النَّخْلِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدُّورِ.
وَالْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنُ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ.
وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا إلَّا بِشَرْطٍ.
وَمَا هَلَكَ بِيَدِ أَمِينٍ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ.
وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ.
يَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ
[الفواكه الدواني]
ضَمَانِ الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ: (وَضَمَانُ الرَّهْنِ) إذَا عَرَضَ لَهُ تَلَفٌ أَوْ ضَيَاعٌ (مِنْ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَيْ يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَحُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ وَسَفِينَةٍ فِي حَالِ جَرْيِهَا.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ لَا إنْ كَانَ بِيَدِ أَمِينٍ.
ثَالِثُهَا: أَنْ لَا تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَغَيْرِ تَفْرِيطِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَهُ مُرْتَهِنٌ إنْ كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِكَحَرْقِهِ وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ أَوْ عَلِمَ احْتِرَاقَ مَحَلِّهِ إلَّا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحَرَّقًا، وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ يُغَابُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُرْتَهِنُ (مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) كَالْحَيَوَانِ وَلَوْ طَيْرًا وَكَالْعَقَارِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ الْحَصَادِ وَالْقَطْعِ، وَكَسَفِينَةٍ فِي مِرْسَاةٍ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ وَغَيْرُهُ لَا يَضْمَنُهُ الْعَمَلُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يُؤْخَذْ لِمَنْفَعَةِ رَبِّهِ فَقَطْ حَتَّى يَكُونَ كَالْوَدِيعَةِ، وَلَا لِمَنْفَعَةِ الْآخِذِ فَقَطْ حَتَّى يَكُونَ كَالْعَرَضِ، بَلْ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَوَسَّطَ فِيهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ إنْ ضَمِنَهُ وَهُوَ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا لَكِنْ بَعْدَ حَلِفِهِ وَلَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ إنْ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ عِنْدَ دَعْوَى التَّلَفِ، أَوْ أَنَّهُ ضَاعَ عِنْدَ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ مَعَ غُرْمِ قِيمَتِهِ مَخَافَةَ إخْفَائِهِ، وَإِذَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الضَّمَانِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ نُصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ غَايَةَ ضَمَانِ الرَّهْنِ، وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَمَرَّ ضَمَانُهُ إنْ قَبَضَ الدَّيْنَ أَوْ وَهَبَ إلَّا أَنْ يَحْضُرَهُ لِرَبِّهِ أَوْ يَدْعُوَهُ لِأَخْذِهِ فَيَقُولَ اُتْرُكْهُ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ بَعْدَ بَرَاءَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى ضَاعَ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ رَبِّهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهُ عِنْدَك أَمْ لَا، أَوْ دَعَاهُ لِأَخْذِهِ فَقَالَ لَهُ: اُتْرُكْهُ عِنْدَك فَضَاعَ فَضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي الْحَالَتَيْنِ كَالْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَةُ مُصِيبَتُهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا مِنْ رَبِّهَا.
[مُسْتَحِقّ غَلَّةَ الرَّهْنِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُسْتَحِقِّ غَلَّةَ الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ: (وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الرَّهْنِ) بَاقِيَةٌ (لِلرَّاهِنِ) وَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً يَوْمَ عَقْدِ الرَّهْنِيَّةِ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ ثَمَرَةِ الرَّهْنِ (غَلَّةُ الدُّورِ) لِلرَّاهِنِ وَكَذَا كِرَاءُ نَحْوِ الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ إدْخَالُ مَا ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ وَإِلَّا دَخَلَ.
وَلَمَّا كَانَ وَلَدُ الرَّهْنِ مُخَالِفًا لِغَلَّتِهِ قَالَ: (وَالْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنِ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ) وَمِثْلُ الْأَمَةِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ رَهَنَ أَمَةً حَامِلًا كَانَ مَا فِي بَطْنِهَا وَمَا تَلِدُ بَعْدَ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَهَا، وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِهِ فِي الرَّهْنِيَّةِ لَا يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ، وَكَذَلِكَ نِتَاجُ الْحَيَوَانِ، وَمِثْلُ الْوَلَدِ فِي الدُّخُولِ فِي الرَّهْنِيَّةِ الصُّوفُ التَّامُّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَانْدَرَجَ صُوفٌ تَمَّ وَجَنِينٌ وَفَرْخُ نَخْلٍ لَا غَلَّةٌ وَثَمَرَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ أَنَّ الصُّوفَ التَّامَّ سِلْعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ وَقْتَ الرَّهْنِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى إدْخَالِهِ فِي الرَّهْنِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: تَلِدُهُ تَحْمِلُ بِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ تَضَعُهُ لِدُخُولِ الْجَنِينِ يَوْمَ الرَّهْنِيَّةِ، وَإِنَّمَا احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِيَّةِ عَنْ الَّذِي انْفَصَلَ عَنْهَا قَبْلَ الرَّهْنِيَّةِ فَلَا يَدْخُلُ.
وَمِثْلُ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ فِي عَدَمِ الدُّخُولِ مَالُ الْعَبْدِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ) الْمَرْهُونِ (رَهْنًا) مَعَهُ (إلَّا بِشَرْطِ) دُخُولِهِ فِي الرَّهْنِ فَيَدْخُلُ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ، كَانَ مَالُهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، وَمِثْلُ مَالِ الْعَبْدِ بِيضُ الطَّيْرِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِالشَّرْطِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَيَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ شَرْطُ مَنْفَعَتِهِ إنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ لَا قَرْضٍ، وَاشْتِرَاطُهَا فِيهِ تَفْصِيلٌ، لِأَنَّهُ تَارَةً يَشْتَرِطُ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَهَا مَجَّانًا، وَتَارَةً يَشْتَرِطُ أَخْذَهَا لِتُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ اُشْتُرِطَتْ لِتُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجَلِ يَدْفَعُهُ أَوْ يَتْرُكُهُ لَهُ الرَّاهِنُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَيْئًا مُؤَجَّلًا فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَ أَخْذَهَا مَجَّانًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ اشْتَرَطَ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَعُيِّنَتْ مُدَّتُهَا، فَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ امْتَنَعَ لِأَنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَخْذُهَا مَجَّانًا فِي دَيْنِ الْقَرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ فِي عَقْدِهِ أَوْ تَطَوَّعَ بِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَلَّةٍ غَيْرِ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا إلَّا مَجَّانًا وَلَا فِي الدَّيْنِ، لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَأَمَّا لَوْ بَدَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ طَعَامًا وَالْمُؤَجَّرُ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا لَا مَجَّانًا لِأَنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ؛ وَلَا مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ اقْتِضَاءِ طَعَامٍ عَنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ، وَاقْتِضَاءِ طَعَامٍ عَنْ أُجْرَةِ الزِّرَاعَةِ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ.
وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ شَرْطَ ضَمَانِ الرَّهْنِ كَوْنُهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ ذَكَرَ مُحْتَرَزَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا هَلَكَ) مِنْ الرَّهْنِ الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
(بِيَدِ أَمِينٍ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ) كَضَمَانِهِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ.
(خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَابِ) مِنْهَا: إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ رَدَّ الرَّاهِنِ إلَى الرَّهْنِ وَقَبَضَ دِيَتَهُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ الرَّدَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْضُهُ بِبَيِّنَةٍ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَظَاهِرُهُ قَبَضَ الدَّيْنَ أَمْ لَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ رَدَّ الرَّهْنِ كَدَعْوَى الْمُسْتَعِيرِ رَدَّ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا يَضْمَنُهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى حَائِزٌ عَبْدَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ لِغَيْرِهِ أَنَّهُمَا رَهْنٌ وَقَالَ رَبُّهُمَا بَلْ أَحَدُهُمَا صَدَقَ، بِخِلَافِ لَوْ ادَّعَى حَائِزٌ عَبْدًا رُهِنَ جَمِيعُهُ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ نِصْفُهُ صَدَقَ حَائِزُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ وَمِنْهَا: لَوْ أَتَى الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ وَادَّعَى أَنَّهُ لِلرَّاهِنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ هُوَ غَيْرُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ.
[بَاب الْعَارِيَّةِ]
وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَحْكَامِ الرَّهْنِ، شَرَعَ فِي تَالِيهِ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ سَادِسُ الْأَبْوَابِ وَهُوَ بَابُ الْعَارِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْعَارِيَّةُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا اسْمُ مَصْدَرٍ وَالْمَصْدَرُ إعَارَةٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ أَعَارَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الشَّيْءُ الْمُعَارُ، وَحَقِيقَةُ الْعَارِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ، فَيَخْرُجُ تَمْلِيكُ الذَّاتِ وَتَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ، لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَقَوْلُهُ: مُؤَقَّتَةٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِتَدَخُّلِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِإِخْرَاجِ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ مَنْفَعَةَ سَيِّدِهِ فَلَيْسَتْ بِعَارِيَّةٍ وَلِإِخْرَاجِ الْحُبُسِ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ التَّأْبِيدُ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ: وَالْعَارِيَّةُ إلَخْ فَهِيَ مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مُؤَدَّاةٌ) أَيْ مَضْمُونَةٌ، وَقِيلَ مَرْدُودَةٌ لِخَبَرِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْعَارِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ فِي حُكْمِهَا وَهُوَ النَّدْبُ هَذَا حُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ، وَتَتَأَكَّدُ فِي الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ لِمَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَطَلَبَهُ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْهِلَالَ بِتَرْكِهِ، كَكِسَاءٍ فِي زَمَنِ شِدَّةِ بَرْدٍ، وَالْحُرْمَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَالْكَرَاهَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَالْإِبَاحَةُ إذَا أَعَانَ بِهَا غَنِيًّا، دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دِرْعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ لَهُ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» . وَفِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْمِنْحَةُ الشَّاةُ أَوْ نَحْوُهَا تُعَارُ لِأَخْذِ لَبَنِهَا.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ شُيُوخُ الْمَذْهَبِ.
الثَّانِي: مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ أَرْكَانِهَا الْأَرْبَعَةِ الْمُعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَمَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي يُرِيدُ الْإِعَانَةَ بِهَا وَلَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ اسْتِعَارَةٍ، لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يُعِيرَ إنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْمُعِيرُ لَهُ وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ، كَأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَسْمَحَ بِإِعَارَتِهَا لِغَيْرِ هَذَا الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ شَرْعًا انْتِفَاعُهُ بِالْعَارِيَّةِ، فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ، أَوْ الْغُلَامِ الْمُسْلِمِ لِخِدْمَةِ الْكَافِرِ، وَالشَّيْءُ الْمُعَارُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ ذَاتِهِ كَالْكِتَابِ وَالثَّوْبِ وَالْبَيْتِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالنَّقْدِ فَلَا يُعَارَانِ لِأَنَّهُمَا يُسْتَهْلَكَانِ عِنْدَ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَإِنَّمَا يُقْرَضَانِ، وَأَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهُ مُبَاحَةً لِلْمُسْتَعِيرِ، فَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ أَوْ الزَّوْجَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهِمَا، وَلَا الْأَمَةُ لِخِدْمَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، أَوْ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ فَرْعُ الْمِلْكِ، وَمِلْكُهَا لَا يَسْتَقِرُّ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُعِيرَتْ الْأَمَةُ أَوْ الْعَبْدُ لِمَنْ يُعْتَقَانِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ الْعَارِيَّةُ وَيَمْلِكَانِ خِدْمَتَهُمَا تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ وَلَا الْمُسْتَعِيرُ، وَمَا بِهِ الْعَارِيَّةُ وَهِيَ الصِّيغَةُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تُفْهَمُ مِنْهُ الْعَارِيَّةُ، ثُمَّ إنْ قُيِّدَتْ بِزَمَنٍ فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِهَا لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَهُوَ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِزَمَنٍ، فَاللَّازِمُ مَا تُعَارُ لِمِثْلِهِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لِانْقِضَائِهِ وَإِلَّا فَالْمُعْتَادَةُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: مُؤَدَّاةٌ بِمَعْنَى مَضْمُونَةٍ ضَمَانُهَا مُطْلَقًا وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (يَضْمَنُ) الْمُسْتَعِيرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَارِيَّةِ (مَا يُغَابُ عَلَيْهِ) أَيْ يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَالْحُلِيِّ وَالْكِتَابِ وَالثِّيَابِ وَالسَّفِينَةِ السَّائِرَةِ إذَا ادَّعَى تَلَفَ أَوْ ضَيَاعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، إلَّا أَنْ تَشْهَدَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ فَلَا ضَمَانَ
دَابَّةٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى.
وَالْمُودَعُ إنْ قَالَ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَيْك صَدَقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ.
وَإِنْ قَالَ ذَهَبْت فَهُوَ مُصَدَّقٌ
[الفواكه الدواني]
عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلَّا لِبَيِّنَةٍ، وَهَلْ وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ تَرَدَّدَ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ نَفْيَ الضَّمَانِ، لِأَنَّ الْإِعَارَةَ مَعْرُوفٌ وَإِسْقَاطَ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ، وَمِثْلُ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ التَّلَفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَسُوسٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ قَرْضِ فَأْرٍ لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا يَنْقُصُهَا الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ بَعْدَ الْحَلِفِ، لَقَدْ ضَاعَتْ ضَيَاعًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إخْفَائِهَا رَغْبَةً فِي أَخْذِهَا بِقِيمَتِهَا، فَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَنَقَصَتْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا مَعَ مُرَاعَاةِ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ.
الثَّانِي: إذَا غَرِمَ الْمُسْتَعِيرُ الْقِيمَةَ ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ اللِّصِّ فَإِنَّهَا تَكُونُ حَقًّا لِلْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا لِغُرْمِ قِيمَتِهَا، وَمِثْلُ الْمُسْتَعِيرِ الْحَيَّاكُ وَالْخَيَّاطُ وَالصَّبَّاغُ يَدَّعُونَ الضَّيَاعَ وَيَغْرَمُونَ قِيمَةَ مَا ضَاعَ ثُمَّ يُوجَدُ فَإِنَّهُ يَكُونُ حَقًّا لَهُمْ، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ كَالْغَاصِبِ يَدَّعِي ضَيَاعَ أَوْ تَلَفَ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُسْتَعِيرُ (مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ (مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) كَبَقَرَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ بِمِرْسَاةٍ وَلَوْ شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ قَالَ خَلِيلٌ: لَا غَيْرُهُ وَلَوْ بِشَرْطٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَالضَّيَاعِ بِغَيْرِ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ تَشْهَدُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) عَلَيْهَا بِأَنَّ حَمْلَهَا أَضَرَّ مِمَّا اسْتَعَارَهَا لَهُ وَلَوْ أَقَلُّ قَدْرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ فَلَا ضَمَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِعْلُ الْمَأْذُونِ وَمِثْلُهُ وَدُونِهِ لَا أَضَرَّ، وَجَوَازُ فِعْلِ الْمِثْلِ جَائِزٌ وَلَوْ فِي الْمَسَافَةِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْعُدُولُ عَنْ الْمَسَافَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا وَإِنْ سَاوَتْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُكْرِي لِمَا فِي الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَهُوَ يَجُوزُ، وَإِذَا ثَبَتَ تَعَدِّيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا بَعْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ، وَنَظِيرُهُ وَلَوْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا جَدِيدًا لِلُبْسِهِ ثُمَّ يَدَّعِي ضَيَاعَهُ سَرِيعًا دُونَ ثُبُوتٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ بَعْدَ لُبْسِهِ شَهْرًا كَمَا أَشَرْنَا لِذَلِكَ قَبْلُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِحَمْلِ شَيْءٍ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ: وَحُكْمُهُ إذَا زَادَ مَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارَيْنِ أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ يَأْخُذُ كِرَاءَ الزَّائِدِ فَقَطْ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ عَشَرَةٌ، قِيلَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِي جَمِيعِ مَا حُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الزَّائِدِ وَغَيْرِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دَفَعَ لِلْمُعِيرِ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي فَاللَّازِمُ الْقِيمَةُ هَكَذَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا لَوْ سَلِمَتْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ أَوْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ وَسَلِمَتْ أَوْ عَطِبَتْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُعِيرِ إلَّا كِرَاءَ الزَّائِدِ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ مَعَ قِيَامِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَإِنَّ الْخِيَارَ فِيهِ لِلْمُعِيرِ، إنْ شَاءَ يَأْمُرُ الْمُسْتَعِيرَ بِقَلْعِهِمَا وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، أَوْ يَدْفَعُ لَهُ قِيمَتَهُمَا مَقْلُوعَيْنِ بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا الْمُسْتَعِيرُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغَرَسَهَا أَوْ بَنَاهَا.
[بَاب الْوَدِيعَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْعَارِيَّةِ شَرَعَ فِي سَابِعِ الْأَبْوَابِ وَهُوَ بَابُ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] أَيْ مَا تَرَكَ عَادَةَ إحْسَانِهِ فِي الْوَحْيِ إلَيْك وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْأَسْمَى لُغَةً الْأَمَانَةُ، وَاصْطِلَاحًا مَالٌ وَكُلٌّ عَلَى حِفْظِهِ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَقَالَ خَلِيلٌ: الْإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ فَيَدْخُلُ إيدَاعُ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَبِ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ لِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الضَّمَانِ، وَأَيْضًا الْحُرُّ لَا يُقَالُ لَهُ مَالٌ، وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَمَةِ مُدَّةَ الْمُوَاضَعَةِ عِنْدَ أَمِينَةٍ، لِأَنَّ وَضْعَهَا لَمْ يَكُنْ لِحِفْظِهَا وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِخْبَارِ بِحَيْضِهَا، وَقَوْلُهُ يُنْقَلُ تَقْتَضِي إخْرَاجَ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ الَّتِي لَمْ تَقْبَلْ النَّقْلَ حِسًّا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْإِيدَاعَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَا يُنْقَلُ حِسًّا، فَيَكُونُ الْإِيدَاعُ فِيهِ لِيَحْفَظَهُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ مِمَّنْ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْإِيدَاعِ فِي الْأَصْلِ الْجَوَازُ لِلْفَاعِلِ وَالْقَابِلِ، وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ كَخَائِفٍ فَقْدَهَا الْمُوجِبِ لِهَلَاكِهِ أَوْ فَقْرِهِ إنْ لَمْ يُودِعْهَا مَعَ وُجُودِ قَابِلٍ لَهَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا، وَالْحُرْمَةُ كَإِيدَاعِ الْغَاصِبِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَحْدِهَا لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ مُسْتَغْرِقَ الذِّمَّةِ، لِأَنَّ عِيَاضًا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ بِضَمِّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَنَدْبِهَا حَيْثُ يَخْشَى
بِكُلِّ حَالٍ.
وَالْعَارِيَّةُ لَا يُصَدَّقُ فِي هَلَاكِهَا فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ ضَمِنَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ دَنَانِيرَ فَرَدَّهَا فِي
[الفواكه الدواني]
مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَكَرَاهَتُهَا حَيْثُ يَخْشَى مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] وَخَبَرُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ وَمِنْ عَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الْخِيَانَةُ فَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ وَعَمَلِ الْفُسَّاقِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُسْنِ الْإِيدَاعِ وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ، وَالْمُودَعُ بِالْفَتْحِ، وَشَرْطُهُمَا أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ لِيَشْمَلَ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَوَكَّلُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدٍ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فَلَا يُودَعَانِ وَلَا يَسْتَوْدِعَانِ، لَكِنْ إنْ أَوْدَعَاك شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْك يَا رَشِيدُ حِفْظُهُ، وَإِنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُمَا فَأَتْلَفَا أَوْ فَرَّطَا لَمْ يَضْمَنَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا أَوْ فَرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَالثَّالِثُ الشَّيْءُ الْمُودَعُ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ وَلَوْ عَقَارًا، وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ شَرْطٌ وَقِيلَ رُكْنٌ رَابِعٌ وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْحِفْظِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ، حَتَّى لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ مَتَاعَهُ عِنْدَ جَالِسٍ رَشِيدٍ بَصِيرٍ سَاكِتٍ وَذَهَبَ الْوَاضِعُ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ حِفْظُهُ بِحَيْثُ يَضْمَنُهُ إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ حَتَّى ضَاعَ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالْإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْمَنَ إنْ فَرَّطَ فَقَالَ: (وَالْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ (إنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْك) يَا مُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ (صَدَقَ) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمَانَةِ عَدَمُ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ الْمُتَّهَمُ أَيْ الَّذِي يُظَنُّ فِيهِ التَّسَاهُلُ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنْ وَكَّلَ حَلَفْت يَا مُودِعُ إنْ حَقَّقْت عَلَيْهِ الدَّعْوَى كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا وَتُضَمِّنُهُ الْوَدِيعَةَ، وَهَذَا عَامٌّ فِي دَعْوَى الرَّدِّ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَدَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ وَلَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَلَا يَغْرَمُ إذَا نَكَلَ إلَّا بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى مُودِعٍ بِالْكَسْرِ، وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى فَلَا تُتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ اتَّهَمَ وَإِذَا نَكَلَ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَمَحَلُّ تَصْدِيقِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ) بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الرَّدِّ لِلْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ عَلَى يَدِ بَيِّنَةٍ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلتَّوَثُّقِ هِيَ الَّتِي يَقُولُ مُشْهِدُهَا: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَشْهَدْت خَوْفَ دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الْجَحْدِ، وَأَمَّا إشْهَادُهَا خَوْفَ الْمَوْتِ أَوْ خَوْفَ دَعْوَى التَّلَفِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّوَثُّقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ قَصْدُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ أَشْهَدَ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَأَمَّا لَوْ أَشْهَدَ مِنْ قَصْدِهِ وَفِي الْحَطَّابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا لِلتَّوَثُّقِ عِلْمُ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودَعَ بِالْكَسْرِ قَصَدَ بِهَا التَّوَثُّقَ، وَأَمَّا لَوْ أَشْهَدَ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لِزَيْدٍ مَثَلًا قَاصِدًا إشْهَادَهَا عَلَى قَبْضِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَإِشْهَادِهَا الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ كَإِشْهَادِهَا فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ.
(تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: رَدَدْتهَا عَلَيْك أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَدَدْتهَا لِوَالِدِك مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّ دَعْوَى الرَّدِّ لِلْيَدِ الَّتِي لَمْ تَدْفَعْ لَا تَنْفَعُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِك، وَالضَّابِطُ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ الْمُؤْتَمَنَةِ إذَا كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِلْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ عَلَى ذِي الْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَتْهُ أَوْ عَلَى وَارِثِهَا وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الضَّمَانُ،
وَلَمَّا كَانَتْ دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ مُخَالِفَةٌ لِدَعْوَى الرَّدِّ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ) مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ (ذَهَبَتْ) أَوْ ضَاعَتْ أَوْ هَلَكَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنِّي فِي حِفْظِهَا
(فَهُوَ مُصَدَّقٌ) فِيمَا ادَّعَاهُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا أَوْ حَقَّقَ عَلَيْهِ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ الدَّعْوَى وَالْمُتَّهَمُ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَفِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ لَا يَغْرَمُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (بِكُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ أَمْ لَا، كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا أَمْ لَا.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِدَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ، أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ، أَوْ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ سِنِينَ وَكُنْت أَرْجُوهَا، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ هَلَكَتْ بِتَقْصِيرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّهَا فِي إتْلَافِهَا أَوْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا، وَنَظِيرُهَا فِي الضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْنِي أَوْ اُقْتُلْ وَلَدِي، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: احْرِقْ ثَوْبِي وَاقْطَعْ يَدِي فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِذْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الْتِزَامُ حِفْظِهَا بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِذْنُ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْعَارِيَّةُ
صُرَّتِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ.
وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَالرِّبْحُ لَهُ إنْ كَانَتْ عَيْنًا.
وَإِنْ بَاعَ الْوَدِيعَةَ
[الفواكه الدواني]
تُخَالِفُ الْوَدِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَ قَالَ: (وَالْعَارِيَّةُ) مُخَالِفَةٌ لِلْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ (لَا يُصَدَّقُ فِي) دَعْوَى (هَلَاكِهَا) أَوْ ضَيَاعِهَا (فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَارِيَّةَ مُؤَدَّاةٌ أَيْ مَضْمُونَةٌ، وَإِنَّمَا أَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ وَإِنْ قَدَّمَهَا فِي الْعَارِيَّةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ) بِأَنْ حَرَقَهَا أَوْ دَلَّ لِصًّا عَلَيْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (ضَمِنَهَا) لِصَاحِبِهَا وَمِنْ التَّعَدِّي عَلَيْهَا إطْلَاقُ الْفَحْلِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَتَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَمِنْهُ نَقْلُهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ أَوْ لَهَا وَلَكِنْ لَمْ يَنْقُلْهَا نَقْلَ أَمْثَالِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا وَيَخْلِطُهَا إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ حَيْثُ وَقَعَ الْخَلْطُ بِالْمِثْلِ أَوْ غَيْرِهِ لِلْإِحْرَازِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ وَدِيعَةً إذْ غَيْرُهَا أَحْرَى فِي الضَّمَانِ بِالتَّعَدِّي مِنْ عَارِيَّةٍ وَرَهْنٍ وَغَيْرِهِمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ التَّعَدِّي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْإِتْلَافِ خِلَافًا لِظَاهِرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ مَتَى حَصَلَ الْإِتْلَافُ بِسَبَبِ مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ ضَمِنَهَا وَلَوْ خَطَأً.
قَالَ خَلِيلٌ: تُضَمْنَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا مِنْ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ كَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَأْتِي لِبَائِعِ الْفَخَّارِ وَيَقُولُ لَهُ: قَلِّبْ مَا يُعْجِبُك فَيَأْخُذُ شَيْئًا يُقَلِّبُهُ فَيَسْقُطُ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا عَلَى شَيْءٍ فَيُتْلِفُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَسْقُوطِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ السُّقُوطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ يَضْمَنُ بِبَعْثِهَا لِصَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَضْيِيعٍ مِنْ الرَّسُولِ وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا وَبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا وَبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ، أَوْ سَافَرَ بِهَا أَوْ يَسْتَعْمِلُهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَتَتْلَفُ، أَوْ أَمَرَهُ بِوَضْعِهَا فِي مَحَلٍّ فَخَالَفَ وَوَضَعَهَا فِي مَحَلٍّ غَيْرِ حِرْزٍ لَهَا، أَوْ تَكُونُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ إغْرَاءٌ لِلسَّارِقِ كَوَضْعِهَا فِي مَحَلٍّ عَلَيْهِ قُفْلَانِ.
الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِمَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ إيدَاعُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ لِأَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَمَانَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِمَّنْ اعْتَادَ الْإِيدَاعَ عِنْدَهُ كَزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ عُذْرٌ يَقْتَضِي الْإِيدَاعَ عِنْدَ الْغَيْرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْعُذْرِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ، كَمَا لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا مِثْلِيًّا (دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ) وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا.
(فَرَدَّهَا فِي صُرَّتِهَا) الْمُرَادُ مِثْلُهَا (ثُمَّ هَلَكَتْ) بَعْدَ دَعْوَاهُ رَدَّهَا (فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ) وَعَدَمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَجَمَاعَةٍ حَيْثُ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهًا بِأَنْ كَانَ مَلِيًّا حِينَ تَصَرُّفِهِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُعْدَمًا لَحُرِّمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهَا، كَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي الْوَدِيعَةِ الْمُقَوَّمَةِ كَعَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ وَحَرَامٌ، فَالْجَائِزُ التَّصَرُّفُ بِالْإِذْنِ مُطْلَقًا، وَالْحَرَامُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ حَيْثُ كَانَتْ مُقَوَّمَةً مُطْلَقًا أَوْ مِثْلِيَّةً وَهُوَ مُعْدَمٌ، وَإِذَا ادَّعَى رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهَا لِيَدِ صَاحِبِهَا، وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهَا عَلَى رَدِّهَا إلَى مَوْضِعِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَرِئَ إنْ رَدَّ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْجَائِزُ وَالْمُحَرَّمُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالسَّلَفِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِمَا لِيَدِ صَاحِبِهِمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالًا لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرَّدِّ إلَى مَحَلِّ الْوَدِيعَةِ إلَّا فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ بِخِلَافِ قِسْمَيْ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بِأَنَّ الْجَائِزَ وَالْمُحَرَّمَ صَارَا بِمَنْزِلَةِ الْقَرْضِ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمَضْمُونَ وَهُوَ الْمِثْلُ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَالْقِيمَةُ إنْ كَانَتْ مُقَوَّمَةً، وَالضَّمَانُ لَهَا فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُودَعُ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَضْمَنُهَا فِي ذِمَّتِهِ أَيْضًا، لَكِنْ يَدْفَعُهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَقَبِلَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَتَقَ لَا فِي رَقَبَتِهِ، إلَّا أَنْ يُسْقِطَ سَيِّدُهُ عَنْهُ ضَمَانَهَا بِأَنْ يَقُولَ: أَسْقَطْتهَا عَنْ عَبْدِي فَلَا يُتْبَعُ بِهَا وَلَوْ عَتَقَ لِأَنَّهُ عَيْبٌ أَسْقَطَهُ عَنْ عَبْدِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا هُوَ الْمُسَلِّطُ لَهُمَا عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَبُولُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، اللَّهُمَّ أَنْ يَصُونَا بِهَا مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِمَّا صَوَّنَّاهُ لَا إنْ تَلِفَ مَا صَوَّنَّاهُ وَاسْتَفَادَا غَيْرَهُ.
[حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ) عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا (فَذَلِكَ) الِاتِّجَارُ (مَكْرُوهٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُحَرَّمُ تَسَلُّفُهُمَا كَالْمُقَوَّمِ مُطْلَقًا وَالْمِثْلِيِّ لِلْمُعْدَمِ، أَوْ يُكْرَهُ كَالْمِثْلِيِّ لِلْمَلِيءِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالتِّجَارَةِ، بِأَنَّ الْمُتَسَلِّفَ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا بِصَرْفِهَا فِي مَصَالِحِهِ، وَالْمُتَّجِرَ قَصَدَ تَحْرِيكَهَا لِيَأْخُذَ رِبْحَهَا وَيَحْبِسَ رَأْسَ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ.
(وَ) إذَا اتَّجَرَ الْوَدِيعَةِ فَ (الرِّبْحُ لَهُ)
وَهِيَ عَرْضٌ فَرُبَّهَا مُخَيَّرٌ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي.
وَمَنْ وَجَدَ لُقْطَةَ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً بِمَوْضِعٍ يَرْجُو التَّعْرِيفَ بِهَا.
[الفواكه الدواني]
وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ (إنْ كَانَتْ عَيْنًا) دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لِأَنَّ ضَمَانَهَا زَمَنَ الِاتِّجَارِ مِنْهُ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مِنْ تَنَاوُلِ الْكَرَاهَةِ لِمَا يُحَرَّمُ تَسَلُّفُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ كَانَتْ عَيْنًا لَيْسَ شَرْطًا فِي الْكَرَاهَةِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ: وَالرِّبْحُ لَهُ.
وَأَشَارَ إلَى حُكْمُ غَيْرِ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ بَاعَ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ (الْوَدِيعَةَ) بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا (وَهِيَ عَرْضٌ) أَيْ غَيْرُ عَيْنٍ (فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ) عِنْدَ عَدَمِ فَوَاتِهَا (فِي) إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ (الثَّمَنِ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ وَعِنْدَ فَوَاتِهَا يَجِبُ لَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ.
(أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي) لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عِنْدَ قِيَامِهَا لَهُ الْإِجَازَةُ وَأَخْذُ الثَّمَنِ وَلَهُ رَدُّ الْبَيْعِ وَأَخْذُ سِلْعَتِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ فَوَاتِهَا فَيُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الْأَكْثَرِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، وَمِثْلُهُ كُلُّ مُتَعَدٍّ بِالْبَيْعِ عَلَى سِلْعَةِ غَيْرِهِ وَلَوْ غَاصِبًا، وَهَكَذَا حُكْمُ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ اتِّجَارٍ فِي ثَمَنِهَا، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهَا عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ فَفِي بَيْعِهَا تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ بَاعَهَا بِعَرْضٍ وَالْعَرْضُ بِعَرْضٍ وَهَلُمَّ جَرًّا فَلَا رِبْحَ لَهُ وَلَهُ الْأَجْرُ، وَإِنْ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ فَالرِّبْحُ الْكَائِنُ فِي ثَمَنِهَا لِرَبِّهَا، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُودِعَهُ سِلْعَةً اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ فَرَبُّهَا لَهُ إجَازَةُ الْبَيْعِ وَأَخْذُ الْعِشْرِينَ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ وَأَخْذُ سِلْعَتِهِ، وَبَعْدَ الْفَوَاتِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ يَوْمَ بَيْعِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ لَهُ الْأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِهِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُتَّجِرِ فِي الْعَرْضِ بِعَرْضٍ لَهُ الْأَجْرُ أَنَّ الْمُتَّجِرَ إنَّمَا فَعَلَ مَكْرُوهًا بِخِلَافِ هَذَا.
(تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الْمُودَعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرِّبْحِ عِنْدَ الِاتِّجَارِ بِالْعَيْنِ الْوَصِيُّ يَتَّجِرُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَهُ الرِّبْحُ وَعَلَيْهِ الْخُسْرُ، وَمِثْلُهُمَا أَيْضًا نَاظِرُ الْوَقْفِ يَتَّجِرُ فِي مَالِ الْوَقْفِ، إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّ وَالنَّاظِرَ يُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا التَّصَرُّفُ فِيمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمَا، وَمِثْلُ مَنْ ذَكَرَ الْغَاصِبَ لِدَرَاهِمَ وَاتَّجَرَ فِيهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ رَأْسُ الْمَالِ وَالرِّبْحُ لَهُ، لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ تَاجِرًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرَ لَمْ يَقْبِضْ الْمَالَ تَنْمِيَةً لِرَبِّهِ، بِخِلَافِ الْمُبَعِّضِ مَعَهُ وَالْمُقَارِضِ إذَا اتَّجَرَا بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا فَلَا رِبْحَ لَهُمَا بَلْ لِرَبِّ الْمَالِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ خُسْرٌ فَهُوَ عَلَيْهِمَا بِتَعَدِّيهِمَا.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) مَحَلُّ تَخَيُّرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ إلَخْ مَا لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْ يَبْلُغْهُ الْبَيْعُ وَيَسْكُتُ مُدَّةً بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا وَإِلْزَامُهُ لِلْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ كَمَا قَالُوهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ.
[بَاب اللُّقَطَة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي التَّالِي لِلْوَدِيعَةِ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ بَابُ اللُّقَطَةِ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ، وَالِالْتِقَاطُ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا بَلْ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ رَقِيقًا صَغِيرًا، وَسَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي الْعَمَارِ أَوْ الْخَرَابِ أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ وَعَلَيْهَا عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، لَا نَحْوُ عَنْبَرٍ وَعَقِيقٍ فَلِوَاجِدِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَالُ اللَّقِيطِ وَخَرَجَ بِمُحْتَرَمًا مَالُ الْحَرْبِيِّ فَلَيْسَ يَلْقُطُهُ بَلْ إمَّا فَيْءٌ أَوْ غَنِيمَةٌ، وَخَرَجَ الْآبِقُ الْكَبِيرُ فَلَا يُسَمَّى لُقَطَةً، كَمَا خَرَجَ آخِذُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى ضَالَّةَ الشَّيْءِ، فَالشَّيْءُ الْمُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: لُقَطَةٌ أَوْ لَقِيطٌ أَوْ آبِقٌ أَوْ ضَالَّةٌ، فَاللُّقَطَةُ تَقَدَّمَ حَدُّهَا، وَأَمَّا اللَّقِيطُ فَهُوَ صَغِيرُ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلَا رِقُّهُ، أَمَّا لَوْ عُلِمَ رِقُّهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ اللُّقَطَةُ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ الْآبِقُ وَجَدُّهُ رَقِيقٌ كَبِيرٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ، وَأَمَّا الضَّالَّةُ فَحَدُّهَا نَعَمٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ فَيَخْرُجُ مَا كَانَ يُحَرِّزُهُ أَوْ مَعَ مَنْ يَحْفَظُهُ فَلَيْسَ بِضَالَّةٍ فَقَالَ: (وَمَنْ وَجَدَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (لُقَطَةً) وَقَدْ مَرَّ تَعْرِيفُهَا لِابْنِ عَرَفَةَ، وَعَرَّفَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ وَإِنْ كَلْبًا وَفَرَسًا الْتَقَطَهَا.
(فَلْيُعَرِّفْهَا) وُجُوبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهُ.
(سَنَةً) حَيْثُ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ كَدَلْوٍ وَمِخْلَاةٍ وَدُرَيْهِمَاتٍ فَإِنَّهَا تُعَرَّفُ أَيَّامًا لَا سَنَةً عَلَى الرَّاجِحِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ الْحَقِيرُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النُّفُوسُ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ فَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ أَصْلًا وَيَجُوزُ لِوَاجِدِهِ أَكْلُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ رَبُّهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لِرَبِّهِ فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَهُ، وَمِثْلُهُ مَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ كَلَحْمٍ وَرُطَبٍ، وَبَيَّنَ مَحَلَّ التَّعْرِيفِ بِقَوْلِهِ: (بِمَوْضِعٍ يَرْجُو التَّعْرِيفَ بِهَا) أَيْ بِمَوْضِعٍ يَرْجُو وُجُودَ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا فِيهِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعْرِيفُهَا سَنَةً بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ، وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ إثْرَ الِالْتِقَاطِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَإِذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ فَفِي كُلِّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً، وَتَعْرِيفُهَا فِي الْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا، وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْإِبْهَامُ عِنْدَ التَّعْرِيفِ، فَلَا يَكُونُ نَوْعُهَا وَيُظَنُّ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَتِهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الشِّرْكِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ دَفْعُهَا الْعَالِمَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَإِنْ عَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَأْثَمْ، فَإِنْ أَخَّرَ تَعْرِيفَهَا حَتَّى تَلِفَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِدَفْعِهَا لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ لَمْ يَأْتَمِنْهُ رَبُّهَا عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَتَرَكَ الْكَلَامَ عَلَى حُكْمِ الِالْتِقَاطِ لَعَلَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُنَافِي لِغَرَضِهِ مِنْ الِاخْتِصَارِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِشَرْطَيْنِ: عِلْمُ أَمَانَةِ نَفْسِهِ وَخَوْفُ الْخَائِنِ، فَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ، وَأَمَّا إنْ
فَإِنْ تَمَّتْ سَنَةً وَلَمْ يَأْتِ لَهَا أَحَدٌ فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ.
وَإِنْ انْتَفَعَ بِهَا ضَمِنَهَا وَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكٍ لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَإِذَا عَرَفَ طَالِبُهَا الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَخَذَهَا.
وَلَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ ضَالَّةَ
[الفواكه الدواني]
لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَيُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ مَعَ عِلْمِهِ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا وَلَوْ خَافَ الْخَائِنُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ أَخْذُهَا لِخَوْفِ خَائِنٍ لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ هُوَ فَيُحَرَّمُ وَإِلَّا كُرِهَ، وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ وَضَاعَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَفَائِدَةُ الْحُرْمَةِ أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ رَدِّهَا لِمَحَلِّهَا بِحَالِهَا، وَأَمَّا فِي الْمَكْرُوهِ فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَرْكِهَا، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا إذَا أَخَذَهَا وَرَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَضَاعَتْ.
الثَّانِي: لَوْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ زَمَنَ تَعْرِيفِهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا كَمَا إذَا أَخَذَهَا لِيَتَمَلَّكَهَا فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ، فَلَوْ تَنَازَعَ مَعَ رَبِّهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا أَوْ تَلَفِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيُعَرِّفَهَا وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا بِقَصْدِ تَمَلُّكِهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُلْتَقِطِ بِلَا يَمِينٍ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَخْذَهَا وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ.
(فَإِنْ تَمَّتْ) أَيْ انْقَضَتْ (سَنَةٌ) أَوْ أَيَّامٌ فِيمَا يُعْرَفُ أَيَّامًا
(وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَأْتِ) أَيْ لَمْ يَظْهَرْ (لَهَا أَحَدٌ) يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا بِوَصْفِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ شَاءَ) الْمُتَلَقِّطُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ (حَبَسَهَا) لِرَبِّهَا (وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا) عَنْ رَبِّهَا (وَضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ) فَوَجَدَهُ تَصَدَّقَ بِهَا وَقَدْ فَاتَتْ عِنْدَ الْفَقِيرِ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَهَا قَائِمَةً فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا، وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُهَا قِيمَتَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ فَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْفَقِيرِ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَلَقِّطُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْفَقِيرِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ضَامِنًا لَهَا فِي الصُّورَتَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ وَلَوْ بِمَكَّةَ ضَامِنًا فِيهِمَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكَّةَ إلَّا لِمُنْشِدٍ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَاجِّ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمَنْ يُرِيدُ تَمَلُّكَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ بَلْ لَا تُؤْخَذُ إلَّا لِتُعْرَفَ، وَسَبَبُ تَنْبِيهِ الشَّارِعِ عَلَى خُصُوصِ لُقَطَةِ مَكَّةَ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَادَ حَتَّى فِي غَيْرِهَا أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْحَرَمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ قُطْرٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الَّذِي قُطْرُهُ بَعِيدٌ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُ أَخْذُهَا بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ، فَنَبَّهَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا بِهَذَا الْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا كَذَلِكَ، وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بِيَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا لِرَبِّهَا أَوْ بَيْعُهَا وَحَبْسُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِرَبِّهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَلَا تَمَلُّكُهَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَشَقَّةُ تَخْلِيصِ مَا فِي ذِمَّةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَبَقَ مِنْهُ عَبْدٌ وَبَلَغَهُ أَنَّهُ بِيَدِ الْإِمَامِ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَهُ أَنَّهُ بِيَدِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَوْ كَانَ مَنْ بِيَدِهِ غَاصِبًا وَلَكِنْ أَقَرَّ بِهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَضْمَنُ اللُّقَطَةَ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا وَلَوْ عَنْ رَبِّهَا وَفِي حَالَةِ تَمَلُّكِهَا لَا فِي حَالَةِ حَبْسِهَا لِرَبِّهَا فَإِنَّ ضَمَانَهَا فِيهَا مِنْ رَبِّهَا لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ مُسْتَحِقُّ غَلَّةِ اللُّقَطَةِ، وَفِي خَلِيلٍ: وَلَهُ كِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا أَيْ مَأْمُونًا، وَلَهُ رُكُوبُ دَابَّةٍ مِنْ مَوْضِعِ الْتِقَاطِهَا إلَى مَوْضِعِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ قَوَدُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا، وَلِلْمُلْتَقِطِ غَلَّاتُهَا مِنْ لَبَنٍ وَجُبْنٍ، لَا صُوفُهَا وَلَا نَسْلُهَا وَلَا كِرَاؤُهَا الزَّائِدِ عَلَى عَلَفِهَا فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ كَلَّفَهَا الْمُلْتَقِطُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا غَلَّةٌ فَإِنَّ صَاحِبَهَا يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا وَدَفْعِ كُلْفَتِهَا وَلَهُ تَسْلِيمُهَا لِلْمُلْتَقِطِ فِي كُلْفَتِهَا وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهَا لِأَنَّ رَبَّهَا لَا يَلْزَمُهُ الزَّائِدُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى صَاحِبِهَا دَيْنٌ لَقَدِمَ الْمُلْتَقِطُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى ذِي الدَّيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ.
وَلَمَّا كَانَتْ اللُّقَطَةُ كَالْوَدِيعَةِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بَيَّنَ حُكْمَ مَا إذَا تَعَدَّى وَانْتَفَعَ بِهَا فَقَالَ: (وَإِنْ انْتَفَعَ) . الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) فِي غَيْرِ رُكُوبِهَا لِمَوْضِعِهِ وَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَلَفٌ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهَا لِمَالِكِهَا إنْ كَانَ مِثْلُهُ يُكْرِي الدَّوَابَّ، وَأَمَّا لَوْ هَلَكَتْ لَا بِسَبَبِ انْتِفَاعِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ هَلَكَتْ) أَيْ اللُّقَطَةُ سَوَاءٌ كَانَ (قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكٍ) أَيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ الْمُلْتَقِطِ.
(لَمْ يَضْمَنْهَا) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ اللُّقَطَةَ تَحْتَ يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمُودَعُ لَا يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ إلَّا بِتَعَدِّيهِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا الْمُلْتَقِطُ بِالْبَيْعِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي بَيْعِهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ، وَقَبْلَ السَّنَةِ يُخَيَّرُ رَبُّهَا بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ قِيمَتُهَا إنْ فَاتَتْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ، بِخِلَافِ لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا، وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتُهَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا عَرَفَ طَالِبُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (الْعِفَاصَ) وَهُوَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطَةُ فِيهَا الْمَالُ.
(وَ) عَرَفَ أَيْضًا (الْوِكَاءَ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ طَرَفُ
الْإِبِلِ مِنْ الصَّحْرَاءِ وَلَهُ أَخْذُ الشَّاةِ وَأَكْلُهَا إنْ كَانَتْ بِفَيْفَاءَ لَا عِمَارَةَ فِيهَا.
[أَحْكَام الضَّالَّةِ]
وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَكُلُّ مَا
[الفواكه الدواني]
الْمَالِ.
(أَخَذَهَا) بِلَفْظِ الْمَاضِي أَيْ اسْتَحَقَّ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَأَحْرَى لَوْ عَرَّفَهُمَا وَعَرَّفَ الْعَدَدَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَعَدَدِهِ بِلَا يَمِينٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا الْعِفَاصَ أَوْ الْوِكَاءَ فَقَطْ لَا يَأْخُذُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَأْخُذُهَا لَكِنَّ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ مُدَّةً لِاحْتِمَالِ أَنْ يَأْتِيَ مَنْ يَعْرِفُ الْوَصْفَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لَا غَلِطَ بِأَنْ قَالَ: الْعِفَاصُ كَذَا فَيُوجَدُ بِخِلَافِهِ فَلَا تَدْفَعُ لَهُ، كَمَا لَوْ غَلِطَ فِي صِفَةِ الْمَالِ بِأَنْ قَالَ: مُحَمَّدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ يَزِيدِيَّةٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْبَرَ بِعَدَدٍ فَيُوجَدُ أَقَلُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا لِاحْتِمَالِ اغْتِيَالِ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَوْ غَلِطَ بِالنَّقْصِ أَيْ أَخْبَرَ بِهِ فَتُوجَدُ أَكْثَرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَفُهِمَ مِنْ تَعْوِيلِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ لَهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَك بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطَاهَا إيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» .
(فُرُوعٌ) : الْأَوَّلُ: لَوْ عَرَفَ شَخْصٌ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَرَفَ آخَرُ عَدَدَهَا وَوَزْنَهَا لَقُضِيَ بِهَا لِمَنْ عَرَفَهُمَا، لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ، كَمَا يَقْضِي لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْعَدَدَ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِيَمِينٍ، وَكَذَا يَقْضِي بِهِمَا لِمَنْ عَرَفَ أَوْصَافًا يَقْوَى بِهَا الظَّنُّ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُهَا عَلَى مَنْ وَصَفَ أَوْصَافًا دُونَهَا.
الثَّانِي: لَوْ وَصَفَهَا ثَانٍ مِثْلُ أَوَّلٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ لَوْ انْفَصَلَ بِهَا انْفِصَالًا بَيِّنًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ وُصُولُ الْعِلْمِ لِلثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ.
الثَّالِثُ: لَوْ أَخَذَهَا شَخْصٌ بِالْوَصْفِ وَانْفَصَلَ بِهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعِهَا لِلْأَوَّلِ وَتُنْزَعُ مِنْهُ وَتُدْفَعُ لِلثَّانِي لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ.
الرَّابِعُ: لَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْ شَخْصَيْنِ بَيِّنَةً فَتُعْطَى لِذِي الْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْعَدَالَةِ، فَإِنْ اسْتَوَتَا فِي الْعَدَالَةِ قُدِّمَتْ الْمُؤَرَّخَةُ أَوْ السَّابِقَةُ تَارِيخًا، وَإِنْ اسْتَوَتَا فِي الْجَمِيعِ قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَلِفِهِمَا.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمَ اللُّقَطَةِ الَّتِي لَا عِفَاصَ لَهَا وَلَا وِكَاءَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَأْتِي بِأَوْصَافٍ يَغْلِبُ مَعَهَا الظَّنُّ بِصِدْقِ الْآتِي بِهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى اللُّقَطَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الضَّالَّةِ وَتَقَدَّمَ أَحَدُهَا بِأَنَّهَا نَعَمٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَأْخُذَ الرَّجُلُ) أَوْ الْمَرْأَةُ (ضَالَّةَ الْإِبِلِ مِنْ الصَّحْرَاءِ) وَلَوْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ أَوْ الْجُوعِ أَوْ الْعَطَشِ لِخَبَرِ: «دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ فَإِنْ تَعَدَّى وَأَخَذَهَا فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَتْرُكُهَا بِمَحَلِّهَا» . وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ ضَالَّةِ الْإِبِلِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْخَائِنُ وَإِلَّا وَجَبَ الْتِقَاطُهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سَبَبُ تَخْصِيصِ عَدَمِ أَخْذِهَا بِكَوْنِهَا فِي الصَّحْرَاءِ، لِأَنَّ الضَّالَّةَ فِي الْعُمْرَانِ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ الْخَائِنِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: التَّقْيِيدُ بِالصَّحْرَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ، وَلَا يَلْحَقُ بِضَالَّةِ الْإِبِلِ الْخَيْلُ وَالْحَمِيرُ بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي اللُّقَطَةِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ وَإِنْ كَلْبًا وَفَرَسًا.
(وَلَهُ) أَيْ مُرِيدِ الِالْتِقَاطِ (أَخْذُ الشَّاةِ وَأَكْلُهَا إنْ كَانَتْ بِفَيْفَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ بِأَرْضٍ (لَا عِمَارَةَ فِيهَا) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِرَبِّهَا وَجَوَازُ ذَبْحِهَا وَأَكْلِهَا وَلَوْ مَعَ تَيَسُّرِ سَوْقِهَا لِلْعُمْرَانِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِهَا حَيَّةً لِلْعُمْرَانِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَاللُّقَطَةِ، وَأَمَّا لَوْ ذَبَحَهَا فِي الْفَيْفَاءِ وَلَمْ يَأْكُلْهَا حَتَّى دَخَلَ الْعُمْرَانَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا إلَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهَا وَلَمْ يَكُنْ يَتَيَسَّرُ بَيْعًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بَقَرَةً وَشَاةً وَلَوْ بِفَيْفَاءَ أَيْ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ.
(تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ضَالَّةِ الْبَقَرِ وَحُكْمُهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِمَحَلٍّ بِحَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ أَوْ الْجُوعِ فَإِنَّ حُكْمَهَا كَالشَّاةِ تُوجَدُ بِالْفَيْفَاءِ، فَإِنْ ذَبَحَهَا فِيهَا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْكِنَ سَوْقُهَا لِلْعُمْرَانِ وَإِلَّا وَجَبَ فَلَيْسَتْ كَالشَّاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَحَلٍّ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سِبَاعٍ وَلَا جُوعٍ فَإِنَّهَا تُتْرَكُ فَإِنْ أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مِنْ السَّارِقِ وَإِلَّا وَجَبَ الْتِقَاطُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ عِنْدَ خَوْفِ السَّارِقِ سِيَّانُ فِي وُجُوبِ الِالْتِقَاطِ وَيَفْتَرِقَانِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ الْجُوعِ أَوْ السِّبَاعِ، فَالْإِبِلُ تُتْرَكُ وَالْبَقَرُ يَجُوزُ أَكْلُهَا بِالْفَيْفَاءِ إنْ تَعَذَّرَ سَوْقُهَا لِلْعُمْرَانِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّحْرَاءِ أَنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالشَّاةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْعُمْرَانِ يَجِبُ الْتِقَاطُهَا عِنْدَ خَوْفِ الْخَائِنِ كَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالطُّيُورِ وَالْعَرُوضِ وَالنُّقُودِ.
(خَاتِمَةٌ) أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى اللَّقِيطِ وَهُوَ صَغِيرُ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ وَلَا رِقُّهُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ لَقْطُهُ كِفَايَةً وَلَوْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَوَاءٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ كَوْنُ الْوَاجِدِ رَجُلًا رَشِيدًا أَوْ حُرَّةً خَالِيَةً مِنْ الْأَزْوَاجِ أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا الرَّقِيقُ وَلَوْ مُكَاتَبًا فَلَا يُلْتَقَطُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَيَجِبُ عَيْنًا عَلَى
يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ.
وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَ فَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ بِحَالِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَغَيَّرَ فِي يَدِهِ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ.
وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِتَعَدِّيهِ خُيِّرَ أَيْضًا فِي أَخْذِهِ وَأَخَذَ مَا نَقَصَهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ.
[الفواكه الدواني]
الْمُلْتَقِطِ لِلطِّفْلِ نَفَقَتُهُ وَحَضَانَتُهُ الذَّكَرُ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَالْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ الْمُوسِرُ كَوَلَدِ الصُّلْبِ، وَأَسْقَطَ الْكَلَامَ عَلَى الْآبِقِ وَهُوَ رَقِيقٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ يُعَرِّفُ سَيِّدَهُ أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ لَا يُنْدَبُ لَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَلَهُ رَفْعُهُ لِلْحَاكِمِ وَلَهُ إرْسَالُهُ.
[التَّعَدِّي عَلَى مَالِ الْغَيْرِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى اللُّقَطَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعَدِّي عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِقَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ فَقَالَ: (وَ) كُلُّ (مَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا) الْمُرَادُ شَيْئًا غَيْرَ مِثْلِيٍّ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْمِثْلِيِّ (فَعَلَيْهِ) غُرْمُ (قِيمَتِهِ) لِرَبِّهِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ خَطَأً وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ وَلَوْ مُكْرَهًا، لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، وَتَكُونُ تِلْكَ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ وَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْغَيْرِ الْمَأْذُونِ وَغَيْرِ الْمُؤْتَمَنِ، وَالْمُرَادُ بِاسْتَهْلَكَ أَيْ تَسَبَّبَ فِي الْإِهْلَاكِ وَلَوْ لَمْ يُبَاشِرْ، وَمَحَلُّ ضَمَانِ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ إذَا لَمْ يُؤْمَنَا عَلَى مَا أَتْلَفَا وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَصُونَا بِهِ مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ فِي الْمَصُونِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُؤَمَّنُ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ فِي ذِمَّتِهِمَا يَتْبَعَانِ إنْ عَتَقَا كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ عَرْضًا عَلَى فَسَّرْنَا بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا يُوزَنُ) كَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَنُحَاسٍ (أَوْ يُكَالُ) كَقَمْحٍ أَوْ يُعَدُّ وَلَا تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهُ وَأَتْلَفَهُ شَخْصٌ أَوْ تَسَبَّبَ فِي إتْلَافِهِ.
(فَعَلَيْهِ) غُرْمٌ (مِثْلُهُ) فِي مَوْضِعِ إتْلَافِهِ لِمَالِكِهِ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ تَقُومُ مَقَامَ مِثْلِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ فِي الْغَلَاءِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ وَعَكْسُهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي بَيَانِ مَفْعُولِ: وَضَمِنَ الْغَاصِبُ بِالِاسْتِيلَاءِ الْمِثْلِيَّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ وَصَبْرٍ لِوُجُودِهِ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ غُرْمٌ مِثْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ مَعْلُومٌ، وَأَمَّا لَوْ جَهِلَ كَيْلَهُ أَوْ وَزْنَهُ أَوْ عَدَدَهُ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مِثْلِهِ، لِأَنَّ الْجُزَافَ كَالْمُقَوَّمِ الْوَاجِبِ عَلَى مُتْلِفِهِ قِيمَتُهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ حَيْثُ كَانَ مُتْلِفُهُ غَيْرَ مَالِكِهِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ يَبِيعُ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ ثُمَّ يُتْلِفُهَا قَبْلَ كَيْلِهَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا لِيُوَفِّيَهُ لِلْمُشْتَرِي.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ أَتْلَفَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ بِأَنْ كَانَ رَشِيدًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُتْلِفُ مُؤْتَمَنًا عَلَى مَا أَتْلَفَهُ وَإِلَّا ضَمِنَهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ، كَمَا قَدَّمْنَا التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، وَمِنْ الْإِذْنِ الْمَرِيضُ يَأْذَنُ لِلطَّبِيبِ الْحَاذِقِ فِي طِبِّهِ فَيَطِبُّهُ فَيَمُوتُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرِهِ، وَمُؤَدِّبُ الْأَطْفَالِ يَأْذَنُ لَهُ الْوَلِيُّ فِي التَّأْدِيبِ، وَالْحَاكِمُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مُسْتَوْجِبِهِ فَيَمُوتُ مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ فَعَلَ كُلَّ الْمَطْلُوبِ مَعَ ظَنِّهِ السَّلَامَةَ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُقَوَّمِ الْقِيمَةُ وَفِي الْمِثْلِيِّ الْمِثْلُ قَاعِدَةُ أَغْلَبِيَّةٍ لَا كُلِّيَّةٍ خِلَافًا، فَالظَّاهِرُ لَفْظُهُ لِأَنَّ الْمُقَوَّمَ قَدْ يَجِبُ مِثْلُهُ، وَذَلِكَ فِيمَنْ أَتْلَفَ سِلْعَةً وُقِفَتْ عَلَى ثَمَنِ الْوَاجِبِ مِثْلُ الثَّمَنِ لَا غُرْمُ قِيمَتِهَا، وَالْمِثْلِيُّ قَدْ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَالْجُزَافِ قَبْلَ مَعْرِفَةٍ كَمِّيَّتِهِ يَجِبُ عَلَى مُتْلِفِهِ غُرْمُ قِيمَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَا.
[بَاب الْغَصْب]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْغَصْبِ وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ بِقَوْلِهِ (وَالْغَاصِبُ) وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي.
(ضَامِنٌ لِمَا) أَيْ لِكُلِّ شَيْءٍ (غَصَبَ) وَمَعْنَى ضَمَانِهِ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ لَا أَنَّهُ تَضَمَّنَهُ بِالْفِعْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَإِنْ رَدَّ) الْغَاصِبُ (ذَلِكَ) الَّذِي غَصَبَ قَائِمًا (بِحَالِهِ) أَيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِنَقْصٍ فِي بَدَنِهِ إذْ لَا تُعْتَبَرُ حَوَالَةُ أَسْوَاقِهِ.
(فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِرَبِّهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ صَبِيًّا اسْتِصْلَاحًا لِحَالِهِ وَلَوْ عَفَا عَنْهُ رَبُّ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّ الْأَدَبَ حَقٌّ لِلَّهِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ لِحُرْمَةِ الْغَصْبِ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا، فَالْكِتَابُ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] ، الْآيَةَ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
أَجْمَعَ كُلُّ الْمِلَلِ عَلَى حُرْمَتِهِ.
أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فَإِنْ رَدَّهُ بِحَالِهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَغَيَّرَ) الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ غَاصِبِهِ.
(فِي يَدِهِ) بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِيهِ (فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ) مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ كَثِيرًا.
(أَوْ تَضْمِينِهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْقِيمَةَ) يَوْمَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ.
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ التَّغَيُّرِ بِالسَّمَاوِيِّ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ) الْحَاصِلُ فِي بَدَنِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ (بِتَعَدِّيهِ) أَيْ الْغَاصِبِ أَيْ بِفِعْلِهِ وَلَوْ خَطَأً لِأَنَّهُ كَالْعَمْدِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ كَدَابَّةٍ غَصَبَهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فِي طَحْنٍ أَوْ رُكُوبٍ لَوْ لَمْ يَخْرِقْ فِيهِ فَتَعَيَّبَتْ فِي بَدَنِهَا.
(خُيِّرَ) رَبُّهُ (أَيْضًا فِي أَخْذِهِ) نَاقِصًا.
(وَأَخْذِ) أَيْ مَعَ أَخْذِ (مَا نَقَصَهُ) أَيْ أَرْشَ نَقْصِهِ بِأَنْ يُقَوَّمَ سَالِمًا مِنْ هَذَا النَّقْصِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ: قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، يُقَالُ: مَا قِيمَتُهُ
وَلَا غَلَّةَ لِلْغَاصِبِ وَيَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ انْتَفَعَ.
وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ وَطِئَ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِرَبِّ الْأَمَةِ.
وَلَا يَطِيبُ لِغَاصِبٍ
[الفواكه الدواني]
مَعِيبًا بِمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ؟ فَيُقَالُ: ثَمَانِيَةٌ يَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ دِرْهَمَيْنِ وَفِي تَرْكِهِ لِلْغَاصِبِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَالْمُصَنِّفُ حَذَفَ أَحَدَ شِقَّيْ التَّخْيِيرِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَجْعَلُهُ كَالسَّمَاوِيِّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ أَوْ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُكْمِ السَّابِقِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا لَخُيِّرَ بَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ وَيَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ لِأَنَّهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ سَالِمًا، وَبَيْنَ أَخْذِ شَيْئِهِ مَعِيبًا وَيَتْبَعُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْئِهِ وَاتِّبَاعُ الْغَاصِبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَخُيِّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِي، فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزَّائِدُ مِنْ الْغَاصِبِ فَقَطْ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّمَاوِيَّ الْحَاصِلَ عِنْدَ الْغَاصِبِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَتَرْكِهِ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهُ، وَفِي جِنَايَةِ الْغَاصِبِ بَيْنَ أَخْذِهِ مَعَ الْأَرْشِ أَوْ تَرْكِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَفِي جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ أَخْذِهِ مَعِيبًا وَيَتْبَعُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ النَّقْصِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الذَّاتِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهَا، كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَخَاطَهُ أَوْ صَبَغَهُ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ صَاحِبُهُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ مَا زِيدَ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ مَا أَحْدَثَهُ فِي قِيمَتِهِ أَوْ لَمْ يَزِدْ فِيهَا وَلَمْ يَنْقُصْهَا، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ خَالِصًا مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَتَرْكِهِ لِلْغَاصِبِ، وَأَمَّا لَوْ حَدَّثَ فِيهِ شَيْئًا فَنَقَصَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ صَبَغَهُ فَنَقَصَ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعَيْبِ السَّمَاوِيِّ، فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ سَالِمًا مِنْ هَذَا النَّقْصِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي التَّخْيِيرِ: كَصِبْغَةٍ فِي قِيمَتِهِ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَدَفَعَ قِيمَةَ الصِّبْغِ بِالْكَسْرِ أَيْ الْمَصْبُوغِ بِهِ وَفِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ نَقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ الْغَاصِبَ بِأَخْذِ بِنَائِهِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ كَمَا كَانَتْ.
وَلَمَّا كَانَ الْغَاصِبُ ظَالِمًا وَالظَّالِمُ لَا يَرْبَحُ قَالَ: (وَلَا غَلَّةَ) مُسْتَحَقَّةٌ (لِلْغَاصِبِ، وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ) جَمِيعَ (مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةِ) الْمَغْصُوبِ (أَوْ) قِيمَةِ مَا (انْتَفَعَ) بِهِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ غَصَبَ رَقَبَةً عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا وَاسْتَغَلَّهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَكْرَاهُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لِمَالِكِ عِوَضِ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْغَلَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ غَلَّةَ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذَا فِيهِ الْغَلَّةُ النَّاشِئَةُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ الْغَاصِبِ كَثَمَرَةٍ وَنَسْلِ حَيَوَانٍ وَلَبَنٍ وَصُوفٍ وَمَنْفَعَةِ الْعَقَارِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يُرَدُّ لِرَبِّهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَعُلِمَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَأَمَّا مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكِهِ كَرِبْحِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَنَمَاءِ الْبَذْرِ الْمَغْصُوبِ فَهَذَا لِلْغَاصِبِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَتَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ إلَخْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الذَّاتَ الْمَغْصُوبَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا هُوَ لِلْغَاصِبِ: وَغَلَّةَ مُسْتَعْمِلٍ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عُطِّلَ لَا يَغْرَمُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ شَيْئًا، كَالدَّارِ يُغْلِقُهَا وَالدَّابَّةِ يَحْبِسُهَا وَالْأَرْضِ يُبَوِّرُهَا وَالْعَبْدِ لَا يَسْتَخْدِمُهُ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِتَفْوِيتِ الِانْتِفَاعِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَصْبِ الْمَنْفَعَةِ وَيُقَالُ لَهُ التَّعَدِّي، وَالْمُتَعَدِّي يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ إذًا الْمَنْفَعَةَ بَلْ عَطَّلَهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ نَحْوَ الثَّمَرَةِ وَالنَّسْلِ وَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ وَمَنْفَعَةِ الْعَقَارِ لِرَبِّ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، وَأَمَّا رِبْحُ الدَّرَاهِمِ وَنَمَاءُ الْبَذْرِ فَهُوَ لِلْغَاصِبِ وَإِنَّمَا يَرُدُّ رَأْسَ الْمَالِ، وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْحَيَوَانِ وَالرَّقِيقِ فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ أَنَّهَا لِرَبِّ الْمَغْصُوبِ لَا لِلْغَاصِبِ.
(تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ الْمَغْصُوبِ.
وَفِي خَلِيلٍ أَنَّهَا فِي غَلَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ ضَاعَتْ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ السَّارِقُ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا رُجُوعَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ لَا فِي لَبَنٍ وَلَا صُوفٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا ثَمَرَةٍ، فَلَعَلَّ مُرَادَ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: وَمَا أَنْفَقَ مِنْ الْغَلَّةِ نَحْوَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ أَوْ طَحْنِهَا لَا نَسْلِهَا وَلَا صُوفِهَا وَلَا لَبَنِهَا فَافْهَمْ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمَةِ الْمَغْصُوبَةِ يَطَؤُهَا الْغَاصِبُ بِقَوْلِهِ: (وَ) مَنْ غَصَبَ أَمَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا فَيَجِبُ (عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ وَطِئَ) حَيْثُ كَانَ مُكَلَّفًا لِأَنَّهُ زَانٍ وَيَغْرَمُ لِسَيِّدِهَا نَقْصَهَا وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وَطْئِهَا صَدَاقٌ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ فَاللَّازِمُ الصَّدَاقُ فِي وَطْئِهَا حَيْثُ وَطِئَهَا قَهْرًا عَلَيْهَا وَكَانَ مُكَلَّفًا.
(وَوَلَدُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ مِنْ تِلْكَ الْأَمَةِ.
(رَقِيقٌ لِرَبِّ الْأَمَةِ) لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا الْحُرِّ رَقِيقٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًى أَوْ زَوْجٍ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْأَبِ يَطَأُ جَارِيَةَ فَرْعِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ سَفَلَ الْفَرْعُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ قِيمَتِهَا لِمَالِكِهَا بِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمِلْكُ أَبٍ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ بِالْقِيمَةِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا وَلَدَتْ وَمَاتَ وَلَدُهَا أَوْ مَاتَتْ وَبَقِيَ الْوَلَدُ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ السَّيِّدِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ وَإِنَّمَا لَهُ أَمَتُهُ، وَأَمَّا إنْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ أُمِّهِ فَقَطْ لِأَنَّهَا الْمَغْصُوبَةُ كَمَا لَوْ مَاتَا مَعًا إنْ وَجَدَهُمَا حَيَّيْنِ أَخَذَهُمَا.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَيْهِ
الْمَالُ رِبْحُهُ حَتَّى يَرُدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ كَانَ أَحَبَّ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
[الفواكه الدواني]
رَدُّ غَلَّةِ الْمَغْصُوبِ النَّاشِئَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِهِ وَالنَّاشِئَةِ عَنْ تَحْرِيكِهِ يَمْلِكُهَا، بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يَرُدَّ الْأَصْلَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَطِيبُ) أَيْ لَا يَحِلُّ (لِغَاصِبِ الْمَالِ) إذَا اتَّجَرَ فِيهِ وَرَبِحَ أَكْلُ.
(رِبْحِهِ حَتَّى يَرُدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الرِّبْحِ وَإِنْ مَلَكَهُ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَفَسَّرْنَا " لَا يَطِيبُ " بِلَا يَحِلُّ لِصَدَقَةٍ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ وَهُمَا قَوْلَانِ وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْحُرْمَةُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَيِّبِهِ بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ عَدَمُ نَدْبِ التَّصَدُّقِ بِهِ قَالَ كَالْمُسْتَدْرَكِ عَلَيْهِ: (وَلَوْ تَصَدَّقَ) الْغَاصِبُ (بِالرِّبْحِ) بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ (كَانَ) أَيْ التَّصَدُّقُ بِهِ (أَحَبَّ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ) الْإِمَامِ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَكْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْإِمَامُ أَشْهَبُ، وَلَعَلَّ وَجْهُ نَدْبِ التَّصَدُّقِ مَعَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِرَدِّ رَأْسِ الْمَالِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ الْإِثْمِ الْحَاصِلِ بِالْغَصْبِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» فَإِنْ قِيلَ: نَدْبُ الصَّدَقَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّهَا خَيْرٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] وَلَا مَفْهُومَ لِرِبْحِ هَذَا الْمَالِ، وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي حَقِّ هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَغْصِبْ، فَلَا يُنَافِي نَدْبَ التَّصَدُّقِ لِكُلِّ مَالِكٍ رَشِيدٍ مُتَّسَعٍ فَافْهَمْ.
وَلَمَّا كَانَتْ فُرُوعُ بَابِ الْغَصْبِ كَثِيرَةً قَالَ: (وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى) وَهُوَ الْغَصْبُ وَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ لِمُنَاسَبَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ هَذَا الْكِتَابِ شَرَعَ فِي رَابِعِهَا فَقَالَ:
بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَلَا تُقْتَلُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ.
أَوْ بِاعْتِرَافٍ.
أَوْ بِالْقَسَامَةِ إذَا وَجَبَتْ.
يُقْسِمُ الْوُلَاةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ
[الفواكه الدواني]
[بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ (أَحْكَامِ الدِّمَاءِ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْجِرَاحَاتِ مِنْ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ (وَ) فِي بَيَانِ مُوجِبَاتِ (الْحُدُودِ) كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا مَا وُضِعَ لِمَنْعِ الْجَانِي مِنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ فِعْلِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ، وَفِي مَعْنَى الْحُدُودِ التَّعَاذِيرُ وَأَحَدُهَا تَعْذِيرٌ وَهُوَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ الْعَذَابِ مَوْكُولٌ قَدْرُهُ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَإِنَّ تَعْدَادَهَا مَحْدُودٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الزَّجْرُ عَنْ إتْلَافِ مَا حَكَى الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهِ مِنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَدْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْسَابِ، فَإِنَّ فِي الْقِصَاصِ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ، وَفِي الْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ الْحِفْظَ لِلْأَمْوَالِ، وَفِي الْحَدِّ لِلزِّنَا حِفْظَ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْحَدِّ لِلشُّرْبِ حِفْظَ الْعُقُولِ، وَفِي الْحَدِّ لِلْقَذْفِ حِفْظَ الْأَعْرَاضِ، وَفِي الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ حِفْظَ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنَّ الْحُدُودَ جَوَائِزُ أَيْ كَفَّارَاتٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِقَتْلِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ الذُّنُوبِ وَأَعْظَمُهَا بَعْدَ الْكُفْرِ لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَإِجْمَاعِ سَائِرِ الْمِلَلِ عَلَى حُرْمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» .
وَحَدِيثُ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» .
وَحَدِيثُ: «مَنْ اشْتَرَكَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» حَتَّى اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، فَآيَةُ الْفُرْقَانِ ظَاهِرُهَا لَهُ التَّوْبَةُ، وَظَاهِرُ آيَةِ النِّسَاءِ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّ شَرْطُ التَّوْبَةِ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ تَحَلُّلُهُمْ مِنْهَا وَرَدُّ تَبِعَاتِهِمْ، وَلَا سَبِيلَ لِلْقَاتِلِ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ الْمَقْتُولَ حَيًّا فَيَعْفُوَ عَنْهُ وَيُحَلِّلَهُ مِنْ دَمِهِ، مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ قَالَ بِتَنْفِيذِ الْوَعِيدِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ.
وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَحِلُّ أَنْ (تُقْتَلَ نَفْسٌ بِنَفْسٍ) أَيْ بِسَبَبِ قَتْلِ نَفْسٍ مُكَافِئَةٍ لَهَا (إلَّا) بَعْدَ الثُّبُوتِ (بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ) أَقَلُّهَا رَجُلَانِ إذْ لَا تَكْفِي شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيُثْبِتُ ذَلِكَ مُوجِبَ الدِّيَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِفَةِ الْقَتْلِ، فَلَوْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي صِفَتِهِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا ذَبَحَهُ وَقَالَ الْآخَرُ حَرَقَهُ أَوْ جَرَحَهُ بِغَيْرِ ذَبْحٍ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ قَامَ الْأَوْلِيَاءُ بِالشَّاهِدِينَ بَطَلَ الدَّمُ وَإِنْ قَامُوا بِأَحَدِهِمَا أَقْسَمُوا مَعَهُ وَاقْتَصُّوا وَسَقَطَتْ شَهَادَةُ الْآخَرِ لِاجْتِمَاعِ الْقَاتِلِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى تَكْذِيبِهَا وَإِنْ اعْتَرَفَ الْقَاتِلُ بِالذَّبْحِ وَقَامَ الْأَوْلِيَاءُ بِشَاهِدِ التَّحْرِيقِ فَإِنْ كَانَ أَعْدَلَ أَقْسَمُوا مَعَهُ وَحَرَقُوهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِصَاصِ بِالتَّحْرِيقِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَعْدَلَ حَلَفَ مَعَهُ الْقَاتِلُ وَقُتِلَ ذَبْحًا لَا بِالْحَرْقِ.
(أَوْ) إلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ (بِاعْتِرَافٍ) أَيْ إقْرَارٍ مِنْ الْجَانِي الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ بِالْقَتْلِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ، لَا إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَإِقْرَارِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
[ثُبُوت الْقَتْل بِالْقَسَامَةِ]
(أَوْ) إلَّا أَنْ يَحْصُلَ ثُبُوتُ الْقَتْلِ (بِالْقَسَامَةِ) وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا.
(إذَا وَجَبَتْ) أَيْ الْقَسَامَةَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ عَاقِلًا بَالِغًا مُكَافِئًا لِلْمَقْتُولِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ غَيْرَ أَبٍ، وَلَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ وَلَا اعْتِرَافٌ مِنْ الْجَانِي وَإِنَّمَا وُجِدَ لَوْثٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ، وَحَقِيقَةُ اللَّوْثِ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي، فَوُجُوبُ الْقَسَامَةِ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ الْقَتْلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَاتِلَهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ قَتْلًا لَا جُرْحًا.
رَابِعُهَا: أَنْ تَتَّفِقَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى الْقَتْلِ.
خَامِسُهَا: أَنْ تَكُونَ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْعَمْدِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
سَادِسُهَا: أَنْ تَكُونَ الْأَوْلِيَاءُ فِي الْعَمْدِ رِجَالًا عُقَلَاءَ بَالِغِينَ.
سَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأَوْلِيَاءِ لَوْثٌ يُقَوِّي دَعْوَاهُمْ كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ رُؤْيَةَ الْقَتْلِ أَوْ
الدَّمَ.
وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ.
وَلَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ
[الفواكه الدواني]
رُؤْيَتَهُ لِلْمَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ، وَسَيُبَيِّنُ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَصِفَتُهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِشُرُوطِ الْقِصَاصِ وَهِيَ كَوْنُ الْجَانِي مُكَلَّفًا وَغَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدَ حُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ وَقَصْدُهُ الضَّرْبُ، وَعِصْمَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إمَّا بِالْإِيمَانِ أَوْ الْأَمَانِ أَوْ بِحَطِّ الْجِزْيَةِ وَالْكَفَاءَةِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُخْطِئٍ وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ يُقْتَلُ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا إلَّا أَنَّ قَتْلَهُ لَيْسَ لِلْقِصَاصِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ، وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلَا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى، بِخِلَافِ الْعَكْسِ إلَّا لِغِيلَةٍ فَيُقْتَلُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْقَتْلِ بَعْدَ الثُّبُوتِ هَلْ يَتَعَيَّنُ أَوْ مَوْكُولٌ إلَى اخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: فَالْقَوْلُ عَيْنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْ الْجَانِي قَهْرًا عَلَيْهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعَفْوَ مَجَّانًا، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَلَوْ جَبْرًا عَلَى الْجَانِي.
الثَّالِثُ: تَلَخَّصَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ، وَاعْتِرَافُ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا وَهَذَانِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا، وَالثَّالِثُ الْقَسَامَةُ وَفِيهَا خِلَافٌ، الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا الْقَوْدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ فَإِنَّهُ قَالَ: الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ الْقَتْلُ بِالْقَسَامَةِ وَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَمِنْهُمْ ابْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا: لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَوْدُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ فَقَطْ، وَدَلِيلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» وَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَكَتَبُوا: إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ الدَّارَ» قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذِهِ قِصَّةٌ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ لِإِبَايَةِ الْمُدَّعِينَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَمِنْ قَبُولِ أَيْمَانِ الْيَهُودِ، وَتَبَرَّعَ بِأَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِئَلَّا يَبْطُلَ دَمُ الْمُسْلِمِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ» يَحْتَمِلُ إعْطَاءَ الدِّيَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا قَتْلَهُ عَمْدًا وَلَمْ يُعِينُوا الْقَاتِلَ فَلَا يَلْزَمُ الْقِصَاصُ كَالْقَتِيلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِلَوْثٍ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى إنْ أَتَيْتُمْ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ، فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ رَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكِلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ.
الرَّابِعُ: مُحَيِّصَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ يَاءُ آخَرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ، وَحُوَيِّصَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخَرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا فِيهِمَا وَهُمَا أَبْنَاءُ عَمِّ الْقَتِيلِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ.
[صفة الْقَسَامَة وَحَقِيقَتَهَا]
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْقَسَامَةِ وَحَقِيقَتَهَا بِقَوْلِهِ: (يُقْسَمُ) أَيْ يَحْلِفُ (الْوُلَاةُ) جَمْعُ وَلِيٍّ (خَمْسِينَ يَمِينًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ غَائِبًا أَوْ أَعْمَى، لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ.
(وَ) بَعْدَ حَلِفِهَا (يَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ) فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، وَكَيْفِيَّةُ الْحَلِفِ: إنْ كَانُوا خَمْسِينَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ طَاعَ اثْنَانِ مِنْ الْخَمْسِينَ يَحْلِفَا فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَهَا مُتَوَالِيَةً فِي الْعَمْدِ بِأَنْ يَحْلِفَ هَذَا يَمِينًا وَهَذَا يَمِينًا حَتَّى تَتِمَّ الْأَيْمَانُ، وَفِي الْخَطَإِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ، وَبَعْدَ فَرَاغِهِ يَحْلِفُ الْآخَرُ حِصَّتَهُ، وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ فِي الْعَمْدِ يَبْطُلُ الدَّمُ بِنُكُولِ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْخَطَإِ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْحَالِفِ بِنُكُولِ النَّاكِلِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَحَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ يَبْدَءُونَ بِالْيَمِينِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي سَمِعَتْ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُوا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ أَوْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ إنْ كَانَ عَاشَ وَلَا يُزَادُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ فَقَطْ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَقُولَ: الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَفِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ الْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إلَّا مَوْضِعَيْنِ: اللِّعَانُ وَالْقَسَامَةُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي
دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
أَوْ بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ.
أَوْ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ ثُمَّ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُ وَيُشْرِبُ.
وَإِذًا نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ
[الفواكه الدواني]
اللِّعَانِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَفِي الْقَسَامَةِ: أَقْسِمُ بِاَللَّهِ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ فَقَطْ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَقْدِيمُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ خَلِيلٍ لَا يَأْبَاهُ، لِأَنَّ قَسَامَةَ الْيَمِينِ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يَشْمَلُ الْقَسَامَةَ، وَدَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ الْقَسَامَةِ مُخْتَلِفَةً لِأَنَّهُ يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ وَإِنْ وَاحِدًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَا يَحْلِفُهَا فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عُصْبَةً قَالَ: (وَلَا يَحْلِفُ فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ) مِنْ عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ نَسَبًا وَإِلَّا فَمِنْ الْمَوَالِي، لِأَنَّ أَيْمَانَ الْأَوْلِيَاءِ أُقِيمَتْ مَعَ اللَّوْثِ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَكْتَفِ فِي الْبَيِّنَةِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَكْفِي فِي الْأَيْمَانِ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَرَضَ الْأَيْمَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ حَيْثُ قَالَ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ وَيَكْتَفِي بِحَلِفِهِمَا وَلَوْ لَمْ يَرِثَا بِالْفِعْلِ، وَمَفْهُومُ رَجُلَيْنِ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِفْنَ فِي الْعَمْدِ لِعَدَمِ شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ، وَإِنْ انْفَرَدْنَ صَارَ الْمَقْتُولُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَكَتَ عَنْ أَكْثَرِ مَنْ يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْأَقَلُّ مَحْدُودًا عَيْنُهُ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْأَكْثَرُ مَحْدُودًا سَكَتَ عَنْهُ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَسَامَةَ يَجِبُ بِهَا الْقَوْدُ فِي الْعَمْدِ بَيْنَ مَنْ يُقْتَلُ بِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ عَمْدًا جَمَاعَةً وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مُبَاشَرَةُ قَتْلِهِ وَلَا التَّمَالُؤُ عَلَى قَتْلِهِ، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُعِينُونَ وَاحِدًا بِاخْتِيَارِهِمْ وَيَقْسِمُونَ عَلَى عَيْنِهِ وَيَقُولُونَ هُمْ الْقَسَامَةُ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ لَا مِنْ ضَرْبِهِمْ، فَفِي الْمُوَطَّإِ: لَمْ تُعْلَمْ قَسَامَةٌ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ وَذَلِكَ لِضَعْفِهَا وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ قَتَلَهُ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ؟ فَالْمُحَقَّقُ وَاحِدٌ، وَاَلَّذِي تُرِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمُقَابِلُهُ لِأَشْهَبَ: يُقْسِمُونَ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَيَقْتُلُونَ وَاحِدًا بَعْدَ الْقَسَامَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى غَيْرِهِ سِوَى ضَرْبِ مِائَةٍ وَحَبْسِ سَنَةٍ وَاحْتَرَزْنَا فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ عَمَّا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِمْ قَتْلُهُ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ جَمِيعًا، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالنَّفَرُ يَقْتُلُونَ رَجُلًا فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ وَالْمُتَمَالَئُونَ وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَتْلَ يَحِلُّ بِالْقَسَامَةِ إذَا وَجَبَتْ بَيَّنَ هُنَا مَحَلَّ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَسَامَةُ) فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (بِقَوْلِ الْمَيِّتِ) الْبَالِغِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ قَبْلَ مَوْتِهِ.
(دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ) سَوَاءٌ كَانَ فُلَانٌ الْقَاتِلُ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا بِخِلَافِ الْقَاتِلِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلَانِ، وَأَنْ يَتَمَادَى عَلَى إقْرَارِهِ حَتَّى يَمُوتَ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ الدَّمُ وَهَذَا أَوَّلُ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ بِقَوْلِهِ: كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرَعٍ أَوْ وَلَدًا عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ أَوْ زَوْجَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ عَدُوًّا لِلْمَقْتُولِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُؤَكِّدُ صِدْقَ الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْقَتْلِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعْوَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى قَوْلِهِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ هُوَ نَصُّ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ إلَّا فِي شَهَادَةٍ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ أَوْ الْجُرْحِ أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِالْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا لَا خَطَأً، فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّ الْمُقِرَّ بِجُرْحِ الْخَطَإِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى إقْرَارِهِ نَاقِلٌ شَهَادَتَهُ، وَلَا يَنْقُلُ عَنْ الشَّاهِدِ إلَّا اثْنَانِ وَسَنَذْكُرُهُ أَيْضًا.
(تَنْبِيهٌ) إذَا عَلِمْت مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْيِيدِ قَبُولِ قَوْلِ الْمَيِّتِ بِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَرْطَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ الْمَوْتِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جُرْحٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَأَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ سُمٍّ، لِأَنَّ التَّدْمِيَةَ الْبَيْضَاءَ لَا يُعْمَلُ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالْحَمْرَاءِ وَهِيَ الَّتِي صَحِبَهَا جُرْحٌ،
وَأَشَارَ إلَى مِثَالٍ ثَانٍ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِشَاهِدٍ) أَيْ وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ أَيْضًا بِسَبَبِ شَهَادَةٍ (عَلَى) مُعَايَنَةِ (الْقَتْلِ) أَيْ مَعَ يَمِينٍ تَكْمِلَةً لِلنِّصَابِ، وَسَوَاءٌ تَأَخَّرَ الْمَوْتُ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ أَمْ لَا،
بِخِلَافِ الْمِثَالِ الثَّالِثِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِشَاهِدَيْنِ) أَيْ وَكَذَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِسَبَبِ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
(عَلَى) مُعَايَنَةِ (الْجَرْحِ) بِالْفَتْحِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْفِعْلُ أَوْ الضَّرْبُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَمْ يَنْفُذْ شَيْءٌ مِنْ مُقَاتَلَةٍ.
(ثُمَّ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ) الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ.
(وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ) وَهَذَا لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا فِي خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ يَتَأَخَّرُ مَوْتُهُ، إذْ لَوْ مَاتَ سَرِيعًا بَعْدَ جَرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلٌ مِنْ مُقَاتِلِهِ بِالْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ لَثَبَتَ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قَسَامَةٍ، وَتَسْتَحِقُّ الْأَوْلِيَاءُ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، وَقَوْلُنَا: عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ احْتِرَازٌ عَنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ، وَلَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ الْمَوْتُ لِضَعْفِ أَمْرِ الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ الْمُعَايَنَةِ، وَيَجِبُ فِي حَالِ حَلِفِهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ بِأَنْ يَقُولُوا لِمَنْ جُرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ مَاتَ، أَوْ إنَّمَا مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ.
حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاتِهِ مَعَهُ غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ حَلَفَ الْخَمْسِينَ.
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِثْلُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ فِي أَنَّهُ لَوْثٌ شَهَادَتُهُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ مِثْلُ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا لَا خَطَأً فَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْوَاحِدِ فِيهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ إقْرَارَهُ فِي الْخَطَإِ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى إقْرَارِهِ نَاقِلٌ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ كَمَا لَوْ قَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ فَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَالْجَرْحُ يَثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَوْثٌ، لَوْ اجْتَمَعَ إقْرَارٌ مِنْ الْقَاتِلِ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً وَشَهَادَةُ شَاهِدٍ عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ رُؤْيَةُ الْعَدْلِ الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَيَضْطَرِبُ فِيهِ، وَالشَّخْصُ الْمُتَّهَمُ بِقُرْبِهِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ بِأَنْ كَانَ مَعَهُ الْآلَةُ مُلَطَّخَةً بِالدَّمِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ، إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ مِنْ يَمِينٍ مُكَمِّلَةٍ لِلنِّصَابِ، وَمِثْلُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ كُلٍّ مَا يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ الْعَدْلِ، وَصِفَةُ الْيَمِينِ الْمُكَمِّلَةِ لِلنِّصَابِ فِيهَا خِلَافٌ، فَقِيلَ يَحْلِفُهَا قَبْلَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَقِيلَ يَحْلِفُهَا مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ بِأَنْ يَقُولَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ: لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ وَيَقُولُونَ فِي كُلِّ يَمِينٍ: لَقَدْ قَتَلَهُ فَقَطْ، وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ وَلَيْسَ مِنْ اللَّوْثِ وُجُودُ الْمَقْتُولِ فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ حَيْثُ كَانَ يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ قَرْيَتَهُمْ سِوَاهُمْ وَوُجِدَ قَتِيلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فِيهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا، كَمَا فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَعَلَ فِيهِ الْقَسَامَةَ لِابْنَيْ عَمِّهِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ الْحَلِفِ لِعَدَمِ مُشَاهَدَتِهِمْ أَحَدًا يَقْتُلُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وُجُودَ الْمَقْتُولِ بِمَحَلَّةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَطْرُوقٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَيْبَرَ إذْ ذَاكَ لَمْ يَدْخُلْهَا إلَّا الْيَهُودُ.
الثَّانِي: حَقِيقَةُ اللَّوْثِ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي وَقَدْ مَرَّتْ أَمْثِلَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَضْعَفُهَا أَوَّلُهَا لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى قَبُولِ دَعْوَى الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ضَعِيفَةٍ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ فِيهِ إنَّمَا شَهِدَا عَلَى قَوْلِهِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدِّمَاءَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الْأَمْوَالِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِيهَا وَلَوْ بِفَلْسٍ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي بِالْقَتْلِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ؟ وَأَيْضًا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَكُلُّ مَا يُحَاوِلُهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْحُجَجِ ضَعِيفٌ، وَلَا أَعْلَمُ مَنْ وَافَقَ الْإِمَامَ عَلَى قَوْلِهِ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمَقْتُولِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ سِوَى اللَّيْثِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، هَكَذَا حَكَى عَنْ بَعْضِ كِبَارِ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ: قَدْ أَكْثَرَ التَّشْنِيعَ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.
قَالَ الشَّاذِلِيُّ فِي الْجَوَابِ الدَّافِعِ لِإِشْكَالِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَقُولُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا» إلَخْ صَرِيحٌ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعِي فِي الدِّمَاءِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَاسْتِدْلَالُ الْجُمْهُورِ لِمَذْهَبِهِمْ بِعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الْمَقْتُولِ بِحَدِيثِ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ» إلَخْ لَا دَلِيلَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لِلدَّمِ الطَّالِبَ لَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْتُولُ وَإِنَّمَا هُوَ الْوَلِيُّ، وَلَمْ نُعْطِهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بَلْ بِمَا انْضَمَّ لَدَعْوَاهُ مِنْ قَوْلِ الْمَقْتُولِ الَّذِي يَغْلِبُ مَعَهُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ؟ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِوُجُودِ الْفَارِقِ وَهُوَ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقَسَامَةِ إنَّمَا هِيَ لِحِرَاسَةِ الْأَنْفُسِ فَتَكْفِي فِيهَا الشُّبْهَةُ وَاللَّطْخُ لِإِيجَابِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ حَيَاةُ الْأَنْفُسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179] فَالْعَمَلُ بِهَا مِنْ
الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْإِمَامُ مَذْهَبَهُ، حَتَّى تُرْتَبَ عَنْهُ الْعَلَّامَة خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْمُفْسِدِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِإِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ حَيْثُ تَعَيَّنَ الْقَتْلُ طَرِيقًا لِلْإِصْلَاحِ لَا إنْ كَانَ يَحْصُلُ بِنَحْوِ الْحَبْسِ أَوْ الضَّرْبِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ الِاخْتِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا عَرَفْت.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَتْلَ أَوْ الدِّيَةَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِتَمَامِ الْحَلِفِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَحْلِفْ الْأَوْلِيَاءُ فَقَالَ: (وَإِذَا نَكِلَ مَدْعُوُّ الدَّمِ) عَنْ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَلَوْ بَعْضُهُمْ حَيْثُ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْحَالِفِ فِي الدَّرَجَةِ (حَلَفَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَدَلِ مُرْتَهَنٌ بِالْقَتْلِ، وَمِثْلُ نُكُولِ الْبَعْضِ عَفْوُهُ، فَإِذَا حَلَفُوا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَإِذَا أَرَادَ النَّاكِلُ الرُّجُوعَ إلَى الْحَلِفِ لَمْ يُجَبْ إلَى ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ وَمَنْ نَكِلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ.
وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: إذَا نَكِلَ
وَلَوْ اُدُّعِيَ الْقَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَيَحْلِفُ مِنْ الْوُلَاةِ فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ قُسِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ وَلَا تَحْلِفُ امْرَأَةٌ فِي الْعَمْدِ.
وَتَحْلِفُ الْوَرَثَةُ فِي الْخَطَإِ بِقَدْرِ مَا يَرِثُونَ مِنْ
[الفواكه الدواني]
الْمُدَّعُونَ لِلدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَرُبِعَتْ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ تُرِكُوا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَلْدُ مِائَةِ جَلْدَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ مُتَمَرِّدًا فَإِنَّهُ يُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ، وَإِنَّمَا قُلْت عَلَى الْبَدَلِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا يَقُلْ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ لَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَوَجَدَ مَقْتُولًا فِي خَيْبَرَ لَمَّا نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودٌ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» هَذَا حُكْمُ الدَّعْوَى عَلَى جَمَاعَةٍ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ وَاحِدًا فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ (مَنْ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاتِهِ) أَيْ وَإِنْ نَكِلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ وَلَا يُطْلَقُ وَلَوْ طَالَ حَبْسُهُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا عَلَيْهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَحَدٍ مِنْ عَصَبَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ إلَى قَوْلِهِ وَالِاسْتِعَانَةُ، بِخِلَافِ وَلَيِّ الدَّمِ فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِعَانَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّ أَيْمَانَ الْعَصَبَةِ مُوجِبَةٌ، وَقَدْ يَحْلِفُ فِيهَا مَنْ يُوجِبُ لِغَيْرِهِ كَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَأَيْمَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ دَافِعَةٌ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ عَنْ غَيْرِهِ، فَاللَّامُ قَوْلُ خَلِيلٍ وَلِلْوَلِيِّ لِلِاخْتِصَاصِ.
(تَنْبِيهٌ) فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: غَيْرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِظْهَارُ مَوْضِعُ الْإِضْمَارِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ مِنْ وُلَاتِهِ غَيْرَهُ، بَلْ كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْلُفُ مَعَهُ حَلَفَ الْخَمْسِينَ وَحْدَهُ.
(وَلَوْ اُدُّعِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الْقَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ) وَنَكِلَ الْمُدَّعُونَ عَنْ الْقَسَامَةِ (حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ (خَمْسِينَ يَمِينًا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَدَلِ مَرْهُونٌ بِالْقَتْلِ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِحَلِفِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنْ نَكِلَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ عَنْ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ أُطْلِقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَرِّدًا فَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حُكْمُ النُّكُولِ فِي دَعْوَى قَتْلِ الْعَمْدِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى إذَا مَا نَكِلَتْ الْأَوْلِيَاءُ فِي دَعْوَى قَتْلِ الْخَطَإِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ نَكِلُوا أَوْ بَعْضٌ حَلَفَ الْعَاقِلَةُ، فَمَنْ نَكِلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَمَنْ حَلَفَ بَرِئَ وَمَنْ نَكِلَ غَرِمَ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ عَنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَتْلِ الْخَطَإِ عَاقِلَةٌ حَلَفَ الْخَمْسِينَ وَحْدَهُ وَبَرِئَ، وَإِنْ نَكِلَ غَرِمَ جَمِيعَ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ حِصَّتُهُ الَّتِي تَخُصُّهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةٌ إنْ كَانَ هُنَاكَ بَيْتُ مَالٍ، لَمَّا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ تُوجَدْ عَاقِلَةٌ لِلْقَاتِلِ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ كَانَ وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ يَغْرَمُ جَمِيعَهَا الْقَاتِلُ، وَتُدْفَعُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِلْحَالِفِ وَالنَّاكِلِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ إلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ جَمِيعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ لِغَيْبَةِ بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ ثُمَّ قَدِمَ الْبَاقُونَ وَنَكِلُوا وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنَّ حِصَّةَ النَّاكِلِ مِنْهُمْ تُدْفَعُ لِلنَّاكِلِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَقَطْ وَلَا يَأْخُذُ الْحَالِفُ مِنْهَا شَيْئًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَالِفَ بَعْضِ الْأَيْمَانِ وَالنَّاكِلَ، وَمِثْلُهُمَا مَنْ قَالَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَا أَدْرِي يَدْخُلُونَ فِي الْمَالِ الَّذِي يَغْرَمُهُ النَّاكِلُ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ اُدُّعِيَ الْقَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ إلَخْ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَإِذَا نَكِلَ مَدْعُوُّ الدَّمِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَمَا أَجَابَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ حَمْلِ مَا سَبَقَ عَلَى دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِ.
[صِفَةِ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَمَنْ يَحْلِفُهَا]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَمَنْ يَحْلِفُهَا إذَا وَجَبَتْ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ مِنْ الْوُلَاةِ) جَمْعُ وَلِيٍّ وَهُمْ عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ وَلَوْ بِالْوَلَاءِ.
(فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا) كُلُّ وَاحِدٍ يَحْلِفُ يَمِينًا، وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ وُجِدَ مِنْ الْعَصَبَةِ عَدَدُ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ.
(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْوُلَاةَ (أَقَلَّ) مِنْ الْخَمْسِينَ (قُسِّمَتْ عَلَيْهِمْ) تِلْكَ (الْأَيْمَانُ) فَإِنْ كَانُوا خَمْسَةً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشْرَ أَيْمَانٍ، وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ حَصَلَ انْكِسَارٌ بِأَنْ زَادُوا عَلَى اثْنَيْنِ وَنَقَصُوا عَنْ الْخَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَكْمِيلُ الْكُسُورِ عِنْدَ تَسَاوِيهَا وَتَكْمِيلُ الْأَكْبَرِ عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، قَالَ خَلِيلٌ: وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْبَرِ كَسْرِهَا وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ عَدَدُ الْأَوْلِيَاءِ عَدَدَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَكَانُوا أَكْثَرَ لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، وَلَا يَكْفِي حَلِفُ أَقَلِّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكْفِي حَلِفُ اثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَحْرَى بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَيَحْلِفُ فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا مَعْنَاهُ يَجُوزُ لَا أَنَّهُ يَجِبُ
الدِّيَةِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
وَإِنْ انْكَسَرَتْ يَمِينٌ عَلَيْهِمْ حَلَفَهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْهَا.
وَإِذَا حَضَرَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْخَطَإِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ أَنْ يَحْلِفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ ثُمَّ يَحْلِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ.
وَيَحْلِفُونَ فِي الْقَسَامَةِ قِيَامًا وَيُجْلَبُ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَهْلُ أَعْمَالِهَا لِلْقَسَامَةِ وَلَا يُجْلَبُ فِي غَيْرِهَا إلَّا مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ.
وَلَا قَسَامَةَ فِي
[الفواكه الدواني]
فَلَا يُنَافِي جَوَازَ حَلِفٍ أَقَلَّ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ خَلِيلٍ أَقَلَّ مَنْ يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةٍ وَإِلَّا فَمُوَالٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا تَحْلِفُ امْرَأَةٌ فِي) إثْبَاتِ قَتْلِ (الْعَمْدِ) لِعَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيهِ وَإِنْ انْفَرَدْنَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةٍ وَإِلَّا فَمَوَالٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَقْتُولِ إلَّا عَاصِبٌ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ الْمَقْتُولِ، كَمَا إذَا قُتِلَتْ أُمُّهُ فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِعَانَةَ بِعَمِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَعِنْ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ فَالْأَيْمَانُ تُرَدُّ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكِلَ حُبِسَ وَلَا يُطْلَقُ وَلَوْ طَالَ حَبْسُهُ، وَعِنْدَ انْفِرَادِ النِّسَاءِ يَصِيرُ الْمَقْتُولُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وَالْوَلِيُّ رَجُلٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَاطَبَ الرِّجَالَ بِقَوْلِهِ: «أَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ» فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ يَسْأَلْ النِّسَاءَ،
وَأَمَّا الْخَطَأُ فَيَحْلِفُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَرِثُ وَلَوْ امْرَأَةً وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَتَحْلِفُ الْوَرَثَةُ فِي) إثْبَاتِ قَتْلِ (الْخَطَإِ بِقَدْرِ مَا يَرِثُونَ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ وَإِنْ وَاحِدًا أَوْ امْرَأَةً وَتَحْلِفُ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا وَلَا تَأْخُذُ إلَّا فَرْضَهَا، وَمِثْلُهَا الْأَخُ لِلْأُمِّ، وَيَسْقُطُ مَا عَلَى الْجَانِي مِمَّا زَادَ عَلَى نَصِيبِ الْحَالِفِ لِتَعَذُّرِ الْحَلِفِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَكِنْ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِمَنْزِلَةِ نُكُولِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَإِنْ نَكِلَتْ غَرِمَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ،
وَلَمَّا كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي الْخَطَإِ يَحْلِفُهَا كُلُّ مَنْ يَرِثُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمِيرَاثُ فَيَحْصُلُ كَسْرٌ فِي الْأَيْمَانِ بَيَّنَ حُكْمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ انْكَسَرَتْ يَمِينٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ: لِأَنَّ الذَّكَرَ بِرَأْسَيْنِ فَيَخُصُّهُ مِنْ الْخَمْسِينَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ يَمِينٍ، وَيَخُصُّ الْبِنْتَ سِتَّ عَشَرَةَ وَثُلُثَا يَمِينٍ.
(حَلَفَهَا) أَيْ الْيَمِينَ الْمُنْكَسِرَةَ (أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ وَهُوَ الْبِنْتُ فَتَحْلِفُ سَبْعَ عَشَرَةَ يَمِينًا، وَإِنَّمَا قَالَ مِنْهَا بِالضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ لِلْأَكْثَرِ مِنْ الْأَيْمَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ.
وَلَمَّا كَانَ الْأَخْذُ مِنْ دِيَةِ الْخَطَإِ يَتَوَقَّفُ عَلَى جَمِيعِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَ بَعْضُ وَرَثَةِ دِيَةِ الْخَطَإِ) وَغَابَ الْبَاقِي أَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا.
(لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْحَاضِرِ (بُدٌّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَهْرَبٌ مِنْ (أَنْ يَحْلِفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ) حَتَّى يَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ، فَإِذَا حَلَفَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا أَخَذَ حِصَّتَهُ، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَتْلِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ (ثُمَّ) بَعْدَ حَلِفِ الْحَاضِرِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ (يَحْلِفُ مَنْ يَأْتِي) مِنْ غَيْبَتِهِ أَوْ مَنْ بَلَغَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ حَلِفِ الْحَاضِرِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ.
(بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَادِمَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ وَلَوْ رَجَعَ الْحَالِفُ أَوَّلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ الْغَائِبِ الْحَلِفُ بَعْدَ حَلِفِ الْحَاضِرِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الدَّمُ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ الْغَائِبُ أَوْ مَنْ كَانَ صَبِيًّا وَوَرِثَهُ الَّذِي حَلَفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ حِصَّةَ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ لِحَلِفِهِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ أَوَّلًا،
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ تَغْلِيظِهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُونَ) أَيْ الْأَوْلِيَاءُ (فِي الْقَسَامَةِ) حَالَةَ كَوْنِهِمْ (قِيَامًا) تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ، وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ أَيْمَانِ سَائِرِ الْحُقُوقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَلُظَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ كَالْكَنِيسَةِ وَبَيْتِ النَّارِ وَبِالْقِيَامِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَلَا بِالزَّمَانِ، وَحُكْمُ التَّغْلِيظِ الْوُجُوبُ، فَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُ عُدَّ نَاكِلًا وَهُوَ مِنْ حَقِّ الْخَصْمِ، وَكَمَا يَحْصُلُ التَّغْلِيظُ بِالْقِيَامِ وَمَا ذَكَرَ يَحْصُلُ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُجْلَبُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَنَائِبُ فَاعِلِ يُجْلَبُ (أَهْلُ أَعْمَالِهَا) أَيْ أَهْلُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ لَهَا الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ، وَبَيَّنَ عِلَّةَ الْجَلْبِ إلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ بِقَوْلِهِ: (لِلْقَسَامَةِ) وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ لِفَضْلِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ وَتَغْلِيظًا وَرَدْعًا لِلْكَاذِبِ، وَمَفْهُومٌ لِلْقَسَامَةِ أَنَّهُ لَا يُجْلَبُ أَحَدٌ إلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فِي حَلِفٍ غَيْرِ الْقَسَامَةِ لِعِظَمِ أَمْرِ الْقَسَامَةِ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
(وَلَا يُجْلَبُ) لِلْقَسَامَةِ (فِي) أَيْ إلَى (غَيْرِهَا) أَيْ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ عِنْدَ الْحَالِفِ.
(إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْجَلْبُ (مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ) كَالثَّلَاثَةِ وَقِيلَ كَالْعَشْرِ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ أَعْمَالِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ لَا يُجْلَبُ مِنْ مَحَلِّهِ إلَى حَلِفِهَا فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، إلَّا إذَا كَانَ
جُرْحٍ.
وَلَا فِي عَبْدٍ.
وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَلَا فِي قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ.
أَوْ وُجِدَ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ.
وَقَتْلُ الْغِيلَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ.
[الفواكه الدواني]
الْمَسْجِدُ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِهِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ الْأَمْيَالُ الْيَسِيرَةُ،
[مَا تَكُون فِيهِ الْقَسَامَة]
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تِلْكَ الْقَسَامَةِ قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ شَرَعَ مِنْ مَفَاهِيمِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا قَسَامَةَ) مَشْرُوعَةً (فِي جُرْحٍ) بِالضَّمِّ لِأَنَّ الْمُرَادَ الِاسْمُ وَهَذَا مَفْهُومُ قَتْلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تُشْرَعْ الْقَسَامَةُ فِي الْجُرْحِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا حَكَمَ بِهَا فِي النَّفْسِ، وَإِذَا قُلْنَا بِنَفْيِ الْقَسَامَةِ فِي الْجُرْحِ فَتَارَةً يَكُونُ عَمْدًا وَتَارَةً يَكُونُ خَطَأً، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ يُوجَدَ شَاهِدٌ فَقَطْ، فَإِنْ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ فَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ أَوْ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ الدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ وَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَهِيَ إحْدَى مُسْتَحْسَنَاتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنْ تَجَرَّدَتْ الدَّعْوَى عَنْ الشَّاهِدِ فَقِيلَ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ،
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِنَا حُرٌّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) قَسَامَةَ (فِي عَبْدٍ) وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ وَهُوَ يَقُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَلَوْ شَهِدَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلَانِ لِأَنَّهُ مَالٌ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ بِشَاهِدَيْنِ غَرِمَ قِيمَتَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَتَانِ حَلَفَ سَيِّدُهُ يَمِينًا وَأَخَذَ قِيمَتَهُ أَيْضًا وَيُضْرَبُ الْقَاتِلُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً،
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) قَسَامَةَ أَيْضًا (بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ) وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ وَهُوَ يَقُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ الْمُسْلِمِ وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عَدْلَانِ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْقَسَامَةَ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَتَلَهُ بِشَاهِدَيْنِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ دِيَتَهُ فِي الْعَمْدِ مِنْ مَالِهِ وَمَعَ الْعَاقِلَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا شَاهِدٌ فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ دِيَتَهُ وَيُضْرَبُ الْجَانِي مِائَةً فِي الْعَمْدِ وَيُحْبَسُ سَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَى وَلِيِّ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جَرْحِ أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، وَالْمُرَادُ الدِّيَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهِيَ الْمَالُ الْمُؤَدَّى، فَيَشْمَلُ دِيَةَ الْجُرْحِ وَقِيمَةَ الْعَبْدِ وَالْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ وَالدِّيَةَ الْحَقِيقِيَّةَ إنْ اسْتَهَلَّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ قَتْلِ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْجَنِينِ الْحُرِّ حُكْمُ الْجِرَاحِ، فَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ عَلَى قَتْلِ كَافِرٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ عَلَى قَتْلِ عَبْدٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ عَلِمَ قَتْلَ جَنِينٍ حُرٍّ عَمْدًا أَوْ خَطَأً يُرِيدُ وَنَزَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ دِيَةَ ذَلِكَ وَيَقْتَصُّ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ فِي الْجُرْحِ إلَّا عِنْدَ الْمُكَافَأَةِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعَى بَرِئَ الْجَارِحُ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا حُبِسَ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ وَغَرِمَ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْكَافِرُ الْمَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ الْكَافِرِ وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّا لَا نُوجِبُ عَلَيْهِمْ قَسَامَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانِ الْكَافِرِ فَإِنَّ فِيهِ الْقَسَامَةَ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ دَمُ مُسْلِمٍ بِالْقَسَامَةِ فِي مَحَلِّهَا.
(وَلَا) قَسَامَةَ أَيْضًا (فِي قَتِيلٍ وُجِدَ) مَطْرُوحًا (بَيْنَ الصَّفَّيْنِ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَاغِي كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَيَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ الْمَقْتُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا، أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ أَوْ عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ تَأْوِيلَاتٌ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ الْقَاتِلُ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَى عَيْنِهِ لَاقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَيَّدَنَا الصَّفَّيْنِ بِالْمُسْلِمَيْنِ لِإِخْرَاجِ مَنْ وُجِدَ مَطْرُوحًا بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُحَارِبِينَ فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: الْبَاغِي كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ قِتَالِ أَحَدِهِمَا مَعَ تَأْوِيلِ شُبْهَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ التَّأْوِيلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ ظَنَّتْ كُلُّ طَائِفَةٍ جَوَازَ قِتَالِهَا لِلْأُخْرَى لِكَوْنِهَا أَخَذَتْ مَالَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَدَمُ كُلٍّ مِنْهُمَا هَدَرٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ التَّأْوِيلُ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي دَمِ الْمُتَأَوِّلَةِ وَدَمُ الْمُتَعَمِّدَةِ يَكُونُ هَدَرًا.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ كَخَلِيلٍ عَنْ الْمَقْتُولِ فِي الِازْدِحَامِ فِي نَحْوِ السُّوقِ أَوْ الْمَسْجِدِ أَوْ عِنْدَ دَفْعِ النَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ هَدَرًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ قَاتِلٌ يُتَّبَعُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الِاجْتِمَاعِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا قَسَامَةَ فِي قَتِيلٍ (وُجِدَ) مَطْرُوحًا (فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ) أَيْ قَرْيَتِهِمْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مُتَّهَمٌ بِالْقَتْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْ اللَّوْثِ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ لَوْثًا لَكَانَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَذِيَّةَ غَيْرِهِ يَقْتُلُ شَخْصًا وَيَطْرَحُهُ فِي دَارِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ، وَلِأَنَّ الشَّأْنَ وَالْعَادَةَ أَنَّ مَنْ يَقْتُلُ شَخْصًا لَا يُبْقِيهِ فِي مَحَلِّهِ.
وَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حَيْثُ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْمَقْتُولُ مَطْرُوقًا لِمُرُورِ النَّاسِ فِيهِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَا يَمُرُّ فِيهِ إلَّا أَهْلُهُ وَوُجِدَ فِيهِ شَخْصٌ مَقْتُولٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَإِنَّهُ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي خَيْبَرَ، «وَخَيَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ ابْنَيْ عَمِّهِ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْقَسَامَةِ» ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ خَيْبَرَ لَمْ يَدْخُلْهَا إذْ ذَاكَ إلَّا الْيَهُودُ كَمَا أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ.
وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ إلَخْ عَنْ بَعْضِ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَرُؤْيَتِهِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ
وَلِلرَّجُلِ الْعَفْوُ عَنْ دَمِهِ الْعَمْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَتْلَ غِيلَةٍ.
وَعَفْوُهُ عَنْ الْخَطَإِ فِي ثُلُثِهِ.
وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْبَنِينَ فَلَا قَتْلَ وَلِمَنْ بَقِيَ نُصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ.
وَلَا عَفْوَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ.
وَمَنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْعَمْدِ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ عَامًا.
وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ
[الفواكه الدواني]
وَالْمُتَّهَمُ قُرْبُهُ عَلَيْهِ آثَارُ الْقَتْلِ أَوْ رَآهُ خَارِجًا مِنْ مَحَلِّ الْمَقْتُولِ وَلَيْسَ فِيهِ سِوَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا تَحْلِفُ الْوُلَاةُ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ،
[الْعَفْو عَنْ الدَّم]
وَلَمَّا كَانَ الْحَقُّ لِلْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ وَكَانَ قَتْلُ الْغِيلَةِ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْوَلِيِّ بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَقَتْلُ الْغِيلَةِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ لِأَكْثَرِ الْمَالِ.
(لَا عَفْوَ فِيهِ) لَا لِلْأَوْلِيَاءِ وَلَا لِلسُّلْطَانِ وَلَا لِلْمَقْتُولِ أَيْضًا وَلَوْ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا وَالْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا، لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي مَعْنَى الْحِرَابَةِ، وَالْمُحَارِبُ بِالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَوْ بِعَبْدٍ وَكَافِرٍ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْعَفْوُ عَنْ قَاتِلِ الْغِيلَةِ لِأَنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِ الْمَذْكُورِ مَعَ دَفْعِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَالْقَتْلُ حَقٌّ لِلَّهِ لَا لِلْآدَمِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَيُقْتَلُ حَدًّا وَلَا قَوَدَ.
وَفَسَّرَ الْغِيلَةَ بِالْقَتْلِ لِأَخْذِ الْمَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْقَتْلِ لِنَاثِرَةٍ أَيْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَإِنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ، وَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ فِيهِ، وَعَنْ الْقَتْلِ لِطَلَبِ الْإِمَارَةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْبُغَاةِ وَلَيْسَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ قَاتَلَ لِطَلَبِ الْإِمَارَةِ قَصْدُهُ فِي الْغَالِبِ خَلْعُ الْإِمَامِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْحَقِّ لِلْأَوْلِيَاءِ فِي قَتْلِ غَيْرِ الْغِيلَةِ عَدَمُ صِحَّةِ عَفْوِ الْمَقْتُولِ عَنْ دَمِ نَفْسِهِ دَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ (لِلرَّجُلِ) الْمُرَادُ الْمَقْتُولُ وَلَوْ أُنْثَى أَوْ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا (الْعَفْوُ عَنْ دَمِهِ) أَيْ دَمِ نَفْسِهِ (فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ) حَيْثُ وَقَعَ الْعَفْوُ مِنْهُ بَعْدَ إنْفَاذِ مُقَاتِلِهِ وَقَبْلَ زَهُوقِ رُوحِهِ، لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْوَلِيِّ فِي شَأْنِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَا لِذِي دَيْنِ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: لِأَنَّ لِلْقِصَاصِ سَبَبًا وَهُوَ إنْفَاذُ الْمُقَاتِلِ، وَشَرْطًا وَهُوَ زَهُوقُ الرُّوحِ، فَإِنْ عَفَا الْمَقْتُولُ عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَهُمَا لَمْ يُعْتَبَرْ عَفْوُهُ وَعَفْوُهُ بَعْدَهُمَا مُتَعَذِّرٌ لِعَدَمِ الْحَيَاةِ الْمَانِعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَا بَيْنَهُمَا فَيَنْفُذُ إجْمَاعًا، وَبِهَذَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلَ خَلِيلٍ مُبَالَغًا عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ قَتَلْتَنِي أَبْرَأْتُك فَلَا يُعْتَبَرُ كَلَامُهُ وَلَا إبْرَاؤُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقِصَاصِ، لِأَنَّ الْعَفْوَ قَبْلَ إنْفَاذِ الْمُقَاتِلِ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَبَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْهَا وَقَبْلَ خُرُوجِ رُوحِهِ الْحَقُّ لَهُ فِي الْقَتْلِ، فَيَصِحُّ عَفْوُهُ عَنْ قَاتِلِهِ وَيَسْقُطُ قَتْلُ الْقَاتِلِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اقْطَعْ يَدِي أَوْ أَحْرِقْ ثَوْبِي فَيَفْعَلُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا يَكُونُ لِلْأَوْلِيَاءِ حَيْثُ لَا عَفْوَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ غِيلَةً) بِأَنْ كَانَ لِعَدَاوَةٍ وَهَذَا مُسْتَغْنَى عَنْهُ لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَتْلُ الْغِيلَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ صَرَّحَ بِهِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنْ لَا عَفْوَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمَقْتُولِ،
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الْعَمْدِ بِقَوْلِهِ: (وَعَفْوُهُ) أَيْ الْمَقْتُولِ وَلَوْ قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مُقَاتِلِهِ.
(عَنْ) قَاتِلِهِ عَلَى وَجْهِ (الْخَطَإِ) جَائِزٌ وَيَكُونُ مِنْهُ وَصِيَّةٌ بِالدِّيَةِ لِلْعَاقِلَةِ فَتَكُونُ (فِي ثُلُثِهِ) فَإِنْ حَمَلَهَا نُفِّذَتْ قَهْرًا عَلَى الْوَرَثَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَلْفَانِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَدِيَتُهُ أَلْفًا فَإِنَّ الدِّيَةَ تَسْقُطُ عَنْ عَاقِلِهِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ سَقَطَ عَنْ الْقَاتِلِ مَعَ عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ تَحِيزَ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ كَسَائِرِ الْوَصَايَا بِالْمَالِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى عَفْوِ الْمَقْتُولِ عَمَّنْ قَتَلَهُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عَفْوِ بَعْضِ أَوْلِيَائِهِ فَقَالَ: (وَإِنْ عَفَا) عَنْ الْقَاتِلِ (أَحَدُ الْبَنِينَ) وَمَا فِي حُكْمِهِمْ مِنْ كُلِّ شَخْصَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مُشْتَرَكِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِتَسَاوِيهِمْ كَأَحَدِ عَمَّيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ مُعْتِقَيْنِ.
(فَلَا قَتْلَ) لِسُقُوطِهِ بِالْعَفْوِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَ إنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَافِي مُسَاوِيًا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُ الْعَافِي أَقْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِعَفْوِهِ كَمَا لَوْ عَفَا الْعَمُّ مَعَ وُجُودِ الْأَخِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَافِي أَقْرَبَ فَسُقُوطُ الْقَتْلِ أَوْلَى مِنْ عَفْوِ الْمُسَاوِي، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَتْلُ بِعَفْوِ بَعْضِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ سَقَطَ جَمِيعُهُ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى سُقُوطِهِ قَوْلَهُ: (وَلِمَنْ بَقِيَ) مِنْ مُسْتَحَقِّي الدَّمِ وَامْتَنَعُوا مِنْ الْعَفْوِ (نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) أَيْ دِيَةِ عَمْدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ كَإِرْثِهِ وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْقَتْلَ إذَا كَانَ عَمْدًا وَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ بَعْضُ الْمُسْتَحَقِّينَ الْمُسْتَوِينَ فِي الدَّرَجَةِ بَعْدَ تَرَتُّبِ الدَّمِ وَثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ قَسَامَةٍ فَإِنَّ الْقَوَدَ يَسْقُطُ وَلِمَنْ لَمْ يَعْفُ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: فَلِمَنْ بَقِيَ أَنَّ الْعَافِيَ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَفَا عَلَيْهَا صَرِيحًا أَوْ يَظْهَرَ مِنْهُ إرَادَتُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلِقٍ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ إرَادَتُهَا فَيَحْلِفَ وَيُبْقَى عَلَى حَقِّهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ سُقُوطِ الْقَتْلِ بِعَفْوِ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ عَفْوُهُ بِأَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا.
الثَّانِي: مَحَلُّ إسْقَاطِ الْبَاقِي نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ إذَا كَانَ لَهُ التَّكَلُّمُ فِي الْعَفْوِ وَعَدَمِهِ أَوْ مَعَ مَنْ لَهُ التَّكَلُّمُ، مِثَالُ الْأَوَّلِ: عَفْوُ أَحَدِ الْبَنِينَ الذُّكُورِ، وَمِثَالُ الثَّانِي: لَوْ عَفَا أَحَدُ الْبَنِينَ وَمَعَهُمْ بِنْتٌ، وَأَمَّا لَوْ عَفَتْ الْبِنْتُ مَجَّانًا وَمَعَهَا أُخْتٌ فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِأَنَّهَا لَا تَكَلُّمَ لَهُمَا، لِأَنَّ الْبِنْتَ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ وَضِدِّهِ حَيْثُ كَانَ الْقِصَاصُ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ مِنْ الْجَانِي، وَأَمَّا لَوْ احْتَاجَ إلَى قَسَامَةٍ فَلَا
مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشْرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَدِيَةُ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ خَمْسٌ
[الفواكه الدواني]
تُقْسِمُ النِّسَاءُ وَإِنَّمَا تُقْسِمُ الْعَصَبَةُ فَالْقَوْلُ لَهُمْ فِي الْقَتْلِ، وَإِنْ أَرَادُوا الْعَفْوَ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْفَرِيقَيْنِ أَوْ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِهِمَا أَوْ بِبَعْضِهِمَا.
الثَّالِثُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ نَصِيبُهُمْ بِالْجَمْعِ الْعَائِدِ عَلَى " مَنْ " الْمُفْرَدَةِ لَفْظًا مُرَاعَاةَ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى وَهُوَ جَائِزٌ نَحْوَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: 42] بِخِلَافِ الْآيَةِ الْأُخْرَى نَحْوَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ﴾ [الأنعام: 25] بِإِفْرَادِهِ بِالنَّظَرِ لِلَفْظِهَا.
وَلَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ عَفْوِ بَعْضِ الذُّكُورِ الْمُتَسَاوِيِينَ فِي الدَّرَجَةِ، شَرَعَ فِي حُكْمِ اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَفِيهِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ الْإِنَاثُ فِي دَرَجَةِ الذُّكُورِ وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا عَفْوٌ) مُعْتَبَرٌ (لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ) وَلَا لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَإِنَّمَا الْعَفْوُ وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ دُونَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْإِنَاثِ الْمُتَسَاوِيَاتِ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ عَلَى دَرَجَةِ الذُّكُورِ، فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافِ الْجَانِي فَالِاسْتِيفَاءُ لِلنِّسَاءِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ وَلِلنِّسَاءِ إنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ، وَأَمَّا لَوْ احْتَاجَ الثُّبُوتُ إلَى قَسَامَةٍ فَلَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ إلَّا الرِّجَالُ الْعَصَبَةُ وَبَعْدَ ذَلِكَ لِكُلٍّ الْقَتْلُ، وَلَا عَفْوَ إلَّا بِإِجْمَاعِ الْفَرِيقَيْنِ أَوْ الْبَعْضِ مِنْ كُلٍّ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ إمَّا رِجَالٌ فَقَطْ أَوْ نِسَاءٌ فَقَطْ، وَإِمَّا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَقَدْ عَلِمْت حُكْمَ الْجَمِيعِ.
(تَنْبِيهٌ) الْإِنَاثُ اللَّاتِي لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الدَّمِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْبَنَاتُ دُونَ بَنَاتِهِنَّ، وَبَنَاتُ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ وَإِنْ سَفَلُوا دُونَ بَنَاتِهِنَّ، وَالْأَخَوَاتُ الْأَشِقَّاءُ أَوْ لِأَبٍ وَالْأُمُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ عَفَتْ إحْدَى الْمُتَسَاوِيَاتِ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّمِ بِالْبَيِّنَةِ وَالِاعْتِرَافِ فَالنَّظَرُ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ فِي الْعَفْوِ أَوْ الْقَتْلِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إمَامٌ عَادِلٌ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ تَنَازَعَتْ بِنْتٌ وَأُخْتٌ فَالْبِنْتُ أَحَقُّ فِي عَفْوٍ وَضِدِّهِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَى الْقَسَامَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ إذَا لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فَقَالَ: (وَمَنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ) الْعُدْوَانُ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَعْلَى، بِأَنْ كَانَ زَائِدًا فِي الْحُرِّيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ، أَوْ وَرِثَ دَمَ نَفْسِهِ وَلَوْ قِسْطًا مِنْهُ مِثْلُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدُ ابْنَيْنِ أَبَاهُ عَمْدًا ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ الْآخَرُ فَإِنَّ الْقَاتِلَ قَدْ وَرِثَ جَمِيعَ دَمِ نَفْسِهِ، وَمِثَالُ إرْثِ الْقِسْطِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ أَبَاهُ عَمْدًا وَثَبَتَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ لِجَمِيعِ إخْوَتِهِ ثُمَّ يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ عَنْ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ، وَلِبَقِيَّةِ إخْوَتِهِ حَظُّهُمْ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ لِأَنَّ الْإِرْثَ كَالْعَفْوِ.
(ضُرِبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الضَّمِيرُ عَلَى مَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَهَذَا جَوَابُهَا.
(مِائَةَ) سَوْطٍ رَدْعًا وَزَجْرًا لَهُ وَمِائَةَ بِالنَّصْبِ نِيَابَةً عَنْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ.
(وَحُبِسَ عَامًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهِ أَيْ الْقَاتِلِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ أَوْ عَبْدٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ أَنَّ الضَّرْبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَبْسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَاتِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي تَأْدِيبِهِ تَكْلِيفُهُ، فَإِنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَضَى عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ خَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيُّ: «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةَ جَلْدَةٍ وَنَفَاهُ سَنَةً وَمَحَا سَهْمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَصَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ الْقَطَّانِ، فَيَنْبَغِي لِلْمَالِكِيِّ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمَذْهَبِ فِي قَاتِلِ الْعَبْدِ الْعُدْوَانِ إذَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ بِعَفْوٍ أَوْ عَدَمِ مُكَافَأَةٍ، وَلَعَلَّ قَوْلَ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَبَعْضِ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيبٍ، وَإِنَّمَا يُحْبَسُ فِي بَلَدِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ التَّعْوِيلِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ.
[أَحْكَام الدِّيَة]
وَلَمَّا كَانَ قَتْلُ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ إنَّمَا فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْعَفْوُ مَجَّانًا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الدِّيَةِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الدِّيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَالدِّيَةُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْيَاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَاحِدَةُ الدِّيَاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَدْيِ الَّذِي هُوَ الْهَلَاكُ، وَحَقِيقَتُهَا الِاصْطِلَاحِيَّةُ الشَّامِلَةُ لِلْعَمْدِ وَالْخَطَإِ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ مِنْ الْمَالِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَإِ وَعَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ بِسَبَبِ قَتْلِ آدَمِيٍّ حُرٍّ مَعْصُومٍ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ لِقَاتِلِهِ عِوَضًا عَنْ دَمِهِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَأَمَّا السَّنَةُ فَفِي الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: إنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ، وَلَمَّا كَانَتْ دِيَةُ الْخَطَإِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَاتِلِ قَالَ: (عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ) كَانَ الْمَحَلُّ لِلضَّمِيرِ بِأَنْ يَقُولَ مِنْهَا وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ عَاقِلَتِهِ دَفْعُهَا مِنْ الْإِبِلِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ أَصْحَابِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ، وَسَيَأْتِي صِفَةُ دَفْعِهَا وَبَيَانُ سِنِّ الْإِبِلِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى) الْقَاتِلِ إذَا كَانَ مِنْ (أَهْلِ الذَّهَبِ) كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ (أَلْفُ دِينَارٍ) مِنْ الذَّهَبِ وَزْنُهُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً مُتَوَسِّطَاتٍ.
(وَعَلَى) الْقَاتِلِ إذَا كَانَ مِنْ (أَهْلِ الْوَرِقِ) كَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَالرُّومِ.
(اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ) وَزْنُ الدِّرْهَمِ خَمْسُونَ وَخَمْسٌ شَعِيرَةً فَصَرْفُ دِينَارِ الدِّيَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا كَدِينَارِ السَّرِقَةِ وَالنِّكَاحِ، بِخِلَافِ دِينَارِ الْجِزْيَةِ وَالزَّكَاةِ فَصَرْفُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا دِينَارُ الصَّرْفِ فَلَا يَنْضَبِطُ وَإِلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةُ
وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ.
وَدِيَةُ الْخَطَإِ خَمْسَةٌ عِشْرُونَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا.
وَإِنَّمَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الْأَبِ يَرْمِي ابْنَهُ بِحَدِيدَةٍ فَيَقْتُلُهُ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا وَقِيلَ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَقِيلَ
[الفواكه الدواني]
بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ فَيُزَادُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي فِي كُلِّ إقْلِيمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ إلَّا الْخَيْلُ وَالْبَقَرُ فَلَا نَصَّ، وَالظَّاهِرُ تَكْلِيفُهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرَتِهِمْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: وَدِيَةُ الْعَمْدِ، وَكَوْنُ دِيَةِ الْخَطَإِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا أَمْرٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ خِلَافَ ذَلِكَ، إذْ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ جِنَايَةَ أَحَدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286] ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وَالْجَاعِلُ لَهَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «إنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» وَالْجَاعِلُ لَهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا أَنَّهُ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «إنَّ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» .
وَفِي الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَمْرُ الْمَجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ إبِلٌ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ ذَهَبٌ وَلَا وَرِقٌ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَرِقٌ وَلَا إبِلٌ، أَيْ فَدَفْعُهَا مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ وَاجِبٌ، وَلَعَلَّ هَذَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّنْبِيهِ الْأَوَّلِ.
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ قَالَ: (وَدِيَةُ) الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ (الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ) بِأَنْ حَصَلَ عَفْوٌ عَلَيْهَا أَوْ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِفَقْدِ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً) وَهِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ (وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً) وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ.
(وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ) وَهِيَ بِنْتُ ثَلَاثِ سِنِينَ (وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ) وَهِيَ بِنْتُ سَنَتَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُبِّعَتْ فِي عَمْدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ فَهِيَ نَاقِصَةٌ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَنْوَاعِ وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ تَغْلِيظًا عَلَى الْقَاتِلِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ لَا تُغَلَّظُ بِالتَّرْبِيعِ إلَّا عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَا تُغَلَّظُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ تُغَلَّظُ، وَصِفَةُ تَغْلِيظِهَا أَنْ تُقَوَّمَ دِيَةُ الْعَمْدِ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ وَحَالَةٌ، وَعَلَى أَنَّهَا مِنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ وَمُؤَجَّلَةٌ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَةُ دِيَةِ الْخَطَإِ الْمُخَمَّسَةُ مِائَةٌ وَالْمُغَلَّظَةُ لِمُرَبَّعَةِ قِيمَتِهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فَبِتِلْكَ النِّسْبَةِ يُزَادُ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ، فَيُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ مِثْلُ خُمُسِهَا.
الثَّانِي: إنَّمَا قَالَ إذَا قُبِلَتْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصَ أَوْ الْعَفْوَ مَجَّانًا، إلَّا أَنْ يُطِيعَ الْجَانِي بِدَفْعِ الدِّيَةِ وَيَقْبَلَهَا الْمُسْتَحَقُّ لِدَمِ الْقَاتِلِ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا طَلَبَهَا وَامْتَنَعَ الْقَاتِلُ مِنْ دَفْعِهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
[مِقْدَار الدِّيَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دِيَةِ الْعَمْدِ شَرَعَ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ فَقَالَ: (وَدِيَةُ) الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (الْخَطَإِ) عَلَى الْقَاتِلِ الْبَادِي (خَمْسَةٌ) أَيْ تُؤْخَذُ مِنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ.
(عِشْرُونَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ الْأَسْنَانِ فَيَجِبُ عِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ.
(وَ) يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ (عِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَدِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِئِ مُخَمَّسَةٌ بِنْتُ مَخَاضٍ وَوَلَدُ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ، وَإِنَّمَا خُمِّسَتْ دِيَةُ الْخَطَإِ رِفْقًا بِمُؤَدِّيهَا، وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَقِيلَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ، وَأَقَرَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنَّ كُلَّ نَفْسِ آدَمِيٍّ مِائَةٌ» وَلَمَّا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُخَمَّسَةٌ وَهِيَ دِيَةُ الْخَطَإِ، وَمُرَبَّعَةٌ وَهِيَ دِيَةُ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ وَكَانَ الْقَاتِلُ لَيْسَ أَصْلًا لِلْمَقْتُولِ، وَمُثَلَّثَةٌ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا فَرْعَهُ وَإِنْ سَفَلَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ شَرَعَ فِي الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الْأَبِ) الْمُرَادُ الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا فَيَشْمَلُ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ.
(يَرْمِي ابْنَهُ) أَيْ فَرْعَهُ وَإِنْ سَفَلَ (بِحَدِيدَةٍ) أَوْ غَيْرِهَا (فَيَقْتُلُهُ) مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ لِقَتْلِهِ.
(فَلَا يُقْتَلُ بِهِ) لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَلَكِنْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ بِالتَّثْلِيثِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَثُلِّثَتْ فِي الْأَبِ وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ إزْهَاقَ رُوحِهِ بِفِعْلٍ لَيْسَ شَأْنَهُ الْقَتْلَ لَا إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَتَكُونُ دِيَتُهُ مُخَمَّسَةً كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ، وَلَا إنْ قَصَدَ قَتْلَهُ أَوْ فَعَلَ بِهِ شَيْئًا شَأْنُهُ الْقَتْلُ بِأَنْ ذَبَحَهُ أَوْ
ذَلِكَ فِي مَالِهِ.
وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَكَذَلِكَ دِيَةُ الْكِتَابِيِّينَ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْمَجُوسِيُّ دِيَتُهُ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَدِيَةُ جِرَاحِهِمْ كَذَلِكَ.
وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَكَذَلِكَ فِي
[الفواكه الدواني]
شَقَّ جَوْفَهُ وَإِلَّا قُتِلَ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ لَا يُقْتَلُ بِفَرْعِهِ إلَّا إذَا اعْتَرَفَ بِقَصْدِ قَتْلِهِ أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا شَأْنُهُ الْقَتْلُ بِأَنْ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ جَوْفَهُ، وَبَيَّنَ صِفَةَ التَّثْلِيثِ بِقَوْلِهِ: (وَ) حَيْثُ قُلْنَا لَا يُقْتَلُ بِهِ (يَكُونُ عَلَيْهِ) أَيْ الْأَصْلَ دُونَ عَاقِلَتِهِ لِوَارِثِ فَرْعِهِ الْمَقْتُولِ.
(ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْمِائَةِ، وَإِنَّمَا غَلَّظْنَا عَلَى الْأَبِ بِالتَّثْلِيثِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِفَرْعِهِ، لِأَنَّ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، لِأَنَّ تَعَمُّدَ الرَّمْيِ يُنَاسِبُهُ التَّغْلِيظُ، وَمَا عِنْدَهُ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ يُنَاسِبُهُ إسْقَاطُ الْقَتْلِ كَالْخَطَإِ.
(وَقِيلَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي دِيَةِ الْفَرْعِ.
(عَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ عَاقِلَةِ الْأَصْلِ وَهِيَ عَصَبَتُهُ وَلَوْ بِالْوَلَاءِ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ (وَقِيلَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ) إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، فَجُمْلَةُ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَثْلِيثِهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ حَذَفَ ابْنَهُ بِسَيْفٍ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنَزَا جُرْحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ: اُعْدُدْ لِي عَلَى مَاءِ قَدِيدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْك، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ؟ فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا، فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ مَقْتُولِهِ شَيْءٌ» وَفِي غَيْرِ الْمُوَطَّإِ: دَعَا أُمَّ الْمَقْتُولِ وَأَخَاهُ فَدَفَعَهَا إلَيْهِمَا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِمَّنْ قَتَلَ» .
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَغْلِيظِهَا بِالتَّثْلِيثِ عَلَى الْأَصْلِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْأَبُ مِنْ أَهْلِ النَّقْدِ وَفِي تَغْلِيظِهَا عَلَيْهِ خِلَافٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تُغَلَّظُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ فَيُزَادُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ التَّغْلِيظِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ إلَّا هَذَا الْمِيزَانُ، فَتُقَوَّمُ الْمُثَلَّثَةُ حَالَةً وَالْمُخَمَّسَةُ عَلَى تَأْجِيلِهَا، وَيُؤْخَذُ مَا زَادَتْهُ الْمُثَلَّثَةُ عَلَى الْمُخَمَّسَةِ وَيُنْسَبُ إلَى الْمُخَمَّسَةِ، فَمَا بَلَغَ بِالنِّسْبَةِ يُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، فَإِذَا قِيلَ: الْمُخَمَّسَةُ عَلَى أَجَلِهَا تُسَاوِي مِائَةً وَالْمُثَلَّثَةُ عَلَى حُلُولِهَا تُسَاوِي مِائَةً وَعِشْرِينَ، فَإِنَّهُ يَزْدَادُ عَلَى الدِّيَةِ الْمُخَمَّسَةِ مِثْلُ خُمُسِهَا، فَتَكُونُ مِنْ الذَّهَبِ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ مِنْ الْوَرِقِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَبَّعَةَ لَا تُغَلَّظُ إلَّا مِنْ الْإِبِلِ، لَا إنْ كَانَتْ دِيَةُ الْعَمْدِ مِنْ الْعَيْنِ فَلَا تُغَلَّظُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْجَانِي أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ الْاِثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِّ خَلِيلٍ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ بَلْ لَوْ فَعَلَهُ الْكَافِرُ بِابْنِهِ وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا لَغُلِّظَتْ عَلَى الْأَبِ الدِّيَةُ وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا، وَلَفْظُ خَلِيلٍ وَتُثَلَّثُ فِي الْأَبِ وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ الذَّكَرِ الْمُسْلِمِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ) الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ (عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ) الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَتَكُونُ مُخَمَّسَةً فِي الْخَطَإِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ عَشَرَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، وَفِي الْعَمْدِ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ، وَفِي الْمُغَلَّظَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَعِشْرُونَ خَلِفَةً، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ سِتَّةُ آلَافٍ دِرْهَمٍ.
(وَكَذَلِكَ دِيَةُ الْكِتَابِيِّينَ) عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ» وَأَهْلُ الْكِتَابِ هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
(وَنِسَاؤُهُمْ) فِي الدِّيَةِ (عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُنْثَى كُلٍّ كَنِصْفِهِ، فَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ خَمْسَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَخَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، وَسِتَّةُ آلَافٍ دِرْهَمٍ مِنْ الْوَرِقِ، وَهَكَذَا دِيَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ،
وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَجُوسِيُّ) وَمِثْلُهُ الْمُرْتَدُّ (دِيَتُهُ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ مِنْ الْمَجُوسِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَجُوسُ وَالْمُرْتَدُّ ثُلُثُ خُمُسِ الدِّيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَثُلُثُ الْخُمُسِ مِنْ الذَّهَبِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِينَارًا وَثُلُثَا دِينَارٍ، وَمِنْ الْإِبِلِ سِتَّةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثَا بَعِيرٍ، فَتَكُونُ دِيَةُ الْمُرْتَدَّةِ وَمِثْلُهَا الْمَجُوسِيَّةُ مِنْ الْوَرِقِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمِنْ الذَّهَبِ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ دِينَارًا وَثُلُثَ دِينَارٍ، وَمِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثَ بَعِيرٍ، وَقَوْلُهُ: (وَدِيَةُ جِرَاحِهِمْ كَذَلِكَ) قَصَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى نِسَاءِ الْمَجُوسِ، وَذَكَرَ الضَّمِيرَ لِتَأَوُّلِهِمْ بِالْأَشْخَاصِ، وَمَعْنَى كَذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ جِرَاحِ الذَّكَرِ الْمَجُوسِيِّ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ مُسَاوَاةِ الْأُنْثَى لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: وَتُعَاقِلُ الرَّجُلَ الْمَرْأَةُ إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ فَإِذَا بَلَغَتْهَا رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشُّرَّاحُ: أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ تُسَاوِي الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا فِي دِيَةِ الْجِرَاحِ إلَى بُلُوغِ الثُّلُثِ، فَإِذَا
الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْعَيْنَيْنِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا وَفِي الْأَنْفِ يُقْطَعُ مَارِنُهُ الدِّيَةُ وَفِي السَّمْعِ وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ وَفِي الصُّلْبِ يُكْسَرُ الدِّيَةُ وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ وَفِيمَا مَنَعَ مِنْهُ الْكَلَامَ الدِّيَةُ وَفِي ثَدْيِي الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ.
[الفواكه الدواني]
بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ تَرْجِعُ لِدِيَتِهَا فَتَأْخُذُ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ مَجُوسِيَّةٍ وَلَا كِتَابِيَّةٍ، فَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: وَدِيَةُ جِرَاحِهِمْ كَذَلِكَ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تُسَاوِيهِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ كَذَلِكَ أَيْ عَلَى النِّصْفِ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْوَاجِبُ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَحِينَئِذٍ لَا وَجْهَ لِقَصْرِ كَلَامِهِ عَلَى نِسَاءِ الْمَجُوسِ، بَلْ يَكُونُ كَلَامُهُ عَامًا فِي جُرْحِ نِسَاءِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِخْرَاجُ نِسَاءِ الْمَجُوسِ مِنْ عُمُومِ تَعَاقُلِ الْمَرْأَةِ إلَخْ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَاوَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَتِهِ فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ فَتَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلَى دِيَتِهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى دِيَةِ الْأَطْرَافِ وَالْمَعَانِي فَقَالَ: (وَ) تَجِبُ (فِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ) كَامِلَةً بِسَبَبِ قَطْعِهِمَا خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَسَقَطَ الْقِصَاصُ بِمَا يُسْقِطُهُ، سَوَاءٌ قَطَعَهُمَا الْجَانِي مِنْ الْكُوعَيْنِ أَوْ الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ الْمَنْكِبَيْنِ.
(وَكَذَلِكَ) تَجِبُ الدِّيَةُ (فِي الرِّجْلَيْنِ) قَطَعَهُمَا مِنْ الْكَعْبِ وَالْوِرْكِ، وَمِثْلُ الْقَطْعِ إزَالَةُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَلَوْ أَنْزَلَ بِهِمَا الرَّعْشَةَ.
(أَوْ) كَذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي (الْعَيْنَيْنِ) قَلَعَهُمَا أَوْ أَزَالَ نُورَهُمَا، وَالْعُضْوُ الضَّعِيفُ كَالصَّحِيحِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَأْخُذْ عَقْلًا وَإِلَّا فَبِحِسَابِهِ.
(وَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةُ فَمَنْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَسَقَطَ الْقِصَاصُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ أَوْ عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَإِ، وَكَذَا كُلُّ مُزْدَوِجَيْنِ إلَّا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ فَإِنَّ فِيهَا الدِّيَةَ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(وَ) كَذَلِكَ يَجِبُ (فِي الْأَنْفِ يَقْطَعُ مَارِنَهُ) وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ وَيُسَمَّى بِالْأَرْنَبَةِ (الدِّيَةُ) وَفِي قَطْعِ بَعْضِهِ بِحِسَابِهِ، وَيُقَاسُ مِنْ الْمَارِنِ لَا مِنْ أَصْلِ الْأَنْفِ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ (فِي) إذْهَابِ (السَّمْعِ الدِّيَةُ) وَإِذَا أَذْهَبَهُ مِنْ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ لَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يَسْمَعُ إلَّا بِأُذُنٍ وَأَذْهَبَهُ إنْسَانٌ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْأُذُنَ الْوَاحِدَةَ فِي السَّمْعِ لَيْسَتْ كَعَيْنِ الْأَعْوَرِ.
(وَ) كَذَلِكَ يَجِبُ (فِي) إزَالَةِ (الْعَقْلِ الدِّيَةُ) سَوَاءٌ زَالَ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَلَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا فَصَارَ يُجَنُّ فِي الشَّهْرِ يَوْمًا مَعَ لَيْلَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ مِنْ الدِّيَةِ جُزْءٌ مِنْ ثَلَاثِينَ جُزْءًا، وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ النَّهَارَ فَقَطْ أَوْ اللَّيْلَ فَقَطْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتِّينَ جُزْءًا، أَوْ مَحَلُّ الْعَقْلِ الْقَلْبُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا الرَّأْسُ فَإِذَا ضَرَبَهُ وَاضِحَةً فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَيَلْزَمُهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِلْعَقْلِ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَهُوَ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَلَى الْآخَرِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِيَةُ الْعَقْلِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا.
(وَ) كَذَلِكَ يَجِبُ (فِي الصُّلْبِ) أَيْ الظُّهْرِ (يُكْسَرُ الدِّيَةُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ لُزُومُ الدِّيَةِ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْجُلُوسِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا أَذْهَبَ قِيَامَهُ وَجُلُوسَهُ، وَأَمَّا لَوْ ذَهَبَ مَعَ ذَلِكَ قُوَّةُ الْجِمَاعِ لَلَزِمَهُ دِيَتَانِ.
(وَ) يَلْزَمُ (فِي الْأُنْثَيَيْنِ) يَقْطَعُهُمَا خَطَأً أَوْ يَرُضُّهُمَا مُطْلَقًا (الدِّيَةُ) وَإِنْ قَطَعَهُمَا مَعَ الذَّكَرِ لَزِمَهُ دِيَتَانِ، وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ أَوْ رَضَّ وَاحِدَةً مِنْ الْأُنْثَيَيْنِ لَلَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ عَمْدًا لَوَجَبَ الْقِصَاصُ.
(وَ) يَلْزَمُ (فِي) قَطْعِ (الْحَشَفَةِ) وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ (الدِّيَةُ) وَفِي قَطْعِ بَعْضِهَا بِالْحِسَابِ، وَيُقَاسُ مِنْ طَرَفِ الْحَشَفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَارِنِ لَا مِنْ أَصْلِ الذَّكَرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ الْحَشَفَةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الذَّكَرِ وَلَوْ ذَكَرَ عِنِّينٍ وَهُوَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعَ لِصِغَرِهِ أَوْ اعْتِرَاضِهِ وَلَوْ لِشَيْخٍ فَانٍ، وَأَمَّا ذَكَرُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَيَلْزَمُ فِيهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَنِصْفُ حُكُومَةٍ، وَفُهِمَ مِنْ لُزُومِ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ الْحَشَفَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عَسِيبٌ بِلَا حَشَفَةٍ وَقَطَعَهُ شَخْصٌ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْحُكُومَةُ كَقَطْعِ كَفِّ مُجَرَّدٍ عَنْ الْأَصَابِعِ.
(وَ) كَذَا يَلْزَمُ (فِي اللِّسَانِ) النَّاطِقِ صَاحِبُهُ (الدِّيَةُ) كَامِلَةً (وَ) كَذَا يَلْزَمُ (فِي) أَيْ بِسَبَبِ فِعْلِ (مَا مَنَعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ اللِّسَانِ (الْكَلَامَ الدِّيَةُ) فَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَمْنَعْ نُطْقَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ لِأَنَّ الدِّيَةَ لِلنُّطْقِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَطَعَ لِسَانَ أَخْرَسِ إنَّمَا تَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دِيَةُ الذَّوْقِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَهَبَ مِنْهُ الذَّوْقُ مَعَ بَقَائِهِ أَوْ ذَهَبَ صَوْتُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دِيَةُ ذَلِكَ الذَّاهِبِ، وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ اللِّسَانَ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَصَوْتُهُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ الذَّاهِبَ بِالْجِنَايَةِ إنَّمَا تَجِبُ دِيَتُهُ لَا دِيَةُ مَا فِيهِ.
(وَ) كَذَا يَلْزَمُ (فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ) الْمُرَادُ الْأُنْثَى الْكَبِيرَةُ (الدِّيَةُ) فِي قَطْعِهِمَا وَلَوْ كَانَتْ عَجُوزًا فَانِيَةً لِأَنَّ الثَّدْيَ فِيهِ جَمَالٌ لِصَدْرِهَا، وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ الْحَلَمَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ إلَّا إذَا بَطَلَ اللَّبَنُ أَوْ أَفْسَدَهُ، وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ حَلَمَتَيْ امْرَأَةٍ صَغِيرَةٍ فَتَجِبُ الدِّيَةُ إنْ تَحَقَّقَ انْقِطَاعُ اللَّبَنِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ إبْطَالُ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِي بِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا لَبَنٌ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، فَإِنْ بَرِئَ الثَّدْيُ بَعْدَ أَخْذِ دِيَتِهِ فَإِنَّ الدِّيَةَ
الْأُنْمُلَةِ ثَلَاثٌ وَثُلُثٌ وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامَيْنِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عَشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ، وَالْمُوضِحَةُ مَا أَوْضَحَ الْعَظْمَ وَالْمُنَقِّلَةُ مَا طَارَ فِرَاشُهَا مِنْ الْعَظْمِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ وَمَا وَصَلَ إلَيْهِ فَهِيَ الْمَأْمُومَةُ فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ
[الفواكه الدواني]
تُرَدُّ، وَإِنْ مَاتَتْ زَمَنَ الِاسْتِينَاءِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا ذَهَبَ عَدَمُ الْعَوْدِ، وَمَفْهُومُ ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ أَنَّ ثَدْيَيْ الرَّجُلِ لَا دِيَةَ فِيهِمَا وَإِنَّمَا فِيهِمَا حُكُومَةٌ.
(وَ) كَذَا تَجِبُ (فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ) كَامِلَةً طَمَسَهَا أَوْ ذَهَبَ نُورُهَا، وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَبَيْنَ نَحْوِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ بِالسُّنَّةِ، وَبَحَثَ فِي كَلَامِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا: السُّنَّةُ مَعَ الْمُخَالِفِ وَأَنَّ فِيهَا وَفِي الْعَيْنِ خَمْسِينَ، وَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَرَادَ بِالسُّنَّةِ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ هِيَ السُّنَّةُ، وَبِهِ قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا، لَا لِانْتِقَالِ الْبَصَرِ إلَيْهَا لِأَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِأَنَّ الْبَصَرَ عَرَضٌ وَالْأَعْرَاضُ لَا تَنْتَقِلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِ الدِّيَةِ فِي تِلْكَ الْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَاكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصَّدْرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» .
وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْمُوَطَّإِ: «وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ» .
وَفِي النَّسَائِيّ: «وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» .
وَبَعْضُ الطُّرُقِ: «وَفِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ» .
(تَتِمَّةٌ) لَوْ دُفِعَتْ الدِّيَةُ فِي نَحْوِ الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَنَافِعِ ثُمَّ رَجَعَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ قَدْ ذَهَبَ فَإِنَّ الدِّيَةَ، تَرُدُّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ وَقُوَّةِ الْجِمَاعِ وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ، وَفِي الْأُذُنِ إنْ ثَبَتَتْ تَأْوِيلَانِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دِيَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ شَرَعَ فِي دِيَةِ الْجِرَاحَاتِ فَقَالَ: (وَ) يَجِبُ (فِي الْمُوضِحَةِ) الْخَطَإِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَهُوَ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) وَأَمَّا عَمْدُهَا فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي كَلَامِهِ.
(وَ) يَجِبُ (فِي السِّنِّ) بِقَلْعِهَا أَوْ تَصْيِيرِهَا مُضْطَرِبَةً جِدًّا أَوْ تَسْوِيدِهَا أَوْ تَحْمِيرِهَا أَوْ تَصْفِيرِهَا حَيْثُ كَانَ تَصْفِيرُهَا يُذْهِبُ جَمَالَهَا كَالسَّوَادِ (خَمْسٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ مُقَدِّمِ الْفَمِ أَوْ مُؤَخِّرِهِ، فَلَوْ رُدَّتْ السِّنُّ وَثَبَتَتْ فَإِنْ كَانَتْ سِنَّ كَبِيرٍ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ حَدَّ الْإِثْغَارِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَقْلُهَا كَالْجِرَاحَاتِ الْأَرْبَعَةِ الْمُقَرَّرِ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الشَّارِعِ مِنْ مُوضِحَةٍ وَجَائِفَةٍ وَمُنَقِّلَةٍ، وَتَبْرَأُ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا يَسْقُطُ عَقْلُهَا، وَأَمَّا سِنُّ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ عَقْلُهَا حَتَّى يَحْصُلَ الْيَأْسُ كَالْقَوْدِ مِمَّنْ قَلَعَهَا عَمْدًا، وَوُجُوبُ الْخَمْسِ فِي السِّنِّ مِنْ السُّنَّةِ.
(وَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ) مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ مَا فِي الْأَصْلِيَّةِ حَيْثُ كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِلْأَصْلِ فِي الْقُوَّةِ سَوَاءٌ قَطَعَهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ الضَّعِيفَةِ فَفِيهَا حُكُومَةٌ إنْ قُطِعَتْ وَحْدَهَا، وَأَمَّا لَوْ قُطِعَتْ مَعَ الْكَفِّ فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَدَ الزَّائِدَةَ فِيهَا هَذَا التَّفْصِيلُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا بَيْنَ أَصَابِعِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ، لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهَا تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَهَذَا فِي أَصَابِعِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِهِ عُشْرُ دِيَتِهِ.
(وَ) يَجِبُ (فِي الْأُنْمُلَةِ) مِنْ غَيْرِ الْإِبْهَامِ مِنْ أَنَامِلِ الْمُسْلِمِ وَهِيَ الْعُقْدَةُ (ثَلَاثٌ وَثُلُثٌ) مِنْ الْإِبِلِ (وَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامَيْنِ) لِلرِّجْلِ وَالْيَدِ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) وَهِيَ نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي حَالَةِ الْخَطَإِ، وَأَمَّا إذْهَابُ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا فَالْوَاجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ.
(وَ) يَجِبُ (فِي الْمُنَقِّلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ مَعَ فَتْحِهَا أَوْ كَسْرِهَا وَيُقَالُ لَهَا الْهَاشِمَةُ أَيْضًا (عُشْرُ) الدِّيَةِ (وَنِصْفُ عُشْرِ) هَا وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَمِنْ الذَّهَبِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَمِنْ الْوَرِقِ أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَمْدُهَا وَخَطَؤُهَا سَوَاءٌ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَتَالِفِ حَيْثُ كَانَتْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِاللِّحَى الْأَعْلَى، وَيُقْتَصُّ مِنْ عَمْدِهَا إنْ كَانَتْ بِالْجَسَدِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ الْمُوضِحَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ شَرَعَ فِي تَفْسِيرِهِمَا فَقَالَ: (وَالْمُوضِحَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ (مَا أَوْضَحَ) أَيْ أَظْهَرَ (الْعَظْمَ) بِأَنْ أَزَالَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، وَيَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ وَلَا تَنْضَبِطُ بِحَدٍّ، بَلْ يَجِبُ عَقْلُهَا الْمَذْكُورُ فِي الْخَطَإِ وَيُقْتَصُّ مِنْ عَمْدِهَا وَلَوْ كَانَتْ مِسَاحَتُهَا قَدْرَ رَأْسِ إبْرَةٍ.
(وَ) حَقِيقَةُ (الْمُنَقِّلَةِ) وَهِيَ الْهَاشِمَةُ (مَا طَارَ فَرَاشُهَا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ زَالَ مَا تَحْتَهَا (مِنْ الْعَظْمِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمُنَقِّلَةُ هِيَ الَّتِي يَنْقُلُ مِنْهَا الطَّبِيبُ الْعِظَامَ الصِّغَارَ لِتَلْتَئِمَ الْجِرَاحُ فَتِلْكَ الْعِظَامُ هِيَ الَّتِي يُقَالُ
وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ.
وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ إلَّا الِاجْتِهَادُ وَكَذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْجَسَدِ.
وَلَا يُعْقَلُ جُرْحٌ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ وَمَا بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ مِمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
وَفِي الْجِرَاحِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ.
إلَّا فِي الْمَتَالِفِ مِثْلُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْفَخِذِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالصُّلْبِ وَنَحْوِهِ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الدِّيَةُ.
وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قَتْلَ عَمْدٍ وَلَا اعْتِرَافًا بِهِ.
[الفواكه الدواني]
لَهَا الْفَرَاشُ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْفَرَاشُ الْعِظَامُ الرِّقَاقُ يَرْكَبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي أَعْلَى الْخَيَاشِيمِ كَقِشْرِ الْبَصَلِ تَطِيرُ عَنْ الْعَظْمِ إذَا ضُرِبَ، فَمِنْ فِي كَلَام الْمُصَنِّفِ بَيَانِيَّةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْفَرَاشُ الَّذِي هُوَ الْعَظْمُ.
وَأَشَارَ إلَى مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ بِقَوْلِهِ: (وَ) أَمَّا (مَا وَصَلَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الدِّمَاغِ وَلَمْ يَخْرِقْ خَرِيطَتَهُ أَيْ جِلْدَتَهُ (فَهِيَ الْمَأْمُومَةُ فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَثُلُثُ بَعِيرٍ، وَمِنْ الذَّهَبِ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَثُلُثُ دِينَارٍ، وَمِنْ الْفِضَّةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ.
(وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ) فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ وَهِيَ مَا وَصَلَتْ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الظَّهْرِ أَوْ الْبَطْنِ وَلَوْ قَدْرَ مَدْخَلِ الْإِبْرَةِ، وَأَمَّا الضَّرْبَةُ الَّتِي تَخْرِقُ الْبَطْنَ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الْجَوْفِ فَفِيهَا الْحُكُومَةُ، فَإِنْ نَفَذَتْ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ تَعَدَّدَتْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِجَائِفَةٍ نَفَذَتْ كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْآمَّةِ إنْ لَمْ تَتَّصِلْ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ بِغَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ، وَمِثْلُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ الدَّامِغَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ.
(تَنْبِيهٌ) كُلُّ مَا فِيهِ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ عَنْ الشَّارِعِ يَجِبُ دَفْعُ وَاجِبِهِ وَلَوْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ،
بِخِلَافِ مَا لَمْ يُقَرِّرْ فِيهِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا إذَا بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ) مِنْ الْجِرَاحَاتِ السِّتِّ إذَا كَانَتْ خَطَأً.
(إلَّا الِاجْتِهَادَ) وَهُوَ الْحُكُومَةُ بِأَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَعْدَ بُرْئِهِ خَوْفَ أَنْ يَتَرَامَى إلَى النَّفْسِ أَوْ إلَى مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَبْدًا سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ مِنْ حُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، ثُمَّ يُقَوَّمُ ثَانِيًا مَعِيبًا بِتِسْعَةٍ مَثَلًا، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ بِالْعُشْرِ، فَيَجِبُ عَلَى الْجَانِي بِتِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الدِّيَةِ وَهُوَ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ فَالْحُكُومَةُ الْمُرَادُ بِهَا الْمَحْكُومُ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ إذَا بَرِئَ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنْ الدِّيَةِ وَفِي عَمْدِهَا الْقِصَاصُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ وَإِنْ كَإِبْرَةٍ، وَسَابِقُهَا مِنْ دَامِيَةٍ وَحَارِصَةٍ شَقَّتْ الْجِلْدَ وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ وَبَاطِحَةٍ شَقَّتْ اللَّحْمَ وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِتَعَدُّدٍ وَمِلْطَاةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ، فَالثَّلَاثُ الْأُوَلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِلْدِ، وَالثَّلَاثُ الَّذِي بَعْدَهَا بِاللَّحْمِ.
(وَكَذَلِكَ) لَيْسَ (فِي) بَقِيَّةِ (جِرَاحِ الْجَسَدِ) الْخَطَإِ إلَّا الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُسَمِّ لَهَا شَيْئًا، لِأَنَّ الَّذِي قَرَّرَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا يَجِبُ دَفْعُهُ مِنْ غَيْرِ حُكُومَةٍ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ لُزُومُ وَاجِبِ الْجِنَايَةِ سَرِيعًا وَكَانَتْ الْوَاقِعَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مُخَالِفَةً قَالَ: (وَلَا يُعْقَلُ) بِلَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (جُرْحٌ) وَمَعْنَى لَا يُعْقَلُ لَا يُؤْخَذُ لَهُ دِيَةٌ وَلَا حُكُومَةٌ (إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ) خَوْفًا مِنْ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ فَيَؤُولُ الْأَمْرُ إلَى النَّفْسِ، وَلِيَظْهَرَ هَلْ يَبْرَأُ عَلَى شَيْنٍ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ الْبُرْءَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا بَرِئَ) مِنْ الْجِرَاحَاتِ (عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ) أَيْ، قُبْحٍ (مِمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ) أَيْ مِنْ سِوَى الْمُوضِحَةِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ الشَّارِعُ شَيْئًا وَيَدْخُلُ فِيهِ سَابِقُ الْمُوضِحَةِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ السِّتِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا.
(فَلَا شَيْءَ فِيهِ) وَأَمَّا مَا قَرَّرَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا فَالْوَاجِبُ الْمُقَرَّرُ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ أَمْ لَا؟ قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْجَائِفَةُ وَالْآمَّةُ فَثُلُثٌ، وَالْمُوضِحَةُ فَنِصْفُ عُشْرٍ، وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْهَاشِمَةُ فَعُشْرٌ وَنِصْفُهُ وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ أَيْ فَلَا يَلْزَمُ فِي الشَّيْنِ حُكُومَةٌ إلَّا الْمُوضِحَةَ، فَإِنَّهَا إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ وَهِيَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ يَجِبُ دَفْعُ دِيَتِهَا وَحُكُومَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[الْقِصَاص فِي الْجِرَاح]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْجِرَاحَاتِ الْوَاقِعَةِ خَطَأً الدَّالِّ عَلَيْهِ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ وَالْعَقْلُ فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ فِي الْخَطَإِ غَالِبًا شَرَعَ فِي حُكْمِ الْعَمْدِ بِقَوْلِهِ: (وَ) الْوَاجِبُ (فِي الْجِرَاحِ) الْوَاقِعَةِ فِي الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ بَاقِي الْجَسَدِ (الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ) بِالْمِسَاحَةِ إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ فَقِيَاسُ الْجُرْحِ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، فَقَدْ تَكُونُ الْجِرَاحَةُ نِصْفَ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهِيَ جُلُّ عُضْوِ الْجَانِي أَوْ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَظُمَ عُضْوُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى عُضْوِ الْجَانِي فَإِنَّهُ لَا يُكَمَّلُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ يَسْقُطُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَجِرَاحُ الْجَسَدِ وَإِنْ مُنَقِّلَةً بِالْمِسَاحَةِ إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ كَطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الطَّبِيبُ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْجَانِي الْعَقْلُ، وَمَفْهُومُ الْجِرَاحِ مِنْ اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ بِآلَةٍ لَا تَجْرَحُ وَلَمْ يَنْشَأْ عَنْهَا جُرْحٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا التَّأْدِيبُ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ نَتْفُ اللِّحْيَةِ أَوْ الشَّارِبِ أَوْ شَعْرِ الْحَاجِبِ فَإِنَّ عَمْدَ هَذِهِ وَخَطَأَهَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْحُكُومَةُ إذَا لَمْ تَعُدْ لِهَيْئَتِهَا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا، سُوءُ الْأَدَبِ فِي الْعَمْدِ.
وَلَمَّا كَانَ الْقِصَاصُ فِي عَمْدِ جِرَاحَاتِ الْجَسَدِ مُقَيَّدًا بِعَدَمِ خَوْفِ هَلَاكِ النَّفْسِ قَالَ: (إلَّا فِي) الْجِرَاحَاتِ (الْمَتَالِفِ) أَيْ يَغْلِبُ مَعَهَا الْمَوْتُ سَرِيعًا فَلَا قِصَاصَ فِي عَمْدِهَا، بَلْ الْوَاجِبُ الْعَقْلُ فِي عَمْدِهَا كَخَطَئِهَا مَعَ الْأَدَبِ فِي الْعَمْدِ.
(مِثْلُ الْمَأْمُومَةِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا مَا أَفْضَتْ لِلدِّمَاغِ (وَالْجَائِفَةِ) وَهِيَ مَا أَفْضَتْ لِلْجَوْفِ وَلَوْ قَدْرَ مَدْخَلِ إبْرَةٍ.
(وَالْمُنَقِّلَةِ) وَهِيَ
وَتَحْمِلُ مِنْ جِرَاحِ الْخَطَإِ مَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَفِي مَالِ الْجَانِي.
وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ وَالْجَائِفَةُ عَمْدًا فَقَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقَالَ أَيْضًا إنَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُمَا لَا يُقَادُ مِنْ عَمْدِهِمَا وَكَذَلِكَ مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ مِمَّا لَا يُقَادُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ.
وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
وَتُعَاقِلُ
[الفواكه الدواني]
الْهَاشِمَةُ كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَ) مِثْلُ كَسْرِ (الْفَخِذِ وَ) رَضِّ (الْأُنْثَيَيْنِ) بِخِلَافِ قَطْعِهِمَا فَإِنَّ فِي عَمْدِهِ الْقِصَاصُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ قَالَ: أَخَافُ فِي رَضِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ.
(وَ) مِثْلُ كَسْرِ (الصُّلْبِ) أَيْ الظَّهْرِ.
(وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ مَا يَعْظُمُ فِيهِ الْخَطَرُ أَيْ الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ كَكَسْرِ عَظْمِ الصَّدْرِ أَوْ الْعُنُقِ.
(فَفِي) عَمْدِ (كُلِّ ذَلِكَ الدِّيَةُ) وَهِيَ كُلُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ مَعَ الْأَدَبِ، وَالْمُرَادُ الدِّيَةُ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ كَامِلَةً كَدِيَةِ رَضِّ الْأُنْثَيَيْنِ، أَوْ نَاقِصَةً كَدِيَةِ الْآمَّةِ وَالْجَائِفَةِ، فَالْمُرَادُ بِالدِّيَةِ الْمَالُ الْمُؤَدَّى حَيْثُ كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ.
[تَحْمِل الْعَاقِلَة شَيْئًا مِنْ الدِّيَة مَعَ الْجَانِي]
وَلَمَّا كَانَتْ عَاقِلَةُ الْجَانِي أَيْ عَصَبَتُهُ لَا تُشَارِكُهُ فِي حَمْلِ الدِّيَةِ إلَّا بِشُرُوطٍ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ) شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ مَعَ الْجَانِي فِي (قَتْلِ عَمْدٍ) سَقَطَ فِيهِ الْقِصَاصُ بِعَفْوٍ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْقِطَاتِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَالَةً فِي مَالِ الْجَانِي.
(وَلَا) تَحْمِلُ (اعْتِرَافًا بِهِ) أَيْ لَا تَحْمِلُ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يُطْلَبُ مِنْ الْمُقِرِّ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ، أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ، وَلَوْ كَانَ الِاعْتِرَافُ مِنْ عَدْلٍ ثِقَةٍ لَا يُتَّهَمُ فِي إغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَغْرَمُهَا الْجَانِي مِنْ مَالِهِ وَلَوْ أَقْسَمَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، كَمَا أَصْلَحَ سَحْنُونٌ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ فَصَّلَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهَا تُنَجَّمُ عَلَى الْجَانِي كَمَا تُنَجَّمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ الثُّبُوتِ بِغَيْرِ الِاعْتِرَافِ وَحَرَّرَ الْحُكْمَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَقَلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ بِقَوْلِهِ: (وَتَحْمِلُ) الْعَاقِلَةُ (مِنْ جِرَاحِ الْخَطَإِ مَا كَانَ) وَاجِبُهُ (قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ) مِنْ دِيَةِ الْجَانِي أَوْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: إنْ بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِيَ، وَفَاعِلُ بَلَغَ الْوَاجِبُ لِمَنْ اعْتَبَرَ دِيَةَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْجَانِي امْرَأَةً عَلَى رَجُلٍ فَقَطَعَتْ لَهُ أُصْبُعَيْنِ فَعَقْلُهُمَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَأَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ، فَعَلَى الْمَشْهُورِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَعَلَى مُقَابِلِهِ لَا تَحْمِلُهُ.
(وَمَا كَانَ) مِنْ الْجِرَاحِ (دُونَ الثُّلُثِ) أَيْ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ كُلٍّ مِنْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(فَفِي مَالِ الْجَانِي) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَإِ بِلَا اعْتِرَافٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي إنْ بَلَغَ أَيْ الْوَاجِبُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِي وَمَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ كَعَمْدٍ وَدِيَةٍ غَلُظَتْ وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ حَمْلِهَا مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ قَالَ بِهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَحْمِلُ الْقَلِيلَ كَالْكَثِيرِ، وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي حَمْلِهَا دِيَةَ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمَتَالِفِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ وَالْجَائِفَةُ) وَمِثْلُهُمَا الدَّامِغَةُ وَكَسْرُ عَظْمِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالْفَخْذِ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (عَمْدًا فَقَالَ مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (ذَلِكَ) أَيْ الْوَاجِبُ فِيهَا مُوَزَّعٌ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) مَعَهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْعَمْدِ الَّذِي لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إلَّا مَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ الْجِرَاحِ لِإِتْلَافِهِ فَعَلَيْهَا، وَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ حَيْثُ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثِ الدِّيَةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ عَنْ الشَّارِعِ أَمْ لَا، لِتَدْخُلَ الْحُكُومَةُ إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا.
(وَقَالَ) أَيْ الْإِمَامُ مَالِكٌ (أَيْضًا) قَوْلًا مُقَابِلًا الْمُعْتَمَدَ الْمُتَقَدِّمَ (إنَّ) وَاجِبَ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَأْمُومَةِ وَمَا مَعَهَا (فِي مَالِهِ) أَيْ الْجَانِي وَحْدَهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا) لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهَا (فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) ثُمَّ عَلَّلَ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّهُمَا لَا يُقَادُ مِنْ عَمْدِهِمَا) وَلِلْإِمَامِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ كَوْنُهَا عَلَى الْجَانِي مُطْلَقًا لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ فِي عَمْدِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا، لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَهِيَ كَوْنُهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ مُطْلَقًا.
ثَانِيهِمَا: فِي مَالِ الْجَانِي الْمَلِيءِ.
ثَالِثُهَا: عَلَى الْجَانِي مُطْلَقًا.
وَلَمَّا خَصَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ بِالْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَكَانَ غَيْرُهُمَا مِمَّا هُوَ مِنْ الْمَتَالِفِ كَذَلِكَ قَالَ: (وَكَذَلِكَ مَا بَلَغَ) وَاجِبُهُ (ثُلُثَ الدِّيَةِ) كَالدَّامِغَةِ أَوْ غَيْرِهَا (مِمَّا لَا يُقَادُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ) .
وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْجَانِي جَنَى عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ) دِيَةَ (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) بَلْ يَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا فِي الْعَمْدِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْخَطَإِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَنْ الْجَانِي إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: حُرِّيَّةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَكَوْنُ الْجِنَايَةِ خَطَأً أَوْ فِي حُكْمِ الْخَطَإِ، وَثُبُوتُ الْجِنَايَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ لَا بِاعْتِرَافٍ، وَبُلُوغُ الْوَاجِبِ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي أَوْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ الْجِنَايَةُ مِنْ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا صُلْحًا وَلَا مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ» .
وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ: «وَلَا مَا دُونَ الثُّلُثِ» وَهِيَ الصَّوَابُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ
الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ فَإِذَا بَلَغَتْهَا رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا.
وَالنَّفَرُ يَقْتُلُونَ رَجُلًا فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ.
وَالسَّكْرَانُ إنْ قَتَلَ قُتِلَ.
وَإِنْ قَتَلَ مَجْنُونٌ رَجُلًا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَإِ وَذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ
[الفواكه الدواني]
الثُّلُثَ فَصَاعِدًا» . وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ عَاقَلَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فَجَعَلَ ثُلُثَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ» رَوَاهُ مَالِكٌ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَكُلُّ أُنْثَى عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ شُمُولُهُ لِدِيَةِ الْأَطْرَافِ مُطْلَقًا، وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (وَتُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ) أَيْ تُسَاوِي (الرَّجُلَ) مِنْ أَهْلِ دِينِهَا فَتَأْخُذُ فِي أَطْرَافِهَا مِثْلَ مَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ وَتَسْتَمِرُّ مُسَاوِيَةً لَهُ.
(إلَى) أَنْ تَبْلُغَ (ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ) وَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُغَيَّا بِإِلَى.
(فَإِذَا بَلَغَتْهَا) أَيْ دُرِّيَّةَ الرَّجُلِ أَيْ ثُلُثَهَا (رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا) فَإِذَا قَطَعَ لَهَا ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ فَلَهَا ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ كَالرَّجُلِ، فَإِذَا قَطَعَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أُنْمُلَةً رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا، وَكَذَا إذَا قَطَعَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ أَوْ ثَلَاثَةً وَأُنْمُلَةً فَإِنَّهَا تَأْخُذُ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فَلَهَا فِي الْمُنَقِّلَةِ وَالْهَاشِمَةِ، وَفِيمَا نَقَصَ مِنْ الْأَصَابِعِ عَنْ الثَّلَاثَةِ وَأُنْمُلَةٍ كَالرَّجُلِ، وَأَمَّا فِي قَطْعِ ثَلَاثَةٍ وَأُنْمُلَةٍ أَوْ الْجَائِفَةِ أَوْ الدَّامِغَةِ أَوْ الْآمَّةِ نِصْفُ مَا لِلرَّجُلِ، فَيَكُونُ لَهَا فِيمَا ذُكِرَ سِتَّةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثَا بَعِيرٍ، وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ، فَقُلْت: كَمْ فِي أَرْبَعَةٍ؟ فَقَالَ: عِشْرُونَ، فَقُلْت حِينَ عَظُمَ جُرْمُهَا وَاشْتَدَّتْ بَلِيَّتُهَا: نَقَصَ عَقْلُهَا، فَقَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قُلْت: بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَهُوَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ لِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وَهُوَ يُوهِمُ عَدَمَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ قَالَ: (وَالنَّفَرُ) وَهُمْ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّاسِ (يَقْتُلُونَ رَجُلًا) أَوْ امْرَأَةً عَمْدًا عُدْوَانًا مِنْ غَيْرِ تَمَالُؤٍ عَلَى قَتْلِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ضَرَبَاتُهُمْ وَمَاتَ مَكَانَهُ أَوْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ وَلَوْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ.
(فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ حَيْثُ ثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ، لَا إنْ احْتَاجَ إلَى قَسَامَةٍ فَلَا يُقْتَلُ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ لَهَا، وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ التَّمَالُؤِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَالْمُتَمَالَئُونَ وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ، بَلْ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ إلَّا بَعْضُهُمْ حَيْثُ كَانَ غَيْرُهُ بِحَيْثُ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِ الْقَاتِلُ لَأَعَانَهُ، وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ تَمَيُّزِ الضَّرَبَاتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَمَيَّزَتْ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ كُلٍّ كَفِعْلِهِ، وَقَيَّدْنَا بِمَوْتِهِ مَكَانَهُ أَوْ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ لَمْ يَنْفُذُ مَقْتَلُهُ بَلْ دُفِعَ حَيًّا وَعَاشَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بِهِ جَمِيعًا، بَلْ لَا يُقْتَلُ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ تُعَيِّنُهُ الْأَوْلِيَاءُ وَيَقْسِمُونَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ عَمْدًا غَيْرَ عُدْوَانٍ لَا شَيْءَ فِيهِ كَالْبُغَاةِ وَالْمَقْتُولِ خَطَأً يَغْرَمُ دِيَتَهُ اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: يُقْتَلُونَ بِهِ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مُكَافِئُونَ لِلْمَقْتُولِ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ، لَا إنْ كَانُوا أَعْلَى مِنْهُ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ، لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ إلَّا فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ فَيُقْتَلُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا إنْ كَانُوا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ كَصِبْيَةٍ أَوْ مَجَانِينَ فَلَا يُقْتَلُونَ بِمَا قَتَلُوهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً.
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْقِصَاصِ تَكْلِيفُ الْجَانِي وَكَانَ زَوَالُ الْعَقْلِ بِالسُّكْرِ الْحَرَامِ لَا يُزِيلُ التَّكْلِيفَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ قَالَ: (وَالسَّكْرَانُ) سُكْرًا حَرَامًا لِشُرْبِهِ الْمُسْكِرَ غَيْرَ ظَانٍّ أَنَّهُ غَيْرُهُ.
(إنْ قَتَلَ) مَعْصُومًا مُكَافِئًا لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ.
(قُتِلَ) حَيْثُ كَانَ بَالِغًا وَلَا يُعْذَرُ بِغَيْبُوبَةِ عَقْلِهِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ إذَا طَلَّقَ أَوْ قَذَفَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ زَنَى وَلَوْ كَانَ طَافِحًا، بِخِلَافِ لَوْ أَقَرَّ أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَلَا يَلْزَمُهُ، وَأَمَّا لَوْ سَكِرَ سُكْرًا غَيْرَ حَرَامٍ كَشُرْبِهِ الْمُسْكِرَ يَظُنُّهُ لَبَنًا أَوْ عَسَلًا أَوْ غَالِطًا أَوْ لِغُصَّةٍ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَالْمَجْنُونِ.
(وَ) أَمَّا (إنْ قَتَلَ مَجْنُونٌ) حَالَ جُنُونِهِ (رَجُلًا) الْمُرَادُ شَخْصًا مُكَافِئًا لَهُ أَوْ أَدْنَى (فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّ عَمْدَهُ كَخَطَئِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ ذُكِرَ وَبَيْنَ السَّكْرَانِ سُكْرًا حَرَامًا رَفْعُ الْقَلَمِ عَنْ هَذَا الزَّوَالِ لِمَحَلِّ الْخِطَابِ وَهُوَ الْعَقْلُ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ جُنُونِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ قَتَلَ مُتَقَطِّعُ الْجُنُونِ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ كَالصَّحِيحِ لَكِنْ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، فَإِنْ أَيِسَ مِنْ أَفَاقَتْهُ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يُسَلَّمُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُونَهُ إنْ شَاءُوا، فَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَتُرَدُّ الدِّيَةُ.
وَبَقِيَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ مَا إذَا شَكَّ هَلْ قَتَلَ فِي حَالِ صَحْوِهِ أَوْ فِي جُنُونِهِ؟ فَجَزَمَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَازِمَةٌ مِنْ قَبْلُ لِعَاقِلَتِهِ وَقِيلَ لَهُ وَلَا سَبِيلَ لِإِسْقَاطِهَا.
(وَعَمْدُ الصَّبِيِّ) الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَلَوْ أُنْثَى (كَالْخَطَإِ) فَلَا يُقْتَصُّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» .
لَعَلَّ الْمُرَادَ بِاحْتِلَامِهِ رُؤْيَةُ عَلَامَةِ الْبُلُوغِ.
(وَذَلِكَ) أَيْ وَاجِبُ جِنَايَتِهِ كَائِنٌ (عَلَى
وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ.
وَتَقْتُلُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَالرَّجُلُ بِهَا وَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ.
وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ وَيُقْتَلُ بِهِ الْعَبْدُ.
وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَيُقْتَلُ بِهِ الْكَافِرُ.
وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي جُرْحٍ.
وَلَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ.
وَالسَّائِقُ
[الفواكه الدواني]
عَاقِلَتِهِ) بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) أَيْ وَاجِبُ جِنَايَةِ يَبْلُغُ (ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي كُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَاجِبُ جِنَايَتِهِ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي وَلَا الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(فَفِي مَالِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى الْحُلُولِ وَيُتَّبَعُ بِهِ إنْ أَعْدَمَ.
وَاخْتُلِفَ إذَا اشْتَرَكَ بَالِغٌ عَاقِلٌ مَعَ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ فِي قَتْلِ شَخْصٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَشْهُرُهَا أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ يُقْتَلُ بِخِلَافِ شَرِيكِ الْمَجْنُونِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ الْقِصَاصُ إنْ تَمَالَأَ عَلَى قَتْلِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ تَمَالُؤٌ فَإِنْ كَانَ الْكَبِيرُ مُتَعَمِّدًا وَحْدَهُ أَوْ الصَّبِيُّ كَذَلِكَ فَنِصْفُ دِيَةِ مَقْتُولِهِمَا فِي مَالِ الْكَبِيرِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ، وَإِنْ أَخْطَأَ الْكَبِيرُ فَنِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْكَبِيرِ وَنِصْفُهَا الْآخَرُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا شَرِيكُ الْمُخْطِئِ وَالْمَجْنُونِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَا تَعَمُّدَ لِلشَّكِّ فِيمَنْ مَاتَ بِفِعْلِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ أَوْ الْمَجْنُونِ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَعَلَى شَرِيكِهِ الْمُتَعَمِّدِ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَلَا يُنْظَرُ لِقَوْلِ الْأَوْلِيَاءِ إنَّمَا قَتَلَهُ الْعَاقِلُ الْمُشَارِكُ لِلْمُخْطِئِ أَوْ الْمَجْنُونِ لَوْ أَقْسَمُوا.
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ أَوْ شَرُفَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْجَانِي فَقَطْ.
(وَتُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَالرَّجُلُ بِهَا) حَيْثُ كَانَا حُرَّيْنِ أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ رَقِيقًا وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ» .
(وَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (مِنْ بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ) فَيُقْتَصُّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَعَكْسُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: لَا تُقْطَعُ يَدُ الرَّجُلِ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ وَلَا عَكْسُهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ قَالَ: (وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ) مُسْلِمٌ (بِعَبْدٍ) مُسْلِمٍ لِأَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ أَشْرَفُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قِنًّا أَوْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيِّ عَهْدٍ وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا الْحُرَّ بِالْمُسْلِمِ لِنَتَحَرَّزَ عَنْ الْحُرِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُقْتَلُ الْحُرُّ الذِّمِّيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ غِيلَةً وَإِلَّا قُتِلَ الْقَاتِلُ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُكَافَأَةٌ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْحُرِّ قَاتِلِ الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ فِي غَيْرِ الْغِيلَةِ، وَفِي جُرْحِهِ مَا نَقْصُ قِيمَتِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَمْلُوكَةِ لِغَيْرِ الْجَانِي لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ أَيْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ قِنٌّ وَلَا مُبَعَّضًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ كَانَ قَتْلُهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُكَافِئًا لَهُ فَيُقْتَلُ بِهِ.
(وَيُقْتَلُ بِهِ) أَيْ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ (الْعَبْدُ) لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ فَأَوْلَى الْحُرُّ الْمُسْلِمُ، وَمَعْنَى يُقْتَلُ بِهِ أَنَّهُ يَقْضِي بِقَتْلِهِ إنْ طَلَبَهُ الْوَلِيُّ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْخِيَارَ بَيْنَ قَتْلِهِ وَاسْتِحْيَائِهِ، لَكِنْ اسْتِحْيَاؤُهُ يُثْبِتُ لِسَيِّدِهِ الْخِيَارَ بَيْنَ إسْلَامِهِ أَوْ دَفْعِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ، كَمَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ إذَا قَتَلَ الْعَبْدُ حُرًّا مُسْلِمًا خَطَأً بَيْنَ تَسْلِيمِهِ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَوْ فِدَائِهِ بِدِيَةِ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَتْ مِنْ رَقِيقٍ عَلَى رَقِيقٍ فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَالْقِصَاصُ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ قِنَّا مَحْضًا وَالْقَاتِلُ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، حَكَّمَ مَا فِيهِ شَائِبَةٌ عَلَى الرِّقِّ حَتَّى يَخْرُجَ حُرًّا، وَفِي الْخَطَإِ جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ وَإِسْلَامِهِ.
(وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ) وَلَوْ رَقِيقًا (بِكَافِرٍ) وَلَوْ حُرًّا لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَتْلُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ أَدْنَى مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، إذْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ لَا يُعَادِلُهَا حُرِّيَّةُ الْكِتَابِيِّ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ قَتْلِ الْغِيلَةِ، «فَقَدْ قَتَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ قَتَلَهُ غِيلَةً» ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ بِقَوْلِهِ: (وَيُقْتَلُ بِهِ) أَيْ الْمُسْلِمِ وَلَوْ رَقِيقًا (الْكَافِرُ) وَلَوْ حُرًّا لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْكَافِرِ لَا تُعَادِلُ شَرَفَ الْإِسْلَامِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مُكَافِئًا لِلْمَقْتُولِ حِينَ الْقَتْلِ ثُمَّ زَالَتْ الْمُسَاوَاةُ قَبْلَ الْقِصَاصِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ أَوْ إسْلَامٍ، فَإِذَا قَتَلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْكَافِرُ الْقَاتِلُ أَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ فِي الصُّورَتَيْنِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَ الْقَتْلِ وَقَدْ وُجِدَتْ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْأَدْنَى يُقْتَلُ بِالْأَعْلَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ فِي الْغِيلَةِ وَكَانَ حُكْمُ الْجِرَاحِ لَيْسَ كَالدِّمَاءِ قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ) مَشْرُوعٌ (بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي جَرْحٍ) حَصَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَارِحُ الْحُرَّ أَوْ الْعَبْدَ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الَّذِي جَرَحَ الْحُرَّ فَالْعَبْدُ فِيمَا جَنَى، سَوَاءٌ جَنَى عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ الْحُرَّ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى عُضُولٍ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى بِالنِّسْبَةِ لِلْحُرِّ
وَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ ضَامِنُونَ لِمَا وَطِئَتْ الدَّابَّةُ.
وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمْ أَوْ وَهِيَ وَاقِفَةٌ لِغَيْرِ شَيْءٍ فُعِلَ بِهَا فَذَلِكَ هَدَرٌ
[الفواكه الدواني]
فَيُنْسَبُ ذَلِكَ لِلْعَقْلِ لِقِيمَتِهِ، فَفِي قَطْعِ يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي جَائِفَتِهِ أَوْ آمَّتِهِ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ وَهَاشِمَتِهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مُسَمًّى فَيَلْزَمُ فِيهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ أَنَّهُ يُقْتَصُّ لِلْحُرِّ مِنْ الْحُرِّ وَمِنْ الرَّقِيقِ لِلرَّقِيقِ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ كَذَوِي الرُّوقِ: وَيُقْتَصُّ لِذَكَرِ كُلٍّ مِنْ أُنْثَاهُ كَمَا يُقْتَصُّ لِلضَّعِيفِ مِنْ الصَّحِيحِ وَعَكْسُهُ.
قَالَ: وَذَكَرٌ وَصَحِيحٌ وَضِدُّهُمَا أَيْ يُقْتَصُّ لِكُلٍّ مِنْ الْآخَرِ.
(وَلَا) قِصَاصَ أَيْضًا فِي جُرْحٍ وَقَعَ (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) وَحِينَئِذٍ فَإِنَّ الْجَارِحَ الْمُسْلِمَ فَعَلَيْهِ دِيَةُ عُضْوِ الْكَافِرِ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي شَيْءٍ لَا عَقْلَ لَهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ الْكَافِرَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ أَوْ الْحُكُومَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْجُرْحُ كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ إلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا فَلَا قِصَاصَ، وَعَلَى كَافِرٍ جَرَحَ مُسْلِمًا، وَلَا عَلَى عَبْدٍ جَرَحَ حُرًّا مُسْلِمًا وَإِنْ كَانَ يُقْتَصُّ مِنْهُمَا بِقَتْلِ النَّفْسِ، هَذَا هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَلْزَمُ الدِّيَةُ.
(تَنْبِيهٌ)
فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ يُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، قَالَ خَلِيلٌ: وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كِتَابِيٌّ وَمَجُوسِيٌّ وَمُؤْمِنٌ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ، فَيُقْتَصُّ لِلْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ مِنْ الْمَجُوسِيِّ وَعَابِدِ النَّارِ، وَالْمُؤَمَّنِ الْكَافِرِ الدَّاخِلِ بَلَدَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ.
وَلَمَّا كَانَ مَا أَتْلَفَتْهُ الدَّابَّةُ ذَاتُ الْقَائِدِ أَوْ الرَّاكِبِ أَوْ السَّائِقِ مُتَعَلِّقًا بِهِ نَاسَبَ ذِكْرَهَا عَقِبَ جِنَايَةِ الشَّخْصِ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّائِقُ) لِلدَّابَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْمَقَامِ وَهُوَ الْحَاثُّ لَهَا عَلَى السَّيْرِ.
(وَالْقَائِدُ) وَهُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ أَمَامَهَا وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ.
(وَالرَّاكِبُ) الْمُسْتَوْلِي عَلَى ظَهْرِهَا.
(ضَامِنُونَ لِمَا وَطِئَتْ) أَيْ أَصَابَتْهُ وَأَتْلَفَتْهُ بِرِجْلِهَا (الدَّابَّةَ) وَكَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُخَاطَبٌ بِهِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ الثَّلَاثَةِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاكِبِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ الْكَائِنِ عَلَى ظَهْرِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ إتْلَافُهَا بِسَبَبِ الرَّاكِبِ فَيَخْتَصُّ بِهِ الضَّمَانُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُمَا مُشَارَكَةٌ فِي التَّسَبُّبِ، وَمِثْلُ مَا وَطِئَتْهُ مَا لَوْ طَارَتْ حَصَاةٌ مِنْ تَحْتِ حَافِرِهَا فَكَسَرَتْ آنِيَةً مَثَلًا فَضَمَانُهَا مِنْ قَائِدِهَا أَوْ سَائِقِهَا أَوْ رَاكِبِهَا عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ، خِلَافًا لِابْنِ زَرْبٍ فِي ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ وَطِئَتْ الدَّابَّةُ أَنَّ مَا أَتْلَفَهُ وَلَدُ الدَّابَّةِ الْمَسُوقَةِ أَوْ الْمَرْكُوبَةِ أَوْ الْمُقَادَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا لَوْ رَكِبَهَا شَخْصَانِ وَوَطِئَتْ شَيْئًا فَأَتْلَفَتْهُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا عَلَى ظَهْرِهَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُقَدَّمِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَخَّرُ حَرَّكَهَا فَيَضْمَنَانِ مَعًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُؤَخَّرِ مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَهَا الْمُؤَخَّرُ فَتَرْمَحَ بِضَرْبِهِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الْمُقَدَّمُ عَلَى مَنْعِهَا وَتَقْتُلَ رَجُلًا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُؤَخَّرِ خَاصَّةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاكِبَيْنِ فِي جَنْبِهَا لَاشْتَرَكَا فِي الضَّمَانِ، وَأَمَّا لَوْ رَكِبَهَا ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ عَلَى ظَهْرِهَا وَاثْنَانِ فِي جَنْبَيْهَا فَيَظْهَرُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الثَّلَاثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِتْلَافِ مِنْ وَاحِدٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَحَرَّرَهُ، هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا وَطِئَتْهُ بِرِجْلِهَا، وَأَمَّا مَا كَدَمَتْهُ بِفَمِهَا أَوْ أَتْلَفَتْهُ بِذَنَبِهَا أَوْ نَفْخِهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ وَالرَّاكِبِ إلَّا أَنْ يَتَسَبَّبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ تَسَبُّبِهِ لَوْ رَآهَا أَصَابَتْ شَيْئًا بِفَمِهَا وَتَمَكَّنَ مِنْ تَخْلِيصِهِ قَبْلَ إتْلَافِهِ وَلَمْ يَصْرِفْهَا لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ وَاجِبٌ، وَكَذَا يَضْمَنُ صَاحِبُهَا جَمِيعَ مَا أَتْلَفَتْهُ بِفِيهَا إذَا كَانَ شَأْنُهَا الْإِتْلَافَ بِهِ وَلَوْ عَجَزَ عَنْ تَخْلِيصِهِ الْآنَ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ شَيْءٍ عَلَى فِيهَا حَيْثُ اُشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ لَا إنْ عَجَزَ عَنْ تَخْلِيصِهِ أَوْ لَمْ تَشْتَهِرْ بِذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا وَهِيَ فِي مَحَلِّ الرَّعْيِ أَيْ فِي مَحَلِّ وُقُوفِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا أَوْ فِي السُّوقِ أَوْ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، بِخِلَافِ إيقَافِهَا بِمَحَلٍّ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ بِرِجْلِهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ ظَهَرَ تَلَفُ شَيْءٍ مِنْ الدَّابَّةِ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ بِمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ أَوْ لَا؟ وَيَظْهَرُ عَدَمُ الضَّمَانِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّسَبُّبِ.
وَبَقِيَ مَسَائِلُ أُخَرُ مِنْهَا مَنْ قَادَ قِطَارًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا وَطِئَ الْبَعِيرُ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ الْقَائِدِ سَائِقٌ فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيمَا وَطِئَ الْآخِرُ وَحْدَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ السَّوْقُ، وَلَا يَضْمَنُ السَّائِقُ مَا أَصَابَ الَّذِي يَلِي الْآخِرَ لِأَنَّ السَّوْقَ يَنْفَعُ فِي الْآخِرِ وَمَا قَبْلَهُ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْكِتَابِ عَنْ مَالِكٍ فِي حَمَّالٍ حَمَلَ عَدْلَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ وَهُوَ أَجِيرٌ فَسَارَ بِهِ وَسَطَ السُّوقِ فَانْقَطَعَ الْحَبْلُ وَسَقَطَ عَدْلٌ عَلَى شَخْصٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ الْجَمَّالُ دُونَ صَاحِبِ الْبَعِيرِ.
وَمِنْهَا مَنْ سَقَطَ مِنْ فَوْقِ دَابَّةٍ عَلَى شَخْصٍ فَقَتَلَهُ فَالسَّاقِطُ ضَامِنٌ وَذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَمِنْهَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ فَنَادَى رَجُلًا يَحْبِسُهَا لَهُ فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَحْبِسَهَا لَهُ ضَرَبَتْهُ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْعَجْمَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ عَبْدًا أَوْ صَغِيرًا فَدِيَةُ الْحُرِّ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ.
وَمِنْهَا مَنْ دَفَعَ لِصَبِيٍّ دَابَّتَهُ أَوْ سِلَاحَهُ لِيُمْسِكَهُ فَعَطِبَ بِذَلِكَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الدَّافِعِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الدَّابَّةُ يَسْقِيهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَلَوْ كَبِيرًا فَإِنَّ قِيمَتَهُ تَكُونُ عَلَى
وَمَا مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَعْدِنٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ فَهُوَ هَدَرٌ.
وَتُنَجَّمُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَثُلُثُهَا فِي سَنَةٍ وَنِصْفُهَا
[الفواكه الدواني]
الدَّافِعِ مِنْ مَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَمَرَ حُرًّا كَبِيرًا بِمَسْكِهَا فَقَتَلَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بَعْدَ انْفِلَاتِهَا مِنْ مَرْبِطِهَا الْحَافِظِ مِنْ الْهُرُوبِ شَخْصًا غَيْرَ مَأْمُورٍ بِمَسْكِهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، بِخِلَافِ لَوْ أَفْلَتَتْ مِنْ يَدِ إنْسَانٍ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ضَمَانَ فِعْلِ الْخَطَإِ.
وَمِنْ الْمَسَائِلِ: لَوْ حَمَلَ صَبِيًّا عَلَى دَابَّتِهِ يَمْسِكُهَا لَهُ أَوْ يَسْقِيهَا فَوَطِئَتْ رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ وَلَا رُجُوعَ لِعَاقِلَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّجُلِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالصَّغِيرِ الْمُرَاهِقُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَحْمُولُ حُرًّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَبْدًا صَغِيرًا وَحَمَلَهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَوَطِئَتْ رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ فَإِنَّ سَيِّدَهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِدِيَةِ الْحُرِّ أَوْ يُسَلِّمَهُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَلَا يَرْجِعُ سَيِّدُ الْعَبْدِ عَلَى الْحَامِلِ لَهُ بِشَيْءٍ.
وَمِنْهَا لَوْ نَخَسَ أَجْنَبِيٌّ دَابَّةً لَهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ أَوْ رَاكِبٌ وَنَشَأَ عَنْ نَخْسِهَا شَيْءٌ فَعَلَى النَّاخِسِ دُونَ مَنْ مَعَهَا مِنْ سَائِقٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ رَاكِبٍ حَتَّى لَوْ قَتَلَتْ شَخْصًا بِنَخْسِهَا لَوَجَبَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ ذَلِكَ النَّاخِسِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْهَارِبَ الْخَائِفَ إذَا وَطِئَ أَوْ صَدَمَ شَيْئًا فَذَلِكَ عَلَى الَّذِي فَعَلَ بِهِ.
وَلَمَّا كَانَ ضَمَانُ مَا وَطِئَتْهُ الدَّابَّةُ وَأَتْلَفَتْهُ مِنْ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ لِتَسَبُّبِهِ، ذَكَرَ هُنَا حُكْمَ مَا إذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبِهِمْ بِقَوْلِهِ: (وَمَا كَانَ مِنْهَا) أَيْ وَالْإِتْلَافُ الْحَاصِلُ مِنْ الدَّابَّةِ (مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمْ) أَيْ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ بِأَنْ أَتْلَفَتْهُ بِذَنَبِهَا أَوْ كَدَمَتْهُ بِفَمِهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا أَوْ رَاكِبُهَا مِنْ مَنْعِهَا.
(أَوْ) أَتْلَفَتْهُ (وَهِيَ وَاقِفَةٌ) فِي مَحَلِّهَا الْمُعَدِّ لَهَا أَوْ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا كَبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ السُّوقِ وَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِالْعَدَاءِ وَحَصَلَ الْإِتْلَافُ مِنْهَا.
(لِغَيْرِ شَيْءٍ فُعِلَ بِهَا فَذَلِكَ هَدَرٌ) أَيْ سَاقِطٌ عَنْ صَاحِبِهَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ وَقَدْ تَسْكُنُ الدَّالُ، وَأَمَّا لَوْ أَتْلَفَتْ مِنْ أَجْلِ شَيْءٍ فُعِلَ بِهَا فَضَمَانُهُ عَلَى الْفَاعِلِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا شَخْصٌ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِقَرْنِهَا آخَرَ فَقَتَلَتْهُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ غَيْرِ الزُّرُوعِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا أَتْلَفَتْ شَيْئًا مِنْ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ.
(وَمَا مَاتَ فِي بِئْرٍ) أَيْ وَاَلَّذِي مَاتَ بِسَبَبِ انْهِدَامِ بِئْرٍ عَلَيْهِ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حَفْرِهَا أَوْ بِنَائِهَا أَوْ غَوْصِهَا.
(أَوْ) مَاتَ فِي (مَعْدِنٍ) اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِ وَالْحَالُ أَنَّ مَوْتَ مَنْ ذُكِرَ (مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ فَهُوَ هَدَرٌ) خَبَرُ مَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً أَيْ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ وَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ، وَمَوْضُوعُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَفْرَ فِي مَحَلٍّ يُجَوَّزُ الْحَفْرُ فِيهِ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِعْلُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» .
وَالْعَجْمَاءُ بِالْمَدِّ كُلُّ حَيَوَانٍ غَيْرُ الْآدَمِيِّ، وَسُمِّيَتْ الْبَهِيمَةُ بِالْعَجْمَاءِ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَالْجُبَارُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ عَمَّا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ فَمَاتَا فَإِنَّ نِصْفَ دِيَةِ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَثُلُثُ دِيَةِ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَهَكَذَا لَوْ كُثْرُ وَالتَّسَبُّبُ كُلٌّ فِي قَتْلِهِ وَقَتْلِ صَاحِبِهِ فَمَاتَا بِهِ سَاقِطٌ كَقَتْلِ نَفْسِهِ وَتُؤْخَذُ عَاقِلَتُهُ بِمَا تَسَبَّبَ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحَفْرُ فِيهِ فَمَا تَلَفَ فِيهِ يَضْمَنُهُ الْمَالُ فِي مَالِهِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ بَلَغَتْ الثُّلُثَ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ وَمَا فِي حُكْمِهَا مِمَّا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِنَقْصِهِ عَنْ الثُّلُثِ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي ذَكَرَ هُنَا أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ تُنَجَّمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَتُنَجَّمُ) أَيْ تُقَسَّطُ (الدِّيَةُ) الْكَامِلَةُ (عَلَى الْعَاقِلَةُ) فِي قَتْلِ الْخَطَإِ (فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ بِلَا اعْتِرَافٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي الْكَامِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ خَطَأً إذَا ثَبَتَتْ بِغَيْرِ اعْتِرَافِ الْقَاتِلِ تُفَرَّقُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ ثَلَاثَةَ أَقْسَاطٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْحُرُّ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ وَهُمْ عَصَبَتُهُ مِنْ النَّسَبِ أَوْ الْوَلَاءِ أَوْ أَهْلَ دِيوَانِهِ أَوْ بَيْتُ الْمَالِ، لَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ الْجَمِيعِ الْمَبْدَأُ أَهْلُ الدِّيوَانِ الْقَائِمِ الْعَطَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَصَبَتُهُ نَسَبًا، وَإِلَّا فَالْمَوَالِي الْأَعْلَوْنَ ثُمَّ الْأَعْلَوْنَ ثُمَّ الْأَسْفَلُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوَالٍ فَبَيْتُ الْمَالِ إنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ مَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مَعَ الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَتُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْجَانِي، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهَا تُقَسَّطُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالرِّفْقِ مِنْ الْعَاقِلَةِ وَحَرَّرَهُ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ وَلَا عَصَبَةَ لَهُ فَيَعْقِلُ عَنْهُ أَهْلُ دِيَتِهِ مِنْ كُورَتِهِ، فَلَا يَعْقِلُ نَصْرَانِيٌّ عَنْ يَهُودِيٍّ وَلَا عَكْسُهُ وَالصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِهَا فَقِيلَ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ الزَّائِدُ عَلَى الْأَلْفِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ نَقَصُوا عَنْ السَّبْعِمِائَةِ كَمَّلُوا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي كَذَلِكَ، وَيُضْرَبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا لَا يُضَرُّ بِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُتَّسِعِ فِي الْغِنَى بِقَدْرِهِ وَمِمَّنْ دُونَهُ بِقَدْرِهِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَرْأَةُ وَالْفَقِيرُ وَالْغَارِمُ يُعْقَلُ عَنْهُمْ وَلَا يَعْقِلُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَالْمُعْتَبَرُ حَالُهُمْ وَقْتَ تَوْزِيعِ الدِّيَةِ، فَمَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَحَلِّ الْقَاتِلِ غَيْبَةَ انْقِطَاعٍ أَوْ فَقِيرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ أَيْسَرَ الْفَقِيرُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْمَضْرُوبِ بِزَوَالِ الْغِنَى أَوْ بِالْمَوْتِ، وَتَكُونُ الْأَقْسَاطُ مُتَسَاوِيَةً، وَيُعْطَى كُلُّ ثُلُثٍ فِي آخِرِ السَّنَةِ كَمَا قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
فِي سَنَتَيْنِ.
وَالدِّيَةُ مَوْرُوثَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ.
وَفِي جَنِينِ الْحُرَّةِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٌ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ.
[الفواكه الدواني]
وَعَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ فَتُخَفَّفُ عَنْهُمْ بِتَأْجِيلِهَا لَآخِرِ الْعَامِ، وَسُمِّيَتْ عَاقِلَةً لِأَنَّهَا تَعْقِلُ عَنْ الْقَاتِلِ أَوْ تَحْمِلُ عَنْهُ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ الطَّالِبِ عَنْ الْجَانِي، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِلُونَ الْإِبِلَ عِنْدَ دَارِ الْمَقْتُولِ وَهَكَذَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ.
(وَ) إنْ كَانَ الْوَاجِبُ (ثُلُثَهَا) بِأَنْ كَانَ الْجُرْحُ جَائِفَةً أَوْ آمَّةً أَوْ دَامِغَةً فَإِنَّهُ يُقْبَضُ مِنْ الْعَاقِلَةِ (فِي) آخِرِ (سَنَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِانْقِضَائِهَا وَإِبْدَاؤُهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ وَالثُّلُثَانِ فِي سَنَتَيْنِ.
(وَ) إنْ كَانَ الْوَاجِبُ (نِصْفَهَا) كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ أَوْ رِجْلَ شَخْصٍ خَطَأً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ (فِي سَنَتَيْنِ) يَحِلُّ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى ثُلُثُهَا وَفِي الثَّانِيَةِ سُدُسُهَا، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَنِصْفُهَا فِي سَنَتَيْنِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٍ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ النِّصْفَ يُجْعَلُ شَطْرَيْنِ لِكُلِّ سَنَةٍ شَطْرٌ، فَإِنَّهُ صَوَّبَ كَلَامَ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ قَالَ وَنُجِّمَ فِي الْمُصَنِّفِ وَالثَّلَاثَةِ أَرْبَاعٍ بِالتَّرْبِيعِ رُبْعٌ بِآخِرِ كُلِّ عَامٍ لَوَافَقَ الرَّاجِحَ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ كَلَامَ الْأُجْهُورِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَامِلَةَ تُنَجَّمُ عَلَى أَرْبَعِ سِنِينَ عَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ الْمُقَابِلِ لِمَا عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَخَلِيلٌ وَابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ جَعْلِ الْكَامِلَةِ فِي ثَلَاثٍ.
[مُسْتَحَقّ دِيَةِ الْمَقْتُولِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُسْتَحَقِّ دِيَةِ الْمَقْتُولِ بِقَوْلِهِ: (وَالدِّيَةُ) وَهِيَ الْمَالُ الْمُؤَدَّى فِي نَظِيرِ دَمِ الْمَقْتُولِ (مَوْرُوثَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ) سَوَاءٌ كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَهِيَ كَمَالِ الْمَيِّتِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ نَصِيبَهُ الْمُقَدَّرَ لَهُ فِي مَالِهِ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْقَاتِلَ، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ: «مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا الْمَقْتُولِ خَطَأً» . وَفِي قَوْلِهِ مَوْرُوثَةٌ مُنَاقَشَةٌ لِمَا أَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ الَّذِي كَانَ مَمْلُوكًا لَلْمَوْرُوثِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَالدِّيَةُ إنَّمَا اسْتَحَقَّتْهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ يَمْلِكَهَا بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ دِيَتَهُ يُقْضَى مِنْهَا وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْهَا، وَإِذَا عَفَا عَنْ قَاتِله خَطَأً فَإِنَّ عَفْوَهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلْعَاقِلَةِ بِدِيَتِهِ فَإِنْ حَمَلَهَا ثُلُثُهُ سَقَطَتْ عَنْهُمْ، مَعَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ ثُلُثِ مَا عُلِمَ بِهِ مِنْ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ بِقَوْلِهِ: (وَ) الْوَاجِبُ (فِي جَنِينِ) أَيْ حَمْلِ (الْحُرَّةِ) مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً إذَا انْفَصَلَ عَنْهَا غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ وَهِيَ حَيَّةٌ بِسَبَبِ ضَرْبَةٍ أَوْ تَخْوِيفٍ أَوْ شَمِّ رَائِحَةِ سَمَكٍ مِنْ عِنْدِ مَنْ يَعْلَمُ حَمْلَهَا وَأَنَّ عَدَمَ إطْعَامِهَا يُسْقِطُهُ (غُرَّةٌ) وَهِيَ (عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ) أَيْ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ بَلَغَتْ حَدَّ الْإِثْغَارِ بِحَيْثُ (تُقَوَّمُ) تِلْكَ الرَّقَبَةُ (بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ) وَذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ وَعُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الْجَنِينِ وَإِنْ عَلَقَةً عُشْرُ أُمِّهِ وَلَوْ أَمَةً نَقْدًا أَوْ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً تُسَاوِيهِ أَيْ الْعُشْرَ، لِأَنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُرَّةَ لَا تَكُونُ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ مَنْ تَسَبَّبَ فِي إنْزَالِ جَنِينٍ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَنَزَلَ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ كَمَا قَدَّمْنَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ عُشْرُ وَاجِبِ أُمِّهِ مِنْ النَّقْدِ الْحَالِ أَوْ يَدْفَعُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً تُسَاوِي عُشْرَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَلَوْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهِ شَمَّهَا رَائِحَةً حَيْثُ طَلَبَتْ مِنْ ذِي الرَّائِحَةِ شَيْئًا وَلَمْ يُعْطِهَا أَوْ عَلِمَ بِحَمْلِهَا وَبِأَنَّ عَدَمَ تَنَاوُلِهَا مِنْهُ يُسْقِطُ جَنِينَهَا وَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَلَوْ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الْجَنِينُ دَمًا مُجْتَمِعًا بِحَيْثُ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لَا يَذُوبُ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ عِنْدَنَا فِي بَابِ الْغُرَّةِ وَالْعِدَّةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْمُتَخَلِّقِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْغُرَّةِ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّ إنْزَالَ الْجَنِينِ مِنْ هَذَا السَّبَبِ بِأَنْ عَايَنَتْهَا لَزِمَتْ الْفِرَاشَ إلَى أَنْ انْفَصَلَ مِنْهَا غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَأَمَّا لَوْ نَزَلَ مُسْتَهِلًّا فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً بِشَرْطِ الْقَسَامَةِ وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا، وَقَوْلُنَا: وَهِيَ حَيَّةٌ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ انْفَصَلَ عَنْهَا غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ بَعْضُهُ فِي حَيَاتِهَا وَبَعْضُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» .
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا وَمِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ الْغُرَّةَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْعَبْدُ وَلَا غَيْرُهُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَيُخَيَّرُ الْجَانِي بَيْنَ غُرْمِ الْغُرَّةِ أَوْ عُشْرِ دِيَةِ الْأُمِّ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عَلَى الْحُلُولِ وَلَا يُعْطَى فِيهَا إبِلٌ وَلَا بَقَرٌ.
الثَّانِي: إذَا كَانَ الْجَنِينُ مُتَعَدِّدًا تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ وَهُوَ الْغُرَّةُ إنْ نَزَلَ مَيِّتًا وَالدِّيَةُ مَعَ الْقَسَامَةِ إنْ نَزَلَ مُسْتَهِلًّا وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌ وَلَوْ كَانَ الْجَنِينُ مِنْ زِنًى.
الثَّالِثُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْجَنِينِ يَكُونُ عَلَى الْجَانِي وَعَلَى الْحُلُولِ مَحَلَّهُ وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْوَاجِبُ فِي الْخَطَإِ الثُّلُثَ وَإِلَّا كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، كَمَجُوسِيٍّ ضَرَبَ بَطْنَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ لِأَنَّ الْغُرَّةَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ
وَتُورَثُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.
وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ مِنْ مَالٍ وَلَا دِيَةٍ.
وَقَاتِلُ الْخَطَإِ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ دُونِ الدِّيَةِ.
وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَتِهَا.
وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ
[الفواكه الدواني]
يَسْتَحِقُّ الْغُرَّةَ بِقَوْلِهِ: (وَتُورَثُ) أَيْ الْغُرَّةُ (عَلَى حُكْمِ الْفَرَائِضِ) الْمُفَصَّلَةِ (فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) وَقَالَ خَلِيلٌ: وَوُرِّثَتْ عَلَى الْفَرَائِضِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُمْ: إنَّ الْجَنِينَ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَالِ الَّذِي يَمْلِكُهُ لَا عَلَى مَا يَشْمَلُ مَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ ذَاتِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إرْثِهَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ فَيَأْخُذُ مِنْهَا حَتَّى الْإِخْوَةُ وَبَقِيَّةُ الْعَصَبَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ: هِيَ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ خَاصَّةٌ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهَا إرْثًا لَوْ كَانَ الضَّارِبُ لِبَطْنِ أُمِّ الْجَنِينِ هُوَ الْأَبُ يَلْزَمُهُ الْغُرَّةَ وَلَا يَرِثُ مِنْهَا، كَذَا لَوْ شَرِبَتْ الْأُمُّ لِإِسْقَاطِهَا مَا فِي بَطْنِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْغُرَّةُ وَلَا تَرِثُ مِنْهَا لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ.
كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ) الْعُدْوَانِ (مِنْ مَالِ) الْمَقْتُولِ الَّذِي تَرَكَهُ (وَلَا) مِنْ (دِيَةٍ) أُخِذَتْ فِي نَظَرِ دَمِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ مَقْتُولَهُ لِاتِّهَامِهِ عَلَى اسْتِعْجَالِ مَوْتِهِ» فَعُوقِبَ بِالْحِرْمَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ لِوُجُوبِهَا بِفِعْلِهِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ عَلَى الشَّخْصِ شَيْءٌ لِنَفْسِهِ، وَكَمَا لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ لَا يَحْجُبُ وَارِثًا، وَقَيَّدْنَا الْعَمْدَ بِالْعُدْوَانِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعَمْدِ غَيْرِ الْعُدْوَانِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي الْبَاعِيَةِ: وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ وَوَرِثَهُ.
(وَ) مَفْهُومُ قَاتِلِ الْعَمْدِ أَنَّ (قَاتِلَ الْخَطَإِ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ) الَّذِي تَرَكَهُ الْمَقْتُولُ لِعَدَمِ اتِّهَامِهِ مَعَ ثُبُوتِ الْخَطَإِ.
(دُونَ الدِّيَةِ) لِأَنَّهَا مِنْ سَبَبِهِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهَا: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَلَوْ كَانَ يَرِثُهَا لَمْ يُسَلِّمْهَا، وَمَنْ لَا يَرِثُ مِنْهَا لَا يَحْجُبُ الْوَارِثَ لَهَا، فَإِذَا فَرَضْنَا ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ لِأُمٍّ لَهُمْ أُمٌّ حَيَّةٌ وَقَتَلَ أَحَدُهُمْ أَخَاهُ خَطَأً فَإِنَّ الْأُمَّ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ الْمَقْتُولِ الثُّلُثَ، وَالثُّلُثَانِ لِلْأَخِ، وَلَا يُقَالُ لِلْأُمِّ السُّدُسُ مَعَ تَعَدُّدِ الْإِخْوَةِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُ وَارِثٍ مِنْ الدِّيَةِ فَلَا يَحْجُبُ الْوَارِثَ لَهَا، وَأَمَّا إرْثُهَا مِنْ مَتْرُوكِ الْمَقْتُولِ غَيْرِ الدِّيَةِ فَهُوَ السُّدُسُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ جَنِينِ الْحُرَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) الْوَاجِبُ (فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا) الْحُرِّ (مَا) يَجِبُ (فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ) مِنْ أَهْلِ دِينِ سَيِّدِهَا وَهُوَ عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ مِنْ النَّقْدِ الْحَالِ أَوْ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِي الْعُشْرَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا وَالنَّصْرَانِيَّة مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَالْحُرَّةِ أَيْ وَجَنِينُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فَفِيهِ عُشْرُ دِيَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيَّةُ أَوْ النَّصْرَانِيَّةُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَتَزَوَّجُهَا كَجَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَخْذِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ أُمِّهِ وَالْإِسْلَامِ مِنْ أَبِيهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ مِنْ سَيِّدِهَا لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْمَدَارُ أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ تَخَلَّقَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ فَيَشْمَلُ وَلَدَ الْأَمَةِ الْغَارَةِ لِحُرَّةٍ وَأَمَةٍ كَالْجَدِّ فَإِنَّ فِي جَنِينِ مَنْ ذُكِرَ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، وَقَوْلُهُ: مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ أَيْ مِنْ أَهْلِ دِينِ سَيِّدِهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ.
(وَ) مَفْهُومُ سَيِّدِهَا أَنَّ جَنِينَهَا (إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنْ كَانَ مِنْ سَيِّدٍ زَنَى أَوْ مِنْ زَوْجٍ وَلَوْ حُرًّا مَعَ عِلْمِهِ (فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَتِهَا) أَيْ الْأُمِّ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْغُرَّةِ، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ إنْ أُنْزِلَ مُسْتَهِلًّا قِيمَتُهُ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
(تَنْبِيهٌ) بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْآدَمِيَّةِ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ، وَسَكَتَ عَنْ جَنِينِ الْبَهِيمَةِ إذَا تَسَبَّبَ إنْسَانٌ فِي قَتْلِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ تُقَوَّمُ أُمُّهُ حَامِلًا بِهِ وَعَلَى حَالِهَا بَعْدَ انْفِصَالِهِ، وَيُنْظَرُ مَا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهَا بَعْدَ نُزُولِهِ عَنْ قِيمَتِهَا حَامِلًا بِهِ، فَمَا نَقَصَ يَغْرَمُهُ الْجَانِي هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمِّ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنْ نَزَلَ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ نَزَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَعَ غُرْمِ نَقْصِ الْأُمِّ، لِأَنَّ نَحْوَ الْبَقَرَةِ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بَعْدَ فَقْدِ وَلَدِهَا عَنْ قِيمَتِهَا مَعَ حَيَاتِهِ،
وَلَمَّا كَانَ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى قِصَاصًا قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ) مِنْ الْأَحْرَارِ (عَبْدًا) أَيْ رَقِيقًا وَلَوْ ذَا شَائِبَةٍ كَمُكَاتَبٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ.
(فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وَلَوْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ وَيَغْرَمُهَا الْقَاتِلُ فِي مَالِهِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ أَيْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَقَوْلُنَا: مِنْ الْأَحْرَارِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ قَتَلَهُ رَقِيقٌ فَالْقِصَاصُ أَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ غِيلَةً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ.
(تَنْبِيهٌ) بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مَا يَجِبُ عَلَى قَاتِلِ الرَّقِيقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ جَرَحَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقِيمَةَ لِلْعَبْدِ فِي جِرَاحَاتِهِ كَالدِّيَةِ لِلْحُرِّ فِي النِّسْبَةِ إلَيْهَا، فَمَا يَجِبُ فِي جِرَاحَاتِ الْمُسْلِمِ يُنْسَبُ إلَى دِيَتِهِ، وَمَا يَجِبُ فِي جِرَاحَاتِ الرَّقِيقِ يُنْسَبُ إلَى قِيمَتِهِ، فَفِي جَائِفَتِهِ وَآمَّتِهِ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ وَهِيَ الْهَاشِمَةُ عُشْرُ قِيمَتِهِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا، وَمَا عَدَا تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ مِنْ يَدٍ وَعَيْنٍ وَرِجْلٍ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهُ سَالِمًا.
وَلَمَّا كَانَ قَتْلُ الْمُحَارِبِ وَهُوَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ لِمَنْعِ السُّلُوكِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ قَالَ: (وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ) الْمُكَلَّفُونَ وَلَوْ أَشْرَافًا وُجُوبًا.
(وَالْوَاحِدُ) وَلَوْ
فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ بَعْضُهُمْ.
وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ فِي الْخَطَإِ وَاجِبَةٌ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ وَيُؤْمَرُ بِذَلِكَ إنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْعَمْدِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.
وَيُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَهُوَ الَّذِي يُسِرُّ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ.
وَكَذَلِكَ السَّاحِرُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
وَيُقْتَلُ مَنْ ارْتَدَّ إلَّا أَنْ يَتُوبَ وَيُؤَخَّرَ لِلتَّوْبَةِ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ.
وَمَنْ لَمْ يَرْتَدَّ
[الفواكه الدواني]
أُنْثَى أَوْ رَقِيقًا أَوْ ذِمِّيًّا وَلَوْ لَمْ يَحْصُلُ مِنْهُمْ تَمَالُؤٌ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِهِ.
(فِي الْحِرَابَةِ) أَيْ بِسَبَبِ قَتْلِهِ فِي حَالِ الْحِرَابَةِ وَحَقِيقَتُهَا قَطْعُ الطَّرِيقِ لِمَنْعِ السُّلُوكِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ الْمَعْصُومِ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ أَوْ الْقَتْلُ خُفْيَةً فَقَوْلُهُ: (وَالْغِيلَةُ) وَهِيَ الْقَتْلُ لِأَخْذِ الْمَالِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهَا نَوْعُ الْحِرَابَةِ.
(وَ) هَذَا وَاضِحٌ (إنْ وَلِيَ الْقَتْلَ) جَمِيعُهُمْ بَلْ وَإِنْ وَلِيَهُ (بَعْضُهُمْ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمَالُؤٌ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْحِرَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْجَمْعُ بِالْوَاحِدِ إلَّا إنْ تَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ ابْتِدَاءً أَوْ بَاشَرَ جَمِيعُهُمْ الْقَتْلَ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ضَرَبَاتُهُمْ وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْ كُلٍّ كَفِعْلِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْحِرَابَةَ أَشَدُّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ الْحُرَّ يُقْتَلُ فِيهَا بِالنَّصْرَانِيِّ أَوْ الْعَبْدِ؟ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ فِيهَا عَنْ الْقَاتِلِ، وَلَا يَسْقُطُ قَتْلُهُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَحْكَامِهَا لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ فَرَّقَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا.
[أَحْكَامِ كَفَّارَة الْقَتْل]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْقَتْلِ وَالدِّيَاتِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ: (وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ فِي) أَيْ بِسَبَبِ الْقَتْلِ (الْخَطَإِ وَاجِبَةٌ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ يُثَابُ الْمُخْرِجُ لَهَا عَلَى فِعْلِهَا وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا وَهِيَ (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ وَلَيْسَ فِيهَا شَرَكٌ وَلَا عَقْدُ حُرِّيَّةٍ كَرَقَبَةِ الظِّهَارِ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أَيْ يَسْتَطِعْ الْعِتْقَ (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَهِيَ مُرَتَّبَةٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَجَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ وَالصَّوْمِ يُطْلَبُ هُنَا، وَمَا يَمْتَنِعُ هُنَاكَ يَمْتَنِعُ هُنَا، فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْ الصَّوْمَ فَإِنْ أَفْطَرَ عَمْدًا ابْتَدَأَهُ وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ نِسْيَانًا أَوْ لِحَيْضٍ أَوْ لِمَرَضٍ فَلَا يَبْتَدِئُهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَ صَوْمَهُ بَعْدَ زَوَال الْمَرَضِ أَوْ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عِتْقًا انْتَظَرَ الْقُدْرَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا إطْعَامٌ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِنْ الْقَاتِلِينَ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بِشَرْطِ حُرِّيَّةِ الْمَقْتُولِ وَإِسْلَامِهِ وَعِصْمَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَإِنْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا إذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ وَبِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَا فِي قَتْلِ غَيْرِ مَعْصُومٍ كَزَانٍ مُحْصَنٍ وَمُرْتَدٍّ وَزِنْدِيقٍ، وَلَا فِي عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ وَتُؤْخَذُ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَالزَّكَاةِ، وَلَوْ أَعْسَرَ كُلٌّ فَالظَّاهِرُ انْتِظَارُ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ حَتَّى يَصُومَا، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ الْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ مَعَ عَدَمِ إثْمِ الْقَاتِلِ لِخَطَرِ أَمْرِ الدِّمَاءِ، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ مَعَ عَدَمِ إثْمِ الْحَالِفِ كَالْحَانِثِ بِالنِّسْيَانِ لِلزَّجْرِ عَنْ التَّحَرِّي عَلَى الْحَلِفِ، وَمَفْهُومُ الْخَطَإِ أَنَّ الْقَاتِلَ (يُؤْمَرُ بِذَلِكَ) أَيْ بِإِخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ نَدْبًا (إنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ) وَالدَّلِيلُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ قَوْلُهُ: (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) لِعِظَمِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْإِثْمِ فَهُوَ كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ الَّذِي لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا النَّارُ أَوْ عَفْوُ الْبَارِي، فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْمُبَادَرَةُ إلَى التَّوْبَةِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِالْكَفَّارَةِ وَبِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ وَرَقِيقٍ وَعَمْدٍ وَعَبْدٍ وَذِمِّيٍّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ فِي قَتْلِ الرَّقِيقِ سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَكَذَا فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ وَلَوْ قَتَلَهُ خَطَأً.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَحْكَامَ مَنْ يُقْتَلُ لِجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، شَرَعَ فِيمَنْ يُقْتَلُ لِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: (وَيُقْتَلُ) وُجُوبًا (الزِّنْدِيقُ حَدًّا) لَا كُفْرًا (وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي يُسِرُّ) أَيْ يُخْفِي (الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَقُتِلَ الْمُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا أَيْ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَمَالُهُ لِوَارِثِهِ وَهُوَ فَائِدَةُ قَتْلِهِ حَدًّا، وَشَرْطُ إرْثِهِ إنْ تَابَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ تَوْبَتُهُ لَا تُسْقِطُ قَتْلَهُ، وَمِثْلُ تَوْبَتِهِ إنْكَارُهُ لِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ، وَأَمَّا لَوْ اعْتَرَفَ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يُورَثُ وَيَكُونُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ وَلَا يَكُونُ قَتْلُهُ حَدًّا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكُفْرُ الَّذِي سَتَرَهُ بِارْتِدَادٍ أَوْ سِحْرٍ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أَيْ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ تَابَ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ لَسَقَطَ قَتْلُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى قَتْلِ الزِّنْدِيقِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَى بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أَحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
فَإِنْ قِيلَ: الزِّنْدِيقُ هُوَ الْمُنَافِقُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الْمُنَافِقِينَ.
فَالْجَوَابُ، أَنْ يُقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يَتْرُكُ قَتْلَهُمْ لِئَلَّا تَقُولَ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِنَفْرَةِ النَّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَالْحَالُ أَنَّ شَأْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّأْلِيفُ لِأَجْلِ حُصُولِ الْإِسْلَامِ.
(وَكَذَلِكَ) يَجِبُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
قَتْلُ الْمُسْلِمِ (السَّاحِرِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) وَهُوَ الَّذِي يَصْنَعُ السِّحْرَ بِغَيْرِهِ بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، أَوْ يُذْهِبَ عَقْلَ غَيْرِهِ، أَوْ يَفْعَلَ فِعْلًا يُغَيِّرُ بِهِ صُورَةَ غَيْرِهِ كَتَغَيُّرِ صُورَةِ إنْسَانٍ بِصُورَةِ حِمَارٍ أَوْ كَلْبٍ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا كَالزِّنْدِيقِ وَهُوَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ يُخْفِي ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ لَقُتِلَ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَمَالُهُ فَيْءٌ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا: كَالزِّنْدِيقِ فِي حَالِ إخْفَائِهِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي يَسْتَأْجِرُ مَنْ يَعْمَلُ السِّحْرَ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَلَا يُقْتَلُ، كَمَنْ يَسْتَأْجِرُ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ فَإِنَّ الَّذِي يُقْتَلُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى قَتْلِ السَّاحِرِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» .
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ لِشَخْصٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَ غَيْرَهُ لِإِبْطَالِ السِّحْرِ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ مَنَعَهُ الْحَسَنُ قَائِلًا: لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا سَاحِرٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَالُجِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَازِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ كَثِيرًا مَا يُبَاحُ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا، وَأَمَّا الَّذِي يُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِهِ فَإِنْ كَانَ سِحْرًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَإِلَّا عُوقِبَ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، وَقَوْلُنَا الْمُسْلِمُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ السَّاحِرِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ فَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي أَعْلَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ، وَيُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ مَنْ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْإِخْبَارُ عِنْدَ الْإِمَامِ، هَكَذَا يُفِيدُهُ كَلَامُ أَصْبَغَ وَاسْتَصْوَبَ كَلَامَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
الثَّانِي: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَلَفْظُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُفْرٌ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا يَكْفُرُ السَّاحِرُ لَا مَنْ تَعَلَّمَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَاسْتَصْوَبَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَتَّى قَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ عَلَى أُصُولِنَا، وَاحْتَجَّ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ كُفْرِ مُتَعَلِّمِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بِهِ بِأَنَّ تَعَلُّمَ مَا بِهِ الْكُفْرُ لَا يَكُونُ كُفْرًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُصُولِيَّ يَتَعَلَّمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لِيُحَذِّرَ مِنْهُ غَيْرَهُ فَتَعَلُّمُ مَا بِهِ السِّحْرُ أَوْلَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَا كُفْرَ إلَّا بِفِعْلِهِ لِجَعْلِهِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْفِعْلِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْكُفْرِ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ مَالِكٍ عَلَى مَنْ تَعَلَّمَهُ لِيَعْمَلَ بِهِ وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى مَنْ تَعَلَّمَهُ لِيُحَذِّرَ مِنْهُ غَيْرَهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَهُ لِيَعْمَلَ بِهِ مَظِنَّةٌ لِاسْتِحْلَالِهِ وَاعْتِقَادِ تَأْثِيرِهِ وَهُوَ مُكَفِّرٌ بِخِلَافِ مَنْ تَعَلَّمَهُ لِيُحَذِّرَ مِنْهُ غَيْرَهُ.
الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ، فَذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ كَالرَّازِيِّ إلَى أَنَّهُ اسْتِحْدَاثُ الْخَوَارِقِ لِمُجَرَّدِ النَّفْسِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السِّحْرُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَتَسَبَّبُ عَنْ سَبَبٍ مُعْتَادٍ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْفَقِيهُ: هُوَ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ بِكُفْرِ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ظَاهِرٌ عَلَى حَدِّ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
[كِتَاب الْحُدُود]
[أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ مِنْ الِارْتِدَادِ الَّذِي هُوَ الرُّجُوعُ وَمِنْهُ الْمُرْتَدُّ، وَحَقِيقَةُ الرِّدَّةِ شَرْعًا قَطْعُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُكَلَّفِ وَفِي الصَّبِيِّ خِلَافٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّدَّةُ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ تَقَرَّرَ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَيُقْتَلُ) وُجُوبًا كُلُّ (مَنْ ارْتَدَّ) أَيْ قَطَعَ إسْلَامَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30] أَوْ الْبَعِيدُ كَفَرَ بِاَللَّهِ، أَوْ أَشْرَكَ بِهِ، أَوْ أَتَى بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْكُفْرَ، كَقَوْلِهِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ، أَوْ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ غَيْرُ فَرْضٍ لِأَنَّ الْجَاحِدَ كَافِرٌ، أَوْ الْحَجُّ غَيْرُ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، أَوْ اللَّهُ جِسْمٌ كَأَجْسَامِ الْحَوَادِثِ، أَوْ أَتَى بِفِعْلٍ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ كَإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي قَذَرٍ اخْتِيَارًا أَوْ شَدَّ نَحْوَ الزُّنَّارِ وَتَوَجَّهَ بِهِ إلَى مُتَعَبَّدِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» . وَمَحَلُّ قَتْلِهِ (إلَى أَنْ يَتُوبَ) بِرُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَشَارَ إلَى مُدَّةِ تَأْخِيرِهِ لِلتَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤَخَّرُ) وُجُوبًا (لِلتَّوْبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَتُوبُ، فَإِنْ تَابَ فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا قُتِلَ بِغُرُوبِ شَمْسِ الثَّالِثِ، وَتُحْسَبُ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِ الْكُفْرِ لَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ مَعَ تَأَخُّرِ الثُّبُوتِ، وَلَا يُحْسَبُ الْيَوْمُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الثُّبُوتُ وَلَا يَوْمُ الِارْتِدَادِ، لِأَنَّ الْيَوْمَ لَا يُلَفَّقُ هُنَا، وَإِنَّمَا كَانَ زَمَنُ الِاسْتِتَابَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَّرَ قَوْمَ صَالِحٍ ذَلِكَ الْقَدْرَ حَيْثُ قَالَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] فَلَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مَضَى لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَيَّدْنَا بِبَعْدِ الْبُلُوغِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ إذَا ارْتَدَّ يُهَدَّدُ وَلَا يُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ) تُقْتَلُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا أَنْ تَتُوبَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ سَيِّدٍ أَوْ زَوْجٍ، وَهِيَ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا فَتُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ وَلَوْ حُرَّةً، وَإِنْ كَانَتْ تُرْضِعُ فَتُؤَخَّرُ حَتَّى تَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا وَيَقْبَلُهُ الْوَلَدُ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ قَتْلِ النِّسَاءِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
وَأَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَقَالَ لَا أُصَلِّي أُخِّرَ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا قُتِلَ حَدًّا.
وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الزَّكَاةِ أُخِذَتْ مِنْهُ كُرْهًا.
وَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ فَاَللَّهُ حَسْبُهُ.
وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَحْدًا لَهَا فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ.
وَمَنْ سَبَّ
[الفواكه الدواني]
عَنْ قَتْلِهِنَّ، لِأَنَّ مَحْمَلَهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا عَلَى الْمُرْتَدَّةِ، وَيُطْعَمُ الْمُرْتَدُّ مِنْ مَالِهِ زَمَنَ الرِّدَّةِ، وَأَمَّا وَلَدُهُ وَعِيَالُهُ فَلَا يُنْفِقُونَ مِنْهُ لِأَنَّهُ صَارَ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا مَالَ عِنْدَهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَتْلُ الْمُرْتَدِّ لَيْسَ كَقَتْلِ الزِّنْدِيقِ الْمُسْتَسِرِّ، لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ يُقْتَلُ حَدًّا فَتَرِثُهُ وَرَثَتُهُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ وَكَذَلِكَ السَّاحِرُ الْمُتَجَاهِرُ فَيُقْتَلُ كُفْرًا فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَالُهُ يَكُونُ فَيْئًا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا لِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا حُكْمُ الْمُرْتَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ الرَّقِيقُ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ.
(وَمَنْ لَمْ يَرْتَدَّ) عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ) أَيْ بِوُجُوبِهَا (وَ) لَكِنْ (قَالَ لَا أُصَلِّي) أَبَدًا، أَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ وَجَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ (أُخِّرَ) أَيْ أَخَّرَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وُجُوبًا (حَتَّى) يَكَادَ (يَمْضِي وَقْتُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) لِمَنْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مُشْتَرِكَتَانِ كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ مَثَلًا أُخِّرَ إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ مَا يَسَعُ أُولَاهُمَا وَرَكْعَةٌ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ طُمَأْنِينَةٌ وَلَا اعْتِدَالٌ وَلَا فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى مِنْ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ قِرَاءَةُ فَاتِحَةٍ فِي سِوَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا فِي رَكْعَةٍ فَقَطْ، وَلَا طَهَارَةَ مَائِيَّةً بَلْ تُرَابِيَّةً لِضِيقِ الْوَقْتِ وَيُهَدَّدُ ثُمَّ يُضْرَبُ بِالْفِعْلِ.
(فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا) أَيْ يَشْرَعْ فِيهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَقَطْ أَوْ مِقْدَارُ الْأُولَى وَرَكْعَةٌ مِنْ الثَّانِيَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ.
(قُتِلَ حَدًّا) وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَفْعَلُ مَعَ عَدَمِ شُرُوعِهِ بِالْفِعْلِ، وَقَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةٍ وَلَا طُمَأْنِينَةٍ وَلَا اعْتِدَالٍ لَا يُنَافِي أَنَّهُ عِنْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ لَا بُدَّ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ، وَبِقَوْلِنَا: حَتَّى يَكَادَ يَمْضِي وَقْتُ صَلَاةِ إلَخْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَطَلَبَ مِنْهُ الْفِعْلَ وَامْتَنَعَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أُخِّرَ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يُشْعِرُ بِبَقَاءِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهَا تَصِيرُ فَائِتَةً، وَالْفَائِتَةُ لَا يُقْتَلُ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أُخِّرَ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَفْعَلُ وَصَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ فَاضِلٍ وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ لَا فَائِتَةً عَلَى الْأَصَحِّ وَالْجَاحِدُ كَافِرٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَفِي حُكْمِ مَنْ قَالَ لَا أُصَلِّي مَنْ قَالَ لَا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ لَا أَتَوَضَّأُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِذَا كَانَ فِي حُكْمِهِ فَهَلْ يُرَاعَى بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ قَدْرُ مَا يَسَعُ فِعْلَهُمَا مِنْ الرَّكْعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ أَوْ يُرَاعَى قَدْرُ الرَّكْعَةِ مِنْ التَّيَمُّمِ وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلَ.
الثَّانِي: لَوْ اطَّلَعَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَطَلَبَ مِنْهُ الشُّرُوعَ فِيهَا فَامْتَنَعَ وَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَالظَّاهِرُ قَتْلُهُ، وَلَيْسَ مِنْ الْقَتْلِ بِالْفَائِتَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَا.
الثَّالِثُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ تَهْدِيدُهُ وَلَوْ بِالضَّرْبِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى ضَاقَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مَعَ الطَّهَارَةِ فَقَدْ تَرَدَّدَ الْأُجْهُورِيُّ فِي قَتْلِهِ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ قَتْلِهِ وَلِي فِيمَا اسْتَظْهَرَهُ وَقْفَةٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي قَتْلُهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لَا سَبِيلَ إلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِي الشُّرُوعِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَيْضًا قَدْ قِيلَ بِالْقَتْلِ بِالْفَائِتَةِ فَكَيْفَ بِالْحَاضِرَةِ وَحَرَّرَهُ.
الرَّابِعُ: صِفَةُ قَتْلِهِ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ بِالسَّيْفِ فِي الْمَكَانِ الْمَعْهُودِ لِلضَّرْبِ فِيهِ شَرْعًا وَلَا يُعَاقَبُ.
(وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ) أَيْ إخْرَاجِ (الزَّكَاةِ) مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهَا (أُخِذَتْ مِنْهُ كَرْهًا) بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ قَهْرًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ وَيَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا بِخِلَافِ دَمِ الْفَقِيرِ فَيُقْتَلُ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ عِنَادًا أَوْ تَأْوِيلًا وَإِنْ بِقِتَالٍ، قَالَ بِسَنْدٍ: فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُمْتَنِعِ مَالٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْمَالِ لِلْإِمَامِ سَجْنُهُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالُهُ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ فِيهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ بَعْضُ الْمَالِ وَاتُّهِمَ بِإِخْفَاءِ غَيْرِهِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا يَحْلِفُ مَالِكٌ أَخْطَأَ مَنْ يُحَلِّفُ النَّاسَ مِنْ السُّعَاةِ وَلْيُصَدِّقُوا بِغَيْرِ يَمِينٍ وَنِيَّةُ الْإِمَامِ نَابَتْ عَنْ نِيَّتِهِ.
وَفِي التَّتَّائِيِّ: وَتُجْزِئُ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَالِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِظُهُورِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّيَّةِ، وَيُؤَدَّبُ الْمُمْتَنِعُ وَكَرْهًا بِالْفَتْحِ الْقَهْرُ، وَأَمَّا كُرْهًا بِمَعْنَى التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ فَبِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ، وَأَمَّا الْجَاحِدُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُقْتَلُ كُفْرًا.
(وَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ) وَهُوَ ضَرُورَةٌ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْوُجُوبِ (فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ) أَيْ يَنْتَقِمُ مِنْهُ بِعَدْلِهِ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ لِأَنَّ الزَّمَانَ كُلَّهُ ظَرْفٌ لَهُ، وَلِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ عِنَادًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ النِّيَّةَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ الْفَرَائِضِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهَا شَرَعَ فِي تَارِكِهَا جَحْدًا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ (جَحْدًا لَهَا) أَوْ لِشَيْءٍ مِنْ
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
وَمَنْ سَبَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ أَوْ سَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ قُتِلَ
[الفواكه الدواني]
أَرْكَانِهَا كَرُكُوعِهَا أَوْ سُجُودِهَا أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّوْمِ أَوْ الزَّكَاةِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الطَّهَارَةِ أَوْ شَكَّ فِي وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ) الْقَائِلِ بِأَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ بِالذَّاتِ وَقَالَ بِأَنَّهُ بَاقٍ، أَوْ جَحَدَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ أَوْ الْقِيَامَةَ أَوْ اسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ وَالزِّنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ.
(يُسْتَتَابُ) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ التَّوْبَةَ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ وَلَا مُعَاقَبَةٍ.
(فَإِنْ لَمْ يَتُبْ) بِإِسْلَامِهِ (قُتِلَ) كُفْرًا لَا حَدًّا، وَأَمَّا لَوْ تَابَ بِرُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ مَا اقْتَرَفَ مِنْ الِارْتِدَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] كَمَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ عِتْقٍ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَلَوْ كَانَ فَعَلَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ كُلَّ الزَّمَانِ ظَرْفٌ لَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ السَّابِّ لِنَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُ حَدًّا وَقَتْلُ الْمُرْتَدِّ كُفْرًا، وَلَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ، وَالْمُرْتَدُّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَالسَّابُّ شَبِيهٌ بِالزِّنْدِيقِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَبَّ) أَيْ شَتَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ (سَيِّدَنَا) وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَوْ نَبِيًّا غَيْرَهُ مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ أَوْ مَلَكًا مُجْمَعًا عَلَى مَلَكِيَّتِهِ أَوْ لَعَنَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي دِينِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ خَصْلَتِهِ أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ وَقَالَ أَرَدْت الْعَقْرَبَ، وَجَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ.
(قُتِلَ) حَدًّا لِأَنَّ قَتْلَهُ لِازْدِرَائِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ أَوْ الْمَلَكِ، لَا لِأَنَّهُ كَافِرٌ حَيْثُ تَابَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ أَوْ أَنْكَرَ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَيُسْتَعْجَلُ بِقَتْلِهِ.
(وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) سَوَاءٌ تَابَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ، وَالْحُدُودُ تَجِبُ إقَامَتُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ مُوجِبِهَا وَلَوْ تَابَ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا، كَالزَّانِي وَالشَّارِبِ وَالْقَاتِلِ وَالسَّارِقِ سِوَى الْمُحَارَبِ فَإِنَّ حَدَّ الْحِرَابَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِتْيَانِ لِلْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ تَرْكِهِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّابَّ شَبِيهٌ بِالزِّنْدِيقِ وَالزِّنْدِيقُ لَا تُعْرَفُ لَهُ تَوْبَةٌ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى جَعْلِهِ كَالزِّنْدِيقِ أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ ظُهُورِنَا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: السَّبُّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَالزِّنْدِيقُ الْحَقُّ مُتَعَلِّقٌ بِاَللَّهِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ يُشَاحَحُ فِيهِ، وَأَيْضًا الْأَصْلُ فِي الزَّوَاجِرِ عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا لَوْ أَعْلَنَ بِالسَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا كَالزِّنْدِيقِ أَيْضًا وَيُسْتَعْجَلُ بِقَتْلِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ لِأَجْلِ تَهَوُّرٍ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى سَبْقِ اللِّسَانِ وَلَا دَعْوَى سَهْوٍ وَلَا نِسْيَانٍ.
وَفَائِدَةُ كَوْنِ الْقَتْلِ حَدًّا الْحُكْمُ بِبَقَائِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي إرْثِهِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَفَائِدَةُ قَتْلِهِ كُفْرًا عَدَمُ ذَلِكَ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكَافِرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْتَعْجَلُ بِقَتْلِ الزِّنْدِيقِ وَالسَّابِّ وَلَوْ كَانَ قَتْلُهُمَا كُفْرًا، لِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُرْتَدِّ بِغَيْرِ السَّبِّ وَالزَّنْدَقَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ سَابِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَكَتَ عَنْ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَتُبْ، وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَالرَّاجِحُ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ، وَمَنْ سَبَّ الْبَارِيَ جَرَى فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ خِلَافٌ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَرٌ وَالْبَشَرُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَشَرًا يَقْبَلُ الْعَيْبَ وَتَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ بِالْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ سَائِرِ الْعُيُوبِ بِشَهَادَةِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] فَلَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ وَلَا مَعَرَّةٌ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْبِقَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ، وَأَيْضًا حَقُّ الْآدَمِيِّ يُشَاحَحُ فِيهِ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَأْنُهُ الْمُسَامَحَةُ وَالْعَفْوُ عَمَّنْ عَصَاهُ هَذَا إيضَاحُهُ.
الثَّانِي: قَيَّدْنَا الْكَلَامَ بِالْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَوْ مَلَكَتِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُخْتَلَفِ فِي نُبُوَّتِهِ كَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ، وَمَلَكِيَّتِهِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ فَلَا يُقْتَلُ مَنْ سَبَّهُمَا وَإِنَّمَا يُشَدَّدُ فِي أَدَبِهِ،
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّابَّ الْمُسْلِمَ يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ وَلَوْ جَاءَ إلَيْنَا تَائِبًا قَبْلَ ظُهُورِنَا عَلَيْهِ شَرَعَ فِي السَّابِّ الذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَبَّهُ) أَيْ سَيِّدَ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِغَيْرِ مَا) أَيْ الَّذِي (بِهِ كُفْرٌ) نَحْوُ: بَخِيلٌ أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ، أَوْ نَحْوُ: ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُزْرِيَةِ.
(أَوْ سَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ) نَحْوُ: شَحِيحٌ أَوْ عَاجِزٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَحِيلِ عَلَى اللَّهِ، وَجَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ (قُتِلَ) أَيْ السَّابُّ لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ اللَّهِ تَعَالَى (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ) فَيَسْقُطُ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَافِرِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَالْمُؤْمِنِ السَّابِّ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، لِلنَّبِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي سَبِّ اللَّهِ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَدٌّ وَهُوَ زِنْدِيقٌ لَا تُعْرَفُ لَهُ تَوْبَةٌ، وَالْكَافِرُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ فَيُعْتَبَرُ
إلَّا أَنْ يُسْلَمَ.
وَمِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمُحَارِبُ لَا عَفْوَ فِيهِ إذَا ظُفِرَ بِهِ فَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ.
[أَحْكَامِ الْمُحَارِب]
وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُ فَيَسَعُ الْإِمَامَ فِيهِ اجْتِهَادُهُ بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَكَثْرَةِ مُقَامِهِ فِي فَسَادِهِ فَإِمَّا قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ يُقَطِّعُهُ مِنْ خِلَافٍ أَوْ
[الفواكه الدواني]
إسْلَامُهُ وَلَا يُجْعَلُ سَبُّهُ مِنْ جُمْلَةِ كُفْرِهِ، لِأَنَّا لَمْ نُعْطِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى قَتْلِنَا وَأَخْذِ أَمْوَالِنَا، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدَنَا قَتَلْنَاهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ اسْتِحْلَالُهُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ سَبَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَا بِهِ كُفْرٌ كَيَا سَاحِرًا، أَوْ قَالَ النَّصْرَانِيُّ: إنَّمَا أُرْسِلَ إلَيْنَا عِيسَى لَا مُحَمَّدٌ، وَالْيَهُودِيُّ إنَّمَا رَسُولُنَا مُوسَى، وَكَذَا لَوْ سَبَّ اللَّهَ بِمَا بِهِ كُفْرٌ كَقَوْلِ النَّصْرَانِيِّ: اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، أَوْ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَكَقَوْلِ الْيَهُودِيِّ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ لِأَنَّ شَرْعَنَا أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلَا يُقْتَلُونَ بِهِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَيَتَقَضَّى أَمَدُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقَتْلِ، لِأَنَّ حِلَّ أَخْذِهَا مُغَيَّا بِنُزُولِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السَّبِّ بِمَا لَمْ يُكْفَرْ بِهِ، وَبَيْنَ السَّبِّ بِمَا بِهِ كُفْرٌ، فَيُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ أَيْضًا، فَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ حَتَّى ادَّعَى أَنَّ الْمَشْهُورَ قَتْلُ الذِّمِّيِّ بِمُطْلَقِ السَّبِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا بِهِ كُفْرٌ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ قَتْلَ السَّابِّ مُقَيَّدٌ بِسَبِّ مَنْ أُجْمِعَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَأُمِّ مُوسَى وَالْخَضِرِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَالْحَوَارِيِّينَ وَإِخْوَةِ يُوسُفَ، وَكَذَا مَنْ اُخْتُلِفَ فِي مَلَكِيَّتِهِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ فَإِنَّهُ يُنَكَّلُ نَكَالًا شَدِيدًا كَمَا أَشَرْنَا لَهُ سَابِقًا، كَمَا يُنَكَّلُ مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا إلَّا عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَإِنَّهُ إنْ رَمَاهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ بِأَنْ قَالَ زَنَتْ، أَوْ يُنْكِرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ إسْلَامَ الْعَشْرَةِ أَوْ إسْلَامَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَوْ كَفَّرَ الْأَرْبَعَةَ أَوْ وَاحِدًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَإِنْ نَاقَشَ الْأُجْهُورِيُّ فِي بَعْضِهِ،
[مِيرَاث الْمُرْتَدّ]
وَلَمَّا كَانَ الْمَقْتُولُ حَدًّا تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ لِمَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَنْ قُتِلَ كُفْرًا قَالَ: (وَمِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ) الْحُرِّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ (لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَإِلَّا فَفَيْءٌ، أَيْ وَأَمَّا مَالُ الْحُرِّ الَّذِي مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ كُفَّارًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ ارْتَدَّ فِي مَرَضِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَابَ بِرُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّ مَالَهُ يَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ وَالسَّابِّ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْمُحَارِبِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِرَابَةِ وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْخُرُوجُ لِإِخَافَةِ سَبِيلٍ لِأَخْذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ بِمُكَابَرَةِ قِتَالٍ أَوْ خَوْفِهِ أَوْ إذْهَابِ عَقْلٍ أَوْ قَتْلِ خُفْيَةٍ، وَلِمُجَرَّدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ لَا لِإِمَارَةٍ وَلَا نَائِرَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ فَيَدْخُلُ قَوْلُهَا: وَالْخَنَّاقُونَ الَّذِينَ يَسْقُونَ النَّاسَ السَّيْكَرَانَ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ مُحَارِبُونَ فَالْمُقَاتِلُ لِيَكُونَ أَمِيرًا أَوْ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُقَاتِلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّائِرَةِ لَا يَكُونُ مُحَارِبًا فَقَالَ: (وَالْمُحَارِبُ) اسْم فَاعِلٍ وَهُوَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ لِمُجَرَّدِ مَنْعِ السُّلُوكِ، أَوْ آخِذٍ بِالْمَدِّ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ، أَوْ الَّذِي يُغَيِّبُ عَقْلَ غَيْرِهِ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ، أَوْ الْمُخَادِعُ لِنَحْوِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَوْضِعًا وَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَا مَعَهُ، أَوْ الدَّاخِلُ فِي زُقَاقٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِيَأْخُذَ الْمَالَ عَلَى وَجْهِ التَّغَلُّبِ وَالْقَهْرِ.
(لَا عَفْوُ) جَائِزٌ (فِيهِ إذَا ظُفِرَ بِهِ) وَأُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ لِأَنَّ حَدَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ.
(فَإِنْ قَتَلَ) أَيْ الْمُحَارِبُ (أَحَدًا فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ) حَيْثُ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي قَتَلَهُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا، وَلَا يُشْتَرَطُ مُبَاشَرَتُهُ لِلْقَتْلِ بَلْ وَلَوْ شَارَكَ فِيهِ بِإِعَانَةٍ كَضَرْبٍ أَوْ إمْسَاكٍ بَلْ وَلَوْ بِالْمُمَالَأَةِ، وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُسْقِطُ حَقَّ الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ حَدُّ الْحِرَابَةِ لَا حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَمَعْنَى وُجُوبِ الْقَتْلِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ الْقَتْلَ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ قَتْلِ الْعَمْدِ، أَمَّا الْقِصَاصُ أَوْ الْعَفْوُ مَجَّانًا إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَ الْمُحَارِبِ إذَا وَجَبَ قَتْلُهُ حَقٌّ لِلَّهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَلَا يُقْبَلُ عَفْوُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنْ الْحِرَابَةِ فَيَسْقُطُ حَدُّهَا فَقَطْ، وَيَتَمَحَّضُ الْحَقُّ لِلْآدَمِيِّ فَلَهُ قَتْلُهُ قِصَاصًا إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُحَارِبِ يَجِبُ قَتْلُهُ بِقَتْلِ غَيْرِهِ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَدِّهِ إذَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا بِقَوْلِهِ: (وَ) أَمَّا (إنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا) فَلَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ وَحِينَئِذٍ (فَيَسْعَى) أَيْ يَفْعَلُ (الْإِمَامُ فِيهِ اجْتِهَادَهُ بِقَدْرِ جُرْمِهِ) أَيْ بِحَسْبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْمَعَاصِي فِي زَمَنِ مُحَارَبَتِهِ.
(وَكَثْرَةِ مَقَامِهِ) أَيْ طُولِ إقَامَتِهِ.
(فِي فَسَادِهِ) فَيُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ إنْ كَانَ ذَكَرًا حُرًّا وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِمَّا قَتَلَهُ) ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ لَكِنْ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: نَاشَدْتُك اللَّهَ إلَّا مَا خَلَّيْت سَبِيلِي إنْ لَمْ يُعَالَجْ إلَّا بِالْقَتْلِ وَإِلَّا قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ مُنَاشَدَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَيُقْتَلُ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ إنْ أَمْكَنَ (أَوْ) أَيْ وَإِمَّا (صَلَبَهُ) حَيًّا بِأَنْ يُرْبَطَ عَلَى جِذْعٍ مِنْ غَيْرِ تَنْكِيسٍ (ثُمَّ قَتَلَهُ) بَعْدَ الصَّلْبِ فَالصَّلْبُ مِنْ صِفَاتِ الْقَتْلِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَوْ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لِيَقْتُلَهُ فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ لَمْ يَصْلُبْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ مِنْ الْحُدُودِ شَيْئًا، وَلَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي الْحَبْسِ لَصَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ حَدِّهِ.
(أَوْ) أَيْ وَإِمَّا (يُقَطِّعُهُ
يَنْفِيهِ إلَى بَلَدٍ يُسْجَنُ بِهَا حَتَّى يَتُوبَ.
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ تَائِبًا وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ هُوَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللُّصُوصِ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا سَلَبُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ.
وَتَقْتُلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ قُتِلَ غِيلَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ.
وَمَنْ زَنَى مِنْ حُرٍّ مُحْصَنٍ
[الفواكه الدواني]
مِنْ خِلَافٍ) بِأَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى وَلَاءً مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً فِي قِصَاصٍ مَثَلًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى حَتَّى يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، وَصِفَةُ قَطْعِ الْيَدِ قِيلَ عَلَى حَدِّ الْأَصَابِعِ وَقِيلَ مِنْ الْكُوعِ، وَفِي الرِّجْلِ قِيلَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ وَقِيلَ تُقْطَعُ مِنْ الْكَعْبِ.
(أَوْ) أَيْ وَإِمَّا (يَنْفِيهِ) إنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا (إلَى بَلَدٍ يُسْجَنُ بِهَا) كَمَا يُنْفَى فِي الزِّنَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ قَصْرٍ كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَغَايَةُ حَبْسِهِ (حَتَّى يَمُوتَ) أَوْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُحَارِبُ عَبْدًا لَخُيِّرَ فِيهِ الْإِمَامُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ: الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، أَوْ الْقَتْلُ الْمُجَرَّدُ، أَوْ الصَّلْبُ ثُمَّ الْقَتْلُ، وَلَا يُنْفَى إلَّا أَنْ يَرْضَى سَيِّدُهُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْقَتْلِ الْمُجَرَّدِ أَوْ الْقَطْعِ مِنْ خِلَافٍ، وَلَا تُصْلَبُ وَلَا تُنْفَى إلَّا أَنْ تَرْضَى بِالنَّفْيِ إلَى بَلَدٍ عَلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ وَوُجِدَتْ رُفْقَةٌ مَأْمُونَةٌ فَذَلِكَ لَهَا، لِأَنَّ هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ قَطْعِهَا مِنْ خِلَافٍ وَمِنْ قَتْلِهَا، وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَكُنْ قَتَلَ أَحَدًا وَإِلَّا تَعَيَّنَ قَتْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَتْلِهِ مَفْسَدَةٌ أَشَدُّ، كَمَا كَانَ يَقَعُ فِي غَرْبِ إفْرِيقِيَةَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَخْصًا وَقَتَلُوهُ بِهِ يُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ وَيَقْتُلُونَ خَلَائِقَ كَثِيرَةً وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي زَمَانِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] إلَى أَنْ قَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَأَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِعْلُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ النَّظَرُ فِي حَالِ الْمُحَارِبِ، فَإِنْ كَانَ ذَا تَدْبِيرٍ اُسْتُحِبَّ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَا بَطْشٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقَطْعُ وَلِغَيْرِهِمَا، وَمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةُ النَّفْيِ وَالضَّرْبِ وَالتَّعْيِينُ لِلْإِمَامِ لَا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَنَحْوُهَا.
(فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحَارَبُ (حَتَّى جَاءَ) إلَى الْإِمَامِ (تَائِبًا) أَوْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِرَابَةِ بِأَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ (وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ ثُمَّ قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَ حَدُّهَا بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْمِينُهُ وَإِنْ جَازَ لَهُ تَأْمِينُ الْكَافِرِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ يُقَرُّ عَلَى حَالِهِ بِالتَّأْمِينِ، وَتُتْرَكُ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِلْمُحَارِبِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ بِتَوْبَتِهِ بَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ: (وَأُخِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ الْعَائِدُ عَلَى الْمُحَارِبِ (بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ) تَعَلَّقَ بِهِ زَمَنَ حِرَابَتِهِ، وَمِثْلُهُ حُقُوقُ اللَّهِ سِوَى عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ كَأَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ زَنَى وَهُوَ مُحَارِبٌ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا أَسْقَطَتْ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَالْحُمَلَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللُّصُوصِ) أَيْ الْمُحَارِبِينَ (ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا سَلَبُوهُ) أَيْ نَهَبُوهُ (مِنْ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إنَّمَا تَقَوَّى بِأَصْحَابِهِ، فَالْمُرَادُ بِاللِّصِّ هُنَا الْمُحَارِبُ سَوَاءٌ أُخِذَ فِي حَالِ تَلَصُّصِهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا، فَاللُّصُوصُ كَالْحُمَلَاءِ فَكُلُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ يَغْرَمُ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ وَيَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ، وَمِثْلُ الْمُحَارِبِينَ الْغُصَّابُ وَالْبُغَاةُ، وَأَمَّا مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِهِ مِنْ جِهَةِ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ تَرِكَتِهِ أَمْ يُتَّبَعُ بِهِ إنْ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ أَوْ غُرِّبَ.
وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ حُكْمَهُ كَالسَّارِقِ، فَمَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُتَّبَعُ بِمَا أَخَذَ إلَّا إذَا اتَّصَلَ يَسَارُهُ بِحَدِّهِ لَا مَنْ أَعْدَمَ بَعْدَ الْأَخْذِ وَلَوْ أَيْسَرَ يَوْمَ إقَامَةِ الْحَدِّ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَيُتَّبَعُ مُطْلَقًا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَعَدَمَ كُلٌّ عَنْ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا وَاتُّبِعَ كَالسَّارِقِ،
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ الْمُحَارِبِ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ أَنْ (تُقْتَلَ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) الَّذِي قَتَلُوهُ (فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ) وَهِيَ الْقَتْلُ لِأَخْذِ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ وَهِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحِرَابَةِ.
(وَإِنْ وَلِيَ) أَيْ بَاشَرَ (الْقَتْلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) وَأَعَادَ هَذَا وَإِنْ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ لِمَا فِي هَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَلِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَيُقْتَلُ
رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ وَالْإِحْصَانُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَيَطَأَهَا وَطْئًا صَحِيحًا.
فَإِنْ لَمْ يُحْصَنْ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغَرَّبَهُ الْإِمَامُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَحُبِسَ فِيهِ عَامًا.
وَعَلَى الْعَبْدِ فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَإِنْ كَانَا مُتَزَوِّجَيْنِ وَلَا
[الفواكه الدواني]
الْمُسْلِمُ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ) الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ أَيْ بِقَتْلِهِ الذِّمِّيَّ أَوْ الْعَبْدَ (قَتْلَ غِيلَةٍ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا وَأَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحِرَابَةِ، فَقَوْلُهُ: (أَوْ حِرَابَةٍ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ فِيهِ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْحِرَابَةِ لِحَقِّ اللَّهِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ تَابَ الْمُحَارِبُ أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتُبْ مِنْ الْحِرَابَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا قِصَاصًا، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لَهُ أَوْ أَعْلَى، فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا فَيَلْزَمُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ دِيَةُ الذِّمِّيِّ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ.
[بَاب الزِّنَا]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحِرَابَةِ شَرَعَ فِي الزِّنَا وَهُوَ لُغَةً الضِّيقُ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الزِّنَا الشَّامِلُ لِلِّوَاطِ تَغْيِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آخَرَ دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةٍ عَمْدًا، فَلَيْسَ مِنْ الزِّنَا وَطْءُ الْأَمَةِ الْمُحَلَّلَةِ، وَلَا وَطْءُ جَارِيَةِ الِابْنِ بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ، وَالْآدَمِيُّ الْمُرَادُ بِهِ الْمُسْلِمُ، وَكَذَا الْكَافِرُ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا، وَالْمُسْلِمَةُ يَطَؤُهَا الْكَافِرُ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ، وَفِي فَرْجٍ آخَرَ أَيْ آدَمِيٍّ آخَرَ، فَلَيْسَ مِنْ الزِّنَا وَطْءُ الْجِنِّيَّةِ أَوْ الْبَهِيمَةِ، وَالْفَرْجُ يَشْمَلُ الدُّبُرَ وَلَوْ دُبُرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لَكِنَّ دُبُرَ الذَّكَرِ يَكُونُ لِوَاطًا، وَدُبُرَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ يَكُونُ مِنْ الزِّنَا احْتِيَاطًا كَدُبُرِ الْأُنْثَى الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَمَّا تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ، كَمَا لَوْ غَيَّبَ الْخُنْثَى قَبْلَ اتِّضَاحِهِ حَشَفَتَهُ فِي فَرْجِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشَّهَادَاتِ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: آخَرَ تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ فِي دُبُرِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِزِنًا وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ فَقَطْ، وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةُ ذَاتِ النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، كَالْمَنْكُوحَةِ بِلَا وَلِيٍّ وَبِلَا شُهُودٍ، وَالزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ فِي حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا، وَالْأَمَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِالنَّسَبِ كَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ لَا الْمُحَرَّمَةِ بِالْعِتْقِ فَهُوَ زِنًا، وَخَرَجَ بِعَمْدًا الْغَالِطُ وَالنَّاسِي وَالْجَاهِلُ بِالْعَيْنِ أَوْ الْحُكْمِ إلَّا الْوَاضِحَ كَوَطْءِ الْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا، فَأَمَّا الْكِتَابُ فَآيَةُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، ثُمَّ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك» .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الزِّنَا مُحَرَّمٌ وَمِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لَيْسَ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ذَنْبٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَحُدُودُهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: رَجْمٌ فَقَطْ، وَجَلْدٌ فَقَطْ، وَجَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ، وَبَدَأَ بِأَوَّلِهَا فَقَالَ: (وَمَنْ زَنَى) أَيْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَلَا غَيْرِ مُنْتَشِرَةٍ.
(مِنْ حُرٍّ مُحْصَنٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ فِي أَجْنَبِيَّةٍ مُطِيقَةٍ وَلَوْ مَيِّتَةً (رُجِمَ) بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ (حَتَّى يَمُوتَ) وَيُتَّقَى فَرْجُهُ وَوَجْهُهُ وَلَا يُحْفَرُ لَهُ بَلْ يُضْرَبُ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ، وَلَا يُضْرَبُ عَلَى مَا تَحْتَ السُّرَّةِ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَيُجَرَّدُ أَعْلَى الرَّجُلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ، وَيُنْتَظَرُ بِهَا وَضْعُ حَمْلِهَا وَتَجِدُ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا، بِخِلَافِ الْجَلْدِ فَإِنَّهُ تُؤَخَّرُ فِيهِ حَتَّى يَنْقَضِي نِفَاسُهَا لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْعَسِيفِ: «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» .
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُحْصَنَ يُرْجَمُ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِحْصَانُ) لُغَةً الْعَقْدُ وَشَرْعًا (أَنْ يَتَزَوَّجَ) أَيْ يَنْكِحَ (الرَّجُلُ) الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْحُرُّ (امْرَأَةً) وَلَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً (نِكَاحًا صَحِيحًا) لَازِمًا (وَيَطَأَهَا وَطْئًا صَحِيحًا) أَيْ مُبَاحًا مَعَ انْتِشَارٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُرُوطَ الْإِحْصَانِ عَشَرَةٌ: وَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْأَصَالَةُ الْمُسْتَنِدَةُ لِعَقْدِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ، وَالْوَطْءُ الصَّحِيحُ مَعَ الِانْتِشَارِ، وَعِلْمُ الْخَلْوَةِ، وَعِلْمٌ مِنْ اشْتِرَاطِ حُرِّيَّةِ الزَّوْجِ وَإِسْلَامِهِ، وَالْإِطْلَاقُ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهُ قَدْ يُحْصِنُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَالزَّوْجَةُ الْأَمَةُ أَوْ الْحُرَّةُ الْمُطِيقَةُ تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْحُرَّ الْبَالِغَ وَلَا يُحْصِنُهَا، كَمَا أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ وَلَا يُحْصِنُهَا، وَالْمَجْنُونَةُ تُحْصِنُ الْعَاقِلَ وَلَا يُحْصِنُهَا،
ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ مُحْصَنٍ وَهُوَ الْبِكْرُ فَحَدُّهُ الْجَلْدُ مَعَ التَّغْرِيبِ إنْ كَانَ حُرًّا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يُحْصِنْ) الزَّانِي الْحُرُّ بِأَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ أَوْ وَطِيءَ فِي زَمَنِ حُرْمَةٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ خَلْوَةٌ بَيْنَهُمَا (جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَجَلْدُ الْبِكْرِ الْحُرِّ مِائَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] (وَغَرَّبَهُ الْإِمَامُ) وُجُوبًا إنْ كَانَ حُرًّا ذَكَرًا (إلَى بَلَدٍ آخَرَ) عَلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَفَى مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى خَيْبَرَ، وَنَفَى عَلِيٌّ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ وَهِيَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثٍ.
(وَ) إذَا غُرِّبَ إلَى بَلَدٍ (حُبِسَ فِيهِ عَامًا) كَامِلًا مِنْ يَوْمِ سَجْنِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِ الْعَامِ أُخْرِجَ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِثْلَهُ فِي الْبُعْدِ يَمْكُثُ فِيهِ حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ غَرَّبَهُ أَنَّهُ لَوْ غَرَّبَ نَفْسَهُ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَغُرِّبَ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ.
تَغْرِيبَ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى امْرَأَةٍ.
وَلَا يُحَدُّ الزَّانِي إلَّا بِاعْتِرَافٍ أَوْ بِحَمْلٍ يَظْهَرُ أَوْ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ بَالِغِينَ عُدُولٍ يَرَوْنَهُ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَيَشْهَدُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ أَحَدُهُمْ الصِّفَةَ حُدَّ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ أَتَمُّوهَا.
[مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا]
وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ.
وَيُحَدُّ وَاطِئُ أَمَةِ وَالِدِهِ.
وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ أَمَةِ وَلَدِهِ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ.
وَيُؤَدَّبُ الشَّرِيكُ
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أُجْرَةِ حَمْلِ الزَّانِي إلَى مَحَلِّ التَّغْرِيبِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَمِنْهُ، وَمِثْلُهُ الْمُحَارِبُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَانْظُرْ لَوْ زَنَى فِي الْمَكَانِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ أَوْ زَنَى الْغَرِيبُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ هَلْ يَكُونُ سَجْنُهُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي زَنَى فِيهِ تَغْرِيبًا أَمْ لَا؟ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ تَأَنَّسَ فِي السِّجْنِ مَعَ الْمَسْجُونِينَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَوَحَّشْ بِهِ غَرَّبَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يُسْجَنُ فِيهِ سَنَةً يَبْتَدِئُهَا مِنْ يَوْمِ الْخُرُوجِ الثَّانِي وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى وَإِلَّا فَفِي سِجْنِهِ الْأَوَّلِ، وَالْغَرِيبُ إنْ كَانَ بِفَوْرِ نُزُولِهِ قَبْلَ تَأَنُّسِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي زَنَى بِهَا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ فِيهَا سَنَةً وَإِلَّا أُخْرِجَ إلَى غَيْرِهَا.
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْجَلْدُ فَقَطْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَى الْعَبْدِ فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَإِنْ كَانَا مُتَزَوِّجَيْنِ) لِفَقْدِ شَرْطِ الْإِحْصَانِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُشْطَرُ بِالرِّقِّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالْعَبْدُ مَقِيسٌ عَلَى الْأَمَةِ.
(وَلَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِمَا) أَيْ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لِمَا يَلْحَقُ سَيِّدَهُمَا مِنْ الضَّرَرِ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَغْرِيبَ (عَلَى امْرَأَةٍ) حُرَّةٍ وَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْجَلْدُ فَقَطْ، لِأَنَّ تَغْرِيبَهَا ذَرِيعَةٌ إلَى الْفَسَادِ وَلَوْ رَضِيَتْ بِالتَّغْرِيبِ أَوْ رَضِيَ زَوْجُهَا، كَمَا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُغَرَّبُ وَلَوْ رَضِيَ سَيِّدُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّقِيقِ الْمُحَارِبِ وَالْمَرْأَةِ الْمُحَارِبَةِ إذَا رَضِيَ سَيِّدُ الْعَبْدِ أَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ بِالنَّفْيِ فَلَهُمَا ذَلِكَ حَيْثُ وَجَدَتْ الْمَرْأَةُ رُفْقَةً مَأْمُونَةً وَحَرَّرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُحَدُّ الزَّانِي إلَّا بِاعْتِرَافٍ) مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا حَيْثُ أَقَرَّ طَائِعًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَوْ مَرَّةً، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ فِي إقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ أَخْذًا بِحَدِيثِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ إذْ رَدَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
لَنَا حَدِيثُ الْعَسِيفِ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَأَرْجُمْهَا فَغَدَا إلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمَرَّةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ مَاعِزٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْكَرَ عَقْلَهُ وَلِذَلِكَ أَرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ مَرَّتَيْنِ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عَقْلِهِ حَتَّى أَخْبَرُوهُ بِصِحَّتِهِ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ» وَسَيَأْتِي أَنَّ الرَّاجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِلَى طَرِيقٍ ثَانٍ لِلثُّبُوتِ بِقَوْلِهِ: (وَ) إلَّا (بِحَمْلٍ يَظْهَرُ بِغَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ) وَغَيْرِ ذَاتِ سَيِّدٍ مُقِرٍّ بِوَطْئِهَا، وَمِثْلُ الْخَالِيَةِ مِنْ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ ذَاتُ السَّيِّدِ أَوْ الزَّوْجُ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ فَزَوْجَةُ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ يَلْزَمُهَا الْحَدُّ، وَمِثْلُهَا الْمُتَزَوِّجَةُ بِمَنْ لَا يُولَدُ لَهُ لَكِنْ وَلَدَتْ لِمُدَّةٍ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا بِزَوْجِهَا، كَمَا لَوْ وَضَعَتْ حَمْلًا كَامِلًا لِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمِ الدُّخُولِ فَإِنَّهَا تُحَدُّ أَيْضًا، وَأَشَارَ إلَى طَرِيقٍ آخَرَ لِلثُّبُوتِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) إلَّا (بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ بَالِغِينَ عُدُولٍ يَرَوْنَهُ) أَيْ ذَكَرَ الزَّانِي فِي فَرْجِهَا.
(كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمَيْلُ الدَّاخِلُ.
(فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْحَاءِ ظَرْفُ الْكُحْلِ.
(وَيَشْهَدُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ بِوَقْتٍ وَرُؤْيَا اتَّحَدَا، فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ سِتَّةٌ: يَكُونُ الشُّهُودُ أَرْبَعَةً وَكَوْنُهُمْ رِجَالًا وَبُلُوغُهُمْ وَعَدَالَتُهُمْ وَقَوْلُهُمْ: رَأَيْنَا فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُمْ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا زَنَى بِفُلَانَةَ، وَأَنْ تَتَّفِقَ شَهَادَتُهُمْ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ حُدَّتْ الْمَرْأَةُ وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِبَقَاءِ عُذْرَتِهَا، بِخِلَافِ لَوْ شَهِدَ عَلَى بَقَائِهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَدُّهَا، وَلَا يَفْسُقُونَ بِتَعَمُّدِ رُؤْيَتِهَا لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بَلْ يَجُوزُ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِشُهُودِ الزِّنَا كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَتْ وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ أَحَدُهُمْ الصِّفَةَ) بِأَنْ قَالَ: رَأَيْت ذَكَرَهُ بَيْنَ فَخْذَيْهَا وَلَا أَدْرِي هَلْ دَخَلَ فَرْجَهَا أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَإِلَّا زَادَ عَلَى الْحَدِّ، وَ (حُدَّ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ أَتَمُّوهَا) حَدَّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ فِي تِلْكَ الْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: رَأَيْت ذَكَرَهُ عَلَى بَابِ فَرْجِهَا فَقَطْ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِزِنَاهَا فَلِذَلِكَ قُلْنَا: يُعَاقَبُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَا يُحَدُّ، وَإِنَّمَا شُرِطَ فِي ثُبُوتِ الزِّنَا أَرْبَعَةٌ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْحُقُوقِ تَغْلِيظًا عَلَى الشَّاهِدِ بِقَذْفِهِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لَهُ إلَى تِلْكَ الشَّهَادَةِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْقَبِيحِ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَكَادَ يَثْبُتُ الزِّنَا عَلَى أَحَدٍ وَقَصْدًا لِلسَّتْرِ، وَلِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي لَا تَقَعُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَطُلِبَتْ الْأَرْبَعُ لِيَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ،
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الزِّنَا تَكْلِيفَ الْفَاعِلِ قَالَ: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ) سَوَاءٌ