الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيروانيصفحات 287-326
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ (الْغُسْلِ)

صفحات 287-326

مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُغْسَلَ وَلَا يُنْتَفَعَ بِرِيشِهَا وَلَا بِقَرْنِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَنْيَابِهَا،

وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ،

وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ وَقَدْ أُرْخِصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ.

وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شُرْبَ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَشَرَابُ الْعَرَبِ يَوْمئِذٍ فَضِيخُ التَّمْرِ وَبَيَّنَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَكُلُّ مَا خَامَرَ

[الفواكه الدواني]

وَلَوْ بِوَضْعِ الْمَائِعِ غَيْرِ الْمَاءِ فِيهِ لِطَهَارَتِهِ بِالذَّكَاةِ، وَكَمَا يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ السِّبَاعِ بَعْدَ تَذْكِيَتِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَجُوزُ بَيْعُ ذَاتِ السِّبَاعِ لِأَخْذِ جُلُودِهَا وَأَعْظَامِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ هِرٌّ وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: لَا مَفْهُومَ لِلْجِلْدِ، وَأَمَّا شِرَاءُ السِّبَاعِ لِلَّحْمِ أَوْ لَهُ وَلِلْجِلْدِ فَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا حَلَّ أَكْلُهُ مُطْلَقًا كَلَحْمِهَا أَيْضًا لَكِنْ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَبْعِيضِهَا، وَرَجَّحَ الْأُجْهُورِيُّ التَّبْعِيضَ وَاللَّقَانِيُّ عَدَمَهُ، وَلَمَّا كَانَ شَعْرُ الْمَيْتَةِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُهَا قَالَ: (وَيُنْتَفَعُ) عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
(بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا) وَوَبَرِهَا وَلَوْ مَيْتَةَ خِنْزِيرٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا أَيْضًا لِلطَّهَارَةِ بِالْجَزِّ، لَكِنْ يَجِبُ الْبَيَانُ عِنْدَ الْبَيْعِ.
(وَ) مِثْلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَيْتَةِ (مَا يُنْزَعُ مِنْهَا فِي) حَالِ (الْحَيَاةِ) إنْ جُزَّ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُغْسَلَ) وُجُوبًا إنْ ظَنَّ عَدَمَ طَهَارَتِهِ وَنَدْبًا عِنْدَ الشَّكِّ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الظَّاهِرِ: وَشَعْرٌ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ إنْ جُزَّتْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تُجَزَّ فَتَكُونُ مُتَنَجِّسَةً لِنَجَاسَةِ مَا اتَّصَلَ بِالْجِلْدِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الصُّوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْجِلْدِ، لِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ الْمُبَاشِرُ لِلْجِلْدِ، وَلَمَّا كَانَتْ قَصَبَةُ الرِّيشِ كَبَقِيَّةِ الْعَظْمِ لَيْسَتْ كَالشَّعْرِ قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَنْتَفِعَ بِرِيشِهَا) أَيْ قَصَبَةِ رِيشِهَا أَيْ الْمَيْتَةِ.
(وَلَا بِقَرْنِهَا وَلَا أَظْلَافِهَا وَلَا أَنْيَابِهَا) لِنَجَاسَتِهَا وَالْمُرَادُ بِالْأَنْيَابِ الْأَسْنَانُ وَلَوْ مِنْ الْفِيلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ: وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاجٍ وَظُفْرٍ وَقَصَبَةِ رِيشٍ وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبِغَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَيْ قَصَبَةٌ إلَخْ لِأَنَّ الرِّيشَ كَالشَّعْرِ فِي طَهَارَتِهِ بِالْجَزِّ، وَلَمَّا وَقَعَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ غَيْرِ الْمُذَكَّى خِلَافٌ قَالَ:

[الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ]

(وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ) وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) وَقَدْ قَدَّمَ ذَلِكَ فِي الضَّحَايَا مَعَ مُعْظَمِ مَا ذَكَرَهُ هُنَا

(وَكُلُّ شَيْءٍ) نُزِعَ (مِنْ الْخِنْزِيرِ) مِنْ لَحْمٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ عَظْمٍ (حَرَامٍ) لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ سِوَى شَعْرِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ أَرْخَصَ) أَيْ سَهَّلَ الشَّارِعُ (فِي) جَوَازِ (الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ) بَعْدَ جَزِّهِ لِطَهَارَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعِطْفِ عَلَى الطَّاهِرِ: وَشَعْرٍ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ إنْ جُزَّتْ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ أَجْزَاءِ الْخِنْزِيرِ نَجَاسَتُهُ حَتَّى فِي حَالِ الْحَيَاةِ، لِأَنَّ كُلَّ حَيٍّ طَاهِرٌ وَلَوْ خِنْزِيرًا أَوْ شَيْطَانًا، فَمَنْ حَمَلَ خِنْزِيرًا أَوْ شَيْطَانًا وَصَلَّى بِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.

[شُرْبَ الْخَمْرِ]

(وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شُرْبَ الْخَمْرِ) طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَبِلَا ضَرُورَةٍ وَبِلَا ظَنِّهِ غَيْرًا.
(قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا) سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] وَالرِّجْسُ وَالْخَمْرُ قَوْلُ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33] الْمُرَادُ بِهِ الْخَمْرُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ لِمَنْ قَالَ لَهُ إنَّهَا دَوَاءٌ: «لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ إنَّمَا هِيَ دَاءٌ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ شُرْبِهَا.
وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي التَّدَاوِي بِهَا وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» . (وَ) كَانَ (شَرَابُ الْعَرَبِ) وَلَوْ مِنْ الصَّحَابَةِ (يَوْمئِذٍ) أَيْ يَوْمَ أَوْحَى اللَّهُ إلَى نَبِيّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ (فَضِيخَ التَّمْرِ) وَهُوَ مَا يُهْرَسُ مِنْ التَّمْرِ وَيُجْعَلُ فِي إنَاءٍ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ وَيُتْرَكُ حَتَّى يَتَخَمَّرَ ثُمَّ يُشْرَبَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «كُنْت سَاقِي الْقَوْمِ حِينَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا شَارِبُهُمْ إلَّا الْفَضِيخُ وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ» الْحَدِيثَ، وَالْفَضِيخُ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ.
(وَبَيَّنَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ أَظْهَرَ (الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ) أَيْ غَيَّبَ الْعَقْلَ.
(كَثِيرُهُ مِنْ) كُلِّ (الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ كَالْحَشِيشَةِ وَحَبِّ الْبَلَاذِرِ وَالدَّاتُورَةِ لَيْسَ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ بَلْ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَسَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ وَابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَامِدَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ الْجَامِدَ إنْ تَحَقَّقَ مِنْ الْإِسْكَارِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْحَدِيثِ إذْ لَمْ يُقَيَّدْ الْمُسْكِرُ بِالْمَشْرُوبِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ تَغْيِيبِ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْوَاجِبِ حِفْظُهَا كَالْأَدْيَانِ وَالْأَنْسَابِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى شَارِبِ الْمُسْكِرِ الْحَدُّ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَوُجُوبُ غَسْلِ

الْعَقْلَ فَأَسْكَرَهُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ فَهُوَ خَمْرٌ وَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَنَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَذَلِكَ أَنْ يُخْلَطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ وَعِنْدَ الشُّرْبِ،

وَنَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ.

وَنَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

[الفواكه الدواني]

مَا أَصَابَ جَسَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ مِنْهُ لِنَجَاسَتِهِ وَتَقَايُئِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا أَثِمَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ قَصْرُ الْخَمْرِ عَلَى مَاءِ الْعِنَبِ قَالَ: (وَكُلُّ مَا خَامَرَ) أَيْ لَابَسَ (الْعَقْلَ فَأَسْكَرَهُ) أَيْ غَيَّبَهُ (مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) وَلَوْ مِنْ الْبِطِّيخِ أَوْ اللَّبَنِ أَوْ الطَّعَامِ الْمَائِعِ (فَهُوَ خَمْرٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَاءِ الْعِنَبِ الْمَغْلِيِّ عَلَى النَّارِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّخْمِيرِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ، وَقِيلَ مِنْ الْمُخَالَطَةِ لِأَنَّهَا تُخَالِطُ الْعَقْلَ فَتُغَيِّبُهُ، وَلِذَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ، وَيُرَادِفُهُ الْمُخَدِّرُ وَالْمُرَقِّدُ بِأَنَّ الْمُسْكِرَ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ.
وَالْمُفْسِدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَحَبِّ الْبَلَاذِرِ، وَالْمُرَقِّدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ كَالسَّيْكُرَانِ وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالنَّجَاسَةِ فِي الْمُسْكِرِ وَحُرْمَةِ الْقَلِيلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْكِرِ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إلَّا مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ عَلَى كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِجَوَازِ تَنَاوُلِ مَا قَلَّ مِنْ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ التَّوْضِيحِ لِلْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ حُرْمَةَ حَقِّ الْقَلِيلِ.
(وَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا) وَهُوَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (حَرَّمَ بَيْعَهَا) وَإِنْ كَانَتْ حَلَالًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: 67] أَيْ خَمْرًا يُسْكِرُ سُمِّيَتْ بِالْمَصْدَرِ وَهَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] أَيْ الْقِمَارُ، وَالْأَنْصَابُ الْأَصْنَامُ، وَالْأَزْلَامُ أَقْدَاحُ الِاسْتِقْسَامِ رِجْسٌ خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُزَيِّنُهُ، فَاجْتَنِبُوهُ أَيْ الرِّجْسَ الْمُعَبَّرَ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَحَدُهَا الْخَمْرُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَشَارِبُهَا وَحَامِلُهَا وَالْمَحْمُولَةُ إلَيْهِ وَسَاقِيهَا وَبَائِعُهَا وَآكِلُ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ» . (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ بَيْعِهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ الْبَائِعِ ذِمِّيًّا فَتُرَدُّ لَهُ، فَإِنْ أَرَاقَهَا الْمُشْتَرِي لَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا فَتُرَاقُ عَلَيْهِ بِحَاكِمٍ إنْ كَانَ ثَمَّ حَاكِمٌ يَرَى تَحْلِيلَهَا وَإِلَّا أَرَاقَهَا مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَصِحُّ لَهُ تَمَلُّكُ الْخَمْرِ.
الثَّانِي: كَمَا يَحْرُمُ بَيْعُ الْخَمْرِ يَحْرُمُ بَيْعُ الْعِنَبِ لِمَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ وَيُرَدُّ لِبَائِعِهِ وَلَوْ مُسْلِمًا، وَمِثْلُهُ كُلُّ مَا عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَفْعَلُ بِهِ مَا لَا يَحِلُّ كَشِرَاءِ مَمْلُوكٍ لِلْفِعْلِ بِهِ أَوْ خَشَبَةٍ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا نَاقُوسًا أَوْ أَرْضًا لِمَنْ يَعْمَلُهَا كَنِيسَةً.
الثَّالِثُ: هَذَا حُكْمُ الْخَمْرَةِ إذَا اسْتَمَرَّتْ عَلَى حَالِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَحَجَّرَتْ وَتَخَلَّلَتْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَشُرْبُهَا وَيَطْهُرُ إنَاؤُهَا تَبَعًا لَهَا وَلَوْ فَخَّارًا بِغَوَّاصٍ وَلَوْ ثَوْبًا وَيُصَلَّى بِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمُصَابِ بِالْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْخَمْرِ عَارِضَةٌ بِالشِّدَّةِ وَنَجَاسَةُ نَحْوِ الْبَوْلِ أَصْلِيَّةٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى تَخْلِيلِهَا بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، فَإِنْ قِيلَ: حُكْمُ الْخَبَثِ لَا يُزَالُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ.
فَالْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الِاسْتِحَالَةَ تَحْصُلُ بِهَا الطَّهَارَةُ أَيْضًا، فَقَوْلُهُمْ: لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ أَوْ حُكْمُ الْخَبَثِ إلَّا بِالْمُطْلَقِ الْحَصْرِ إضَافِيٌّ أَيْ لَا يُرْفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ إلَّا بِالْمُطْلَقِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ عَلَى قَوْلِنَا الِاسْتِحَالَةُ تَحْصُلُ بِهَا الطَّهَارَةُ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَسِ يَزُولُ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهِ الْبَقَاءُ عَلَى التَّنْجِيسِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اسْتِحَالَةُ الدَّمِ كَاسْتِحَالَةِ الدَّمِ مِسْكًا أَوْ لَبَنًا أَوْ الْخَمْرِ خَلًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَافْهَمْ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ قَدْ يَرْتَبِكُ فِي هَذِهِ الْأَبْحَاثِ فَلَا يَجِدُهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى حُرْمَتِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَهُوَ الْخَمْرُ، شَرَعَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِي حُرْمَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَنَهَى) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (عَنْ) تَنَاوُلِ (الْخَلِيطِينَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَذَلِكَ) النَّهْيُ فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا (أَنْ يُخْلَطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ) بِأَنْ يُفْضَخَ التَّمْرُ وَالْعِنَبُ مَثَلًا وَبَعْدَ هَرْسِهِمَا أَوْ دَقِّهِمَا مَعًا يُصَبُّ عَلَيْهِمَا الْمَاءُ وَيُتْرَكَانِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَاءُ حُلْوًا.
(وَ) الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُنْبَذَ وَاحِدٌ عَلَى حِدَتِهِ فِي إنَاءٍ، فَإِذَا خَرَجَ مَاءُ كُلٍّ يُخْلَطَانِ (عِنْدَ الشُّرْبِ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ» ، وَقَالَ أَيْضًا: «مَنْ شَرِبَ مِنْكُمْ النَّبِيذَ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا» وَاخْتُلِفَ فِي النَّهْيِ فَقِيلَ عَلَى الْحُرْمَةِ لِاحْتِمَالِ تَخَمُّرِ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ مُخَالَطَةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ الْكَرَاهَةُ فَإِنَّهُ قَالَ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ وَمَحَلُّ النَّهْيِ حَيْثُ طَالَ زَمَنُ الِانْتِبَاذِ

عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَدَخَلَ مَدْخَلَهَا لُحُومُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] وَلَا ذَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْهَا.

وَمِنْ الْفَرَائِض

ِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ

وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ فَلْيَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا وَلْيُعَاشِرْهُمَا

[الفواكه الدواني]

لَا إنْ قَصُرَ بِحَيْثُ يُقْطَعُ بَعْدَ تَوَقُّعِ الْإِسْكَارِ مِنْهُمَا وَإِلَّا جَازَ، كَمَا يَجُوزُ شُرْبُ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَدْخُلُ فِي شَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ مَا يُفْعَلُ لِلْمَرِيضِ مِنْ وَضْعِ الزَّبِيبِ وَالْقُرَّاصِيَّةِ وَالْمِشْمِشِ، وَهَذَا بِخِلَافِ خَلْطِ اللَّبَنِ بِالْعَسَلِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَقْطَعُ بِعَدَمِ إسْكَارِهِ فَيَجُوزُ.

[الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ]

(وَنَهَى) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ فِي غَيْرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ الْقَرْعُ يُجَفَّفُ حَتَّى يَصِيرَ ظَرْفًا فَيُوضَعُ فِيهِ الزَّبِيبُ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاء حَتَّى يَصِيرَ حُلْوًا.
(وَ) نَهَى أَيْضًا عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْإِنَاءِ (الْمُزَفَّتِ) أَيْ الْمَدْهُونِ بَاطِنُهُ بِالزِّفْتِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمُقَيَّرُ لِدَهْنِهِ بِالْقَارِ الَّذِي هُوَ الزِّفْتُ، وَنَهَى أَيْضًا عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي النَّقِيرِ وَهُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُجْعَلُ ظَرْفًا كَالْقَصْعَةِ، وَنَهَى أَيْضًا عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْحَنْتَمِ وَهُوَ مَا طُلِيَ مِنْ الْفَخَّارِ بِالزُّجَاجِ كَالْأَصْحُنِ الْخُضْرِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَنَا وَالنَّهْيُ وَلَوْ كَانَ الْمُنَبَّذُ فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَأَمَّا تَنْبِيذُ شَيْئَيْنِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ فِي نَحْوِ الصِّينِيِّ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْمَذْكُورَاتِ لِأَنَّ السُّكْرَ شُرِعَ لِمَا فِيهَا لِتَبَادُرِ الْحُمُوضَةِ لِمَا يُوضَعُ فِيهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ انْتِبَاذَ نَحْوِ شَيْئَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ ظَرْفٍ، وَأَمَّا انْتِبَاذُ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْهُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ: الدُّبَّاءُ وَالْمُزَفَّتُ وَالْمُقَيَّرُ وَالنَّقِيرُ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الْمَشْرُوبَاتِ شَرَعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ فَقَالَ:

[أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع وَأَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ]

(وَنَهَى عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ عَنْ أَكْلِ) شَيْءٍ مِنْ (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الِافْتِرَاسِ كَالسَّبُعِ وَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَالذِّئْبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ وَذِئْبٌ وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ، وَكَذَلِكَ دُبٌّ وَنِمْسٌ وَفَهْدٌ وَنَمِرٌ، وَأَمَّا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ فَصَحَّحَ فِي الشَّامِلِ كَرَاهَةَ أَكْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَأَمَّا كَلْبُ الْمَاءِ وَخِنْزِيرُهُ وَآدَمِيُّهُ فَالْمَشْهُورُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِيَّةِ، وَأَمَّا الْقِرْدُ فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ، وَأَمَّا الْفَأْرُ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ إنْ كَانَ يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ، وَأَمَّا فَأَرَ الْغَيْطِ فَمُبَاحٌ لِعَدَمِ تَعَاطِيه النَّجَاسَةَ، وَأَمَّا بِنْتُ عُرْسٍ فَيَحْرُمُ أَكْلُهَا حَتَّى قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَنَهَى إلَخْ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ النَّهْيِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ الْفَتْوَى وَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ، لِأَنَّ خَلِيلًا صَدَّرَ أَوَّلًا بِالْمُحَرَّمِ وَذَكَرَ ثَانِيًا الْمَكْرُوهَ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ فَافْهَمْ: وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ شَرَعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى جِهَةِ الْحُرْمَةِ فَقَالَ: (وَ) نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا تَحْرِيمًا (عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) أَيْ فِي الْحَالِ لِتَتَنَاوَلَ الْوَحْشِيَّةَ إذَا دُجِّنَتْ وَتَأَنَّسَتْ وَصَارَتْ مُرَوَّضَةً لِلْعَمَلِ عَلَيْهَا كَالْإِنْسِيَّةِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ.
(وَدَخَلَ مَدْخَلُهَا) أَيْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِمَعْنَى شَارَكَهَا فِي حُرْمَةِ الْأَكْلِ (لُحُومُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ) وَبَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْحَمْلِ وَالْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ: اللَّهُ نَصَّ عَلَى إبَاحَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَأَشَارَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ التَّقْيِيدِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُحَرَّمُ النَّجَسُ وَالْخِنْزِيرُ وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دُجِّنَ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَنْفَعُ فِي الْمُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا ذَكَاةَ) نَافِعَةً (فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ الْحُمُرِ وَمَا دَخَلَ مَدْخَلَهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا نَافِعَةً لِأَنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُفِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأَكْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الطَّهَارَةِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا تُفِيدُ طَهَارَةَ مَيْتَةٍ فَهُوَ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا فِي الْمُبَاحِ الْأَكْلِ، وَأَمَّا مَكْرُوهُ الْأَكْلِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ السِّبَاعَ إذَا ذُكِّيَتْ لِلَحْمِهَا يُكْرَهُ تَنَاوُلُ لَحْمِهَا وَجِلْدِهَا وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَبْعِيضِ ذَكَاتِهَا لِتَبَعِيَّةِ الْجِلْدِ لِلَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ ذُكِّيَتْ لِلْجِلْدِ فَقَطْ فَكَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَبْعِيضِ الذَّكَاةِ، وَأَمَّا عَلَى التَّبْعِيضِ فَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْجِلْدِ وَيَحْرُمُ أَكْلُ اللَّحْمِ، وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مُعْتَبَرًا قَالَ مُسْتَثْنِيًا عَلَى جِهَةِ الِانْقِطَاعِ: (إلَّا فِي الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ) الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى تَوَحُّشِهَا فَإِنَّ الذَّكَاةَ تَنْفَعُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْأَكْلُ وَالطَّهَارَةُ وَحِلُّ الْبَيْعِ، وَأَمَّا لَوْ تَأَنَّسَتْ فَلَا تَنْفَعُ فِيهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْإِنْسِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ سَبُعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ مَحْمُولًا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى غَيْرِ الطَّيْرِ، وَأَمَّا الطَّيْرُ فَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ عِنْدَهُ سِوَى مَا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ (بِأَكْلِ) لَحْمِ (سِبَاعِ الطَّيْرِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْهَا) وَلَوْ جَلَّالَةً مُلَازِمَةً لِأَكْلِ النَّجَاسَاتِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ

بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُطِعْهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ وَعَلَيْهِ

[الفواكه الدواني]

عَلَى الْمُبَاحِ: وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالَةً وَذَا مِخْلَبٍ كَالْحِدَأَةِ وَالْبَازِي، وَالْمِخْلَبُ الظُّفْرُ الَّذِي يَعْقِرُ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَائِرَ الطُّيُورِ مُبَاحَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ كَإِبَاحَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ الَّتِي لَا تَفْتَرِسُ، كَيَرْبُوعٍ وَخُلْدٍ وَوَبَرٍ وَأَرْنَبٍ وَقُنْفُذٍ وضربوب وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا وَسَائِرُ حَشَائِشِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا سِوَى مَا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْوَطْوَاطَ الْمَشْهُورُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ وَمِثْلُهُ هُدْهُدُ سُلَيْمَانَ، لِغَلَبَةِ أَكْلِ الْأَوَّلِ لِلنَّجَاسَةِ وَأَمَّا الثَّانِي فَكَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ كَانَ رَسُولًا لِسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ مُسَاوَاةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِكَلَامِ خَلِيلٍ، وَعُلِمَ أَنَّ غَيْرَ الطَّيْرِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْبَرِّيَّةِ مِنْهَا الْمُحَرَّمُ وَمِنْهَا الْمَكْرُوهُ وَمِنْهَا الْمُبَاحُ، وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ الْبَحْرِيَّةُ فَجَمِيعُهَا مُبَاحٌ وَلَوْ كَلْبًا وَخِنْزِيرًا وَآدَمِيًّا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يُفْتَرَضُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ مُبْتَدِئًا بِالْوَالِدَيْنِ فَقَالَ:

[بِرُّ الْوَالِدَيْنِ]

(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) الْعَيْنِيَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ الْإِحْسَانُ إلَيْهِمَا (وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) بِغَيْرِ الشِّرْكِ بَلْ (وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ) لِلْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالْحُقُوقُ لَا تَسْقُطُ بِالْفِسْقِ وَلَا بِالْمُخَالَفَةِ فِي الدِّينِ، فَيَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَصِّلَ أَبَاهُ الْكَافِرَ إلَى كَنِيسَتِهِ إنْ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ بِنَفْسِهِ لِنَحْوِ عَمًى كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُمَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي أَعْيَادِهِمَا لَا مَا يَصْرِفَانِهِ فِي نَحْوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ يَدْفَعَانِهِ لِلْقِسِّيسِ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ قَوْلَهُ: (فَلْيَقُلْ لَهُمَا) أَيْ لِلْوَالِدَيْنِ (قَوْلًا لَيِّنًا) أَيْ لَطِيفًا دَالًّا عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24] قَالَ الْمُفَسِّرُ: أَيْ وَرَحِمَانِي صَغِيرًا، وَيُجْتَنَبُ غَلِيظُ الْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِنَفْرَتِهِمَا مِنْهُ وَيُنَادِيهِمَا بِيَا أُمِّي وَيَا أَبِي، وَلْيَقُلْ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا بِأَنْ يُعَلِّمَهُمَا مَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات وَمِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ إنْ احْتَاجَا إلَيْهَا، دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ نَحْوُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ» . وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ بِرِّهِمَا وَحُرْمَةِ عُقُوقِهِمَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» . وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ مَنْ فَاتَهُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا أَنْ يُصَلِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهُمَا اسْتَغْفِرْ اللَّهَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِرَّهُمَا بِذَلِكَ» . (وَلْيُعَاشِرْهُمَا بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ الشَّرْعِ جَوَازُهُ، فَيُطِيعُهُمَا فِي فِعْلِ جَمِيعِ مَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ وَفِي تَرْكِ مَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ.
(وَلَا يُطِعْهُمَا) بِالْجَزْمِ لِحَذْفِ الْيَاءِ (فِي) مَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ مِنْ فِعْلِ (مَعْصِيَةٍ) وَالْمُرَادُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إطَاعَتُهُمَا لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَعْرُوفِ (كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15] وَكَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ بِرُّهُمَا بِالْقَوْلِ وَالْجَسَدِ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَلَا يُجَاذِبُهُمَا فِي الْمَشْيِ، فَضْلًا عَنْ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ نَحْوَ ظَلَامٍ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمَا لَا يَجْلِسُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِذَا قَعَدَ لَا يَقُومُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَلَا يَسْتَقْبِحُ نَجْوَهُمَا نَحْوَ الْبَوْلِ عِنْدَ كِبَرِهِمَا أَوْ مَرَضِهِمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَذِيَّتِهِمَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُطِعْهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ أَنَّهُ يُطِيعُهُمَا فِي فِعْلِ الْمَكْرُوهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَيُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ الْمَسْنُونَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ رَاتِبَةً وَيَأْمُرَانِهِ بِتَرْكِهَا عَلَى الدَّوَامِ كَالْفَجْرِ وَالْوِتْرِ فَلَا تَجِبُ إطَاعَتُهُمَا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْإِطَاعَةَ فِي تَرْكِ مَا ذُكِرَ لَا تُوجِبُ مَعْصِيَةً وَلَا يَلْحَقُهُ بِهَا مَضَرَّةٌ، وَلَيْسَ مِنْ الْإِطَاعَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ إطَاعَتُهُمَا فِي الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِ النَّفْلِ لِاسْتِثْنَاءِ الْعُلَمَاءِ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْفِطْرِ فِيهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: لَوْ صَامَ تَطَوُّعًا وَأَجْهَدَهُ الْعَطَشُ وَعَزَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيُطِعْهُمَا وَلَا يُطِعْ غَيْرَهُمَا وَلَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَقَضَاءٌ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقِ بَتٍّ إلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا أَيْ فَلْيُفْطِرْ لِأَجْلِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ مَالِكٍ: أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ الْإِجْهَادُ الَّذِي لَيْسَ

مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّصِيحَةُ لَهُمْ

وَلَا يَبْلُغُ أَحَد

ٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ

حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ كَذَلِكَ رُوِيَ

[الفواكه الدواني]

بِالْقَوِيِّ، وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَمْرِهِمَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَبِهَذَا وَافَقَ ظَاهِرَ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي عَدَمِ تَقْيِيدِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدُوا كَلَامَهُ بِكَوْنِ أَمْرِهِمَا لَهُ بِالْفِطْرِ عَلَى وَجْهِ الرَّأْفَةِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ ضَرَرِ إدَامَةِ الصَّوْمِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْوَالِدَيْنِ خُصُوصُ الْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الطُّرْطُوشِيِّ: لَمْ أَجِدْ نَصًّا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْأَجْدَادِ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ الْآبَاءِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ قَائِلًا: الَّذِي عِنْدِي هَذَا، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ لُزُومُ بِرِّ الْأَجْدَادِ، وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ الْجَدِّ فِي ابْنِ ابْنِهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا لَا يُشَكُّ مَعَهُ فِي قَصْدِهِ قَتْلَهُ كَالْأَبِ سَوَاءً، وَأَقُولُ تَقْيِيدُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ لِلْأَبَوَيْنِ بِدَنِيَّةٍ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ.
وَفِي بَابِ الصَّوْمِ إذَا أَمَرَاهُ بِالْفِطْرِ، وَفِي الْجِهَادِ إذَا مَنَعَاهُ مِنْ الْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، يُوَافِقُ كَلَامَ الطُّرْطُوشِيِّ مِنْ عَدَمِ مُسَاوَاةِ الْجَدِّ لِلْأَبِ، وَلَا يَشْكُلُ تَسْوِيَةُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ لِفَظَاعَةِ أَمْرِ الْقِصَاصِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: وَقَعَ الِاضْطِرَابُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي بِرِّهِمَا هَلْ هُوَ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ عَلَى التَّفَاوُتِ، فَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّسَاوِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّفَاوُتِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ الْأُمِّ أَكْثَرُ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ فِي النَّفَقَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لَهُمَا وَلَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا فَيُنْفِقُ عَلَى الْأُمِّ وَلَا يَظْهَرُ عِنْدِي لِلْخِلَافِ ثَمَرَةٌ فِي الِاحْتِرَامِ وَالْإِجْلَالِ بِالْقَوْلِ وَالْقَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الِاسْتِغْفَار لِلْوَالِدَيْنِ]

(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ (عَلَى الْمُؤْمِنِ) الْمُكَلَّفِ (أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ) أَيْ يَطْلُبَ مِنْ رَبِّهِ الْمَغْفِرَةَ لَهُمَا امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24] وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِالدُّعَاءِ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ وَعَدَّ مِنْهَا دُعَاءَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ» . وَكَمَا يَنْتَفِعُ بِالدُّعَاءِ لَهُ يَنْتَفِعُ بِالصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي انْتِفَاعِهِ بِالْقِرَاءَةِ لَهُ وَرَجَّحَ بَعْضٌ انْتِفَاعَهُ بِهَا، فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُهَا سَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى قَبْرِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ حَتَّى تَصِحَّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا وَتَلْزَمُ، وَقَيَّدَ بَعْضٌ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ أَوَّلَ ذَلِكَ دُعَاءً، وَإِلَّا انْتَفَعَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ إلَى فُلَانٍ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى نَفْعِ الدُّعَاءِ، وَمَفْهُومُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِآيَةِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: 113] الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَلَوْ لِلْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ خِلَافٌ فِي اسْتِغْفَارِهِ لِلْأَبَوَيْنِ حَالَ حَيَاتِهِمَا إذْ قَدْ يُسْلِمَانِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَحْصُلُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ فِي عُمُرِهِ مَعَ قَصْدِ أَدَاءِ الطَّالِبِ، كَمَا تَكْفِي الْمَرَّةُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ لِخُصُوصِ أَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِبَقِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ.
(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ يَجِبُ (عَلَيْهِ مُوَالَاةُ) أَيْ مُوَادَّةُ إخْوَانِهِ (الْمُؤْمِنِينَ) لِحَدِيثِ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَالْمُرَادُ بِمُوَالَاتِهِمْ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُمْ، وَاجْتِنَابُ مَا يُوجِبُ الْمُنَافَرَةَ مِنْ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُوَالَاتِهِمْ الِاجْتِمَاعُ بِالْأَبْدَانِ الْعَارِي عَنْ الْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِينَ الْجَانِبِ الْمَعْرُوفِ بِالتَّوَاضُعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ كَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ وَالْوَالِدِ، وَحَرَامٌ كَالتَّوَاضُعِ لِأَهْلِ النَّارِ وَالظُّلْمِ وَالْكِبْرِ لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِهَؤُلَاءِ هُوَ الذُّلُّ الَّذِي لَا عِزَّ مَعَهُ وَالْخِسَّةُ الَّتِي لَا رِفْعَةَ مَعَهَا، وَمَنْدُوبٌ كَالتَّوَاضُعِ لِعِبَادِ اللَّهِ سِوَى مَنْ ذُكِرَ، وَمَفْهُومُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَجُوزُ مُوَالَاتُهُمْ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] بَلْ نَقْصِدُهُمْ بِالسُّوءِ وَنُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ إنْ كَانُوا جَاهِلِيِّينَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِحُرْمَةِ أَذِيَّةِ الذِّمِّيِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَنَعَ الذِّمِّيُّ وَلِيمَةً لِخِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَدَعَا الْمُسْلِمَ فَقِيلَ يُجِيبُهُ وَقِيلَ لَا.
(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْضًا (النَّصِيحَةُ لَهُمْ) أَيْ لِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِإِرْشَادِهِمْ إلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ وَيَعُودَهُ إذَا مَرِضَ وَيُشَمِّتَهُ إذَا

[الفواكه الدواني]

يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . فَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ أَنْ يَصِفَهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ سَائِرِ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لَهُ وَيُنَزِّهَهُ عَنْ سَائِرِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ.
وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَيُحْيِيَ سُنَّتَهُ بِتَعْلِيمِهَا لِلنَّاسِ وَيُحَافَظَ عَلَى شَرِيعَتِهِ بِالْعَمَلِ بِهَا.
وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَمْتَثِلَ أَوَامِرَهُ وَيَجْتَنِبَ نَوَاهِيَهُ وَيَتْلُوَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مَعَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ.
وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِمْ وَقَوَانِينِهِمْ الْمُوَافَقَةِ لِلشَّرْعِ مِنْ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يُبَلِّغَ لَهُمْ أُمُورَ الْعَامَّةِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَوْرِ، وَهَذَا إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ.
وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُعَامَلَتُهُمْ بِالصِّدْقِ فَلَا يَغُشَّهُمْ وَلَا يَكْذِبَ عَلَيْهِمْ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّصِيحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَةٌ سَوَاءٌ طَلَبُوا ذَلِكَ أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ.
قَالَ الشَّاذِلِيُّ: وَبِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَقُولُ: فَمَنْ رَأَى شَخْصًا لَا يُحْسِنُ الْوُضُوءَ أَوْ الصَّلَاةَ أَوْ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ دِينِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْشَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ جَاهِلًا يُعَلِّمُهُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا يَنْصَحُهُ لِفِعْلِ الصَّوَابِ بِالزَّجْرِ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ الْبَاطِلِ، وَتَكُونُ النَّصِيحَةُ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ وَالرِّفْقِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى قَبُولِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا هُوَ كَالتَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ:

[حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ]

(وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ) كَمَالَ (حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ) قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ (حَتَّى يُحِبَّ) بِالنَّصْبِ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ (لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ) مِنْ الْخَيْرِ مِثْلَ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) إذْ عَيْنُهُ مُحَالٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ عَيْنُهُ فِي مَحَلَّيْنِ.
(كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيغَةِ الْجَزْمِ لِأَنَّ صِيغَةَ رُوِيَ وَذَكَرَ تُشْعِرُ بِالتَّمْرِيضِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ الْمَرْوِيِّ مَا فِي مُسْلِمٍ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ: لَا يَكْمُلُ إيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَتَكُونُ الْمَحَبَّةُ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَيَبْغَضُ لَهُ مِثْلُ مَا يَبْغَضُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْإِيمَانِ اكْتِفَاءً بِذَكَرِ ضِدِّهِ عَلَى حَدِّ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] أَيْ وَالْبَرْدَ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِبُغْضِ نَقِيضِهِ، وَبِقَوْلِنَا مِنْ الْخَيْرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ انْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَطْءَ حَلِيلَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ وَطْأَهَا مَعَ كَوْنِهَا حَلِيلَتَهُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ، وَالِانْدِفَاعُ بِوَجْهَيْنِ: التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْخَيْرِ فِي الرِّوَايَةِ، وَثَانِيهمَا أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهِ، نَعَمْ التَّعْبِيرُ بِأَخِيهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَيُحِبُّ لِلْكَافِرِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَسَائِرُ الْكَمَالَاتِ الدِّينِيَّةِ كَمَا يُحِبُّهَا لِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بِالْهِدَايَةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْمُلُ إيمَانُ الشَّخْصِ إلَّا إذَا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ النَّاسِ عِلْمًا وَوَرَعًا وَزُهْدًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ فِي أَوْصَافِ الْخَيْرِ بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا أَمْرٌ سَهْلٌ عَلَى أَصْحَابِ الْقُلُوبِ، وَإِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْمُلْ إيمَانُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ الْمُشَارَكَةُ فِي أَوْصَافِ الْكَمَالِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَفِّ الْأَذَى وَالْحَسَدِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «اُنْظُرْ مَا تُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَهُ غَيْرُك مَعَك اصْنَعْهُ مَعَهُ» وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِلْأَحْنَفِ: مِمَّنْ تَعَلَّمْت الْحِلْمَ؟ قَالَ: مِنْ نَفْسِي، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كُنْت إذَا كَرِهْت شَيْئًا مِنْ غَيْرِي لَمْ أَفْعَلْ بِأَحَدٍ مِثْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْصُلُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ أَرْكَانٌ أُخَرُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذِكْرَ الْمَحَبَّةِ مُبَالَغَةٌ لِأَنَّهَا الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ لِلْإِيمَانِ الْكَامِلِ نَحْوَ الْحَجُّ عَرَفَةَ، أَوْ هِيَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِبَقِيَّةِ أَرْكَانِهِ، وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَيْلُ الِاخْتِيَارِيُّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ، إذْ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى تَحْصِيلِهِ، كَمَيْلِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ أَوَرَعَ أَوْ أَعْلَمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ بِمَحَبَّةِ أَخِيهِ عَنْ مَحَبَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي وُجُودِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ.
(وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْضًا (أَنْ يَصِلَ) أَيْ يَزُورَ (رَحِمَهُ) أَيْ قَرَابَتَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ بَعُدُوا سَوَاءٌ الْوَارِثُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَكُون الصِّلَةُ بِالزِّيَارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِبَذْلِ الْمَالِ وَبِالْقَوْلِ الْحَسَنِ، وَبِالسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ وَالصَّفْحِ عَنْ زَلَّاتِهِمْ وَبِالْمَعُونَةِ لَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُسْلِمِ لَهُمْ إلَّا بِرَّ وَالِدَيْهِ، وَأَمَّا الصِّلَةُ وَمَا شَابَهَهَا مِمَّا يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ التَّرَدُّدِ وَمَحَبَّةَ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فَلَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] وَالصِّلَةُ بِالزِّيَارَةِ إنَّمَا تَكُونُ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْ مَحَلِّ أَرْحَامِهِ، وَأَمَّا بَعِيدُ الْمَحَلِّ فَتَكُونُ زِيَارَتُهُ بِالْكُتُبِ إلَيْهِ أَوْ إرْسَالِ الرَّسُولِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ صِلَةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

الْأَرْحَامِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ صِلَةِ الرَّحِمِ، مَنْ تَرَكَهَا يَكُونُ عَاصِيًا، وَيَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَصَلَكَ أَوْ قَطَعَكَ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَيْسَ الْمُوَاصِلُ مِنْ يَصِلُ مَنْ وَصَلَهُ وَإِنَّمَا الْمُوَاصِلُ مِنْ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، لِأَنَّ مُوَاصِلَ الْمُوَاصِلِ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ يَكُونُ رَحِمُهُ يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُحِبُّ أَنْ يَصِلَهُ وَيَتَضَرَّرُ مِنْ حُضُورِهِ لَهُ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ لَا يُحِبُّونَ مِنْ أَرْحَامِهِمْ الْفُقَرَاءِ الْقُرْبَ إلَيْهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْقَرِيبِ الْفَقِيرِ صِلَتُهُمْ، وَلَا شَكَّ فِي إثْمِ الْغَنِيِّ بَلْ هُوَ اللَّئِيمُ، لِأَنَّهُ الَّذِي إذَا اسْتَغْنَى يَجْفُو قَرَابَتَهُ الْفُقَرَاءَ وَيُنْكِرُ نِسْبَتَهُمْ إلَيْهِ.
وَفِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: أَنَّهَا تُطِيلُ فِي الْعُمُرِ وَتَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَتَدْعُو لِمَنْ يَصِلُهَا، فَفِي الصَّحِيحِ: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ وَصَلَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَهَا وَقَطَعَ اللَّهُ مَنْ قَطَعَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي عُمُرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» وَيُنْسَأَ مِنْ النُّسَأِ فَهُوَ بِالْهَمْزِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّحِمُ حُجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي» وَشُجْنَةٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا فِي أُصُولٍ كَثِيرَةٍ، وَفِي الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ فِي إدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ لِلسُّيُوطِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ حُجْنَةٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ.
وَفِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحِمِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ وَحُكِيَ الْفَتْحُ أَيْضًا، وَأَصْلُهَا اشْتِبَاكُ الْعُرُوقِ وَالْأَغْصَانِ.
وَفِي النِّهَايَةِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحِمِ أَيْ قَرَابَةٌ مُشْتَبِكَةٌ كَاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ وَشِبْهِهَا فَهُوَ مَجَازٌ، لِأَنَّ الشُّجْنَةَ فِي الْأَصْلِ شُعْبَةٌ مِنْ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، وَبِضَبْطِ السُّيُوطِيّ الْتَبَسَ الْحَقُّ عِنْدِي هَلْ شُجْنَةٌ بِالشِّينِ أَوْ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ يُحَرَّرُ.
وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ قِيلَ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ حُصُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ، وَكَمَا تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي الْعُمُرِ كَذَلِكَ الصَّدَقَةُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَبِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَقِيته مِنْ الْأُمَّةِ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَسٍ: «أَلَا أُعَلِّمُك ثَلَاثَ خِصَالٍ تَنْتَفِعُ بِهَا؟ فَقُلْت: بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ لَقِيت مِنْ أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمُرَك، وَإِذَا دَخَلْت بَيْتَك فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِك، وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الدَّوَامِ» لِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَلَى ذَلِكَ تَحْفَظُ مِنْ الْبِلَى وَتُطِيلُ مِنْ الْعُمُرِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْصُلُ طُولُ الْعُمُرِ بِفِعْلِ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الْعُمُرِ بِالْمَذْكُورَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً بِأَنْ يُبَارِكَ فِي عُمُرِهِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِطُولِ الْعُمْرِ وَعَدَمُ جَوَازِهِ وَالْحَقُّ الْجَوَازُ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَبِاعْتِبَارِ مَا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ وُجُوبِ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُلَازَمَةُ فِي كُلِّ زَمَنٍ بَيَّنَ هُنَا الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ) الثَّابِتِ لَهُ (عَلَى) أَخِيهِ (الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ) بِأَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِنَّمَا وَصَفْنَا الْحَقَّ بِالثَّابِتِ دُونَ الْوَاجِبِ، لِأَنَّ الْأُمُورَ الْآتِيَةَ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالتَّشْمِيتِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَكَذَلِكَ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْهُجْرَانِ الْمُحَرَّمِ يَكُونُ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ يَكُونُ سُنَّةً فَلَا تَتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْحَقِّ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا، وَإِذَا سَلَّمَ الْمُؤْمِنُ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ خَالِيًا مِنْ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْحَسَدِ حَتَّى يَكُونَ مُوَالِيًا لَهُ.
(وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ (يَعُودَهُ) أَيْ يَزُورَهُ وَيَقُومَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (إذَا مَرِضَ) وَالْمَطَالِبُ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً الْقَرِيبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَصْحَابُهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْحَابٌ فَأَهْلُ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ تَرَكُوا جَمِيعًا عَصَوْا لِأَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْغَيْرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ، وَتَكُونُ الْعِيَادَةُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا كُنَّ مِنْ الْمَحَارِمِ لَهُ، وَتَكُونُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَقِيلَ بِطَلَبِهَا لَيْلًا فِي الشِّتَاءِ وَنَهَارًا فِي الصَّيْفِ لِشِدَّةِ تَأَذِّي الْمَرِيضِ لِطُولِ اللَّيْلِ فِي الشِّتَاءِ وَلِطُولِ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِمَنْ يَشْتَدُّ بِهِ الْمَرَضُ، وَإِلَّا فَقَدْ تَجِبُ فِي كُلَّ وَقْتٍ وَتُشْرَعُ لِكُلِّ مَرِيضٍ وَلَوْ أَرْمَدَ، وَخَبَرُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُعَادُونَ: صَاحِبُ الضِّرْسِ وَصَاحِبُ الرَّمَدِ وَصَاحِبُ الدُّمَّلِ» ضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ، فَالصَّوَابُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِي الرَّمَدِ أَنْ يُعَادَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلزَّائِرِ مُطْلَقًا أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُ عَلَى وَجْهٍ وَفِي وَقْتٍ يَرْضَاهُ الْمَرِيضُ وَيَأْنَسُ بِهِ، فَلَا يَزُورُهُ فِي وَقْتٍ يُكْرَهُ زِيَارَتُهُ فِيهِ كَوَقْتِ اشْتِغَالِهِ بِعِبَادَةٍ، أَوْ يَكُونُ نَحْوُ زَوْجَتِهِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ يَرْتَاحُ مَعَهَا أَكْثَرَ، وَفِي الْعِيَادَةِ ثَوَابٌ عَظِيمٌ، فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزُلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ فَإِذَا جَلَسَ يُغْمَسُ فِيهَا» . وَيُطْلَبُ مِنْ الزَّائِرِ أُمُورٌ يَحْصُلُ لَهُ بِهَا كَمَالُ الْأَجْرِ، مِنْهَا: قِلَّةُ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ، وَإِظْهَارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَقِلَّةُ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ لَهُ

عَطَسَ وَيَشْهَدَ جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ وَيَحْفَظَهُ إذَا غَابَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَلَا يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَالسَّلَامُ يُخْرِجُهُ

[الفواكه الدواني]

وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَنْ يَجْلِسَ عِنْدَهُ بِخُشُوعٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي عَوْرَةِ مَنْزِلِهِ، وَأَنْ يُبَشِّرَ بِالْمَثُوبَاتِ لِلْمَرِيضِ.
وَمِنْ أَدْعِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَرِيضِ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا زَارَ مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ قَالَ فِي دُعَائِهِ: أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أَيْ لَا يَتْرُكُ سَقَمًا، وَقَالَ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك إلَّا شَفَاهُ اللَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَضَرَ أَجَلُهُ» هَذَا مُحَصَّلُ مَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ الْأَجْرِ لِلزَّائِرِ، وَأَمَّا مَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ أَجْرِ الْمَرَضِ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَاضَ كَفَّارَاتٌ لِلذُّنُوبِ، فَهِيَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ فِي مَرَضِهِ، فَلَا يُضَيِّعُهَا بَلْ يَأْتِي بِصَلَاتِهِ وَلَوْ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ، وَأَنْ يُكْثِرَ الرَّجَاءَ، وَلَا يَقْنَطَ مِنْ عَفْوِ رَبِّهِ، وَلَا يُكْثِرَ الشَّكْوَى إلَّا عِنْدَ صَالِحٍ تُرْتَجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ، وَأَنْ لَا يَنْطِقَ لِسَانُهُ بِالْكَلَامِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي فِي حَقِّ الْبَارِي، بَلْ يُلَاحِظُ أَنَّهُ الْمَالِكُ لِلْعِبَادِ يَفْعَلُ فِيهِمْ كَيْفَ شَاءَ، فَإِنْ خَفَّفَ فَبِمَحْضِ فَضْلِهِ، وَإِنْ شَدَّدَ فَبِعَدْلِهِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ حَكِيمٌ يُدَاوِيه، لِأَنَّ الْمُدَاوِيَ حَقِيقَةً هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَرَضَ، وَجَوَازُ التَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى اللَّهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلِ الصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
فَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَعَاطَى لِأَسْبَابِ التَّدَاوِي مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَنْ (يُشَمِّتَهُ إذَا عَطَسَ) إذَا سَمِعَهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِتْيَانَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِسَمَاعِهِ تَشْمِيتَ غَيْرِهِ لَهُ مَثَلًا، وَجَرَى خِلَافٌ فِي تَنْبِيهٍ عَلَى الْحَمْدِ إذَا تَرَكَهُ لِيُشَمِّتَهُ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الصَّوَابَ تَنْبِيهُهُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَنْبِيهِ الْإِمَامِ عَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى فِعْلِ مَطْلُوبٍ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ التَّشْمِيتِ فَرَجَّحَ بَعْضٌ وُجُوبَهُ كِفَايَةً، وَرَجَّحَ بَعْضٌ سُنِّيَّتَهُ كِفَايَةً، وَحَقِيقَتُهُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ حَالَةِ الْعُطَاسِ لِأَنَّهَا حَالَةٌ كَرِيهَةٌ شَبِيهَةٌ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَأَقَلُّ الدُّعَاءِ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ وَيُشَمِّتُهُ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي الْعُطَاسِ، وَالتَّشْمِيتُ يُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ جَعَلَك اللَّهُ عَلَى سَمْتٍ حَسَنٍ، وَبِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّهُ عَنْك الشَّمَاتَةَ بِأَنْ أَعَادَك إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى، وَعَطَسَ مِنْ بَابِ ذَهَبَ وَنَصَرَ.
(وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ (يَشْهَدَ) أَيْ يَحْضُرَ (جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ) لِأَجَلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَمُوَارَاتِهِ، لِأَنَّ تَجْهِيزَ الْأَمْوَاتِ وَالْقِيَامَ بِأُمُورِهِمْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
(وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ (يَحْفَظَهُ إذَا غَابَ) لِوُجُوبِ حِفْظِهِ عَلَيْهِ (فِي السِّرِّ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَلَا يُؤْذِيهِ بِبَاطِنِهِ بِأَنْ يُسِيءَ الظَّنَّ بِهِ أَوْ يَغْتَابَهُ أَوْ يَحْقِدَ عَلَيْهِ أَوْ يَحْسُدَهُ أَوْ يَتَعَدَّى عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ أَمَانَتِهِ.
(وَ) فِي (الْعَلَانِيَةِ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُؤْذِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي عِرْضِهِ وَلَا مَالِهِ وَلَا فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّبُّ عَنْهُ وَعَنْ عِرْضِهِ وَمَالِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حَقِيَةِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاَللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» وَوَرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ» . وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «مَنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ نُصْرَتَهُ أَدْرَكَهُ إثْمُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ السَّلَامِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كُلَّمَا لَقِيَهُ إثْمُهُ بِتَرْكِ ذَلِكَ مُطْلَقًا قَالَ: (وَلَا) يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ (يَهْجُرَ أَخَاهُ) الْمُؤْمِنَ بِحَيْثُ لَا يُكَلِّمُهُ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
(فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» أَيْ مَعَ أَيَّامِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ: «يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيَعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» فَمَنْ زَادَ عَلَى التَّحْدِيدِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ مُقَاطَعَةٌ وَمُدَابَرَةٌ، وَالْمُوَالَاةُ لِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا إذَا هَجَرَهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ بِأَنْ كَانَ لِمُلَابَسَتِهِ لِمَعْصِيَةٍ أَوْ لِأَجْلِ الْأَدَبِ وَالرَّدْعِ عَمَّا لَا يَحِلُّ، كَهَجْرِ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ لِزَجْرِهَا، وَكَهُجْرِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَالشَّيْخِ مَعَ تِلْمِيذِهِ حَتَّى يُقْلِعَ الْمَهْجُورُ عَمَّا لِأَجْلِهِ الْهَجْرُ فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَلَوْ زَادَتْ الْمُدَّةُ فَوْقَ شَهْرٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْحَدِيثِ أَنَّ هِجْرَانَ الثَّلَاثِ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ لَوْ حَرُمَ الْهِجْرَانُ مُطْلَقًا لَكَانَ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، لِأَنَّ طَبْعَ الْإِنْسَانِ قَلَّ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْ غَضَبٍ، فَالْهِجْرَان الْمُحَرَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِلَيَالِيِهَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَقِّ اللَّهِ وَلِغَيْرِ الْأَدَبِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَوَرَدَ: «أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تُفْتَحُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اُنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» . وَلَمَّا قَدَّمَ حُرْمَةَ هِجْرَانِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّلَامُ) الْوَاقِعُ مِنْ مُرْتَكِبِ الْهَجْرِ الْمُحَرَّمِ (يُخْرِجُهُ مِنْ) إثْمِ

مِنْ الْهِجْرَانِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ،

وَالْهِجْرَانُ الْجَائِزُ هِجْرَانُ ذِي الْبِدْعَةِ أَوْ مُتَجَاهَرٍ بِالْكَبَائِرِ لَا يَصِلُ إلَى عُقُوبَتِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْعِظَتِهِ أَوْ لَا يَقْبَلُهَا وَلَا غِيبَةَ فِي هَذَيْنِ فِي ذِكْرِ حَالِهِمَا وَلَا فِيمَا يُشَاوَرُ فِيهِ لِنِكَاحٍ أَوْ

[الفواكه الدواني]

(الْهِجْرَانِ) إذَا قَصَدَ بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الْهِجْرَانِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْهِجْرَانِ وَهُوَ نِفَاقٌ، وَإِذَا سَلَّمَ بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْ الْهِجْرَانِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ خَرَجَا مِنْ الْهِجْرَانِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ خَرَجَ الْمُسَلِّمُ فَقَطْ، وَيُفْهَمُ مِنْ اشْتِرَاطِهِمْ قَصْدَ الْخُرُوجِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيَّرَ مِنْ هَجْرِهِ هِجْرَانًا مُحَرَّمًا لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِثْمِ.
(وَ) إذَا خَرَجَ مِنْ الْهِجْرَانِ بِسَلَامِهِ بِشَرْطِهِ.
(لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ) بَلْ الْمُسْتَحَبُّ الِاسْتِرْسَالُ عَلَى كَلَامِهِ كُلَّمَا يَرَاهُ، لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِبَقَائِهِ عَلَى الْهِجْرَانِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْحُرْمَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ فِي خُرُوجِهِ كَلَامَهُ مَعَ مُخَالَطَتِهِ، بَلْ إنْ تَرَكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَانَ هِجْرَانًا ثَانِيًا يَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ إثْمِهِ، لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَبْطُلُ بِمُعَاوَدَةِ الذَّنْبِ بَلْ يُجَدِّدُ التَّوْبَةَ لِمَا اقْتَرَفَ،.

[الْهِجْرَانُ الْجَائِزُ]

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ الْهِجْرَانِ إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ لِحُظُوظِ الدُّنْيَا، بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ لِدَيْنِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِجْرَانُ الْجَائِزُ) أَيْ الْمَأْذُونُ فِيهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ (هِجْرَانُ ذِي) أَيْ صَاحِبِ (الْبِدْعَةِ) الْمُحَرَّمَةِ كَالْخَوَارِجِ وَسَائِرِ فَرْقِ الضَّلَالِ لِأَنَّ مُخَالَطَتَهُمْ تُؤَدِّي إلَى الْمُشَارَكَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَصْحَبَ إلَّا أَصْحَابَ الْفَضْلِ، وَحَقِيقَةُ الْبِدْعَةِ إحْدَاثُ أَمْرٍ فِي الدِّينِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنْهُ وَهُوَ قَرِيبٌ أَوْ مُسَاوٍ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْبِدْعَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَمْ يُعْهَدُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَقَيَّدْنَاهَا بِالْمُحَرَّمَةِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْخَمْسَةِ: وَاجِبَةٌ كَتَدْوِينِ أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ لِأَنَّهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا فَهْمُ الْكِتَابِ وَضَبْطُ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِحِفْظِهَا وَكِتَابَتِهَا.
وَمَنْدُوبَةٌ كَإِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ وَالرَّبْطِ.
وَمُحَرَّمَةٌ كَالِاعْتِزَالِ وَوَضْعِ الْمُكُوسِ.
وَمَكْرُوهَةٌ كَتَطْوِيلِ الثِّيَابِ وَتَوْسِيعِهَا وَالتَّغَالِي فِي أَثْمَانِهَا لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَّامِ وَتَزْيِينِ الْخُيُولِ وَغَيْرِهَا فِي غَيْرِ الْجِهَادِ.
وَمُبَاحَةٌ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَالتَّوْسِيعِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ.
وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي حِلِّ هِجْرَانِ ذِي الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ وَيَظْهَرُ لِي عَدَمُ حِلِّ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْهِجْرَانَ مُحَرَّمٌ فِي الْأَصْلِ وَلَا يُرْتَكَبُ الْمُحَرَّمُ لِأَجَلِ مَكْرُوهٍ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي.
(أَوْ) أَيْ وَمِنْ الْهِجْرَانِ الْجَائِزِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ هِجْرَانُ كُلِّ (مُتَجَاهِرٍ بِالْكَبَائِرِ) كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالسَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ الْمُكَلَّفُ عَلَى هِجْرَانِ الْمُجَاهِرِ إذَا كَانَ (لَا يَصِلُ إلَى عُقُوبَتِهِ) أَيْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى زَجْرِهِ عَنْهَا إذَا كَانَ لَا يَتْرُكُهَا إلَّا بِالْعُقُوبَةِ.
(وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْعِظَتِهِ) لِشِدَّةِ تَجَبُّرِهِ.
(أَوْ) يَقْدِرُ لَكِنْ (لَا يُقَلِّبُهَا) لِعَدَمِ عَقْلٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَجْرِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ بِعُقُوبَتِهِ بِيَدِهِ إنْ كَانَ حَاكِمًا أَوْ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ يَرْفَعُهُ لِلْحَاكِمِ أَوْ بِمُجَرَّدِ وَعْظِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ زَجْرُهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ فِعْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِهَجْرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَجَاهِرَ بِالْكَبَائِرِ لَا يَجِبُ هِجْرَانُهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ زَجْرِهِ وَبَقِيَ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ هِجْرَانَهُ لِخَوْفِهِ مِنْهُ بِعَدَمِ مَوَدَّتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُدَاهَنَتُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ، يُرِيدُ بِهِمْ الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ الَّذِينَ يُتَّقَى شَرُّهُمْ، يَتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِهِمْ وَيُشْكَرُونَ بِكَلِمَاتٍ مُحِقَّةٍ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَفِيهِ صِفَةٌ تُشْكَرُ وَلَوْ كَانَ أَخْبَثَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُ ذَلِكَ اتِّقَاءً لِشَرِّهِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُدَاهَنَةُ حَرَامٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُحَرَّمُ قَدْ يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ وَهِيَ بَذْلُ الدِّينِ لِإِصْلَاحِ الدُّنْيَا حَرَامٌ، كَشُكْرِ ظَالِمٍ عَلَى ظُلْمِهِ لِيَعْظُمَ عِنْدَهُ مُحَرَّمُهُ.
وَقَدْ تَعْرِضُ لَهَا مَا يُوجِبُهَا إنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى دَفْعِ مَفْسَدَةٍ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا مَا يَقْتَضِي نَدْبُهَا إنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَنْدُوبٍ، وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً إنْ كَانَتْ لِمُجَرَّدِ الضَّعْفِ وَالْجُبْنِ لَا لِضَرُورَةٍ تَقْتَضِيهَا فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً مُطْلَقًا، خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَأَمَّا الْمُدَارَاةُ وَهِيَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِإِصْلَاحِ الدِّينِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْجَاهِ فَجَائِزَةٌ مَشْرُوعَةٌ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرَتْ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أُمِرَتْ بِالْفَرَائِضِ فَهِيَ صَدَقَةٌ» وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا إثْمَ فِي هِجْرَانِ الْمُبْتَدِعِ وَذِي الْكَبَائِرِ الْمُتَجَاهِرِ بِهَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ غِيبَتُهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا غِيبَةَ) مُحَرَّمَةً (فِي هَذَيْنِ) اللَّذَيْنِ يَجُوزُ هِجْرَانُهُمَا وَهُمَا الْمُبْتَدِعُ وَالْمُتَجَاهِرُ بِكَبَائِرِهِ.
(فِي) أَيْ بِسَبَبِ (ذِكْرِ حَالِهِمَا) فَيَجُوزُ ذِكْرُهُمَا بِبَيَانِ حَالِهِمَا بِأَنْ يُقَالَ فِي الْمُبْتَدِعِ: فُلَانٌ اعْتِقَادُهُ بَاطِلٌ لِمُخَالِفَتِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ، أَوْ فُلَانٌ مُعْتَزِلِيٌّ، وَفِي حَقِّ الْمُتَجَاهِرِ فُلَانٌ مُصِرٌّ عَلَى الْكَبَائِرِ وَلَا يُبَالِي مِنْ الْخَلْقِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ غِيبَةُ هَذَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُبْتَدِعُ مُتَجَاهِرًا بِبِدْعَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْفَاسِقَ مُتَجَاهِرٌ بِكَبَائِرِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُ كُلٍّ بِمَا يَتَجَاهَرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ وَجْهٌ آخَرُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ، هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ الْمُعْلِنُ بِالْفُسُوقِ، وَكَقَوْلِ امْرِئِ الْقِيس: فَمِثْلُك حُبْلَى قَدْ طُرِقَتْ وَمُرْضِعٌ.
فَيَفْتَخِرُ بِالزِّنَا فِي شِعْرِهِ، فَلَا يَضُرُّ أَنْ يُحْكَى ذَلِكَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ إذَا سَمِعَهُ بَلْ يُسَرُّ

مُخَالَطَةٍ وَنَحْوِهِ وَلَا فِي تَجْرِيحِ شَاهِدٍ وَنَحْوِهِ.

وَمِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك وَتَصِلَ

[الفواكه الدواني]

بِتِلْكَ الْمَخَازِي، وَالْغِيبَةُ إنَّمَا حَرُمَتْ لِحَقِّ الْمُغْتَابِ وَتَأَلُّمِهِ بِذَكَرِ الْمَكَارِهِ وَهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُعْلِنُ بِنَحْوِ الْمَكْسِ وَتَمَدُّحُهُ بِأَخْذِهِ مِنْ الظَّلَمَةِ وَالْمُلُوكِ وَقَهْرِهِمْ فَلَا يَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ، مِثْلُ اللِّصِّ الَّذِي يَتَجَاهَرُ بِسَرِقَتِهِ وَيَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَأَذَّوْنَ بِسَمَاعِ تِلْكَ الْمَخَازِي فِيهِمْ بَلْ يُسَرُّونَ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَرَافِيِّ.
قَالَ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يُقَالُ اشْتِرَاطُ الْإِعْلَانِ وَالْمُجَاهَرَةِ يُخَالِفُهُ إطْلَاقُ حَدِيثِ «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتِ الصِّحَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَوْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُغْتِيبَ بِجِنْسِ مَا بِهِ فِسْقٌ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ وَمُجَاهَرَتِهِ بِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ أَوْ لَمْ يَتَجَاهَرْ بِهِ فَلَا تَجُوزُ غِيبَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى إطْلَاقِهِ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّقَانِيِّ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ غِيبَةِ هَذَيْنِ بِمَا تَجَاهَرَا بِهِ سَوَاءٌ سُئِلَ عَنْهُمَا أَمْ لَا، وَقَيَّدَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ الْجَوَازَ بِمَا إذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِمَا أَوْ قَصَدَ بِذَكَرِ حَالِهِمَا تَحْذِيرَ النَّاسِ مِنْهُمَا مَخَافَةَ أَنْ تُنْسَبَ النَّاسُ لِمِثْلِ طَرِيقَتِهِمَا وَالرِّضَا بِهَا.
(وَلَا) تَحْرُمُ الْغِيبَةُ أَيْضًا (فِيمَا يُشَاوَرُ فِيهِ) الْإِنْسَانُ (كَنِكَاحٍ) بِأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِنْتَ فُلَانٍ وَلَا أَعْرِفُ فَيَجُوزُ حَالُهُ فَيَجُوزُ لَهُ ذِكْرُ حَالِهِ بِقَصْدِ النَّصِيحَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّهُ ذَكَرَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَا فِي مُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ حِينَ خَطَبَاهَا فَقَالَ لَهَا: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» . وَالْجَوَازُ هُنَا مَعَ النَّدْبِ عِنْدَ عَدَمِ السُّؤَالِ عَلَى كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَكَلَامِ غَيْرِهِ كَالْقَرَافِيِّ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ النَّصِيحَةَ وَاجِبَةٌ حَيْثُ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ الْمَنْصُوحُ شَرَعَ فِي فِعْلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يُعْرَفُ حَالُهُ أَمْ لَا عَلَى الصَّوَابِ، لَكِنْ شَرَطَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ عَلَى ذِكْرِ الْوَصْفِ الْمُخِلِّ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَتَجَاوَزُهُ لِعَيْبٍ آخَرَ، فَإِذَا اسْتَشَارَهُ فِي النِّكَاحِ فَلَا يَذْكُرُ لَهُ عَيْبًا فِي نَحْوِ الشَّرِكَةِ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا تَحْرُمُ الْغِيبَةُ أَيْضًا فِي ذِكْرِ عُيُوبِ شَخْصٍ سُئِلَ عَنْهُ لِأَجْلِ (مُخَالَطَةٍ) مُشَارَكَةٍ أَوْ سَفَرٍ لِتِجَارَةٍ.
(وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ النِّكَاحِ وَالْمُخَالَطَةِ، كَالْمُشَاوَرَةِ فِي التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ أَوْ لِيَسْتَأْجِرَهُ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى السَّائِلِ وَيَحْتَاجُ إلَى مِنْ يَنْصَحُهُ فِيهِ.
(وَلَا) تَحْرُمُ الْغِيبَةُ أَيْضًا (فِي) ذِكْرِ أَوْصَافٍ لِأَجْلِ (تَجْرِيحِ شَاهِدٍ) لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَعِنْدَ تَوَقُّعِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَيَحْرُمُ التَّجْرِيحُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَالضَّمِيرُ فِي (وَنَحْوِهِ) لِلشَّاهِدِ كَرَاوِي الْحَدِيثِ يُذْكَرُ حَالُهُ لِيُتْرَكَ الْعَمَلُ بِحَدِيثِهِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالْبَيَانِ، وَكَذَا لَا غِيبَةَ فِي ذِكْرِ أَوْصَافِ مَنْ يُرَادُ تَقْدِيمُهُ لِصَلَاةٍ وَحَصَلَ السُّؤَالُ عَنْ بَيَانِ حَالِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُ وَصْفِهِ الَّذِي يُكْرَهُ لِلتَّنْفِيرِ مِنْ تَقْدِيمِهِ، كَمَا يَجُوزُ ذِكْرُ حَالِ مَنْ يُتَظَلَّمُ مِنْهُ لِنَحْوِ سُلْطَانٍ أَوْ لِأَجْلِ تَعْيِينِ شَخْصٍ لِكَوْنِهِ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِذَلِكَ نَحْوَ الْأَعْرَجِ وَالْأَعْمَشِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاضِعَ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْغِيبَةُ فِي بَيْتٍ غَيْرِ مَا قَدَّمْنَاهُ حَيْثُ قَالَ: تَظَلَّمْ وَاسْتَغِثْ وَاسْتَفْتِ حَذِّرْ ... وَعَرِّفْ بِدْعَةً فِسْقَ الْمُجَاهِرْ فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ التَّظَلُّمُ وَالشَّكْوَى مِنْ الظَّالِمِ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إزَالَةِ ظُلْمِهِ بِذِكْرِ قَبَائِحِهِ الَّتِي فَعَلَهَا مَعَ الْمَظْلُومِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إزَالَةِ مُنْكَرٍ وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ وَيَقُولُ لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ: حَصَلَ مِنْ فُلَانٍ كَذَا فَأَعِنِّي عَلَى زَجْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ إزَالَةَ الْمُنْكَرِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: فُلَانٌ قَالَ لِي كَذَا، وَالتَّحْذِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الشِّرَاءِ كَمَا لَوْ أَرَادَ شَخْصٌ شِرَاءَ عَبْدٍ وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ بِالسَّرِقَةِ أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذِكْرُ وَصْفِهِ لِمَا يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الضَّرَرِ.
وَكَذَا تَجُوزُ الْغِيبَةُ لِبَيَانِ الْبِدْعَةِ كَمَا لَوْ رَأَيْت فَقِيهًا يَتَرَدَّدُ عَلَى مُبْتَدَعٍ أَوْ فَاسِقٍ لِيَأْخُذَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَخِفْت أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ لِلْعَمَلِ بِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْك بَيَانُ حَالِهِ كُلُّ ذَلِكَ بِقَصْدِ النَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُعْظَمَ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ آدَابٍ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُطْلَبُ مِنْ الْعَاقِلِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا فَقَالَ:

[مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ]

(وَمِنْ مَكَارِمِ) أَيْ مَحَاسِنِ (الْأَخْلَاقِ أَنْ تَعْفُوَ) أَيْ تَصْفَحَ (عَنْ) زَلَّةِ (مَنْ ظَلَمَك) وَتَعَدَّى عَلَيْك بِشَتْمٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ فِي مَدْحِ مَنْ يَصْفَحُ عَنْ زَلَّةِ غَيْرِهِ.
(وَ) مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَيْضًا أَنْ (تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك) شَيْئًا مِنْ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ

مَنْ قَطَعَك، وَجِمَاعُ آدَابِ الْخَيْرِ وَأَزِمَّتِهِ تَتَفَرَّعُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تُرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلَّذِي اخْتَصَرَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ لَا تَغْضَبُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ،

وَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَتَعَمَّدَ سَمَاعَ الْبَاطِلِ كُلِّهِ وَلَا أَنْ تَتَلَذَّذَ بِسَمَاعِ كَلَامِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَك وَلَا سَمَاعِ شَيْءٍ مِنْ الْمَلَاهِي وَالْغِنَاءِ وَلَا قِرَاءَةُ

[الفواكه الدواني]

مِمَّا يَطْلُبُهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَإِفَادَتِهِ عِلْمًا مَثَلًا وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ مِنْك بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ.
(وَ) مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَيْضًا أَنْ (تَصِلَ) مَوَدَّةَ (مَنْ قَطَعَك) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْحَامِك لِخَبَرِ: «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَّمَنِي، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي» . وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ كَالْمُصَنِّفِ فِي نَدْبِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ، وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُوجِبُ الصَّفْحَ كَمَا إذَا كَانَ الْمَظْلُومُ يَتَوَقَّعُ مَفْسَدَةً مِنْ الظَّالِمِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَفْوِ وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَمَنْ نُحِبُّ مِنْ الشُّرُورِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْعَمَلُ بِالْخِصَالِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى بَيَانِ مَا يَصِيرُ بِهِ الْعَاقِلُ مُتَّبِعًا لِطَرِيقَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَمُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ كَامِلَ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: (وَجِمَاعُ) أَيْ جَمِيعُ (آدَابِ الْخَيْرِ) كُلُّهَا الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ.
(وَأَزِمَّتِهِ) أَيْ الْخَيْرِ وَالْمُرَادُ بِآدَابِ الْخَيْرِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ، سُمِّيَتْ بِالْآدَابِ جَمْعُ أَدَبٍ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، إذْ يَحْصُلُ تَأْدِيبُ الظَّاهِرِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ، وَتَأْدِيبُ الْبَاطِنِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْمُرَادُ بِأَزِمَّتِهِ جَمْعُ زِمَامٍ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهِ، وَالزِّمَامُ فِي الْأَصْلِ مَا يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ، أُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ لِلْخَيْرِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، لِأَنَّ كُلًّا يَقُودُ إلَى مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقَادُ.
(تَتَفَرَّعُ) خَبَرُ جِمَاعُ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: وَجَمْعُ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ تَنْشَأُ (عَنْ) الْعَمَلِ بِمَضْمُونِ (أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ) جَمْعُ حَدِيثٍ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ صِفَةً، أَحَدُهَا: (قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُمِعَ فِيهِ الْكَسْرُ، وَالْمُرَادُ فَلْيَقُلْ خَيْرًا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَلِيَصْمُتْ عَنْ شَرٍّ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَمَا فِي الْمُصَنَّفِ بَعْضُ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتَمَامُهُ: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . (وَ) ثَانِيهَا: (قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) فِي الْمُوَطَّإِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ» الْمُرَادُ الشَّخْصُ وَلَوْ أُنْثَى «تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» يَعْنِي مَا لَا تَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ لِدِينِهِ وَلَا لِدُنْيَاهُ الْمُوَصِّلَةُ لِآخِرَتِهِ وَمَا يَعْنِيه عَكْسُهُ.
(وَ) ثَالِثُهَا: (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ، وَ (السَّلَامُ) فِي الْبُخَارِيِّ (الَّذِي اخْتَصَرَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ) «حِينَ سَأَلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِشْ بِهِنَّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَغْضَبْ» أَيْ لَا تَعْمَلْ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ الْغَضَبِ جُمْلَةً لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ اُسْتُغْضِبَ فَلَمْ يَغْضَبُ فَهُوَ حِمَارٌ، وَمَنْ اُسْتُرْضِيَ فَلَمْ يَرْضَ فَهُوَ شَيْطَانٌ، وَوَرَدَ: «إذَا غَضِبْت وَأَنْتَ قَائِمٌ فَاقْعُدْ، وَإِذَا كُنْت قَاعِدًا فَاضْطَجِعْ أَوْ تَوَضَّأَ لِأَنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَطَفْؤُهَا يَكُونُ بِالْمَاءِ» وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الْغَضَبِ لِأَنَّ السَّائِلَ لَهُ كَانَ يُكْثِرُ الْغَضَبَ، وَمَعْنَى أَعِشْ بِهِنَّ أَسْتَعِنْ عَلَى عِيشَتِي، أَوْ الْمُرَادُ أَتَأَنَّسُ بِهِنَّ فِي حَيَاتِي.
(وَ) رَابِعُهَا: (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ لِجَارِهِ عَلَى الشَّكِّ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إلَى جَارِك تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ يُمِيتُ الْقَلْبَ» . وَمَعْنَى لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِأَخِيهِ مِثْلُ مَا لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ النَّاسِ مِنْهُ فِي الْمَرْتَبَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ النَّاسِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَسِيرِ هَذَا إلَّا عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَنْبَغِي التَّخَلُّقُ بِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَعَدَمُ التَّلَبُّسِ بِهِ فَقَالَ:

[سَمَاعَ الْأَمْرِ الْبَاطِلِ]

(وَلَا يَحِلُّ لَك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (أَنْ تَتَعَمَّدَ سَمَاعَ) الْأَمْرِ (الْبَاطِلِ كُلِّهِ) كَالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ أَوْ الْغِيبَةِ أَوْ النَّمِيمَةِ أَوْ الْقَذْفِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ طَرَقَ سَمْعَهُ شَيْءٌ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْهُ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَإِنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَبِقَلْبِهِ وَمُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ إنْ اسْتَطَاعَ، وَأَمَّا لَوْ نَهَى بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُشْتَهِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ذَلِكَ فَحَرَامٌ كَمَا هُوَ

الْقُرْآنِ بِاللُّحُونِ الْمُرَجَّعَةِ كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ وَلْيُجَلَّ كِتَابُ اللَّهِ الْعَزِيزِ أَنْ يُتْلَى إلَّا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَمَا يُوقَنُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى بِهِ وَيُقَرِّبُ مِنْهُ مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ.

وَمِنْ الْفَرَائِضِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ فِي الْأَرْضِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ تَصِلُ يَدُهُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِقَلْبِهِ وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُرِيدَ

[الفواكه الدواني]

مُشَاهَدٌ الْيَوْمَ لِبَعْضِ النَّاسِ.
(وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا (أَنْ تَتَلَذَّذَ بِسَمَاعِ كَلَامِ امْرَأَةٍ) وَلَوْ بِالْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتْ (لَا تَحِلُّ لَك) وَلِذَلِكَ يُطْلَبُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْإِسْرَارَ بِقِرَاءَتِهَا وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَلَوْ عِنْدَ مَحْرَمِهَا، وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ فِي حُرْمَةِ التَّلَذُّذِ بِكَلَامِهَا الْأَمْرَدُ، وَأَمَّا سَمَاعُ كَلَامِهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَلَذُّذٍ بِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ، وَأَمَّا قَصْدُ الِالْتِذَاذِ بِكَلَامِ مَنْ تَحِلُّ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ نَوْعِ مَا لَا يَصْدُرُ إلَّا مِنْ الزَّوْجَةِ وَحَرَّرَهُ.
(وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا أَنْ تَتَعَمَّدَ (سَمَاعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَلَاهِي) كَالْمِزْمَارِ وَالطُّنْبُورِ وَالْعُودِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْغِرْبَالُ وَهُوَ الدُّفُّ الْمَعْرُوفُ بِالطَّارِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَسَمَاعُهُ فِي النِّكَاحِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُخْرِجًا مِنْ الْكَرَاهَةِ لَا الْغِرْبَالَ وَلَوْ لِرَجُلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ أَوْ صَرَاصِيرُ كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ، وَأَمَّا الْكِبْرُ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ وَالْمِزْهَرُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي الْكِبْرِ وَالْمِزْهَرِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي الْكِبْرِ ابْنُ كِنَانَةَ وَتَجُوزُ الزَّمَّارَةُ وَالْبُوقُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَغَيْرِهِ الْمَنْعُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ لِخَبَرِ «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إلَّا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَرَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ» وَالْبَاطِلُ خِلَافُ الْحَقِّ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ.
وَبَحَثَ الْغَزَالِيُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى حُرْمَةِ سَمَاعِ الْمَلَاهِي إذْ غَايَةُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى سَمَاعِهَا عَدَمُ الْفَائِدَةِ.
وَيُؤَيِّدُ بَحْثَ الْغَزَالِيِّ قَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ مِنْ عُلَمَائِنَا: لَا أَعْلَمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةً صَرِيحَةً وَلَا فِي السُّنَّةِ حَدِيثًا صَحِيحًا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِ الْمَلَاهِي، وَإِنَّمَا هِيَ ظَوَاهِرُ وَعُمُومَاتٌ تُوهِمُ الْحُرْمَةَ لَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ.
(وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا سَمَاعُ (الْغِنَاءِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ وَهُوَ الصَّوْتُ الْمُتَقَطِّعُ الَّذِي فِيهِ تَرَنُّمٌ لِتَحْرِيكِ الْقَلْبِ وَالْمُحَرَّمُ سَمَاعُهُ مَا كَانَ بِآلَةٍ وَمِمَّنْ يُلْتَذُّ بِصَوْتِهِ وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا.
قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ: صِفَةُ الْغِنَاءِ الَّذِي مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مَا كَانَ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ لِلتَّهْيِيجِ عَلَى فِعْلِ الْكَرْمِ وَالْمُفَاخَرَةِ بِالشَّجَاعَةِ وَالْغَلَبَةِ، وَالْمُحَرَّمُ مَا كَانَ مُشَوِّقًا لِفِعْلِ الْفَوَاحِشِ وَمُشْتَمِلًا عَلَى تَكَسُّرٍ أَوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَحِلُّ كَالتَّشْبِيبِ بِأَهْلِ الْجَمَالِ، وَقَالَ بَهْرَامَ فِي الشَّامِلِ: وَتُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحِ وَالنَّائِحَةِ، وَسَمَاعُ الْعُودِ حَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي عُرْسٍ أَوْ صَنِيعٍ لَيْسَ فِيهِ شَرَابٌ مُسْكِرٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ فَقَطْ انْتَهَى، وَغَيْرُ الْعُودِ مِنْ بَقِيَّةِ الْآلَاتِ الَّتِي يُلْعَبُ بِهَا يَجْرِي فِيهَا مَا فِي الْعُودِ، وَأَمَّا سَمَاعُ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمَعْرُوفُ بِالتَّحْزِينَةِ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ حَيْثُ يَحْصُلُ بِالسَّمَاعِ إرْشَادٌ أَوْ زِيَادَةُ يَقِينٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَبُ شَرْعًا، وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يُنْكَرُ كَاجْتِمَاعِ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ يُتَوَقَّعُ الِالْتِذَاذُ بِهِمْ وَإِلَّا مُنِعَ، وَاعْلَمْ أَنْ مَا لَا يَحِلُّ سَمَاعُهُ لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا الْغِنَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ فَهُوَ الْيَسَارُ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ فَهُوَ النَّفْعُ.
(وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا (قِرَاءَةُ) شَيْءٍ مِنْ (الْقُرْآنِ بِاللُّحُونِ الْمُرَجَّعَةِ) أَيْ الْأَصْوَاتِ الَّتِي يُرَجِّعُهَا الْقَارِئُ.
(كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ) وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْحِلِّ الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهُ التَّرْجِيعُ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ، كَقَصْرِ الْمَمْدُودِ وَمَدِّ الْمَقْصُورِ، وَكَمَا لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يَحِلُّ سَمَاعُهَا، لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ مَعَ النَّغَمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ بِنَحْوِ عُشَّاقٍ مَعَ تَجْوِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، بَلْ يُكْسِبُ السَّامِعَ الْخُشُوعَ وَالِاتِّعَاظَ بِكَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنَّا مِنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِسَمَاعِهِ لِرِقَّةِ قَلْبِهِ وَشَوْقِهِ إلَى مَا عِنْدَ رَبِّهِ، كَمَا يُلْتَذُّ أَهْلُ الْغَوَانِي بِسَمَاعِ غَوَانِيهِمْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَاجِبُ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلِيُجِلَّ كِتَابَ اللَّهِ الْعَزِيزِ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْ (أَنْ يُتْلَى إلَّا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) أَيْ طُمَأْنِينَةٍ وَتَعْظِيمٍ.
(وَ) يَقْرَؤُهُ الْقَارِئُ عَلَى (مَا يُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (يَرْضَى بِهِ) مِنْ الْأَحْوَالِ (وَيُقَرِّبُ) بِشَدِّ الرَّاءِ (مِنْهُ) بِأَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى طَهَارَةٍ وَفِي مَكَان طَاهِرٍ وَمِنْ جُلُوسٍ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ، وَ (مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ) الَّذِي يَتْلُوهُ بِأَنْ يُلَاحِظَ أَنَّهُ الْمَنْهِيُّ عِنْدَ آيَةِ النَّهْيِ، وَأَنَّهُ الْمَأْمُورُ عِنْدَ آيَةِ الْأَمْرِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ: «لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا» .

[الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ]

(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ (الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِهِ، وَالْمُنْكَرُ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ عَنْهُ، وَقَدَّمَ الْمَعْرُوفَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَهُ عَلَى الْمُنْكَرِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا، وَأَيْضًا أَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ أَوَّلًا وَنَهَى آدَمَ بَعْدَهُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الْمَذْكُورَانِ (عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ) أَيْ انْتَشَرَ حُكْمُهُ (فِي الْأَرْضِ) لِكَوْنِهِ سُلْطَانًا أَوْ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا.
(وَ) كَذَا يَجِبُ (عَلَى كُلِّ مَنْ تَصِلُ يَدُهُ) مِنْ غَيْرِ الْحُكَّامِ (إلَى ذَلِكَ) مِمَّنْ لَهُ شَأْنٌ وَعَظَمَةٌ فِي نُفُوسِ النَّاسِ بِحَيْثُ يُمْتَثَلُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ لِعُمُومِ آيَةِ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

لَكِنَّ نَحْوَ السُّلْطَانِ صِفَةُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَأْمُورَ أَوْ الْمَنْهِيَّ بِذَلِكَ، فَإِنْ امْتَثَلَ بِمُجَرَّدِ التَّعَرُّفِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ ضَرَبَهُ بِالْفِعْلِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَشْهَرَ لَهُ السِّلَاحَ إنْ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ مَرْتَبَةٍ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ إفَادَةِ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا غَيْرُ نَحْوِ السُّلْطَانِ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِالْقَوْلِ الْأَرْفَقِ فَالْأَرْفَقِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمُكَلَّفُ عَلَى الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ بِيَدِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ سُلْطَانٍ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَحْوِ الْأَبِ وَالسَّيِّدِ وَالزَّوْجِ لِأَنَّ غَيْرَ مَنْ ذُكِرَ لَا يَأْمُرُ بِالْيَدِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَدَمُ التَّمَكُّنِ شَرْعًا مِنْ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ بِالْيَدِ.
(فَبِلِسَانِهِ) أَيْ فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى بِلِسَانِهِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ بِلِسَانِهِ لِشِدَّةِ صَوْلَةِ مَنْ يُرَادُ أَمْرُهُ أَوْ نَهْيُهُ (فَبِقَلْبِهِ) أَيْ فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى بِقَلْبِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِيَدِي أَوْ لِسَانِي لَفَعَلْت، وَيَبْغَضُ ذَلِكَ مَعَ تَرْكِ مُخَالَطَةِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمُنْكَرِ إنْ اسْتَطَاعَ، وَإِلَّا انْتَقِلْ إلَى الْمُدَارَاةِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ لِخَبَرِ: «أُمِرْت بِالْمُدَارَاةِ لِلنَّاسِ كَمَا أُمِرَتْ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ» وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا بَذْلُ الدُّنْيَا لِحِفْظِ الدِّينِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْجَاهِ، بِخِلَافِ الْمُدَاهَنَةِ فَإِنَّهَا بَذْلُ الدِّينِ لِحِفْظِ الدُّنْيَا وَهِيَ حَرَامٌ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ.
وَفَرِيضَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104] . وَ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الْآيَةَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» أَيْ الْأَعْمَالِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ كَانُوا يَتَوَاصَوْنَ بِذَلِكَ وَيَنْهَوْنَ تَارِكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ قُلْت: فَمَا الْجَوَابُ عَنْ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة: 105] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وَعَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى لَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا نَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الْبُخْلُ فِي خِيَارِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي أَرْذَالِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الِادِّهَانُ فِي كِبَارِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ» . فَالْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ لِلْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ عَدَمَ الضَّرَرِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يَضُرُّ النَّاهِيَ عِنَادُهُمْ وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِآيَةِ: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عِنْدَ فَوَاتِ الشَّرْطِ بِلُزُومِ الْمَفْسَدَةِ أَوْ انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْكِفَايَةِ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ وَأَمَّا بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ، وَذَكَرُوا لِذَلِكَ شُرُوطًا، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، فَمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا الْمُنْكَرِ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى.
وَثَانِيهَا: أَنْ يَأْمَنَ أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ إلَى مُنْكِرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِفَادَةُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، فَالْأَوَّلَانِ لِلْجَوَازِ وَالثَّالِثُ لِلْوُجُوبِ.
وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَجَسُّسٍ وَلَا اسْتِرَاقِ سَمْعٍ وَلَا بَحْثٍ بِوَجْهٍ كَتَفْتِيشِ دَارٍ أَوْ ثَوْبِهِ لِحُرْمَةِ السَّعْيِ فِي ذَلِكَ.
وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ يَكُونَ مُدْرَكُ عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ ضَعِيفًا كَالنَّبِيذِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّ يَقُولُ بِحِلِّهِ فَمَنْ فَعَلَ الْمُخْتَلَفَ فِي تَحْرِيمِهِ فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ التَّحْرِيمُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَقْلِيدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، كَالْمَالِكِيِّ يَأْكُلُ الْبَصَلَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُ الْمُخَالِفِ فِيهِ ضَعِيفًا فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُنْكَرُ عَلَى مُعْتَقِدِ حِلِّهِ حَيْثُ كَانَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَاطِعٍ أَوْ جَلِيِّ قِيَاسٍ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا وَالْمُدْرِكُ فِي الْحِلِّ وَعَدَمِهِ مُتَوَازٍ فَإِنَّهُ يُرْشِدُ لِلتَّرْكِ بِرِفْقٍ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلَا تَوْبِيخٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الشُّرُوطَ خَمْسَةٌ وَلَيْسَ مِنْهَا عَدَالَةُ الْآمِرِ وَلَا إذْنُ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَجِبُ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ شُرْبِهِ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: يَنْبَغِي لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ بِصُورَةِ مَنْ يُقْبَلُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ عِنْدَ نَزْعِ عِمَامَتِهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهَا، كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِالرِّفْقِ، فَلَا يُرْتَكَبُ فِي ذَلِكَ غَلِيظُ الْقَوْلِ وَلَا الشَّتْمُ إلَّا فِي نَحْوِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ كَمَا مَرَّ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: وُجُوبُ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ عَاصِيًا بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاجِبَةَ الدَّرْءِ لِمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ لَبَنًا، أَوْ تَرَكَ أَمْرًا وَاجِبًا فِعْلُهُ كَصَلَاةِ فَرْضٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِفَرْضِيَّتِهَا فَيَجِبُ النَّهْيُ وَالْأَمْرُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ عِصْيَانِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَتْ تَأْمُرُ وَتَنْهَى أُمَمَهَا أَوَّلَ بَعْثَتِهَا، وَمَعْلُومٌ عَدَمُ عِصْيَانِهِمْ إذْ ذَاكَ.
الثَّانِي: يَجِبُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِمَا عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ أَوْ الْمَنْهِيُّ جَمَاعَةً لَوَجَبَ خِطَابُهُمْ

بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ مِنْ الْبِرِّ وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يُقْبَلْ عَمَلُهُ وَالرِّيَاءُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ،

وَالتَّوْبَةُ

[الفواكه الدواني]

بِلَفْظِ الْجَمْعِ نَحْوَ: قُومُوا لِلصَّلَاةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
الثَّالِثُ: تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ وَمِنْ الْفَرَائِضِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ يَقْتَضِي قَصْرَ الْمَعْرُوفِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُنْكَرِ عَلَى الْمُحَرَّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ لِأَنَّهُمَا يَنْصَرِفَانِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَكْرُوهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كَوْنِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا أَرْجَحِيَّةُ النَّدْبِ كَنَدْبِ النَّهْيِ عَنْ الْمَكْرُوهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مِنْ إخْلَاصِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بِقَوْلِهِ: (وَفَرْضٌ) بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ (عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ) مُكَلَّفٍ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (أَنْ يُرِيدَ) أَنْ يَقْصِدَ (بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ مِنْ) أَعْمَالِ (الْبِرِّ) وَلَوْ مَنْدُوبَةً وَمَفْعُولُ يُرِيدُ (وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَ) هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِخْلَاصِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14] وَالْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْإِخْلَاصِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاَللَّهِ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةٍ، وَإِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلَ لِوَجْهِ اللَّهِ حَتَّى يُرْجَى قَبُولُهُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْفَاءِ الَّتِي كَانَتْ أَوْلَى مِنْ الْوَاوِ قَوْلَهُ: (وَمَنْ) عَمِلَ عَمَلًا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ وَقَدْ (أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ) بِأَنْ أَرَادَ بِهِ النَّاسَ (لَمْ يُقْبَلْ) أَيْ وَلَمْ يَصِحَّ (عَمَلُهُ) لِأَنَّ إرَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ مَحْضُ رِيَاءٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: الرِّيَاءُ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ يَقْصِدُ بِهَا النَّاسَ، فَلَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْقُرْبَةِ كَالتَّجَمُّلِ بِاللِّبَاسِ، وَخَرَجَ إرَادَةُ غَيْرِ النَّاسِ بِالْقُرْبَةِ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ، كَمَنْ حَجَّ لِيَتَّجِرَ أَوْ جَاهَدَ لِيَغْنَمَ.
(وَالرِّيَاءُ) يُقَالُ لَهُ (الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ) فَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا سَوَاءٌ الرِّيَاءُ الْخَالِصُ وَهُوَ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ لِقَصْدِ النَّاسِ فَقَطْ، وَرِيَاءُ الشِّرْكِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالنَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَخَفُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَذَانِ يُقَالُ لَهُمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَيُبْطِلَانِ الْعِبَادَةَ كَمَا عَرَفْت، وَأَمَّا الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ الشَّخْصُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِخْلَاصَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَهُوَ قَصْدُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً، فَإِنْ شَمِلَ الرِّيَاءُ جَمِيعَ الْعِبَادَةِ بَطَلَتْ إجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَإِنْ شَمِلَ بَعْضَهَا وَتَوَقَّفَ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا كَالصَّلَاةِ فَفِي صِحَّتِهَا تَرَدُّدٌ، وَإِنْ عَرَضَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا أُمِرَ بِدَفْعِهِ وَعَمَلِهَا وَإِنْ تَعَذَّرَ وَلَصِقَ بِصَدْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً تَعَيَّنَ لِتَقْدِيمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أُمِرَ بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَدَّرْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقْبَلُ عَمَلُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الصِّحَّةَ قَدْ تُوجَدُ مَعَ عَدَمِ الْقَبُولِ، إذَا الصِّحَّةُ سُقُوطُ الْأَدَاءِ بِفِعْلِ الْمُؤَدَّى بِشُرُوطِهِ وَفَقْدِ مَوَانِعِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا الْقَبُولُ فَهُوَ الرِّضَا بِالْعَمَلِ مَعَ الْإِثَابَةِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ مَنْعُ الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ الصِّحَّةِ قَدْ تُوجَدُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ وَالصِّحَّةُ أَعَمُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ مَكَانَ الْأَنْسَبِ، أَنْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَصِحَّ عَمَلُهُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الرِّيَاءِ مُبْطِلٌ لِلْعِبَادَةِ إجْمَاعًا، وَالْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ عِنْدَنَا بِمَعْنًى، وَلَعَلَّهُ آثَرَ التَّعْبِيرَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ غَالِبًا، وَبَنَوْا عَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَهَمِّيَّةِ الصِّحَّةِ وَأَخَصِّيَّةِ الْقَبُولِ صِحَّةَ الدُّعَاءِ بِتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ عَقِبَ الْعَمَلِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانَ يَلْزَمُ عَنْ الصِّحَّةِ الْقَبُولُ لَلَزِمَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَافْهَمْ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرِّيَاءَ مُفْسِدٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ فَرْضِيَّةُ الْإِخْلَاصِ وَعَدُّهُ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّا لَمْ نَرَ مَنْ عَدَّهُ مِنْ فَرَائِضِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ فَرْضِيَّةُ النِّيَّةِ كَافِيَةٌ لِتَضَمُّنِهَا لَهُ لِأَنَّهُ قَصَدَ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْعَمَلَ لِلَّهِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: النِّيَّةُ هِيَ الْإِخْلَاصُ لِأَنَّ النَّاوِيَ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ خَالِقِهِ قَدْ قَصَدَ وَجْهَهُ بِالْعِبَادَةِ.
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَمِلَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ عِلْمِ النَّاسِ بِعِلْمِهِ وَمَدْحِهِمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ لَا يُبْطِلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ رِيَاءً، كَمَا لَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِعَجَبِهِ بِعَمَلِهِ أَيْ بِرُؤْيَتِهِ حَسَنًا وَاسْتِعْظَامِهِ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67] أَيْ مَا عَبَدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَكَذَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّسْمِيعِ وَهُوَ إعْلَامُ النَّاسِ بِعِلْمِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِقَصْدِ تَعْظِيمٍ أَوْ إعْطَاءِ دُنْيَا، وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ التَّسْمِيعِ كَالْعُجْبِ لِخَبَرِ مَنْ سَمَّعَ بِالتَّشْدِيدِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْ يُنَادَى عَلَيْهِ فُلَانٌ قَدْ عَمِلَ عَمَلًا أَرَادَ بِهِ غَيْرِي، وَإِنَّمَا لَمْ يُبْطِلْ الْعُجْبُ وَالتَّسْمِيعُ الْعِبَادَةَ لِحُصُولِهِمَا بَعْدَ الْعِبَادَةِ.
(فَائِدَةٌ) وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّقِيَ الرِّيَاءَ وَلَا

فَرِيضَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ وَالْإِصْرَارُ الْمُقَامُ عَلَى الذَّنْبِ وَاعْتِقَادُ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَمِنْ التَّوْبَةِ رَدُّ الْمَظَالِمِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا يَعُودَ وَلْيَسْتَغْفِرْ رَبَّهُ وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخَافُ عَذَابَهُ وَيَتَذَكَّرُ نِعْمَتَهُ لَدَيْهِ وَيَشْكُرُ فَضْلَهُ عَلَيْهِ

[الفواكه الدواني]

يَحْصُلُ لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِك شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا نَعْلَمُهُ» . وَلَمَّا كَانَ الرِّيَاءُ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ وَمُفْسِدًا لِلْعِبَادَةِ، وَكَانَ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ مُوجِبًا لِلتَّوْبَةِ قَالَ عَقِبَ الرِّيَاءِ:

[حُكْم التَّوْبَةُ]

(وَالتَّوْبَةُ فَرِيضَةٌ) عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا.
(مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ) مِنْ الْكَبَائِرِ اتِّفَاقًا وَمِنْ الصَّغَائِرِ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّنْبُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، لَكِنَّ الْمَعْلُومَ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ تَفْصِيلًا وَالْمَجْهُولُ إجْمَالًا، وَقِيلَ: إنَّ الصَّغَائِرَ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ الذُّنُوبُ عِنْدَنَا قِسْمَانِ ... صَغِيرَةٌ كَبِيرَةٌ فَالثَّانِي مِنْهُ الْمَتَابُ وَاجِبٌ فِي الْحَالِ ... وَلَا انْتِقَاضَ إنْ يَعُدْ لِلْحَالِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَهَا مُكَفِّرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا، وَبِالصَّلَوَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَبِالْأَمْرَاضِ وَالْمَصَائِبِ.
وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ إسْلَامُهُ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ يُغَرْغِرَ، وَتَوْبَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي رُجُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ إلَى أَفْعَالٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ قِيلَ قَطْعًا وَقِيلَ ظَنًّا، وَتُقْبَلُ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ الْغَرْغَرَةِ وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا لِصِبَاهُ أَوْ جُنُونِهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ إسْلَامُهُ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ، وَوُجُوبُ التَّوْبَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا يُنَافِي جَوَازَ غُفْرَانِهَا بِمَحْضِ الْعَفْوِ، وَقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مُسْتَحَبَّةً وَهِيَ التَّوْبَةُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهَاتِ وَأَكْلِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَهِيَ تَوْبَةُ الزُّهَّادِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى الْفَوْرِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِصْرَارُ الْمُقَامُ) بِضَمِّ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ (عَلَى الذَّنْبِ وَاعْتِقَادُ) أَيْ نِيَّةُ (الْعُودِ إلَيْهِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنَافٍ لِحَقِيقَةِ التَّوْبَةِ إذْ هِيَ النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعُودِ وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ.
(فَائِدَةٌ) يُقَالُ: الْعَجَلَةُ فِي الْأُمُورِ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: التَّوْبَةُ وَالصَّلَاةُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَدَفْنُ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ إذَا قَدِمَ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ، فَهَذِهِ سِتَّةٌ يُطْلَبُ فِيهَا الْعَجَلَةُ.
(وَمِنْ) وَاجِبَاتِ (التَّوْبَةِ رَدُّ الْمَظَالِمِ) إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ إنْ كَانَتْ أَمْوَالًا وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ أَوْ يَرُدَّهَا إلَى الْوَارِثِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ وَارِثًا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْرَاضًا كَقَذْفٍ أَوْ غِيبَةٍ اسْتَحْلَلَ الْمَقْذُوفَ أَوْ الْمُغْتَابَ إنْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ وَجَدَهُ مَاتَ فَيُكْثِرُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ لِيُعْطَى مِنْهَا الْمَظْلُومُ.
(وَ) مِنْ وَاجِبَاتِ التَّوْبَةِ أَيْضًا (اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْإِقْلَاعِ فِي الْحَالِ عَنْهَا.
(وَ) مِنْ وَاجِبَاتِهَا أَيْضًا (النِّيَّةُ) أَيْ الْعَزْمُ عَلَى (أَنْ لَا تَعُودَ) إلَيْهِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا بُدَّ فِي صِحَّتِهَا مِنْ أَرْكَانٍ وَهِيَ: النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعُودِ، وَرَدُّ الْمَظَالِمِ عَلَى مَا فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى تِلْكَ الْأَرْكَانِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مَبْسُوطًا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَأَشَارَ هُنَا إلَى شُرُوطِ التَّوْبَةِ الْكَمَالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَسْتَغْفِرْ) التَّائِبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (رَبَّهُ) أَيْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَسْتُرَ مَا سَلَف مِنْهُ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ التَّائِبِ الِاسْتِغْفَارُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» . وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ هُوَ مَا يَحُلُّ عُقْدَةَ الْإِصْرَارِ، وَيَثْبُتُ مَعْنَاهُ فِي الْجِنَانِ بِأَنْ يُوَافِقَ مَا فِي قَلْبِهِ مَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ لَا مُجَرَّدَ التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْوِجٌ لِلِاسْتِغْفَارِ وَصَغِيرَةٌ لَاحِقَةٌ بِالْكَبَائِرِ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْ التَّائِبِ أَيْضًا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَنْ (يَرْجُوَ رَحْمَتَهُ) بِأَنْ يَطْمَعَ فِي حُصُولِهَا مَعَ أَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ الْحُصُولِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ (يَخَافَ عَذَابَهُ) لِأَنَّهُ وَإِنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا فِي الظَّاهِرِ لَا يُقْطَعُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْخَوْفُ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9] وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الشَّخْصِ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ غَلَبَةُ الْخَوْفِ، لِأَنَّ الْخَوْفَ مُطْفِئٌ لِنَارِ الشَّهْوَةِ وَقَامِعٌ لِمَحَبَّةِ الدُّنْيَا مِنْ الْقَلْبِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ فَالْأَفْضَلُ الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ، لِأَنَّ الْخَوْفَ جَارٍ مَجْرَى السَّوْطِ الْبَاعِثِ عَلَى الْعَمَلِ وَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الْعَمَلِ، فَالْمُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ فَالْمَطْلُوبُ عَنْهُ إذْ ذَاكَ الرَّجَاءُ وَزِيَادَةُ حُسْنِ الظَّنِّ فِي رَبِّهِ لِخَبَرِ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» وَلِذَا لَمَّا حَضَرَتْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ وَاذْكُرْ لِي الرَّجَاءَ

بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُ فِعْلَهُ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ، وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرَائِضِهِ فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ وَلْيَرْغَبْ إلَى اللَّهِ فِي تَقَبُّلِهِ وَيَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ تَضْيِيعِهِ وَلْيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ فِيمَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ وَمُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ مُوقِنًا أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَأْنِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ لَا يُفَارِقُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ حَسَنٍ أَوْ قَبِيحٍ وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْفِكْرَةُ فِي أَمْرِ اللَّهِ مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ فَاسْتَعِنْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَالْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ وَفِي نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك وَإِمْهَالِهِ لَك وَأَخْذِهِ

[الفواكه الدواني]

حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عِنْدَ الْمَوْتِ لِابْنِهِ: اُذْكُرْ لِي الْأَخْبَارَ الَّتِي فِيهَا الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْ التَّائِبِ أَيْضًا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَنْ (يَتَذَكَّرَ نِعْمَتَهُ) تَعَالَى (لَدَيْهِ) وَهِيَ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ وَإِقْدَارُهُ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40] لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ يَكُون سَبَبًا لِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ (يَشْكُرَ فَضْلَهُ) تَعَالَى (عَلَيْهِ) بِأَنْ يَأْتِيَ (بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ) الَّتِي افْتَرَضَهَا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13] (وَ) بِالِامْتِثَالِ لِ (تَرْكِ مَا يُكْرَهُ) أَوْ يُحَرِّمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (فِعْلَهُ) أَوْ قَوْلَهُ فَمَكْرُوهُ الْفِعْلِ كَالصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ، وَمَكْرُوهُ الْقَوْلِ كَالتَّكَلُّمِ مِمَّا لَا يَعْنِي، وَالْمُحَرَّمُ فِعْلُهُ كَالزِّنَا، وَالْمُحَرَّمُ الْقَوْلُ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْ التَّائِبِ أَيْضًا أَنْ (يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا لِخَبَرِ: «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْته، وَإِنْ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ» . (وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ) أَيْ التَّائِبُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (مِنْ فَرَائِضَ) قَبْلَ تَوْبَتِهِ (فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ) وُجُوبًا عَلَى الْفَوْرِيَّةِ وَلَوْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا وَإِلَّا تَوَقَّى أَوْقَاتَ النَّهْيِ، وَلَا يُوَسَّعُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ إلَّا زَمَنَ اشْتِغَالِهِ فِي نَوْمِهِ أَوْ ضَرُورِيَّاتِهِ أَوْ حُضُورِ عِلْمِ مُتَعَيِّنٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّوَافِلُ قَبْلَ قَضَاءِ الْفَرْضِ سِوَى الْمُؤَكَّدِ كَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَالْفَجْرِ، وَإِذَا لَمْ يَدْرِ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْهَا احْتَاطَ.
(وَلْيَرْغَبْ) التَّائِبُ أَنْ يَتَضَرَّعَ وَيَتَذَلَّلَ (إلَى اللَّهِ فِي تَقَبُّلِهِ) لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ بَعْدَ تَضْيِيعِهَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَتُوبَ عَلَيْهِ مِنْ) أَجْلِ (تَضْيِيعِهِ) لِلْفَرَائِضِ لِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ تَأْخِيرَ الْفَرَائِضِ عَنْ أَوْقَاتِهَا عَمْدًا مِنْ الْكَبَائِرِ.
(وَلْيَلْجَأْ) أَيْ يَتَضَرَّعْ (إلَى اللَّهِ) وَيَفْزَعْ إلَيْهِ (فِيمَا عَسُرَ) أَيْ صَعُبَ (عَلَيْهِ مِنْ قِيَادَةِ نَفْسِهِ) إلَى الطَّاعَةِ لِرَغْبَتِهَا عَنْهَا وَعَدَمِ مَيْلِهَا لِفِعْلِهَا، فَيَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُوَفِّقَهُ إلَى فِعْلِهَا، فَمَعْنَى قِيَادَةِ نَفْسِهِ امْتِثَالُهَا وَمَيْلُهَا إلَى الطَّاعَةِ، فَيَلْجَأُ إلَى اللَّهِ أَنْ يُذَلِّلَهَا، وَيَجْعَلَ الطَّاعَةَ سَهْلَةً عَلَيْهَا لِأَنَّهُ الْمُسَهِّلُ وَالْمُوَفِّقُ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ مَكِّنَّا أَنْفُسَنَا وَلَا تُسَلِّطْهَا عَلَيْنَا.
(وَ) كَمَا يَلْجَأُ وَيَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ فِيمَا عَسُرَ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ يَلْجَأُ إلَيْهِ فِي (مُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ) الْمُشْكِلِ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ فِعْلِهِ أَحْسَنَ لَهُ أَوْ تَرْكِهِ، فَيَتَضَرَّعُ إلَيْهِ فِي إلْهَامِهِ لِمَا فِيهِ خَيْرٌ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُوقِنًا) أَيْ مُصَدِّقًا (أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَأْنِهِ) أَيْ أَمْرِهِ كُلِّهِ (وَ) أَنَّهُ الْمَالِكُ لِ (تَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ إذْ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ (لَا يُفَارِقَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ بَلْ يَلْزَمُهَا (عَلَى مَا فِيهِ) أَيْ عَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ فِيهِ (مِنْ حُسْنٍ) أَيْ طَاعَةٍ (أَوْ قُبْحٍ) أَيْ مَعْصِيَةٍ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْعَاقِلِ مُلَازِمًا اللُّجُوءَ إلَى خَالِقِهِ إصْلَاحُ شَأْنِهِ وَتَوْفِيقُهُ إلَى فِعْلِ مَا يُرْضِيه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَإِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِطَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، فَلَا تَمْنَعُهُ الْمَعْصِيَةُ مِنْ اللُّجُوءِ إلَى خَالِقِهِ بَلْ يَلْجَأُ إلَيْهِ.
(وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ تَوْبَةَ عَبْدِهِ كُلَّمَا يُذْنِبُ، وَلِأَنَّ الْيَأْسَ وَالْقُنُوطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَفِي الْحَدِيثِ: «اعْمَلْ مَا شِئْت فَقَدْ غَفَرْت لَك» فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَا دُمْت تُذْنِبُ ثُمَّ تَتُوبُ غَفَرْت لَك، قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْبُ مِرَارًا وَتَابَ كُلَّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَتْ ذُنُوبُهُ.
(تَنْبِيهٌ) اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي حَذْفِ عَائِدِ مَا الْمَوْصُولَةِ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى مَا فِيهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى مَا هُوَ فِيهِ لِأَنَّ الْعَائِدَ مُطْلَقًا لَا يُحْذَفُ إذَا كَانَ الْبَاقِي صَالِحًا لِلْوَصْلِ، وَالظَّرْفُ هُنَا فِيهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ فَهُوَ صَالِحٌ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَأَبَوَا أَنْ يَخْتَزِلَ ... إنْ صَلُحَ الْبَاقِي لِوَصْلٍ مُكْمِلٍ وَلَمَّا كَانَ يُطْلَبُ مِنْ الْإِنْسَانِ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ عَجْزَ نَفْسِهِ فَيُفَوِّضَ أَمْرَهُ إلَى خَالِقِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ قَالَ: (وَالْفِكْرَةُ) أَيْ التَّفَكُّرُ وَالتَّأَمُّلُ (فِي أَمْرِ اللَّهِ) أَيْ فِي مَصْنُوعَاتِهِ وَخَبَرُ الْفِكْرَةِ (مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ) لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا تَفَكَّرَ وَنَظَرَ فِي

لِغَيْرِك بِذَنْبِهِ وَفِي سَالِفِ ذَنْبِك وَعَاقِبَةِ أَمْرِك وَمُبَادَرَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك.

[الفواكه الدواني]

مَصْنُوعَات خَالِقِهِ عَلِمَ وُجُوبَ وُجُودِهِ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ وَحَقِّيَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ فَيَجِدُّ فِي عِبَادَتِهِ «قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] وَلِذَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا عَبَدَ اللَّهَ ثَلَاثِينَ سَنَةً تُظِلُّهُ سَحَابَةٌ، فَعَبَدَ اللَّهَ فَتًى مِنْهُمْ فَلَمْ تُظِلُّهُ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ وَقَعَ مِنْك فُرُطَةً، فَقَالَ: لَمْ يَقَعْ مِنِّي شَيْءٌ، قَالَتْ: لَعَلَّك نَظَرْت مَرَّةً إلَى السَّمَاءِ فَلَمْ تَعْتَبِرْ، قَالَ: لَعَلَّ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَمَا أُتِيتَ إلَّا مِنْ ذَلِكَ.
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْفِكْرَةُ فِي أَمْرِ إلَخْ أَنَّهُ لَا يَتَفَكَّرُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى إدْرَاكِهَا، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْمٍ اشْتَغَلُوا بِالتَّفَكُّرِ فِي اللَّهِ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ» فَالْأَدَبُ النَّظَرُ فِي عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ نَفْسُ الشَّخْصِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالنَّظَرِ فِي نَفْسِهِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ صَانِعِهِ لِاسْتِحَالَةِ إيجَادِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «أَتَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَتِي حَتَّى مَسَّ جِلْدُهُ جِلْدِي ثُمَّ قَالَ: ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَامَ إلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، مَا اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ حَتَّى أَتَى بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيك وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا بِلَالُ وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» . وَقَالَ ابْنُ الْعَبَّاسِ: رَكْعَتَانِ مَعَ تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ بِلَا قَلْبٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: التَّفَكُّرُ فِي الْخَيْرِ يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالنَّدَمُ عَلَى الشَّرِّ يَدْعُو إلَى تَرْكِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: تَفَكَّرَ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَبَيْنَا ابْنُ سُرَيْجٍ يَمْشِي إذْ جَلَسَ فَتَقَنَّعَ بِكِسَائِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي، فَقُلْنَا: مَا يَبْكِيك؟ قَالَ: تَفَكَّرْت فِي ذَهَابِ عُمْرِي وَقِلَّةِ عَمَلِي وَاقْتِرَابِ أَجَلِي.
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَالِ، فَإِنَّ النَّفْسَ شَمَخَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ الْعِبَادَةِ وَتَعَلَّقَتْ بِمَحَبَّةِ الدُّنْيَا، فَإِذَا حَصَلَ التَّفَكُّرُ انْقَمَعَتْ وَرَجَعَتْ إلَى الْعِبَادَةِ.
وَإِذَا عَلِمْتَ مَشْمَخَةَ النَّفْسِ عَنْ الْعِبَادَةِ وَاشْتَدَّ تَعَلُّقُهَا بِمَحَبَّةِ الدُّنْيَا حَتَّى صَدَّتْهَا عَنْ الْآخِرَةِ (فَاسْتَعِنْ بِذَكَرِ الْمَوْتِ) عَلَى نَفْسِك لِأَنَّهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ قَصُرَ أَمَلُهُ وَكَثُرَ عَمَلُهُ وَاسْتَعَدَّ وَتَهَيَّأَ لِلْمَوْتِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، وَلِذَلِكَ يُطْلَبُ تَقْصِيرُ الْأَمَلِ إلَّا لِلْعَالِمِ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» . (وَ) اسْتَعِنْ عَلَى نَفْسِك أَيْضًا بِذِكْرِ (الْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ فِيمَا يَحْصُلُ لَك بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَالْعَذَابِ الَّذِي مِنْهُ ضَغْطَةُ الْقَبْرِ الَّتِي لَمْ يَنْجُ مِنْهَا إلَّا الْأَنْبِيَاءُ، وَالْمُكْثِ فِي الْقَبْرِ مُدَّةَ الْبَرْزَخِ مَعَ كَوْنِهِ وَحِيدًا، وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْحِسَابِ وَالْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُرُورِ عَلَيْهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ مَعَ كَوْنِهِ دَقِيقًا وَمَمْدُودًا عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي هَذِهِ الْعَظَائِمِ مُنَغِّصٌ وَمُزَهِّدٌ فِي الدُّنْيَا وَمُرَغِّبٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَمِنْ نُحِبُّ لِلْعَمَلِ لَهَا.
(وَ) اسْتَعِنْ أَيْضًا أَيُّهَا الْمُنْهَمِكُ عَلَى تَبْلِيغِ نَفْسِك مُشْتَهَاهَا بِالْفِكْرَةِ (فِي) إسْبَاغِ (نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك) فَإِنَّك إذَا تَفَكَّرْت فِي ذَلِكَ تَسْتَحِي أَنْ تَعْصِيَهُ، لِأَنَّ الْإِحْسَانَ يَسْتَرِقُّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى خِدْمَةِ سَيِّدِهِ.
(وَ) إذَا لَمْ يَقْمَعْهَا التَّفَكُّرُ فِي النِّعْمَةِ اسْتَعِنْ عَلَيْهَا بِالْفِكْرَةِ فِي (إمْهَالِهِ لَك) أَيْ تَأْخِيرِهِ لَك تَارِكًا عُقُوبَتَك عَلَى عِصْيَانِهِ.
(وَأَخْذِهِ لِغَيْرِك) سَرِيعًا (بِذَنْبِهِ) مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ مِمَّنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِذَنْبِهِ سَرِيعًا، وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: إذَا رَأَيْت رَبَّك يُوَالِي عَلَيْك نِعَمَهُ فَاحْذَرْهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178] . (وَ) إذَا لَمْ تَنْقَمِعْ نَفْسَك بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا سَبَقَ اسْتَعِنْ عَلَيْهَا بِالتَّفَكُّرِ (فِي سَالِفِ ذَنْبِك) أَيْ فِي الذَّنْبِ الَّذِي سَلَفَ وَوَقَعَ مِنْك فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ وَاخْشَ الْمُعَاقَبَةَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ الْمُكَفِّرِ لِلذُّنُوبِ.
(وَ) إنْ لَمْ تَنْزَجِرْ وَتُنْقِذْ نَفْسَك اسْتَعِنْ بِالتَّفَكُّرِ فِي (عَاقِبَةِ أَمْرِك) لِأَنَّك لَا تَدْرِي مَا الْخَاتِمَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي أَنْ لَا تُخَيِّرَ نَفْسَك عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّك لَا تَدْرِي مَا الْخَاتِمَةُ، فَيَحْمِلُك ذَلِكَ عَلَى هَضْمِ النَّفْسِ وَتَرْكِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَعَلَى عَدَمِ الْعَظَمَةِ عَلَى الْإِخْوَانِ، لِأَنَّ رُؤْيَةَ الشَّخْصِ نَفْسَهُ رَفِيعًا عَنْ إخْوَانِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَمِنْ نُحِبُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ الْمَطْلُوبُ مِنْ الشَّخْصِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ دَائِمًا فِي حَضِيضِ النُّقْصَانِ فِي سَائِرِ أُمُورِهِ حَتَّى عِبَادَتِهِ، لِأَنَّ التَّوَاضُعَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّفْعَةِ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ.
وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: اتَّضِعْ وَلَا تَرْتَفِعْ، وَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ مِنْ وَرَعٍ وَلَا يَتَّسِعُ.
(وَ) إذَا لَمْ يُكْسِبْك التَّفَكُّرُ فِيمَا مَضَى مَا يَقْمَعُ نَفْسَك عَنْ غَيِّهَا اسْتَعِنْ عَلَيْهَا بِالتَّفَكُّرِ فِي (مُبَادَرَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك) وَالْمَعْنَى: خَوِّفْ نَفْسَك بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ سَرِيعًا، لِأَنَّك لَا تَدْرِي هَلْ بَقِيَ مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الفواكه الدواني]

عُمُرِك قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ؟ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي إذَا خَرَجَ مِنْك نَفَسٌ أَنْ تُخَوِّفَ نَفْسَك بِقَوْلِك لَهَا: لَا أَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ بَعْدَهُ نَفَسٌ أَوْ هُوَ آخِرُ الْأَنْفَاسِ.
وَالتَّفَكُّرُ فِي قُرْبِ الْأَجَلِ يُقَلِّلُ الْأَمَلَ وَيُعِينُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ، وَطُولُ الْأَمَلِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَيُضْعِفُ الْعَمَلَ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَغْتَرَّ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ قُوَّةٍ، لِأَنَّ الَّذِي أَعْطَى مَا ذُكِرَ قَادِرٌ عَلَى سَلْبِهِ وَإِنْزَالِ ضِدِّهِ، فَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْعَاقِلِ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ وَمُلَابَسَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ رَجَاءَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى السَّعَادَةِ وَهِيَ الْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَا فِكْرَةَ عِنْدَهُ قَدْ يَأْتِيه الْمَوْتُ سُرْعَةً وَهُوَ مُطِيعٌ لِهَوَاهُ فَيَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْآدَابَ فِي هَذَا الْبَابِ حَثًّا لِلطَّالِبِ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهَا، لِأَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهَا صَارَ مِنْ أَكَابِرِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ جَرَّدُوا قُلُوبَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَاسْتَحْقَرُوا جَمِيعَ مَا سِوَاهُ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَمَنْ نُحِبُّ لِلْعَمَلِ بِمَا فِي كِتَابِهِ، لِأَنَّ الْعَامِلَ بِمَا فِيهِ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِسُنَّةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَرَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَدْعُ شَيْئًا مِمَّا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ إلَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْمُكَلَّفِ وَبَاطِنِهِ، شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْسِينِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ لِأَنَّ تَحْسِينَ الْبَاطِنِ أَوْكَدُ مِنْ تَحْسِينِ الظَّاهِرِ فَقَالَ:

بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ قَصُّ الشَّارِبِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ طَرْفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى الشَّفَةِ لَا إحْفَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[الفواكه الدواني]

[بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ]

(بَابٌ فِي) تَفْسِيرِ (الْفِطْرَةِ) مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] فَإِنَّ الشُّيُوخَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالسُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا لِأَنْبِيَائِهِ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ فُطِرُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْخِصَالِ الَّتِي يَتَكَمَّلُ بِهَا الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ يَصِيرُ بِهَا عَلَى أَشْرَفِ الْأَوْصَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالدِّينِ وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» . (وَ) فِي حُكْمِ (الْخِتَانِ) وَالْخِفَاضِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (حَلْقِ الشَّعْرِ) الَّذِي يُؤْذَنُ فِي حَلْقِهِ وَمَا لَا يُؤْذَنُ فِي حَلْقِهِ، وَذَكَرَ هَذَيْنِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي الْفِطْرَةِ عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ.
(وَ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ أَنْوَاعِ (اللِّبَاسِ، وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (سَتْرِ الْعَوْرَةِ) وَتَفْسِيرِهَا.
(وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ) مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ، كَالصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَنَقِفُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَدَأَ بِبَيَانِ مَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسُ) خِصَالٍ إحْدَاهَا: (قَصُّ الشَّارِبِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ، وَلَمَّا كَانَ إمَامُنَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَقُولُ بِقَصِّ جَمِيعِهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ بِنَدْبِ النَّازِلِ عَلَى الشَّفَةِ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الشَّخْصُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ) أَيْ الشَّارِبُ الَّذِي يُؤْذَنُ فِي قَصِّهِ (الْإِطَارُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَوْ فَتْحِهَا وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ) أَيْ النَّازِلِ (عَلَى الشَّفَةِ لَا إحْفَاؤُهُ) أَيْ جَزُّهُ وَاسْتِئْصَالُهُ، قَالَ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّإِ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلُ بِنَفْسِهِ، زَادَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ يُؤَدَّبُ وَيُبَالَغُ فِي عُقُوبَتِهِ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَمِنْ فِعْلِ النَّصَارَى، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ جَزُّهُ تَمَسُّكًا بِرِوَايَةِ: «اُحْفُوَا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوَا اللِّحَى» . وَأَخَذَ مَالِكٌ بِخَبَرِ: «قُصُّوا الشَّوَارِبَ» وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَنْ يُقَصَّ مِنْ أَعْلَاهُ وَيُحْلَقَ مِنْ طَرَفٍ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ: وَالْمَتْنُ إنْ نَافَاهُ مَتْنٌ آخَرُ ... وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلَا تَنَافُرَ وَفِي قَصِّهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ظُهُورُ حَاشِيَتِهِ، وَمِنْهَا: تَسْهِيلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمِنْهَا: زَوَالُ الْأَدْرَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَمِنْهَا: تَحْسِينُ الْخِلْقَةِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ مَالِكٍ قَصُّ طَرَفِ الشَّارِبِ فَقَطْ، وَأَمَّا قَصُّ جَمِيعِهِ فَمَكْرُوهٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا جَزُّهُ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَأْلُوفُ لِلنَّاسِ طَرِيقُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ: «قُصُّوا وَاحْفُوا» بِجَزِّ أَسْفَلِهِ وَتَقْصِيرِ أَعْلَاهُ وَهُوَ الْأَمْسُ بِتَحْسِينِ الْخِلْقَةِ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفْسِهِ هَلْ قَصُّهُ أَوْ اسْتِئْصَالُهُ؟ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَطْعُ بِشَيْءٍ فَوَّضَ الْمُصَنِّفِ عِلْمَ مَا أَرَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَفِي قَصِّ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى مُخَالَفَةٌ لِفِعْلِ الْأَعَاجِمِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ وَيَعْفُونَ الشَّوَارِبَ، وَآلُ كِسْرَى أَيْضًا كَانَتْ تَحْلِقُ

وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْجَنَاحَيْنِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَلَا بَأْسَ بِحِلَاقِ غَيْرِهَا مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ وَالْخِتَانُ لِلرِّجَالِ سُنَّةٌ وَالْخِفَاضُ لِلنِّسَاءِ مَكْرُمَةٌ وَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ تُعْفَى اللِّحْيَةُ وَتُوَفَّرَ وَلَا تُقَصَّ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْ طُولِهَا إذَا طَالَتْ

[الفواكه الدواني]

لِحَاهَا وَتُبْقِي الشَّوَارِبَ، فَمَا عَلَيْهِ الْجُنْدُ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَمْرِ الْخَدَمِ بِحَلْقِ لِحَاهُمْ دُونَ شَوَارِبِهِمْ لَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِسُنَّةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمُوَافَقَتِهِ لِفِعْلِ الْأَعَاجِمِ وَالْمَجُوس وَالْعَوَائِدُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا عِنْدَ عَدَمِ نَصٍّ عَنْ الشَّارِعِ مُخَالِفٍ لَهَا، وَإِلَّا كَانَتْ فَاسِدَةً يَحْرُمُ الْعَمَلُ بِهَا، أَلَا تَرَى لَوْ اعْتَادَ النَّاسُ فِعْلَ الزِّنَا أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ الْعَمَلِ بِهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ إضَافَةِ قَصِّ إلَى الشَّارِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّعْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُقَصُّ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّ الشَّارِبَ اسْمٌ لِمَحَلِّ الشَّعْرِ، وَعَلَيْهِ فَفِي كَلَامِهِ حَذْفُ مُضَافَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَصُّ طَرَفِ شَعْرِ الشَّارِبِ وَرُبَّمَا يَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِطَارُ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ السَّبَّالِينَ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ، وَاَلَّذِي أَخَذَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتَلَهُمَا وَلَمْ يَقُصَّهُمَا، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إبْقَائِهِمَا، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّهُمَا كَالشَّارِبِ.
(وَ) ثَانِيهمَا (قَصُّ الْأَظْفَارِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَّا فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ، وَأَقَلُّ زَمَنِ قَصِّهِ الْجُمُعَةُ لِطَلَبِهِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَيَكُونُ بِالْمِقَصِّ أَوْ السِّكِّينِ لِكَرَاهَتِهِ بِالْأَسْنَانِ وَلِأَنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أُصْبُعٌ لِلْبُدَاءَةِ بِهِ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ زَمَنُ الْقَصِّ فِيهِ.
(وَ) ثَالِثَةُ الْخِصَالِ (نَتْفُ) أَيْ إزَالَةُ شَعْرِ (الْجَنَاحَيْنِ) وَهُمَا الْإِبِطَانِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالنَّتْفُ فِي الْجَنَاحَيْنِ أَحْسَنُ مِنْ الْحَلْقِ وَمِنْ الْإِزَالَةِ بِالنُّورَةِ، وَسُنَّةُ النَّتْفِ الْبُدَاءَةُ بِالْجَنَاحِ الْأَيْمَنِ وَيُنْدَبُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْهُ.
(وَ) رَابِعَةُ الْخِصَالِ (حَلْقُ الْعَانَةِ) وَهِيَ مَا فَوْقَ الْعَسِيبِ وَالْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَلْقِ الْإِزَالَةُ بِغَيْرِ النَّتْفِ فَيَشْتَمِلُ الْإِزَالَةَ بِالنُّورَةِ وَبِالْحَلْقِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ وَلَوْ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيُكْرَهُ إزَالَةُ شَعْرِ الْعَانَةِ بِالنَّتْفِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِأَنَّهُ يُرْخِي الْمَحَلَّ وَيُؤْذِي الرَّجُلَ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ.
(وَلَا بَأْسَ بِحِلَاقِ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْعَانَةِ (مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ) كَشَعْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ شَعْرِ الْجَسَدِ حَتَّى شَعْرِ حَلَقَةِ الدُّبُرِ، إلَّا الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ فَإِنَّ حَلْقَهُمَا بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي اللِّحْيَةِ وَغَيْرُ مُحَرَّمَةٌ فِي الرَّأْسِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ إلَّا فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ لَا بَأْسَ الْإِبَاحَةُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ: تَرْكُ إزَالَتِهِ اقْتِدَاءٌ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ حَلْقَ الرَّأْسِ لِغَيْرِ الْمُتَحَلِّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَذَكَرَ الزَّنَاتِيُّ خِلَافًا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ ثُمَّ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ كَرَاهَتُهُ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ وَإِبَاحَتُهُ لِلْمُتَعَمِّمِ لِوُجُودِ الْعِوَضِ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ عَدَمَ حَلْقِ الرَّأْسِ الْيَوْمَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ حَلْقِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلُهُ لِهَوَى نَفْسِهِ وَإِلَّا كَرِهَ أَوْ حَرُمَ، كَمَا يَحْرُمُ إبْقَاءُ الشُّوشَةِ لِلْعُجْبِ وَبِدُونِهِ يُكْرَهُ، كَمَا يُكْرَهُ الْقَزَعُ وَهُوَ تَفْرِيقُ شَعْرِ الرَّأْسِ مَعَ حَلْقِ مَا بَيْنَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَرَبُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ عَدِّ قَصِّ الشَّارِبِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَالْجَنَاحَيْنِ مِنْ الْفِطْرَةِ عَدَمُ سُنِّيَّةِ إزَالَةِ شَعْرِ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ بَلْ الْإِبَاحَةُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ لَا بَأْسَ كَمَا بَيَّنَّا.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ إزَالَةَ شَعْرِ الْعَانَةِ وَالْجَنَاحَيْنِ تَشْتَرِك فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَأَمَّا شَعْرُ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ فَلَا بَأْسَ بِإِزَالَتِهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ فَقَطْ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إزَالَةُ مَا فِي إزَالَتِهِ جَمَالٌ لَهَا وَلَوْ شَعْرُ اللِّحْيَةِ إنْ نَبَتَ لَهَا لِحْيَةٌ وَإِبْقَاءُ مَا فِي بَقَائِهِ جَمَالٌ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِهَا وَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهَا التَّقْصِيرُ عِنْدَ تَحَلُّلِهَا مِنْ إحْرَامِهَا.
(وَ) خَامِسَةُ الْخِصَالِ (الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ) فَإِنَّهُ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الْمُتَّضِحِ الذُّكُورَةِ، وَحَقِيقَتُهُ إزَالَةُ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِرَأْسِ الذَّكَرِ، وَالزَّمَنُ الْمُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ فِيهِ عِنْدَ أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَيُكْرَهُ خَتْنُهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَدَمَ جَوَازِ إمَامَةِ وَشَهَادَةِ تَارِكِهِ عَمْدًا اخْتِيَارًا، وَإِذَا أَسْلَمَ شَيْخٌ كَبِيرٌ سُنَّ خَتْنُهُ بِأَنْ يُؤْمَرَ بِخَتْنِهِ نَفْسَهُ لِحُرْمَةِ نَظَرِ عَوْرَةِ الْكَبِيرِ مَعَ سُنِّيَّةِ الْخِتَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ فَيُرَخَّصُ لَهُ تَرْكُهُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ يُجْزِئُهُ، وَقِيلَ تُمَرُّ الْمُوسَى عَلَى مَوْضِعِ الْخِتَانِ كَمَا تُمَرُّ عَلَى رَأْسِ الْأَقْرَعِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ وَيُخْتَنُ الرِّجَالُ لَا النِّسَاءُ.
(وَالْخِفَاضُ) وَهُوَ قَطْعُ مَا عَلَى فَرْجِ الْأُنْثَى كَعُرْفِ الدِّيكِ (لِلنِّسَاءِ) وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (مَكْرُمَةٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ كَرَامَةٌ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٌّ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ السَّتْرُ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا وَلِذَلِكَ لَا يُصْنَعُ لِلْخِفَاضِ طَعَامٌ، بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُشْهَرَ وَيُدْعَى إلَيْهِ النَّاسُ.

كَثِيرًا وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ،

وَيُكْرَهُ صِبَاغُ الشَّعْرِ بِالسَّوَادِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ،

[الفواكه الدواني]

(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا الْمُتَّضِحُ الذُّكُورَةِ احْتِرَازًا مِنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، فَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ لِشُيُوخِ مَذْهَبِنَا هَلْ يُخْتَنُ أَمْ لَا، وَعَلَى خَتْنِهِ فَهَلْ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ أَوْ فِيهِمَا مَعًا أَوْ لَا.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَصًّا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ يُخْتَنُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقِيلَ لَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُمْ، ابْنُ نَاجِي: لَا يُخْتَنُ لِمَا عَلِمْت مِنْ قَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُخْتَنُ الرِّجَالُ الصِّبْيَانُ وَيُخْفَضُ النِّسَاءُ الْجَوَارِي لِمَنْعِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي لَا يُخْتَنُ فِيهِ شَيْءٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ، فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ إنَّ مِنْ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَالِاسْتِنْجَاءُ، فَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى الْخَمْسِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ فِي تَحْسِينِ الْخِلْقَةِ أَوْ أَوْكَدُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى اللِّحْيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ بِ (أَنْ تُعْفَى اللِّحْيَةُ) أَيْ يُوَفَّرَ شَعْرُهَا وَيَبْقَى مِنْ غَيْرِ إزَالَةٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَوْلُهُ: (وَتُوَفَّرُ وَلَا تُقَصُّ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ وَذَكَرَهُ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَأَمَرَ " الْوُجُوبُ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ يَحْرُمُ حَلْقُهَا إذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ، وَأَمَّا قَصُّهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَالَتْ فَكَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ طَالَتْ كَثِيرًا فَأَشَارَ إلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْ طُولِهَا إذَا طَالَتْ) طُولًا (كَثِيرًا) بِحَيْثُ خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ فَيُقَصُّ الزَّائِدُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَقْبُحُ بِهِ الْمَنْظَرُ، وَحُكْمُ الْأَخْذِ النَّدْبُ فَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمَعْرُوفُ لَا حَدَّ لِلْمَأْخُوذِ، وَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا تَحْسُنُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُقَصُّ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ مِنْ لِحْيَتِهِمَا مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ، وَالْمُرَادُ بِطُولِهَا طُولُ شَعْرِهَا فَيَشْمَلُ جَوَانِبَهَا فَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ يُوهِمُ انْفِرَادَ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ قَالَ: (وَقَالَهُ) أَيْ نَدْبُ الْأَخْذِ مِنْ الطَّوِيلَةِ قَبْلَ مَالِكٍ (غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَ) غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ (التَّابِعِينَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: مِنْ تَرْكِ طُولِهَا حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ التَّشْوِيهِ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلطُّولِ كَثِيرًا لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَكَمَا يُسْتَحَبُّ قَصُّ الزَّائِدِ يُسْتَحَبُّ تَسْرِيحُهَا وَلِمَا وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَالِسًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ لِيُسَرِّحَ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَسْرِيحِهِمَا قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟» . (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَخْذُ الزَّائِدِ عَلَى الْمُعْتَادِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَلْقُ مَا تَحْتَ الْحَنَكِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ حَتَّى قَالَ: إنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ حَلْقَهُ مِنْ الزِّينَةِ فَتَكُونُ إزَالَتُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ، يُحْمَلُ كَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَى بَقَائِهِ تَضَرُّرُ الشَّخْصِ وَلَا تَشْوِيهِ خِلْقَتِهِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَى بَقَائِهِ قُبْحُ مَنْظَرِ صَاحِبِهِ أَوْ تَضَرُّرُهُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ عَرْضِ لِحْيَتِهِ وَطُولِهَا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا شَعْرُ الْخَدِّ فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازُ إزَالَتِهِ، وَأَمَّا شَعْرُ الْأَنْفِ فَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَصَّهُ لَا نَتْفَهُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ أَمَانٌ مِنْ الْجُذَامِ وَنَتْفَهُ يُورِثُ الْأَكَلَةَ، وَأَمَّا شَعْرُ الْعَنْفَقَةِ فَيَحْرُمُ إزَالَتُهُ كَحُرْمَةِ إزَالَةِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، وَقَيَّدْنَا ذَلِكَ بِالرَّجُلِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا إزَالَةُ مَا عَدَا شَعْرَ رَأْسِهَا.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَتْفِ الشَّيْبِ مِنْ اللِّحْيَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ: لَا أَعْلَمُهُ حَرَامًا وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ، أَيْ إزَالَتُهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الصَّوَابِ، كَمَا يُكْرَهُ تَخْفِيفُ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ بِالْمُوسَى تَحْسِينًا وَتَزْيِينًا، وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّلْبِيسَ عَلَى النِّسَاءِ كَانَ أَشَدَّ فِي النَّهْيِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى إزَالَةِ الشَّعْرِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ مَعَ بَقَائِهِ فَقَالَ:

[صِبَاغُ الشَّعْرِ]

(وَيُكْرَهُ صِبَاغُ الشَّعْرِ) الْغَيْرِ الْأَسْوَدِ (بِالسَّوَادِ) لِغَيْرِ مُقْتَضًى شَرْعِيٍّ، وَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ قَدْ تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّنْزِيهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الصِّبَاغُ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ مَثَلًا فَلَا حَرَجَ فِيهِ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِغَرُورِ مُشْتَرٍ لِعَبْدٍ أَوْ مُرِيدِ نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ السَّوَادِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ الصِّبَاغِ (بِالْحِنَّاءِ) بِالْمَدِّ لِتَحْمِيرِ الشَّعْرِ (وَالْكَتَمِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَهُوَ وَرَقُ السُّلَّمِ لِتَصْفِيرِ الشَّعْرِ، وَعَلَى جَوَازِهِ لِلرِّجَالِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ دُونَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّ فِيهِمَا مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ فَفِي فِعْلِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَشَبُّهٌ بِهِنَّ، وَقَدْ لَعَنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ لَهَا فِعْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ شَعْرِهَا، لَكِنْ حَدَّهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلْمَرْأَةِ فِي الْيَدَيْنِ بِمَوْضِعِ السِّوَارِ، وَنَهَى عَنْ التَّطْرِيفِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ إلَخْ الْإِبَاحَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ

وَنَهَى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الذُّكُورَ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ وَتَخَتُّمِ الذَّهَبِ وَعَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي حِلْيَةِ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي لِجَامٍ وَلَا سَرْجٍ وَلَا سِكِّينٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ،

وَيَتَخَتَّمُ النِّسَاءُ بِالذَّهَبِ.

[الفواكه الدواني]

أَظْهَرُهُمَا مَا قَدَّمْنَا، فَفِي الذَّخِيرَةِ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِالصُّفْرَةِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ هَلْ التَّرْكُ أَوْ الْفِعْلُ وَالْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الصِّبَاغُ بِالسَّوَادِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ صَرْفَ لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ مَعَ ذَهَابِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْحِنَّاءِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَذْهَبْ جُمْلَةً وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ فَلَا يَتَلَبَّسُ الشَّيْبُ عَلَى أَحَدٍ بِاحْمِرَارِهِ أَوْ اصْفِرَارِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَغَ وَإِنَّمَا قَالَ: «اخْتَضِبُوا وَفَرِّقُوا وَخَالِفُوا الْيَهُودَ» لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَأَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمُخَالَفَتِهِمْ، وَإِنَّمَا صَبَغَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَنْهَى عَنْ لُبْسِهِ بِقَوْلِهِ:

[لِبَاسِ الْحَرِيرِ]

(وَنَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ الذُّكُورَ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ) لِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَلِخَبَرِ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» (وَ) نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الذُّكُورَ أَيْضًا عَنْ (تَخَتُّمِ الذَّهَبِ) لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَّهُ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» . (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّهْيِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحُرْمَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ اتِّفَاقًا، وَاخْتُلِفَ فِي الصِّغَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ وَالْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَطَّابُ كَرَاهَةُ تَحْلِيَةِ الصَّبِيِّ بِالذَّهَبِ أَوْ الْحَرِيرِ وَالْجَوَازُ بِالْفِضَّةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ لِقَوْلِهِ: وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى وَلَوْ مِنْطَقَةً وَآلَةَ حَرْبٍ، وَالْحُرْمَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَلَوْ لِعُذْرٍ وَكَحَكَّةٍ أَوْ جِهَادٍ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ: وَيَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْمَرَضِ وَإِلَّا جَازَ، وَمَفْهُومُ الذُّكُورِ الْجَوَازُ لِلْإِنَاثِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا وَلَوْ نِعَالًا كَسَرِيرٍ وَهَذَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِينِهَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ اللُّبْسِ لِلْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ فَرْشِهِ وَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْجَوَازُ وَالْحُرْمَةُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحُرْمَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ تَبَعًا كَزَوْجٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ، خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي إجَازَتِهِ تَبَعًا لَهَا وَكَانَتْ مُصَاحِبَةً لَهُ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهِ كَمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْخَطُّ الرَّقِيقُ دُونَ الْأُصْبُعِ اتِّفَاقًا، كَمَا تَجُوزُ الْخِيَاطَةُ بِهِ أَوْ اتِّخَاذُ رَايَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْهُ، وَحُرْمَةُ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ مُسْتَمِرَّةٌ وَلَوْ فَرَشَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ لُبْسُ الْمُبَطَّنِ بِالْحَرِيرِ أَوْ الْمَحْشُوِّ بِالْحَرِيرِ أَوْ الْمَرْقُومِ بِالْحَرِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا كَمَا يَأْتِي، وَمِنْ الْمُحَرَّمِ السِّجَافُ الْعَرِيضُ حَيْثُ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَفِي قَدْرِ عَرْضِ الْأُصْبُعِ أَوْ الْأَرْبَعِ قَوْلَانِ: بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْحَرِيرِ وَجَعْلُهُ سِتَارَةً مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
الثَّالِثُ: حُرْمَة

ُ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ

شَامِلَةٌ لِلْخَالِصِ وَلِمَا بَعْضُهُ فِضَّةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا مَا بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَلَوْ قَلَّ، وَاخْتُلِفَ فِي إعَادَةِ الْمُصَلِّي بِهِ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَحُرْمَةُ التَّخَتُّمُ بِهِ لَا يُنَافِي جَوَازَ اتِّخَاذِ السِّنِّ مِنْهُ وَأَوْلَى رَبْطُهَا وَالْأَنْفِ قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْمُصْحَفَ وَالسَّيْفَ وَالْأَنْفَ وَرَبْطَ سِنٍّ مُطْلَقًا لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمُحَرَّمَاتِ.
(وَ) نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الرِّجَالَ (عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) لِأَنَّهُ حَلِيلَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ عَلَى الْحُرْمَةِ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ كَكَرَاهَةِ التَّخَتُّمِ بِالنُّحَاسِ إلَّا لِمَنْ بِهِ مَرَضُ الصَّفْرَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ النُّحَاسِ، وَإِلَّا لُحُوقَ الْجِنِّ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ نَافِعٌ كَمَا يَنْفَعُ تَعْلِيقُ الْأُتْرُجِّ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ التَّخَتُّمِ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ وَالتَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ اسْتِعْمَالِ الْمُحَلَّى بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ) الْمَجْعُولَةِ (فِي حَلِيلَةِ الْخَاتَمِ) الْمَصْنُوعِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَجُوزُ اتِّخَاذُ خَاتَمٍ مِنْهُ وَهُوَ مَا عَدَا الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِحِلْيَةِ الْخَاتَمِ نَفْسُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَزْنَ دِرْهَمَيْنِ، فَيَجُوزُ لَنَا اتِّخَاذُهُ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ عُجْبًا، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا فَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ وَلَوْ كَانَ وَزْنُ الْجَمِيعِ دِرْهَمَيْنِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مَا زَادَ وَزْنُهُ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ، أَوْ الَّذِي بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَبَعْضُهُ فِضَّةٌ وَلَوْ قَلَّ الذَّهَبُ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ مَعْنَى لَا بَأْسَ وَالْمَنْصُوصُ الْجَوَازُ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ بِنَدْبِ اتِّخَاذِهِ اقْتِدَاءً بِالْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَمَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ

وَنُهِيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ وَالِاخْتِيَارُ مِمَّا رُوِيَ فِي التَّخَتُّمِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ،

وَاخْتُلِفَ فِي لِبَاسِ الْخَزِّ فَأُجِيزَ وَكُرِهَ وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ إلَّا الْخَطَّ الرَّقِيقَ،

[الفواكه الدواني]

فِي خِنْصَرِ الْيَسَارِ وَيُكْرَهُ فِي الْيَمِينِ كَمَا يَأْتِي، وَيُعْلَمُ مِنْ قَصْرِ الْجَوَازِ عَلَى الْخَاتَمِ حُرْمَةُ الطَّوْقِ وَالدُّمْلُجِ مِنْ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ.
(وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِتَحْلِيَةِ (السَّيْفِ) بِالْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ الْحِلْيَةُ كَقَبْضَتِهِ أَوْ انْفَصَلَتْ عَنْهُ كَغِمْدِهِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي سَيْفِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا سَيْفُ الْمَرْأَةِ فَيَحْرُمُ تَحْلِيَتُهُ وَلَوْ كَانَتْ تُجَاهِدُ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ إلَّا الْمَلْبُوسَ، وَمَفْهُومُ السَّيْفِ أَنَّ بَقِيَّةَ آلَاتِ الْحَرْبِ يَحْرُمُ تَحْلِيَتُهَا لِأَنَّ السَّيْفَ أَعْظَمُ آلَاتِ الْحَرْبِ.
(وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِتَحْلِيَةِ جِلْدِ (الْمُصْحَفِ) بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّمَا تَحْلِيَتُهُ مِنْ دَاخِلِ جِلْدِهِ أَوْ كِتَابَتُهُ أَوْ تَجْزِئَتُهُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فَمَكْرُوهَةٌ، بِخِلَافِ كِتَابَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَرِيرِ أَوْ تَحْلِيَتِهِ بِهِ فَلَا تَحْرُمُ وَلَا تُكْرَهُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُصْحَفِ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ فَيَحْرُمُ تَحْلِيَتُهُ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا وَأَوْلَى تَحْلِيَةُ الْإِجَازَةِ.
وَلَمَّا كَانَ يَحْرُمُ عَلَى الذُّكُورِ اسْتِعْمَالُ كُلِّ مُحَلًّى سِوَى مَا مَرَّ قَالَ: (وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِضَّةِ وَمِثْلُهُ الذَّهَبُ (فِي لِجَامِ وَلَا) فِي (سَرْجٍ) وَلَا فِي رِكَابٍ (وَلَا) فِي (سِكِّينٍ) وَأَوْلَى فِي الْحُرْمَةِ الْخِنْجَرُ (وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ نَحْوِ الْمِنْطَقَةِ وَالْمِهْمَازِ وَسَائِرِ الْآلَاتِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي لِجَامٍ إلَخْ أَنَّ ذَاتَ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ وَالسِّكِّينِ مَصْنُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ ثُمَّ طُلِيَتْ بِالنَّقْدَيْنِ وَيُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا مُمَوَّهٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي الْمُغَشَّى وَالْمُمَوَّهِ وَالْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلَقَةِ وَإِنَاءِ الْجَوْهَرِ قَوْلَانِ، فَالْمُغَشَّى الْمَصْنُوعُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَيُطْلَى بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ، وَالْمُمَوَّهُ عَكْسُهُ، وَالْمُضَبَّبُ إنَاءٌ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ يُكْسَرُ فَيُلْحَمُ بِسِلْكِ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، وَذُو الْحَلْقَةِ إنَاءٌ يُصْنَعُ لَهُ حَلْقَةٌ بِسُكُونِ اللَّامِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يُعَلَّقُ بِهَا، وَإِنَاءُ الْجَوْهَرِ كَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُغَشَّى بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَالْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ، وَفِي الْمُمَوَّهِ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلَقَةِ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْقَوْلَانِ بِمَعْنَى التَّرَدُّدِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي إنَاءِ الْجَوْهَرِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ عَلَى السَّوَاءِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ السَّرْجُ أَوْ اللِّجَامُ أَوْ رَأْسُ السِّكِّينِ مِنْ مَحْضِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ لَحَرُمَ قَوْلًا وَاحِدًا.
الثَّانِي: مَا حَرُمَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا أَوْ مُقْتَنًى.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَإِنَاءُ نَقْدٍ وَاقْتِنَاؤُهُ وَإِنْ لِامْرَأَةٍ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى صَنْعَةِ مَا لَا يَحِلُّ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يَصْنَعُهُ حُلِيًّا، وَيُبَاعُ بِعَرْضٍ أَوْ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لَكِنْ يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا بِنَوْعِهِ فَيُبَاعُ بِشَرْطِ التَّمَاثُلِ فِي الْوَزْنِ وَالتَّنَاجُزِ وَيَحْرُمُ بَيْعُهَا لِمَنْ يَقْتَنِيهَا، وَإِنْ وَقَعَ صَحَّ الْبَيْعُ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ اشْتَرَاهُ كَافِرٌ يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَيُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ.

[التَّخَتُّم بِالذَّهَبِ]

(وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَتَخَتَّمَ النِّسَاءُ بِالذَّهَبِ) وَأَوْلَى الْفِضَّةُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ جَمِيعُ الْمَلْبُوسَاتِ مِنْ النُّقُودِ وَلَوْ نَعْلًا وَقَبْقَابًا، وَمَا أُلْحِقَ بِاللِّبَاسِ كَالْإِزَارِ وَكَالْحِيَاصَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَلْبُوسِ كَمُكْحُلَةٍ أَوْ مِرْوَدٍ أَوْ كُرْسِيٍّ أَوْ مِلْعَقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَعْلًا لَا كَسَرِيرٍ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ تَخَتُّمِ النِّسَاءِ بِالذَّهَبِ جَوَازُ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى قَالَ:

[التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ]

(وَنَهَى) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - النِّسَاءَ كَالرِّجَالِ (عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا شَارَكَتْ النِّسَاءُ الرِّجَالَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَمِثْلُ الْحَدِيدِ النُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ، وَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْعَقِيقُ وَالْقَصْدِيرُ وَالْخَشَبُ فَجَائِزٌ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْفِضَّةِ وَغَيْرِ الْحَدِيدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ جَائِزٌ وَلَوْ لِلرِّجَالِ، وَبِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسُ مَكْرُوهٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
(تَنْبِيهٌ) إذَا عَرَفْت أَنَّ مَا هُنَا مِنْ خُصُوصِ النِّسَاءِ عَلِمْت عَدَمَ تَكْرَارِ هَذَا مَعَ مَا سَبَقَ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخَتُّمُ الرِّجَالِ بِالْفِضَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَحَلِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالِاخْتِيَارُ) أَنَّ الْمُخْتَارَ عَنْ الْجُمْهُورِ (مِمَّا رُوِيَ) عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي التَّخَتُّمِ) أَيْ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ، وَخَبَرُ الِاخْتِيَارِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً (التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ جَعْلُهُ فِي الْخِنْصَرِ، وَمِمَّنْ كَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَسَارِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعَلَّلَ نَدْبَ جَعْلِهِ فِي الْيَسَارِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ) الصَّادِقِ بِالْخَاتَمِ يُنْدَبُ كَوْنُهُ (بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ) أَيْ الْخَاتَمَ (بِيَمِينِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ) وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُلْبَسُ فِي خِنْصَرِ الْيَسَارِ، وَكَانَ فَصُّ خَاتَمِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ مِنْ مَعْدِنٍ بِالْحَبَشَةِ أَوْ الْيَمَنِ وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ أَعْلَى، وَرَسُولُ سَطْرٌ أَوْسَطُ، وَلَفْظُ اللَّهِ سَطْرٌ أَسْفَلُ، وَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلِ كَفِّهِ، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ ثُمَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ ثُمَّ وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ وَلَمْ

وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا يَصِفُهُنَّ إذَا خَرَجْنَ،

وَلَا يَجُرُّ الرَّجُلُ إزَارَهُ بَطَرًا وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَلْيَكُنْ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ وَأَتْقَى لِرَبِّهِ،

وَيُنْهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَهِيَ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ يَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ

[الفواكه الدواني]

يُوجَدْ، وَسَبَبُ اتِّخَاذِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَاتَمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا كُلُّهُ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ نَبَذَ خَاتَمًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَاسْتَمَرَّ عَلَى لُبْسِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ إلَى أَنْ مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ عَلَى مَا فِي الْقَبَسِ، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ فَصَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَعَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَلَا تَنَافِيَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْ اللِّبَاسِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ شَرَعَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِقَوْلِهِ:

(وَاخْتُلِفَ فِي لِبَاسِ الْخَزِّ) بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا سُدَاه حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ صُوفٌ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ اقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: (فَأُجِيزَ) أَيْ أُبِيحَ هَذَا قَوْلٌ (وَكُرِهَ) وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَثَالِثُهَا تَحْرِيمُهُ، وَرَابِعُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْخَزِّ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُطْنِ فَتُمْنَعُ لِأَنَّ الْخَزَّ إنَّمَا أُجِيزَ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْمُجِيزَ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا وَمِنْ التَّابِعِينَ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ.
(وَكَذَلِكَ) اُخْتُلِفَ فِي (الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ) الْخَالِصِ وَيُتَصَوَّرُ الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ فِي نَحْوِ الْحَبْكَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيمَا يُجْعَلُ عَلَى رُءُوسِ النِّسَاءِ فِي حَبَرَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاَلَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ مَا كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ إلَى أَرْبَعَةٍ فَقِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ يُكْرَهُ.
(إلَّا الْخَلْطُ الرَّقِيقُ) الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْعَلَمِ وَهُوَ مَا نَقَصَ عَنْ قَدْرِ أُصْبُعٍ فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأُصْبُعُ الْمُتَوَسِّطُ.

(وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يَلْبَسَ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا) أَيْ الْمَلْبُوسَ الَّذِي (يَصِفُهُنَّ) لِلنَّاظِرِ إلَيْهِنَّ (إذَا خَرَجْنَ) مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي إسْنَادِ الْوَصْفِ إلَى الثِّيَابِ مِنْ التَّجَوُّزِ وَالْخُرُوجُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ مَا يُرَى مِنْهُ أَعْلَى جَسَدِهَا كَثَدْيِهَا أَوْ أَلْيَتِهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، فَالْوَاصِفُ هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ، وَمِثْلُ الْوَاصِفِ الَّذِي يَشِفُّ أَيْ يُرَى مِنْهُ لَوْنُ الْجَسَدِ مِنْ كَوْنِهِ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ، وَأَمَّا لُبْسُ النِّسَاءِ الْوَاصِفَ أَوْ الَّذِي يَشِفُّ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَزَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِيهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي التَّحْقِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ، وَمَفْهُومُ النِّسَاءِ أَنَّ الرِّجَالَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ لُبْسُ مَا يَصِفُ بَلْ يُكْرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ مُحَدِّدٌ لَا بِرِيحٍ وَالْكَرَاهَةُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي حُرْمَةُ لُبْسِ الرَّجُلِ الْقَمِيصَ الَّذِي يَشِفُّ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ عِنْدَ مَسْأَلَةِ دُخُولِ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ.
وَأَيْضًا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ جَعَلَ الَّذِي يَشِفُّ كَالْعَدَمِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ نَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَمَدُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّ أَمْرَ النَّظَرِ أَشَدُّ مِنْ الصَّلَاةِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّظَرِ وَوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ.

[جَرّ الرَّجُلُ إزَارَهُ فِي الْأَرْضِ]

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَجُرَّ الرَّجُلُ إزَارَهُ) فِي الْأَرْضِ (بَطَرًا) أَيْ تَكَبُّرًا (وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ أَوْ كَسْرِهَا مَعَ الْمَدِّ أَيْ الْعُجْبِ لِخَبَرِ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ يَجُرُّ إزَارَهُ بَطَرًا أَوْ عُجْبًا» وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ قَصْدِ الْكِبْرِ أَوْ الْعُجْبِ، وَأَمَّا عِنْدَ انْتِفَائِهِمَا فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ أَوْ تُرْخِيه ذِرَاعًا كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا خُفَّ لَهَا وَلَا جَوْرَبَ.
(تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ بَطَرًا إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ أَوْ إزَارَهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ كِبْرًا وَلَا عُجْبًا، وَتَقْيِيدُهُمْ جَوَازَهُ لِلْمَرْأَةِ بِقَصْدِ السَّتْرِ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوْلَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْجَرَّ مِنْ الرَّجُلِ مَظِنَّةُ الْبَطَرِ وَالْعُجْبِ فَيَحْرُمُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ وَلَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ.
وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ.
(وَ) إذَا قُلْتُمْ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ جَرُّ ثَوْبِهِ أَوْ إزَارِهِ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ فَ (لْيَكُنْ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَالْإِزَارِ مُنْتَهِيًا فِي الطُّولِ إنْ أَرَادَ اللَّابِسُ تَطْوِيلَهُ (إلَى الْكَعْبَيْنِ) لَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَرَدَ: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنُ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ وَمَا سَفُلَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» . (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قُلْنَا إنْ أَرَادَ اللَّابِسُ التَّطْوِيلَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلْأَمْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ أَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَهِيَ فِي: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] لِأَنَّهُ مَقَامُ إبَاحَةٍ بَعْدَ نَهْيٍ، وَيَجُوزُ فِي مِثْلِهِ اسْتِعْمَالُ اللَّازِمِ.
ثُمَّ عَلَّلَ مَطْلُوبِيَّةَ كَوْنِ إزْرَةِ الرَّجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ بِقَوْلِهِ: (فَهُوَ) أَيْ كَوْنُ مَا ذُكِرَ لِلْكَعْبَيْنِ (أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ) وَإِزَارِهِ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلَى الْأَرْضِ (وَأَتْقَى لِرَبِّهِ) أَيْ أَبْعَدُ

وَيَسْدُلُ الْأُخْرَى وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك ثَوْبٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَوْبٍ،

وَيُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَآزِرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا،

وَلَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ،

وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ،

وَلَا يَتَلَاصَقُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ،

وَلَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ إلَّا مُسْتَتِرَةً فِيمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ مِنْ شُهُودِ مَوْتِ

[الفواكه الدواني]

لِمَقْتِ رَبِّهِ لِانْتِفَاءِ مَا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَعَالَى لِقُرْبِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ التَّوَاضُعِ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: 54]

(وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ (يُنْهَى) تَحْرِيمًا (عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) بِالْمَدِّ (وَهِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ صِفَةَ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) سَاتِرٍ عَوْرَتَهُ وَصَوَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (يَرْفَعُ ذَلِكَ) أَيْ طَرَفَ الثَّوْبِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ (مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ) وَيُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِهِ (وَيَسْدُلُ) بِضَمِّ الدَّالِ أَوْ كَسْرِهَا أَيْ يُرْخِي الثَّوْبَ مِنْ الْجِهَةِ (الْأُخْرَى) وَحَاصِلُ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ يُلْقِيه عَلَى مَنْكِبَيْهِ مُخْرِجًا يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ أَوْ مُخْرِجًا إحْدَى يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِهِ، هَذَا الثَّانِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ لَهَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَيُخْرِجُ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ إنْ كَانَ مَعَهُ سَاتِرٌ ثُمَّ كَرِهَهُ (وَ) مَحَلُّ الْحُرْمَةِ (إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك ثَوْبٌ) لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى تَنْكَشِفُ عَوْرَتَهُ.
(وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي الِاشْتِمَالِ الْمَذْكُورِ (عَلَى ثَوْبٍ) فَقِيلَ بِالْحُرْمَةِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْكَرَاهَةِ: وَصَمَّاءُ بِسَتْرٍ وَإِلَّا مُنِعَتْ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مَعَ السَّاتِرِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ كَشْفِ الْكُلِّ، وَأَمَّا الِاضْطِبَاعُ فَهُوَ عَيْنُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ فِي التَّحْقِيقِ، وَأَمَّا التَّوْشِيحُ وَهُوَ أَخْذُ أَحَدِ طَرَفَيْ الثَّوْبِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى لِيَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَأَخْذُ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ تَحْتِ الْيُسْرَى لِيَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ، وَأَقُولُ كَلَامُهُمْ مُسَلَّمٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَيَتَوَقَّفُ فِي الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إذَا كَانَ يَحْصُلُ مَعَهُ كَشْفٌ لِجَنْبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا.

(وَيُؤْمَرُ) الْمُكَلَّفُ وَلَوْ جِنِّيًّا (بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ) وُجُوبًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا وَإِنَّمَا يُنْدَبُ.
وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَدِّ الْعَوْرَةِ وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السَّاتِرِ وَالْمَسْتُورِ عَنْهُ، وَقَوْلُنَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا وَلَوْ بِخَلْوَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ مِنْ أَنْوَاعِ السَّاتِرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ) الْمُسْتَحَبَّةِ أَنْ تَكُونَ مُنْتَهِيَةً بِالتَّقْصِيرِ (إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) وَيَجُوزُ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَمَّا أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ وَهَذَا فِي حَقِّ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ لَهَا التَّطْوِيلُ لِلثَّوْبِ وَلَوْ ذِرَاعًا حَيْثُ كَانَ لِلسَّتْرِ لَا لِلْكِبْرِ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِزْرَةِ هُنَا الثَّوْبُ لَا خُصُوصُ مَا يَأْتَزِرُ بِهِ الْإِنْسَانُ الَّذِي ابْتِدَاؤُهُ مِنْ السُّرَّةِ، وَالْإِزْرَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَاللِّبْسَةِ وَالْجِلْسَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ وَهِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَةٍ ... وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَةٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْفَخِذِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ بِقَوْلِهِ: (وَالْفَخِذُ) وَهُوَ مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَفِيهَا لُغَاتٌ أَرْبَعُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
(عَوْرَةٌ) لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ كَشْفُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ نَظَرُهُ لَكِنْ مَعَ مَنْ يَسْتَحْيِ صَاحِبُهُ مِنْهُ (وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا) وَلِذَا لَا يُعِيدُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ لِكَشْفِهِ وَلَوْ عَمْدًا، وَإِلَّا أَعَادَتْ الْأَمَةُ فِي الْوَقْتِ وَالْحُرَّةُ أَبَدًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأُنْثَى عَوْرَةٌ حَقِيقَةً مُطْلَقًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَوَاصِّ وَلَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَشَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَتَرَهُ حِينَ أَقْبَلَ عُثْمَانُ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا فَخِذَيْهِ وَسَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُبَالِهِ وَدَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تُبَالِهِ أَيْ لَمْ تَهْتَمَّ لِدُخُولِهِمَا وَتَسْتُرْ فَخِذَيْك ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسَتْ وَسَوَّيْت ثِيَابَك، فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟» وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ مُشَارِكَةٍ قَبْلَهَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ:

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَدْخُلَ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ) وَلَوْ خَالِيًا (إلَّا بِمِئْزَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ تَرْكُهَا وَفَتْحُ الْمِيمِ خَطَأٌ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ صَفِيقًا لَا تَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ، وَالنَّهْيُ عَلَى الْوُجُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا، وَعَلَى النَّدْبِ إنْ كَانَ خَالِيًا، وَالْحَمَّامُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ بِاتِّفَاقٍ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تَدْخُلَهُ الْمَرْأَةُ) وَلَوْ بِمِئْزَرٍ (إلَّا مِنْ عِلَّةٍ) لِقَوْلِهِ

أَبَوَيْهَا أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا وَلَا تَحْضُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ أَوْ لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ أَوْ عُودٍ أَوْ

[الفواكه الدواني]

  • عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يُدْخِلَنَّ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» . وَقَالَ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ دُخُولِهِ لِلرَّجُلِ بِالْمِئْزَرِ وَلَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مَنَعَ رُؤْيَةَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ فَلَا يَجُوزُ، وَجَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمِئْزَرِ لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَرْكُ دُخُولِهِ أَحْسَنُ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَاَللَّهِ مَا دُخُولُهُ بِصَوَابٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ مَنْعِ دُخُولِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الدُّخُولِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مَعَ وُجُودِ مِنْ لَا يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ عِنْدَ الْعِلَّةِ الْمُحْوِجَةِ إلَى دُخُولِهِ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ مَعَ زَوْجِهَا، وَأَمَّا مَعَ امْرَأَةٍ فَعَوْرَتُهَا مَعَهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ حَيْثُ كَانَتْ مُسْلِمَةً اتِّفَاقًا، وَأَمَّا مَعَ الْكَافِرَةِ فَقِيلَ إنَّ الْمُسْلِمَةَ مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الرَّجُلِ اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمَةِ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْكَافِرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَتُهَا، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا جَوَازُ دُخُولِهَا مَعَ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ سَتْرِ مَا لَا يَحِلُّ نَظَرُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ إلَيْهِ.
    قَالَ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ أَبُو الْإِرْشَادِ الْأُجْهُورِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ دُخُولَهُ لَهُ شُرُوطُ جَوَازٍ كَغَضِّ الْبَصَرِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِإِعْطَاءِ الْوَاجِبِ وَأَخْذِ الْمُعْتَادِ وَتَغْيِيرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ الدَّلَّاكَ وَلَوْ مَمْلُوكَهُ مِنْ دَلْكِ عَوْرَتِهِ وَهِيَ مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ إلَى جَوْفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ لِأَنَّ الْجَسَّ أَخَصُّ مِنْ النَّظَرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ وَأَمَتُهُ، وَلَهُ آدَابٌ أَنْ يَدْخُلَهُ بِالتَّدْرِيجِ وَيَخْرُجَ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ النِّقْرِسِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ عَذَابَ جَهَنَّمَ وَحَالَةَ الْمَوْتِ، وَمِنْ الْآدَابِ الدُّخُولُ مَعَ الِاعْتِدَالِ مِنْ حَيْثُ الْجُوعُ وَالشِّبَعُ، فَإِنَّ دُخُولَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَالٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الدَّاخِلِ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ قَبْلَ عَرَقِهِ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِهِ إلَّا مَنْ نَدَرَ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَتَلَاصَقَ رَجُلَانِ) الْمُرَادُ بَالِغَانِ وَلَوْ شَيْخَيْنِ أَوْ قَرِيبَيْنِ.
(وَلَا امْرَأَتَانِ) كَذَلِكَ (فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ) وَالْمُرَادُ بِالتَّلَاصُقِ الِاتِّصَالُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ لِخَبَرِ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» . وَعُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا أَنَّ النَّهْيَ لِلْحُرْمَةِ إنْ كَانَ التَّلَاصُقُ بِالْعَوْرَةِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، وَالْكَرَاهَةُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، أَوْ بِالْعَوْرَةِ لَكِنْ مَعَ حَائِلٍ كَثِيفٍ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغَا الْعَشْرَ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَبَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ فَتُكْرَهُ الْمُلَاصَقَةُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ فَحَرَامٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ، وَأَمَّا بِحَائِلٍ فَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ إلَّا لِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ فَحَرَامٌ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِيمَا قَالَ فِيهِ يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ مِنْ تَلَاصُقِ عَوْرَةِ الصَّبِيِّ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ فَفَوْقُ بِعَوْرَةِ الْبَالِغِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي تَلَاصُقِ الذَّكَرَيْنِ، وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي تَلَاصُقِ الْمَرْأَتَيْنِ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ رَجُلٍ وَأُنْثَى فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِي حُرْمَةِ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ وَلَوْ بِغَيْرِ عَوْرَةٍ، وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ، أَوْ الرَّجُلُ وَالْأُنْثَى مَعَ مُنَاهَزَةِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْمُنَاهِزَ كَالْكَبِيرِ هَكَذَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاخْتِلَاءُ بِالْأُنْثَى فَضْلًا عَنْ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْنَاهُ لَك مِنْ التَّفْصِيلِ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي لِحَافٍ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ لِحُرْمَةِ تَلَاصُقِ الْبَالِغَيْنِ بِعَوْرَتَيْهِمَا وَلَوْ لَمْ يَكُونَا تَحْتَ لِحَافٍ، كَمَا يَحْرُمُ نَظَرُ كُلٍّ إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَلَاصُقٍ.
الثَّالِثُ: فَيَبْدَأُ الصَّغِيرُ بِمَنْ بَلَغَ الْعَشْرَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْعَشْرَ يَجُوزُ تَلَاصُقُهُ مَعَ مِثْلِهِ بِالْعَوْرَةِ، لِأَنَّ طَلَبَ الْوَلِيِّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمَضَاجِعِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ وَهْبٍ الْمُقَدَّمَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَائِلِ بِالتَّفْرِقَةِ عِنْدَ بُلُوغِ السَّبْعِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تَخْرُجَ امْرَأَةٌ) شَابَّةٌ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، وَلَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِهَا الِافْتِتَانُ بِهَا (إلَّا مُسْتَتِرَةً) وَأَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا (فِيمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ شُهُودِ مَوْتِ أَبَوَيْهَا) أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ زَوْجِهَا (أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا) كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَالْأَجْدَادِ.
(أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا) الْخُرُوجُ مِنْ أَجْلِهِ كَزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا أَوْ حُضُورِ عُرْسِ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ، أَوْ حَاجَةٍ لَا غِنَاءَ لَهَا عَنْهَا وَلَا تَجِدُ مَنْ يَقُومُ بِهَا.
(وَلَا) يَجُوزُ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ خُرُوجِهَا أَنْ (تَحْضُرَ مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي خَرَجَتْ لِأَجْلِهِ (مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ

شِبْهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ إلَّا الدُّفَّ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْكَبَرِ،

وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمُحْرِمٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ إذَا خَطَبَهَا وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلَهُ أَنْ يَرَى وَجْهَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.

وَيُنْهَى

[الفواكه الدواني]

أَوْ) مَا فِيهِ (لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ وَعُودٍ أَوْ شَبَهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ إلَّا الدُّفَّ) بِضَمِّ الدَّالِ أَوْ فَتْحِهَا وَهُوَ الْمُغَشَّى مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُعْرَفُ بِالطَّارِّ وَيُقَالُ لَهُ الْغِرْبَالُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا حُضُورُهُ لِجَوَازِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(فِي النِّكَاحِ) وَإِبَاحَةِ ضَرْبِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا صَرَاصِرُ أَوْ جَلَاجِلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ.
لِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ فِي الْإِطْلَاقِ الْمَعْرُوفِ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلَادَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُهُ فِي كُلِّ فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
(وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي) جَوَازِ ضَرْبِ (الْكَبَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ الْمُجَلَّدُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَالْمِزْهَرُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَقْوَالٍ، الْجَوَازُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْكَرَاهَةُ فِيهِمَا، وَالْجَوَازُ فِي الْكَبَرِ وَكَرَاهَةُ الْمِزْهَرِ، وَأَجَازَ ابْنُ كِنَانَةَ الزَّمَّارَةَ وَالْبُوقَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا لَا يُلْهِي كُلَّ اللَّهْوِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ نَثْرُ اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ لَا الْغِرْبَالِ وَلَوْ لِرَجُلٍ وَفِي الْكَبَرِ وَالْمِزْهَرِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي الْكَبَرِ، ابْنُ كِنَانَةَ: وَتَجُوزُ الزَّمَّارَةُ وَالْبُوقُ، وَقَيَّدْنَا الْمَرْأَةَ بِالشَّابَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُتَجَالَّةِ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، فَهَذِهِ تَخْرُجُ وَلَوْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَبِمَنْ لَا يُخْشَى مِنْهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا لِنَجَابَتِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَابَّةٌ غَيْرُ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ إلَّا لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِجِنَازَةِ مَنْ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمُتَجَالَّةٌ لَا رَغْبَةَ لِلرِّجَالِ فِيهَا وَهَذِهِ تَخْرُجُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَشَابَّةٌ يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِ الشَّابَّةِ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا بِالْخُرُوجِ لِنَحْوِ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَوْ شَرَطَ لَهَا فِي صُلْبِ عَقْدِهَا وَحَيْثُ سَاغَ خُرُوجُهَا، فَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي زَمَنِ أَمْنٍ مِنْ الرِّجَالِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي وَقْتٍ يُخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ، وَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي ثِيَابِ الزِّينَةِ، وَلَا تَمْشِي إلَّا بَعِيدَةً عَنْ الرِّجَالِ، وَأَنْ لَا تَتَطَيَّبَ وَأَنْ تُبَالِغَ فِي السَّتْرِ لِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَذِرَاعِهَا أَوْ سَاقِهَا لَا كَفَّيْهَا وَلَا وَجْهِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ جَمِيلَةً أَوْ يَكْثُرَ الْفَسَادُ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.

(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَخْلُوَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ) وَلَا زَوْجَةٍ بَلْ أَجْنَبِيَّةٍ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَكُونُ ثَالِثُهُمَا يُوَسْوِسُ لَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ بِفِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمَا وَيَسْتَوْجِبَانِ الْعُقُوبَةَ وَلَوْ ادَّعَيَا الزَّوْجِيَّةَ إلَّا أَنْ يُثْبِتَاهَا أَوْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ» . وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِذَاتِ الْمَحْرَمِ وَلَوْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ تَنَاوُلُ الرَّجُلِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ وَالْمَرْأَةِ لِلشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فِي السِّنِّ، لِأَنَّ الشَّيْخَ يَمِيلُ لِلشَّيْخَةِ خِلَافًا لِلشَّاذِلِيِّ فِي تَقْيِيدِهِ الْمَرْأَةَ بِالشَّابَّةِ وَالرَّجُلَ بِالشَّابِّ، فَأَجَازَ خَلْوَةَ الشَّيْخِ الْهَرَمِ بِالْمَرْأَةِ شَابَّةً أَوْ مُتَجَالَّةً، وَخَلْوَةَ الشَّابِّ بِالْمُتَجَالَّةِ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خَلْوَةُ الْمَرْأَةِ بِعَبْدِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِعَبْدٍ بِلَا شِرْكٍ وَمُكَاتَبٍ وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعْرِ السَّيِّدَةِ وَبَقِيَّةِ أَطْرَافِهَا الَّتِي يَنْظُرُهَا مَحْرَمُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَأَمَّا عَبْدُ زَوْجِهَا فَيَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ خَصِيًّا وَأَنْ يَكُونَ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُ هَذَا بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالدِّينِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَمِيلُ الْمَرْأَةُ لِلنَّصْرَانِيِّ الْخَادِمِ فِي أَسْفَلِ الدَّارِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ خَلْوَةِ الْمَرْأَةِ بِمِثْلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَائِقَةً فِي الْجَمَالِ، وَكَذَا خَلْوَةُ الذَّكَرِ بِالذَّكَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا شَابًّا تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَأُخْرَى لَوْ كَانَا شَابَّيْنِ مَشْهُورَيْنِ بِالْجَمَالِ بِحَيْثُ يُتَوَقَّع مَيْلُ أَحَدِهِمَا إلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ غَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ مُقَيَّدَةً بِحَالِ الِاخْتِيَارِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا) أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ غَيْرَ الْمُتَجَالَّةِ (لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) أَوْ لَهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ لِلشَّاهِدَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ.
(أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ عُذْرِ الشَّهَادَةِ كَعُذْرِ الطِّبِّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إلَى مَحَلِّ الْمَرَضِ إذَا كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ قِيلَ وَلَوْ بِفَرْجِهَا لِلدَّوَاءِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْقَابِلَةِ نَظَرُ الْفَرْجِ.
قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَلِي فِيهِ وَقْفَةٌ إذْ الْقَابِلَةُ أُنْثَى وَهِيَ يَجُوزُ لَهَا نَظَرُ فَرْجِ الْأُنْثَى إذَا رَضِيَتْ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى رُؤْيَةِ فَرْجِهَا، وَلَوْ زَوْجَةٌ ادَّعَى زَوْجُهَا عَيْبًا بِفَرْجِهَا وَادَّعَتْ عَدَمَهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِهِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.
(وَ) أَيْ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِرُؤْيَتِهَا (إذَا خَطَبَهَا) رَجُلٌ لِنَفْسِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ نَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمِهَا وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ لِرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ وَالْخَاطِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِخَلْوَةٍ بِالْمَرْأَةِ وَإِلَّا حَرُمَتْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ الْأَجْنَبِيِّ لِغَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ.
(وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) وَهِيَ الْعَجُوزُ الْفَانِيَةُ (فَلَهُ) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ (أَنْ يَرَى وَجْهَهَا) وَكَفَّيْهَا (عَلَى كُلِّ حَالٍ) وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَمْنِ مِمَّا يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الشَّابَّةِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدُ الرُّؤْيَةِ لِلْمُتَجَالَّةِ مِثْلَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ جَوَازُ رُؤْيَتِهِ لَهَا بِالْعُذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّابَّةِ،

النِّسَاءُ عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ وَعَنْ الْوَشْمِ،

وَمَنْ لَبِسَ خُفًّا أَوْ نَعْلًا بَدَأَ بِيَمِينِهِ وَإِذَا نَزَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ،

وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ قَائِمًا،

[الفواكه الدواني]

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: 60] الْآيَةَ أَيْ مُتَزَيِّنَاتٍ بِزِينَةٍ خَفِيَّةٍ كَقِلَادَةٍ وَخَلْخَالٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْبَابِ.

[وَصَلّ الشعر]

(وَيُنْهَى النِّسَاءُ عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ) وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لِخَبَرِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة» وَحُرْمَةُ الْوَصْلِ لَا تَتَقَيَّدُ بِالنِّسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا خُصَّ النِّسَاءُ لِأَنَّهُنَّ اللَّاتِي يَغْلِبُ مِنْهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ قِصَرِ أَوْ عَدَمِ شَعْرِهِنَّ يَصِلْنَ شَعْرَ غَيْرِهِنَّ بِشَعْرِهِنَّ، أَوْ عِنْدَ شَيْبِ شَعْرِهِنَّ يَصِلْنَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ بِالْأَبْيَضِ لِيَظْهَرَ الْأَسْوَدُ لِتُغْرِيهِ الزَّوْجَ، وَمَفْهُومُ " وَصْلِ " أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَصِلْهُ بِأَنْ وَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ وَصْلٍ لَجَازَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْخُيُوطِ الْمَلْوِيَّةِ كَالْعُقُوصِ الصُّوفِ وَالْحَرِيرِ تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ لِلزِّينَةِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِي فِعْلِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ وَيَلْتَحِقُ بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ، وَيُفْهَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ عَدَمُ حُرْمَةِ إزَالَةِ شَعْرِ بَعْضِ الْحَاجِبِ أَوْ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالتَّرْجِيحِ وَالتَّدْقِيقِ وَالتَّحْفِيفِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى الصَّلَاةِ بِالشَّعْرِ الْمَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِصِحَّتِهَا مِمَّا مَرَّ إنْ كَانَ مَخْرُوزًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَبَاطِلَةٌ إنْ كَانَ مِمَّا مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ.
(وَ) يُنْهَى النِّسَاءُ أَيْضًا (عَنْ الْوَشْمِ) فِي الْوَجْهِ أَوْ فِي الْيَدِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ النَّقْشُ بِالْإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ وَيُحْشَى الْجُرْحُ بِالْكُحْلِ أَوْ الْهِبَابِ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ لِيَخْضَرَّ الْمَحَلُّ الْمَجْرُوحُ، وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، بَلْ النَّهْيُ فِي الرِّجَالِ أَشَدُّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَا يُحْكَى مِنْ إبَاحَتِهِ فَمَرْدُودٌ لِمُخَالَفَتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَة، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة، وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» وَالْوَشْرُ نَشْرُ الْأَسْنَانِ أَيْ بَرْدُهَا حَتَّى يَحْصُلَ الْفَلْجُ وَتَحْسُنُ الْأَسْنَانُ بِذَلِكَ، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ طَوِيلَةً فَتَنْشُرُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهَا الْقِصَرُ، وَالتَّنْمِيصُ هُوَ نَتْفُ شَعْرِ الْحَاجِبِ حَتَّى يَصِيرَ دَقِيقًا حَسَنًا، وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - جَوَازُ إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْحَاجِبِ وَالْوَجْهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ جَوَازُ حَلْقِ جَمِيعِ شَعْرِ الْمَرْأَة مَا عَدَا شَعْرَ رَأْسِهَا، وَعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ زِينَةٌ لَهَا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَرَكَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَقَطْ وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ كِتَابِيَّةً وَمَفْقُودًا زَوْجُهَا التَّزَيُّنَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْتَمَلِ عِنْدَ وُجُوبِ الْعَارِضِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ تَغْيِيرٍ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ خِصَالَ الْفِطْرَةِ كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَالشَّعْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ خِصَاءِ مُبَاحِ الْأَكْلِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ اللَّعْنِ وَبَيْنَ مَا اشْتَهَرَ مِنْ عِنْدِ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِاللَّعْنِ عَلَى الْمُعَيَّنِ لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ لَعَّانًا» لِأَنَّ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ بِبُعْدِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الدُّعَاءُ بِاللَّعْنِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْحَدِيثِ، أَوْ إنَّ لَفْظَ لَعَّانٍ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ إنَّمَا تَصْلُحُ لِمَنْ يَكْثُرُ مِنْهُ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ عَادَةً لَهُ، وَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسُوغُ لَهُ لَعْنُ غَيْرِهِ.
الثَّانِي: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَشْمَ حَرَامٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ الْحَدِيثِ حَتَّى صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ يُلْعَنُ فَاعِلُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْكَرَاهَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَا يُعَارِضُ النَّهْيَ عَنْ الْوَشْمِ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ بِهَا لِزَوْجِهَا، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَسْمَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى ذَاتِ الزَّوْجِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ حُرْمَتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ كَالْمُحْتَدَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّامِصَةِ الَّتِي تُزِيلُ شَعْرَ بَعْضِ الْحَاجِبِ.
الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضٌ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ الْوَشْمِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِمَرَضٍ وَإِلَّا جَازَ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ قَدْ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ فِي زَمَنِ الِاخْتِيَارِ فَكَيْفَ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ؟ . الرَّابِعُ: الْوَشْمُ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ لَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ بِإِزَالَتِهِ بِالنَّارِ بَلْ هُوَ مِنْ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ، هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ مَذْهَبِنَا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ آدَابٍ وَمَكْرُوهَاتٍ فَقَالَ:

(وَمَنْ لَبِسَ) أَيْ أَرَادَ عَلَى حَدِّ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98] (خُفًّا أَوْ نَعْلًا) أَوْ سِرْوَالًا.
(بَدَأَ) اسْتِحْبَابًا (بِيَمِينِهِ وَإِذَا نَزَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ) لِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يُطْلَبُ فِيهِ الْبَدْءُ بِالْيَمِينِ، وَكُلَّ نَقْصٍ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْيَسَارِ، وَالْخُلُوُّ نَقْصٌ لِأَنَّهُ تَعَرٍّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ

وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ،

وَتُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْقِبَابِ وَالْجُدَرَانِ وَالْخَاتَمِ وَلَيْسَ الرَّقْمُ فِي الثَّوْبِ مِنْ ذَلِكَ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ.

[الفواكه الدواني]

عَائِشَةَ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ» وَالْقَاعِدَةُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ كَاللُّبْسِ وَدُخُولِ الْمَسَاجِدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَسْلِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ، وَمَا كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَالتَّيَاسُرُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الرَّأْسِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْحَلْقَ لِلرَّأْسِ صَارَ مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ.

(وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ) أَيْ لُبْسِ النَّعْلِ حَالَ كَوْنِهِ، (قَائِمًا) كَمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ حَالَةَ كَوْنِهِ جَالِسًا فَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي، وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِعَالِ حَالَ الْقِيَامِ فَغَيْرُ صَحِيحٌ، وَعَلَى الصِّحَّةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ مِنْ قِيَامٍ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ التَّعَمُّمِ حَالَ الْقُعُودِ، وَعَنْ التَّسَرْوُلِ حَالَ الْقِيَامِ.

(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقْطَعَ الرِّجْلِ فَلَا بَأْسَ بِمَشْيِهِ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمَشْيُ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ وَلَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا، وَلَكِنْ انْقَطَعَتْ إحْدَاهُمَا وَاسْتَمَرَّ لَابِسًا لِلْأُخْرَى وَهُوَ يَمْشِي، وَأَمَّا وُقُوفُ الشَّخْصِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةِ لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرُوهِ.

(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا فِعْلُ (التَّمَاثِيلِ) جَمْعُ تِمْثَالٍ بِكَسْرِ التَّاءِ وَهِيَ صُورَةُ الْحَيَوَانَاتِ (فِي الْأَسِرَّةِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَرِيرٍ وَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ لِلرُّقَادِ عَلَيْهِ.
(وَ) كَذَا يُكْرَهُ فِعْلُ التَّمَاثِيلِ فِي (الْقِبَابِ) جَمْعُ قُبَّةٍ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى الْهَوْدَجِ أَوْ عَلَى السَّرِيرِ أَوْ عَلَى الْخَيْمَةِ.
(وَ) كَذَلِكَ يُكْرَهُ التِّمْثَالُ أَيْضًا فِي (الْجُدَرَانِ) بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جَدْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْحَائِطُ.
(وَ) كَذَا فِي (الْخَاتَمِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخَرُ مَشْهُورَةٌ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ الَّتِي فِي الْأَسِرَّةِ وَالْقِبَابِ وَالْمَنَابِرِ وَلَيْسَ كَالثِّيَابِ وَالْبُسُطِ الَّتِي تُمْتَهَنُ انْتَهَى، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْقِبَابِ إلَخْ أَنَّ التِّمْثَالَ مَنْقُوشٌ فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ جُعِلَ التِّمْثَالُ صُورَةً مُسْتَقِلَّةً لَهَا ظِلٌّ كَمَا لَوْ صُنِعَ صُورَةَ سَبُعٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ آدَمِيٍّ وَوَضَعَهَا عَلَى الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، حَيْثُ كَانَتْ الصُّورَةُ كَامِلَةً سَوَاءٌ صُنِعَتْ مِمَّا تَطُولُ إقَامَتُهُ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ مِمَّا لَا تَطُولُ إقَامَتُهُ، كَمَا صُنِعَ صُورَةُ السَّبُعِ أَوْ الْفَرَسِ مِنْ عَجِينٍ أَوْ حَلَاوَةٍ مِمَّا لَا تَطُولُ إقَامَتُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ نَاقِصَةً كَصُورَةِ حِمَارٍ أَوْ سَبُعٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ فَلَا حُرْمَةَ فِيهَا بَلْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهَا وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَالْحَاصِلُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّمَاثِيلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَقْسَامِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ كَامِلَةٍ وَلَهَا ظِلٌّ قَائِمٌ وَحُمِلَ عَلَيْهَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ أَنَّ فَاعِلَ تِلْكَ الصُّورَةِ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُ: أَحْيِ مَا خَلَقْت» وَالْمُبَاحُ مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ غَيْرِ حَيَوَانٍ كَصُورَةِ الْأَشْجَارِ وَالْفَوَاكِهِ وَالسَّحَابِ مِمَّا هُوَ مَصْنُوعٌ لِلَّهِ وَلَيْسَ حَيَوَانًا، وَالْمَكْرُوهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَرْسُومَةِ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْحِيطَانِ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ، وَأَمَّا التَّمَاثِيلُ الْمَرْسُومَةُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُمْتَهَنَةِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَلَكِنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى وَهِيَ الْآتِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِمَّا لَهُ ظِلٌّ قَائِمٌ الْمُجْمَعُ عَلَى حُرْمَتِهِ صُوَرُ لَعِبِ الْبَنَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَحْرُمُ، وَيَجُوزُ اسْتِصْنَاعُهَا وَصُنْعُهَا وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لَهُنَّ لِأَنَّ بِهِنَّ يَتَدَرَّبْنَ عَلَى حَمْلِ الْأَطْفَالِ، فَقَدْ كَانَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - جِوَارٍ يُلَاعِبْنَهَا بِصُوَرِ الْبَنَاتِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ، فَإِذَا رَأَيْنَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَسْتَحِينَ مِنْهُ وَيَتَقَنَّعْنَ وَكَانَ الرَّسُولُ يَشْتَرِيهَا لَهَا، وَأَمَّا فِعْلُهَا لِلْكِبَارِ فَحَرَامٌ، وَلَمَّا كَانَتْ تَمَاثِيلُ الْحَيَوَانَاتِ إنَّمَا تُكْرَهُ فِيمَا لَا يُمْتَهَنُ كَالْمَصْنُوعَةِ فِي الْحَائِطِ، ذَكَرَ أَنَّ مَا صُنِعَ فِي الْمُمْتَهَنِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ الرَّقْمُ) لِصُورَةِ الْحَيَوَانِ (فِي الثَّوْبِ) وَالْبِسَاطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُمْتَهَنٍ (مِنْ ذَلِكَ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِقَوْلِ الْجَلَّابِ: وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ التَّمَاثِيلِ فِي الثِّيَابِ وَالْبُسْطِ.
(وَ) لَكِنْ (تَرْكُهُ) فِي الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ (أَحْسَنُ) مِنْ فِعْلِهِ لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ، وَلَوْ فِي الثَّوْبِ فَفِي تَرْكِهِ سَلَامَةٌ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَالَ:

بَابٌ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَإِذَا أَكَلْت أَوْ شَرِبْت فَوَاجِبٌ عَلَيْك أَنْ تَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ

وَتَتَنَاوَلَ بِيَمِينِك

فَإِذَا فَرَغْت فَلْتَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ

وَحَسَنٌ أَنْ تَلْعَقَ يَدَك قَبْلَ مَسْحِهَا

وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ

وَإِذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك

[الفواكه الدواني]

[بَابٌ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ]

(بَابٌ فِي) بَيَانِ آدَابِ اسْتِعْمَالِ (الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا غِنَى لَهُ عَنْهُمَا، جَعَلَهُمَا - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - سَبَبًا لِبَقَاءِ بِنْيَتِهِ وَتَقْوِيَتِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَيَنْبَغِي لَهُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِمَا أَنْ يَقْصِدَ بِهِمَا قِيَامَ الْبِنْيَةِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ لَا مُجَرَّدَ شَهْوَةِ النَّفْسِ، وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ، إذْ كَثِيرًا مَا يَنْقَلِبُ الْمُبَاحُ طَاعَةً بِحَيْثُ يُثَابُ عَلَيْهِ الْفَاعِلُ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا شَأْنُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَقَعُ الْمُبَاحُ مِنْهُمْ إلَّا عَلَى وَجْهٍ بِحَيْثُ يُثَابُونَ عَلَيْهِ، وَالْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهَا سَابِقٌ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمِنْهَا لَاحِقٌ، وَمِنْهَا مُقَارِنٌ، فَمِنْ السَّابِقَةِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَكَلْت أَوْ شَرِبْت) أَيْ أَرَدْت فِعْلَهُمَا (فَوَاجِبٌ عَلَيْك) وُجُوبَ السُّنَنِ (أَنْ تَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقِيلَ تَقْتَصِرُ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ: «وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتنَا» وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لَبَنًا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ: وَزِدْنَا مِنْهُ، وَيُنْدَبُ الْجَهْرُ بِهَا لِيَتَنَبَّهَ الْغَافِلُ عَنْهَا وَيَتَعَلَّمَ الْجَاهِلُ، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ، وَالْمُرَادُ يَتَقَايَؤُهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ، وَالتَّسْمِيَةُ سُنَّةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ.

(وَ) الْآدَابُ الْمُقَارِنَةُ أَنْ (تَتَنَاوَلَ) الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ (بِيَمِينِك) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِخَبَرِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» . وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي أَكْلِهِ فَقِيلَ حَقِيقَةً وَقِيلَ مَجَازًا عَنْ الشَّمِّ وَفِيهِ شَيْءٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ،

وَمِنْ الْآدَابِ اللَّاحِقَةِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا فَرَغْت) مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ (فَلْتَقُلْ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ سِرًّا (الْحَمْدُ لِلَّهِ) لِأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُ بِالْحَمْدِ بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَأَيْضًا كَانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَعَامِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» . وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ نَدْبِ إسْرَارِ الْحَمْدِ وَإِجْهَارِ التَّسْمِيَةِ مَا سَبَقَ مِنْ تَذْكِيرِ النَّاسِي لَهَا، وَلِئَلَّا يَحْصُلَ الْحَيَاءُ وَالْخَجَلُ لِمَنْ يَشْبَعُ إذَا سَمِعَ حَمْدَ غَيْرِهِ.

وَمِنْ الْآدَابِ اللَّاحِقَةِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَحَسَنٌ) بِلَفْظِ الِاسْمِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ أَيْ مُسْتَحَبٌّ وَمُبْتَدَؤُهُ (أَنْ تَلْعَقَ) أَيْ تَلْحَسَ (يَدَك قَبْلَ مَسْحِهَا) لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي الْبَرَكَةَ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ أَوْ آخِرِهِ» وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا مِنْ «أَنَّ مَنْ لَعِقَ الْقَصْعَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَغَسَلَهَا وَشَرِبَ ذَلِكَ عُوفِيَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ هُوَ وَوَلَدُهُ» وَنَحْوِ هَذَا، وَجَاءَ أَيْضًا: «مَنْ الْتَقَطَ فُتَاتًا مِنْ الْأَرْضِ أَوْ أَكَلَهَا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً» وَجَاءَ فِي الْتِقَاطِ مَا يَقَعُ مِنْ الطَّعَامِ أَنَّهُ مَهْرُ الْحُورِ الْعِينِ، وَجَاءَ أَنَّهُ مَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ يَدِك أَصَابِعُك وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْيَدِ فِي نُسْخَةِ يَدِك، لِأَنَّ الْيَدَ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْكَفِّ تُطْلَق عَلَى الْأَصَابِعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ وَسُنَنِهِ، وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ شَرَهٌ وَسُوءُ أَدَبٍ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ لِلْأَكْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِرِقَّةِ الطَّعَامِ مَثَلًا.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ: تَلْعَقُ يَدَك أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِجَمِيعِ أَصَابِعِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ التِّلْمِسَانِيِّ: يَبْدَأُ فِي لَعْقِ أَصَابِعِهِ مِنْ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي مُسْلِمٍ لَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ التِّلْمِسَانِيُّ، لِأَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي حَصْرَ الْأَكْلِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قَبْلَ مَسْحِهَا أَنَّهُ يَمْسَحُهَا بِمِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي طَعَامِهِ غَمَرٌ نَحْوُ اللَّبَنِ وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ غَسْلُ فَمٍ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنٍ وَالْيَدُ كَذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَعْقُهَا قَبْلَ مَسْحِهَا أَوْ غَسْلِهَا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي الْمَسْحُ بَعْدَ اللَّعْقِ فِيمَا لَا غَمَرَ فِيهِ، وَمَا فِيهِ غَمَرٌ يُنْدَبُ غَسْلُهَا بَعْدَ لَعْقِهَا.

[آدَابِ الْأَكْلِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ]

(وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ) الْمُقَارِنَةِ لَهُ (أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك) ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ (ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا

أَكَلْت مِمَّا يَلِيك

وَلَا تَأْخُذْ لُقْمَةً حَتَّى تَفْرُغَ الْأُخْرَى

وَلَا تَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك وَلْتُبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك ثُمَّ تُعَاوِدْهُ

[الفواكه الدواني]

لِلنَّفَسِ) لِاعْتِدَالِ الْجَسَدِ وَخِفَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الشِّبَعِ ثِقَلُ الْبَدَنِ وَهُوَ يُورِثُ الْكَسَلَ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ مِنْ الْأَكْلِ لَمَا بَقِيَ لِلنَّفَسِ مَوْضِعٌ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ، وَلِمَا وَرَدَ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ.
وَالْحَمِيَّةُ خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالْبَرَدَةُ إدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ، وَلَفْظُ الْمَعِدَةِ» إلَخْ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَدْخَلَهُ بَعْضُ الْوُضَّاعِ فِي الْمُسْنَدِ الْمَرْفُوعِ تَرْوِيجًا لَهُ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: وَالْوَاضِعُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا ... مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَبَعْضٌ وَضَعَا كَلَامُ بَعْضِ الْحُكْمَا فِي الْمُسْنَدِ قَالَ شَارِحُهَا تَرْوِيجًا لَهُ مِنْهُ الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ إلَخْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمِنْ كَلَامِهِمْ أَيْضًا مَا قَالَهُ مَالِكٌ: وَمِنْ طِبِّ الْأَطِبَّاءِ أَنْ تَرْفَعَ يَدَك مِنْ الطَّعَامِ وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكَثْرَةُ الْأَكْلِ لَا خَيْرَ فِيهَا لِإِنْسَانٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَدْهَمَ: صَحِبْت أَكْثَرَ رِجَالِ اللَّهِ وَقَدْ أَوْصَوْنِي بِأَنْ أَعِظَ غَيْرِي بِأَرْبَعِ خِصَالٍ: إحْدَاهَا أَنَّ مَنْ يُكْثِرُ الْأَكْلَ لَا يَجِدُ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ يَنَامُ كَثِيرًا لَمْ يَرَ فِي عُمْرِهِ بَرَكَةً، وَمَنْ يَطْلُبُ رِضَا النَّاسِ لَا يَنْتَظِرُ رِضَا الرَّبِّ، وَمَنْ يُكْثِرُ الْكَلَامَ بِفُضُولٍ وَغِيبَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ سَهْلٌ: الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي خِصَالٍ أَرْبَعٍ بِهَا صَارَتْ الْأَبْدَالُ أَبْدَالًا: إخْمَاصُ الْبُطُونِ، وَالصَّمْتُ، وَالْعُزْلَةُ عَنْ الْخَلْقِ، وَسَهَرُ اللَّيْلِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ شَيْءٍ يَعْمَلُ عَلَى الشِّبَعِ إلَّا ابْنَ آدَمَ إذَا شَبِعَ رَقَدَ، وَأَيْضًا قَالُوا: الشِّبَعُ مِنْ الْحَلَالِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُقِلُّ الْحِفْظَ، وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ، وَيُكْثِرُ الشَّهْوَةَ، وَيُقَوِّي جُنُودَ الشَّيْطَانِ، وَفَسَدَ الْجَسَدِ، فَمَا بَالُك بِالْحَرَامِ؟ وَبِالْجُمْلَةِ: الشِّبَعُ مَمْدُوحٌ فِي الْبَهَائِمِ وَمَذْمُومٌ فِي حَقِّ ابْنِ آدَمَ، وَيُعْرَفُ الثُّلُثُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثُلُثِ مَا كَانَ يَشْبَعُ بِهِ، وَقِيلَ يُعْرَفُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى نِصْفِ الْمُدِّ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُضْعِفُهُ قِلَّةُ الشِّبَعِ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ اسْتِعْمَالُ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ النَّشَاطُ لِلْعِبَادَةِ وَاعْتِدَالُ الْبَدَنِ.
وَمِنْ خَطِّ عَلَّامَةِ الزَّمَانِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ الْأَكْلُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْحَيَاةُ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى الصِّيَامِ الْوَاجِبِ أَوْ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَاجِبٌ، وَاَلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ الْغَيْرِ الْوَاجِبِ مَنْدُوبٌ، وَالْمُبَاحُ مِلْءُ ثُلُثِ بَطْنِهِ، وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إذَا امْتَلَأَتْ الْمَعِدَةُ مَاتَتْ الْفِكْرَةُ، وَخَرَسَ لِسَانُ الْحِكْمَةِ، وَقَعَدَتْ الْأَعْضَاءُ عَنْ الْعِبَادَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ كَثُرَ شُرْبُهُ، وَمَنْ كَثُرَ شُرْبُهُ كَثُرَ نَوْمُهُ وَكَثُرَ لَحْمُهُ، وَمَنْ كَثُرَ لَحْمُهُ قَسَا قَلْبُهُ، وَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ غَرِقَ فِي الْآثَامِ، وَالزَّائِدُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الضَّرَرُ حَرَامٌ، قَالَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ.

(وَ) مِنْ الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ أَيْضًا أَنَّك (إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك) وَلَوْ كَانَ مُشَارِكًا لَك فِي الطَّعَامِ (أَكَلْت مِمَّا يَلِيك) لِأَنَّ أَكْلَك مِنْ الَّذِي يَلِي صَاحِبَك تَعَدٍّ، وَبِهِ تُنْسَبُ إلَى الشَّرَهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَاحِبُ لَك فِي الْأَكْلِ وَلَدًا لَك أَوْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُخْتَلِفًا، وَأَمَّا وَلَدُك فَلَا يَلْزَمُك التَّأَدُّبُ مَعَهُ، وَإِنْ لَزِمَهُ التَّأَدُّبُ مَعَك فَلَا يَأْكُلُ مِمَّا يَلِيك.

(وَ) مِنْ الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَك أَنْ (لَا تَأْخُذَ لُقْمَةً حَتَّى تَفْرَغَ) مِنْ بَلْعِ (الْأُخْرَى) لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْأَكْلِ وَلِئَلَّا تَشْرَقَ فَيَحْصُلَ لَك الْخَجَلُ، هَكَذَا عَلَّلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ أَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي الْإِطْلَاقُ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ عَادَةً فَيَتَوَصَّلَ إلَى فِعْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ.

وَمِنْ الْآدَابِ تَصْغِيرُ اللُّقْمَةِ إنْ أَكَلَ مَعَ مَنْ يُصَغِّرُهَا وَيَتَمَهَّلُ مِثْلَهُمْ، وَيَتَأَخَّرُ عَنْهُمْ إنْ كَانُوا يُعَجِّلُونَ لِأَنَّ سَبْقَهُمْ مَذْمُومٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنْ مُدَّتْ الْأَيْدِي إلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ ... بِأَعْجَلِهِمْ إذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعْجَلُ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ هُنَا لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.

وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ لَا تَفْعَلَ عِنْدَ أَكْلِك مَا يَسْتَقْذِرُهُ غَيْرُك مِنْ نَحْوِ الْبُصَاقِ أَوْ الِامْتِخَاطِ، أَوْ رَدِّ بَعْضِ اللُّقْمَةِ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ وَضْعِهَا فِي فَمِك.
وَمِنْ الْآدَابِ الْإِكْثَارُ مِنْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَمَنَاقِبِ نَحْوِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُرِيحُ الْآكِلَ وَيُقَوِّي نَهِمَتَهُ وَيُنْبِئُ عَنْ سَمَاحَتِك، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُصَاحِبُ لَك ضَيْفًا.
وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى غَيْرِك حَالَ أَكْلِهِ، وَأَنْ لَا تَقُومَ قَبْلَ قِيَامِهِ، هَكَذَا قَالُوهُ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدَك أَوْ سَيِّدَك مِمَّنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْخَجَلُ بِقِيَامِك قَبْلَهُ.
1 - وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ لَا تَقُولَ لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَك فِي حَالِ أَكْلِهِ كُلْ فَإِنَّهُ يُخْجِلُهُ، بِخِلَافِ لَوْ تَرَكَ الْأَكْلَ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِك لَهُ كُلْ فَإِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ وَبِسَمَاحَتِك وَيَزْدَادُ جَبْرًا، وَلَكِنْ لَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْحَلِفِ عَلَى الطَّعَامِ، لِأَنَّ الْوَارِدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا هُوَ قَوْلُ: «كُلْ كُلْ كُلْ ثَلَاثًا» ، أَوْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ الْحَلِفَ لِأَنَّ الشَّخْصَ رُبَّمَا يَكُونُ خَجِلًا وَيَتَوَهَّمُ عَدَمَ سَمَاحَتِك إلَّا بِالْحَلِفِ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَيَأْكُلَنَّ فَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثِ لُقَمٍ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنْ كَانَ

إنْ شِئْت

وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا وَلْتَمُصَّهُ مَصًّا

وَتَلُوكُ طَعَامَك وَتُنَعِّمُهُ مَضْغًا قَبْلَ بَلْعِهِ

وَتُنَظِّفُ فَاك بَعْدَ طَعَامِك وَإِنْ غَسَلْت يَدَك مِنْ الْغَمَرِ وَاللَّبَنِ فَحَسَنٌ

وَتُخَلِّلُ مَا تَعَلَّقَ بِأَسْنَانِك مِنْ الطَّعَامِ

وَنَهَى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الْأَكْلِ

[الفواكه الدواني]

فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ وَهُوَ الْمَوْضُوعُ فَيَبَرُّ بِثَلَاثٍ، وَإِنْ يَكُنْ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِشِبَعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَيَعْلَمُ بِإِقْرَارِهِ.

[الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ لِلشُّرْبِ]

(وَ) مِنْ الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ لِلشُّرْبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَك أَنْ (لَا تَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ وَأَمَرَ مُرِيدَ التَّنَفُّسِ بِإِبَانَةِ الْقَدَحِ عَنْ فِيهِ وَقْتَ تَنَفُّسِهِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّهُ يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْفَصِلُ مِنْ فِيهِ عِنْدَ التَّنَفُّسِ لُعَابٌ وَهُوَ سُمٌّ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ.
(وَلْتُبِنْ) أَيْ تُبْعِدُ (الْقَدَحَ عَنْ فِيك) عِنْدَ إرَادَةِ التَّنَفُّسِ حَتَّى تَتَنَفَّسَ.
(ثُمَّ تُعَاوِدُهُ إنْ شِئْت) لِخَبَرِ: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَفَّسْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» وَذُكِرَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يُبِينُ الْقَدَحَ وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُبِينُهُ وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَالْحَدِيثُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مُرِيدِ إعَادَةِ الشُّرْبِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ شِئْت، فَلَا يُنَافِي جَوَازَ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يُكْرَهُ الشُّرْبُ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِمَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَشْرَبُ مِنْ ثَلَاثَةٍ» وَقَالَ: «إنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ» وَلِمَا قِيلَ إنَّهُ يُؤْذِي الْكَبِدَ.

(وَ) مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَيْضًا أَنَّك (لَا تَعُبُّ الْمَاءَ عَبًّا) أَيْ لَا تَبْتَلِعُهُ كَابْتِلَاعِ الْبَهِيمَةِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ الْعَبِّ» . (وَلْتَمَصَّهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مُضَارِعُ مَصِصَ بِالْكَسْرِ (مَصًّا) أَيْ تَبْتَلِعُهُ بِرِفْقٍ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ مِنْك صَوْتٌ بِشُرْبِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمَصَّهُ مَصًّا» وَتَقَدَّمَ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ أَهْنَأُ وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِعُرُوقِ الْجَسَدِ، بِخِلَافِ عَبِّهِ رُبَّمَا يَأْخُذُ عِرْقٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ فَيَتَأَذَّى صَاحِبُهُ، أَلَا تَرَى الْمَطَرَ الرَّقِيقَ الدَّائِمَ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لِلْأَرْضِ مِنْ الْوَابِلِ الَّذِي يَنْقَطِعُ سَرِيعًا قَدْ يَذْهَبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَا يُدَاخِلُهَا كَالرَّقِيقِ الدَّائِمِ، وَمِثْلُ الْمَاءِ اللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كُلِّ مَائِعٍ لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ.
.

(وَ) مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ أَيْضًا أَنَّك (تَلُوكُ طَعَامَك) أَيْ تَمْضَغُهُ (وَتُنَعِّمُهُ مَضْغًا) أَيْ بِالْمَضْغِ (قَبْلَ بَلْعِهِ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمَعِدَةِ وَلِأَنَّهُ إذَا أَدْخَلَهُ قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ فِي مَضْغِهِ رُبَّمَا يَغَصُّ بِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ أَوْ الْخَجَلُ مِنْ الْمُصَاحِبِينَ لَهُ.
.

(وَ) مِنْ الْآدَابِ اللَّاحِقَةِ لِلْأَكْلِ أَيْضًا أَنَّهُ يُنْدَبُ لَك أَنْ (تُنَظِّفَ فَاك بَعْدَ) أَكْلِك (طَعَامَك) الَّذِي فِيهِ الدَّسَمُ كَاللَّحْمِ وَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ بِالْمَضْمَضَةِ مَعَ الِاسْتِيَاكِ وَلَوْ بِإِصْبَعِكَ لِتُزِيلَ أَثَرَ الطَّعَامِ مِنْ أَسْنَانِك، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ فَاهُ وَقَالَ: إنَّ فِيهِ دَسَمًا» وَإِنَّمَا نُدِبَ تَنْظِيفُهُ لِدَفْعِ مَا يَبْقَى مِنْ تَغْيِيرِ طَعْمِ الْفَمِ، وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي نَدْبَ التَّنْظِيفِ وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ لَا دَسَمَ فِيهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ فِيهِ دَسَمًا يَقْتَضِي أَنَّ مَا لَا دَسَمَ فِيهِ لَا يُنْدَبُ تَنْظِيفُهُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي نَدْبَ التَّنْظِيفِ مُطْلَقًا.
(وَإِنْ غَسَلْت يَدَك مِنْ الْغَمَرِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمِيمِ رِيحُ الطَّعَامِ، (وَ) مِنْ (اللَّبَنِ) أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ دَسَمٌ (فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ غَسْلُ فَمٍ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنٍ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ اللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَيُقِلَّ الْغَمَرُ، وَالنَّدْبُ عَامٌّ أَرَادَ الصَّلَاةَ أَمْ لَا، خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ خَلِيلٍ وَالْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ غَسْلُ الْفَمِ وَتَنْظِيفُهُ وَلَا الْيَدِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَأْكُولُ أَوْ الْمَشْرُوبُ فِيهِ دَسَمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ لَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» . مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا لَا غَمَرَ فِيهِ وَلَا دَسَمَ كَالْعَدَسِ وَالتَّمْرِ لَا يُنْدَبُ لَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ مِنْهُ وَلَا فَمِهِ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا أَكَلَ مَا لَا دَسَمَ فِيهِ يَمْسَحُ كَفَّهُ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ الْأَكْلِ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ.
وَقَوْلُنَا غَمَرٌ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمِيمِ احْتِرَازٌ عَنْ مَضْمُومِ الْغَيْنِ سَاكِنِ الْمِيمِ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَاهِلُ، وَعَنْ مَكْسُورِ الْغَيْنِ فَهُوَ الْحِقْدُ، وَعَنْ مَفْتُوحِ الْغَيْنِ سَاكِنِ الْمِيمِ فَهُوَ السِّتْرُ نَحْوُ غَمَرَ الْمَاءَ وَالْأَرْضَ غَمْرًا سَتَرَهَا.

(وَ) مِنْ الْآدَابِ اللَّاحِقَةِ لِلْأَكْلِ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَك أَنْ (تُخَلِّلَ) أَيْ تُزِيلَ (مَا تَعَلَّقَ بِأَسْنَانِك) وَدَخَلَ بَيْنَهَا (مِنْ الطَّعَامِ) لِخَبَرِ: «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْحَلَالِ فَإِنَّهَا مَجَالِسُ الْمَلَائِكَةِ» وَلَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بَيْنَ الْأَسْنَانِ، وَيُتَخَلَّلُ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ الِاسْتِيَاكُ بِهِ.
(تَتِمَّةٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَلْعٍ مِنْ مَا يُخْرِجُ الْأَسْنَانُ عِنْدَ تَخْلِيلِهَا، وَالْحُكْمُ الْجَوَازُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي الصَّلَاةِ فِي السَّهْوِ، وَتَعَمُّدِ بَلْعِ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِعَدَمِ تَغَيُّرِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ فَلَا يَجُوزُ بَلْعُهُ لِأَنَّهُ صَارَ نَجِسًا، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي نَجَاسَتِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: نَجَاسَةُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ تَغَيُّرِهِ بَلْ لِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ مُخَالَطَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ، فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَدْخَلِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَجُوزُ بَلْعُهُ.
وَفِي التَّتَّائِيِّ أَيْضًا: وَإِذَا تَغَيَّرَ لَمْ يَجُزْ بَلْعُهُ.

(وَنَهَى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْأَكْلِ

وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ وَتَنَاوَلْ إذَا شَرِبْت مِنْ عَلَى يَمِينِك

وَيُنْهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِتَابِ

وَعَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِمًا

وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ أَوْ الثُّومَ أَوْ الْبَصَلَ نِيئًا أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ

[الفواكه الدواني]

وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ) لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَشْرَبُ وَيَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَهُ يَمِينٌ.
(وَ) مِنْ الْآدَابِ أَيْضًا إذَا صَاحَبَك مَنْ هُوَ عَلَى يَمِينِك وَعَلَى يَسَارِك أَنْ (تُنَاوِلَ إذَا شَرِبْت) أَوْ أَكَلْت (مَنْ) هُوَ (عَلَى يَمِينِك) مُقَدِّمًا لَهُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَى شِمَالِك لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُقَدِّمُ مَنْ هُوَ عَلَى جِهَةِ الْيَمِينِ وَيَقُولُ: «الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ» فَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ» يَعْنِي أَعْطَاهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةُ الشَّرْعِ وَهِيَ أَنَّ الْقُرْبَ لَا يُقَدِّمُ الشَّخْصُ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ إلَّا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ إذْنُ عَائِشَةَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي دَفْنِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي كَانَتْ أَعَدَّتْهَا لِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تِلْكَ الْقَاعِدَةَ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ دَفْنَ عُمَرَ عِنْدَ النَّبِيِّ أَقْرَبُ إلَى خَاطِرِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دَفْنِهَا، فَآثَرَتْ مَا فِيهِ رِضَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا تُحِبُّهُ لِنَفْسِهَا، فَلَمْ تَنْتَقِلْ مِنْ قُرْبَةٍ إلَّا لِأَعَمَّ مِنْهَا.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْآدَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ شَرَعَ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فَقَالَ: (وَيُنْهَى) لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ، وَ) عَنْ النَّفْخِ فِي (الشَّرَابِ) خَوْفَ إصَابَةِ رِيقِهِ لِلْبَاقِي، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ فَقِيلَ لِإِهَانَةِ الطَّعَامِ وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ النَّفْخُ فِيهِ وَإِنْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَقِيلَ لِئَلَّا يُصِيبَ رِيقُهُ الْبَاقِيَ فَيُؤْذِيَ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ فَمَحِلُّ النَّهْيِ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
(وَ) يُنْهَى الشَّخْصُ أَيْضًا عَنْ النَّفْخِ فِي (الْكِتَابِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْكِتَابِ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا لَهُ أَوْ كِتَابًا كَتَبَهُ لِغَيْرِهِ خَوْفَ مَحْوِهِ وَإِهَانَتِهِ، أَوْ خَوْفَ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ إذَا كَانَ مُرْسَلًا لِلْغَيْرِ، وَالْمَطْلُوبُ فِيهِ التَّتْرِيبُ بَدَلَ النَّفْخِ، فَقَدْ كَتَبَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كِتَابَيْنِ وَتَرَّبَ أَحَدَهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْمُتَرَّبِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالشَّائِعُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ: مَا خَابَ كِتَابٌ تَرِبَ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُنْهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِتَابِ إذْ النَّاهِي هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمِمَّنْ رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ.
أَمَّا قَوْلُ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ: إنَّ الْمُصَنِّفَ انْفَرَدَ بِالْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ النَّفْخِ فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَلِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْحَدِيثِ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: انْفَرَدَ بِهِ مِنْ حَيْثُ ذِكْرِهِ لَهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ كَرَاهَةُ النَّفْخِ فِي الْكِتَابِ وَلَوْ قَصَدَ تَجْفِيفَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ بَعْضِ الشُّيُوخِ: وَالتُّرَابُ أَبْرَكُ.

(وَ) يُنْهَى عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (عَنْ الشَّرَابِ) أَوْ الْأَكْلِ أَوْ الْوُضُوءِ (فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَأَلْحَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ سَائِرَ الِاسْتِعْمَالَاتِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحُرِّمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى وَلَوْ مِنْطَقَةً وَآلَةَ حَرْبٍ، ثُمَّ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَإِنَاءُ نَقْدٍ وَاقْتِنَاؤُهُ وَإِنْ لِامْرَأَةٍ، وَيَتَعَيَّنُ كَسْرُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهَا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُقْتَنِيهِمَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا لِمَنْ يَكْسِرُهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا تُبَاعُ بِعَرْضٍ أَوْ بِنَقْدٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ مِنْ نَوْعِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ وَبِغَيْرِ نَوْعِهَا وَلَوْ مَعَ التَّفَاضُلِ حَيْثُ حَصَلَتْ الْمُنَاجَزَةُ، وَاخْتُلِفَ فِي إعَادَةِ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ أَبَدًا، وَقِيلَ فِي الْوَقْتِ، وَقِيلَ لَا إعَادَةَ، وَالْقَوْلُ بِالْأَبَدِيَّةِ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ بِالْحَرَامِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَعَصَى وَصَحَّتْ إنْ لَبِسَ حَرِيرًا أَوْ ذَهَبَا أَوْ سَرَقَ أَوْ نَظَرَ مُحَرَّمًا، وَمَنْ حَضَرَتْهُ صَلَاةٌ وَآلَةُ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ النَّقْدِ فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ الْمَاءَ بِهَا بَلْ يَتْرُكُهَا وَيَتَيَمَّمُ لِحُرْمَةِ الْوُضُوءِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَأَمَّا الْمُغَشَّى وَالْمُمَوَّهُ وَالْمُضَبَّبُ وَذُو الْحَلْقَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْحُرْمَةِ وَالْجَوَازِ فِي الْمُغَشَّى وَالْمُمَوَّهِ، وَبِالْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ فِي الْمُضَبَّبِ، وَذِي الْحَلَقَةِ، وَالرَّاجِحُ فِي الْمُغَشَّى الْمَنْعُ وَكِلَاهُمَا رُجِّحَ فِي الْمُمَوَّهِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلْقَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَأَمَّا الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْ نَحْوِ الْيَاقُوتِ وَالْجَوْهَرِ فَفِيهَا تَرَدُّدٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ، أَمَّا أَوَانِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ فَلَا نِزَاعَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهَا كَأَوَانِي الْخَشَبِ وَالْفَخَّارِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ الْمَذْكُورَاتِ قَبْلَ هَذَا الْمَحِلِّ.

(وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ) أَوْ بِالْأَكْلِ حَالَةَ كَوْنِ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ (قَائِمًا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَرِبَ قَائِمًا، وَكَذَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَقِيلَ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ فَلَا بَأْسَ لِلْإِبَاحَةِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى كَرَاهَةِ الشُّرْبِ مِنْ قِيَامٍ فَضَعِيفٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا الْأَكْلُ مِنْ قِيَامٍ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الشُّرْبِ حَالَ الْمَشْيِ.

(وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ لَا يَجُوزُ (لِمَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ) بِالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَالْمُثَلَّثَةِ.
(أَوْ الثُّومَ) بِالْمُثَلَّثَةِ الْمَضْمُومَةِ.
(أَوْ الْبَصَلَ) حَالَةَ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (نِيئًا) بِالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ أَيْ مَطْبُوخٌ (أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) أَيْ كُلَّ مَسْجِدٍ وَلَوْ خَالِيًا كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْبَاجِيُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا

وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا

وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ

وَنُهِيَ عَنْ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ مَعَ الْأَصْحَابِ الشُّرَكَاءِ

[الفواكه الدواني]

يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . وَقَالَ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا وَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» فَأَلْ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَ مَسْجِدِ الْخُطْبَةِ، وَيَتَنَاوَلُ مُصَلَّى الْعِيدِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَجَالِسُ الْعِلْمِ، وَحِلَقُ الذِّكْرِ، وَمَجْمَعُ الْوَلَائِمِ الْمَطْلُوبُ الِاجْتِمَاعُ فِيهَا، وَأُلْحِقَ بِالْمَذْكُورَاتِ الْفُجْلُ وَمَنْ بِفَمِهِ نَحْرٌ أَوْ بِجَسَدِهِ جُرْحٌ مُنْتِنٌ، وَمَنْ يَغْتَابُ النَّاسَ فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ حُضُورُ مَجَالِسِ الْجَمَاعَاتِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنْ لَا يَنْبَغِيَ بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ خَلِيلٍ حَيْثُ جَعَلَ أَكْلَ كَالثُّومِ أَوْ الْبَصَلِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ مَكْرُوهًا لِمَنْ أَكَلَهَا لِمَا جَازَ لَهُ التَّخَلُّفُ لِأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ وَاجِبٌ لِمَكْرُوهٍ، وَعِنْدَ ابْنِ نَاجِي وَغَيْرِهِ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ نِيئًا يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْمَطْبُوخَ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُخَلَّلُ لَا يُمْنَعُ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَفْهُومُ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ أَوْ الثُّومَ نِيئًا أَنْ يَدْخُلَ نَحْوَ السُّوقِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصَ مُرُوءَةٍ.

(وَيُكْرَهُ) لِمَنْ شَرَعَ فِي الْأَكْلِ عَلَى جِهَةِ التَّنْزِيهِ (أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا) بِأَنْ يَأْكُلَ مَائِلًا عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ وَقِيلَ مُتَرَبِّعًا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْلِسَ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنَّهُ كَانَ يَضَعُ إحْدَى فَخِذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِحْدَى سَاقَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ وَيَأْكُلُ وَيَقُولُ: «أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ إمَّا فِعْلُ الْأَعَاجِمِ وَالْجَبَابِرَةِ أَوْ يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْأَكْلِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ: إنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ، وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَالسُّنَّةُ الْأَكْلُ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا، وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ، وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى ظَهْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ، وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ.

(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (الْأَكْلُ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ) بِالْمُثَلَّثَةِ الْخُبْزُ الْمَفْتُوتُ فِي نَحْوِ الْقَصْعَةِ لِمَا وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَلَى وَسَطِهَا وَتَحِلُّ فِي جَوَانِبِهَا» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّفْحَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا وَمِثْلُ الثَّرِيدِ سَائِرُ الطَّعَامِ حَتَّى الرَّغِيفُ لَا يَأْكُلُ مِنْ وَسَطِهِ، بَلْ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَكَلَ مِنْ طَرَفِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ قَسَمَهُ أَجْزَاءً يَجْعَلُ فِي كُلِّ حَاشِيَةٍ إنْ أَمْكَنَهُ، وَيَقْسِمُهُ بِيَدِهِ وَلَا يَقْسِمُهُ بِنَحْوِ الْخِنْجَرِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعْجَامِ، وَالسُّنَّةُ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ، وَالسُّنَّةُ فِي أَكْلِهِ النَّهْشُ وَهُوَ أَفْضَلُ الْإِدَامِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ» . وَقَالَ: «سَيِّدُ إدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ، وَسَيِّدُ شَرَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْمَاءُ» .

(وَنَهَى) الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (عَنْ الْقِرَانِ فِي) أَكْلِ (التَّمْرِ) حَتَّى يَسْتَأْذِنَ مَرِيدُ الْقِرَانِ أَصْحَابَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَمَعْنَى الْقِرَانِ جَمْعُ التَّمْرَتَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، بَلْ الْأَدَبُ أَكْلُ كُلِّ تَمْرَةٍ وَحْدَهَا، ثُمَّ بَيْنَ حَمْلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ) النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ (مَعَ الْأَصْحَابِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ) أَيْ التَّمْرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: وَنَهَى إلَخْ، وَلِذَا قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَتَبِعَهُ الشَّاذِلِيُّ وَالْقِيلُ تَفْسِيرٌ لِلْعُمُومِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ عَقِبَ كَلَامِهِمَا: فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي حَكَى الْمَشْهُورَ فِيهَا بِقِيلٍ.
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ عَنْ الْقِرَانِ إذَا كَانَ مَعَ جَمَاعَةٍ شُرَكَاءَ فِي التَّمْرِ إمَّا بِمِلْكٍ بِشِرَاءٍ أَوْ بِتَقْدِيمٍ مِنْ الْغَيْرِ لَهُمْ وَاسْتَوَوْا فِي الشَّرِكَةِ، فَلَا يَأْخُذُ وَاحِدٌ تَمْرَتَيْنِ فِي مَرَّةٍ إلَّا بَعْدَ إذْنِ أَصْحَابِهِ لِيُسَاوُوهُ، وَلَا يَسْتَبِدُّ بِالزِّيَادَةِ دُونَهُمْ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ لِلْأَدَبِ أَوْ لِئَلَّا يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ نَهْيَ كَرَامَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لِلْحُرْمَةِ قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فِي التَّمْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ نَحْوُ التِّينِ وَالزَّبِيبِ، وَالْمُصَنِّفُ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْرِ تَبَعًا لِلْحَدِيثِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا خَصَّ التَّمْرَ لِأَنَّهُ غَالِبُ اسْتِعْمَالِهِمْ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا أَدْخَلْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الطَّعَامَ الْمُقَدَّمَ لَهُمْ مِنْ الْغَيْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ الْمُقَدَّمَ لِلضُّيُوفِ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ، وَمُقَابِلُهُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْأَكْلِ، وَقِيلَ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ، وَعَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ الضُّيُوفِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا شَيْئًا مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْأَكْلِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِهِ بِالدُّخُولِ وَالتَّقْدِيمِ.
الثَّانِي: الطَّعَامُ الْمَصْنُوعُ بِالْقَهْرِ عَلَى صَاحِبِهِ كَالْمَصْنُوعِ لِلظَّلَمَةِ وَالْمُحَارِبِينَ، وَمِنْهُ الْوَجْبَةُ الْمَعْرُوفَةُ لِلْفَلَّاحِينَ هَلْ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ تَقْدِيمِهِ؟ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ مِنْهُ أَوْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، فَيَجُوزُ لِلْغَيْرِ الْأَكْلُ مِنْهُ، هَكَذَا قَالَ

فِيهِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَعَ أَهْلِك أَوْ مَعَ قَوْمٍ تَكُونُ أَنْتَ أَطْعَمْتهمْ

وَلَا بَأْسَ فِي التَّمْرِ وَشِبْهِهِ أَنْ تَجُولَ يَدُك فِي الْإِنَاءِ لِتَأْكُلَ مَا تُرِيدُ مِنْهُ

وَلَيْسَ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ مِنْ السُّنَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا أَذًى وَلْيَغْسِلْ يَدَهُ وَفَاهُ بَعْدَ الطَّعَامِ مِنْ الْغَمْرِ

وَلْيُمَضْمِضْ فَاهُ مِنْ اللَّبَنِ وَكُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ بِالطَّعَامِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْقَطَانِيّ وَكَذَلِكَ بِالنُّخَالَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ

وَلْتُجِبْ إذَا دُعِيت إلَى وَلِيمَةِ الْمُعْرِسِ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَهْوٌ مَشْهُورٌ وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ

وَأَنْتَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ

وَقَدْ

[الفواكه الدواني]

بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى الْمُقَدَّمِ لِلضَّيْفِ.
وَلِي فِيهِ بَحْثٌ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، إذْ مَا تَقَدَّمَ يَسْمَحُ بِهِ مَالِكُهُ لِلضَّيْفِ غَالِبًا بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، فَيَقْوَى جَانِبُ التَّمْلِيكِ وَالْمَصْنُوعُ لِلظَّلَمَةِ لَمْ يَسْمَحْ بِهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ مَالِكِهِ إذَا كَانَ يُؤْكَلُ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَ مَالِكِهِ، وَأَمَّا لَوْ غَيَّرَهُ الظَّالِمُ كَخَرُوفٍ ذَبَحَهُ وَطَبَخَهُ فَهَذَا يَمْلِكُهُ الظَّالِمُ بِتَفْوِيتِهِ عَلَى رَبِّهِ، فَيَجُوزُ لِلْغَيْرِ الْأَكْلُ مِنْهُ، قِيلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ عَلِمَ مُرِيدُ الْأَكْلِ أَنَّ الظَّالِمَ يَدْفَعُ قِيمَتَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ، هَذَا مَا تَحَرَّرَ لِي أَخْذًا، مِنْ كَلَامِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ الْقِرَانِ إنَّمَا هُوَ فِي الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْآكِلِينَ ذَكَرَ مَا لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِمُرِيدِ الْقِرَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْقِرَانِ (مَعَ أَهْلِك) كَزَوْجَتِك أَوْ أَوْلَادِك اللَّازِمِ لَك نَفَقَتُهُمْ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَك وَلَا يَلْزَمُك التَّأَدُّبُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَزِمَهُمْ لَك.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِهِ (مَعَ قَوْمٍ تَكُونُ أَنْتَ أَطْعَمْتَهُمْ) عَلَى وَجْهِ الضِّيَافَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بِالْأَكْلِ، وَأَمَّا عَلَى مِلْكِهِمْ بِالتَّقْدِيمِ أَوْ بِالدُّخُولِ فَيُنْهَى عَنْهُ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُمْ.

وَلَمَّا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ الشَّخْصُ مِمَّا يَلِيهِ إذَا أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ ذَكَرَ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ فِي) حَالِ أَكْلِك مِنْ (التَّمْرِ وَشِبْهِهِ) مِنْ سَائِرِ الْفَوَاكِهِ (أَنْ تَجُولَ يَدُك فِي الْإِنَاءِ) الَّذِي تَأْكُلُ أَنْتَ وَغَيْرُك مِنْهُ تَمْرًا أَوْ شِبْهَهُ فَتُرْسِلَ يَدَك فِيهِ يَمِينًا وَشِمَالًا.
(فَتَأْكُلُ مَا تُرِيدُ مِنْهُ) لِاخْتِلَافِ أَفْرَادِ التَّمْرِ وَشِبْهِهِ، وَأَلْحَقُوا بِهِ الْأَطْعِمَةَ الْمُخْتَلِفَةَ نَحْوَ عَدَسٍ وَيَخْنَى وَأَرُزٍّ فَتَأْكُلُ مِمَّا تُرِيدُهُ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَإِذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك أَكَلْت مِمَّا يَلِيك، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «أَنَّ عِكْرَاشًا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَرِيدًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَتَى بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَعَلْت آكُلُ بَيْنَ يَدِي وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت لِأَنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» .

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ غَسْلُ الْيَدِ بَعْدَ الْأَكْلِ مِنْ الْغَمَرِ، بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ غَسْلُهَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ) أَكْلِ (الطَّعَامِ مِنْ السُّنَّةِ) بَلْ مَكْرُوهٌ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَإِنْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِغَسْلِهَا قَبْلَ الطَّعَامِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَقُولُ: قَدْ تَقَرَّرَ جَوَازُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْأَعْمَالِ، وَالْمَسْأَلَةُ هُنَا مِنْ الْعَمَلِ، فَلَعَلَّ الْأَوْلَى الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَبَعْدَهُ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَنْفِي اللَّمَمَ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ الْغَسْلَ الْيَوْمَ قَبْلَ الْأَكْلِ مِنْ شَعَائِرِ الْأَكَابِرِ وَمَا كُلُّ بِدْعَةٍ مَذْمُومَةٌ وَمَحِلُّ النِّزَاعِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) قَدْ حَلَّ (بِهَا أَذًى) أَيْ قَذَرٌ وَلَوْ طَاهِرًا فَإِنَّهُ يُطْلَبُ غَسْلُهُ وُجُوبًا إنْ كَانَ نَجِسًا وَنَدْبًا إنْ كَانَ طَاهِرًا، وَرُبَّمَا يَجِبُ إنْ كَانَ عَدَمَ الْغَسْلِ يُؤْذِي غَيْرَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ يَمْتَخِطُ بِيَمِينِهِ وَأَرَادَ الْأَكْلَ بِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَكْلِ مَعَ غَيْرِهِ غَسْلُهَا هَكَذَا يَنْبَغِي، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّعَامِ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا حَارًّا أَوْ بَارِدًا لِامْتِهَانِ الطَّعَامِ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ بِالْيَدِ الْقَذِرَةِ.
(تَنْبِيهٌ) الِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ مِنْ الْأَذَى إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ وَكِلَاهُمَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ، وَاسْتَقْرَبَ ابْنُ نَاجِي اتِّصَالُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مِنْ الْأَذَى إنَّمَا جَاءَ بِالسُّنَّةِ أَيْ عُلِمَ مِنْ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ نَاسَبَ ذِكْرَ مَفْهُومٍ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَغْسِلْ) نَدْبًا (يَدَهُ وَفَاهُ بَعْدَ الطَّعَامِ مِنْ الْغَمَرِ) وَيُقَالُ لَهُ الْوَدَكُ.

(وَلْيُمَضْمِضْ فَاهُ مِنْ اللَّبَنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ غَسْلُ فَمٍ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنٍ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ لَوْلَا زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ نَدْبِ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ الْغَمْرِ جَوَازُ غَسْلِهَا بِكُلِّ مُزِيلٍ لَهُ قَالَ: (وَكُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ بِالطَّعَامِ) كَالدَّقِيقِ (أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْقَطَانِيِّ) كَدِقَاقِ التُّرْمُسِ عِنْدَنَا بِمِصْرَ (وَكَذَلِكَ) أَيْ يُكْرَهُ الْغَسْلُ (بِالنُّخَالَةِ) الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْقَمْحِ، وَأَمَّا نُخَالَةُ الشَّعِيرِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْغَسْلِ بِهَا.
وَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ الْمَذْكُورَةُ غَيْرَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا قَالَ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الطَّعَامِ وَمَا بَعْدَهُ بِالْجَوَازِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَثِيرًا مَا كَانُوا يَمْسَحُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ بِأَقْدَامِهِمْ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ، وَبِالْكَرَاهَةِ لِإِهَانَةِ الطَّعَامِ وَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ.
وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْكَرَاهَةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الرَّخَاءِ وَالْغَلَاءِ، وَمُقَابِلُ الْكَرَاهَةِ الْإِبَاحَةُ وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْجُلُبَّانِ وَالْفُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأَ بِهِ وَيُتَدَلَّكَ بِهِ فِي الْحَمَّامِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا صُدِّرَ بِهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَلْتُجِبْ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ عَلَى جِهَةِ

أَرْخَصَ مَالِكٌ فِي التَّخَلُّفِ لِكَثْرَةِ زِحَامِ النَّاسِ فِيهَا.

[الفواكه الدواني]

الْوُجُوبِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (إذَا دُعِيت) أَيْ طُلِبْت (إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ) أَيْ النِّكَاحُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ فَلْيَأْتِهَا» وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَالْعِصْيَانُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: دُعِيت أَنَّ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ مَشْرُوطٌ بِالدَّعْوَةِ وَبِتَعْيِينِ الْمَدْعُوِّ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عَيَّنَ وَإِنْ صَائِمًا، وَتَعْيِينُهُ يَحْصُلُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْعُرْسِ: تَحْضُرُ عِنْدَنَا فِي وَقْتِ كَذَا، أَوْ بِقَوْلِهِ لِشَخْصٍ: اُدْعُ لِي فُلَانًا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَرْسَلَ لَهُ وَرَقَةً فِيهَا اسْمُهُ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ: اُدْعُ لِي أَهْلَ الْمَحِلِّ الْفُلَانِيِّ وَهُمْ مَحْصُورُونَ، لَا إنْ قَالَ: اُدْعُ لِي مَنْ لَقِيت.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ حُكْمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَلَا كَوْنِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا كَوْنِهَا مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهَا النَّدْبُ عَلَى الزَّوْجِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَبْحٌ وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَيَحْصُلُ النَّدْبُ بِفِعْلِهَا وَلَوْ مَرَّةً، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَثِيرَ الْمَالِ، وَاسْتَحَبَّهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِأَهْلِ السَّعَةِ أُسْبُوعًا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَطْلُوبِيَّةِ إفْشَاءِ النِّكَاحِ إلَّا أَنْ لَا يَقْصِدَ الزَّوْجُ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ مُنَافٍ لِنَدْبِ فِعْلِهَا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ إذْ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مَنْدُوبًا وَيَجِبُ بِسَبَبِهِ أَشْيَاءُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى مَنْدُوبَةٌ وَيَجِبُ لَهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَابْتِدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ وَيَجِبُ رَدُّهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْإِجَابَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ) أَيْ فِي مَحَلِّ الْوَلِيمَةِ (لَهُمْ مَشْهُورٌ) أَيْ ظَاهِرٌ بِحَيْثُ يُخَالِطُهُ الْمَدْعُوُّ وَهُوَ مِمَّا يَحْرُمُ حُضُورُهُ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ) أَيْ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ، كَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، أَوْ الْجُلُوسِ عَلَى الْفُرُشِ الْكَائِنَةِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَوْ الِاتِّكَاءِ عَلَى وَسَائِدَ مَصْنُوعَةٍ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْجُلُوسُ مِنْك أَوْ مِنْ غَيْرِك بِحَضْرَتِك، وَلَا تَزُولُ الْحُرْمَةُ بِوَضْعِ حَائِلٍ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عَيَّنَ وَإِنْ صَائِمًا إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُنْكَرٌ كَفَرْشِ حَرِيرٍ وَصُوَرٍ كَجِدَارٍ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ الْمَدْعُوُّ، وَأَنْ لَا يَخُصَّ الْفَاعِلَ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا جَلَسَ جَمَاعَةٌ لِلْأَكْلِ تَقِفُ جَمَاعَةٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ يَنْظُرُونَهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ كَثْرَةُ زِحَامٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْبَابُ مَغْلُوقًا بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَلْقُ لِمَنْعِ مَنْ يَضُرُّ دُخُولُهُ، وَأَنْ تَكُونَ الْوَلِيمَةُ لِمُسْلِمٍ فَلَا تَجِبُ إجَابَةٌ لِوَلِيمَةِ كَافِرٍ، وَمَفْهُومُ الْعُرْسِ أَنَّ وَلِيمَةَ غَيْرِهِ لَا تُجَابُ بَلْ تُكْرَهُ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إتْيَانَ طَعَامِ غَيْرِ الْعُرْسِ، وَأَرَى إنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ صَدِيقًا أَوْ جَارًا أَوْ قَرِيبًا كَانَ طَعَامُهُ كَالْعُرْسِ.
وَبَحَثَ الْأُجْهُورِيُّ فِي قَوْلِهِ كَالْعُرْسِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ كَرَاهَةِ الْحُضُورِ، وَأَقُولُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ إبْقَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ اقْتِضَائِهِ الْوُجُوبَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ إجَابَةِ نَحْوِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ الْمَنْهِيِّ الْمُكَلَّفُ عَمَّا يُوجِبُهُمَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْقِيَامَ لِمَنْ يُعَادِيك بِتَرْكِهِ، وَمَفْهُومٌ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ هُنَاكَ مُبَاحٌ كَضَرْبِ الْغِرْبَالِ وَالْغِنَاءِ الْخَفِيفِ لَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَضَرَ ضَرْبَ الدُّفِّ وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَلَمَّا كَانَ الْأَكْلُ غَيْرَ لَازِمٍ لِمَنْ حَضَرَ الْوَلِيمَةَ قَالَ: (وَأَنْتَ) يَا حَاضِرَ الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ (فِي الْأَكْلِ) إنْ كُنْت مُفْطِرًا (بِالْخِيَارِ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْك الْأَكْلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمُقَابِلُهُ الْوُجُوبُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي وُجُوبِ أَكْلِ الْمُفْطِرِ تَرَدُّدٌ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاضِرِهَا: «فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ يَدْعُو مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلصَّائِمِ الْفِطْرُ وَلَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ أَفْطَرَ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ الْحَرَامِ.

(وَقَدْ أَرْخَصَ مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فِي التَّخَلُّفِ) عَنْ حُضُورِ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ (لِكَثْرَةِ زِحَامٍ) وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُ التَّخَلُّفِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحُضُورِ عِنْدَ الزِّحَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَلَا سِيَّمَا كَثْرَةُ الزِّحَامِ غَالِبًا مِنْ السَّفَلَةِ وَمِمَّنْ تُزْرِي مُجَالَسَتُهُمْ، وَفُهِمَ مِنْ سَوَابِقِ الْكَلَامِ وَلَوَاحِقِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حُضُورُ الْوَلِيمَةِ إلَّا بِإِذْنٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ صَاحِبِ الْوَلِيمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَلِيمَةِ.

[بَابٌ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي]

ثُمَّ شَرَعَ فِي أُمُورٍ مُهِمَّةٍ جَامِعًا لَهَا بَابٌ بِقَوْلِهِ:

بَابٌ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي وَالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالْقَوْلِ فِي السَّفَرِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ

وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا

وَالسَّلَامُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَقُولَ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ

[الفواكه الدواني]

(بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (السَّلَامِ، وَ) فِي حُكْمِ (الِاسْتِئْذَانِ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ لِبَيْتِ غَيْرِك فِي حُكْمِ (التَّنَاجِي، وَ) فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ صِفَةِ (الْقِرَاءَةِ، وَ) فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ (الدُّعَاءِ) وَالنَّصِّ عَلَيْهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (ذِكْرِ اللَّهِ) - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - (وَ) فِي بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ (الْقَوْلِ فِي السَّفَرِ) وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُرَتِّبْ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى حُكْمِ التَّرْجَمَةِ بَلْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فِيمَا بَعْدَ السَّلَامِ فَقَالَ: (وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَكْفِي فِي أَدَائِهِ وُقُوعُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ وَمُقَابِلُهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] وَالسُّنَّةُ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُدِّمَ حُكْمُ الرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّصْدِيرَ بِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ مَقْصِدٌ.

(وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَدَلَّ عَلَى طَلَبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] أَيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَوَصَفَ السُّنَّةَ بِقَوْلِهِ: (مُرَغَّبٌ فِيهَا) أَيْ مُشَدَّدٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ: «مَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَتَبَ لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً» وَتِلْكَ السُّنَّةُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ عَرَفْتَهُ أَوْ لَمْ تَعْرِفْهُ، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ قَارِئًا أَوْ آكِلًا أَوْ شَارِبًا أَوْ مُشْتَغِلًا بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ أَصَمَّ عَلَى مَا يَنْبَغِي سِوَى شَابَّةٍ لَيْسَتْ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمِ، وَسِوَى قَاضِي الْحَاجَةِ أَوْ مُلَبٍّ وَمُؤَذِّنٍ وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ وَكَافِرٍ وَسَكْرَانَ وَمَجْنُونٍ وَنَائِمٍ، وَمَنْ تَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَلَامَك فَهَؤُلَاءِ لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ رَدًّا.
قَالَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فِي السَّلَامِ عَلَى قَاضِي الْحَاجَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُلَبِّي، وَقَالَهُ غَيْرُهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الشَّابَّةِ فَلَا تَرُدُّ سَلَامًا وَلَا تَبْتَدِئُ بِسَلَامٍ.
وَيَظْهَرُ أَنَّ غَيْرَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَبْقَى النَّظَرُ لَوْ سَلَّمَ وَاحِدٌ مِمَّنْ لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ هَلْ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ أَوْ لَا؟ وَيَظْهَرُ عَدَمُ وُجُوبِ رَدِّ سَلَامِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ هِجْرَانُهُ، لِأَنَّهُ إمَّا بِدْعِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
وَقَوْلُنَا: وَلَوْ صَبِيًّا «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَرَّ عَلَى صِبْيَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا رَدُّ سَلَامِ الصِّبْيَانِ، وَيَكْفِي رَدُّهُ عَلَى جَمَاعَةٍ بَالِغِينَ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَلَنَا فِيهِ وَقْفَةٌ لِأَنَّ الرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِينَ، وَرَدُّ الصَّبِيِّ غَيْرُ فَرْضٍ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكْفِي عَنْ الْفَرْضِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، فَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِرَدِّهِ عَنْ الْبَالِغِينَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ عَلَى الْبَالِغِ، وَمَا فِي النَّظْمِ الْمَشْهُورِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْته لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَمَّ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ بَصِيرًا، لِأَنَّ السَّلَامَ أَمَانٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّأْمِينِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ يَكُونُ بِمَا يَفْهَمُ مِنْهُ السَّلَامُ، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا رَدُّ سَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ حَيْثُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ سَلَامٌ، كَذَا ظَهَرَ لِي لِأَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَدْ جَرَى الْخِلَافُ مِنْ الشُّيُوخِ فِي أَفْضَلِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى رَدِّهِ وَعَكْسِهِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَفْضَلِيَّةَ الرَّدِّ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ.
وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَفْضَلِيَّةَ الِابْتِدَاءِ مَعَ كَوْنِهِ سُنَّةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عُهِدَ تَفْضِيلُ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْفَرْضِ وَذَلِكَ كَإِبْرَاءِ

السَّلَامُ أَوْ يَقُولَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ

وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ إلَى الْبَرَكَةِ أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّك وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ

[الفواكه الدواني]

الْمُعْسِرِ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ مَعَ وُجُوبِهِ.
الثَّانِي: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَالرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَطْلُوبَ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ عَنْ الْبَعْضِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ لِلْجَمِيعِ الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ أَوْ قَاصِرٌ عَلَى الْفَاعِلِ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ قَاصِرٌ عَلَى الْفَاعِلِ، وَثَوَابُ سُقُوطِ الطَّلَبِ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَاعِلُ وَغَيْرُهُ.

[صِفَةُ السَّلَامِ]

(وَ) صِفَةُ (السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُسَلِّمُ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِزِيَادَةِ مِيمِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا لِأَنَّ مَعَهُ الْحَفَظَةَ وَهُمْ كَجَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك لَمْ يَكُنْ مُسَلِّمًا، وَهَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الصِّفَةِ، لَكِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: 73] وَ ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ [هود: 69] قَالَ: سَلَامٌ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّنْكِيرِ، فَلَيْسَ السَّلَامُ هُنَا كَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَلِذَا قَالَ فِي الْقَبَسِ: وَقَدْ قَالَ مُعَرِّفًا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَمُنَكِّرًا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا نَكَّرَ فَهُوَ مَصْدَرٌ، وَإِذَا عَرَّفَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُعَرَّفًا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ مُنَكَّرًا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أَلْقَيْت عَلَيْك سَلَامَةً، وَإِذَا كَانَ مُعَرَّفًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْك.
هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِلَفْظِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ تَنْكِيرِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ شَيْءٌ لِأَنَّ تَحِيَّتَنَا لَا تُقَاسُ عَلَى تَحِيَّةِ اللَّهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى لَفْظِ السَّلَامِ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلَامَ الِابْتِدَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ لَامِ التَّعْرِيفِ وَمِيمِ الْجَمْعِ، بِخِلَافِ سَلَامِ الرَّدِّ.
(وَ) صِفَةُ الرَّدِّ أَنْ (يَقُولَ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ وَبِالْوَاوِ مُسْمِعًا لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَتَكْفِي الْإِشَارَةُ إلَى الْأَصَمِّ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ إلَّا إنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ كَالْإِشَارَةِ، وَمِثْلُ الرَّدِّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ مُصَلِّيًا، وَمَا يَصْدُرُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِبْرِ مِنْ رَدِّهِمْ بِالْإِشَارَةِ بِنَحْوِ الرَّأْسِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى النُّطْقِ فَلَا يَكْفِي، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَوْ الْمُتَعَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ الْإِشَارَةُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ بَعِيدًا عَنْ الْمُسَلِّمِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ بِالسَّلَامِ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِفَةِ السَّلَامِ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُبْتَدَأِ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَالْأَوْلَى فِعْلُهُ وَإِنْ جَازَ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَيَقُولَ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الرَّدِّ، وَالرَّدُّ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى لَفْظِ الْمُبْتَدَأِ، فَالسَّلَامُ هُنَا كَسَلَامِ الصَّلَاةِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، فَلَيْسَتْ الْعِبَادَةُ جَارِيَةً عَلَى سُنَنِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الرَّادُّ لَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ قَالَ: (أَوْ يَقُولُ) الرَّادُّ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْخَبَرِ.
(كَمَا قِيلَ لَهُ) أَيْ الْمُرَادُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْجُمْلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَلَامَ الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا، وَمَا هُنَا مُنَكَّرٌ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْك السَّلَامُ بِحَذْفِ الْمِيمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَجْزَأَ فِي تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ سَلَامٌ عَلَيْك: وَعَلَيْك السَّلَامُ، فَيَكُونُ الْجَوَازُ هُنَا أَوْلَى وَحَرَّرَهُ، وَأَمَّا سَلَامٌ عَلَيْك بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَحَذْفِ مِيمِ عَلَيْكُمْ وَتَقْدِيمِ لَفْظِ السَّلَامِ فَلَا يَكْفِي كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ اللَّحْنُ هُنَا قَطْعًا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاوِ غَيْرُ لَازِمٍ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: مَوْضِعَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا وَتَرْكُهَا: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِثْبَاتُهَا يَقْتَضِي مَعْطُوفًا وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ فَيَصِيرُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى السَّلَامِ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلِّمًا عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي الصَّلَاةِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَلَك الثَّنَاءُ فَيَكُونُ مُثْنِيًا عَلَى اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَبِغَيْرِ وَاوٍ يَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَهَذَا يَتَرَجَّحُ إثْبَاتُهَا عَلَى حَذْفِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ أَوْ الْخَبَرِ وَإِنْ جَازَ فِي الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الِاكْتِفَاءُ بِلَفْظِ السَّلَامِ فَقَطْ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ هُنَا فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالسَّلَامِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ كَمَا شَرَطُوهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُكْتَفَى بِالْعَجَمِيَّةِ وَلَوْ مِنْ الْقَادِرِ؟ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّحِيَّةِ التَّأْمِينُ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَيَظْهَرُ الِاكْتِفَاءُ لِأَنَّ أَمْرَ الصَّلَاةِ أَشَدُّ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.

وَلَمَّا بَيَّنَ مَا يَكْفِي فِي السُّنَّةِ وَأَدَاءِ الْوَاجِبِ شَرَعَ فِي مُنْتَهَاهُ بِقَوْلِهِ: (وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ) فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ الرَّدِّ عِنْدَ إرَادَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ (إلَى الْبَرَكَةِ) وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْك شَخْصٌ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَلَكَ (أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّكَ) عَلَيْهِ

اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَا تَقُلْ فِي رَدِّك سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك

وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ

وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ

وَالْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ

وَكَرِهَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ وَأَجَازَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ

[الفواكه الدواني]

(وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) وَلَا تَتَجَاوَزْ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَزَادَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ وَقَالَ لَهُ: إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ وَاجِبَةٌ حَيْثُ أَتَى بِهَا الْمُسَلِّمُ عَلَيْك كَمَا قَرَّرْنَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْك: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَيَجُوزُ زِيَادَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] فَقَوْلُهُ: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: 86] إذَا كَانَ الْمُسَلِّمُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَإِذَا كَانَ الْمُسَلِّمُ انْتَهَى إلَى لَفْظِ " وَبَرَكَاتُهُ " فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا.
وَلَمَّا كَانَ سَلَامُ الرَّدِّ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِسَلَامِ الِابْتِدَاءِ أُخْرِجَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (فِي الرَّدِّ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك) بِتَقْدِيمِ لَفْظِ " سَلَامُ " وَتَنْكِيرِهِ وَحَذْفِ مِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ خَبَرٌ وَإِنَّمَا هِيَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَحُمِلَ الْمَنْهِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ بِذَلِكَ فِي الرَّدِّ وَحَرَّرَهُ، وَأَمَّا سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك فَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ التَّتَّائِيِّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَدَمُ إجْزَائِهِ،

وَلَمَّا كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةَ كِفَايَةٍ قَالَ: (وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ) عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَبِيًّا وَيَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ كَالْكَبِيرِ.
(وَكَذَلِكَ) يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ (إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ سُنَّةٌ، وَالرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: أَجْزَأَ فِي سَلَامِ الْوَاحِدِ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَرَدِّ الْوَاحِد مِنْهُمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْبَدْءُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَالرَّدُّ مِنْ الْجَمِيعِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مِنْ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُسَلِّمَ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ أَوْ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لَا إجْزَاءَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ثَوَابَ الِابْتِدَاءِ أَوْ الرَّدِّ خَاصٌّ بِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ، وَأَمَّا ثَوَابُ سُقُوطِ الْخِطَابِ فَيَحْصُلُ لِلْجَمِيعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّدَّ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْبَالِغِينَ إذَا كَانَ مِنْ صَبِيٍّ مُجْزٍ وَتَقَدَّمَ لَنَا الْبَحْثُ فِيهِ.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ إجْزَاءِ الْوَاحِدِ عَنْ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ بِالسَّلَامِ وَاحِدًا بِخُصُوصِهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ الْمَقْصُودِ بِالسَّلَامِ بِخُصُوصِهِ.

وَلَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانَ، وَكَانَ الشَّأْنُ حُصُولَ خَوْفِ الْمَاشِي مِنْ الرَّاكِبِ قَالَ: (وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ) لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» وَإِنَّمَا أَمَرَ الرَّاكِبَ وَمَنْ هُوَ فِي حُكْمِهِ بِالِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ لِمَزِيَّتِهِ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَهَكَذَا يُسَلِّمُ رَاكِبُ الْفَرَسِ عَلَى رَاكِبِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ، وَرَاكِبُ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ وَالْفَرَسِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ رَاكِبُ الْفَرَسِ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ وَأَقْدَرُ عَلَى الْبَطْشِ مِنْ رَاكِبِ الْجَمَلِ، وَكَذَلِكَ يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ، وَأَمَّا إذَا تَسَاوَى شَخْصَانِ فِي الْمُرُورِ أَوْ الرُّكُوبِ فَيَظْهَرُ أَنْ يُطَالَبَ كُلُّ وَاحِدٍ حَتَّى يَبْدَأَ أَحَدُهُمَا، كَكُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ أَوْ سُنَّةِ كِفَايَةٍ، فَإِنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ لِلْجَمِيعِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَشْرَعَ فِيهِ وَاحِدٌ.
وَهَذَا عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فَيَبْتَدِئُ الْمَفْضُولُ لِأَنَّ الْأَدْنَى يُؤْمَرُ بِبِرِّ الْأَعْلَى، وَلِذَلِكَ يُسَلِّمُ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْعَبْدُ عَلَى الْحُرِّ، وَالْمُتَجَالَّةُ عَلَى الرَّجُلِ، وَاللَّاحِقُ عَلَى الْمَلْحُوقِ، وَالدَّاخِلُ عَلَى الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ بِمَا تَقَدَّمَ لَقِيلَ بِسَلَامِ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالْكَثِيرِ عَلَى الْقَلِيلِ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ السَّلَامَ أَمَانٌ، وَالْمَطْلُوبُ إيقَاعُهُ مِمَّنْ لَهُ الْقُوَّةُ عَلَى الْأَضْعَفِ مِنْهُ.
(تَنْبِيهٌ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَنْ ذُكِرَ بِالسَّلَامِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ، أَوْ الْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ، لَحَصَلَتْ السُّنَّةُ، هَكَذَا ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَلَعَلَّهُ لِظُهُورِهِ،

وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى شَخْصٍ يُصَافِحُهُ عَقِبَ السَّلَامِ، فَقَالَ: (الْمُصَافَحَةُ) وَهِيَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُتَلَاقِينَ يَدَهُ عَلَى بَاطِنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ السَّلَامِ.
(حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِخَبَرِ: «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» . وَلِخَبَرِ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ اخْتِطَافُ الْيَدِ بِأَثَرِ التَّلَاقِي قَبْلَ فَرَاغِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ، وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ يَدَهُ عَلَى يَدِ مُصَافِحِهِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَإِذَا نَزَعَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ لَا يُقَبِّلُ يَدَهُ وَلَا يَدَ صَاحِبِهِ لِمَا يَأْتِي عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، لَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، وَلَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ أَوْ مُبْتَدَعٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِ الْمُصَافَحَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي

وَكَرِهَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ

وَلَا تُبْتَدَأُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ فَلَا يَسْتَقْبِلُهُ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلِيَقُلْ عَلَيْك وَمَنْ قَالَ عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ

[الفواكه الدواني]

لَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَيَلْزَمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَأَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الِانْحِنَاءِ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ الشَّرْعِيِّ.

(وَكَرِهَ مَالِكٌ) كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً (الْمُعَانَقَةَ) وَهِيَ جَعْلُ الرَّجُلِ عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَهَا إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ، وَلَمْ يَجْرِ الْعَمَلُ بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. (وَأَجَازَهَا) سُفْيَانُ (بْنُ عُيَيْنَةَ) قَالَ فِي (الذَّخِيرَةِ) : وَجَوَّزَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ فَصَافَحَهُ وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَوْلَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُكَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْك وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ.
قَالَ سُفْيَانُ: بَلْ عَامٌّ مَا يَخُصُّ جَعْفَرًا يَخْصُصْنَا، وَمَا يَعُمُّهُ يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ، أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ اعْتَنَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: جَعْفَرٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَخُلُقًا مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْت بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ» . وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا وَلِنُفْرَةِ النُّفُوسِ عَنْهَا غَالِبًا، وَإِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَانُ مَعَ عِلْمِ مَالِكٍ بِهِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ مَالِكٌ بِالتَّحْدِيثِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَدِيثِ لَعَلَّهُ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهِ لِأَنَّهُ اسْتَجَازَهُ فِي التَّحْدِيثِ وَمِنْ التَّلَطُّفِ بِهِ الْإِذْنُ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ الْمُعَانَقَةَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ وَقَدِمَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ وَعَلِمَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرْكَبَ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَمَشَى إلَى إبْرَاهِيمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاعْتَنَقَهُ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ.

(وَكَرِهَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ) أَيْ يَدُ الْغَيْرِ حِينَ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ) أَيْ التَّقْبِيلُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَامُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَهُوَ صَحِيحٌ وَمِنْهَا تَقْبِيلُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ يَدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْهَا تَقْبِيلُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: «أَرِنِي آيَةً، فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَقُلْ لَهَا: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُوك فَتَحَرَّكَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَقْبَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهَا ارْجِعِي فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ، فَقَبَّلَ الْأَعْرَابِيُّ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَأَسْلَمَ» . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ إنْكَارُ مَالِكٍ لِمَا رُوِيَ فِي تَقْبِيلِ الْيَدَيْنِ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، فَمَالِكٌ حُجَّةٌ فِيهَا لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ، فَلِمَا تَقَدَّمَ وَعَمَلِ النَّاسِ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ يَدِ مَنْ تَجُوزُ التَّوَاضُعُ لَهُ وَإِبْرَارُهُ، فَقَدْ قَبَّلَتْ الصَّحَابَةُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَمِنْ الرَّسُولِ لِفَاطِمَةَ، وَمِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ عَالِمًا أَوْ شَيْخًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ وَالِدًا حَاضِرًا أَوْ قَادِمًا مِنْ سَفَرٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا، وَأَمَّا لَوْ قَبَّلَ يَدَك نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِبْرِ وَرُؤْيَةِ النَّفْسِ عَظِيمَةً، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَلَعَلَّ الْمُقَبِّلَ بِالْكَسْرِ أَفْضَلُ مِنْ ذِي الْيَدِ عِنْدَ اللَّهِ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُنْكَرُ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا مَعَ ذَوِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ لِوُرُودِهَا فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ الْمُقَاطَعَةِ وَالشَّحْنَاءِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي زَمَانِنَا، وَمَفْهُومُ تَقْبِيلِ الْيَدِ أَنَّ تَقْبِيلَ الْفَمِ أَحْرَى بِالْكَرَاهَةِ، إذْ لَا رُخْصَةَ فِي تَقْبِيلِ الرَّجُلِ فَمَ رَجُلٍ، وَأَمَّا تَقْبِيلُ ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ أُمِّهِ فَمَهُ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَهُ، كَمَا لَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ خَدَّ ابْنَتِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَبِّلَهُ خَتَنَتُهُ وَمُعْتَقَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً.
.

(وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُكْرَهُ أَنْ (تَبْدَأَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) وَسَائِرَ فِرَقِ الضَّلَالِ (بِالسَّلَامِ) لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْلَالِ لِحَدِيثِ: «لَا تَبْدَأْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ» وَمِثْلُ الْكُفَّارِ فِي كَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
(فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ أَوْ نَاسِيًا لِلنَّهْيِ أَوْ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ (فَلَا يَسْتَقْبِلُهُ) أَيْ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ سَلَامَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: رُدَّ سَلَامِي الَّذِي سَلَّمْته عَلَيْك لِأَنِّي لَوْ عَلِمْت أَنَّك كَافِرٌ مَا سَلَّمْت عَلَيْك.
(وَ) أَمَّا (إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ (الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ) أَيْ الْمُسْلِمُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ فِي رَدِّ سَلَامِ الذِّمِّيِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك) بِغَيْرِ وَاوٍ لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «إنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكُمْ» فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْكَ أَوْ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ لِيَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الذِّمِّيَّ نَطَقَ بِالسَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الدُّعَاءَ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
(وَمَنْ قَالَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّ سَلَامِ الَّذِي عَلَيْهِ (عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ) يَجُوزُ (ذَلِكَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: يَنْبَغِي فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ الرَّادُّ

فصول الكتاب · 4 فصل · 422 صفحة
جارٍ التحميل