ.
الثَّانِي: اُخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَمْلِ حَوَّاءَ فَقِيلَ كَغَيْرِهَا وَقِيلَ كَانَتْ أَقَلَّ، كَمَا اُخْتُلِفَ فِي الْوَطْءِ فَقِيلَ مَا حَصَلَ مِنْ آدَمَ إلَّا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ هُبُوطِهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَالْمُعَلِّمُ لَهُ جِبْرِيلُ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: شَارَكَ آدَم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْهُبُوطِ مِنْ الْجَنَّةِ حَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ، فَإِنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ خَزَنَةِ الْجَنَّةِ وَلَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ أَبُو الْجِنِّ كَمَا مَرَّ، وَكَذَا عَصَا مُوسَى فَإِنَّهَا كَانَتْ مَعَ آدَمَ فَهَبَطَتْ مَعَهُ فَتَنَاوَلَتْهَا ذُرِّيَّتُهُ حَتَّى وَصَلَتْ مُوسَى وَهِيَ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَخَرَجَ بِهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَتَنَاوَلَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ حَتَّى وَصَلَ لِسُلَيْمَانَ، وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ كَانَ مِنْ جَوَاهِرِ الْجِنَانِ فَأَخَذَهُ آدَم فَصَارَ حَجَرًا وَهَبَطَ مَعَهُ وَصَارَ فِي أَرْكَانِ الْكَعْبَةِ، وَالْعُودُ الَّذِي مِنْهُ الطِّيبُ، وَوَرَقُ التِّينِ الَّذِي سَتَرَ سَوْأَتَيْهِمَا حِين بَدَتَا فَنَزَلَ مَعَهُمَا.

(وَ) لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ دَارَ إقَامَةٍ لِأَوْلِيَائِهِ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ خَلَقَ أَيْضًا النَّارَ دَارَ خُلُودٍ لِأَعْدَائِهِ فَقَالَ: (إنَّ اللَّهَ)

وَرُسُلِهِ، وَجَعَلَهُمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ رُؤْيَتِهِ.

وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا: لِعَرْضِ

[الفواكه الدواني]

تَعَالَى (خَلَقَ النَّارَ) الْمُرَادُ دَارُ الْعَذَابِ بِجَمِيعِ طِبَاقِهَا السَّبْعِ الَّتِي أَعْلَاهَا جَهَنَّمُ وَتَحْتَهَا لَظًى، ثُمَّ الْحُطَمَةُ ثُمَّ السَّعِيرُ ثُمَّ سَقَرُ ثُمَّ الْجَحِيمُ ثُمَّ الْهَاوِيَةُ، وَبَابُ كُلٍّ مِنْ دَاخِلِ الْأُخْرَى عَلَى الِاسْتِوَاءِ، وَبَيْنَ أَعْلَى جَهَنَّمَ وَأَسْفَلِهَا سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وَحَرُّهَا هَوَاهُ مُحْرِقٌ وَلَا جَمْرَ لَهَا سِوَى بَنِي آدَمَ وَالْأَحْجَارُ الْمُتَّخَذَةُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا مَا أَخْرَجَهَا اللَّهُ إلَى النَّاسِ مِنْ جَهَنَّمَ حَتَّى غُسِلَتْ فِي الْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهَا مِنْ حَرِّهَا وَكَفَى بِهَذَا زَاجِرًا.
(فَأَعَدَّهَا) أَيْ هَيَّأَهَا (دَارَ خُلُودٍ) عَلَى التَّأْبِيدِ (لِمَنْ كَفَرَ بِهِ) أَيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهِ.
(وَ) لِمَنْ (أَلْحَدَ) أَيْ ارْتَابَ (فِي آيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) وَمَلَائِكَتِهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، وَالْمُرَادُ بِآيَاتِهِ الْمَخْلُوقَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَتَمَامِ قُدْرَتُهُ وَالْإِلْحَادُ وَالْكُفْرُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَاتِهِ آيَاتُ كُتُبِهِ، وَالْإِلْحَادُ فِيهَا تَأْوِيلُهَا عَلَى خِلَافِ مَا تَأَوَّلَهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَعَطْفُ أَلْحَدَ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
(وَجَعَلَهُمْ) أَيْ وَصَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ كَفَرَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ (مَحْجُوبِينَ) أَيْ مَمْنُوعِينَ وَمَطْرُودِينَ (عَنْ رُؤْيَتِهِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ قِيلَ وَكَذَا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ يَرَوْنَهُ فِيهَا ثُمَّ يُحْجَبُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا حُجِبُوا عَنْ الرُّؤْيَةِ لِمَا أَنَّهَا إكْرَامٌ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: عَبَّرَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي هُنَا وَفِي قَوْلِهِ سَابِقًا خَلَقَ الْجَنَّةَ إشَارَةً إلَى وُجُودِهِمَا الْآنَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَأَنَّهُمَا لَا يَفْنَيَانِ فَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَالنَّارُ حَقٌّ أُوجِدَتْ كَالْجَنَّهْ ... فَلَا تَمِلْ لِجَاحِدٍ ذِي جِنَّهْ دَارُ خُلُودٍ لِلسَّعِيدِ وَالشَّقِيّ ... مُعَذَّبٌ مُنَعَّمٌ مَهْمَا بَقِيَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ - خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 106 - 107] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وَالْمُرَادُ بِالسَّعِيدِ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا، وَبِالشَّقِيِّ مَنْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْقِيَاءِ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ كَالْعُصَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ شَقُوا بِالْعِصْيَانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] أَيْ عَدَمَ خُلُودِهِ فَيُخْرِجُهُ مِنْهَا.
وَمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ بَعْضَ السُّعَدَاءِ لَا يُخَلَّدُ فِي الْجَنَّةِ بَلْ يُفَارِقُهَا ابْتِدَاءً يَعْنِي أَيَّامَ عَذَابِهِ كَالْفُسَّاقِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سُعِدُوا بِالْإِيمَانِ وَالتَّأْبِيدُ مِنْ مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ كَمَا يَنْتَقِضُ بِاعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ فَكَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ، الثَّانِي: تَدْخُلُ فِيمَنْ كَفَرَ مِنْ الْجِنِّ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ مُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْمَعَاصِي.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [هود: 119] وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا وَيُثَابُونَ فَيُنَعَّمُونَ فِيهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ أَنَّهُمَا لَا يُدْخَلَانِ إلَّا بَعْدَ الْحِسَابِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرُهُمَا عَنْهُ فَقَالَ: (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ حَقِيقَةً (أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) أَيْ تَزَايَدَ وَتَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَتَعَاظَمَ وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَاهِلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (يَجِيءُ) الْمُرَادُ أَمْرُهُ أَوْ حَامِلُ أَمْرِهِ أَوْ الْمُرَادُ ظُهُورُ آثَارِ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ لِاسْتِحَالَةِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْقَصْدُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْثِيلُ بِمَا يَظْهَرُ عِنْدَ حُضُورِ السُّلْطَانِ مِنْ تَعْظِيمِ هَيْبَتِهِ وَإِتْقَانِ سِيَاسَتِهِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ خَلْقِهِ.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَهُوَ زَمَنُ انْقِرَاضِ الدُّنْيَا وَلِذَا يُقَالُ لَهُ الْيَوْمُ الْآخِرُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلُهُ مِنْ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ إلَى اسْتِقْرَارِ الْخَلْقِ فِي الدَّارَيْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقِيَامِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ فِيهِ، وَقِيَامِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهِمْ، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَهِيَ مَصْدَرُ قَامَ، وَدَخَلَتْهَا التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي نَحْوِ عَلَّامَةٌ وَنَسَّابَةٌ (وَ) يَجِيءُ (الْمَلَكُ) أَيْضًا حَالَةَ كَوْنِهِ (صَفًّا صَفًّا) أَيْ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ فَهُوَ حَالٌ مِنْ الْمَلَكِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ؛ لِأَنَّ الِاصْطِفَافَ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْمُتَعَدِّدِ وَصَفًّا مَصْدَرٌ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ذِي الْحَالِ، فَهُوَ إمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ بِالْمُشْتَقِّ أَيْ مُصْطَفِّينَ، أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ ذَوِي صُفُوفٍ وَتِلْكَ الْحَالُ مَنْوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الِاصْطِفَافَ لَيْسَ مُقَارِنًا

الْأُمَمِ وَحِسَابِهَا، وَعُقُوبَتِهَا، وَثَوَابِهَا.

، وَتُوضَعُ الْمَوَازِينُ لِوَزْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ؛ فَأُولَئِكَ هُمْ.

[الفواكه الدواني]

لِلْمَجِيءِ بَلْ بَعْدَهُ وَلَيْسَ صَفًّا الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الصُّفُوفَ مُتَعَدِّدَةٌ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ، وَتَكُونُ الْخَلْقُ إذْ ذَاكَ عَلَى الصِّرَاطِ يَأْمُرُهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَمْتَدَّ كَالْأَدِيمِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فَيَنْزِلُ الْخَلَائِقُ مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَتَجْتَمِعُ فِيهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَصْطَفُّونَ وَيَحْتَاطُونَ بِالْخَلَائِقِ صَفًّا أَوَّلًا ثُمَّ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَهَكَذَا بِعَدَدِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ بَعْدَ تَنَاهِي الصُّفُوفِ السَّبْعِ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33] أَيْ بِحَجَّةٍ، وَخَالَفَ لَفْظَ الْقُرْآنِ فِي تَعْبِيرِهِ بِيَجِيءُ لِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَاضِي فِي الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى الْمُضَارِعِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاقْتِبَاسِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ يُغْتَفَرُ فِيهِ التَّغْيِيرُ الْيَسِيرُ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ، وَالْمَلَكُ مُفْرَدُ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورَانِيَّةٌ أَعْطَاهَا اللَّهُ قُدْرَةَ التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ كَامِلَةٍ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ، شَأْنُهَا الطَّاعَاتُ وَمَسْكَنُهَا السَّمَوَاتُ رُسُلُ اللَّهِ إلَى أَنْبِيَائِهِ وَأُمَنَاؤُهُ عَلَى وَحْيِهِ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَكَثِيرًا مَا يُعِينُونَ النَّاسَ عَلَى الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ كَالْغَلَبَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَكَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ، بِخِلَافِ الشَّيَاطِينِ مِنْ الْجِنِّ فَإِنَّهُمْ مِنْ النَّارِ أَوْ الْهَوَاءِ وَإِنَّمَا يُعِينُونَ عَلَى الشَّرِّ، وَصِلَةُ يَجِيءُ قَوْلُهُ: (لِعَرْضِ الْأُمَمِ) عَلَيْهِ تَعَالَى لِيَنْظُرَ فِي أَحْوَالِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ عَرْضَاتٍ: عَرْضَتَانِ لِلِاعْتِذَارِ وَالِاحْتِجَاجِ وَالتَّوْبِيخِ وَالثَّالِثَةُ فِيهَا نَشْرُ الْكُتُبِ، فَيَأْخُذُ الْفَائِزُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَالْهَالِكُ يَأْخُذُهُ بِشِمَالِهِ، وَالْأُمَمُ جَمْعُ أُمَّةٍ وَهِيَ طَوَائِفُ الْمَخْلُوقِينَ بِنَاءً عَلَى بَعْثِ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَوْ خُصُوصِ مَنْ يُحَاسَبُ مِنْ الثَّقَلَيْنِ.
(وَحِسَابِهَا وَعُقُوبَتِهَا وَثَوَابِهَا) فَإِنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَهُوَ الثَّوَابُ يَخْتَصُّ بِالثَّقَلَيْنِ، وَاخْتَصَّ الْحِسَابُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَضْيَقُ الْأَحْوَالِ بِاحْتِيَاطِ الْمَلَائِكَةِ بِهِمْ سَبْعَ صُفُوفٍ لَا يَسْتَطِيعُ ذُو الْبَطْشِ مِنْهُمْ الْهُرُوبَ نَسْأَلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْإِعَانَةَ عَلَيْهِ، وَعَطْفُ الْحِسَابِ وَمَا بَعْدُهُ عَلَى الْعَرْضِ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْحِسَابِ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْك أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ مُحَاسَبَةَ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ لَيْسَتْ لِلْإِحَاطَةِ بِجَرَائِمِهِ الَّتِي يُعَاقَبُ عَلَيْهَا وَالْحَسَنَاتِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ بَلْ ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12] إنَّمَا ذَلِكَ لِلتَّخْوِيفِ بِإِفْشَاءِ الْحَالِ بِإِظْهَارِ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ أَرْبَابِ الْكَمَالَاتِ وَفَضِيحَةِ أَرْبَابِ الضَّلَالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُقُوبَةَ وَالْإِثَابَةَ نَاشِئَتَانِ عَنْ الْحِسَابِ وَمُرَتَّبَتَانِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَعَظَائِمُ الْعَرْضِ عَلَى الرَّبِّ لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يُذِيبُ الْأَكْبَادَ وَيَفِرُّ فِيهِ الْوَالِدُ مِنْ بَنِيهِ وَالْأَخُ مِنْ أَخِيهِ وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْقَلَقُ وَيَكْثُرُ فِيهِ الْعَرَقُ حَتَّى يَغُوصَ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَأَمَّا عَلَى ظَهْرِهَا فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَتَفَاوُتِهِمْ فِي الْمَرَاتِبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجَمُ بِعَرَقِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُوصُ بِنِصْفِهِ فِي عَرَقِهِ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ، يَوْمٌ تَشْهَدُ فِيهِ الْأَلْسُنُ وَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْجُلُودُ وَالْأَرْضُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالْحَفَظَةُ الْكِرَامُ وَتَتَغَيَّرُ فِيهِ الْأَلْوَانُ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَبِالْجُمْلَةِ الْعَرْضُ وَالْحِسَابُ وَشَدَائِدُهُمَا مَعْلُومَةٌ لَا يُنْكِرُهَا إلَّا مُلْحِدٌ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُحَافَظَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ لَعَلَّ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ.
1 - تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اخْتِصَاصُ الْحِسَابِ بِالْمُكَلَّفِ لِقَوْلِهِ وَعُقُوبَتُهَا، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيُّ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِي حِسَابِ الْأَطْفَالِ وَالْبُلْهِ وَالْمَجَانِينِ وَأَهْلِ الْفَتْرَةِ وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي الْعَرْضِ هَلْ هُوَ عَامٌّ فِي الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يُحَاسَبُ كَالسَّبْعِينَ أَلْفًا أَوْ لَا يُعْرَضُ إلَّا مَنْ يُحَاسَبُ؟ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَالْعَرْضُ أَخَصُّ مِنْ الْحَشْرِ، فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ إنَّ الْبَهَائِمَ تُحْشَرُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا يُدْعَى بِهِ الشَّخْصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُدْعَى بِأَبِيهِ وَلَوْ مِنْ زِنًى، وَقِيلَ يُدْعَى بِأُمِّهِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ سَتْرًا لِوَلَدِ الزِّنَا.
1 - الثَّانِي: الْحِسَابُ لُغَةً الْعَدَدُ وَاصْطِلَاحًا تَوْقِيفُ اللَّهِ عِبَادَهُ قَبْلَ الِانْصِرَافِ مِنْ الْمَحْشَرِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا، تَفْصِيلًا لَا بِالْوَزْنِ إلَّا مَنْ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى مُحَاسَبَتِهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فِيهِمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِمَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ، وَثَانِيهَا أَنْ يُوقِفَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُؤْتِيَهُمْ كُتُبَ أَعْمَالِهِمْ، وَثَالِثُهَا أَنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ فِي شَأْنِ أَعْمَالِهِمْ بِأَنْ يُسْمِعَهُمْ صَوْتًا يَخْلُقُهُ يَسْمَعُ مِنْهُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَيْثُ يَفْهَمُ مِنْهُ جَمِيعَ مَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْحِسَابِ مُخْتَلِفَةٌ،

الْمُفْلِحُونَ.

وَيُؤْتَوْنَ صَحَائِفَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ

[الفواكه الدواني]

فَمِنْهُ الْيَسِيرُ وَمِنْهُ الْعَسِيرُ وَمِنْهُ الْجَهْرُ وَمِنْهُ السِّرُّ، وَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْإِنْسِيِّ وَالْجِنِّيِّ إلَّا مَنْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِاسْتِثْنَائِهِ فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ» . وَإِذَا كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَكُونُ أَدْنَى إلَى رَحْمَةٍ فَلَا يُحَاسَبُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَافِرِينَ مَنْ هُوَ أَدْنَى إلَى غَضَبِ اللَّهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَلَا يُحَاسَبُ أَيْضًا.

(فَائِدَةٌ) : مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَضَاءُ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ وَتَفْرِيجُ الْكُرَبِ عَنْهُمْ وَالتَّجَاوُزُ لَهُمْ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ أَخْذًا وَعَطَاءً، وَكَذَا إشْبَاعُ الْجَائِعِ وَكُسْوَةُ الْعُرْيَانِ وَإِيوَاءُ ابْنِ السَّبِيلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ رِفْقٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَمَّا كَانَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَرَتِّبَةً، أَوَّلُهَا: الْبَعْثُ وَهُوَ إخْرَاجُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَإِعَادَتُهُمْ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ النُّشُورُ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَشِرُونَ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَثَانِيهَا: الْحَشْرُ وَالْجَمْعُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 47] ثَالِثُهَا: الْقِيَامُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
رَابِعُهَا: الْعَرْضُ عَلَى الرَّبِّ.
خَامِسُهَا: تَطَايُرُ الصُّحُفِ وَأَخْذُهَا بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ الَّتِي يَقُولُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] . سَادِسُهَا: السُّؤَالُ وَالْحِسَابُ.

وَسَابِعُهَا: الْمِيزَانُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَتُوضَعُ الْمَوَازِينُ لِوَزْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَزْنُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّذِينَ يُحَاسَبُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] . وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: 8] (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أَيْ مَوْزُونَاتُهُ (فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) أَيْ النَّاجُونَ، وَقَدْ بَلَغَتْ أَحَادِيثُهُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنَّهُ مِيزَانٌ حِسِّيٌّ لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ تُوضَعُ فِيهِ صُحُفُ الْأَعْمَالِ أَوْ أَعْيَانُهَا بَعْدَ تَجْسِيمِهَا لِيَظْهَرَ الرَّاجِحُ وَالْخَاسِرُ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَمِثْلُ هَذَا الْوَزْنُ وَالْمِيزَانُ ... فَتُوزَنُ الْكُتُبُ أَوْ الْأَعْيَانُ تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا بِاَلَّذِينَ يُحَاسَبُونَ لِمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الْمِيزَانَ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ فِيهِ: «يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أُدْخِلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِك مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ» وَأُجْزِي الْأَنْبِيَاءَ فَاَلَّذِي لَا يُحَاسَبُ لَا تُوزَنُ أَعْمَالُهُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ: أَهْلُ الصَّبْرِ أَيْضًا لَا تُوزَنُ أَعْمَالُهُمْ وَإِنَّمَا يُصَبُّ لَهُمْ الْأَجْرُ صَبًّا.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: الْعِبَادُ شُمُولُ الْكُفَّارِ وَفِيهِمْ قَوْلَانِ.
فَمَنْ قَالَ بِدُخُولِهِمْ نَظَرَ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ فَقَدْ نَظَرَ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105] وَأَوَّلُهَا مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الصِّفَةِ أَيْ نَافِعًا، وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
الثَّالِثُ: وَقْتُ الْوَزْنِ بَعْدَ الْحِسَابِ كَمَا ذَكَرْنَا وَمَكَانُهُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِحْدَى كِفَّتَيْهِ عَلَى الْجَنَّةِ وَالْأُخْرَى عَلَى النَّارِ، وَالْمُنْتَصِبُ لِذَلِكَ جِبْرِيلُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْخُذُ بِعَمُودِهِ مُسْتَقْبِلًا بِهِ الْعَرْشَ وَمِيكَائِيلُ أَمِينٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مِيزَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، وَقِيلَ مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ الْأُمَمِ، وَقِيلَ بِعَدَدِ الْمُكَلَّفِينَ.
الرَّابِعُ: ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْوَزْنِ خِفَّةً وَثِقَلًا فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ كَيْفِيَّتِهِ فِي الدُّنْيَا مَا ثَقُلَ وَرَجَحَ نَزَلَ إلَى أَسْفَلَ ثُمَّ يُرْفَعُ إلَى عِلِّيِّينَ، وَمَا خَفَّ طَاشَ إلَى أَعْلَى ثُمَّ نَزَلَ إلَى سِجِّينٍ، وَعَلَامَةُ الرُّجْحَانِ ظُهُورُ نُورٍ وَعَلَامَةُ عَدَمِهِ ظُهُورُ ظُلْمَةٍ، وَقِيلَ: يَخْلُقُ اللَّهُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَعْرِفُ بِهِ الرَّاجِحَ مِنْ الْحَسَنَاتِ أَوْ السَّيِّئَاتِ.
الْخَامِسُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُقَابِلِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: 8] وَهُوَ ﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: 8] ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ وَيُحْمَلُ عَلَى الْكَافِرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَسَكَتَ أَيْضًا عَمَّنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ قِيلَ: وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ وَهُوَ سُوَرٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ فَمَنَعَتْهُمْ الْحَسَنَاتُ مِنْ النَّارِ وَالسَّيِّئَاتُ مِنْ الْجَنَّةِ فَيَقُومُونَ فِي سُوَرِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُدْخِلُهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ وَهُمْ آخِرُ مَنْ يَدْخُلُهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.

وَرَاءَ ظَهْرِهِ: فَأُولَئِكَ يَصْلَوْنَ سَعِيرًا.

وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُهُ الْعِبَادُ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فَنَاجُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُرْعَةِ

[الفواكه الدواني]

السَّادِسُ: سَكَتَ عَنْ الصِّنَجِ الَّتِي يُوزَنُ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَمَثَاقِيلِ الذَّرِّ تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: تُوضَعُ الْحَسَنَةُ فِي كِفَّةٍ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ أَنَّ الصِّنَجَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِيمَنْ لَهُ حَسَنَاتٌ فَقَطْ أَوْ سَيِّئَاتٌ فَقَطْ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ فَإِنَّهَا تُوضَعُ حَسَنَاتُهُ فِي مُقَابَلَةِ سَيِّئَاتِهِ حَرَّرَهُ.
السَّابِعُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: إذَا وَقَعَ الْوَزْنُ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الْمَظَالِمِ وَالْحُقُوقِ وَتَعَدَّتْ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى فَرَغَتْ حَسَنَاتُ الظَّالِمِ قَبْلَ فَرَاغِ مَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ وَتُطْرَحُ عَلَى الظَّالِمِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] أَيْ لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ ذَنْبَ أُخْرَى لِمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ فِي شَخْصَيْنِ لَا حَقَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَأَمَّا هَذِهِ فَبِذَنْبِهِ أُخِذَ وَبِكَسْبِهِ غُفِرَتْ، وَمَحَلُّ الطَّرْحِ الْمَذْكُورِ إذَا مَاتَ الظَّالِمُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقَضَاءِ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ عَاجِزًا فَلَا يُطْرَحُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ مَظْلُومِهِ شَيْءٌ.
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَظْلُومِ سَيِّئَةٌ كَالْأَنْبِيَاءِ وَلَا لِلظَّالِمِ حَسَنَةٌ كَالْكُفَّارِ فَيُعْطَى الْمَظْلُومُ مِنْ الثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى الظَّالِمِ، وَيُزَادُ فِي عُقُوبَةِ الظَّالِمِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَظْلُومُ أَنْ لَوْ كَانَ ثُمَّ مَا يُؤْخَذُ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا كَانَ الْمَظْلُومُ ذِمِّيًّا وَالظَّالِمُ مُسْلِمًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْقُطُ حَقُّهُ كَالْحَرْبِيِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: صَارَ حَقًّا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْلُبُ بِهِ الظَّالِمَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلَّا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَالْحَدِيثُ بَلَغَتْ رُوَاتُهُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ.
الثَّامِنُ: لَيْسَ وَزْنُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ لِلْوُصُولِ لِلْإِحَاطَةِ بِمَقَادِيرِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا حِكْمَةُ ذَلِكَ امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِيمَانِ بِذَلِكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَتَخْوِيفُهُمْ مِنْ عَاقِبَةِ السَّيِّئَاتِ وَتَرْغِيبُهُمْ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، لِأَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: 52] .

(وَ) مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ حِسَابَهُمْ (يُؤْتَوْنَ) أَيْ يُعْطُونَ (صَحَائِفَهُمْ) جَمْعُ صَحِيفَةٍ وَهِيَ الْكُتُبُ الْمَشْحُونَةُ (بِأَعْمَالِهِمْ) الَّتِي كَتَبَهَا عَلَيْهِمْ الْحَفَظَةُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ أَخْذَ الصُّحُفِ بَعْدَ الْعَرْضِ وَقَبْلَ السُّؤَالِ وَالْحِسَابِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ أَخْذَ الصُّحُفِ عَلَى الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ بَعْدَ الْحِسَابِ وَالْحِسَابَ بَعْدَ أَخْذِ الصُّحُفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَحَقِّيَّةِ أَخْذِ الصُّحُفِ الْكِتَابُ وَالْأَحَادِيثُ وَالْإِجْمَاعُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّحَائِفِ كُتُبُ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي كُتِبَتْ فِيهَا أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَمْ يُذْكَرْ مَنْ يُؤْتِي لَهُمْ الْكُتُبَ وَيَدْفَعُهَا لَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ.
فَقِيلَ إنَّ الرِّيحَ تُطَيِّرُهَا مِنْ خِزَانَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَا تُخْطِئُ صَحِيفَةٌ عُنُقَ صَاحِبِهَا، وَقِيلَ إنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُدْعَى فَيُعْطَى كِتَابَهُ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ فَيَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَالْكَافِرُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَمُقَابَلَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ تَدُلُّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) وَلَوْ عَاصِيًا (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) أَيْ سَهْلًا هَيِّنًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [الإسراء: 71] أَيْ لَا يُنْقَصُونَ مِنْ ثَوَابِهِمْ مِقْدَارَ فَتِيلٍ وَهُوَ الْقِشْرُ الَّذِي فِي شِقِّ النَّوَاةِ، سُمِّيَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَرَادَ اسْتِخْرَاجَهُ يَنْفَتِلُ وَهُوَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلشَّيْءِ الْحَقِيرِ وَمِثْلُهُ النَّقِيرُ وَالْقِطْمِيرُ.
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) وَهُوَ الْكَافِرُ إجْمَاعًا.
(فَأُولَئِكَ يَصْلَوْنَ سَعِيرًا) وَالتِّلَاوَةُ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 11 - 12] قَالَ الْمُفَسِّرُ: أَيْ يَتَمَنَّى الثُّبُورَ بِقَوْلِهِ يَا ثُبُورَاهُ وَهُوَ الْهَلَاكُ، وَالصَّلَى الِاحْتِرَاقُ أَيْ يَذُوقُونَ حَرَّهَا، وَالسَّعِيرُ اسْمٌ لِطَبَقَةٍ مِنْ طِبَاقِ النَّارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَهُ هُنَا عَلَى النَّارِ، وَقَوْلُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ هُوَ لَفْظُ الْقُرْآنِ فِي آيَةٍ وَفِي أُخْرَى بِشِمَالِهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْكَافِرَ يُدْخِلُ،

النَّجَاةِ عَلَيْهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فِيهَا أَعْمَالُهُمْ.

وَالْإِيمَانُ بِحَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، تَرِدُهُ

[الفواكه الدواني]

يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ صَدْرِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ وَتَكُونُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا بِأَنَّ شِمَالَهُ تُجْعَلُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَيُعْطَى كِتَابَهُ بِهَا.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ إنَّمَا قُلْنَا: الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ حِسَابَهُمْ لِإِخْرَاجِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَإِنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ صُحُفًا وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ، نَعَمْ ظَاهِرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ عَدَمُ اخْتِصَاصِ أَخْذِ الصُّحُفِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَعَدَمُ اخْتِصَاصِهِ أَيْضًا بِالْإِنْسِ بَلْ الْجِنُّ كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ.
الثَّانِي: أَوَّلُ مَنْ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مُطْلَقًا وَلَهُ شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: هَيْهَاتَ زَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ إلَى الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَبَعْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَخُوهُ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَتَأَمَّلْ هَذَا الْعَجَبَ فِي هَذَيْنِ الْأَخَوَيْنِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَيْسَ مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
الثَّالِثُ: ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ حَقِيقِيَّةٌ وَقِيلَ مَجَازِيَّةٌ عَبَّرَ بِهَا عَنْ عِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ بِمَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَلَفْظُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يَقْرَأُ كُلُّ إنْسَانٍ كِتَابَهُ أُمِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَالْوَزْنِ.
شَرَعَ فِي الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ لِكُلٍّ مِنْ الدَّارَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ) أَيْ أَنَّ مِمَّا يَجِبُ الْجَزْمُ بِحَقِيقَتِهِ وُجُودُ الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرِدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ حَتَّى مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالصَّادِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى نِزَاعٍ فِي إخْلَاصِهَا وَمُضَارَعَتِهَا بَيْنَ الصَّادِ وَالزَّايِ مِنْ صَرِت الشَّيْءَ بِكَسْرِ الرَّاءِ إذَا ابْتَلَعْته؛ لِأَنَّهُ يَبْتَلِعُ الْمَارَّةَ، كَمَا أَنَّ الطَّرِيقَ كَذَلِكَ وَحَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ وَشَرْعًا قَالَ السَّعْدُ: هُوَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ أَيْ ظَهْرِ جَهَنَّمَ أَرَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ، دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 66] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يُنْصَبُ الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُهُ أَنَا وَأُمَّتِي» . (تَجُوزُهُ الْعِبَادُ) جَمِيعًا لَكِنَّ جَوَازَهُمْ عَلَيْهِ مُخْتَلِفٌ إذْ هُوَ (بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ) الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَلْ فِي الْعِبَادِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَيَشْمَلُ مَنْ يُحَاسَبُ وَمَنْ لَمْ يُحَاسَبْ كَالسَّبْعِينَ أَلْفًا وَنَازَعَ بَعْضٌ فِي الْكُفَّارِ قَائِلًا: لَا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَحَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى أَثْنَاءِ الْمُرُورِ لَا عَلَى ابْتِدَائِهِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْكَافِرِ.
(فَنَاجُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُرْعَةِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ) وَالْمَعْنَى: فَقَوْمٌ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ نَاجُونَ (مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ) أَيْ مِنْ السُّقُوطِ فِيهَا وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ إذْ هِيَ بَيْنَ الْخَلَائِقِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَالصِّرَاطُ عَلَى ظَهْرِهَا فَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ حَتَّى يَمُرَّ عَلَى جَهَنَّمَ، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ حِينَئِذٍ إلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلُ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ تَخْتَطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَفِي الْحَدِيثِ: «يَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَمِنْهُمْ الْمَاشِي وَمِنْهُمْ الْحَابِي» . (وَقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ) أَيْ أَوْقَعَتْهُمْ (فِيهَا) أَيْ فِي جَهَنَّمَ (أَعْمَالُهُمْ) وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ أَيْضًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْقُطُ وَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ الْكَافِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْقُطُ وَيَمْكُثُ فِيهَا مُدَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا كَعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ يَبْقَى إلَى خُرُوجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ لِيَجُوزُوا عَلَيْهِ إلَى الْجَنَّةِ أَوْ يُزَالُ ثُمَّ يُعَادُ لَهُمْ أَوْ لَا يُعَادُ أَوْ تَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ إلَى السُّورِ الَّذِي هُوَ الْأَعْرَافُ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ أَرَقُّ أَوْ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى الصَّوَابِ خِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ فِي قَوْلِهِ الصَّحِيحِ: إنَّهُ عَرِيضٌ، وَخِلَافًا لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ لِوُجُوبِ حَمْلِ النُّصُوصِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إلَّا مَا خَالَفَ الْقَوَاطِعَ، وَالْعُبُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَرَفْعِ السَّمَاءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى الصَّوَابِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ فِيهِ كَلَالِيبَ تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ أَرَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ.
الثَّانِي: إنَّمَا قَيَّدْنَا وُجُودَ الصِّرَاطِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى خِلَافٌ فِي وُجُودِهِ الْآنَ وَعَدَمِ وُجُودِهِ، كَمَا جَرَى خِلَافٌ فِيمَا

أُمَّتُهُ، لَا يَظْمَأُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ وَيُذَادُ عَنْهُ مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ.

، وَأَنَّ الْإِيمَانَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ: يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ، وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهَا، فَيَكُونُ فِيهَا النَّقْصُ، وَبِهَا الزِّيَادَةُ، وَلَا يَكْمُلُ قَوْلُ الْإِيمَانِ إلَّا

[الفواكه الدواني]

مِنْهُ الصِّرَاطُ، فَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ الْبُرْهَانِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الصِّرَاطَ شَعْرَةٌ مِنْ شَعْرِ جَفْنِ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ.
وَفِي كَلَامِ الشِّهَابِ مَا يَرُدُّ قَوْلَ الْبُرْهَانِ: وَأَنَّ الْحَقَّ تَفْوِيضُ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
الثَّالِثُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ بَيْنَ الْخَلَائِقِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ يُعَيِّنُ أَنَّ الْجَنَّةَ مُجَاوِرَةٌ لِلنَّارِ، وَيُشْكِلُ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: إنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالنَّارَ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ الرَّابِعُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرُورَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحِسَابِ.
وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَسِيرَتَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَأَلْفٌ صُعُودٌ وَأَلْفٌ اسْتِوَاءٌ وَأَلْفٌ هُبُوطٌ، وَحِكْمَتُهُ ظُهُورُ عَظِيمِ فَضْلِهِ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّجَاةِ مِنْ النَّارِ، وَلِيَتَحَسَّرَ الْكَافِرُ بِفَوْزِ الْمُؤْمِنِ وَسُقُوطِهِ هُوَ فِي جَهَنَّمَ مَعَ اشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي أَصْلِ الْمُرُورِ.

وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يَغْلِبُ عَطَشُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ قَبْرِهِ ذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ: (وَالْإِيمَانُ) أَيْ التَّصْدِيقُ (بِحَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَاجِبٌ وَيُبَدَّعُ مُنْكِرُهُ دَلَّ عَلَى حَقِّيَّتِهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْحَوْضُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ زَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَيَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ وَلَا ظَلَمَ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ وَسَأَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَرِدُهُ أُمَّتُهُ) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (لَا يَظْمَأُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ) بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ وُرُودَهُ قَبْلَ الْوَزْنِ وَقَبْلَ الْحِسَابِ وَقَبْلَ الصِّرَاطِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: جَهْلُ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ وَالصِّرَاطِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَقِيدَةِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِهَا.
(وَيُذَادُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةُ وَبَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ يُبْعَدُ (عَنْهُ مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ) مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ.
إلَّا أَنَّ الَّذِي غَيَّرَ بِكُفْرٍ وَمَاتَ عَلَيْهِ يُطْرَدُ أَبَدًا وَأَمَّا مَنْ غَيَّرَ بِعِصْيَانٍ دُونَ كُفْرٍ فَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ قَوْلِ أُمَّتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أُمَّةَ غَيْرِهِ لَا تَرِدُهُ وَإِنَّمَا تَرِدُ حَوْضَ أَنْبِيَائِهَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَأَنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ فَلِأَيِّ شَيْءٍ خَصَّ وُجُوبَ الْإِيمَانِ بِحَوْضِ الْمُصْطَفَى - عَلَى الْجَمِيعِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؟ قُلْت: لِاتِّفَاقِ الْأَحَادِيثِ عَلَى وُجُودِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَقْتَضِي مَفْهُومُ أُمَّتِهِ أَيْضًا أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ مُخْتَصٌّ بِمُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَغَيْرُ أُمَّتِهِ يُطْرَدُ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِنْ الْمَطْرُودِينَ عَنْ حَوْضِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ كَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَا الظَّلَمَةُ الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْرِ وَطَمْسِ الْحَقِّ وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ.
الثَّانِي: مَاءُ الْحَوْضِ مِنْ نَهْرٍ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَحَصَلَ التَّوَقُّفُ هَلْ فِي الْمَوْقِفِ مَاءٌ أَمْ لَا؟ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَكَانِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَلْ فِيهِ مَاءٌ؟ فَقَالَ: أَيْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ فِيهِ لَمَاءً وَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَيَرِدُونَ حَوْضَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ بِأَيْدِيهِمْ عَصًى مِنْ نَارٍ يَذُودُونَ الْكُفَّارَ عَنْ حِيَاضِ الْأَنْبِيَاءِ» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: نَعَمْ لَكُمْ سِيمَى أَيْ عَلَامَةٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ تَرِدُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» .

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ السَّمْعِيَّاتِ الَّتِي يَجِبُ الْجَزْمُ بِحَقِيقَتِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: (وَإِنَّ الْأَيْمَانَ) عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ (قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ) أَيْ تَصْدِيقٌ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِيمَانِ لَا الْإِخْلَاصُ الْمُقَابِلُ لِلرِّيَاءِ.
(وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ) لَكِنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ شَرْطٌ لِكَمَالِهِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّة فَهُوَ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَمَّا النُّطْقُ بِاللِّسَانِ

بِالْعَمَلِ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ.

، وَأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ

[الفواكه الدواني]

فَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْخِلَافِ، كَمَا أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ شَرْطٌ لِكَمَالِ الْإِيمَانِ عَلَى كَلَامِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّة، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ شِفَاءُ الْعَلِيلِ.
وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي قَبُولِ الْإِيمَانِ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ وَكَانَ الرَّاجِحُ الْقَبُولَ قَالَ: (يَزِيدُ) أَيْ الْإِيمَانُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَحَلِّهِ (بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهَا) وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ: (فَيَكُونُ فِيهَا) أَيْ الْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا عَلَى حَدِّ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ أَيْ بِسَبَبِهَا (النَّقْصُ) فِي الْإِيمَانِ (وَبِهَا الزِّيَادَةُ) دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، أَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفَاوَتْ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ لَكَانَ إيمَانُ الْفَسَقَةِ مُسَاوِيًا لِإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَمَلْزُومُهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا النَّقْلُ فَلِكَثْرَةِ النُّصُوصِ نَحْوُ ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2] ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: 22] وَقَوْلُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ وُزِنَ إيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَرَجَحَ عَلَيْهَا» وَكُلَّمَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ يَقْبَلُ النَّقْصَ فَتَمَّ الدَّلِيلُ، وَهَذَا وَاضِحٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ بِالتَّصْدِيقِ وَالْعَمَلِ، وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِهِ بِنَفْسِ التَّصْدِيقِ فَكَذَلِكَ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ وَيَنْقُصُ بِعَدَمِهَا.
وَعَلَى هَذَا الرَّاجِحِ جُمْهُورُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْفُقَهَاءُ، وَالْمُحَدِّثُونَ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَنَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْإِمَامُ مَالِكٌ وَالْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، وَمُقَابِلُهُ لِجَمَاعَةٍ أَعْظَمُهُمْ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ لِأَنَّهُ اسْمُ التَّصْدِيقِ الْبَالِغِ حَدَّ الْجَزْمِ وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، وَأَجَابُوا عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْآيَاتِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّيَادَةِ بِحَسَبِ الدَّوَامِ وَكَثْرَةِ الزَّمَانِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَةُ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَتَجَدَّدُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ كَانَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَالْمُرَادُ زِيَادَةُ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهُوَ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَأَشَارَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ: وَرُجِّحَتْ زِيَادَةُ الْإِيمَانِ ... بِمَا تَزِيدُ طَاعَةُ الْإِنْسَانِ وَنَقْصُهُ بِنَقْصِهَا وَقِيلَ لَا ... وَقِيلَ لَا خَلْفٌ كَذَا قَدْ نُقِلَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ لَا خَلْفٌ إلَى قَوْلِ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ مَعَ جَمَاعَةٍ: إنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقُولَ بِقَوْلِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يُفَسِّرُهُ بِالتَّصْدِيقِ وَالْأَعْمَالِ، وَمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ قَبُولِهِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يُفَسِّرُهُ بِالتَّصْدِيقِ فَقَطْ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: كَذَا قَدْ نُقِلَا إلَى التَّبَرِّي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَأَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّصْدِيقَ الْقَلْبِيَّ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَ إيمَانُ الصِّدِّيقِينَ أَقْوَى مِنْ إيمَانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيه الشُّبَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا، فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ وَالْمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْبَرَاهِينِ وَكَثْرَتِهَا، وَلَا يُقَالُ: إنْ قَبِلَ التَّصْدِيقُ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ كَانَ شَكًّا.؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَرَاتِبُ الْيَقِينِ مُتَفَاوِتَةٌ إلَى عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ وَحَقِّ الْيَقِينِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْعِلْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْخَبَرِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْمُشَاهَدِ، وَالثَّالِثُ هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْمُعَايَنَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ مَعًا.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي إيمَانِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ لِمَا قَالَهُ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ مِنْ أَنَّ إيمَانَ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّقْصُ وَإِيمَانَ غَيْرِهِمْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إيمَانَ الْأَنْبِيَاءِ دَائِمًا فِي زِيَادَةٍ عَلَى تَوَالِي الزَّمَانِ، وَإِيمَانَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُرَادَفَةِ الْإِيمَانِ لِلْإِسْلَامِ أَوْ مُخَالَفَتِهِمَا وَأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا حُكْمًا كَبَقَائِهِمَا حَالَ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الثَّابِتَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ مَا يُضَادُّهُ يُحْكَمُ بِبَقَائِهِ وَأَنَّهُمَا مَخْلُوقَانِ، وَمَنْ قَالَ الْإِيمَانُ قَدِيمٌ فَبِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ وَهُوَ التَّوْفِيقُ فَإِنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ قَدْ بَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ حُدُوثُهَا، فَيَكُونُ التَّوْفِيقُ مَخْلُوقًا أَيْضًا.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ تَوَقَّفَ صِحَّةُ الْإِيمَانِ عَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ وَإِنْ قِيلَ بِهِ، نَبَّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ فَقَطْ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَكْمُلُ قَوْلُ الْإِيمَانِ إلَّا بِالْعَمَلِ) مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ الْإِيمَانِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ الطَّاعَاتُ، وَأَشَارَ بِهَذَا الْمُصَنِّفُ إلَى دَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْأَعْمَالَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَمَلَ الْجَوَارِحِ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ عَلَى كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَالْمُصَنِّفُ جَرَى عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَكْمُلُ قَوْلُ الْإِيمَانِ إلَّا بِالْعَمَلِ فَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ وَتَرَكَ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ كَسَلًا كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا إلَّا أَنَّهُ نَاقِصٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَعْمَالَ جُزْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ.
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالْإِيمَانُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَابْنِ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَعَمَلٌ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ فَتَدْخُلُ الِاعْتِقَادَاتُ وَالْعِبَادَاتُ، وَمَا نُسِبَ لِأَكْثَرِ السَّلَفِ مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ وَالْعَمَلِ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إدْخَالُ الْفَاسِقِ تَحْتَ الْإِيمَانِ، وَلَوْلَا التَّأْوِيلُ لَكَانَ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ لِبُطْلَانِ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ بِبُطْلَانِ جُزْئِهَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَقَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ: إنَّ الْإِيمَانَ النُّطْقُ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، وَكَقَوْلِ قَوْمٍ: إنَّهُ الْعَمَلُ فَقَطْ.
(وَلَا) يَكْمُلُ (قَوْلٌ وَ) لَا (عَمَلٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ) أَيْ عَمَلٌ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَهَذَا إنْ أُرِيدَ بِالنِّيَّةِ حَقِيقَتُهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْإِخْلَاصُ فَيَصِحُّ بَقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الرِّيَاءُ ثُمَّ إنْ فُسِّرَتْ النِّيَّةُ بِالْإِخْلَاصِ فَالْمُرَادُ بِلَا يَكْمُلُ لَا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا حَقِيقَتُهَا فَمَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ، وَمِثَالُ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْأَذَانِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً كَالشَّهَادَتَيْنِ وَالْحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، هَذَا مُحَصَّلُ مَعْنَى كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ وَلِي وَقْفَةٌ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ إنْ فُسِّرَتْ النِّيَّةُ بِالْإِخْلَاصِ فَالْمُرَادُ بِلَا يَكْمُلُ لَا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ بِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ بِبُطْلَانِ الْعِبَادَةِ بِالرِّيَاءِ إنْ شَمِلَهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا، وَإِنْ شَمِلَ بَعْضَهَا وَتَوَقَّفَ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا كَالصَّلَاةِ فَفِي صِحَّتِهَا تَرَدُّدٌ قَالَهُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ عَقِيدَتِهِ، وَيَكْمُلُ صِحَّةُ كَلَامِ الشَّيْخِ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ عَدَمُ مُلَاحَظَةِ كَوْنِ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ الْكَمَالُ وَعَدَمُ الْإِخْلَاصِ الْمُقْتَضِي لِلْفَسَادِ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الرِّيَاءُ الَّذِي يُفْسِدُ الْعَمَلَ، وَاسْتَظْهَرَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ هُنَا الْإِخْلَاصُ وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لِلَّهِ خَالِصًا بِأَنْ يُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] فَإِذَا ابْتَدَأَ الْعَمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَسَدَ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ ابْتَدَأَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ بِقَلْبِهِ أَنْ يُحْمَدَ عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ، وَإِنْ ابْتَدَأَهُ وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهِ وَأَحَبَّ بِقَلْبِهِ أَنْ يُحْمَدَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَدْفَعْهُ بِقَلْبِهِ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ يَبْطُلُ اتِّفَاقًا وَمَا قَبْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَدَفَعَهُ فَلَا يَبْطُلُ اتِّفَاقًا.
(وَلَا) يَكْمُلُ (قَوْلٌ) وَهُوَ مَا يَصْدُرُ مِنْ اللِّسَانِ كَالْأَذَانِ وَالْحَمْدِ.
(وَ) لَا (عَمَلٌ وَ) لَا (نِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ) أَيْ طَرِيقَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْكِتَابِ بَلْ الْمُرَادُ شَرِيعَتُهُ، وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، وَمِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ شَرِيعَتُهُ الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ، فَمَنْ عَمِلَ عَلَى شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَمَلِهِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ يَجِبُ عَلَى الْآتِي بِهِمَا عَرْضُهُمَا عَلَى شَرِيعَتِهِ، فَمَا وَافَقَهَا كَانَ صَحِيحًا وَمَا خَالَفَهَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَعْصِيَةٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَالْمُوَافِقُ لَهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ أَوْ أُضِيفَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَإِنْ اعْتَقَدَ قُرْبَتَهُ وَصَحَّتْ فِيهِ نِيَّتُهُ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا الْفَصْلُ الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ وَعَمِلَ بِجَوَارِحِهِ بِنِيَّةٍ وَكَانَ عَمَلُهُ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ وَلَا صَدَّقَ بِقَلْبِهِ فَهَذَا هُوَ الْكَافِرُ، وَمَنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِجَوَارِحِهِ كَانَ فَاسِقًا.
وَمَنْ نَطَقَ بِلِسَانِهِ وَعَمِلَ بِجَوَارِحِهِ وَلَمْ يُخْلِصْ بِقَلْبِهِ كَانَ مُنَافِقًا، وَمَنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ وَعَمِلَ بِجَوَارِحِهِ بِنِيَّةٍ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ لِلسُّنَّةِ كَانَ مُبْتَدِعًا، وَمَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ بِأَنْ قَصَدَ بِفِعْلِهِ النَّاسَ كَانَ مُرَائِيًا فَيَكُونُ عَمَلُهُ بَاطِلًا وَيُسَمَّى الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، وَإِنَّمَا بَطَلَ عَمَلُ الْمُرَائِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْعِبَادَةِ مُتَلَبِّسَةً بِالْإِخْلَاصِ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2] وَمَنْ عَمِلَ الْعِبَادَةَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِهَا، وَلَيْسَ مِنْ الرِّيَاءِ مَحَبَّةُ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهُ حَيْثُ ابْتَدَأَ الْعَمَلَ لِلَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: اشْتَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَسَائِلَ: الْأُولَى: بَيَانُ كَمَالِ الْإِيمَانِ بِالْإِقْرَارِ وَالنُّطْقِ وَعَمَلِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الْجَوَارِحِ.
وَالثَّانِيَةُ: قَبُولُ الْإِيمَانِ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ.
وَالثَّالِثَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عَمَلَ الْجَوَارِحِ شَرْطٌ لِكَمَالِ الْإِيمَانِ.
وَالرَّابِعَةُ: بَيَانُ أَنَّ صِحَّةَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالنِّيَّاتِ بِمُوَافَقَةِ شَرْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الثَّانِي: رُبَّمَا أَشْعَرَ سُكُوتُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِاتِّحَادِهِ مَعَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ بِمَعْنَى قَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِذْعَانِ لَهُ وَهُوَ حَقِيقَةُ التَّصْدِيقِ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 35] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36] . قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَصِحُّ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، أَوْ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَلَا يَعْنِي بِوَحْدَتِهِمَا سِوَى هَذَا يَعْنِي أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَعَدِّدَيْنِ فِي الْخَارِجِ شَرْعًا وَإِنْ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُمَا، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِوَحْدَتِهِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْآخَرِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَآيَةُ: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] وَالْحَدِيثُ وَالْآيَةُ صَرِيحَانِ فِي مُغَايَرَةِ الْإِسْلَامِ لِلْإِيمَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّغَايُرِ أَرَادَ الْمَفْهُومَ.
وَمَنْ قَالَ بِالِاتِّحَادِ نَظَرَ بِاللُّزُومِ الْخَارِجِيِّ الْمُوَافِقِ لِلشَّرْعِ فَافْهَمْ.

وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي كُفْرِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ وَكَانَ الصَّحِيحُ عَدَمَ كُفْرِهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَنَّهُ) أَيْ وَالْحَالُ وَالشَّأْنُ (لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ) مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ (بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) أَيْ الصَّلَاةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ تَقَرَّرَ بِالْإِيمَانِ الْجَازِمِ إيمَانُهُ وَتَحَقَّقَ بِالْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ إسْلَامُهُ إذَا ارْتَكَبَ ذَنْبًا لَيْسَ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ وَكَانَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا بِارْتِكَابِهِ، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عِنْدَنَا عَنْ الْإِيمَانِ صَغِيرًا كَانَ الذَّنْبُ أَوْ كَبِيرًا، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ فِي التَّكْفِيرِ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَلَوْ صَغَائِرَ، وَلِلْمُعْتَزِلَةِ فِي إخْرَاجِهِمْ الْعَبْدَ بِالْكَبِيرَةِ مِنْ الْإِيمَانِ وَإِنْ لَمْ تُدْخِلْهُ فِي الْكُفْرِ إلَّا بِاسْتِحْلَالٍ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ قَالَ بِهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ ابْتَدَعَ بِإِنْكَارِهِ صِفَةَ الْبَارِي، وَكَمُنْكِرِ خَلْقِ اللَّهِ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ رُؤْيَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَكْثَرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَدَمُ تَكْفِيرِهِمْ بَلْ يُؤَدَّبُونَ، أَمَّا مَنْ خَرَجَ بِبِدْعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَمُنْكَرِي حُدُوثَ الْعَالَمِ وَالْبَعْثَ وَالْحَشْرَ لِلْأَجْسَامِ وَالْعِلْمَ لِلْجُزْئِيَّاتِ فَلَا نِزَاعَ فِي كُفْرِهِمْ لِإِنْكَارِهِمْ بَعْضَ مَا عُلِمَ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ بِهِ ضَرُورَةً، وَوَقَعَ نِزَاعٌ فِي تَكْفِيرِ الْمُجَسِّمِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَقْرَبُ كُفْرُهُ، وَاخْتِيَارُ الْعِزِّ عَدَمُ كُفْرِهِ لِعُسْرِ فَهْمِ الْعَوَامّ بُرْهَانَ نَفْيِ الْجِسْمِيَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَإِنْ نَفَى شَخْصٌ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ جَحَدَهَا مُسْتَبْصِرًا فِي ذَلِكَ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ جَحْدِهَا وَنَفْيِهَا مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَالِمًا وَلَا قَادِرًا وَلَا مُرِيدًا وَلَا مُتَكَلِّمًا وَشِبْهَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْوَاجِبَةِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ نَصَّ أَئِمَّتُنَا عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ نَفَى عَنْهُ الْوَصْفَ بِهَا.
وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مَنْ قَالَ لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَهَؤُلَاءِ يُكَفِّرُونَ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ صِفَةً مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُفْرِهِ، وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ مَقَالَتَهُ حَقًّا وَلَمْ يَتَّخِذْهَا دِينًا، وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ الْوَصْفَ وَنَفَى الصِّفَةَ فَقَالَ: اللَّهُ عَالِمٌ وَلَا عِلْمَ لَهُ وَمُتَكَلِّمٌ وَلَا كَلَامَ لَهُ وَهَكَذَا فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَنْ أَخَذَ بِالْحَالِ لَمْ يُكَفِّرْهُ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْمَآلِ كَفَّرَهُ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ كُفْرِهِ، كَمَنْ نَفَى الصِّفَاتَ الْمَعْنَوِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَيْضًا، بِخِلَافِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ قَدِيمٍ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، كَمَا يَكْفُرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَلَكِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أَوْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً أَوْ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ شَيْءٍ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ هُنَاكَ صَانِعًا لِلْعَالَمِ سِوَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مَنْ نَفَى صِفَةَ الْبَقَاءِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِالنَّفْيِ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ فَلَا يَكْفُرُ بِخِلَافِ مَنْ أَرَادَ بِنَفْيِهِ طَرَيَانَ الْعَدَمِ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ كَذَا فَإِنْ أَرَادَ بِالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ فَلَا يَكْفُرُ، وَإِنْ أَرَادَ الْوُجُوبَ الذَّاتِيَّ أَيْ بِالْقَهْرِ وَعَدَمِ الْإِرَادَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِنَفْيِهِ الْإِرَادَةَ، وَالِاخْتِيَارَ، وَأَمَّا مَسَائِلُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَالْأَفْعَالِ وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَشِبْهِهَا مِنْ الدَّقَائِقِ فَالْأَوْلَى عَدَمُ تَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ فِيهَا.
إذْ لَيْسَ فِي الْجَهْلِ بِشَيْءٍ مِنْهَا جَهْلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَدَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَدَمِ الْكُفْرِ بِالذَّنْبِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ النَّاطِقَةُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْعَاصِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] الْآيَةُ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8] وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَبِمَشْرُوعِيَّةِ الْحُدُودِ لِصَاحِبِ الْمَعْصِيَةِ كَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَلَوْ كَفَرَ لَاسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُكَفِّرُ مِنْ نَحْوِ حَدِيثِ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» فَمُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّ

وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.

، وَأَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ نَاعِمَةٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ

[الفواكه الدواني]

مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِ بِالِارْتِدَادِ مِنْ قَتْلِهِ إنْ تَرَكَهَا كَسَلًا وَعِنَادًا أَوْ أَخَّرْنَاهُ لَآخِرِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَفْعَلْ وَإِنْ كَانَ هَذَا يُقْتَلُ حَدًّا، بِخِلَافِ الْجَاحِدِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
1 - (تَتِمَّةٌ: أَهْلُ الْبِدَعِ عَلَى أَصْنَافٍ) مِنْهُمْ مُعْتَزِلَةٌ وَهُمْ أَتْبَاعُ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءِ اللَّهِ الَّذِي قَالَ: إنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ شَيْخِ وَاصِلٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ يُكَفِّرُونَ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ مُفَكِّرًا فِي الْجَوَابِ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ فَبَادَرَهُ وَاعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ النَّاسُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَلَا وَلَا وَهُوَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ، وَأَرَادَ إثْبَاتَ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَهِيَ كَوْنُ الشَّخْصِ لَا مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا اعْتَزَلَ عَنَّا وَاصِلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسَّسَ قَوَاعِدَ الِابْتِدَاعِ، وَسَمُّوا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ ثَوَابِ الْمُطِيعِ وَعُقُوبَةِ الْعَاصِي وَهُوَ فِعْلُ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ، وَيَنْفُونَ زِيَادَةَ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ عَالَمٌ بِلَا عِلْمٍ وَقَادِرٌ بِلَا قُدْرَةٍ.
وَمِنْهُمْ الْقَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ.
وَمِنْهُمْ الْجَبْرِيَّةُ الَّذِينَ يَنْفُونَ الْكَسْبَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَبْدَ كَالْخَيْطِ الْمُعَلَّقِ فِي الْهَوَاءِ، وَمِنْهُمْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَلَا يَمْتَثِلُونَ أَمْرَهُ.
وَمِنْهُمْ الْجَهْمِيَّةُ الْمُتَّبِعُونَ إلَى رَأْي أَبِي جُهَيْمٍ الْمُنْفَرِدِ بِمَقَالَةٍ بَاطِلَةٍ كَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَإِنْكَارِ رُؤْيَةِ الْبَارِي وَالصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ.
وَمَنْ لَمْ نُكَفِّرْهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَلَوْ بَعْدَ دُخُولِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.

(وَ) مِمَّا يَجِبُ الْجَزْمُ بِحَقِيقَتِهِ (أَنَّ) أَجْسَامَ (الشُّهَدَاءِ) جَمْعُ شَهِيدٍ وَهُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ (أَحْيَاءٌ) حَقِيقَةً (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أَيْ فِي جَنَّةِ رَبِّهِمْ (يُرْزَقُونَ) مِنْ مُشْتَهَى الْجَنَّاتِ مِثْلُ مَا يُرْزَقُ الْأَحْيَاءُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ لَمَّا قَالَ النَّاسُ فِي حَقِّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: مَاتَ فُلَانٌ وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا، فَكَرِهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَحُطَّ مَنْزِلَتَهُمْ فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجُزُولِيُّ: حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُكَيَّفَةٍ وَلَا مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ظَاهِرُ الشَّرْعِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمِّ حَارِثَةَ: إنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ» وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّحَابَةِ لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُهُمْ بِأُحُدٍ: جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلَهُمْ وَمَشْرَبَهُمْ قَالُوا مَنْ يُبَلِّغُ إخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَيَتَأَخَّرُوا عَنْ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 169] الْآيَةُ» . تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالْحَيَاةِ أَجْسَادُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ حَقِيقَةٌ ظَاهِرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَتْ كَحَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَعُودُ إلَيْهَا الْحَيَاةُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْحَيَاةَ لَا تَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ بَلْ حَيَاةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ.
الثَّانِي: حَمَلْنَا الشُّهَدَاءَ عَلَى شُهَدَاءِ الْحَرْبِ الَّذِينَ قَاتَلُوا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مُؤْثِمٍ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُجَاهِدُونَ شَرْعًا، وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ قَاتَلَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ ذَاهِبًا إلَى إرَادَةِ الْغَنِيمَةِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةٍ لَا تُنَافِي حُصُولَ الشَّهَادَةِ.
نَعَمْ اخْتَارَ جَمْعٌ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْقَصْدِ الْأُخْرَوِيِّ فَيُؤْجَرُ بِقَدْرِهِ وَبَيْنَ الْقَصْدِ الدُّنْيَوِيِّ فَلَا يُؤْجَرُ كَمَا إذَا قُصِدَا مَعًا، وَأَلْحَقَ الْقُرْطُبِيُّ بِالْمُجَاهِدِ كُلَّ مَقْتُولٍ عَلَى الْحَقِّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْفَضْلُ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ خَرَجَ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَفِي إقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا شُهَدَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ شُهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ أَوْ؛ لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ، بِخِلَافِ أَرْوَاحِ غَيْرِهِمْ لَا تَشْهَدُهَا إلَّا عِنْدَ الْقِيَامَةِ، أَوْ؛ لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ شَهِدَ لَهُ بِاللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِلشَّهِيدِ كَرَامَتَانِ غَيْرَ هَذِهِ، كَالْأَمْنِ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَالْغُفْرَانِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ وَأَنَّهُ يُتَوَّجُ بِتَاجِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَشْفَعُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِسَبْعِينَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ جَسَدَهُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَالْمُؤَذِّنِينَ احْتِسَابًا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ» وَهُوَ عَظْمٌ صَغِيرٌ فِي مَغْرِزِ الذَّنَبِ لِلدَّابَّةِ.

مُعَذَّبَةٌ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.

، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، وَيُسْأَلُونَ، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27] .

[الفواكه الدواني]

الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ تَخْصِيصِ الْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ بِشَهِيدِ الْحَرْبِ أَوْ مَنْ مَعَهُ أَنَّ شَهِيدَ الْآخِرَةِ كَالْغَرِيقِ وَالْمَيِّتِ بِالطَّاعُونِ أَوْ بِالْإِحْرَاقِ أَوْ بِالْإِسْهَالِ، أَوْ كَالْمَقْتُولِ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ مَاتَ غَرِيبًا أَوْ مُتَلَبِّسًا بِطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ وَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ فِي مُطْلَقِ الْأَجْرِ.
الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَإِنَّهُ يُسَرُّ بِطَاعَةِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلَوْنَ مَعَ أَنَّا نَعْتَقِدُ ثُبُوتَ الْإِدْرَاكَاتِ كَالْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ لِسَائِرِ الْمَوْتَى وَنَقْطَعُ بِعَوْدِ حَيَاةِ كُلِّ مَيِّتٍ فِي قَبْرِهِ وَبِنَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وَهُمَا مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى بِنْيَةٍ، وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْحَيَاةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَمُقْتَضَاهَا أَنَّهَا مَعَ الْبِنْيَةِ فَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ: الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالْعُلَمَاءُ لَا يَبْلَوْنَ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَأْكُلُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَيَشْرَبُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي نِكَاحِهِمْ نِسَاءَهُمْ، وَلِلشَّاذِلِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: إنَّ الشُّهَدَاءَ يَنْكِحُونَ حَقِيقَةً كَمَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَقَائِلُ غَيْرِ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: وَصِفْ شَهِيدَ الْحَرْبِ بِالْحَيَاةِ ... وَرِزْقِهِ مِنْ مُشْتَهَى الْجَنَّاتِ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا حَقِيقَةَ الرِّزْقِ فِيمَا سَبَقَ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّوحِ مِنْ حَيْثُ نَعِيمِهَا وَعَذَابِهَا وَمَحَلِّهَا وَحَقِيقَتِهَا فَقَالَ: (وَ) مِمَّا يُطْلَبُ الْجَزْمُ بِهِ أَنَّ (أَرْوَاحَ) جَمْعُ رُوحٍ وَيُرَادِفُهَا النَّفْسُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (أَهْلِ السَّعَادَةِ) وَهُمْ كُلُّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّعَادَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ اللَّاحِقَةُ فِي الْعُقْبَى وَهِيَ الْمَوْتُ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (بَاقِيَةٌ) لَا تَفْنَى عِنْدَ مَوْتِ صَاحِبِهَا وَلَا عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى الَّتِي يَهْلِكُ عِنْدَهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَكَمَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهَا (نَاعِمَةٌ) أَيْ مُنَعَّمَةٌ بِرُؤْيَةِ مَقْعَدِهَا فِي الْجَنَّةِ وَيَسْتَمِرُّ لَهَا ذَلِكَ (إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أَيْ يَقُومُونَ أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِهِمْ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ (أَرْوَاحَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) وَهُمْ كُلُّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا طُولَ عُمْرِهِ (مُعَذَّبَةٌ) بِرُؤْيَةِ مَقْعَدِهَا مِنْ النَّارِ وَيَسْتَمِرُّ لَهَا ذَلِكَ (إلَى يَوْمِ الدِّينِ) وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الدِّينِ يَحْصُلُ النَّعِيمُ الْحَقِيقِيُّ وَالْعَذَابُ الْحَقِيقِيُّ الْأَبَدِيُّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا بَعْدَ الْقِيَامَةِ يَنْقَطِعَانِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي مُدَّةِ الْبَرْزَخِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُك إلَى أَنْ يَبْعَثَك اللَّهُ» . وَالتَّنْعِيمُ وَالتَّعْذِيبُ إمَّا لِلْجَسَدِ كُلِّهِ أَوْ لِجُزْئِهِ بَعْدَ إعَادَةِ الرُّوحِ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَأَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ.
. . إلَخْ تَبِعَ فِيهِ مَذْهَبَ ابْنِ حَزْمٍ وَابْنَ هُبَيْرَةَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّنْعِيمَ وَالتَّعْذِيبَ لِلرُّوحِ فَقَطْ.
قَالَ الْجَلَالُ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ: عَذَابُ الْقَبْرِ وَهُوَ عَذَابُ الْبَرْزَخِ أُضِيفَ إلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ إلَى أَنْ قَالَ: وَمَحَلُّهُ الرُّوحُ وَالْبَدَنُ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي النَّعِيمِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَسْنَدَ النَّعِيمَ وَالْعَذَابَ لِلْأَرْوَاحِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأَجْسَادِ، فَيَلْزَمُ مِنْ تَعْذِيبِ أَوْ تَنْعِيمِ الْأَرْوَاحِ تَنْعِيمُ أَوْ تَعْذِيبُ الْأَجْسَادِ، فَلَمْ يَخْرُجْ الْمُصَنِّفُ عَنْ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
1 - تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: عَذَابُ الْقَبْرِ قِسْمَانِ: دَائِمٌ وَهُوَ عَذَابُ الْكُفَّارِ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُنْقَطِعٌ وَهُوَ عَذَابُ مَنْ خَفَّتْ جَرَائِمُهُمْ فَإِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ وَيُرْفَعُ عَنْهُمْ بِدُعَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْيَافِعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمَوْتَى لَا يُعَذَّبُونَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَشْرِيفًا لَهَا قَالَ: وَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِعُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْكُفَّارِ، وَعَمَّمَهُ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ فِي الْكَافِرِ أَيْضًا قَالَ: إنَّ الْكَافِرَ يُرْفَعُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا وَجَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ الْعَاصِي فَإِنْ مَاتَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا عُذِّبَ إلَيْهَا ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَلَا يَعُودُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ مَاتَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا عُذِّبَ سَاعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ مُسْلَمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ يَمُوتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا إلَّا وُقِيَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَلَقِيَ اللَّهَ وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ» قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي عَدَمِ سُؤَالِ الْمَيِّتِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ عَدَمُ إعَادَةِ السُّؤَالِ وَالْعَذَابِ بَعْدَ مُضِيِّ اللَّيْلَةِ وَالْيَوْمِ لِفَضْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا يُوهِمُ الْإِعَادَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
الثَّانِي: مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ضَغْطَتُهُ وَهِيَ الْتِقَاءُ حَافَّتَيْهِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَنْجُو مِنْهَا صَالِحٌ وَلَا طَالِحٌ، وَلَوْ نَجَا مِنْهَا غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِهِ وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَلَائِكَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَوْ أَفْلَتَ مِنْهَا

وَأَنَّ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عِلْمِ رَبِّهِمْ.

، وَأَنَّ

[الفواكه الدواني]

أَحَدٌ لَأَفْلَتَ مِنْهَا هَذَا الصَّبِيُّ» . وَوَرَدَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ أُمَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ بِهِ يَسْلَمَانِ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» . 1 - الثَّالِثُ: مِنْ نَعِيمِ الْقَبْرِ وَتَوْسِيعِهِ وَجَعْلِ قِنْدِيلَ فِيهِ وَفَتْحِ طَاقَةٍ فِيهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَإِمْلَائِهِ خَضِرًا أَيْ نَعِيمًا وَجَعْلِهِ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَكُلُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَخْتَصُّ نَعِيمُ الْقَبْرِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا بِالْمُكَلَّفِينَ وَيَدْخُلُ فِيهِمْ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ، وَقَوْلُ الْمَلَكِ: نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ النَّعِيمِ خَاصٌّ بِالطَّائِعِ وَمَنْ أَرَادَ بِهِ الْمَغْفِرَةَ يَوْمَ الدِّينِ.

الرَّابِعُ: اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْخَوْضِ فِي حَقِيقَةِ الرُّوحِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْخَوْضِ فِي حَقِيقَتِهَا بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَلَا يَنْبَغِي لَنَا التَّكَلُّمُ فِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ لِعِلْمِ الْعَبْدِ عَجْزَ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ جَسَدُهُ وَبَيْنَ جَنْبَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] أَيْ مِمَّا انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ كَمَا عَلَيْهِ جَمْعٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ حَتَّى أَطْلَعَهُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَعَلَى غَيْرِهَا مِمَّا أَخْفَاهُ كَالسَّاعَةِ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِكَتْمِهِ، كَمَا اُخْتُلِفَ فِي مَقَرِّهَا مِنْ الشَّخْصِ حَالَ الْحَيَاةِ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْجَزْمِ بِكَوْنِهَا فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنْ الْبَدَنِ، وَإِنْ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ.
كَمَا أَنَّ الصَّوَابَ مُرَادَفَةُ الرُّوحِ لِلنَّفْسِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: النَّفْسُ جَسَدٌ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ وَالرُّوحُ النَّفَسُ الْمُتَرَدِّدُ فِي الْإِنْسَانِ، وَكَمَا اُخْتُلِفَ فِي تَعَدُّدِهَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَخَالَفَ الْعِزُّ وَادَّعَى أَنَّ فِي كُلِّ جَسَدٍ رُوحَيْنِ: رُوحَ الْحَيَاةِ وَهِيَ الَّتِي إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْجَسَدِ مَاتَ، وَرُوحَ الْيَقَظَةِ وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ صَاحِبُ الْجَسَدِ بِبَقَائِهَا مُسْتَيْقِظًا وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَامَ.
الْخَامِسُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّ الرُّوحِ مِنْ الْجَسَدِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ عَلَى الصَّوَابِ، وَأَمَّا مَقَرُّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقِيَامَةِ فَمُخْتَلَفٌ، فَمَقَرُّ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ الْجَنَّةُ وَمَقَرُّ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، وَمَقَرُّ أَرْوَاحِ غَيْرِهِمَا الْبَرْزَخُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْحَاجِزُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُ زَمَانٌ وَحَالٌ وَمَكَانٌ، فَزَمَانُهُ فِي حِينِ الْمَوْتِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَالُهُ الْأَرْوَاحُ وَمَكَانُهُ مِنْ الْقَبْرِ إلَى عِلِّيِّينَ لِأَرْوَاحِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَلَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بَلْ هِيَ فِي سِجِّينٍ مَسْجُونَةً وَبِلَعْنَةِ اللَّهِ فِيهِ مَوْصُوفَةٌ، وَالْمُرَادُ بِسِجِّينٍ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى، وَقِيلَ: أَرْوَاحُ السُّعَدَاءِ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ لَكِنْ لَا عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ تَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلِكُلِّ رُوحٍ بِجَسَدِهَا اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ لِيَحِلَّ لَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَالتَّعْذِيبِ مَا كُتِبَ لَهَا، وَبِقَوْلِنَا لَهَا اتِّصَالٌ يَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهَا عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَمَنْ قَالَ إنَّهَا فِي عِلِّيِّينَ، وَيَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَالِ مَا وَرَدَ: «أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى قَبْرِ شَخْصٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَعْرِفُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ» . 1 - السَّادِسُ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ مُحْدَثَةٌ خِلَافًا لِلزَّنَادِقَةِ، نَعَمْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي خَلْقِهَا قَبْلَ الْجَسَدِ وَتَأَخُّرِهَا عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيلَ خُلِقَتْ قَبْلَهُ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَقِيلَ بَعْدَهُ؛ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] قِيلَ: إنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ نَفْخِ الرُّوحِ وَخَلْقِهِ فَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ عَلَى التَّأْخِيرِ.
1 - السَّابِعُ: وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي فَنَائِهَا عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا لَا تَفْنَى كَمَا لَا يَفْنَى عَجْبُ الذَّنَبِ.

(وَ) مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ (أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ) أَيْ يُمْتَحَنُونَ وَيُخْتَبَرُونَ (فِي قُبُورِهِمْ وَ) مَعْنَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ (يُسْأَلُونَ) لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَنَكِيرٌ بِكَسْرِهَا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَوَّبَتْهَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَكْرِمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِتَثْبِيتِهِمْ وَهَتْكًا لِسِتْرِ الْمُنَافِقِينَ فِي الْبَرْزَخِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثُوا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27] وَهُوَ قَوْلُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ، فَإِذَا ثَبَّتَهُمْ لَا يَزُولُونَ إذَا فُتِنُوا فِي دِينِهِمْ (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ (وَفِي الْآخِرَةِ) عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ لَهُ فِي قَبْرِهِ فَإِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَلَا يَتَلَعْثَمُونَ إذَا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ وَلَا مَفْهُومَ لِلْمَقْبُورِ بَلْ كُلُّ مَيِّتٍ يُسْأَلُ قُبِرَ أَوْ لَمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

يُقْبَرْ إلَّا مَا وَرَدَ النَّصُّ بَعْدَ سُؤَالِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ يُثَبِّتُهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَوْلِ الْإِيمَانِ وَفُرُوعِهِ.
وَقِيلَ: عِنْدَ حُضُورِ الشَّيَاطِينِ لِلْفِتْنَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ تَحْضُرُ لَهُ شَيَاطِينُ عَلَى صُورَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ هُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَهُ: قَدْ سَبَقْنَاك إلَى الْآخِرَةِ فَوَجَدْنَا أَحْسَنَ الْأَدْيَانِ دِينَ كَذَا إشَارَةً إلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ ثَبَاتَهُ يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ.
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجِبُ بِالشَّرْعِ اعْتِقَادُ أَنَّ الْمَوْتَى تُسْأَلُ فِي قُبُورِهَا لَكِنْ بَعْدَ أَنْ تَحْيَا بِرَدِّ الرُّوحِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَرُجِّحَ وَقِيلَ إلَى النِّصْفِ الْأَعْلَى وَيُرَدُّ إلَيْهَا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْخِطَابِ وَيَتَأَتَّى مَعَهُ رَدُّ الْجَوَابِ مِنْ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ كَالْحَيَاةِ الْمَعْهُودَةِ ثُمَّ تُسْأَلُ، وَالدَّلِيلُ مِنْ السُّنَّةِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اُنْظُرْ إلَى مَقْعَدِك مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَك بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْت أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْت وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيه غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ» . وَأَخْرَجَهُ أَيْ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِنَحْوِهِ وَزَادَ: «وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خُضَرًا أَيْ شَيْئًا يَتَلَذَّذُ بِهِ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُ» . تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: الْمُؤْمِنِينَ شُمُولُهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَيَخْرُجُ الْكَافِرُ وَلَوْ مُنَافِقًا، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ اخْتِصَاصُ السُّؤَالِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِحَدِيثِ: «أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا» وَخَالَفَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ: كُلُّ نَبِيٍّ مَعَ أُمَّتِهِ كَذَلِكَ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خُرُوجِ الْكَافِرِ خَالَفَ فِيهِ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَا: إنَّ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ وَالْمُنَافِقَ يُسْأَلَانِ، بَلْ صَرِيحُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ سُؤَالُ الْكَافِرِ وَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى سُؤَالِ الْمُنَافِقِ، فَلَعَلَّ الرَّاجِحَ الْقَوْلُ بِسُؤَالِ الْكُفَّارِ فَلَا يَنْبَغِي الشَّكُّ فِي سُؤَالِهِمْ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ فِتْنَةٌ وَعَذَابٌ وَهُمْ بِذَلِكَ أَحْرَى مِنْ الْمُسْلِمِ.
الثَّانِي: قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَابْنُ نَاجِي: الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ وَهِيَ السُّؤَالُ مَرَّةً وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ أَنَّهُ يُسْأَلُ ثَلَاثًا، وَفَصَّلَ الْجَلَالُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ فَيُسْأَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالْكَافِرِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمَسْئُولَ عَنْهُ وَصَرَّحَ الْبَعْضُ بِهِ فَقَالَ: السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ عَنْ الْعَقَائِدِ فَقَطْ، يَقُولُ الْمَلِكُ لِلْمَيِّتِ: مَنْ رَبُّك وَمَا دِينُك وَمَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ مَنْ أَبُوك وَمَا قِبْلَتُك، وَفِي أُخْرَى الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ، وَجُمِعَ بِاخْتِلَافِ الْمَسْئُولِينَ وَبِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضٍ وَبَعْضُهُمْ أَتَمَّ فَتَوَهَّمَ الِاخْتِلَافَ.
الرَّابِعُ: جَوَّزَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَسْأَلَا الْمَيِّتَ مَعًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَكَتَبَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيُّ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَالْآخَرُ عَلَى رَأْسِهِ، وَاَلَّذِي يُبَاشِرُ السُّؤَالَ الْوَاقِفُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ الَّذِي قُبَالَةَ وَجْهِهِ وَأَنْ يَسْأَلَهُ أَحَدُهُمَا كَمَا فِي أُخْرَى، وَقِيلَ: اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَسْئُولِينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَوَقْتُ السُّؤَالِ أَوَّلُ يَوْمٍ بَعْدَ تَمَامِ الدَّفْنِ وَعِنْدَ الِانْصِرَافِ عَنْهُ، وَتَوَقَّفَ الْجَلَالُ فِي تَعْيِينِ وَقْتِ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى تَعَدُّدِ السُّؤَالِ وَجَزَمَ بِأَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ الْمَيِّتَ مَعًا وَلَا يَتَوَلَّى السُّؤَالَ إلَّا أَحَدُهُمَا، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى كَوْنِ السُّؤَالِ أَوَّلَ يَوْمٍ بَعْدَ تَمَامِ الدَّفْنِ وَعِنْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ لَوْ مَاتَ جَمَاعَةٌ فِي أَمَاكِنَ مُتَبَاعِدَةٍ وَدُفِنُوا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ مِنْ الْمَلَكَيْنِ الْمُعَيَّنَيْنِ مُبَاشَرَةُ سُؤَالِ الْجَمِيعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يُعَظِّمَ اللَّهُ جُثَّتَيْهِمَا حَتَّى يُخَاطِبَا الْخَلْقَ الْكَثِيرَ فِي زَمَانٍ مُتَّحِدٍ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَيُخَيَّلُ لِكُلٍّ أَنَّهُ الْمَسْئُولُ دُونَ غَيْرِهِ، وَيُحْجَبُ سَمْعُ كُلٍّ عَنْ سَمَاعِ كَلَامِ غَيْرِهِ عَلَى نَظِيرِ مُحَاسَبَةِ اللَّهِ خَلْقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْصِيصِ الْمَلَكَيْنِ، وَأَمَّا تَعَدُّدُ مَلَائِكَةِ السُّؤَالِ بِتَعَدُّدِ الْمَسْئُولِينَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْجَوَابِ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَأَقُولُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَعْيِينُهُمَا بِأَنَّهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ.
الْخَامِسُ: صِفَةُ الْمَلَكَيْنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ أَعْيُنُهُمَا كَقُدُورِ النُّحَاسِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَالْبَرْقِ وَأَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ إذَا تَكَلَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمَا كَالنَّارِ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِطْرَاقٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضَرَبَ بِهِ الْجِبَالَ ضَرْبَةً لَذَابَتْ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بِيَدِ أَحَدِهِمَا مِرْزَبَّةٌ لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ مِنًى لَمْ يَسْتَطِيعُوا حَمْلَهَا وَاسْمُهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُشْبِهَانِ خَلْقَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا خَلْقَ الْمَلَائِكَةِ وَلَا خَلْقَ الطَّيْرِ وَلَا الْبَهَائِمِ وَلَا الْهَوَامِّ بَلْ هُمَا خَلْقٌ بَدِيعٌ وَلَيْسَ فِي خَلْقِهِمَا أُنْسٌ لِلنَّاظِرِينَ جَعَلَهُمَا اللَّهُ تَذْكِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَتْكًا لِسِتْرِ الْمُنَافِقِينَ وَهُمَا لِلْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ وَغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ هُمَا لِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي وَأَمَّا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الْمُؤْمِنُ الْمُوَفَّقُ فَلَهُ مَلَكَانِ اسْمُ أَحَدِهِمَا بَشِيرٌ وَالْآخَرُ مُبَشِّرٌ، قِيلَ وَمَعَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ نَاكُورٌ، وَقِيلَ وَيَجِيءُ قَبْلَهُمَا مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ رُمَّانُ، وَحَدِيثُهُ قِيلَ مَوْضُوعٌ وَقِيلَ فِيهِ لِينٌ، وَمَا وَرَدَ مِنْ انْتِهَاءِ الْمَلَكَيْنِ لِلْمَيِّتِ وَإِزْعَاجِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ الْعَفْوَ وَالْغُفْرَانَ فَيَقُولَانِ لَهُ: نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إلَّا أَحَبُّ النَّاسِ إلَيْهِ، وَالْحَقُّ كَمَا قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا اللَّقَانِيُّ: أَنَّ كُلَّ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِالسَّعَادَةِ يُوَفَّقُ لِجَوَابِ الْمَلَكَيْنِ.
السَّادِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا كَذَلِكَ كَيْفَ يَدْخُلَانِ الْقَبْرَ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ تَمَامِ الدَّفْنِ، وَقَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا اللَّقَانِيُّ: إنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُمَا يَبْحَثَانِ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا وَأَنَّهُمَا كَصَيَاصِي الْبَقَرِ أَيْ قُرُونِهِمَا.
وَفِي آخَرَ أَنَّهُمَا يَمْشِيَانِ فِي الْأَرْضِ كَمَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي الضَّبَابِ وَهُمَا رَافِعَانِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي أَبَدَاهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
السَّابِعُ: رُبَّمَا يَقَعُ السُّؤَالُ فِي حُضُورِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَحَدٍ فِي قَبْرِهِ وَقْتَ سُؤَالِهِ، وَقَالَ فِيهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ يَحْضُرُ لِأَحَدٍ وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُضُورُ إبْلِيسَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْقَبْرِ مُشِيرًا إلَى نَفْسِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَلَكِ: مَنْ رَبُّكَ مُسْتَدْعِيًا مِنْ جَوَابِهِ بِهَذَا رَبِّي، فَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلْجَوَابِ.
الثَّامِنُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الْمُؤْمِنِينَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ إلَّا مَنْ وَرَدَ عَدَمُ سُؤَالِهِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ - وَلَوْ شَهِدَ آخِرَةً فَقَطْ - وَالْمُرَابِطِ وَالْمَيِّتِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَتَدْخُلُ بِزَوَالِ شَمْسِ الْخَمِيسِ، أَوْ يَوْمَهَا وَالْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ لِمَنْ شَأْنُهُ أَنْ يُقْبَرَ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبُلْهِ.
قَالَ الْجَلَالُ: وَمُقْتَضَى الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ إلَّا الْمُكَلَّفُ فَلَا تُسْأَلُ الْأَطْفَالُ، وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ بِسُؤَالِهِمْ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي فِي بَابِ الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ، وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، وَتَلَخَّصَ أَنَّ فِي سُؤَالِ الْأَطْفَالِ قَوْلَيْنِ، وَمِمَّنْ لَا يُسْأَلُ الْمُوَاظِبُ عَلَى قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ وَالْمُلْكِ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَجَمِيعُ مَنْ نَصَّ عَلَى شَهَادَتِهِ.
التَّاسِعُ: مَنْ أَنْكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَسُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ مُبْتَدِعٌ وَيُؤَدَّبُ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إنْكَارِهِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَيُضْرَبُ أَدَبًا كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِبَعْضِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّخْصِ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِهِ فِي حَيَاتِهِ فَقَالَ: (وَ) مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْجَزْمُ بِهِ وَيَكْفُرُ بِجَحْدِهِ اعْتِقَادُ (أَنَّ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ) الَّتِي تَصْدُرُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا يَكْتُبُونَهَا فِي دِيوَانٍ مِنْ وَرَقٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: 3] عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، لَا يُهْمِلُونَ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ شَيْئًا قَوْلًا أَوْ اعْتِقَادًا، هَمًّا أَوْ عَزْمًا، خَيْرًا أَوْ شَرًّا، أَوْ الصَّغَائِرَ الْمَغْفُورَةَ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ أَوْ الذُّهُولِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ كَمَا رَوَاهُ عُلَمَاءُ النَّقْلِ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: يَكْتُبُونَ عَلَى الْعِبَادِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينَهُمْ فِي مَرَضِهِمْ مُحْتَجًّا بِظَاهِرِ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] وَالرَّقِيبُ الْحَافِظُ وَالْعَتِيدُ الْحَاضِرُ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: بِكُلِّ عَبْدٍ حَافِظُونَ وُكِّلُوا ... وَكَاتِبُونَ خِيرَةً لَنْ يُهْمِلُوا مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا فَعَلَ وَلَوْ ذَهَلَ ... حَتَّى الْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ كَمَا نُقِلَ فَحَاسِبِ النَّفْسَ وَقِلِّ الْأَمَلَا ... فَرُبَّ مَنْ جَدَّ لِأَمْرٍ وَصَلَا وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي الْعَبْدِ الْكَافِرُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ بَلْ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا فَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ أَيْ نَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْكَافِرِ حَفَظَةً يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ قَالَ بَعْضٌ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَاتِبِينَ هُمْ الْحَفَظَةُ، وَكَلَامُ الْجَوْهَرَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْحَقَّ مِنْهُ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: إطْلَاقُهُ الْعِبَادَ يَتَنَاوَلُ الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ كَتْبُهُمْ حَسَنَاتِ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ لَا

مَلَكَ الْمَوْتِ يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ بِإِذْنِ رَبِّهِ.

، وَأَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ: الْقَرْنُ الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآمَنُوا بِهِ، ثُمَّ الَّذِينَ

[الفواكه الدواني]

حَفَظَةَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ حَالَ الْمَجْنُونِ لَيْسَ مُتَوَجِّهًا لِلتَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَأَمَّا غَيْرُ الْحَسَنَاتِ فَلَا يُكْتَبُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَرُبَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَلَائِكَةَ أَيْضًا، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْجُزُولِيُّ فِيهِمْ وَفِي الْجِنِّ هَلْ عَلَيْهِمْ حَفَظَةٌ أَمْ لَا؟ ثُمَّ جَزَمَ بِأَنَّ عَلَى الْجِنِّ الْحَفَظَةَ دُونَ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُ اسْتَبْعَدَ كَوْنَ عَلَيْهِمْ حَفَظَةٌ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ التَّسَلْسُلِ الثَّانِي: مَحَلُّ الْحَفَظَةِ مِنْ الْإِنْسَانِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ شَفَةُ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ مَحَلُّ كَاتِبِ الْحَسَنَاتِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرَ، وَقَلَمُهُمْ لِسَانُهُ وَمِدَادُهُمْ رِيقُهُ لَا يُفَارِقُونَهُ إلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ وَالْجِمَاعِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَتْبُهُمَا عَلَيْهِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمَا عَلَامَةً وَعَلَى نَوْعِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِينٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ كَتْبِ السَّيِّئَةِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ وَيُبَادِرُ لِكَتْبِ الْحَسَنَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمَكِّنْهُ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ مِنْ كَتْبِ السَّيِّئَةِ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ، فَإِنْ اسْتَغْفَرَ فِي دَاخِلِ السَّاعَاتِ كَتَبَهَا كَاتِبُ الْيَمِينِ حَسَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ اسْتِغْفَارٌ وَلَا تَوْبَةٌ كَتَبَهَا صَاحِبُ الشِّمَالِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَيَكْتُبُهَا كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ عَلَى الْقَوْلِ بِكَتْبِهَا، وَأَمَّا مَحَلُّهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَبْرُ الْمَيِّتِ يُسَبِّحَانِ وَيُهَلِّلَانِ وَيُكَبِّرَانِ وَيُكْتَبُ ثَوَابُهُ لِلْمَيِّتِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا وَيَلْعَنَانِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنْ كَانَ كَافِرًا.
الثَّالِثُ: اُخْتُلِفَ هَلْ عَلَى الْعَبْدِ غَيْرُ الْمَلَكَيْنِ؟ فَقِيلَ عَلَيْهِ عَشْرَةٌ، وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّ عَلَيْهِ عِشْرِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِ حَقِيقَةِ الْحَفَظَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 11] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَفِي صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْحَفَظَةِ فَمَنْ جَحَدَ أَوْ كَذَّبَ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ جَهِلَهُ، وَسُمُّوا حَفَظَةً لِحِفْظِهِمْ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ لِحِفْظِهِمْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْجِنِّ.
الرَّابِعُ: وَقَعَ تَرَدُّدُ الشُّيُوخِ فِيمَنْ يَصْعَدُ بِالْمَكْتُوبِ هَلْ هُوَ الْكَاتِبُ لَهُ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ» هَلْ هُمْ الْحَفَظَةُ فَيَكُونُونَ أَرْبَعَةً اثْنَانِ بِاللَّيْلِ وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ، كَمَا وَقَعَ خِلَافٌ هَلْ الْكَتَبَةُ هُمْ الْحَفَظَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ؟ فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: حَفَظَةٌ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ أَنَّ الْكَتَبَةَ هُمْ الْحَفَظَةُ وَقِيلَ غَيْرُهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ وَضْعِ الْحَفَظَةِ عَلَى الْعِبَادِ خَفَاءُ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ.
قَالَ كَالْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مَا سَبَقَ: (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنْ (لَا يَسْقُطَ) أَيْ يَغِيبَ (شَيْءٌ) مِمَّا ضَبَطُوهُ عَلَى الْعِبَادِ (عَنْ عِلْمِ رَبِّهِمْ) لِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ وَضْعَ الْحَفَظَةِ لَا لِخَوْفِ نِسْيَانٍ أَوْ غَفْلَةٍ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْبَارِي - تَعَالَى - وَإِنَّمَا فَائِدَةُ ذَلِكَ تَرْجِعُ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مَنْ يُحْصِي عَمَلَهُ وَيَضْبِطُهُ لِيَشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَحْصُلُ مِنْهُ انْزِجَارٌ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَلِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ جَحْدِهِمْ.

(وَ) يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَ (أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ) وَهُوَ عِزْرَائِيلُ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ (يَقْبِضُ) جَمِيعَ (الْأَرْوَاحِ) مِنْ مَقَرِّهَا أَوْ مِنْ يَدِ أَعْوَانِهِ الْمُعَالِجِينَ لِنَزْعِهَا مِنْهُ لَكِنْ (بِإِذْنِ رَبِّهِ) لِمَا فِي الْخَبَرِ: «وَاَللَّهِ لَوْ أَرَدْت قَبْضَ رُوحِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرْت عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ أَذِنَ بِقَبْضِهَا» ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ: وَوَاجِبٌ إيمَانُنَا بِالْمَوْتِ ... وَيَقْبِضُ الرُّوحَ رَسُولُ الْمَوْتِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ كُلَّ ذِي رُوحٍ وَلَوْ أَعَزُّ خَلْقِهِ كَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ أَعْظَمُ مُصِيبَةً يُصَابِهَا الْآدَمِيُّ، وَلَيْسَ ثَمَّ مُصِيبَةٌ أَعْظَمُ مِنْهُ سِوَى الْغَفْلَةِ عَنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: 2] وَحَقِيقَتُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ كَيْفِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ تُضَادُّ الْحَيَاةَ أَوْ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَكُون حَيًّا وَجَاحِدُهُ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَقْبِضُ كُلَّ رُوحٍ يَشْمَلُ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ وَلَوْ شَهِيدَ بَحْرٍ، وَيَشْمَلُ أَرْوَاحَ الْبَهَائِمِ وَلَوْ بَرَاغِيثَ، بَلْ قِيلَ إنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ نَفْسِهِ، وَقِيلَ إنَّمَا يَقْبِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قِيلَ إنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ شَهِيدِ الْبَحْرِ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي لِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ جَمِيعًا مَلَكُ الْمَوْتِ فَكَيْفَ إذَا مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ فِي زَمَنٍ مُتَّحِدٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْآكِلِ وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَوَجْهُهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي النَّاسَ عِيَانًا فَأَتَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَأَتَى رَبَّهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ عَبْدُك مُوسَى فَقَأَ عَيْنِي وَلَوْلَا كَرَامَتُهُ عَلَيْك لَشَقَقْت عَلَيْهِ.
قَالَ: اذْهَبْ إلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى جِلْدِ ثَوْرٍ وَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ وَارَتْهَا يَدُهُ سَنَةٌ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا بَعْدَ هَذَا؟ قَالَ: الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ فَشَمَّهُ شَمَّةً فَقَبَضَ رُوحَهُ وَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَيْنَهُ إلَيْهِ، فَكَانَ بَعْدُ يَأْتِي النَّاسَ خُفْيَةً» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدَانَ: «مَلَكُ الْمَوْتِ كَانَ يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ بِغَيْرِ وَجَعٍ فَسَبَّهُ النَّاسُ وَلَعَنُوهُ فَشَكَا إلَى رَبِّهِ فَوَضَعَ اللَّهُ الْأَوْجَاعَ وَنُسِيَ مَلَكُ الْمَوْتِ، يُقَالُ: مَاتَ فُلَانٌ مِنْ مَرَضِ كَذَا» . الثَّانِي: إنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الرُّوحَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَيَاتِهَا، لَكِنَّ إسْنَادَ الْقَبْضِ إلَى مَلَكِ الْمَوْتِ يُعَارِضُهُ آيَةُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] وَآيَةُ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: 61] فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ؟ فَالْجَوَابُ: إنَّ إسْنَادَ التَّوَفِّي إلَى اللَّهِ فِي آيَةِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ [الزمر: 42] عَلَى طَرِيقِ الْخَلْقِ، وَإِسْنَادَهُ إلَى مَلَكِ الْمَوْتِ فِي آيَةِ ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: 11] كَمَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِنَزْعِهَا، وَإِسْنَادَهُ إلَى الرُّسُلِ فِي آيَةِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: 61] ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُعَالِجُونَ فِي نَزْعِهَا وَإِخْرَاجِهَا مِنْ الْأَعْصَابِ.
الثَّالِثُ: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي قَدْرِ مُدَّةِ الدُّنْيَا فَقِيلَ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ تَفْوِيضُ عِلْمُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا قَدْرُ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الْكَشْفِ: الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ أَنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ سَنَةٍ وَلَا تَبْلُغُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ أَيْضًا: كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمْكُثُ فِي قَبْرِهِ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ فَضْلِ الصَّحَابَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ فَقَالَ: (وَ) مِمَّا يَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ (أَنَّ خَيْرَ) أَيْ أَفْضَلَ (الْقُرُونِ) الَّتِي تُوجَدُ بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الْقَرْنُ الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآمَنُوا بِهِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَالْمُرَادُ بِهِمْ الَّذِينَ رَأَوْهُ وَصَحِبُوهُ وَلَوْ قَلِيلًا فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْقُرُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَأَوْلَى الْمُتَقَدِّمَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِلْءَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» . وَلِحَدِيثٍ: «إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» . وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْضَلُ أُمَّتِي، وَمَعْنَى لَا يَبْلُغُ مُدَّ أَحَدِهِمْ أَنَّ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ بِمِلْءِ أُحُدٍ مِنْ الذَّهَبِ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا يَبْلُغُ ثَوَابَ إنْفَاقِ الْمُدِّ وَلَا نَصِيفِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إنْفَاقَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَضِيقِ الْحَالِ، وَكَانَ فِي حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِمَايَتِهِ مَعَ صِدْقِ نِيَّتِهِمْ وَخُلُوصِ طَوِيَّتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَالنَّصِيفُ عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ فَهُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَبْلَهَا نُونٌ مَفْتُوحَةٌ لُغَةً فِي النِّصْفِ، قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْعَقَائِدِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ الْمُسَمَّى بِالْحَبْرَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِرَأَوْا إشَارَةً إلَى تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَأَى النَّبِيُّ مُسْلِمًا ذُو صُحْبَةٍ وَقِيلَ إنْ طَالَتْ وَلَمْ تَثْبُتْ وَقِيلَ مَنْ أَقَامَ عَامًا وَغَزَا وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَالْعِرَاقِيِّ وَلَوْ رَآهُ عَلَى بُعْدٍ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالْأَوْلَى تَعْرِيفُهُ بِمَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِيَشْمَلَ الْأَعْمَى، وَيَشْمَلَ مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمًا أَوْ أَحْضَرَهُ أَبُوهُ مَعَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ التَّمْيِيزَ كَمَا اعْتَبَرَ التَّعَارُفَ وَأَلْغَاهُ آخَرُونَ، وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيمَنْ كَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِطٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الصُّحْبَةِ طُولُ زَمَانِ الرُّؤْيَا بِخِلَافِ اجْتِمَاعِ التَّابِعِيِّ بِالصَّحَابِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ طُولِهِ حَتَّى يَكُونَ تَابِعِيًّا عَلَى مَا ارْتَضَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَكَذَلِكَ تَابِعُ التَّابِعِيِّ، وَالْمُرَادُ مِنْ الطُّولِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الصُّحْبَةُ عُرْفًا.
الثَّانِي: الْمُفَضَّلُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَيْثُ صُحْبَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ، وَبِقَوْلِنَا مِنْ حَيْثُ الصُّحْبَةِ لَا يُرَدُّ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ فِي قَرْنِ التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمِ أَوْ الصَّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، وَمَعْنَى التَّفْضِيلِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ أَفْضَلُ الْقُرُونِ؛ لِأَنَّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ وَجَاهَدُوا مَعَهُ وَتَصَدَّقُوا بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ مَعَ الْحَاجَةِ وَبَاعُوا

يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.

، وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ

[الفواكه الدواني]

النُّفُوسَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
الثَّالِثُ: كَمَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْقُرُونِ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْفَضْلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِكَثْرَةِ الْمُلَازَمَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُجَاهِدَةِ مَعَهُ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، إذْ لَيْسَ مَنْ رَآهُ وَفَارَقَهُ كَمَنْ جَاهَدَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ شَرَفُ الصُّحْبَةِ حَاصِلًا لِلْجَمِيعِ.
الرَّابِعُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا تَثْبُتُ بِهِ الصُّحْبَةُ وَنَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ قَائِلًا: وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالتَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَبِالشُّهْرَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ أَوْ بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ إذَا دَخَلَتْ دَعْوَاهُ تِلْكَ تَحْتَ الْإِمْكَانِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(ثُمَّ) يَلِي قَرْنَ الصَّحَابَةِ فِي الْفَضْلِ أَهْلُ الْقَرْنِ (الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَهُمْ التَّابِعِينَ جَمْعُ تَابِعِيٍّ وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ وَطَالَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ حَتَّى صَارَ صَاحِبًا لَهُ عُرْفًا كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ، وَقَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ: هُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ فَجَعَلَ الْكَلَامَ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الصَّحَابِيِّ، وَالْفَرْقُ عَلَى كَلَامِ الْخَطِيبِ مَزِيَّةُ لِقَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لِقَاءِ غَيْرِهِ مِنْ صُلَحَاءِ أُمَّتِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمْيِيزُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحَابِيِّ، وَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِهِمْ فِي الْفَضْلِ وَأَفْضَلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ التَّابِعِيَّاتِ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ عَلَى خِلَافٍ.
(ثُمَّ) يَلِي قَرْنَ التَّابِعِينَ قَرْنُ (الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَهُمْ تَابَعُوا التَّابِعِينَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِالتَّابِعِينَ اجْتِمَاعًا طَوِيلًا، وَالْأَصْلُ فِي التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: «ثُمَّ يَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» . قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: اقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَفْضَلُ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَنَّ التَّابِعِينَ أَفْضَلُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجْمُوعِ أَوْ الْأَفْرَادِ؟ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الثَّانِي، فَيَكُونُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ الْقَرْنِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ عَامِلًا كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَرْنِ الصَّحَابَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: اُخْتُلِفَ فِيمَا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ هَلْ بَيْنَهُمْ تَفَاضُلٌ بِالسَّبْقِيَّةِ كَالْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى الْأَوَّلِ، وَأَنَّ كُلَّ قَرْنٍ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي بَعْدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِخَبَرِ: «مَا مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ وَإِنَّمَا يُسْرَعُ بِخِيَارِكُمْ» وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيُّ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ سَوَاءٌ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَالْأَقْرَبُ التَّفَاضُلُ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالسَّدَادِ فِي الدِّينِ لَا بِالسَّبْقِيَّةِ فِي الزَّمَانِ، وَهَذَا اخْتِيَارٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَقَوْلُنَا بِالسَّبْقِيَّةِ احْتِرَازًا عَنْ التَّفَاضُلِ بِغَيْرِ السَّبْقِيَّةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ التَّفَاوُتُ وَالتَّفَاضُلُ بِهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لِلصَّحَابَةِ: أَتَدْرُونَ أَيَّ الْخَلْقِ أَفْضَلُ إيمَانًا؟ فَقِيلَ لَهُ: الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَ: بَلْ غَيْرُهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: الْأَنْبِيَاءُ، فَقَالَ: بَلْ غَيْرُهُمْ، فَقِيلَ: الشُّهَدَاءُ، فَقَالَ: بَلْ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَفْضَلُ الْخَلْقِ إيمَانًا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي وَيُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْت بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِهِ فَهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ» . وَلَمَّا رَأَى الْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُ مُعَارَضَةَ هَذَا لِمَا مَرَّ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْضِيلِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ جِهَةِ إيمَانِهِمْ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ غَيْرِ رُؤْيَتِهِ تَفْضِيلُهُمْ مُطْلَقًا.
الثَّانِي: اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْقَرْنِ فَقِيلَ هُمْ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ اسْمٌ لِلزَّمَانِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَرْنِ الْجِيلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ اسْمٌ لِمِائَةِ سَنَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيِّنُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْقَرْنِ الْجِيلَ وَأَهْلَ الزَّمَانِ الْوَاحِدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يُرَى وَإِنَّمَا الَّذِي يُرَى هُوَ أَهْلُهُ.
الثَّالِثُ: التَّفْضِيلُ بَيْنَ تِلْكَ الْقُرُونِ قَطْعِيٌّ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَظَنِّيٌّ عِنْدَ الْبَاقِلَّانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَبِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى الْقَطْعِ، وَفِي الظَّاهِرِ فَقَطْ عَلَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ.

وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَفْضَلُ الْقُرُونِ قَطْعًا وَقِيلَ ظَنَّا، شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ الْخُلَفَاءُ) الْأَرْبَعَةُ (الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ وُلُّوا الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إقَامَةِ الدِّينِ وَصِيَانَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ الِاتِّبَاعُ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهُمْ، وَبَيَّنَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُدَّتَهَا بِقَوْلِهِ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا» وَهَذِهِ الْمُدَّةُ هِيَ دُورُ وِلَايَتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَالْخُلَفَاءُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وَهُوَ كُلُّ مَنْ قَامَ مَقَامَ غَيْرِهِ فِي خَيْرٍ، وَسُمُّوا خُلَفَاءَ لِأَنَّهُمْ خَلَفُوا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحْكَامِ، وَالرَّاشِدُونَ جَمْعُ رَاشِدٍ وَهُوَ الْمُسَدَّدُ فِي نَفْسِهِ الْمُوَثَّقُ فِي أَمْرِهِ وَحَالِهِ، وَالْمَهْدِيُّونَ أَيْ الْمُتَّصِفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِكَمَالِ الْهُدَى فَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَوْ مُتَرَادِفَانِ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: أَرْشَدَك اللَّهُ بِمَعْنَى هَدَاك وَهَدَاك بِمَعْنَى أَرْشَدَك، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِلَافَةِ وَالْمُلْكِ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْخِلَافَةِ إلَى الْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْمَيِّتِ عَنْ رِضًا مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرَ فِي الْمُلْكِ إلَى الْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا، مَعَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لِمَنْ قَامَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقُوَّةِ كَقِيَامِهِ عَنْ رِضًى مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ، أَوْ بِالْفِعْلِ كَقِيَامِهِ عَنْ كُرْهٍ مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْبِقَاعِيُّ، وَمِنْهُ تُعْرَفُ حِكْمَةُ تَوْصِيفِ الْمُلْكِ فِي الْحَدِيثِ بِالْعَضُوضِ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَصَحْبُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ فَاسْتَمِعْ ... فَتَابِعِيٌّ فَتَابِعٌ لِمَنْ تَبِعَ وَخَيْرُهُمْ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ ... وَأَمْرُهُمْ فِي الْعَضَلِ كَالْخِلَافَةِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ شَأْنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي التَّفَاوُتِ فِي الْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ، فَالْأَسْبَقُ فِيهَا أَكْثَرُهُمْ فَضْلًا، ثُمَّ التَّالِي فَالتَّالِي، كَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِمَامِهِمْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ فَالْأَفْضَلُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ الَّذِي صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وَصَدَّقَهُ فِي الْمِعْرَاجِ بِلَا تَرَدُّدٍ، وُلِّيَ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَمَاتَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِثَمَانٍ بَلَغَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً كَسِنِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ شِدَّةُ حِقْدِهِ وَحُزْنِهِ عَلَى الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (ثُمَّ) يَلِي أَبَا بَكْرٍ فِي الْفَضْلِ (عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ الْفَارُوقُ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي الْقَضَاءِ وَالْخُصُومَاتِ، وَلِي الْخِلَافَةَ بِاسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، وَقُتِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، قَتَلَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَاسْمُهُ فَيْرُوزُ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ اسْتَغَلَّهُ بِأَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ يَصْنَعُ الرَّحَى، فَلَقِيَ عُمَرَ وَكَلَّمَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْمُغِيرَةَ قَدْ ثَقَّلَ عَلَيَّ عَمَلِي فَكَلِّمْهُ لِي بِالتَّخْفِيفِ عَنِّي، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ إلَى مَوْلَاك، فَغَضِبَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَقَالَ: وَاعَجَبَاهُ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ عَدْلُهُ غَيْرِي وَأَضْمَرَ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ وَاصْطَنَعَ لَهُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - خَنْجَرًا لِقَتْلِ عُمَرَ لَهُ رَأْسَانِ وَسَمَّهُ فَجَاءَهُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ: إنِّي لَقَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ عُمَرَ إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْته يَقُولُ: قَتَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ وَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَشِمَالًا إلَّا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ سِتَّةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحْوَ نَفْسِهِ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَاتَلَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَمَرْت بِهِ مَعْرُوفًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي عَلَى يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ بَلْ كَانَ رَقِيقًا مَجُوسِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ نَصْرَانِيًّا، تُوُفِّيَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذِي الْحَجَّةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْهُ فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَاتَ وَسِنُّهُ كَسِنِّ أَبِي بَكْرٍ، دُفِنَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رِجْلَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرُ خَلْفَهُ، وَبَقِيَ هُنَاكَ مَوْضِعُ قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَنَاقِبُهُمَا كَثِيرَةُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ الرَّأْسِ» . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَدِدْت أَنِّي كُنْت مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ.
قَالَ: أَمَا إنَّك يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» . وَمِنْهَا مَا نَقَلَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَقِيدَةِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ أَيْنَ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» . وَنُقِلَ أَيْضًا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقُلْت لَهُ: يَا جِبْرِيلُ حَدِّثْنِي بِفَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ حَدَّثْتُك بِفَضَائِلِ عُمَرَ فِي السَّمَاءِ مَا لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا مَا نَفِدَتْ فَضَائِلُ عُمَرَ، وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ» . (ثُمَّ) يَلِي عُمَرَ فِي الْفَضْلِ (عُثْمَانُ) بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمُلَقَّبُ بِذِي النُّورَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَهُ رُقَيَّةَ وَلَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ زَوَّجَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَلَمَّا مَاتَتْ قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُكهَا، وَلِيَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَإِحْدَى عَشَرَ شَهْرًا وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَتْ زَوْجَتُهُ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

إنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ وَإِنْ شِئْتُمْ فَاتْرُكُوهُ فَإِنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعَتَمَةِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْعَرْشِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عُمَرُ الْفَارُوقُ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ يُقْتَلُ ظُلْمًا.
وَسَبَبُ قَتْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا فُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ الْفُتُوحَاتُ كَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَفَارِسَ وَسَوَاحِلِ الرُّومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَعُمِّرَتْ الْمَدِينَةُ وَصَارَتْ قُبَّةَ الْإِسْلَامِ وَكَثُرَتْ فِيهَا الْخَيْرَاتُ وَالْأَمْوَالُ، بَطِرَتْ الرَّعِيَّةُ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْخَيْرِ وَالنِّعَمِ وَفَتَحُوا أَقَالِيمَ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا وَتَفَرَّغُوا، أَخَذُوا يَنْقِمُونَ عَلَى خَلِيفَتِهِمْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ ذَوِي الشَّأْنِ الْعِظَامِ حَتَّى صَارَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ، وَيُعْطِي الْأَمْوَالَ لِأَقَارِبِهِ وَيُوَلِّيهِمْ الْوِلَايَاتِ الْجَلِيلَةَ، فَتَكَلَّمُوا فِيهِ إلَى أَنْ قَالُوا: هَذَا مَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ وَهَمُّوا بِعَزْلِهِ وَصَارُوا لِمُحَاصَرَتِهِ فَحَاصَرُوهُ فِي دَارِهِ أَيَّامًا وَكَانُوا أَهْلَ جَفَاءٍ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ فَذَبَحُوهُ وَالْمُصْحَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَفَتَحُوا عَلَيْهِ دَارِهِ وَالْمُصْحَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَرْسِلْ لِحْيَتِي يَا ابْنَ أَخِي فَوَاَللَّهِ لَوْ رَأَى أَبُوك مَقَامَك هَذَا لَسَاءَهُ فَأَرْسَلَ لِحْيَتَهُ وَوَلَّى، وَضَرَبَهُ تَبَارُ بْنُ عِيَاضٍ وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ بِسَيْفِهِمَا فَنَضَحَ الدَّمُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137] وَجَلَسَ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ عَلَى صَدْرِهِ وَضَرَبَهُ حَتَّى مَاتَ، وَوَطِئَ عُمَرُ بْنُ صَابِئٍ عَلَى بَطْنِهِ فَكَسَرَ لَهُ ضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ، وَقُتِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَدُفِنَ يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقِيلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ.
(ثُمَّ) يَلِي عُثْمَانَ فِي الْفَضْلِ (عَلِيُّ) بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمُرْتَضَى مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَخَوَاصِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُقَالُ لَهُ كَمَا يُقَالُ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَبِسْ بِكُفْرٍ قَطُّ وَلَا سَجَدَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَعَ صِغَرِهِ وَكَوْنِ أَبِيهِ عَلَى غَيْرِ الْمِلَّةِ وَلِذَا خُصَّ بِكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عُثْمَانَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرْبَعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ طَعَنَهُ الْكَلْبُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لَيْلَةَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ بِخَنْجَرٍ عَلَى دِمَاغِهِ فَمَاتَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَأَخَذُوا ابْنَ مُلْجِمٍ وَعَذَّبُوهُ وَقَطَّعُوهُ إرَبًا إرَبًا بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَدُفِنَ فِي مِحْرَابِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَقِيلَ بِقَصْرِ الْأُمَرَاءِ، وَقِيلَ قَبْرُهُ بِرَحْبَةِ الْكُوفَةِ، وَقِيلَ لَا يُعْلَمُ قَبْرُهُ، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مُدَّةِ خِلَافَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُون مُلْكَا عَضُوضًا» وَلِهَذَا قَالَ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا وَلِيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِينَ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكُ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: هَذَا التَّرْتِيبُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَفْضِيلِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ.
الثَّانِي: قَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلًا أَنَّ فَضْلَ الْخُلَفَاءِ عَلَى بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ تَبَعًا لِشَيْخِهِ اللَّقَانِيِّ فِي شَرْحِ جَوْهَرَتِهِ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: التَّفْضِيلُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اكْتِسَابُهُ وَاعْتِقَادُهُ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ، بَلْ لَوْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقًا لَمْ يَقْدَحْ فِي دِينِهِ، نَعَمْ لَوْ خَطَرَتْ بِالْبَالِ أَوْ تَحَدَّثَ فِيهَا بِاللِّسَانِ وَجَبَ الْإِنْصَافُ وَتَوْفِيَةُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلَوْ جَحَدَ التَّفْضِيلَ لَا يَكْفُرُ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ نَظَرًا إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ.
الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الِاقْتِصَارِ فِي الْخُلَفَاءِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ يُفِيدُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ بَلْ مَلِكٌ وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» وَقِيلَ: إنَّمَا تَتِمُّ بِمُدَّةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ بَايَعُوهُ بَعْدَ أَبِيهِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ إنَّ الْحَسَنَ سَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، فَتَكُونُ مُدَّةُ خِلَافَةِ الْحَسَنِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا وَأَيَّامًا، فَبِخِلَافَتِهِ تَتِمُّ مُدَّةُ الثَّلَاثِينَ سَنَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ مُدَّتَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَا.
الرَّابِعُ: إنَّمَا سُمُّوا بِالْخُلَفَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا حَافَظُوا عَلَى مُتَابَعَتِهِ سُمُّوا خُلَفَاءَ، وَأَمَّا الَّذِينَ خَالَفُوا سُنَّتَهُ وَبَدَّلُوا سِيرَتَهُ فَهُمْ مُلُوكٌ، وَقَوْلُ الرَّسُولِ: مُلْكًا عَضُوضًا الْمُلْكُ مُثَلَّثُ الْمِيمِ، وَالْعَضُوضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَضَّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَضُرُّونَ الرَّعِيَّةَ وَيَتَعَسَّفُونَ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُمْ يَعَضُّونَهُمْ بِالْأَسْنَانِ، وَمَعْنَى مُلْكًا خِلَافَةً نَاقِصَةً لِشَوْبِهَا بِالزَّلَلِ وَعَدَمِ خُلُوصِهَا مِنْ الْخَلَلِ.
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: وَمُلْكًا عَضُوضًا أَيْ يُصِيبُ الرَّعِيَّةَ فِيهِ غَضَبٌ وَظُلْمٌ كَأَنَّهُمْ يُعَضُّونَ عَضَّا، وَمُلُوكٌ عُضُوضٌ جَمْعُ عَضُدٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْخَبِيثُ الشِّرِّيرُ، وَأَوَّلُ الْمُلُوكِ

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ وَأَنْ لَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ إلَّا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ الْمَخَارِجِ، وَيُظَنَّ بِهِمْ أَحْسَنُ الْمَذَاهِبِ.

، وَالطَّاعَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وُلَاةِ

[الفواكه الدواني]

مُعَاوِيَةُ وَلَمَّا تَوَلَّى قَالَ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ، وَلَمَّا دَخَلَ عُمَرُ الشَّامَ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا وَجَيْشًا عَظِيمًا قَدْ سَالَتْ الْأَوْدِيَةُ بِهِ وَنَقَعَ غُبَارُ الْخَيْلِ فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا نَائِبُك مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: هَذَا كِسْرَى الْعَرَبِ.
وَلَمَّا حَكَمَ عَلَى الصَّحَابَةِ الْمُكَرَّمِينَ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ أَجْمَعِينَ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنَّا فِي حَقِّهِمْ بِقَوْلِهِ: (وَ) مِنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ (أَنْ لَا يُذْكَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ نَائِبُهُ (أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِأَحْسَنَ ذِكْرٍ) لِخَبَرِ: «إذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُذْكَرُوا إلَّا بِخَيْرٍ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَظَّمَهُمْ، وَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي» . وَقَالَ أَيْضًا: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» أَيْ لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَقِيلَ لَا صَدَقَةً وَلَا قُرْبَةً.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدْ اسْتَضَاءَ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا احْتِرَامُهُمْ وَتَعْظِيمُهُمْ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْقَاضِي: مَنْ سَبَّ غَيْرَ الزَّوْجَاتِ فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً وَيُؤَدَّبُ حَيْثُ اشْتَمَلَ سَبُّهُ عَلَى قَذْفٍ.
قَالَ: وَمَنْ قَالَ إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَعَنْ سَحْنُونٍ مِثْلُهُ فِيمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَيُنَكَّلُ فِي غَيْرِهِمْ، وَذُكِرَ فِي الشِّفَاءِ خِلَافًا فِيمَنْ كَفَّرَ عُثْمَانَ أَوْ عَلِيًّا.
وَجَزَمَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ، وَلَفْظُ الْقُرْطُبِيِّ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ: إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً وَكَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُسْتَتَابُ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَالْمُرْتَدِّ أَوْ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَالزِّنْدِيقِ إنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ سَبَّهُمْ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَالْقَذْفِ حُدَّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يُنَكَّلُ النَّكَالَ الشَّدِيدَ، وَإِنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ جُلِدَ الْجَلْدَ الشَّدِيدَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَخْلُدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يَمُوتَ، وَأَمَّا أَذِيَّةُ الزَّوْجَاتِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ سَبَّ وَاحِدَةً فَلَا تَوْبَةَ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرَهَا، وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي غَيْرِ عَائِشَةَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَالْعُقُوبَةُ فِي غَيْرِهِ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا: قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ عَائِشَةَ فِي الْقَذْفِ بِغَيْرِ مَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ فَيُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ.
وَلَمَّا حَكَمَ عَلَى الصَّحَابَةِ الْمُكَرَّمِينَ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ وَكَانَ قَدْ حَصَلَ بَيْنَهُمْ بَعْضُ مُنَازَعَاتٍ وَمُحَارَبَاتٍ لَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ تَنْقُصْ عَنْ التَّفْسِيقِ، خَشِيَ مِنْ إسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ: (وَ) مِمَّا يُطْلَبُ مِنَّا فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا (الْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ) أَيْ وَقَعَ (بَيْنَهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُحَارَبَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ.
(وَ) إنْ احْتَجْنَا إلَى الْخَوْضِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ (أَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ الْمَخَارِجِ) وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَ) أَنْ (يَظُنَّ) أَيْ يَسْلُكَ (بِهِمْ أَحْسَنَ الْمَذَاهِبِ) أَيْ الْمَسَالِكِ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَأَوِّلْ التَّشَاجُرَ الَّذِي وَرَدَ ... إنْ خُضْت فِيهِ وَاجْتَنِبْ دَاءَ الْحَسَدَ فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَطْلُبَ لَهُمْ أَحْسَنَ التَّأْوِيلَاتِ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُمْ نَقْلًا صَحِيحًا مِنْ الْقِتَالِ وَغَيْرِهِ، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَشَاجِرَيْنِ لَمْ يَصْدُرْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّوَابَ، فَمِنْ ذَلِكَ وَقْعَةُ صِفِّينَ اسْمُ مَوْضِعٍ أَوْ مَاءٍ بِالشَّامِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلِيٌّ فِيهَا حَتَّى قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَجَرَّدَ ذَا الْفَقَارِ وَقَتَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْفًا وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَمَا فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ بِالْعِرَاقِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ فَتَأَوَّلْ مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، عَلَى أَنَّ عَلِيًّا طَلَبَ انْعِقَادَ الْبَيْعَةِ أَوَّلًا بَعْدَ عُثْمَانَ قَبْلَ الْقِصَاصِ مِنْ الَّذِينَ قَتَلُوهُ لِيَحْصُلَ التَّمَكُّنُ مِمَّا يُرِيدُهُ، إذْ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ إلَّا بِالْإِمَامِ، وَتَأَوَّلْ مَا وَقَعَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ الْقِصَاصَ مِنْ الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ، فَكُلٌّ قَصَدَ مَقْصِدًا حَسَنًا فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ مَا وَقَعَ، وَتَعْتَقِدَ أَنَّ وُقُوفَ عَلِيٍّ عَنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ إنَّمَا كَانَتْ عَتَبًا، ثُمَّ لَمَّا أَعْتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ بَايَعَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ.
كَمَا أَنَّ مُنَازَعَتَهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَوُقُوفَهُ عَنْ الْقِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إنَّمَا ذَلِكَ لِطَلَبِ انْعِقَادِ الْبَيْعَةِ لِيَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ وَيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاقْتِصَاصِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ وَسَائِرَ مَصَالِحِ الْعِبَادِ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا مَعَ نَصْبِ الْإِمَامِ، وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ عَلِيًّا اجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُعَاوِيَةَ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ السَّعْدُ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ عَلِيٌّ، وَالْمُخْطِئَ مُعَاوِيَةُ،

أُمُورِهِمْ، وَعُلَمَائِهِمْ

وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَاقْتِفَاءُ آثَارِهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ.

وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ.

[الفواكه الدواني]

وَلَكِنَّ الْجَمِيعَ مَا بَيْنَ مُجْتَهِدٍ وَمُقَلِّدٍ عَلَى هُدًى وَخَيْرٍ فَهُوَ مَأْجُورٌ، وَسَبَبُ تِلْكَ الْحُرُوبِ مَعَ عَدَالَتِهِمْ اخْتِلَافُ اجْتِهَادِهِمْ، وَالْحَالُ أَنَّ الْقَضَايَا كَانَتْ مُشْتَبِهَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَوْعُ تَنَاقُضٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ.
. . إلَخْ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِمْسَاكِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ ابْتِدَاءُ الْإِمْسَاكِ مِنْ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَكَلَّمَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَلْتَمِسَ لَهُمْ أَحْسَنَ الْمَخَارِجِ، أَوْ أَنَّ الْإِمْسَاكَ إنَّمَا هُوَ مَطْلُوبٌ فِي حَقِّ الْعَوَامّ أَوْ بِحَضْرَةِ الْعَوَامّ أَوْ الْمُبْتَدِعَةِ، وَأَمَّا الْخَوْضُ لِلْعَالِمِ بِحَضْرَةِ غَيْرِ الْعَامِّيِّ فَلَا حَرَجَ وَيَلْتَمِسُ لَهُمْ أَحْسَنَ الْمَحَامِلِ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: قَدْ قَدَّمْنَا مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَعَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ لَيْسَ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَلَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدِّينِ بَلْ رُبَّمَا أَضَرَّ بِالْيَقِينِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقَوْمُ بَعْضَ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا صَوْنًا لِلْقَاصِرِينَ عَنْ اعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ حِكَايَاتِ الرَّافِضَةِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ غَيْرَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ وَلَوْ قَرْنَ التَّابِعِينَ لَا يَجِبُ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ الْمَخَارِجِ، بَلْ كُلُّ مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَادِحٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَاهُ وَوُسِمَ بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كُفْرٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، وَكَانَ مِنْ يَزِيدَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ وَالْإِهَانَةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَعَنَهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَنْ الْكَبِيرَةِ عِنْدَ مَنْ طَعَنَهُ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نُنَجِّسُ أَلْسِنَتَنَا بِذَكَرِهِ.
قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ رَضِيَ يَزِيدَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَإِهَانَتَهُ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ آحَادًا فَنَحْنُ لَا نَتَوَقَّفُ فِي شَأْنِهِ بَلْ فِي إيمَانِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْصَارِهِ وَعَلَى أَعْوَانِهِ، وَخَالَفَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْمُعَيَّنِ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ كَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فَيَجُوزُ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الصَّوَاعِقِ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْوُعَّاظِ حِكَايَةُ قَتْلِ الْحُسَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنُوا مَا يَنْدَفِعُ بِهِ سُوءُ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ، وَأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ كَانَ لِغَرَضٍ مَذْمُومٍ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ الصَّحَابَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا قَالُوهُ مِنْ جَوَازِ ذِكْرِ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ لِبَيَانِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنْ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ وَبَرَاءَتِهِمْ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ.
الثَّالِثُ: قَاتِلُ الْحُسَيْنِ سِنَانُ بْنُ أَنَسٍ الْأَشْجَعِيُّ وَكَانَ قَتَلَهُ بِكَرْبِلَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، وَلَمَّا حَمَلَ رَأْسَهُ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ جَعَلَهُ فِي طَشْتٍ وَجَعَلَ يَضْرِبُ ثَنَايَاهُ بِقَضِيبٍ وَكَانَ أَنَسُ حَاضِرًا فَبَكَى وَقَالَ: كَانَ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ إخْوَتِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ: ارْفَعْ قَضِيبَك فَوَاَللَّهِ لَطَالَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الشَّفَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ زَيْدٌ يَبْكِي، فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْك لَوْلَا أَنْتَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْت لَضَرَبْت عُنُقَك.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (الطَّاعَةُ) أَيْ الِامْتِثَالُ وَالِانْقِيَادُ (لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي جَمِيعِ مَا أُمِرُوا بِهِ سِوَى الْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَذْفُ الْمُتَعَلِّقِ، فَأَمَّا فِي الْمَعْصِيَةِ فَتَحْرُمُ طَاعَتُهُمْ لِخَبَرٍ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَغَيْرُ الْمَعْصِيَةِ يَشْمَلُ الْمَكْرُوهُ، وَفِي وُجُوبِ إطَاعَتِهِمْ فِيهِ خِلَافٌ الْوُجُوبُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ الْكَرَاهَةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَعَدَمُهُ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ فَإِنْ أَطَاعَهُمْ بِظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ فَهُوَ عَاصٍ، وَالْأَئِمَّةُ جَمْعُ إمَامٍ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِمَامَةِ وَهِيَ لُغَةً التَّقَدُّمُ، وَاصْطِلَاحًا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا تَقْدِيمَهُ عَلَى غَيْرِهِ مَعْنًى وَمُتَابَعَةَ غَيْرِهِ لَهُ حِسًّا.
وَتَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: إمَامَةُ وَحْيٍ وَهِيَ النُّبُوَّةُ، وَإِمَامَةُ وِرَاثَةٍ كَالْعِلْمِ، وَإِمَامَةُ عِبَادَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَإِمَامَةُ مَصْلَحَةٍ وَهِيَ الْخِلَافَةُ الْعُظْمَى لِمَصْلَحَةِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَكُلُّهَا تَحَقَّقَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَحَيْثُ أُطْلِقَتْ فِي لِسَانِ أَهْلِ الْكَلَامِ انْصَرَفَتْ إلَى الْمَعْنَى الْأَخِيرِ عُرْفًا وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا نِيَابَةً عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنْ لَا تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ إلَّا بِشُرُوطٍ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ وَالْكِفَايَةُ وَكَوْنِهِ قُرَشِيًّا وَاحِدًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا، فَإِنْ اجْتَمَعَ عَدَدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالْإِمَامُ مَنْ انْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ بِأَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ، فَإِنْ انْعَقَدَتْ لِاثْنَيْنِ بِبَلَدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ هِيَ لِلَّذِي عُقِدَتْ لَهُ بِبَلَدِ الْإِمَامِ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ الْعَدَدُ فِي الْعَصْرِ الْوَاحِدِ وَالْبَلَدِ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ تَتَبَاعَدَ الْأَمَاكِنُ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ حُكْمُ الْإِمَامِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ كَالْأَنْدَلُسِ وَخُرَاسَانَ فَيَجُوزُ التَّعَدُّدُ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ حُقُوقُ النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْأَئِمَّةَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ وُلَاةِ) أَيْ حُكَّامِ (أُمُورِهِمْ، وَ) مِنْ (عُلَمَائِهِمْ) وَالضَّمِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ السُّنَّةِ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] إذْ هُمْ أُمَرَاءُ الْحَقِّ الْعَالِمُونَ الْعَامِلُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» وَالْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] فَإِنَّهُ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمْ أُمَرَاءُ الْحَقِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، وَقِيلَ: الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ، فَالْمُجْتَهِدُ مِنْهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَلَا يُقَلِّدُ، وَالْمُقَلِّدُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] إلَّا عَقَائِدَ الْإِيمَانِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ فِيهَا مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النَّظَرِ الْمُوصِلِ لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ صِحَّةِ إيمَانِهِ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا تَقَدَّمَ.
1 - تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ لَا يَنْعَزِلُ مِنْهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِالْفِسْقِ وَلَا بِالْجَوْرِ حَيْثُ نُصِّبَ عَدْلًا، وَإِنَّمَا يَنْحَلُّ عَقْدُ الْإِمَامَةِ بِمَا يَزُولُ بِهِ مَقْصُودُ الْإِمَامَةِ كَالرِّدَّةِ وَالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَصَيْرُورَةِ الْإِمَامِ أَسِيرًا لَا يُرْجَى خَلَاصُهُ، وَكَذَا بِالْمَرَضِ الَّذِي يُنْسِيه الْعُلُومَ، وَبِالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ، وَكَذَا بِخَلْعِهِ نَفْسِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ الْمَرَضُ إنَّمَا اسْتَشْعَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْإِمَامَةِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَلْعُ الْحَسَنِ نَفْسَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَكْثَرِ مِنْ عَدَمِ عَزْلِهِ بِالْفِسْقِ وَالْجَوْرِ يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: إذَا نُصِبَ الْإِمَامُ عَدْلًا ثُمَّ فَسَقَ بَعْدَ إبْرَامِ الْعَقْدِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: وَتَنْفَسِخُ إمَامَتُهُ وَيَنْخَلِعُ بِالْفِسْقِ الظَّاهِرِ الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يُقَامُ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَحِفْظِ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِسْقِ يُقْعِدُهُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا أَدَّى إلَى إبْطَالِ مَا أُقِيمَ لِأَجْلِهِ اهـ. وَقَوْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَشْتَدَّ الضَّرَرُ بِبَقَائِهِ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى عَزْلِهِ، وَأَمَّا نَائِبُ الْإِمَامِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْإِمَامِ فَيُعْزَلُ بِمَا ذُكِرَ اتِّفَاقًا وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَأَمَّا خَلْعُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِضَابِطِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ فِي تَوْضِيحِهِ: كُلُّ مَنْ مَلَكَ حَقًّا عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ مَعَهُ عَزْلَ نَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ كَالْخَلِيفَةِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُجْبَرِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِمَامِ الصَّلَاةِ وَكُلِّ مَنْ مَلَكَ حَقًّا عَلَى وَجْهٍ يَمْلِكُ مَعَهُ عَزْلَ نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ وَلَا يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ كَالْقَاضِي وَالْوَكِيلِ وَلَوْ مُفَوَّضًا، وَإِذَا خُلِعَ بِلَا سَبَبٍ لَمْ تَنْعَقِدْ الْإِمَامَةُ لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِالْفِسْقِ وَلَا بِالْجَوْرِ أَيْضًا، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْ الْجَوْرِ بِلُطْفٍ وَيُنْصَحُ وَيُرْشَدُ إلَى الْحَقِّ وُجُوبًا عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ وَظَنَّ إفَادَتَهُ أَوْ تَوَهَّمَهَا، وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ عَلَى الْأُمَرَاءِ جَهْرًا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتَنِ كَمَا لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُمْ، بَلْ الْمَطْلُوبُ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْإِصْلَاحِ، وَالِاسْتِغْفَارُ.

(وَ) مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْضًا (اتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَفِيمَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَتَابِعِ الصَّالِحَ مِمَّنْ سَلَفَا ... وَجَانِبِ الْبِدْعَةَ مِمَّنْ خَلَفَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ لِلسَّلَفِ وَلَوْ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَالْفَاكِهَانِيِّ: وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يَتَّبِعُهُمْ فِيمَا اسْتَنْبَطُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، وَأَمَّا أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّرَائِعِ الَّتِي لَمْ يُحَصِّلُوهَا بِاجْتِهَادِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا خِلَافَ فِي اتِّبَاعِهِمْ فِيهَا، فَلَعَلَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا يُخَالِفُ هَذَا، ثُمَّ أَكَّدَ الْكَلَامَ السَّابِقَ بِقَوْلِهِ: (وَاقْتِفَاءُ آثَارِهِمْ) ؛ لِأَنَّ الِاقْتِفَاءَ هُوَ الِاتِّبَاعُ، وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْ الْمُكَلَّفِ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي عَقَائِدِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَهَيْئَاتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» . وَقَالَ أَيْضًا: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضْوًا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَالْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ النَّجَاةَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِيهِ الْفَوْزُ بِكُلِّ كَمَالٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ مُحَافَظَةً عَلَى طَرِيقَةِ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَ) لِحُصُولِ النَّجَاةِ لَنَا وَالْفَوْزِ بِاتِّبَاعِهِمْ يَجِبُ عَلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُكَلَّفِينَ (الِاسْتِغْفَارُ) أَيْ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ (لَهُمْ) أَيْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، لَكِنْ لَا بِقَيْدِ الصَّحَابَةِ بَلْ الْأَعَمُّ لِمَا يَسْتَوْجِبُهُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ.
فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِخْدَامُ الَّذِي هُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِمَعْنًى وَإِعَادَةُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ بِمَعْنًى آخَرَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] وَقَالَ تَعَالَى:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] وَإِنَّمَا طَلَبَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ لِمَا سَبَقَ؛ وَلِأَنَّهُمْ وَضَّحُوا السَّبِيلَ.
قَالَ بَعْضٌ: وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبُ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ سَبَقَ بِالْإِيمَانِ، وَيَحْصُلُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ بِمَرَّةٍ كَالشَّهَادَتَيْنِ وَقَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ إلَّا إذَا أَتَى بِهَا مَعَ قَصْدِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا كَانَ عَاصِيًا حَيْثُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُؤْمِنِ.
تَنْبِيهٌ: تَفْسِيرُنَا لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ بِالصَّحَابَةِ هُوَ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ السَّلَفَ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مُتَقَدِّمٍ وَسَلَفُ الرَّجُلِ آبَاؤُهُ، وَالصَّالِحُ عُرْفًا وَشَرْعًا هُوَ الْقَائِمُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الْوَلِيِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء: 85] ، إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 86] وَقَالَ فِي يَحْيَى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] وَقَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69] .

وَلَمَّا كَانَتْ الشَّرَائِعُ لَا تَتَّضِحُ غَالِبًا إلَّا بَعْدَ الْجِدَالِ وَكَانَ مِنْهُ الْجَائِزُ وَهُوَ مَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ أَوْ لِإِبْطَالِ الْبَاطِلِ وَالْحَرَامُ وَهُوَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (تَرْكُ الْمِرَاءِ) فِي الدِّينِ وَهُوَ بِالْمَدِّ لُغَةً الِاسْتِخْرَاجُ، تَقُولُ: مَرَيْت الْفَرَسَ إذَا اسْتَخْرَجْت جَرْيَهُ، وَالْمُمَارِي يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَعُرْفًا مُنَازَعَةُ الْغَيْرِ مِمَّا يَدَّعِي صَوَابَهُ وَلَوْ ظَنًّا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22] قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ طَعْنُك فِي كَلَامِ الْغَيْرِ لِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ سِوَى تَحْقِيرِ قَائِلِهِ وَإِظْهَارِ مَزِيَّتِكَ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: الْجِدَالُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ (وَ) يَجِبُ أَيْضًا تَرْكُ (الْجِدَالِ) مَصْدَرُ جَادَلَ إذَا خَاصَمَ وَحَقِيقَتُهُ الْحُجَّةُ بِالْحُجَّةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: هُوَ تَعَارُضٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِهِ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الثَّانِي، وَقَالَ بَعْضٌ الْمِرَاءُ: وَالْجِدَالُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْجِدَالُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا ذَاكَرْت أَحَدًا وَقَصَدْت إفْحَامَهُ وَإِنَّمَا أُذَاكِرُهُ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَقٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ فِي عُلَمَاءِ زَمَانِنَا فَلَا تُجَالِسْهُمْ وَفِرَّ مِنْهُمْ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ الْجِدَالَ وَهُوَ مُحِقٌّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا ذَاكَرْت حَلِيمًا إلَّا وَحَقَّرَنِي وَلَا سَفِيهًا إلَّا وَأَخْزَانِي، وَقَالَ: مَا اسْتَكْمَلَ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَقَوْلُهُ (فِي الدِّينِ) يَتَنَازَعُهُ الْمِرَاءُ، وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ هُوَ جِدَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّارِعُ هِجْرَانَ ذِي الْبِدَعِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الدِّينِ أَنَّ الْجِدَالَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا جَائِزٌ بَيْنَ أَهْلِهَا مَعَ مُرَاعَاةِ الْحَقِّ وَالْتِزَامِ الصِّدْقِ وَتَرْكِ اللَّدَدِ وَالْإِيذَاءِ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: لِلْمُنَاظَرَةِ الْجَائِزَةِ - وَيُقَالُ لَهَا الْمُذَاكَرَاتُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ - شُرُوطٌ وَآدَابٌ، فَأَمَّا شُرُوطُهَا فَهِيَ ضَبْطُ قَوَانِينِ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ كَيْفِيَّةِ إيرَادِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ وَالِاعْتِرَاضَاتِ وَكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِهَا وَكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَالِمًا بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمُنَاظَرَاتُ، وَصَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ كَلَامَهُ مِنْ الْفُحْشِ وَالْخَطَأِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالصِّدْقِ فِيمَا يَنْسُبُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا جَمِيعُ أَقْوَالِهِ مُطَابِقَةً لِاعْتِقَادِهِ، وَأَمَّا آدَابُهَا فَهِيَ تَجَنُّبُ اضْطِرَابِ مَا عَدَا اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ، وَالِاعْتِدَالُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَخَفْضِهِ، وَحُسْنُ الْإِصْغَاءِ لِكَلَامِ صَاحِبِهِ، وَجَعْلُ الْكَلَامِ مُنَاوَبَةً، وَالثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَةِ إنْ كَانَ مُجِيبًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَى السُّؤَالِ إنْ كَانَ سَائِلًا، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ التَّعَنُّتِ وَالتَّعَصُّبِ وَقَصْدِ الِانْتِقَامِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا فِي مَوْضِعِ مَهَانَةٍ وَلَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ تَشْهَدُ بِالزُّورِ لِخَصْمِهِ وَيَرُدُّونَ كَلَامَهُ، وَيَجْتَنِبُ الرِّيَاءَ وَالْمُبَاهَاةَ وَالضَّحِكَ، فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْآدَابُ أَفَادَتْ الْمُنَاظَرَةُ خَمْسَ خِصَالٍ: إيضَاحَ الْحُجَّةِ، وَإِبْطَالَ الشُّبْهَةِ، وَرَدَّ الْمُخْطِئِ لِلصَّوَابِ وَالضَّالِّ إلَى الرَّشَادِ، وَالزَّائِغِ إلَى صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ مَعَ الذَّهَابِ إلَى التَّعْلِيمِ، وَطَلَبِ التَّحْقِيقِ.
الثَّانِي: بَقِيَ بَعْدَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَلْفَاظٌ يَقَعُ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ مَعَانِيهَا فَيَنْبَغِي لِلطَّالِبِ مَعْرِفَتُهَا وَهِيَ: الْمُكَابَرَةُ وَالْمُعَانَدَةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْمُنَاكَرَةُ وَالْمُنَاظَرَةُ وَالْمُشَاغَبَةُ وَالْمُغَالَطَةُ، فَالْمُكَابَرَةُ هِيَ الْإِقَامَةُ عَلَى إنْكَارِ الشَّيْءِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْمُعَانَدَةُ هِيَ النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَلَامِهِ وَكَلَامِ صَاحِبِهِ، وَالْمُجَادَلَةُ هِيَ الْفِكْرُ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ، كَمَا أَنَّ الْمُنَاظَرَةَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمُنَاظَرَةَ قَدْ تَكُونُ مَعَ نَفْسِهِ دُونَ الْمُجَادَلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْغَيْرِ، وَالْمُنَاكَرَةُ لَا

وَتَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ.

، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

[الفواكه الدواني]

تَكُونُ إلَّا مَعَ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ، وَالْمُشَاغَبَةُ هِيَ الْمُنَازَعَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ وَلَا لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ، وَالْمُخَالَطَةُ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ لَا لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ.

وَلَمَّا كَانَ كُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفَ قَالَ: (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (تَرْكُ) فِعْلِ (كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ) مِنْ الِابْتِدَاعَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ» وَهِيَ ابْتِدَاعَاتُ الْخَلَفِ السَّيِّئِ الَّذِينَ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى مَهَّدَ الدِّينَ وَأَسَّسَ قَوَاعِدَهُ وَأَوْضَحَ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ أَحَالَ بَعْدَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» الْحَدِيثُ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَوْ اسْتَنَدَ إلَى قِيَاسٍ أَوْ إلَى عَمَلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَهُوَ دِينُ اللَّهِ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَبِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَبِهَذَا لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي الْأَقْضِيَةِ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا ضَلَالَةً؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا اسْتَنَدَ إلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ بِإِيضَاحِ أَنَّ مَا يَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيه قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَلَوْ وُجِدَ سَبَبُهُ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفِعْلِهِ، وَالْبِدْعَةُ الَّتِي هِيَ فِي ضَلَالَةٍ مَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ هِيَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءٌ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْبِدْعَةَ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَعْنَاهَا لُغَةً مِنْ أَنَّهَا مَا فُعِلَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ مِثَالٍ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ تَقَعْ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَدَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَهَذَا مَعْنَاهَا شَرْعًا، وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» . فَإِخْرَاجُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بِدْعَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ جَمْعُ الْقُرْآنِ فِي الْمَصَاحِفِ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ، وَالتَّوَسُّعُ فِي لَذِيذِ الْمَآكِلِ، وَأَذَانُ جَمَاعَةٍ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ فَهَذَا هُوَ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ.
وَثَانِيهِمَا مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَإِذَا كَانَتْ فَلَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ لُبْسَ الطَّيْلَسَانِ سُنَّةٌ، وَأَلَّفَ السُّيُوطِيّ فِي اسْتِحْبَابِ لُبْسِهِ كِتَابًا وَقَالَ: مَنْ أَنْكَرَ سَنَدَهُ فَهُوَ جَاهِلٌ.
1 - (خَاتِمَةٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مِنْ الْخَمْسَةِ بِدْعَةٌ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا وَهِيَ كُلُّ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْوُجُوبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَتَدْوِينِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَائِعِ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ فَإِنَّ تَبْلِيغَهَا لِمَنْ بَعْدَنَا وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَإِهْمَالَهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا، الثَّانِي: بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ إجْمَاعًا وَهِيَ كُلُّ مَا تَنَاوَلَتْهُ أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ وَقَوَاعِدُهُ كَالْمُكُوسِ وَتَقْدِيمِ الْجُهَلَاءِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ بِالتَّوَارُثِ لِمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهَا، الثَّالِثُ: بِدْعَةٌ مَنْدُوبَةٌ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَإِقَامَةِ صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ، عَلَى خِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانَ بِالدِّينِ فَلَمَّا اخْتَلَّ النِّظَامُ وَصَارَ النَّاسُ لَا يُعَظِّمُونَ إلَّا بِالصُّوَرِ كَانَ مَنْدُوبًا حِفْظُهَا لِظُلْمِ الْخَلْقِ، الرَّابِعُ: بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَهِيَ مَا تَنَاوَلَتْهَا قَوَاعِدُ الْكَرَاهَةِ كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقُرَبِ الْمَنْدُوبَةِ كَالصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَكَالتَّسْبِيحِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ فَيَفْعَلُ أَكْثَرَ مِمَّا حَدَّهُ الشَّارِعُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ حَيْثُ أَتَى بِهِ لَا لِشَكٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ، فَإِنَّ الْعُظَمَاءَ إذَا حَدَثَ شَيْئًا تُعِدُّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ قِلَّةَ أَدَبٍ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ أَذَانُ جَمَاعَةٍ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ الْخَامِسُ: بِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ وَهِيَ كُلُّ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْإِبَاحَةِ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ لِإِصْلَاحِ الْأَقْوَاتِ وَاللِّبَاسِ الْحَسَنِ وَالْمَسْكَنِ الْحَسَنِ وَكَالتَّوْسِعَةِ فِي لَذِيذِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ عَلَى مَا قَالَهُ الْعِزُّ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ اتِّخَاذُ الْمَلَاعِقِ وَالضَّابِطُ لِمَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرْضُهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فَأَيَّ الْقَوَاعِدِ اقْتَضَتْهُ أُلْحِقَ بِهَا، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» مَحْمُولٌ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

وَلَمَّا كَانَ الْبَابُ كَالْكِتَابِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ كَالْفَرَاغِ مِنْ الْكِتَابِ خَتَمَهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ) وَرَسُولِهِ وَأَفْضَلِ خَلْقِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى السَّيِّدِ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

اللَّهِ إشَارَةً إلَى الْجَوَازِ كَ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» وَكَ «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» وَهُوَ سَعْدٌ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ السَّيِّدِ فِي اللَّهِ فَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ التَّتَّائِيِّ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ كَلَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ مَنْعِ إطْلَاقِ مَا لَمْ يَرِدْ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى، (وَعَلَى آلِهِ) أَيْ أَتْقِيَاءِ أُمَّتِهِ فَتَنَاوَلَ الصَّحَابَةَ، (وَأَزْوَاجِهِ) الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا عَنْ خَدِيجَةَ وَقِيلَ عَائِشَةُ، (وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ) بِلَفْظِ الْمَاضِي لِعَطْفِهِ عَلَى صَلَّى الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ (تَسْلِيمًا كَثِيرًا) قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَةُ وَرُوِيَ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْجَرُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهَا عَلَى الصِّفَةِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقَوْلُنَا خَتَمَهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِهِ الْإِتْيَانُ بِهِمَا إذَا كَانَ الرَّجَاءُ حُصُولَ بَرَكَتِهَا بِحَيْثُ يُقْبَلُ الْفِعْلُ الْمَبْدُوءُ وَالْمَخْتُومُ بِهِمَا لَا لِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْإِخْبَارِ بِتَمَامِ الْبَابِ أَوْ الْكِتَابِ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّهُ لَا يُنْدَبُ إلَّا وَقَدْ قَصَدَ تَفْوِيضَ الْعِلْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا لِقَصْدِ الْإِعْلَامِ بِالْفَرَاغِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوعَةَ لِتُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى لَا يَنْبَغِي اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةٌ وَتُسَنُّ أَوْ تُنْدَبُ فِي الصَّلَاةِ وَتُسْتَحَبُّ خَارِجُهَا؛ لِأَنَّهَا تُفَرِّجُ الْكُرَبَ وَتُحِلُّ الْعُقَدَ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ فَقَالَ

بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ الْوُضُوءُ يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ

أَوْ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ مِنْ مَذْيٍ مَعَ

[الفواكه الدواني]

[بَاب مَا يَجِب مِنْهُ الْوُضُوء وَالْغُسْل]

(بَابٌ) هُوَ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَادِ كَبَابِ الْمَسْجِدِ وَمَجَازٌ فِي الْمَعَانِي، وَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا بِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ فِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ، وَالْفَصْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُقَامُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَسْأَلَةً إلَّا مَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَاكْتُسِبَ بِهِ، لَا الْأَمْرُ الضَّرُورِيُّ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَرْضٌ وَكَالزَّكَاةِ فَرْضٌ فَلَا تُعَدُّ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ.
(مَا) أَيْ الْمُوجِبُ الَّذِي (يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، وَ) الْمُوجِبُ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ (الْغُسْلُ) وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى مَا الْمَوْصُولَةِ وَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِأَنَّ هَذَا شُرُوعٌ فِي مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالْمُوجِبُ مَا يَلْزَمُ بِسَبَبِهِ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ، وَالْوُضُوءُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَاصْطِلَاحًا طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَالْغُسْلُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ، وَسَيُذْكَرُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَابِهِ، وَمُوجِبَاتُ الْوُضُوءِ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِنَوَاقِضِهِ وَمُبْطِلَاتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحْدَاثٌ وَأَسْبَابٌ وَمَا لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَا سَبَبٍ وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّهِمَا كَالرِّدَّةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَلَيْسَ مِنْهَا رَفْضُهُ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالرَّفْضِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَلَا بِالْعَزْمِ عَلَى النَّقْضِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِطْرِ، وَبَدَأَ بِأَوَّلِ الْأَقْسَامِ فَقَالَ: (الْوُضُوءُ) وَقَدْ قَدَّمْنَا تَعْرِيفَهُ وَسَتَأْتِي صِفَتُهُ فِي بَابِهِ (يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ) عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ (مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ) الْمُعْتَادَيْنِ وَهُمَا الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِالدَّاخِلِ بِالْحُقْنَةِ وَلَا بِالْقَرْقَرَةِ الشَّدِيدَةِ وَلَا بِالْحَقْنِ بِالرِّيحِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِعَدَمِ صِدْقِ الْحَدَثِ عَلَيْهِمَا.
وَبَيْنَ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ) مِنْ الدُّبُرِ لَا إنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ أَوْ ذَكَرِ الرَّجُلِ فَلَا يَنْتَقِضُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَحَلِّهِ الْمُعْتَادِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْحَصَى وَالدُّودِ الْمُتَخَلِّقَيْنِ فِي الْمَعِدَةِ فَلَا يَنْقُضَانِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِمَا عُذْرَةٌ كَثِيرَةٌ، وَيُعْفَى عَنْ الْخَارِجِ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُمَا وَهُمَا غَيْرُ نَاقِضَيْنِ فَتَابِعُهُمَا كَذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَ مِنْهُ وَلَوْ كَثُرَ حَيْثُ كَانَ خُرُوجُ الْحَصَى وَالدُّودِ مُسْتَنْكَحًا بِأَنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ، أَوْ كَانَ خُرُوجُهُمَا غَيْرَ مُسْتَنْكَحٍ لَكِنْ قَلَّ الْخَارِجُ عَلَيْهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَلِيلِ مَا يَسْتَحِيلُ خُرُوجُهُمَا بِدُونِهِ لَا إنْ كَانَ كَثِيرًا فَيَجِبُ إزَالَتُهُ عَنْ الْمَحَلِّ لِعَدَمِ الْعَفْوِ عَنْهُ.
وَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ كَسُقُوطِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ الَّتِي لَمْ يُعْفَ عَنْهَا، وَمِثْلُ الْحَصَى وَالدُّودِ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ الدَّمُ وَالْقَيْحُ لَكِنْ بِشَرْطٍ يَخْرُجَا خَالِصَيْنِ مِنْ الْحَدَثِ وَإِلَّا نَقَضَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَصَى وَالدُّودِ غَلَبَةُ مُخَالَطَةِ الْحَصَى وَالدُّودِ لِلْعُذْرَةِ وَنُدْرَةُ مُخَالَطَةِ الْقَيْحِ وَالدَّمِ لَهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَصَى وَالدُّودَ وَالدَّمَ وَالْقَيْحَ لَيْسَتْ مِنْ الْحَدَثِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِمَا، وَتُوقَفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي ذَاتِ الْحَصَى وَالدُّودِ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ أَنَّهُمَا ظَاهِرُ الذَّاتِ وَمُتَنَجِّسَانِ، رَاجَعَ الْأُجْهُورِيَّ عَلَى خَلِيلٍ، وَأَمَّا الْحَصَى وَالدُّودُ غَيْرُ الْمُتَخَلِّقَيْنِ بِأَنْ ابْتَلَعَهُمَا وَخَرَجَا مِنْ مَحَلِّ الْحَدَثِ فَإِنَّهُمَا يَنْقُضَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْحَدَثِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا لَوْ شَرِبَ مَاءً حَارًّا وَابْتَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ سَرِيعًا فَلَا شَكَّ فِي نَقْضِ مَا ذَكَرَ لِلْوُضُوءِ.
وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ الْمُلَازِمِ لِصَاحِبِهِ وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ إنْ لَازَمَ جُلَّ الزَّمَنِ أَوْ نِصْفَهُ إلَّا أَنْ يَشُقَّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُفَارِقُ أَكْثَرَ الزَّمَنِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ لَا يُنْقَضُ فِي ثَلَاثٍ، وَالنَّقْضُ فِي صُورَةٍ وَمَحَلُّهَا فِي الْمَعْجُوزِ عَنْ رَفْعِهِ وَإِلَّا نَقَضَ فِي الْجَمِيعِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُعْتَادَيْنِ وَهُمَا الْقَبْلُ وَالدُّبْرُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِمَا بِأَنْ خَرَجَ بَوْلُهُ أَوْ فَضْلَتَهُ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ مِنْ حَلْقِهِ فَلَا نَقْضَ، أَوْ خَرَجَ حَدَثُهُ مِنْ ثُقْبَةٍ فِي جَسَدِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَحْتَ الْمَعِدَةِ مَعَ انْسِدَادِ مَخْرَجَيْهِ فَإِنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا، أَوْ انْقَطَعَ خُرُوجُهُ مِنْ مَحَلِّهِ وَصَارَ مَوْضِعُ الْقَيْءِ مَوْضِعًا لَهُ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ أَيْضًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَظْهَرُ لِي الْجَزْمُ بِالنَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْ ثُقْبَةٍ وَلَوْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ حَيْثُ

غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ بِالْإِنْعَاظِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ

وَأَمَّا الْوَدْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ يَخْرُجُ بِأَثَرِ الْبَوْلِ يَجِبُ مِنْهُ مَا يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ

، وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ

[الفواكه الدواني]

انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ بِالْأَوَّلِ مِنْ مَحَلِّ الْقَيْءِ وَإِنْ حَاوَلُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْته مَا تَقَرَّرَ مِنْ نَقْضِ الْوُضُوءِ عِنْدَنَا بِالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ

(أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَجِبُ الْوُضُوءُ (لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ مِنْ مَذْيٍ مَعَ) وُجُوبِ (غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ) بِنِيَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلَيْنِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِي تَعْرِيفِ الْمَذْيِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَرَ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ امْرَأَتِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلِيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَ الصَّلَاةِ» وَلَفْظُ الْفَرْجِ فِي الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ فِيهِ الْغَسْلُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ صَرِيحًا: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ الْأَذَى وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَسْلَهُ غَيْرُ تَعَبُّدِيٍّ، وَفِيهِ صُوَرٌ أَرْبَعٌ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: فَفِي النِّيَّةِ وَبُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا أَوْ تَارِكِ كُلِّهِ قَوْلَانِ: الرَّاجِحُ مِنْ قَوْلِ النِّيَّةِ الْوُجُوبُ كَمَا أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ قَوْلَيْ الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا مَعَ تَرْكِ النِّيَّةِ الصِّحَّةُ مَعَ غَسْلِ جَمِيعِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ فَالْقَوْلَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ عَلَى السَّوَاءِ وَلَوْ مَعَ تَرْكِ النِّيَّةِ عَلَى التَّحْقِيقِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالْحَدِيثِ فِي مَذْيِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا مَذْيُ الْمَرْأَةِ فَيَكْفِيهَا غَسْلُ مَحَلِّ الْأَذَى فَقَطْ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي النِّيَّةِ أَوْ اسْتَظْهَرَ افْتِقَارَهَا إلَى نِيَّةٍ كَالرَّجُلِ، قُلْت: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ.
الثَّانِي: الْمَذْيُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفِيهِ حِينَئِذٍ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: تَسْكِينُ الذَّالِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَكَسْرُ الذَّالِ مَعَ شَدِّ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا سَاكِنَةً، وَيُرْوَى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَلَعَلَّهُ فِي اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ.
الثَّالِثُ: نَاقَشَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَى التَّصَوُّرِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ التَّصَوُّرِ عَلَى التَّصْدِيقِ حُكْمًا وَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُنَاقَشَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الْحُكْمِ عَلَى التَّصَوُّرِ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِلْغَيْرِ، وَحُكْمُ الشَّخْصِ عَلَى شَيْءٍ مُتَصَوَّرٍ فِي ذِهْنِهِ قَبْلَ تَصْوِيرِهِ فِي الْخَارِجِ لِغَيْرِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ مُتَصَوِّرًا لِلْوُضُوءِ حِينَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ.
ثُمَّ عَرَّفَ الْمَذْيَ بِبَيَانِ صِفَتِهِ عِنْدَ اعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ وَصِفَةِ خُرُوجِهِ فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ الْمَذْيُ (مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ) الْمُعْتَادَةِ وَهِيَ الْمَيْلُ إلَى الشَّيْءِ وَإِيثَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ (بِالْإِنْعَاظِ) أَيْ قِيَامِ الذَّكَرِ (عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ التَّذَكُّرِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مَحَلُّ الْأَذَى، وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ وَإِلَّا فَلَا يَنْقُضَ إلَّا أَنْ يُفَارِقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ يَقْدِرَ عَلَى رَفْعِهِ، وَالنَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ بِخِلَافِ غَيْرِ النَّاقِضِ فَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ مِثْلِ الْمَنِيِّ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ غُسْلًا، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِنْعَاظِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَلَوْ كَانَ مَعَ التَّلَذُّذِ وَإِدَامَةِ تَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ، وَقَوْلُنَا عِنْدَ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ عَدَمِ اعْتِدَالِهِ فَقَدْ يَخْرُجُ مَذْيُهُ أَصْفَرَ فَلَا يَخْتَلُّ الْحُكْمُ بَلْ يَجِبُ مِنْهُ غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ مَعَ خُرُوجِهِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ جَوَازُ الْمُلَاعَبَةِ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَقَدْ رَغَّبَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ تَزَوَّجَ ثَيِّبًا: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» اهـ. قُلْت: الْحُكْمُ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْأَخْذِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ كَوْنَ الْمُلَاعَبَةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا الْمَذْيُ جَائِزَةً أَوْ مُحَرَّمَةً وَتَأَمَّلْهُ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ حَيْثُ حَضَّ عَلَى مُلَاعَبَةِ الْبِكْرِ

(وَأَمَّا الْوَدْيُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ كَسْرَهَا وَتَشْدِيدَ الْيَاءِ وَرُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ (فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ ثَخِينٌ (يَخْرُجُ بِإِثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا أَيْ عَقِبَ (الْبَوْلِ) غَالِبًا وَقَدْ يَخْرُجُ وَحْدَهُ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ

الْكُبْرَى بِالْجِمَاعِ، رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءٌ رَقِيقٌ أَصْفَرُ يَجِبُ مِنْهُ الطُّهْرُ فَيَجِبُ مِنْ هَذَا طُهْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ كَمَا يَجِبُ مِنْ طُهْرِ الْحَيْضَةِ

وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا وَلِسَلَسِ الْبَوْلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ

وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ بِنَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ

أَوْ إغْمَاء

أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ

وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ

[الفواكه الدواني]

(يَجِبُ مِنْهُ مَا يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ) فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْهُ مَحَلُّ الْأَذَى فَقَطْ، وَيُجْزِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ بِالْحَجَرِ كَالْبَوْلِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُ مُغَايِرًا لِحُكْمِ الْمَذْيِ أَتَى الْمُصَنِّفُ بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ لِحُكْمِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا.

وَلَمَّا كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ اسْتِيفَاءُ أَحْكَامِ الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ ذَكَرَ الْمَنِيَّ وَإِنْ كَانَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ قَبْلَ تَتْمِيمِ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: (وَأَمَّا الْمَنِيُّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَهُوَ) مِنْ الرَّجُلِ (الْمَاءُ الدَّافِقُ) يَعْنِي الْمَدْفُوقَ الثَّخِينَ (الَّذِي يَخْرُجُ) دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى) وَهِيَ الْحَاصِلَةُ (بِالْجِمَاعِ) بِخِلَافِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْمَذْيُ فَهِيَ صُغْرَى وَالتَّقْيِيدُ بِالْجِمَاعِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ يَخْرُجُ بِغَيْرِهِ وَصِفَةُ (رَائِحَتِهِ) إذَا كَانَ رَطْبًا مِنْ صَحِيحِ الْمِزَاجِ (كَرَائِحَةِ) غُبَارِ (الطَّلْعِ) مِنْ فَحْلِ النَّخْلِ وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَيَّدْنَا بِ رَطْبًا لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ تُشْبِهُ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ الْبَيْضِ عِنْدَ يُبْسِهِ وَبِصَحِيحِ الْمِزَاجِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ مِنْ الْمَرِيضِ وَتَخْتَلِفُ رَائِحَتُهُ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ لِيُرْجَعَ إلَيْهَا عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ إذَا قَامَ مِنْ نَوْمٍ مَثَلًا فَوَجَدَ بَلَلًا أَوْ شَيْئًا جَافًّا رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ أَوْ الْبَيْضِ عِنْدَ يُبْسِهِ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنِيٌّ، كَمَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَنِيًّا يَجْعَلُ نُقْطَةَ مَاءٍ حَارٍّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُبْسِهِ وَيَشْرَبُهَا سَرِيعًا، وَإِنَّمَا يُشَبَّهُ بِالطَّلْعِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي بِلَادِهِمْ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (وَ) أَمَّا صِفَةُ (الْمَرْأَةِ) أَيْ مِنْهَا فَهُوَ (مَاءٌ رَقِيقٌ) ضِدُّ مَاءِ الرَّجُلِ (أَصْفَرُ) غَالِبًا بِخِلَافِ مَاءِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ أَبْيَضُ غَالِبًا، وَأَمَّا طَعْمُهُ فَهُوَ مِنْ الرَّجُلِ مُرٌّ وَمِنْ الْمَرْأَةِ مَالِحٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمَاءَانِ فِي الرَّحِمِ كَانَ الْوَلَدُ بَيْنَهُمَا، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ أَوْ عَلَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ صَاحِبَهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُوجِبُهُ الْمَنِيُّ بِقَوْلِهِ: (يَجِبُ مِنْهُ) أَيْ يَجِبُ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ (الطُّهْرُ) أَيْ غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ حَيْثُ خَرَجَ فِي نَوْمٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي يَقِظَةٍ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ؛ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِأَنَّهُ الْخَارِجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلَا يُوجِبُ إلَّا الْوُضُوءَ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ طُهْرٌ إلَّا بِخُرُوجِ مَنِيِّهَا وَلَا يَكْفِي إحْسَاسُهَا خِلَافًا لِلْقَاضِيَّ سَنَدٍ وَقَوْلُهُ: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا طُهْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ) تَكْرَارٌ وَلَعَلَّهُ ارْتَكَبَهُ لِأَجْلِ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: (كَمَا يَجِبُ مِنْ طُهْرِ الْحَيْضَةِ) وَإِنَّمَا شَبَّهَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَقْوَى الْمَوَانِعِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَا لَا تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ

وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنْ الْمَرْأَةِ يُوجِبُ عَلَيْهَا غَسْلَ جَمِيعِ جَسَدِهَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ قَالَ: (وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ) وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَرْأَةِ زِيَادَةً عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا أَوْ اسْتِظْهَارِهَا (فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ) فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ نَاقِضًا لِوُضُوئِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا لَا عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ بِأَنْ يُفَارِقَهَا أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ قَدَرَتْ عَلَى رَفْعِهِ، وَأَمَّا لَوْ لَازَمَهَا وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْهُ الْوُضُوءُ.
(وَ) إنَّمَا (يُسْتَحَبُّ لَهَا وَلِسَلِسِ الْبَوْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ لِلشَّخْصِ الَّذِي قَهَرَهُ الْبَوْلُ فَسَلِسٌ اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ لَهَا (أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: أَنْ يُلَازِمَهُمَا جُلَّ الزَّمَنِ أَوْ نِصْفَهُ، وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا فَارَقَ أَكْثَرَهُ أَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ، وَالِاسْتِحْبَابُ عَلَى مَا لَازَمَ جُلَّ أَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ انْدِفَاعُ التَّنَاقُضِ الَّذِي ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ فِي كَلَامِهِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِسَلِسِ الْبَوْلِ كَانَ الْأَوْلَى وَلِصَاحِبِ السَّلَسِ لِيَشْمَلَ سَائِرَ الْأَحْدَاثِ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ مَذْيًا أَوْ مَنِيًّا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ النَّقْضِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا وَلَازِمٌ وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِتَدَاوٍ أَوْ سِتْرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاقِضًا إلَّا فِي مُدَّةِ تُدَاوِيه وَمُدَّةِ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي السَّلَسِ طَرِيقَةُ الْمَغَارِبَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا خَلِيلٌ فَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِطَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ فِي كُلِّ صُورَةٍ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَأَهْلِ الْمَذْهَبِ عُمُومُ هَذَا الْحُكْمِ فِي السَّلَسِ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِيهِ الشَّخْصُ، لَكِنْ جَرَى خِلَافٌ فِي اعْتِبَارِ الْمُلَازَمَةِ هَلْ فِي خُصُوصِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الزَّوَالِ وَمُنْتَهَاهَا طُلُوعُ، الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ مُطْلَقًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا الْمُلَازَمَةُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

دَرَجَةً وَغَيْرُ وَقْتِهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ فَأَتَاهُ فِيهَا وَفِي مِائَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَنْقُضُ لِمُفَارِقَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَنِ لَا عَلَى مُقَابَلَةٍ لِمُلَازَمَةِ أَكْثَرِهِ.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي كَبِيرِهِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ شَيْخِهِ الْمَنُوفِيِّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى إطْلَاقِهَا، وَإِنَّمَا تُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ إتْيَانُ السَّلَسِ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُنْضَبِطًا فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ يَأْتِيه إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ مَثَلًا وَيُلَازِمُهُ لِلْغُرُوبِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْعَصْرَ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى وَكَذَا يُقَالُ فِي الْعِشَاءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ وَقْتَ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُهَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ.
الْخَامِسُ: يُنْظَرُ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنْ الشَّخْصِ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَإِنْ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا أَصَابَ مِنْهَا وَإِنْ نَقَضَتْ الْوُضُوءَ وَتَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ، وَإِذَا تَحَقَّقَ نُزُولُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ يَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ إمَامًا وَيَتْبَعُهُ مَأْمُومُهُ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ نُزُولَهَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وُجُوبًا وَلَا يُعِيدُ مَأْمُومُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِالْحَدَثِ نَاسِيًا وَهُوَ إمَامٌ فَيُعِيدُ أَبَدًا دُونَ مَأْمُومِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَفْوِ عَنْ النُّقْطَةِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ كُلِّ مَا يَعْسَرُ، وَالنَّقْضُ يَكُونُ بِمَا يُفَارِقُ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ يَقْدِرَ عَلَى رَفْعِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ خِفَّةُ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهَا

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْحَدَثُ شَرَعَ فِي ثَانِي الْأَقْسَامِ وَهُوَ الْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَبْلُ وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَمِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لِذَاتِهِ، وَيَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: زَوَالُ الْعَقْلِ وَاللَّمْسُ بِشَرْطِهِ وَمَسُّ الذَّكَرِ لِلْبَالِغِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ عَلَى طَرِيقِ الصِّحَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَدَثَ نَاقِضٌ بِنَفْسِهِ، وَالسَّبَبُ إنَّمَا يَنْقُضُ بِوَاسِطَةٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ فَقَالَ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ زَوَالِ) أَيْ اسْتِتَارِ (الْعَقْلِ) وَهُوَ آلَةُ التَّمْيِيزِ (بِنَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِسُقُوطِ لُعَابِهِ أَوْ حَبْوَتِهِ أَوْ الْكُرَّاسِ مِنْ يَدِهِ وَلَا بِمَنْ يَذْهَبُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا بِمَنْ يَأْتِي وَلَا بِالْأَصْوَاتِ الْمُرْتَفِعَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ لَا إنْ خَفَّ فَلَا يَنْقُضُ، وَلَوْ طَالَ فَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ وَيَشْمَلُهَا قَوْلُ خَلِيلٍ: وَبِسَبَبِهِ وَهُوَ زَوَالُ عَقْلٍ وَإِنْ بِنَوْمٍ ثَقُلَ وَلَوْ قَصُرَ لَا خَفَّ وَنُدِبَ إنْ طَالَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ خَفِيفِهِ إنْ طَالَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ نَقْضِ الْخَفِيفِ مَا فِي مُسْلِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ الثَّقِيلُ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ حِسُّ الْمَرْءِ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِالْحَدَثِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْخَفِيفُ الَّذِي يُحِسُّ مَعَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَلَا يَنْقُضُ، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا نَوْمُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: هَذَا التَّفْصِيلُ فِي النَّائِمِ جَالِسًا، وَأَمَّا الْقَائِمُ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى شَيْءٍ فِي حَالِ قِيَامِهِ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إلَّا بِسُقُوطِهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَنِدُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ الْمُسْتَنَدُ إلَيْهِ لَسَقَطَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِسِ، وَأُمًّا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إلَّا بِسُقُوطِهِ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ عَدَمَ سُقُوطِهِ عَلَامَةٌ عَلَى خِفَّةِ نَوْمِهِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ النَّقْضُ بِالنَّوْمِ الثَّقِيلِ وَلَوْ كَانَ النَّائِمُ الْجَالِسُ مُتَمَكِّنًا وَمُسْتَقَرًّا وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ اعْتِمَادُهُ عِنْدِي لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ النَّائِمَ تَرْتَخِي أَعْصَابُهُ فَلَا يَشْعُرُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ النَّقْضَ بِالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ نَقْضُ وُضُوئِهِ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِسْفَارِ سَدُّ الدُّبُرِ

(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ مِنْ حُصُولِ مُطْلَقِ (إغْمَاءٍ) وَهُوَ مَرَضٌ فِي الرَّأْسِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.

(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا بِزَوَالِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ (سُكْرٍ) وَلَوْ بِحَلَالٍ (أَوْ) بِسَبَبِ (تَخَبُّطِ جُنُونٍ) بِأَنْ يَتَخَبَّطَهُ الْجِنُّ ثُمَّ يَعُودُ لِحَالِهِ، وَإِنَّمَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِهَذِهِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ النَّوْمِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ طَوِيلِهَا وَقَصِيرِهَا وَلَا بَيْنَ ثَقِيلِهَا وَخَفِيفِهَا لِأَنَّ هَذِهِ يَزُولُ مَعَهَا التَّكْلِيفُ، بِخِلَافِ النَّوْمِ صَاحِبُهُ مُخَاطَبٌ وَإِنْ رُفِعَ عَنْهُ الْإِثْمُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِتَرَادُفِ الْهُمُومِ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وُجُوبُ الْوُضُوءِ وَقَالَ بِهِ ابْنُ نَافِعٍ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَهْوَ قَاعِدٌ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَمِمَّا لَا يَنْقُضُ زَوَالُهُ بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى غَابَ عَنْ إحْسَاسِهِ.
قَالَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَلِي فِي ذَلِكَ وَقْفَةٌ مَعَ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِزَوَالِهِ بِالنَّوْمِ.
الثَّانِي: فَسَّرْنَا زَوَالَ الْعَقْلِ بِالِاسْتِتَارِ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْفَاكِهَانِيُّ: الْعَقْلُ لَا يُزِيلُهُ النَّوْمُ وَلَا الْإِغْمَاءُ وَلَا السُّكْرُ وَإِنَّمَا

الْمُلَامَسَةِ لِلَّذَّةِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِالْجَسَدِ لِلَّذَّةِ

وَالْقُبْلَةِ لِلَّذَّةِ

وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ

وَاخْتُلِفَ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي إيجَابِ

[الفواكه الدواني]

تَسْتُرُهُ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ الْمُنْقَطِعُ بِخِلَافِ الْمُطْبَقِ فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ لَا مَحَالَةَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ فِي الْمَذْكُورَاتِ بِلَفْظِ زَوَالٍ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ

وَمِنْ الْأَسْبَابِ اللَّمْسُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ) أَجْلِ (الْمُلَامَسَةِ) الْمُرَادُ اللَّمْسُ وَهُوَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِبَارِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (لِلَّذَّةِ) أَيْ لِقَصْدِهَا أَوْ وُجُودِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْسٌ يَلْتَذُّ بِهِ صَاحِبُهُ عَادَةً وَلَوْ لِظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ حَائِلٍ وَأُوِّلَ بِالْخَفِيفِ وَبِالْإِطْلَاقِ وَهَذَا حَيْثُ لَا ضَمَّ، وَأَمَّا لَوْ ضَمَّ اللَّذَّاتِ الْمَلْمُوسَةَ أَوْ قَبَضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا فَإِنَّ وُضُوءَهُ يَنْتَقِضُ اتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ كَثِيفًا قَصَدَ لَذَّةً أَوْ وَجَدَهَا.
قَالَهُ الْأَجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ الْحَطَّابِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي اللَّامِسِ الْبُلُوغُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ وَكَذَلِكَ الْمَلْمُوسُ فَإِنْ بَلَغَ وَالْتَذَّ أَوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَاللَّامِسِ وَبِقَيْدِ الْعَادَةِ يَخْرُجُ الِالْتِذَاذُ بِالصَّغِيرَةِ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ أَوْ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إلَّا الِالْتِذَاذُ، أَوْ بِمَسِّ فَرْجِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ لِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ بِالِالْتِذَاذِ بِفَرْجِهِمَا، وَلِذَلِكَ نَصُّوا عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالِالْتِذَاذِ بِالْمُحَرَّمِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ قَصْرُ الْمُلَامَسَةِ عَلَى مَا كَانَ بِالْيَدِ فَقَطْ دَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا مِنْ (الْمُبَاشَرَةِ بِالْجَسَدِ لِلَّذَّةِ) وَفُهِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُلَامَسَةِ أَنَّ الِالْتِذَاذَ بِالنَّظَرِ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ لَا يَنْقُضُ وَلَوْ أَنْعَظَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا لَذَّةَ بِنَظَرٍ كَإِنْعَاظٍ حَيْثُ لَا مَذْيَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ كَوْنُهُ بِعُضْوٍ خَاصٍّ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أَصْلِيًّا بَلْ وَلَوْ كَانَ اللَّمْسُ بِعُضْوٍ زَائِدٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُسَاوَاتُهُ لِغَيْرِهِ فِي الْإِحْسَاسِ بَلْ الشَّرْطُ قَصْدُ وُجُودِ اللَّذَّةِ حَالَ اللَّمْسِ وَلَوْ بِأَمْرَدَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَانِ وَالْقَصْدُ كَالْوِجْدَانِ.
وَفِي الْأَجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ: لَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ هُنَا كَوْنُهُ بِعُضْوٍ أَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ لَهُ إحْسَاسٌ كَمَا فِي مَسِّ الذَّكَرِ، فَمَتَى حَصَلَ اللَّمْسُ هُنَا بِعُضْوٍ وَلَوْ زَائِدًا لَا إحْسَاسَ لَهُ وَانْضَمَّ لِذَلِكَ قَصْدُهُ لِلَّذَّةِ أَوْ وِجْدَانُهَا نَقَضَ، هَذَا ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ انْتَهَى.
الثَّانِي: إذَا قَصَدَ لَمْسَ امْرَأَةٍ يُعْتَقَدُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا مَحْرَمٌ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمَسَّ مِنْ يَعْتَقِدُهَا مَحْرَمًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا نَقْضَ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَلَعَلَّهُ بَنَاهُ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ بِلَمْسِ الْمَحْرَمِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَحْرَمَ كَغَيْرِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ: قَصْدُهَا لِلْفَاسِقِ فِي الْمَحْرَمِ نَاقِضٌ.
قَالَ بَعْضٌ الْمُرَادُ بِالْفَاسِقِ مَنْ مِثْلُهُ يَلْتَذُّ بِمَحْرَمِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ صُوَرَ اللَّمْسِ أَرْبَعٌ: قَصْدٌ فَقَطْ، وِجْدَانٌ فَقَطْ، قَصْدٌ وَوِجْدَانٌ، انْتِفَاءُ الْأَمْرَيْنِ.
يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالثَّلَاثِ الْأُوَلِ وَلَا نَقْضَ بِانْتِفَائِهِمَا، وَكَثِيرًا مَا يَتَوَضَّأُ الْإِنْسَانُ وَيَلْمِسُ زَوْجَتَهُ عَقِبَ وُضُوئِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَا وُضُوءُهَا إلَّا مَعَ الْقَصْدِ وَالْوِجْدَانِ

(وَ) يَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا مِنْ (الْقُبْلَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَهِيَ وَضْعُ الْفَمِ عَلَى الْفَمِ (لِلَّذَّةِ) حَيْثُ كَانَتْ عَلَى فَمِ مَنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً وَلَوْ بِامْرَأَةٍ بِمِثْلِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُبْلَةِ طَوْعٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا قَصْدٌ وَلَا وِجْدَانٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي غَيْرِ الْفَمِ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِهِ تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْمُلَامَسَةِ، بِخِلَافِهَا عَلَى الْفَمِ فَتَنْقُضُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ انْفِكَاكِهَا عَنْ اللَّذَّةِ عَادَةً، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْقُبْلَةَ بِفَمٍ وَإِنْ بِكُرْهٍ أَوْ اسْتِغْفَالٍ لَا لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ إلَّا أَنْ يَجِدَ اللَّذَّةَ، وَلَا إنْ كَانَتْ عَلَى حَائِلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا أَوْ كَانَتْ عَلَى فَمِ صَغِيرَةٍ، فَلَوْ كَانَ الْمُقَبِّلُ بِكَسْرِ الْبَاءِ صَبِيًّا أَوْ كَانَتْ الْمُقَبَّلَةُ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى فَلَا نَقْضَ بِتَقْبِيلِهَا وَلَوْ الْتَذَّ الْبَالِغُ بِتَقْبِيلِهَا، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: قُبْلَةُ تَرَحُّمِ الصَّغِيرَةِ وَوَدَاعِ الْكَبِيرَةِ وَلَا لَذَّةُ لَغْوٍ يَقْتَضِي بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالِالْتِذَاذِ حَتَّى بِقُبْلَةِ الصَّغِيرَةِ وَحَرَّرَهُ، وَعَدَمُ النَّقْضِ صَرَّحَ بِهِ الْأَجْهُورِيُّ، وَكَذَا لَوْ قَبَّلَ شَابٌّ شَيْخًا أَوْ شَيْخٌ شَيْخًا فَلَا نَقْضَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَبَّلَ الذَّكَرُ الْبَالِغُ أُنْثَى فَالنَّقْضُ وَلَوْ كَانَ شَابًّا وَهِيَ كَبِيرَةٌ لِأَنَّ شَأْنَ الذَّكَرِ الِالْتِذَاذُ بِالْأُنْثَى وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَإِذَا كَانَ الْوُضُوءُ يَنْتَقِضُ بِالتَّقْبِيلِ مِنْ الْبَالِغِ عَلَى فَمِ مَنْ يُلْتَذُّ بِمِثْلِهِ مُطْلَقًا مِنْ بَابِ أَوْلَى تَنْتَقِضُ بِالتَّقْبِيلِ عَلَى فَرْجِ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهُ، لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا نَصَّتْ عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْفَرْجِ أَوْ مَسَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ اللَّذَّةِ خِلَافًا لِبَحْثِ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

وَمِنْ الْأَسْبَابِ الْمَسُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا (مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) الْمُتَّصِلِ الْمُرَادُ ذَكَرُ نَفْسِهِ، فَأَلْ عِوَضٌ عَنْ الضَّمِيرِ سَوَاءٌ مَسَّهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، لِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَمْدُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَذَّةٌ وَلَا قَصْدُهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَاسُّ شَيْخًا أَوْ عِنِّينًا لَكِنْ بِشَرْطِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْحَائِلِ إلَّا مَا خَفَّ جِدًّا وَبِشَرْطِ اتِّصَالِ الذَّكَرِ، وَكَوْنِ الْمَسِّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ أَوْ بِجَنْبِهَا

الْوُضُوءِ بِذَلِكَ.

وَيَجِبُ الطُّهْرُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ لِلَّذَّةِ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.

[مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ]

أَوْ انْقِطَاعِ دَمِ

[الفواكه الدواني]

وَالزَّائِدُ الَّذِي فِيهِ إحْسَاسٌ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ غَيْرَهُ عَلَى مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ جَزْمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِنَقْضِ وُضُوءِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِمَسِّ ذَكَرِهِ وَنَقْضِ وُضُوءِ الشَّاكِّ فِي حَدَثِهِ، وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا اشْتِرَاطَ مُسَاوَاةِ الزَّائِدِ لِغَيْرِهِ فِي الْإِحْسَاسِ وَالتَّصَرُّفِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا وَمَعَ وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا فِي الْأَجْهُورِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَصْلِيَّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إحْسَاسٌ بِنَا فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ لَا يَنْقُضُ، وَأَيْضًا صَرَّحَ الْأَجْهُورِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْسَاسِ فِي الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَيْضًا اشْتِرَاطُهُمْ فِي الزَّائِدِ مُسَاوَاتَهُ لِغَيْرِهِ فِي الْإِحْسَاسِ شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِحْسَاسِ فِي الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَبْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ سَمِعَتْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَا يُخَالِفُهُ ضَعِيفٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا الْمُتَّصِلِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ بَعْدَ قَطْعِهِ وَلَا بِمَوْضِعِ الْجَبِّ وَلَوْ الْتَذَّ وَلَا بِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ إلَّا لِقَصْدٍ أَوْ الْتِذَاذٍ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّمْسَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ آخَرَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ بِاللَّمْسِ وَالْمَسُّ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ آخَرَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ، وَلِذَا عَبَّرَ فِي جَانِبِ الذَّكَرِ بِالْمَسِّ لِأَنَّ النَّقْضَ يَحْصُلُ بِمَسِّهِ وَلَوْ سَهْوًا، وَمَفْهُومُ الذَّكَرِ أَنَّهُ لَوْ مَسَّ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ سَوَاءٌ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ كَالدُّبْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِمَسِّ دُبُرٍ وَلَا أُنْثَيَيْنِ وَلَا فَرْجِ صَغِيرَةٍ وَلَا دَابَّةٍ إلَّا أَنْ يَلْتَذَّ بِمَسِّ فَرْجِهِمَا فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، بِخِلَافِ جَسَدِهِمَا فَلَا نَقْضَ وَلَوْ الْتَذَّ بِهِ.

(وَاخْتُلِفَ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ) عَلَيْهَا (بِذَلِكَ) وَعَدَمِهِ عَلَى عِدَّةِ رِوَايَاتٍ: أَحَدُهَا عَدَمُ النَّقْضِ مُطْلَقًا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ وَمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَدَّرَ بِهَا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ أَلْطَفَتْ أَمْ لَا؟ وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْإِلْطَافِ بِأَنْ تُدْخِلَ أُصْبُعَهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَعَدَمُهُ، وَرِوَايَةٌ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَرْجَحَهَا أَوَّلُهَا.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْقِسْمَ الثَّالِثَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِرِدَّةٍ وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلَّا لِمُسْتَنْكِحٍ وَبِشَكٍّ فِي سَابِقِهِمَا، وَالْمُرَادُ الشَّكُّ فِي النَّاقِضِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ إلَّا الرِّدَّةَ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَرْتَدُّ بِالشَّكِّ فِي الِارْتِدَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِارْتِدَادِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ، وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالْمَوْتُ.
وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا خُرُوجَ الْمَنِيِّ فَقَالَ: (وَيَجِبُ الطُّهْرُ) أَيْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمْعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ (مِمَّا ذَكَرْنَا) أَوَّلَ الْبَابِ وَأَعَادَهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ لِلَّذَّةِ) الْمُعْتَادَةِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِخُرُوجِهِ بِلَا لَذَّةٍ بِأَنْ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ، أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَأَمْنَى أَوْ ضُرِبَ فَأَمْنَى أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ أَوْ نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ أَوْ حَكَّ جَسَدَهُ لِنَحْوِ جَرَبٍ فَأَمْنَى فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُحِسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ وَيَسْتَدِيمُهَا بِهَزِّ الدَّابَّةِ أَوْ بِمَا بَعْدَهَا فَيُمْنِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَمَا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَدْ يُوجِبُ الْوُضُوءَ سَوَاءٌ حَصَلَ (فِي نَوْمٍ أَوْ يَقِظَةٍ) وَسَوَاءٌ خَرَجَ (مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ الْخُرُوجِ لِلَّذَّةِ، فَلَوْ الْتَذَّ بِتَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ لَذَّتُهُ وَأَمْنَى بَعْدَ ذَهَابِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَلَوْ كَانَ اغْتَسَلَ بَعْدَ اللَّذَّةِ لِأَنَّ غُسْلَهُ لَمْ يَقَعْ فِي مَحَلِّهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي مُطِيقَةٍ وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ اغْتِسَالِهِ أَمْنَى فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْغُسْلِ لِأَنَّ غُسْلَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ إلَّا إذَا كَانَ خُرُوجُهُ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، وَظَاهِرَةٍ وَلَوْ خَرَجَ فِي نَوْمٍ كَمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي نَوْمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ اشْتِرَاطُ اللَّذَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ يَقَظَةً، وَأَمَّا مَا خَرَجَ فِي النَّوْمِ فَالشَّرْطُ وُجُودُ الْبَلَلِ، وَلَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ شَكَّ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ اغْتَسَلَ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: شَكُّ الْجَنَابَةِ كَتَحَقُّقِهَا

الْحَيْضَةِ أَوْ الِاسْتِحَاضَةِ

أَوْ دَمِ النِّفَاسِ

أَوْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.
وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ يُوجِبُ

[الفواكه الدواني]

وَأَحْرَى لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَنِيٌّ، وَلَوْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ يُضْرَبُ فَخَرَجَ مَنِيُّهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَجِبُ الطُّهْرُ مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ لِلَّذَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ بِدُخُولِ مَنِيٍّ فِي فَرْجِهَا مِنْ غَيْرِ خُرُوجِ مَنِيِّهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِمَنِيٍّ وَصَلَ لِلْفَرْجِ وَلَوْ الْتَذَّتْ، أَيْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُنْزِلَ أَوْ تَحْمِلَ حَيْثُ كَانَ خُرُوجُهُ لِجِمَاعِهَا فِي غَيْرِ فَرْجِهَا، وَأَمَّا لَوْ أَخَذَتْهُ مِنْ الْأَرْضِ وَوَضَعَتْهُ فِي فَرْجِهَا أَوْ جَلَسَتْ عَلَيْهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِدُخُولِهِ وَلَوْ حَمَلَتْ.
قَالَ الْأَجْهُورِيُّ: لِأَنَّ اللَّذَّةَ هُنَا غَيْرُ مُعْتَادَةٍ وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِزَوْجِهَا وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ الْمَنِيَّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّ وَجْهُهُ أَنَّ خُرُوجَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ سَاحَقَتْ امْرَأَةٌ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِخُرُوجِ مَنِيِّهَا لِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ كُلٍّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ

(أَوْ) أَيْ يَجِبُ الطُّهْرُ مِنْ (انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ) وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بِنَفْسِهِ مِنْ قُبُلِ مَنْ تَحْمِلُ عَادَةً وَإِنْ دَفْعَةً وَمِثْلُهُ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ كَمَا يَأْتِي.
(أَوْ) انْقِطَاعِ دَمِ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَهُوَ الْخَارِجُ زِيَادَةً عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا أَيْ وَاسْتِطْهَارِهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ مِنْ انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ وَاسْتِطْهَارِهَا، وَإِلَّا كَانَ اغْتِسَالُهَا لِانْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مُسْتَحَبًّا فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: لَا بِالِاسْتِحَاضَةِ وَنَدَبَ لِانْقِطَاعِهِ وَهَذَا أَوْلَى مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ عَلَى الرَّاجِحِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ صِنَاعَةً (تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا، وَلَوْ كَانَتْ اسْتَعْجَلَتْ خُرُوجَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ خَرَجَ مِمَّنْ تَحْمِلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُنْقَضْ بِهِ الْعِدَّةُ كَمَا قَالَ الْمَنُوفِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ، وَتَوَقَّفَ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ وَاسْتَظْهَرَ تِلْمِيذُهُ خَلِيلٌ عَدَمَ تَرْكِهَا الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَقَالَ الْأَجْهُورِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَتْرُكُهُمَا مُدَّةَ الدَّمِ وَتَقْضِيهِمَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، وَيُكْرَهُ لَهَا الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ عَادَتِهِ فَعَالَجَتْهُ لِيَخْرُجَ فِي زَمَنِهِ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَالْعِبَادَةِ وَجَوَازِ إقْدَامِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً لِقَطْعِهِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَيْثُ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ نَسْلَهُ أَوْ يُقَلِّلَهُ

(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الطُّهْرُ مِنْ انْقِطَاعِ (دَمِ النِّفَاس) بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ، وَاصْطِلَاحًا دَمٌ خَرَجَ لِلْوِلَادَةِ بَعْدَهَا اتِّفَاقًا أَوْ مَعَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ قَبْلَهَا لِأَجْلِهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حَيْضٌ.
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ نَفْسَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لَيْسَا بِمُوجِبَيْنِ لِلْغُسْلِ، وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ انْقِطَاعُهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مُوجِبَانِ وَانْقِطَاعُهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ.

(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ الْغُسْلُ (بِمَغِيبِ) جَمِيعِ (الْحَشَفَةِ) مِنْ بَالِغٍ وَلَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ كَثِيفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَشَفَةِ الْكَمَرَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ عَلَى صَاحِبِهَا حَيْثُ غَيَّبَهَا (فِي الْفَرْجِ) لَا فِي هَوَاهُ وَلَوْ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ مُطِيقَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتُ الْفَرْجِ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، وَمِثْلُ الْفَرْجِ الدُّبُرُ بِجَامِعِ اسْتِطْلَاقِ الْمَنِيِّ، وَتَغَيُّبُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا كَالْحَشَفَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَا مَا دُونَهَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَجِبُ لِلْإِنْزَالِ، وَالْغُسْلُ يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ أَيْضًا حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي دُبُرِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَاعِلِ فِي الْحَدِّ وَالْغُسْلُ أَحْرَى وَإِنْ كَانَا صَبِيَّيْنِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ بَالِغًا وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الْمَفْعُولِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ الْمَفْعُولُ فَالْغُسْلُ عَلَيْهِ لِلْإِنْزَالِ، وَكَذَا لَوْ غَيَّبَ بَعْضَهَا وَلَوْ الثُّلُثَيْنِ فَلَا غُسْلَ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَشَفَةُ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ بَلَغَ بِالسِّنِّ أَوْ الْإِنْبَاتِ كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ وَلَوْ كَانَ فَرْجَ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَيْضًا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَوْلُنَا مِنْ بَالِغٍ الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَوْ كَانَ الْمُغَيِّبُ حَشَفَتَهُ صَبِيًّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ فَقَطْ حَيْثُ بَلَغَ سَنَّ مِنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ حَيْثُ وَطِئَ مُطِيقَةً، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ وَوَطِئَهَا بَالِغٌ اُسْتُحِبَّ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا، كَمَا لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِكَبِيرَةٍ وَطِئَهَا غَيْرُ الْبَالِغِ وَلَمْ تُنْزِلْ وَلَوْ مُرَاهِقًا عَلَى مَا بَحَثَهُ الْأَجْهُورِيُّ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُنْدَبُ لَهَا، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنْ نَدْبِ غُسْلِ الصَّغِيرَةِ مِنْ وَطْءِ الْبَالِغِ وَحَرَّرَهُ، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ كَانَتْ صَاحِبَةُ الْفَرْجِ مَيِّتَةً صَحِيحٌ بِخِلَافِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَيِّتٍ فَلَا غُسْلَ عَلَى مَنْ غَيَّبَتْ، فَإِذَا غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ حَشَفَةَ دَابَّةٍ مَيِّتَةٍ فِي فَرْجِهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُنْزِلَ الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْآدَمِيِّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي إنْسِيَّةٍ أَوْ دَابَّةٍ وَسَكَتَ عَنْ الْجِنِّيِّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي إنْسِيَّةٍ أَوْ دَابَّةٍ وَالْإِنْسِيُّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي جِنِّيَّةٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَكْلِيفِ الْجِنِّ أَنَّ الْجِنِّيَّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ وَلَوْ فِي إنْسِيَّةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، بِخِلَافِ الْإِنْسِيِّ يَرَى نَفْسَهُ يَطَأُ جِنِّيَّةً أَوْ تَرَى الْإِنْسِيَّةُ جِنِّيًّا يَطَؤُهَا فَلَا غُسْلَ عَلَى كُلٍّ،

الْغُسْلَ وَيُوجِبُ الْحَدَّ وَيُوجِبُ الصَّدَاقَ وَيُحْصِنُ الزَّوْجَيْنِ وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِلَّذِي طَلَّقَهَا وَيُفْسِدُ الْحَجَّ وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ.

وَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تَطَهَّرَتْ وَكَذَلِكَ إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ تَطَهَّرَتْ مَكَانَهَا رَأَتْهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ

[الفواكه الدواني]

وَاسْتَظْهَرَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا قِيَاسًا عَلَى الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا إنْزَالَ أَوْ تَكُونُ الْجِنِّيَّةُ زَوْجَةً لِلْإِنْسِيِّ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ الثَّالِثُ: قَدْ شَرَطْنَا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ إطَاقَةَ الْمَفْعُولِ الْآدَمِيِّ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي الدَّابَّةِ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ اعْتِبَارُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الْآدَمِيِّ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الْبَهِيمَةِ عَدَمُ مِيلِ النُّفُوسِ إلَيْهَا بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَهَذَا مِمَّا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَصَرَّحَ الْأَجْهُورِيُّ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَشَفَةَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْبُلُوغُ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُدْخَلَ فِيهِ مُطِيقًا وَلَوْ آدَمِيًّا، وَأَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ صَاحِبِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ شِدَّةُ الْمِيلِ إلَيْهَا لِكِبَرِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ بِهَا لَا يُمْكِنُ الِالْتِذَاذُ بِهَا إلَّا عِنْدَ إطَاقَتِهَا.
وَلَمَّا كَانَ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ مُجَرَّدَ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ بِشَرْطِهِ قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) لِحَدِيثِ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» وَحَدِيثُ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّوْمِ فَمَنْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ غَيَّبَ ثُمَّ انْتَبَهَ فَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا، ثُمَّ أَعَادَ قَوْلَهُ: (وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ) لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَيُوجِبُ الْحَدَّ) عَلَى الزَّانِي الطَّائِعِ اتِّفَاقًا وَالْمُكْرَهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَيُوجِبُ حَدَّ اللِّوَاطِ عَلَى اللَّائِطِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللِّوَاطَ هُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي دُبُرِ الْأُنْثَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الزِّنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا فَيُرْجَمُ، وَأَمَّا فِي دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَيُؤَدَّبُ (وَيُوجِبُ الصَّدَاقَ) عَلَى الزَّوْجِ الْبَالِغِ فِي زَوْجَتِهِ الْمُطِيقَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ وَلَوْ فِي دُبُرِهَا أَوْ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ وَتَقَرَّرَ بِوَطْءٍ وَإِنْ حُرِّمَ وَكَذَا أَيْ يُوجِبُ الصَّدَاقَ عَلَى الْوَاطِئِ الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ، وَكَذَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا أَوْ أَكْرَهَهَا، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ عَالِمَةً طَائِعَةً فَهِيَ زَانِيَةٌ لَا صَدَاقَ لَهَا.
(وَ) مِمَّا يُوجِبُهُ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ أَنَّهُ (يُحْصِنُ الزَّوْجَيْنِ) الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْعَاقِلَيْنِ الْبَالِغَيْنِ إنْ صَحَّ نِكَاحُهُمَا اللَّازِمُ حَيْثُ كَانَ وَطْؤُهُمَا مُبَاحًا مَعَ انْتِشَارٍ.
(وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا) أَوْ اثْنَتَيْنِ (لِلَّذِي طَلَّقَهَا) حُرًّا فِي الْأُولَى أَوْ رَقِيقًا فِي الثَّانِيَةِ بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ التَّحْلِيلِ الْآتِيَةِ فِي مَحَلِّهَا.
(وَيُفْسِدُ) عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ عُمْرَتَهُ الَّتِي لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَرْكَانَهَا، وَكَذَا (الْحَجُّ) إنْ وَقَعَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ إنْ وَقَعَ بَعْدَ إفَاضَةٍ وَعَقَبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ.
(وَيُفْسِدُ) مَغِيبُ الْحَشَفَةِ سَائِرَ أَنْوَاعِ (الصَّوْمِ) مِنْ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَلَوْ وَقَعَ عَلَى جِهَةِ النِّسْيَانِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي عَمْدِهِ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ أَوْ الْقَضَاءُ فَقَطْ فِي غَيْرِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا هَذَا مَعَ الْعَمْدِ، وَأَمَّا مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا قَضَاءَ إلَّا فِي الْفَرْضِ عَلَى طَرِيقِ خَلِيلٍ وَلَفْظُهُ: وَقَضَاءٌ فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتٍّ إلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ عَلَامَةِ الِانْقِطَاعِ فَقَالَ: (وَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ) الْحَائِضُ (الْقَصَّةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ (الْبَيْضَاءَ) أَيْ الْمَاءَ الْأَبْيَضَ الَّذِي يَخْرُجُ آخِرَ الْحَيْضِ كَالْجِيرِ، لِأَنَّ الْقَصَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقَصِّ وَهُوَ الْجِيرُ، وَقِيلَ الْقَصَّةَ مَا يُشْبِهُ الْعَجِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (تَطَهَّرَتْ) جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ إنْ رَأَتْ الْقَصَّةَ عِنْدَ وَقْتِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ.
(وَكَذَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ) وَهُوَ عَلَامَةٌ ثَانِيَةٌ لِلطُّهْرِ وَمَعْنَاهُ: أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ خِرْقَةً فِي فَرْجِهَا فَتَخْرُجُ جَافَّةً لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّمِ، وَلَا يَضُرُّ بَلَلُهَا بِغَيْرِ الدَّمِ كَرُطُوبَةِ الْفَرْجِ إذْ لَا يَخْلُو عَنْهَا غَالِبًا.
(تَطَهَّرَتْ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ (مَكَانَهَا) إنْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي رَأَتْ عَلَامَاتِ الطُّهْرِ فِي وَقْتِهَا أَوْ طَلَبَ زَوْجُهَا مُوَاقَعَتَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْ دَعَاهَا أَبَوَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا إلَى مَا يُوجِبُ تَأْخِيرَ غُسْلِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا بِرُّ زَوْجَهَا قَبْلَ بِرِّ أَبَوَيْهَا، لِأَنَّ حَقَّ زَوْجِهَا أَوْكَدُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ عَلَى حَقِّهِمَا لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، كَمَا تُقَدِّمُ الْغُسْلَ عَلَى سَائِرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ مَثَلًا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِوَاءُ الْعَلَامَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُعْتَادَةِ وَالْمُبْتَدَأَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَصَّةُ أَبْلَغُ، فَكُلُّ مَنْ رَأَتْهَا تَتَطَهَّرُ سَرِيعًا وَلَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا وَلَوْ اعْتَادَتْهُ، وَأَمَّا مَنْ رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوَّلًا فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةَ الْقَصَّةِ أَوْ هِيَ وَالْجُفُوفِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا انْتِظَارُ الْقَصَّةِ لِآخِرِ الْمُخْتَارِ، وَأَمَّا مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ فَقَطْ إذَا أَتَاهَا فَلَا يُنْدَبُ لَهَا انْتِظَارُهَا، وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَطْهُرُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
الثَّانِي: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ عَلَامَةِ الطُّهْرِ إذَا تَوَهَّمَتْ انْقِطَاعَ حَيْضِهَا إلَّا عِنْدَ

سَاعَةٍ

ثُمَّ إنْ عَاوَدَهَا دَمٌ أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَرَكَتْ الصَّلَاةَ ثُمَّ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى يَبْعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ عَشَرَةٍ فَيَكُونُ حَيْضًا مُؤْتَنَفًا

، وَمَنْ تَمَادَى بِهَا

[الفواكه الدواني]

نَوْمِهَا وَعِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ بِرُؤْيَتِهَا عِنْدَ النَّوْمِ تَعْرِفُ حُكْمَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ تَعْرِفُ حُكْمَ صَلَاةِ النَّهَارِ، وَإِذَا رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ غُدْوَةً وَشَكَّتْ هَلْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ صَلَاةِ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ أَنَّهُ انْقَطَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَبْقَى مَا يَسَعُ الطُّهْرَ وَجَمِيعَ الْأُولَى وَرَكْعَةً مِنْ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ تَصُومُ يَوْمَهَا إذَا كَانَ رَمَضَانَ وَتَقْضِيه، وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَإِنْ كَانَتْ رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِحَيْثُ تُدْرِكَ الْغُسْلَ وَرَكْعَةً قَبْلَ الطُّلُوعِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَإِلَّا سَقَطَتْ، كَمَا لَوْ شَكَّتْ هَلْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَحَيْثُ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الِانْقِطَاعِ فِي وَقْتِ نِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَسُقُوطُ الصَّلَاةِ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ أَدَاءً وَقَضَاءً، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّمَا يَمْنَعُ أَدَاءً لَا قَضَاءً.
وَلَمَّا كَانَتْ الْحَائِضُ تُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا عَلَامَةَ الطُّهْرِ قَالَ: (رَأَتْهُ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَصَّةِ أَوْ الْجُفُوفِ (بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَةٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَائِضَ مَتَى رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ اسْتِمْرَارِهِ نَازِلًا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَةً لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ مِنْهُ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِ فَحَدُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِمَنْ تَمَادَى بِهَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ فَلَهُ حَدٌّ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّهِ وَهُوَ الْقَطْرَةُ وَلَا حَدَّ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ فَيُرْجَعُ فِي أَقَلِّهِ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ؟ وَلَا يُكْتَفَى فِي بَابِ الْعِدَّةِ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْقَطْرَةِ لِلْأَنْسَابِ بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا لِمَحْضِ حَقِّ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ تَقَطَّعَ حَيْضُهَا: (ثُمَّ إنْ عَاوَدَهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ الَّتِي رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ قَبْلَ تَمَامِ عَادَتِهَا (دَمٌ) وَلَوْ قَطْرَةً (أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَرَكَتْ الصَّلَاةَ) وَالصَّوْمَ وَالطَّوَافَ لِأَنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَائِضَ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الْحَيْضُ وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ طُهْرِهَا فَإِنَّهَا تَجْعَلُهُ حَيْضًا وَتَضُمُّهُ لِمَا قَبْلَهُ سَوَاءً، لِأَنَّ النَّازِلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ دَمًا خَالِصًا أَوْ صُفْرَةً وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي يُشْبِهُ الصَّدِيدَ وَتَعْلُوهُ صُفْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَهُوَ الدَّمُ الْكُدْرِيُّ الَّذِي يُشْبِهُ غُسَالَةَ اللَّحْمِ، وَتَتْرُكُ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا حَائِضٌ حَقِيقَةً (ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا) مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ مُعَاوَدَتِهِ (اغْتَسَلَتْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُ الْغُسْلِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ تَعْلَمَ بِنَحْوِ أَمَارَةٍ أَنَّهُ يُعَاوِدُهَا فِي وَقْتِهَا الَّذِي رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ فِيهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّتِي عَاوَدَهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ أَيَّامِ نُزُولِ الدَّمِ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ فَهِيَ فِي حُكْمِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ) أَيْ الدَّمُ الْأَوَّلُ وَاَلَّذِي عَاوَدَهَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ الطُّهْرِ تَكُونُ زَمَنَ الطُّهْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ طَاهِرًا حَقِيقَةً يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ فَلَيْسَتْ أَيَّامُ الِانْقِطَاعِ (كَدَمٍ وَاحِدٍ) مُتَّصِلٍ (فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ) وَلَا نَظَرَ لِزَمَنِ الِانْقِطَاعِ بَلْ يَنْزِلُ الْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الدَّمِ، مِثَالُهُ فِي الْعِدَّةِ أَنْ تَحِيضَ الْمَرْأَةُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَتَغْتَسِلُ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ يُعَاوِدُهَا الدَّمُ بِالْقُرْبِ فَيُجْبَرُ مُطَلِّقُهَا عَلَى رَجْعَتِهَا لِأَنَّهُ كَالْمُطَلِّقِ زَمَنَ سَيْلَانِ الدَّمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ، وَقَالَ خَلِيلٌ فِي بَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ: وَمَنَعَ فِيهِ وَوَقَعَ وَأُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلَوْ لِمُعَاوَدَةِ الدَّمِ لِمَا يُضَافُ فِيهِ لِلْأَوَّلِ عَلَى الْأَرْجَحِ وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ لِلْحَيْضِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ فَفِيهِ إشْكَالٌ عَوِيصٌ، لِأَنَّ الْأَمَةَ الْمُسْتَبْرَأَةَ أَوْ الْمُتَوَاضِعَةَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهَا، وَإِذَا طَهُرَتْ الْمُسْتَبْرَأَةُ أَوْ الْمُتَوَاضِعَةُ وَلَوْ بَعْدَ يَوْمٍ حَلَّتْ لِمُشْتَرِيهَا، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ الثَّانِي كَجُزْءِ الْأَوَّلِ لَمْ تَحِلَّ لِمُشْتَرِيهَا بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْأَوَّلِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي السَّيِّدِ إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ حُصُولِ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا حَتَّى يُعَاوِدَهَا وَيَمْضِيَ مَا هُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْعَوِيصُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الشَّدِيدُ الْقَوِيُّ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: عَوِصَ الْكَلَامُ اشْتَدَّ، وَالْعَوِيصُ مِنْ الشَّعْرِ مَا يَصْعُبُ، وَأَمَّا الْغَوِيصُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ النَّازِلُ يُقَالُ: غَاصَ فِي الْأَرْضِ نَزَلَ فِيهَا.
وَلَمَّا كَانَ جَعْلُ الدَّمِ الثَّانِي مِنْ جُمْلَةِ الْأَوَّلِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ مُضِيِّ طُهْرٍ قَالَ: (حَتَّى يَبْعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ)

الدَّمُ بَلَغَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَتَطَهَّرُ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا

وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ وَإِنْ كَانَ قُرْبَ الْوِلَادَةِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ جَلَسَتْ سِتِّينَ لَيْلَةً ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً تُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُوطَأُ.

[الفواكه الدواني]

بِمُضِيِّ مُدَّةِ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهَا فَعِنْدَ سَحْنُونٍ (مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ) مِثْلُ (عَشَرَةِ أَيَّامٍ) عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مُدَّةِ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ، فَأَوْفَى كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ (فَيَكُونُ) الثَّانِي (حَيْضًا مُؤْتَنَفًا) وَلَا يُضَمُّ لِلْأَوَّلِ.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْحَائِضَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عَقِبَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا وَلَوْ رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْحَيْضِ بِالْقُرْبِ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ انْقِطَاعِهِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ) أَيْ اسْتَمَرَّ نَازِلًا عَلَيْهَا أَوْ انْقَطَعَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ عَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ عَاوَدَهَا وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ (بَلَغَتْ) جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ مَكَثَتْ تَارِكَةً لِلْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَيْثُ اسْتَمَرَّ نَازِلًا (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) حَيْثُ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
(ثُمَّ هِيَ) أَيْ الَّتِي اسْتَمَرَّ الدَّمُ نَازِلًا عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى الْخَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا (مُسْتَحَاضَةٌ) أَيْ لَا تَعُدُّ الْخَارِجَ مِنْهَا حَيْضًا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ زَمَنًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَتَطَهَّرَ) عِنْدَ تَمَامِ الْخَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا (وَتَصُومَ وَتُصَلِّيَ وَيَأْتِيهَا) أَيْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا (زَوْجُهَا) وَلَوْ بِالْوَطْءِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ عِنْدَنَا طَاهِرٌ حَقِيقَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَصِيرُ هَذَا الدَّمُ كَالسَّلَسِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ إنْ فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ قَدَرَتْ عَلَى رَفْعِهِ إلَّا أَنْ تُمَيِّزَ بَعْدَ مُدَّةِ الطُّهْرِ وَإِلَّا كَانَ حَيْضًا.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ بَعْدَ طُهْرٍ ثُمَّ حَيْضٍ: وَلَا تَسْتَظْهِرُ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا أَنْ يَدُومَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي مَيَّزَتْهَا وَيَزِيدَ عَلَى عَادَتِهَا فَتَسْتَظْهِرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَوْ مُعْتَادَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مُعْتَادَةِ أَقَلَّ مِنْهَا يَسْتَمِرُّ الدَّمُ نَازِلًا عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُعْتَادَةِ ثَلَاثَةً اسْتِظْهَارٌ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا مَا لَمْ تُجَاوِزْهُ ثُمَّ هِيَ طَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَمَرَّ نَازِلًا فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ بَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ثُمَّ زَادَ فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ الْعَادَتَيْنِ زَمَنًا لَا وُقُوعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْأَكْثَرُ سَابِقًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَمُدَّةُ الِاسْتِظْهَارِ تَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادَةِ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ (تَنْبِيهٌ) : قَيَّدْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِغَيْرِ الْحَامِلِ، لِأَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ وَتَزِيدُ أَيَّامُ حَيْضُهَا عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ كِبَرِ الْحَمْلِ وَصِغَرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي السَّابِعِ فَمَا بَعْدَهُ إلَى غَايَةِ حَمْلِهَا فَإِنَّهُ إنْ اسْتَمَرَّ نَازِلًا عَلَيْهَا تَمْكُثُ عَشْر يَوْمًا وَنَحْوَهَا كَالثَّلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الثَّالِثِ أَوْ السَّادِسِ وَمَا بَيْنَهُمَا تَمْكُثُ عِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْحَامِلِ، وَلَا تَسْتَظْهِرُ الْحَامِلُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْأُجْهُورِيُّ

. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْحَيْضِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ النِّفَاسِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ وَشَرْعًا دَمٌ أَوْ صُفْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ يَخْرُجُ لِلْوِلَادَةِ بَعْدَهَا أَوْ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ فَقَالَ: (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ) بِالْمَدِّ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي وَلَدَتْ ثُمَّ رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوْ الْجُفُوفَ عَقِبَ الدَّمِ (وَإِنْ كَانَ) انْقِطَاعُهُ (قُرْبَ الْوِلَادَةِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ زَمَنِهِ كَالْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ وَهُوَ قَطْرَةٌ كَالْحَيْضِ أَيْضًا.
(وَ) مَفْهُومُ انْقَطَعَ (إنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ حَسَبَتْ سِتِّينَ لَيْلَةً) بِأَيَّامِهَا لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ.
(ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ نَازِلًا عَلَيْهَا (اغْتَسَلَتْ وَكَانَتْ) أَيْ وَصَارَتْ (مُسْتَحَاضَةً تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ) وَلَا تُبَالِي بِهَذَا الْخَارِجِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالسَّلَسِ وَلَا تَسْتَظْهِرُ النُّفَسَاءُ، وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ السِّتِّينَ يَوْمًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً، بِخِلَافِ الْحَائِضِ إنَّمَا تُلَفِّقُ عَادَتِهَا فَقَطْ وَتَسْتَظْهِرُ وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً تُلَفِّقُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَإِنْ وَضَعَتْ الثَّانِيَ دَاخِلَ السِّتِّينَ وَقَبْلَ تَمَامِ طُهْرٍ فَلَهُمَا نِفَاسٌ وَاحِدٌ تَغْتَسِلُ بَعْدَ السِّتِّينَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ وَضَعَ الثَّانِيَ عَنْ السِّتِّينَ أَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الطُّهْرِ فَلِكُلِّ نِفَاسٍ مُسْتَقِلٍّ، وَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَقَطَّعَ نِفَاسُهَا تُلَفِّقُ سِتِّينَ يَوْمًا كَمَا تُلَفِّق الْحَائِضُ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْمُعْتَادَةُ عَادَتَهَا فَمُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَكُونُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا كَانَ الثَّانِي نِفَاسًا مُؤْتَنَفًا (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ إلَخْ أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ النُّفَسَاءِ مِنْ تَأْخِيرِ الْغُسْلِ مَعَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِتَمَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُنَّ فَلْيُعَلَّمْنَ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ هَذَا التَّأْخِيرُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الِانْقِطَاعِ الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: لَوْ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ دَمٍ لَا غُسْلَ، عَلَيْهَا لِأَنَّهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

شَرَطَ فِي غُسْلِ النُّفَسَاءِ انْقِطَاعَ دَمِهَا فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا وَلَدَتْ بِدَمٍ وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ قَوْلَيْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا وُجُوبُ الْغُسْلِ وَتَنْوِي الطُّهْرَ مِنْ الْوِلَادَةِ.
1 - (خَاتِمَةٌ) : الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ يَمْنَعَانِ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَدُخُولَ الْمَسْجِدِ وَرَفْعَ الْحَدَثِ وَالصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَوُجُوبَهُمَا وَقَضَاءَ الصَّوْمِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَيَمْنَعَانِ الطَّلَاقَ وَإِنْ وَقَعَ، وَيَمْنَعَانِ إبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَرْأَةِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ بِحَائِلٍ، وَأَمَّا بِالرُّكْبَةِ فَمَا تَحْتَهَا أَوْ السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا فَلَا حُرْمَةَ وَلَوْ بِالْوَطْءِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ فَجَائِزٌ وَلَوْ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَغَايَةُ الْحُرْمَةِ حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَاءِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَلَا يَمْنَعَانِهَا مُدَّةَ السَّيْلَانِ مُطْلَقًا وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا جَنَابَةٌ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى: شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَمَا يُطْلَبُ تَطْهِيرُهُ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ.

[أَحْكَامِ النِّفَاسِ]

فصول الكتاب · 4 فصل · 422 صفحة
جارٍ التحميل