بِالضَّمِّ الْفِعْلُ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَشْهُرِ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ الْعَكْسَ، لِأَنَّ مَصْدَرَ الثُّلَاثِيِّ الْمُتَعَدِّي فَعْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَاسْمٌ لِمَا يُفْعَلُ بِهِ مِنْ صَابُونٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمْعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ، وَمِنْ الظَّاهِرِ التَّكَامِيشُ الَّتِي فِي الدُّبُرِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ، بِخِلَافِ دَاخِلِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالْفَمِ فَلَيْسَتْ مِنْ الظَّاهِرِ فِي هَذَا الْبَابِ، بِخِلَافِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهَا مِنْهُ وَفَرَائِضُهُ خَمْسَةٌ: تَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ وَالنِّيَّةُ وَالْمُوَالَاةُ كَالْوُضُوءِ وَالدَّلْكُ وَبِالِاسْتِنَابَةِ مَعَ الْعُذْرِ وَتَخْلِيلُ الشَّعْرِ وَلَوْ كَثِيفًا وَضَغْثُ الْمَضْفُورِ وَسُنَنُهُ خَمْسٌ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ أَوَّلًا وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا الثُّقْبَانِ فَيَمْسَحُ مِنْهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِمَّا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ وَذَلِكَ بِحَمْلِ الْمَاءِ فِي يَدَيْهِ وَإِمَالَةِ رَأْسِهِ حَتَّى يُصِيبَ الْمَاءُ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ وَبَاطِنَهُمَا.
وَلَا يَصُبُّ الْمَاءَ فِي أُذُنَيْهِ صَبَّا لِأَنَّهُ يُورِثُ الضَّرَرَ، وَيَتَحَرَّى التَّجْعِيدَاتِ فِيهِمَا كَمَا يَتَحَرَّى ثُقْبَ الْحَلْقَةِ فِي أُذُنَيْهِ إنْ كَانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ كَمَوْضِعِ الْجُرْحِ الَّذِي يَبْرَأُ غَائِرًا وَلَا يَلْزَمُهُ جَعْلُ نَحْوِ زَرْدَةٍ فِيهِ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَفَضَائِلُهُ سَبْعٌ التَّسْمِيَةُ وَالْبَدْءُ بِإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْ جَسَدِهِ وَغَسْلُ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ كُلِّهَا قَبْلَ الْغُسْلِ وَالْبَدْءُ بِغَسْلِ الْأَعَالِي قَبْلَ الْأَسَافِلِ وَالْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ وَتَثْلِيثُ الرَّأْسِ وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ الْغُسْلِ، وَمَكْرُوهَاتُهُ سِتَّةٌ: تَنْكِيسُ الْفِعْلِ وَالْإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ بَعْدَ الْإِسْبَاغِ وَالْغُسْلُ فِي الْخَلَاءِ وَفِي مَوَاضِعِ الْأَقْذَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمُصَنِّفُ اعْتَنَى بِبَيَانِ الصِّفَةِ اتِّبَاعًا لِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ التَّعْلِيمِ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِذِكْرِ الْوَاجِبَاتِ فَقَالَ: وَ (أَمَّا الطُّهْرُ) الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْغُسْلِ (فَهُوَ مِنْ الْجَنَابَةِ) الشَّامِلَةِ لِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ (وَمِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ سَوَاءٌ) فِي الصِّفَةِ الْآتِي بَيَانُهَا مِنْ وُجُوبِ تَعْمِيمِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ وَدَلْكِهِ وَتَخْلِيلِ شَعْرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي الْحُكْمِ أَيْضًا: وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ مُرِيدَ الْغُسْلِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَانْقَطَعَ عَنْهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ أَوْ هُمَا وَاغْتَسَلَ لِأَحَدِهِمَا نَاسِيًا لِلْآخَرِ أَوْ ذَاكِرًا لَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ لَأَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمْعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَوَتْ الْحَيْضَ وَالْجَنَابَةَ أَوْ أَحَدَهُمَا نَاسِيًا لِلْآخَرِ حَصَلَا فَقَدْ قَالَ شُرَّاحُهُ: لَا مَفْهُومَ لِنَاسِيَةٍ وَلَا مَفْهُومَ لِلْجَنَابَةِ وَمَا مَعَهَا بَلْ سَائِرُ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ فِي الصِّفَةِ عِنْدنَا سَوَاءٌ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ أَنْ لَوْ قَالَ: وَأَمَّا الطُّهْرُ فَهُوَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ لِيَشْمَلَ سَائِرَ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ لِوُجُوبِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَلِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: فَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُتَطَهِّرُ عَلَى الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالطُّهْرِ الْوَاجِبِ، وَلِذَا قُلْنَا: إنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ مِثْلُ الْوَاجِبِ فِي الصِّفَةِ فَقَطْ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلَى الْحَالَتَيْنِ مَفْضُولَةٌ وَفَاضِلَةٌ، فَالْمَفْضُولَةُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَعْمِيمِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ دُونَ تَقَدُّمِ وُضُوءٍ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُتَطَهِّرُ) مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ (عَلَى الْغُسْلِ) أَيْ تَعْمِيمِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ (دُونَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ) وَلَهُ الصَّلَاةُ بِهِ إذْ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ حَالَ دَلْكِهِ، وَصُورَةُ مَا يَفْعَلُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْغُسْلِ وَيَغْسِلَهُمَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كَمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ثُمَّ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ ثُمَّ يَحُكَّ يَدَهُ فِي الْحَائِطِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَسْتَنْثِرَ وَيَمْسَحَ قَعْرَ أُذُنَيْهِ وَيَنْغَمِسَ فِي الْمَاءِ أَوْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا اسْتِحْبَابًا وَيَعُمَّ سَائِرَ جَسَدِهِ وَيَخْتِمَ بِرِجْلَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَتَحِلَّ لَهُ الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى وُضُوءٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «مِنْ الْجَنَابَةِ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ أَيْضًا: وَأَيُّ وُضُوءٍ أَعَمُّ مِنْ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَمَسَّ فَرْجَهُ وَأَجْزَأَ الْغُسْلُ عَنْ الْوُضُوءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ تَبَيَّنَ عَدَمَ جَنَابَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُجْزَى عَنْ الْوُضُوءِ
وَأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بَعْدَ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ مَا بِفَرْجِهِ أَوْ جَسَدِهِ مِنْ الْأَذَى، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ شَاءَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا إلَى آخِرِ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَغْمِسُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ وَيَرْفَعُهُمَا غَيْرَ قَابِضٍ بِهِمَا شَيْئًا فَيُخَلِّلُ بِهِمَا أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يَغْرِفُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ غَاسِلًا لَهُ بِهِنَّ
[بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْغُسْلِ]
وَتَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَتَضْغَثُ شَعْرَ رَأْسِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا
[الفواكه الدواني]
وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمَ جَنَابَتِهِ، وَقَيَّدْنَا الطُّهْرَ بِكَوْنِهِ مِنْ بَعْضِ الْمَذْكُورَاتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ اغْتَسَلَ لِنَحْوِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْوُضُوءِ.
(تَنْبِيهٌ) : وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي تِلْكَ السُّنَنِ فِي كَوْنِهَا لِلْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وَسُنَنُهُ غَسْلُ يَدَيْهِ: أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّثْلِيثِ وَالْمُطْلَقِ وَالنِّيَّةِ وَكَوْنُ الْغُسْلِ قَبْلَ الْإِدْخَالِ فِي الْإِنَاءِ، وَأَنَّ غَسَلَهُمَا لِلْكُوعَيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الْأَذَى مِنْ سُنَّةِ الْغُسْلِ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَذًى يَكُونُ غَسْلُهُمَا مِنْ سُنَّةِ الْوُضُوءِ أَيْضًا كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ حَيْثُ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ، وَأَمَّا لَوْ تَوَضَّأَ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ تَذَكَّرَ الْجَنَابَةَ وَكَمَّلَ غَسْلَ جَسَدِهِ فَوْرًا فَإِنَّ السُّنَنَ تَكُونُ لِلْوُضُوءِ، وَتِلْكَ الصُّورَةُ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَغَسْلُ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ مَحَلِّهِ وَلَوْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ نِيَّةُ الْوُضُوءِ عَنْ نِيَّةِ الْغُسْلِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ قِيَامِ وَاجِبٍ مَقَامَ جُزْءٍ وَاجِبٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُجُوبِ، وَأَشَارَ إلَى الصِّفَةِ الْفَاضِلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَأُفَضِّلُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ) وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَصْغَرِ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ فِي مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ.
(بَعْدَ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ مَا بِفَرْجِهِ أَوْ جَسَدِهِ مِنْ الْأَذَى) بِنِيَّةِ رَفْعِ الْأَكْبَرِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْوُضُوءِ بَعْدَ تَمَامِ غَسْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَوْ الْأَوَّلُ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى بِإِيضَاحٍ: أَنَّهُ يَغْسِلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا لِكُوعَيْهِ بِنْيَةِ السُّنِّيَّةِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى عَنْ جَسَدِهِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى لَا يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ، وَغَالِبُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ قَائِلٌ بِإِعَادَةِ غَسْلِهِمَا، وَقَوْلُهُ: وُضُوءَ الصَّلَاةِ يُوهِمُ أَنَّهُ يُكَرِّرُ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَرَّةً مَرَّةً.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ أَعْضَاءُ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً مَرَّةً حَتَّى مَسْحَ رَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ كَامِلَةً مَرَّةً.
قَالَ شَارِحُهُ التَّتَّائِيُّ: مَسْحًا وَغَسْلًا فَلَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِفَرَاغِ غَسْلِهِ كَانَ الْمَوْضِعُ نَظِيفًا أَوْ وَسِخًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَرَّةً فَقَطْ لِأَنَّهُ غُسْلٌ حَقِيقَةً وَصُورَةُ وُضُوءٍ، وَقَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِتَرْكِ مَسْحِ رَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ لِأَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ فَلَا فَائِدَةَ فِي مَسْحِهِمَا، وَمَا قَالَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يُقَوِّيه حَدِيثُ مَيْمُونَةَ وَهُوَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءَ الْجَنَابَةِ وَأَكْفَى بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ فِي الْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» الْحَدِيثَ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَلَا أُذُنَيْهِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ وَلَمْ يَغْسِلْ فِيهِ رِجْلَيْهِ أَيْضًا، وَلَكِنَّ خَلِيلًا اعْتَمَدَ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ بِيَدَيْهِ» فَظَاهِرُ قَوْلِهَا تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَنَّهُ يُكَمِّلُهُ وَلَكِنْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ غَيْرُ رِجْلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ التَّكْمِيلُ فَيُقَدَّمُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَوْ مُتَنَجِّسَتَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِمَنْ فَصَلَ وَخِلَافًا لِمَنْ خَيَّرَ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) فِي أَثْنَاءِ وُضُوئِهِ (وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا إلَى آخَرِ غُسْلِهِ) وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْغُسْلِ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ غَسْلِهِمَا لِإِخْلَالِهِ بِالْفَوْرِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ وَاضِحٌ
(تَنْبِيهٌ) : اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ إذَا أَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ هَلْ يَغْسِلُهُمَا بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ؟ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ: يَنْوِي بِغَسْلِهِمَا الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْوِي بِهِ إتْمَامَ وُضُوئِهِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ ذَلِكَ الْوُضُوءِ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا ذَكَرْنَا (يَغْمِسُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ) أَوْ يُفْرِغُهُ عَلَيْهِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْتُوحًا (وَيَرْفَعُهُمَا غَيْرَ قَابِضٍ بِهِمَا شَيْئًا) مِنْ الْمَاءِ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْبَلَلُ (فَيُخَلِّلُ بِهِمَا أُصُولَ شَعْرِ رَأْسَهُ) اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَتَيْنِ: طِبِّيَّةٌ وَفِقْهِيَّةٌ، فَالطِّبِّيَّةُ انْسِدَادُ الْمَسَامِّ الَّتِي فِي الرَّأْسِ فَيَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ الزُّكَامِ وَمِنْ قُشَعْرِيرَةِ الْجَسَدِ عِنْدَ صَبِّ الْمَاءِ، وَالْفِقْهِيَّةُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَإِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ بِسُهُولَةٍ (ثُمَّ) بَعْدَ تَخْلِيلِ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ بِيَدَيْهِ (يَغْرِفُ بِهِمَا) الْمَاءَ وَيَصُبُّهُ (عَلَى رَأْسِهِ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِ (ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ) جَمْعُ غَرْفَةٍ بِالْفَتْحِ مِلْءُ الْيَدَيْنِ جَمِيعًا حَالَةَ كَوْنِهِ (غَاسِلًا لَهُ) أَيْ دَالِكًا لِلرَّأْسِ (بِهِنَّ) قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الثَّلَاثِ شَيْئًا وَلَوْ عَمَّ بِوَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَعُمُّ الرَّأْسَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبِهِ الْفَتْوَى خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى جَانِبٍ وَالثَّالِثَةُ فِي الْوَسَطِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا
حَلُّ عِقَاصِهَا
، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَيَتَدَلَّكُ بِيَدَيْهِ بِأَثَرِ صَبِّ الْمَاءِ حَتَّى يَعُمَّ جَسَدَهُ
[الفواكه الدواني]
تَثْلِيثٌ لِأَنَّ الثَّلَاثَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي مَعْنَى الْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَيُخَالِفُ قَوْلَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الرَّأْسُ تَثْلِيثٌ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ الْغُسْلِ
1 -
(فَائِدَةٌ) : مَنْ كَانَ يَخَافُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ حُصُولَ النَّزْلَةِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ شُيُوخٍ عِدَّةٍ حَتَّى وَقَعَ عِنْدِي مَوْقِعَ الْيَقِينِ بِحَيْثُ لَوْ احْتَجْت إلَيْهِ لَفَعَلْته، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَنِدَ فِي ذَلِكَ إلَى تَجْرِبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ لَا بِمُجَرَّدِ الْخَوْفِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّرْخِيصِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْأَصْلِ إلَى الْبَدَلِ، وَلَا يَنْتَقِلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إلَى التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ.
(وَ) لَمَّا كَانَتْ النِّسَاءُ شَقَائِقَ الرِّجَالِ وَجَبَ أَنْ (تَفْعَلَ ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمَ (الْمَرْأَةُ) فَالْإِشَارَةُ لِلْبَدْءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَبَعْدَهُ إزَالَةُ الْأَذَى ثُمَّ إكْمَالُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى مَسْحُ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ ثُمَّ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَضْغَثَ) أَيْ تَعْرُكَ وَتُحَرِّكَ (شَعْرَ رَأْسِهَا) لِيُدَاخِلَهُ الْمَاءُ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْبَشَرَةِ وَلَا يَلْزَمُهَا نَقْضُ ضَفْرِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ التَّخْلِيلَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ بِخِلَافِ التَّحْرِيكِ وَالضَّغْثِ فَإِنَّهُ عَرْكُ الشَّعْرِ وَحَبْسُ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
(وَ) كَذَا (لَيْسَ عَلَيْهَا حَلُّ عِقَاصِهَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَخْلِيلُ شَعْرِهِ وَضَغْثُ مَضْفُورِهِ لَا نَقْضُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الِاكْتِفَاءِ بِالضَّغْثِ فِي الْمَضْفُورِ أَوْ الْمَعْقُوصِ حَيْثُ كَانَ مَرْخُوًّا بِحَيْثُ يُدَاخِلُهُ الْمَاءُ، وَإِلَّا وَجَبَ نَقْضُهُ وَتَخْلِيلُهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ كَغَيْرِ الْمَضْفُورِ.
كَمَا يَجِبُ نَقْضُ الْمَضْفُورِ الْمُشْتَدِّ وَلَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ وَلَوْ لَمْ يَشْتَدَّ لِأَنَّهَا حَائِلٌ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ الْمَضْفُورَ بِخَيْطٍ أَوْ خَيْطَيْنِ لَا يَجِبُ نَقْضُهُ، وَلَوْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْوُصُولِ إلَى مَا تَحْتَ الْخُيُوطِ وَقَاسَهُ عَلَى الْخَاتَمِ الضَّيِّقِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْرِيكُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا تَحْتَهُ وَجَعَلَهُ كَالْجَبِيرَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَفِي هَذَا مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِهِ: وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَلُّ عِقَاصِهَا وَهَذَا إذَا كَانَ مَرْخُوًّا بِحَيْثُ يَدْخُلُ الْمَاءُ وَسَطَهُ، وَإِلَّا كَانَ غُسْلُهَا بَاطِلًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَ الْمَضْفُورِ وَالْمَعْقُوصِ يَجِبُ تَخْلِيلُهُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ وَلَوْ كَثِيفًا، وَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ شَعْرَ الْحَاجِبِ وَاللِّحْيَةِ، وَمِثْلُهُ جَمِيعُ الْمَغَابِنِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ كَشُقُوقِ الرِّجْلَيْنِ إلَّا مَا شَقَّ دَلْكُهُ فَيَكْفِي إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ حَلِّ عِقَاصِهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشَدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةَ؟ فَقَالَ: لَا، أَمَّا يَكْفِيك أَنْ تَحُثِّي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْهِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «أَفَأَنْقُضُهُ فِي الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا» وَلَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ شُعُورَهُنَّ قَالَتْ: أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟ لَقَدْ كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَمَا أَزِيدُ أَنْ أَغْرِفَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ: أُرْخِصَ لِلْعَرُوسِ فِي السَّبْعَةِ أَيَّامٍ أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى مَا فِي رَأْسِهَا مِنْ الطِّيبِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي سَائِرِ جَسَدِهَا تَيَمَّمَتْ لِأَنَّ إزَالَتَهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
قَالَ الْحَطَّابُ عَقِبَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَأَقُولُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمَسْحَ عَلَى الْحَائِلِ إلَّا فِي الضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ لِلزِّينَةِ فَلَيْسَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرُورَةِ
1 -
(تَنْبِيهٌ) : كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ حَلُّ عِقَاصِهَا لَا يَلْزَمُهَا نَزْعُ خَاتَمِهَا وَلَا تَحْرِيكُهُ، وَكَذَا سَائِرُ أَسَاوِرِهَا وَلَوْ ذَهَبًا أَوْ زُجَاجًا وَلَوْ ضَيِّقَةً، وَكَذَا لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَزْعُ خَاتَمِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَلَوْ ضَيِّقًا خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ:
وَحَرِّكْ الْخَاتَمَ فِي اغْتِسَالِكَ وَالْخَرْصُ وَالسِّوَارُ مِثْلُ ذَلِكَا
فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الضَّيِّقَ جِدًّا مِنْ خَاتَمٍ أَوْ سِوَارٍ يَجِبُ نَزْعُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي عَدَمِ لُزُومِ إحَالَةِ الْخَاتَمِ وَلَوْ ضَيِّقًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ سَلِسًا فَالْمَاءُ يَصِلُ إلَى مَا تَحْتَهُ وَيَغْسِلُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَضْنَ بِأُصْبُعِهِ صَارَ كَالْجَبِيرَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لُبْسَهُ.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ الرَّأْسِ (يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) مِنْ أَعْلَاهُ نَدْبًا فِيهِمَا (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ غَسْلِ الْأَيْمَنِ يُفِيضُهُ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ) بَادِئًا لَهُ مِنْ أَعْلَاهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمَامِ الْأَيْمَنِ قَبْلَ الْأَيْسَرِ تَبِعْنَا فِيهِ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِتَعْبِيرِهِ بِثُمَّ وَقَالَ: يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى الْأَيْمَنِ إلَى الرُّكْبَةِ ثُمَّ يُفِيضُهُ عَلَى الْأَيْسَرِ إلَى الرُّكْبَةِ ثُمَّ يُفِيضُهُ عَلَى أَسْفَلِ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ أَسْفَلِ الْأَيْسَرِ وَسَكَتَ عَنْ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: لِدُخُولِهِمَا فِي الشِّقَّيْنِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَيَخْتِمُ بِصَدْرِهِ وَبَطْنِهِ، (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى جَسَدِهِ أَنْ (يَتَدَلَّكَ) مَعَ الْقُدْرَةِ (بِيَدَيْهِ) أَوْ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ سِوَاهُمَا وَلَوْ بِخِرْقَةٍ وَيَكُونُ الدَّلْكُ مُقَارِنًا لِلصَّبِّ أَوْ (بِأَثَرِ صَبِّ الْمَاءِ) عَلَى الْعُضْوِ الْمُدْلُوك وَهَكَذَا يَفْعَلُ.
(حَتَّى يَعُمَّ جَسَدَهُ) بِالْمَاءِ وَالدَّلْكِ وَلَوْ تَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ بِدُونِ
، وَمَا شَكَّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ أَخَذَهُ مِنْ جَسَدِهِ عَاوَدَهُ بِالْمَاءِ وَدَلَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى يُوعِبَ جَمِيعَ جَسَدِهِ
وَيُتَابِعُ عُمْقَ سُرَّتِهِ وَتَحْتَ حَلْقِهِ
وَيُخَلِّلُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ
وَتَحْتَ جَنَاحَيْهِ وَبَيْنَ أَلْيَتَيْهِ
وَرُفْغَيْهِ وَتَحْتَ رُكْبَتَيْهِ وَأَسَافِلِ رِجْلَيْهِ
وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ يَجْمَعُ ذَلِكَ فِيهِمَا لِتَمَامِ غَسْلِهِ وَلِتَمَامِ وُضُوئِهِ إنْ كَانَ أَخَرَّ غَسْلَهُمَا
، وَيَحْذَرُ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ فِي
[الفواكه الدواني]
الدَّلْكِ لَا يُسَمَّى غَسْلًا عِنْدَ مَالِكٍ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يُسَمَّى انْغِمَاسًا.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهُ لِلصَّبِّ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَصَلَ الْمَاءُ عَنْ الْعُضْوِ لَصَارَ مَسْحًا، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الدَّلْكِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ فِيمَا يَصِحُّ لَهُ مُبَاشَرَتُهُ لَا فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ سَقَطَ وَعَمَّمَ جَسَدَهُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
وَلَا يَصِحُّ الدَّلْكُ بِالتَّوْكِيلِ إلَّا لِذِي آفَةٍ أَوْ عَلِيلِ
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِنَابَةِ عَلَى الْعَاجِزِ وَلَا يَسْقُطُ إلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ هُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ.
قَالَ الْمَوَّاقُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا عَجَزَ عَنْهُ سَاقِطٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَشْبَهُ بِيُسْرِ الدِّينِ فَيُوَالِي صَبَّ الْمَاءِ وَيُجْزِيه.
وَلَمَّا كَانَتْ الطَّهَارَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ الْجَزْمِ بِالتَّعْمِيمِ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ قَالَ: (وَمَا) أَيْ الْمَوْضِعُ الَّذِي (شَكَّ) الْمُغْتَسِلُ فِي (أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ أَخَذَهُ) أَيْ عَمَّهُ (مِنْ جَسَدِهِ) بَيَانٌ لِمَا سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي مَوْضِعٍ هَلْ كُلُّهُ أَمْ لَا؟ وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ عَدَمُ الْيَقِينِ (عَاوَدَهُ بِالْمَاءِ) وُجُوبًا (وَدَلَكَهُ حَتَّى يُوعِبَ جَمِيعَ جَسَدِهِ) يَقِينًا وَلَا يَكْفِيه عَدَمُ تَيَقُّنِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا أَوْ ضَرِيرًا أَوْ فِي مَحَلٍّ مُظْلِمٍ لِقَوْلِ الْبُرْزُلِيِّ: مَنْ تَوَضَّأَ فِي ضِيَاءٍ أَوْ ظُلْمَةٍ يَكْفِيه غَلَبَةُ الظَّنِّ أَنَّ الْمَاءَ أَتَى عَلَى مَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ.
وَفِي كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ وَالشَّيْخِ دَاوُد أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ إيعَابِ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَلَا يَكْفِيه غَلَبَةُ الظَّنِّ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا فَيَكْفِيه غَلَبَةُ الظَّنِّ اهـ كَلَامُهُمَا.
وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْوُضُوءِ وَفِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ وُجُوبِ بِنَاءِ الْمُسْتَنْكِحِ عَلَى الْأَكْثَرِ عِنْدَ الشَّكِّ أَيْ فِي الرَّكَعَاتِ أَوْ الْغَسَلَاتِ، وَمِنْ بِنَائِهِ عَلَى الْفِعْلِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي النِّيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَفِي مَسْحِ رَأْسِهِ هَلْ فَعَلَهُ أَمْ لَا أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالظَّنِّ هُنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَالِبًا وَحَرَّرَهُ، وَإِذَا أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِتَعْمِيمِ جَسَدِهِ فَلَا يُعَوِّلْ عَلَى خَبَرِهِ إلَّا إذَا حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِخَبَرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: يُقْبَلُ إخْبَارُ الْغَيْرِ بِكَمَالِ الْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ، اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي بِحَثِّ الشَّكِّ فِي الطَّوَافِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَاحِدًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا كَانَ عَدْلَ رِوَايَةٍ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَمْ لَا؟ فَأَخْبَرَتْهُ زَوْجَتُهُ وَهِيَ مَعَهُ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَعْتَرِيَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا وَمِثْلُ الشَّكِّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ: وَلَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا؟ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ خَلِيلٍ وَرَجَعَ إمَامٌ فَقَطْ لِعَدْلَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَلْ إعَادَةُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ بِنِيَّةٍ أَمْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ؟ وَبَيَّنَهُ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَمْ يَلْزَمْهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِذَلِكَ وَإِنْ بَعُدَ لَزِمَهُ تَجْدِيدُهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بِهَذِهِ اللُّمْعَةِ أَعَادَ أَبَدًا وَسُمِّيَ غَسْلُ تِلْكَ اللَّمْعَةِ إعَادَةً إمَّا بِاعْتِبَارِ احْتِمَالِ فِعْلِهَا أَوْ لَا، أَوْ مُرَاعَاةً لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَفْظَ الْعَوْدِ فِي الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ فِعْلُهُ نَحْوَ: عَادُوا حُمَمًا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، وَالرُّسُلُ لَمْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُتَابِعَ عُمْقَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ (سُرَّتِهِ) أَيْ دَاخِلَهَا فَيُوصِلَ الْمَاءَ إلَيْهِ وَيَدْلُكَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا كَفَى إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِهَا.
(وَ) كَذَا يُتَابِعُ (تَحْتَ حَلْقِهِ) الْمُرَادُ تَحْتَ ذَقَنِهِ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُخَلِّلَ شَعْرَ لِحْيَتِهِ) وَلَوْ كَثِيفًا لِخَبَرِ: «خَلِّلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً» وَلَوْ كَانَ خَلَّلَهَا فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ خَفِيفَةً وَخَلَّلَهَا فِي الْوُضُوءِ فَيَكْفِيه عَنْ تَخْلِيلِهَا فِي الْغُسْلِ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ مَا (تَحْتَ جَنَاحَيْهِ) أَيْ إبْطَيْهِ (وَ) مَا (بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ) أَيْ مَقْعَدَتَيْهِ فَيُوصِلُ الْمَاءَ إلَيْهِ مَعَ اسْتِرْخَائِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ غَسْلِ تَكَافِيشِ الدُّبُرِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ غُسْلُهُ بَاطِلًا.
(وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ (رُفْغَيْهِ) وَهُمَا أُصُولُ فَخْذَيْهِ مِمَّا يَلِي الْجَوْفَ.
(وَ) كَذَا مَا (تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ) وَجَمِيعُ مَغَابِنِ جَسَدِهِ.
(وَ) كَذَا (أَسَافِلُ رِجْلَيْهِ) كَعُرْقُوبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُخَلِّلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ) فِي الْوُضُوءِ إنْ قَدَّمَهُ وَإِلَّا خَلَّلَهُمَا فِي الْغُسْلِ (وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ) أَيْ آخِرَ غُسْلِهِ (يَجْمَعُ ذَلِكَ) الْغُسْلُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الرِّجْلَيْنِ (لِتَمَامِ غُسْلِهِ وَلِتَمَامِ وُضُوئِهِ) الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (وَإِنْ كَانَ أَخَّرَ غَسَلَهُمَا) عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ التَّأْخِيرُ مُخِلًّا بِالْمُوَالَاةِ حَيْثُ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدَّمَ غَسْلَهُمَا عِنْدَ فِعْلِ الْوُضُوءِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ
تَدَلُّكِهِ بِبَاطِنِ كَفِّهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَدْ أَوَعَبَ طُهْرَهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَإِنْ مَسَّهُ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِهِ وَبَعْدَ أَنْ غَسَلَ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ مِنْهُ فَلِيَمُرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَدَيْهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ ذَلِكَ وَيَنْوِيه.
[الفواكه الدواني]
غَسْلِهِمَا حَيْثُ كَانَ خَلَّلَ أَصَابِعَهُمَا، لِأَنَّ غَسْلَ الْوُضُوءِ يُجْزِئُ عَنْ غَسْلِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ كَانَ نَوَى بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرَ لِأَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ تُجْزَى عَنْ نِيَّةِ الْغُسْلِ فِي مَحَلِّ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَسْحُ الْوُضُوءِ عَنْ مَسْحِ مَحَلِّهِ فَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْإِجْزَاءِ وَصُورَتُهُ: أَنَّ مَنْ بِهِ نَزْلَةٌ فِي رَأْسِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى غَسْلِهِ فِي الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُهُ، فَلَوْ مَسَحَهُ فِي الْوُضُوءِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ الْوُضُوءِ عَنْ مَسْحِ الْغُسْلِ، وَقَالَ أَشْيَاخُهُ: لَا يُجْزِئُهُ.
(فَائِدَةٌ) : خَرَّجَ أَبُو دَاوُد: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنْ الْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ رَبَّهُ التَّخْفِيفَ حَتَّى جَعَلَ الصَّلَاةَ خَمْسًا، وَغُسْلَ الْجَنَابَةِ مَرَّةً، وَغَسْلَ الثَّوْبِ مَرَّةً» .
(وَيُحَذَّرُ) الْمُغْتَسِلُ الَّذِي تَوَضَّأَ أَوَّلًا وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ وَشَرَعَ يَتَدَلَّك (أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ فِي) حَالِ (تَدَلُّكِهِ بِبَاطِنِ كَفِّهِ) أَوْ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَوْ بِجَنْبِ الْكَفِّ أَوْ جَنْبِ الْأَصَابِعِ أَوْ رُءُوسِهَا.
(فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَسَّ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ أَوْعَبَ) أَيْ أَكْمَلَ (طُهْرَهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ) لِبُطْلَانِهِ بِالْمَسِّ إذَا أَرَادَ صَلَاةً أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ، وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ الْمَنْعُ أَوْ الْكَرَاهَةُ لِمَنْ لَا يَجِدُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ مَعَ عَدَمِ مَاءٍ تَقْبِيلُ مُتَوَضِّئٍ وَجِمَاعُ مُغْتَسِلٍ إلَّا لِطُولٍ، وَاحْتُرِزَ بِمَسِّ الذَّكَرِ عَنْ مَسِّ الْأُنْثَى فَرْجَهَا أَوْ الذَّكَرِ الدُّبُرَ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ فَلَا يُعَادُ الْوُضُوءُ.
(وَ) مَفْهُومُ أَوْعَبَ طُهْرَهُ أَنَّهُ (إنْ مَسَّهُ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِهِ وَ) لَكِنْ (بَعْدَ أَنْ غَسَلَ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُغْتَسِلِ وَقِيلَ تَمَامِ الْغُسْلِ أَوْ حَصَلَ الْمَسُّ فِي أَثْنَاءِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (فَلِيَمُرَّ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْمَسِّ أَوْ الْغُسْلِ (بِيَدَيْهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ) الَّذِي يُجَدِّدُهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِبَلَلِ جَسَدِهِ لَمْ يُجْزِئْ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْإِمْرَارُ (عَلَى مَا يَنْبَغِي) أَيْ يُجْزِئُ (فِي ذَلِكَ) الْإِمْرَارُ بِأَنْ يَعُمَّ الْعُضْوَ وَيَدْلُكَهُ وَيَتَتَبَّعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَغَابِنِ وَيَدْلُكَهُ بِنَفْسِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّ مَسَّ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ هُنَا فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ النَّوَاقِضِ كَذَلِكَ
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَنْوِيَهُ) أَيْ الْوُضُوءَ فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ لَمْ يُجْزِئْ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا نَوَى الْمُتَوَضِّئُ غَيْرَ الْجُنُبِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وُجُوبِ النِّيَّةِ خِلَافُهُ مَا قَالَهُ الْقَابِسِيُّ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِلنِّيَّةِ وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا إعَادَةُ مَا فَعَلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْمَسِّ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ عَبْدَ الْحَقِّ: إذَا مَسَّ الْمُغْتَسِلُ ذَكَرَهُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَمَسَّهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ شَيْئًا، فَهَذَا إذَا غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَمَسَّهُ بَعْدَ غَسْلِ جَمِيعِ جَسَدِهِ وَكَمَالِ طَهَارَتِهِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ وَلَا يَحْسُنُ الْخِلَافُ فِيهِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَمَسَّهُ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ أَوْ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا بُدَّ أَنْ يَمُرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَنِيَّةٍ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: يَمُرُّ بِيَدَيْهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا وَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ.
وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيُّ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَسَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِوُجُوبِ إعَادَتِهِ، وَإِنْ مَسَّهُ قَبْلَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى يُنْقَضَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا مَسَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَنْوِي الْوُضُوءَ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: لَا يَنْوِي، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ اُتُّفِقَ عَلَى اثْنَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي اثْنَيْنِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الْحَدَثُ يُرْفَعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ وَعَلَيْهِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِذَهَابِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْأَعْضَاءِ، أَوْ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِتَمَامِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَلْحَظُ الْقَابِسِيِّ لِبَقَاءِ النِّيَّةِ ضِمْنًا فِي نِيَّةِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَلَا يُقَالُ: إذَا كَانَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِتَمَامِ الطَّهَارَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ مَا فَعَلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْمَسِّ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِهِ بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ، لِأَنَّا نَقُولُ: مُرَادُ الْقَابِسِيِّ لَا يَتَحَقَّقُ رَفْعُهُ إلَّا بِتَمَامِ الطَّهَارَةِ، وَإِلَّا فَالرَّفْعُ حَصَلَ بِدَلِيلِ وُجُوبِ إعَادَةِ غَسْلِهِ، وَلَا يُقَالُ: إذَا حَصَلَ رَفْعُهُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ يَجُوزُ أَنْ يَمَسَّ بِهِ الْمُصْحَفَ، لِأَنَّا نَقُولُ: جَوَازُ مَسِّهِ يَرْفَعُهُ عَنْ الْمَاسِّ لَا عَنْ الْعُضْوِ فَافْهَمْ.
(خَاتِمَةٌ) : بَقِيَ شَيْءٌ يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ وَهُوَ إذَا حَصَلَ الْمَسُّ بَعْدَ إكْمَالِ الْغُسْلِ يَتَوَضَّأُ وَيُثَلِّثُ الْغُسْلَ كَوُضُوءِ غَيْرِ الْجُنُبِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ مَرَّةً مَرَّةً لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ قَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ اهـ أُجْهُورِيٌّ بِالْمَعْنَى.
وَلَمَّا قَدَّمَ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ بِقِسْمَيْهَا صُغْرَى وَكُبْرَى شَرَعَ يَتَقَدَّمُ عَنْ الْبَدَلِيَّةِ فَقَالَ:.
بَابٌ فِي مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَصِفَةِ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ يَجِبُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ إذَا يَئِسَ أَنْ يَجِدَهُ فِي الْوَقْتِ
وَقَدْ يَجِبُ مَعَ وُجُودِهِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسِّهِ فِي
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي مِنْ لَمْ يَجِد الْمَاء وصفة التَّيَمُّم]
(بَابٌ فِي أَحْكَامِ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ) الْمُطْلَقَ لِطَهَارَتِهِ أَوْ وَجَدَهُ وَعَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ (وَ) فِي (صِفَةِ التَّيَمُّمِ) . وَهُوَ لُغَةً الْقَصْدُ، وَشَرْعًا طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تَشْمَلُ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةٍ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَالتُّرَابِيَّةُ نِسْبَةٌ إلَى التُّرَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا سَائِرُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَلَوْ الْحَجَرَ الْأَمْلَسَ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ إدْرَاكُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ وَاجِبٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَمَنْ جَحَدَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ، وَلَا يُقَالُ: الرُّخْصَةُ يَكُونُ الشَّخْصُ فِيهَا مُتَمَكِّنًا مِنْ فِعْلِ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ كَمَنْ فَقَدَ الْمَاءَ، لِأَنَّا نَقُولُ: الرُّخْصَةُ قَدْ تَنْتَهِي إلَى الْوُجُوبِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ جَمَاعَةَ قَائِلًا: إنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَنْتَهِي لِلْوُجُوبِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّهَا إذَا انْتَهَتْ إلَى الْوُجُوبِ صَارَتْ عَزِيمَةً وَزَالَ عَنْهَا اسْمُ الرُّخْصَةِ، فَالْحَقُّ أَنَّهُ عَزِيمَةٌ فِي حَقِّ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ يَجِدُ الْمَاءَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لِحُصُولِ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ تُسَوِّغُ لَهُ التَّيَمُّمَ فَإِنَّهُ رُخْصَةٌ فِي حَقِّهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ الْأَصْلِ فِي الْجُمْلَةِ، وَبِهَذَا عُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةِ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ لَا تُصَلِّي إلَّا بِالْوُضُوءِ، كَمَا أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي إلَّا فِي أَمَاكِنَ مَخْصُوصَةٍ يُعَيِّنُونَهَا لِلصَّلَاةِ وَيُسَمُّونَهَا بِيَعًا وَكَنَائِسَ وَصَوَامِعَ، وَمَنْ عَدِمَ مِنْهُمْ الْمَاءَ أَوْ غَابَ عَنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ يَدَعْ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يَعُودُ إلَى مُصَلَّاهُ، وَكَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَقَسْمِ الْغَنَائِمِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، وَالسِّوَاكِ، وَالسَّحُورِ، وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالْوَطْءِ لَيْلًا وَلَوْ بَعْدَ النَّوْمِ، وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ بَعْضُ الْمَذْكُورَاتِ الْأَنْبِيَاءُ لِأُمَمِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَهُ فَرَائِضُ وَسُنَنٌ وَفَضَائِلُ، وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَعَالَى إنَّمَا يَهْتَمُّ بِبَيَانِ الصِّفَةِ دُونَ مُتَعَلِّقَاتِهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ فَنَقُولُ: فَأَمَّا فَرَائِضُهُ فَسِتَّةٌ: النِّيَّةُ وَتَكُونُ عِنْدَ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنْ تَقَدَّمَتْ وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْ الشُّرُوعِ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَالصَّعِيدُ الطَّاهِرُ، وَالضَّرْبَةُ الْأُولَى، وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَمَا فَعَلَ لَهُ، وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، وَنَزْعُ الْخَاتَمِ وَلَوْ وَاسِعًا مَأْذُونًا فِيهِ وَسِوَارُ امْرَأَةٍ.
وَسُنَنُهُ أَرْبَعٌ: التَّرْتِيبُ، وَالضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ، وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ لِلْمِرْفَقَيْنِ، وَنَقْلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَدَيْنِ مِنْ الْغُبَارِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْمُرَادُ عَدَمُ مَسْحِهِمَا فَلَوْ مَسَحَهُمَا وَلَوْ قَوِيًّا وَتَيَمَّمَ صَحَّ تَيَمُّمُهُ مَعَ فَوَاتِ السُّنَّةِ.
وَفَضَائِلُهُ: التَّسْمِيَةُ وَالسِّوَاكُ وَالصَّمْتُ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّيَمُّمُ عَلَى تُرَابٍ غَيْرِ مَنْقُولٍ وَالْبَدْءُ بِظَاهِرِ يُمْنَاهُ بِيُسْرَاهُ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي، وَالْمُصَنِّفُ اعْتَنَى بِبَيَانِ سَبَبِهِ وَهُوَ فَقْدُ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَبَيَانِ صِفَتِهِ، وَبَيَانِ حُكْمِهِ، وَابْتَدَأَ بِبَيَانِ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: (التَّيَمُّمُ يَجِبُ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ (لِعَدَمِ الْمَاءِ) الْكَافِي لِمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَهُوَ جَمِيعُ الْجَسَدِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَالْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلصُّغْرَى، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَسْلِ مَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ (فِي) حَالِ (السَّفَرِ) وَلَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ عَلَى مَا رَجَّحَهُ سَنَدٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ مَرْزُوقٍ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إذَا كَانَتْ تُفْعَلُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إبَاحَةُ السَّفَرِ، بِخِلَافِ فِطْرِ الصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ فَلَا يُبَاحُ لَهُ فِي السَّفَرِ إلَّا إذَا كَانَ
سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لِمَرَضٍ مَانِعٍ أَوْ مَرِيضٍ يَقْدِرُ عَلَى مَسِّهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ،
وَكَذَلِكَ مُسَافِرٌ يَقْرُبُ مِنْهُ الْمَاءُ وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ خَوْفُ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ وَإِذَا أَيْقَنَ الْمُسَافِرُ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ أَخَّرَ إلَى آخِرِهِ، وَإِنْ يَئِسَ مِنْهُ تَيَمَّمَ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنْ
[الفواكه الدواني]
مُبَاحًا، وَأَرْبَعَةَ بُرُدٍ كَقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَلَعَلَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يُوَافِقُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخِ وَهُوَ خِلَافُ كَلَامِ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ شَرَطَ فِي جَوَازِ تَيَمُّمُهُ إبَاحَةَ السَّفَرِ حَيْثُ قَالَ: يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وَسَفَرٍ أُبِيحَ، وَشَرْطُ تَيَمُّمَهُ فِي السَّفَرِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِقَيْدِ الْإِبَاحَةِ.
(إذَا يَئِسَ) مِنْ (أَنْ يَجِدَهُ) أَيْ الْمَاءَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ وُجُودِهِ (فِي الْوَقْتِ) الَّذِي هُوَ فِيهِ اخْتِيَارِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا، وَمَفْهُومُ السَّفَرِ مُعَطَّلٌ إذْ الْحَاضِرُ كَذَلِكَ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ تَحْقِيقًا أَوْ طَلَبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ بُخْلَهُمْ بِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا بِهِ كَلَامَهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَأْسِ تَحَقُّقَ عَدَمِ الْمَاءِ بِلَا خَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَاءِ فَيَصْدُقُ بِالْآيِسِ وَالرَّاجِي وَالْمُتَرَدِّدِ فِي اللُّحُوقِ أَوْ الْوُجُودِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجُوزُ لَهُمْ التَّيَمُّمُ، وَلَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ وَقْتَ تَيَمُّمِهِمْ مُخْتَلِفٌ، فَالْآيِسُ أَوْ الْمُخْتَارُ وَالْمُتَرَدِّدُ وَسَطَهُ وَالرَّاجِي آخِرَهُ.
الثَّانِي: تَعْبِيرُهُ بِالْوَقْتِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ وَقْتٌ كَالْفَجْرِ، وَأَمَّا مَا لَا وَقْتَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْمُسَافِرَ كَالْمَرِيضِ يَصِحُّ لَهُمَا أَنْ يَتَيَمَّمَا لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَوْ نَفْلًا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا لِفَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَلِلْجِنَازَةِ الْمُتَعَيَّنَةِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا اسْتِقْلَالًا وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا بِتَيَمُّمِ الْفَرْضِ تَبَعًا لِفِعْلِ الْفَرْضِ لَكِنْ بِشَرْطِ اتِّصَالِهَا بِفِعْلِ الْفَرْضِ وَلَا تَكْثُرُ جِدًّا سَوَاءٌ نَوَى فِعْلَهَا عِنْدَ تَيَمُّمُهُ لِلْفَرْضِ أَمْ لَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا لَوْ قَدَّمَهَا عَلَى فِعْلِ الْفَرْضِ الَّذِي لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ لَصَحَّتْ فِي نَفْسِهَا وَلَا يَصِحُّ لَهَا فِعْلُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، وَإِذَا كَانَ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ يُجَوِّزُ لَهُ ذَلِكَ فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ أَوْلَى، إذْ لَا اخْتِلَافَ إلَّا فِي التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً لِغَيْرِ الْفَرْضِ فَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وَسَفَرٍ أُبِيحَ لِفَرْضٍ وَنَفْلٍ وَحَاضِرٍ صَحَّ لِجِنَازَةٍ إنْ تَعَيَّنَتْ، وَفَرْضٍ غَيْرِ جُمُعَةٍ إنْ عَدِمُوا مَاءً كَافِيًا أَوْ إنْ خَافُوا بِاسْتِعْمَالِهِ مَرَضًا أَوْ زِيَادَتَهُ، أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ أَوْ عَطَشٍ مُحْتَرَمٍ مَعَهُ أَوْ بِطَلَبِهِ تَلَفُ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ،.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ يُوجِبُ التَّيَمُّمَ وَكَانَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ قَالَ: (وَقَدْ يَجِبُ) أَيْ التَّيَمُّمُ (مَعَ وُجُودِهِ) أَيْ الْمَاءِ الْكَافِي لِمَا يَجِبُ تَطَهُّرُهُ وَذَلِكَ فِيمَا (إذَا لَمْ يَقْدِرْ) مُرِيدُ الصَّلَاةِ (عَلَى مَسَّهُ) سَوَاءٌ كَانَ (فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لِمَرَضٍ مَانِعٍ) لَهُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ، كَخَوْفِهِ فَوَاتَ رُوحِهِ أَوْ زِيَادَةَ مَرَضِهِ أَوْ تَأَخُّرَ بُرْئِهِ، وَمِنْهُ الَّذِي يَعْرَقُ وَيَخْشَى مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ نُكْسًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ تَيَمُّمِ الْمَرِيضِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ كَانَ تَسَبَّبَ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَجِبُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ عَلَى صَحِيحٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّهِ لِتُوقَفْ مَرَضٍ بِاسْتِعْمَالِهِ بِتَجْرِبَةٍ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ (أَوْ) عَلَى (مَرِيضٍ يَقْدِرُ عَلَى مَسِّهِ) أَيْ الْمَاءِ دُونَ خِشْيَةِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ (وَ) لَكِنْ (لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا يَجِدُ آلَةً أَوْ وَجَدَ آلَةً مُحَرَّمَةَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أُجْرَةِ الْمُنَاوِلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ الْمُتَلَبِّسَ بِالْمَرَضِ الصَّحِيحُ إذَا كَانَ يَخْشَى حُدُوثَ مَرَضٍ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَحُمَّى أَوْ نَزْلَةٍ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، لَكِنْ لَا يَتَيَمَّمُ وَاحِدٌ مِنْ الْمَرِيضِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ بِمُجَرَّدِ خَوْفِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِنَادِهِ إلَى تَجْرِبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ وَلَوْ كَافِرًا مَعَ عَدَمِ الْمُسْلِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ أَعْرَفَ وَمِثْلُهُ إخْبَارُ الْمُوَافِقِ لَهُ فِي الْمِزَاجِ، وَلَا يَكْفِي فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ مُجَرَّدُ التَّأَلُّمِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ خَشْيَةَ مَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ هُنَا، فَالْآيِسُ أَوْ الْمُخْتَارُ وَالْمُتَرَدِّدُ وَسَطَهُ وَالرَّاجِي آخِرَهُ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ مَرِيضٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ عَطْفِهِ عَلَى مَرَضٍ، لِأَنَّ الِاسْمَ الْمُشْبِهَ لِلْفِعْلِ لَا يُعْطَفُ إلَّا عَلَى فِعْلٍ وَعَكْسُهُ، وَأَيْضًا عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إنَّمَا يُعَلَّلُ بِالْمَرَضِ أَوْ نَحْوِهِ لَا بِالْمَرِيضِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ.
(وَكَذَلِكَ) يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَلَى (مُسَافِرٍ يَقْرُبُ مِنْهُ الْمَاءُ) وَيَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ (وَ) لَكِنْ (يَمْنَعُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ (خَوْفُ لُصُوصٍ) جَمْعُ لِصٍّ وَهُوَ السَّارِقُ (أَوْ سِبَاعٌ) حَيْثُ تَيَقَّنَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ اللِّصِّ أَوْ السُّبْعِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَمِمَّا يَجُوزُ لِأَجْلِهِ التَّيَمُّمُ خَوْفُ فَوَاتِ الرُّفْقَةِ إذَا طَلَبَ الْمَاءَ، وَأَحْرَى لَوْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْعَطَشَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَوْ دَابَّةً وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْقَوَافِلِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَعَهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ لِلْمَاءِ لِعَطَشِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شِرَائِهِ وَلَا الْوُصُولِ إلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَسْقِيَ الْمَاءَ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِبَذْلِهِ تَوَضَّأَ بِهِ مَعَ عِصْيَانِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَلَّقُوا الْحُكْمَ بِالْخَوْفِ مِنْ اللُّصُوصِ وَالسِّبَاعِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خَوْفِ أَكْلِ السُّبْعِ لَهُ أَوْ أَخْذِ اللِّصِّ مَالَهُ مَثَلًا، وَأَمَّا لَوْ تَجَرَّدَ الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَمِثْلُ مَالِهِ مَالُ غَيْرِهِ حَيْثُ كَانَ مَعْصُومًا وَلَهُ مَالٌ وَهُوَ مَا يَتَضَرَّرُ بِضَيَاعِهِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ
1 -
الثَّانِي: مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ الْقَادِرُ عَلَى
لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمٌ تَيَمَّمَ فِي وَسَطِهِ وَكَذَلِكَ إنْ خَافَ أَنْ لَا يُدْرِكَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَرَجَا أَنْ يُدْرِكَهُ فِيهِ
وَمَنْ تَيَمَّمَ
[الفواكه الدواني]
اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ صَحِيحٌ لَكِنْ يَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْخِلَافِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَهُوَ إنْ خَافَ فَوَاتَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ خِلَافٌ وَلَوْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ، فَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ إلَّا قُرْبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ جُنُبٌ وَيَعْتَقِدُ إدْرَاكَ الْوَقْتِ إنْ تَيَمَّمَ لَا إنْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ وَلَا يَقْطَعُ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ فِي أَثْنَائِهِ بَقَاءُ الْوَقْتِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا إنْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، بِخِلَافِ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ حَيْثُ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا.
1 -
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي عَدِّ فَرَائِضِ التَّيَمُّمِ، وَمِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الَّتِي يُرِيدُ فِعْلَهَا إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ ذَكَرَهَا إنْ كَانَتْ فَائِتَةً، وَإِذْ تَحَقَّقَ دُخُولَهُ صَحَّ لَكِنْ يَخْتَلِفُ الشُّرُوعُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا مُوقِنٌ بِوُجُودِ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ، أَوْ عِنْدَهُ يَأْسٌ مِنْ وُجُودِهِ آخِرَ الْوَقْتِ، أَوْ لَا دِرَايَةَ لَهُ أَوْ مُتَرَدِّدٌ أَوْ مُتَرَجٍّ لَهُ، فَالْأَوَّلُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، وَالثَّانِي يُقَدِّمُهَا، وَالثَّالِثُ يُتَوَسَّطُ بِفِعْلِهَا.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَيْقَنَ) أَوْ ظَنَّ (الْمُسَافِرُ) وَكَذَلِكَ الْحَاضِرُ فَالْمَفْهُومُ مُعَطَّلٌ (بِوُجُودِ الْمَاءِ) الْكَافِي لِمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ (فِي) أَثْنَاءِ (الْوَقْتِ) وَأَمَّا الْآنَ فَهُوَ عَادِمٌ لِلْمَاءِ (أَخَّرَ) التَّيَمُّمَ اسْتِحْبَابًا (إلَى آخِرِهِ) بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ فِعْلِهِ وَمَا يَسَعُ الصَّلَاةَ، وَالْمُرَادُ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَقَوْلُنَا اسْتِحْبَابًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ: التَّأْخِيرُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ حِينَ حَلَّتْ الصَّلَاةُ وَوَجَبَ الْقِيَامُ لَهَا غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ فَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] .
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُ غَيْرُ تَامِّ الْعَدَمِ لِوُصُولِهِ الْمَاءَ وَالْوَقْتُ قَائِمٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: التَّيَمُّمُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِحَوْزِ فَضِيلَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مُوقِنًا بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ لِيُصَلِّيَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ، فَإِنْ خَالَفَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً وَيُعِيدُهَا أَبَدًا، فَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْمُسَافِرِ وَلَا لَأَيْقَنَ فِي كَلَامِهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِأَيْقَنَ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الظَّانَّ كَذَلِكَ، فَالْمُرَادُ بِأَيْقَنَ فِي كَلَامِهِ مَنْ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَمَنْ لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ فَيَتَنَاوَلُ الرَّاجِيَ، خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيه كَلَامُهُ الْآتِي مِنْ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَسَطَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالرَّاجِي آخِرَهُ فَإِنَّهُ قَالَ فَالْآيِسُ أَوْ الْمُخْتَارُ وَالْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وَسَطَهُ وَالرَّاجِي آخِرَهُ.
وَمِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى آخَرِ الْوَقْتِ الْفَاقِدُ لِلْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي أَوَّلِهِ وَيَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ آخِرَهُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا أَوَّلَهُ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ إنْ كَانَ تَيَمَّمَ بَعْدَ طَلَبِ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ يُطْمَحُ فِي وُجُودِهِ آخِرَ الْوَقْتِ.
أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ أَوَّلَ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا إنْ وَجَدَهُ فِي مَحَلٍّ كَانَ يَظُنُّ وُجُودَهُ فِيهِ إنْ طَلَبه وَلَوْ مِنْ رُفْقَةٍ كَثِيرَةٍ يَظُنُّ إعْطَاءَهُمْ لَهُ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَهُ فِي مَحَلٍّ كَانَ يَشُكُّ فِي وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ فِيهِ إنْ طَلَبَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ مَعَ تَوَهُّمِ الْوُجُودِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا فِي الْوَقْتِ، وَبِقَوْلِنَا: الَّذِي كَانَ يَطْمَعُ فِي وُجُودِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ كَمَا لَا يَلْزَمُ مُتَحَقِّقَ وُجُودِهِ تَحْصِيلُهُ إذَا كَانَ عَلَى نَحْوِ مِيلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ كَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَقَلَّ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ.
وَأَشَارَ إلَى ثَانِي الْأَقْسَامِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ يَئِسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ (تَيَمَّمَ فِي أَوَّلِهِ) اسْتِحْبَابًا لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَمِثْلُهُ الْآيِسُ مِنْ لُحُوقِهِ أَوْ مِنْ زَوَالِ مَانِعِ اسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْأَقْسَامِ وَهُوَ مَفْهُومُ الْأَوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ) أَيْ يَقِينٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَلَا يَأْسٍ بَلْ هُوَ جَاهِلٌ مُتَرَدِّدٌ فِي وُجُودِهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْعَالِمُ بِوُجُودِهِ الْمُتَرَدِّدِ فِي لُحُوقِهِ (تَيَمَّمَ فِي وَسَطِهِ) نَدْبًا، وَالْخَائِفُ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَجِدُ مُنَاوِلًا وَالْمَسْجُونُ، فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ يُنْدَبُ لَهُمْ التَّيَمُّمُ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ (وَكَذَلِكَ) الْعَادِمُ لِلْمَاءِ فِي الْحَالِ يُنْدَبُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَسَطَ الْوَقْتِ (إنْ خَافَ) أَيْ تَوَهَّمَ (أَنْ لَا يُدْرِكَهُ) أَيْ الْمَاءُ (فِي الْوَقْتِ وَرَجَا) أَيْ طَمِعَ بِحَسَبِ ظَنِّهِ (أَنْ يُدْرِكَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَيَمُّمِ الرَّاجِي وَسَطَ الْوَقْتِ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الرَّاجِيَ كَالْمُتَيَقِّنِ لِوُجُودِ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ يُنْدَبُ لَهُ التَّأْخِيرُ كَمَا وَضَّحْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ.
وَإِنَّمَا فَسَرَّنَا خَافَ بِتَوَهَّمَ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: وَرَجَا إلَخْ.
قَالَ الْخَلِيلُ: وَلَزِمَ فِعْلُهُ فِي الْوَقْتِ، فَالْآيِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ، وَالْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وَسَطَهُ، وَالرَّاجِي آخِرَهُ، وَمِنْ بَاب أَوْلَى الْمُتَيَقِّنُ وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، فَلَوْ أَبْدَلَ الْمُصَنِّفُ الْمُتَيَقِّنَ بِالرَّاجِي لَكَانَ مُوَافِقًا لِخَلِيلٍ وَيُعْلَمُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْمُتَيَقِّنِ وَالظَّانِّ بِالْأَوْلَى، فَخَلِيلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهِّمِ.
وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ إعَادَتِهَا فِي الْوَقْتِ، أَشَارَ إلَى
مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ فَلْيُعِدْ
وَكَذَلِكَ الْخَائِفُ مِنْ سِبَاعٍ وَنَحْوِهَا
وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ الَّذِي يَخَافُ أَنْ لَا يُدْرِكَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَرَجَا أَنْ يُدْرِكَهُ فِيهِ وَلَا يُعِيدُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ،
وَلَا يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ إلَّا مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِجِسْمِهِ مُقِيمٍ وَقَدْ قِيلَ
[الفواكه الدواني]
بَيَانِ مَنْ يُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ الْمُقَصِّرُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ وَفِعْلُ الشَّرْطِ (تَيَمَّمَ مِنْ هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ وَهُوَ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ وَاَلَّذِي لَا يَجِدُ مُنَاوِلًا، وَلَا الْخَائِفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ سُبُعٍ وَالْآيِسُ وَالْمُتَيَقِّنُ وَمَنْ لَمْ يَدْرِ وَهُوَ الْمُتَرَدِّدُ وَالرَّاجِي (ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ) أَوْ أَصَابَ الْمَرِيضَ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (بَعْدَ أَنْ صَلَّى) وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ إنْ قَصَّرَ، وَبَيَّنَ الْمُقَصِّرَ بِقَوْلِهِ: (فَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ فَلِيُعِدْ) صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ إعْدَادِ الْمَاءِ وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُونَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُونَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ عِنْدَهُ حِينَئِذٍ.
(وَكَذَلِكَ الْخَائِفُ مِنْ سِبَاعٍ وَنَحْوِهَا) يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ إذَا تَيَمَّمَ وَسَطَ الْوَقْتِ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمَ مَا خَافَهُ لِتَقْصِيرِهِ وَمَا لَوْ تَبَيَّنَ مَا خَافَهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْئًا فَلَا إعَادَةَ.
وَالْحَاصِلُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ أَنَّ إعَادَةَ الْخَائِفِ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ السِّبَاعِ مَشْرُوطَةٌ بِتَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْهُ الْخَوْفُ وَتَيَقُّنِ خَوْفِهِ لَوْلَا الْخَوْفُ، وَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَتَبَيُّنِ عَدَمِ مَا خَافَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ الْمَاءَ وَلَا لُحُوقَهُ لَمْ يُعِدْ، وَكَذَا لَوْ تَبَيَّنَ مَا خَافَهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ مَاءً غَيْرَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْهُ الْخَوْفُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ الَّذِي صَلَّى بِهِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْخَوْفِ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ بَعْدَ زَوَالِ الْخَوْفِ وَحُصُولِ الْمَاءِ هَلْ كَانَ لِلْخَوْفِ أَوْ لِلْكَسَلِ؟ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ يُعَدُّ الْخَائِفُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ السِّبَاعِ مُقَصِّرًا مَعَ وُجُوبِ الْفِرَارِ مِنْهُمَا لِحُرْمَةِ تَغْرِيرِ الشَّخْصِ بِنَفْسِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا تَبَيَّنَ عَدَمُ مَا خَافَهُ عُلِمَ أَنَّ خَوْفَهُ كَانَ لِمُجَرَّدِ جُبْنِهِ لَا لِشَيْءٍ رَآهُ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي حَقِّ (الْمُسَافِرِ الَّذِي يَخَافُ) أَيْ يَتَوَهَّمُ (أَنْ لَا يُدْرِكَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَرَجَا) أَيْ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ (أَنْ يُدْرِكَهُ فِيهِ) وَقُلْنَا: يُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِآخِرِ الْوَقْتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إذَا خَالَفَ وَقَدَّمَ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ آخِرِهِ وَوَجَدَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ يَرْجُوهُ، بِخِلَافِ لَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ فَلَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ، وَقَوْلُهُ الْمُسَافِرُ: كَانَ الْأَوْلَى إبْدَالُهُ بِمُرِيدِ الصَّلَاةِ لِيَشْمَلَ الْحَاضِرَ، ثُمَّ إنَّ تَقْرِيرَنَا هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَأْخِيرِ الرَّاجِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُمَكِّنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الرَّاجِحِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا قَدَّمَ عَنْ وَسَطِ الْوَقْتِ.
(وَلَا يُعِيدُ) مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ (غَيْرُ هَؤُلَاءِ) الثَّلَاثَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَى إعَادَتِهَا بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مُنَاوِلًا وَالْخَائِفُ مِنْ السِّبَاعِ وَنَحْوِهَا وَالرَّاجِي، وَبِقَوْلِنَا مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ تُسْتَحَبَّ لَهُ الْإِعَادَةُ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ بِقُرْبِهِ أَوْ رَحْلِهِ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي طَلَبِهِ وَالْآيِسُ مِنْهُ وَتَيَمَّمَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ الَّذِي أَيِسَ مِنْهُ بِعَيْنِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَيُعِيدُ الْمُقَصِّرُ فِي الْوَقْتِ وَصَحَّتْ إنْ لَمْ يُعِدْ كَوَاجِدِهِ بِقُرْبِهِ أَوْ رَحْلِهِ، وَكَالْمُتَرَدَّدِ فِي وُجُودِهِ إذَا قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَنْ وَسَطِ الْوَقْتِ، وَمِثْلُهُ الْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ إذَا تَيَمَّمَ وَسَطَ الْوَقْتِ وَأَوْلَى لَوْ قَدَّمَ عَنْ الْوَسَطِ، وَهَذَا مُلَخَّصُ تَحْرِيرِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ فِي الْمُتَرَدِّدِ، وَمِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ الْمُقْتَصِرُ عَلَى كُوعَيْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَالْمُتَيَمِّمُ عَنْ أَرْضٍ مُصَابَةٍ بِبَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ، وَالْمُصَلِّي نَاسِيًا لِلْمَاءِ وَيَذْكُرُهُ بَعْدَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يُعِيدُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى ظَاهِرِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كُلُّ مَنْ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مِمَّنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ لَفِي حَقِّهِ الْمُخْتَارِ إلَّا مَنْ تَيَمَّمَ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ، وَالْمُتَيَمِّمُ لِإِعَادَةِ الْحَاضِرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى يَسِيرِ الْمَنْسِيَّاتِ وَلَوْ عَمْدًا، وَمَنْ قَدَّمَ إحْدَى الْحَاضِرَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى نَسِيَانَا، وَالْمُعِيدُ لِصَلَاتِهِ بِنَجَاسَةٍ، فَإِنَّ الْوَقْتَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الضَّرُورِيُّ.
الثَّانِي: كُلُّ مَنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَأُمِرَ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لَا يُعِيدُ إلَّا بِالْوُضُوءِ إلَّا الْمُقْتَصِرَ عَلَى كُوعَيْهِ وَالْمُتَيَمِّمُ عَلَى مُصَابِ الْبَوْلِ وَالْمُصَلِّي مُلَابِسًا لِنَجَاسَةٍ عَجْزًا أَوْ نِسْيَانًا، وَمَنْ يُعِدْ لِتَذَكُّرِ إحْدَى الْحَاضِرَتَيْنِ بَعْدَمَا صَلَّى الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي الْأُولَى وَيَتَيَمَّمُ لِإِعَادَةِ الثَّانِيَةِ، وَمِنْ يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ وَمِنْ يُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ عَلَى يَسِيرِ الْمَنْسِيَّاتِ وَمَنْ تَيَمَّمَ عَلَى حَشِيشٍ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ وَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ ضِيقِ الْوَقْتِ
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يُصَلِّيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (صَلَاتَيْنِ) وَاجِبَتَيْنِ (بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ) الَّذِينَ مَرَّ ذِكْرُهُمْ (إلَّا مَرِيضٌ) فَاعِلٌ يُصَلِّي (لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِجِسْمِهِ مُقِيمٍ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِضَرَرٍ بِمَعْنَى لَازِمٍ لَا يَرْجُو زَوَالَهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ
بِتَيَمُّمٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.
وَالتَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ وَهُوَ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْهَا مِنْ تُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ أَوْ حِجَارَةٍ أَوْ سَبَخَةٍ
يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِمَا شَيْءٌ
[الفواكه الدواني]
الْأُخْرَى فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ، وَهَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ) يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَنْ (يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ وَلَوْ مَرِيضًا فَكَانَ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: لَا فَرْضَ آخَرَ وَإِنْ قَصَدَ أَوْ بَطَلَ الثَّانِي وَلَوْ مُشْتَرَكَةً، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَتْ جِهَةُ الْفَرِيضَةِ أَوْ اخْتَلَفَتْ كَفَرِيضَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَمَنْذُورَةٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يُصَلَّى فَرْضَانِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدِ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ مُبِيحٌ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يُفْعَلُ بِهِ إلَّا أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ، وَقِيلَ يَرْفَعُهُ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِوُجُودِ الْمَاءِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَصْوَبُ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ رَفْعِهِ لِئَلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَهُمَا الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَلَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ يَرْفَعُ لَكَانَ يُبَاحُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْضٍ كَالْوُضُوءِ، لِأَنَّا نَقُولُ: التَّيَمُّمُ فَرْعٌ وَالْوُضُوءُ أَصْلٌ.
(وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ) مَفْرُوضَاتٍ تَرَكَهُنَّ نَسِيَانَا أَوْ نَامَ عَنْهُنَّ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُنَّ ثُمَّ تَابَ وَأَرَادَ قَضَاءَهُنَّ (أَنْ يُصَلِّيَهَا كُلَّهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ) وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ فَرْضٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَيَمُّمٍ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ قَبْلَ هَذَا بِقَلِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ) : وَفُهِمَ مِنْ التَّقَيُّدِ بِالْفَرْضَيْنِ أَنَّ النَّفَلَ يَصِحُّ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ وَلَوْ تَعَدَّدَ كَعِيدٍ وَضُحًى أَوْ فَجْرٍ وَكُسُوفٍ وَلَوْ كَثُرَ النَّفَلُ كَمَا قَدَّمْنَا لَكِنْ بِشَرْطِ اتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنْ لَا تَكْثُرَ جِدًّا
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى سَبَبِ التَّيَمُّمِ وَهُوَ فَقْدُ الْمَاءِ أَوْ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ شَرَعَ فِيمَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّيَمُّمُ) إنَّمَا يَكُونُ (بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ وَهُوَ) أَيْ الصَّعِيدُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ (مَا صَعِدَ) أَيْ ظَهَرَ (عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) حَالَةَ كَوْنِهِ كَائِنًا (مِنْهَا) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ تُرَابٍ) وَهُوَ مَعْرُوفٌ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ نُقِلَ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَوْ رَمْلٍ) وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصَّغِيرَةُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا وَلَوْ نُقِلَتْ أَيْضًا.
(أَوْ حِجَارَةٍ) كَبِيرَةٍ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا تُرَابٌ وَلَوْ نُحِتَتْ بِالْقَدُّومِ كَالْبَلَاطِ وَلَوْ نُقِلَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ طَبْخِهَا، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَى الْجِيرِ وَلَا عَلَى الطُّوبِ الْأَحْمَرِ الْمَعْرُوفِ بِالْآجُرِّ، وَأَمَّا الرُّخَامُ فَإِنْ كَانَ مَصْنُوعًا بِالنَّارِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّم عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَنْحُوتًا بِالْقَدُّومِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَتْهُ صِفَةٌ غَيْرُ الطَّبْخِ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ، فَلِذَا يَصِحُّ عَلَى بَلَاطِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا كَالرَّحَى السُّفْلَى وَالْعُلْيَا كُسِرَتْ أَمْ لَا، كَمَا يَصِحُّ عَلَى تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِأَدَائِهِ إلَى تَعْفِيرِهِ.
(أَوْ سَبَخَةٍ) وَهِيَ الْأَرْضُ ذَاتُ الْمِلْحِ، وَكَذَلِكَ الثَّلْجُ وَالْخِضْخَاضُ لَكِنَّ الثَّلْجَ يُتَيَمَّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، لِأَنَّا نَقُولُ: لِمَا جَمَدَ عَلَيْهِ الْتَحَقَ بِأَجْزَائِهَا، وَأَمَّا الْخِضْخَاضُ إنَّمَا يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ.
1 -
وَكَذَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَى نَحْوِ الشَّبِّ وَالْكِبْرِيتِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ فِي مَحَلِّهَا سِوَى مَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالْجَوْهَرِ، وَأَمَّا لَوْ نُقِلَتْ بِحَيْثُ صَارَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ كَالْعَقَاقِيرِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا، وَقَيَّدْنَا النَّقْلَ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نَقْلِهَا لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ نُقِلَتْ فِي مَحَلِّهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ أَوْ جُعِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ حَائِلٌ فَلَا يُمْنَعُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَادِنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَقَعُ بِهِ تَوَاضُعٌ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَلَوْ فِي مَحَلِّهَا وَلَوْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ لِلَّخْمِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا إذَا تَعَذَّرَ غَيْرُهَا وَضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَكِنْ وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا عَلَى تُرَابِهَا، وَمِنْهُمْ مِنْ جَوَّزَ التَّيَمُّمُ عَلَى عَيْنِهَا، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا عَنْ نَحْوِ الْحَصِيرِ وَالْخَشَبِ وَالْحَلْفَاءِ وَالنَّجِيلِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَجِدْ سِوَاهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمُقَابِلِ فَيَجُوزُ إذَا عَدِمَ غَيْرَهَا وَتَعَذَّرَ قَلْعُهَا وَضَاقَ الْوَقْتُ وَعَلَى الْمَشْهُورِ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتَهَا طَهُورًا» وَفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ الطَّيِّبَ بِالطَّاهِرِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ
1 -
(تَتِمَّةٌ) : لَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ الصَّعِيدَ إلَّا بِالثَّمَنِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُعْتَادِ الَّذِي لَمْ يَحْتَجْ لَهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ مِمَّنْ وَهَبَهُ لَهُ لَا قَبُولَ ثَمَنِهِ وَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعِطْفِ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ وَقَبُولُ هِبَةِ مَا لَا ثَمَنَ لَهُ وَقَرْضُهُ وَأَخْذُهُ بِثَمَنٍ اُعْتِيدَ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ وَإِنْ بِذِمَّتِهِ وَطَلَبَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ تَوَهَّمَهُ لَا تَحَقَّقَ عَدَمَهُ طَلَبًا لَا يَشُقُّ بِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَلَا عَلَى نَحْوِ الْحَصَّادِ اسْتِصْحَابُ الْمَاءِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
نَفَضَهُمَا نَفْضًا خَفِيفًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ كُلَّهُ مَسْحًا، ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ فَيَمْسَحُ يُمْنَاهُ بِيُسْرَاهُ يَجْعَلُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُمِرُّ أَصَابِعَهُ عَلَى ظَاهِرِ يَدِهِ وَذِرَاعِهِ وَقَدْ حَنَى عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ كَفَّ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِ ذِرَاعِهِ مِنْ طَيِّ مِرْفَقِهِ قَابِضًا عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكُوعَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ
[الفواكه الدواني]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهِ فَقَالَ: (يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا فَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ نَشَأَ مِنْ قَوْلِهِ: وَالتَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ تَقْدِيرُهُ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ: يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ تَيَمَّمَ بِغَيْرِهَا مِنْ أَعْضَائِهِ فَإِنْ عَجَزَ اسْتَنَابَ فَإِنْ لَمْ تُمْكِنُهُ الِاسْتِنَابَةُ مَرَّغَ وَجْهَهُ فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ إلَى الْأَرْضِ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ كَمَا قَالَ الْقَابِسِيُّ فِي الْمَرْبُوطِ الْمُعَلَّقِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ بِالضَّرْبِ وَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ مُسَمِّيًا نَاوِيًا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَهَذَا الْوَضْعُ فَرْضٌ فَلَوْ لَاقَى بِيَدَيْهِ الْغُبَارَ مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ لَا يَكْفِي لِأَنَّ الْوَضْعَ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِيَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ التُّرَابِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ عَلَى الصُّخُورِ وَالْحِجَارَةِ الَّتِي لَا غُبَارَ عَلَيْهَا.
(فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِمَا شَيْءٌ) مِنْ غُبَارِ الْأَرْضِ (نَفَضَهُ) اسْتِحْبَابًا (نَفْضًا خَفِيفًا) لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمُتَعَلِّقُ وَجْهَ الْمُتَيَمِّمِ، وَلَا يُقَالُ: مِنْ سُنَنِ التَّيَمُّمِ نَقْلُ مَا تَعَلَّقَ بِالْيَدَيْنِ إلَى الْعُضْوِ فَكَيْفَ يُسْتَحَبُّ نَفْضُهُمَا؟ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ عَدَمُ مَسْحِهِمَا بِشَيْءٍ قَبْلَ مُلَاقَاةِ الْعُضْوِ، وَلِذَا لَوْ مَسَحَ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَإِنَّمَا فَاتَهُ السُّنَّةُ وَلَوْ كَانَ الْمَسْحُ قَوِيًّا، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ عِنْدَ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَوْ أَخَّرَهَا لِوَجْهِهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ عِنْدَ فِعْلِ أَوَّلِ وَاجِبٍ لَا عِنْدَ أَخْذِ الْمَاءِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ ضَعْفُ الْفَرْعِ، وَيَنْوِي فَرْضَ التَّيَمُّمِ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَدَثِ وَيُلَاحَظُ الْأَكْبَرُ إنْ كَانَ، فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَعَرَّض لِلْأَكْبَرِ وَصَلَّى أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا بَعْدَ تَيَمُّمِهِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا وَلَا يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ عَلَى الْمُقَابِلِ فَكَيْفَ بِالْمَشْهُورِ الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ لِلْحَدَثِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَيِّنَ الصَّلَاةَ الَّتِي يُرِيدُ فِعْلَهَا مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ هُمَا عَلَى الْعُمُومِ لِاسْتِبَاحَةِ مُطْلَقِ صَلَاةِ الصَّادِقِ بِالْفَرْضِ وَحْدَهُ أَوْ النَّفْلِ وَحْدَهُ فَيُصَلِّي بِهِ النَّفَلَ لَا الْفَرْضَ، لِأَنَّ الْفَرْضَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ، فَيَكُونُ كَمَنْ نَوَى النَّفَلَ فَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ.
وَمِثْلُهُ مَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ فَرْضٍ مُطْلَقٍ ثُمَّ ذَكَرَ فَائِتَةً فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَكَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا مُعَيَّنًا فَلَا يُصَلِّي بِهِ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ مُطْلَقَ فَرْضٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ مَا حَضَرَ وَقْتُهُ مِنْ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَفْعَالِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فَعَلَ لَهُ فَيَبْطُلُ بِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ وَلَوْ عَجْزًا أَوْ نِسْيَانًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ فَرَّقَ تَيَمُّمَهُ وَكَانَ أَمَدًا قَرِيبًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَبَاعَدَ ابْتَدَأَ تَيَمُّمَهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يُطْلَبُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ يُغْتَفَرُ فِيهِ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ نَفْضِ يَدَيْهِ مِنْ الْغُبَارِ (يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ كُلَّهُ مَسْحًا) خَفِيفًا فَلَا يَتَتَبَّعُ أَسَارِيرَ الْجَبْهَةِ وَكَذَا سَائِرُ غُضُونِ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا يَتَتَبَّعُ الْوَتْرَةَ وَحُجَّاجَ الْعَيْنَيْنِ وَالْعُنْفُقَةَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَعْرٌ، وَيُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى شَعْرِ لِحْيَتِهِ الطَّوِيلَةِ كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً وَلَا يُخَلِّلُهَا وَيَبْلُغُ بِهِمَا حَيْثُ يَبْلُغُ بِهِمَا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مَسْحِ وَجْهِهِ يُسَنُّ أَنْ (يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ) ضَرْبَةً ثَانِيَةً تُقَوِّي مَا بَقِيَ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبَةِ الْأُولَى (فَيَمْسَحُ) وُجُوبًا وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ أَنْ يَمْسَحَ (يُمْنَاهُ بِيُسْرَاهُ) وَذَلِكَ بِأَنْ (يَجْعَلَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى) غَيْرَ الْإِبْهَامِ (عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى) سِوَى الْإِبْهَامِ (ثُمَّ يُمِرُّ أَصَابِعَهُ عَلَى ظَاهِرِ يَدِهِ) يَعْنِيَ كَفَّهُ سِوَى الْإِبْهَامِ (وَ) عَلَى ظَاهِرِ (ذِرَاعِهِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ حَنَى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ظَاهِرِ ذِرَاعِهِ دُونَ كَفِّهِ (أَصَابِعَهُ) وَيَسْتَمِرُّ يَمْسَحُ (حَتَّى يَبْلُغَ الْمِرْفَقَيْنِ) تَثْنِيَةُ مِرْفَقٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ بَيَانَ غَايَةِ الْمَسْحِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَدَيْنِ وَإِلَّا كَانَ يَقُولُ الْمِرْفَقُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ لِأَنَّ كُلَّ يَدٍ لَهَا مِرْفَقٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا يَتَّكِئُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ.
وَقَيَّدَ مُرُورَ الْأَصَابِعِ عَلَى الذِّرَاعِ بِالْإِنْحَاءِ لِيَتَحَقَّقَ مَسْحُ جَانِبَيْ ذِرَاعِهِ فِي حَالِ مَسْحِ ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا ظَاهِرُ الْكَفِّ فَالْأَصَابِعُ فَوْقُهُ وَغَيَّا بِحَتَّى لِلْإِشَارَةِ إلَى دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْمَسْحِ، لِأَنَّ الْأَصَحَّ دُخُولُ الْغَايَةِ مَعَ حَتَّى بِخِلَافِ إلَى، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْحِ مِنْ الْكُوعِ إلَى الْمِرْفَقِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ لِلْكُوعَيْنِ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ وَاجِبٌ، وَعَلَى كُلٍّ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى كُوعَيْهِ فَصَلَّى فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِّ مَسْحِ يَدَيْهِ نَزْعُ خَاتَمِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي اتِّخَاذِهِ كَأَسَاوِرِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ اتَّسَعَ مَا ذَكَرَ لِيَمْسَحَ مَا تَحْتَهُ وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ، وَيَكْفِي تَخْلِيلُ وَاحِدٍ بَعْدَ تَمَامِ التَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ تَخْلِيلَ كُلٍّ عِنْدَ مَسْحِهَا، وَيَكُونُ التَّخْلِيلُ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ لَا بِأَجْنَابِهَا لِعَدَمِ مَسْحِهَا لِلتُّرَابِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْعَاجِزُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ظَاهِرِ الْيَمِينِ بِتَمَامِ مِرْفَقِهَا (يَجْعَلُ كَفَّ يَدِهِ الْيُسْرَى) وَالْمُرَادُ كَفَّ الْيَدِ لَا أَصَابِعَهَا لِأَنَّهُ قَدْ مَسَحَ بِهَا الظَّاهِرَ، وَإِنَّمَا قَالَ يَجْعَلُ يَدَهُ وَلَمْ يُضْمِرْ بِأَنْ يَقُولَ ثُمَّ يَجْعَلَهَا كَمَا هُوَ الصِّنَاعَةُ الْعَرَبِيَّةُ،
يُجْرِي بَاطِنَ بُهْمِهِ عَلَى ظَاهِرِ بُهْمِ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى هَكَذَا، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ مَسَحَ كَفَّهُ الْيُمْنَى بِكَفِّهِ الْيُسْرَى إلَى آخِرِ أَطْرَافِهِ وَلَوْ مَسَحَ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَيْفَ شَاءَ وَتَيَسَّرَ عَلَيْهِ وَأَوْعَبَ الْمَسْحَ لَأَجْزَأَهُ،
وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ الْمَاءَ لِلطُّهْرِ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا فَإِذَا وَجَدَا الْمَاءَ تَطَهَّرَا وَلَمْ يُعِيدَا مَا صَلَّيَا
وَلَا يَطَأُ الرَّجُلُ
[الفواكه الدواني]
لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْحِ بِالْيُسْرَى لِئَلَّا يَتَبَادَرَ إلَى الذِّهْنِ أَصَابِعُهَا لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: يَجْعَلُ أَصَابِعَ يَدَهُ الْيُسْرَى وَهُوَ غَيْرِ صَحِيحٍ كَمَا عَلِمْت.
(عَلَى بَاطِنِ ذِرَاعِهِ) الْأَيْمَنِ مُبْتَدِئًا لَهُ (مِنْ طَيِّ مِرْفَقِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (قَابِضًا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى بَاطِنِ ذِرَاعِهِ وَيَكُونُ فِي حَالِ قَبْضِهِ فِي مَسْحِهِ رَافِعًا إبْطَهُ (حَتَّى يَبْلُغَ الْكُوعَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى) وَهُوَ رَأْسُ الْوَتَدِ لِمَا يَلِي الْإِبْهَامَ، وَلَوْلَا إرَادَتُهُ زِيَادَةَ الْإِيضَاحِ لَقَالَ مِنْهَا، وَيُعْلَمُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْيُمْنَى لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مَسْحِ بَاطِنِ ذِرَاعِهِ (يُجْرِي) أَيْ يُمِرُّ (بَاطِنَ بُهْمِهِ) أَيْ إبْهَامِهِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى (عَلَى ظَاهِرِ بُهْمِ يَدِهِ الْيُمْنَى) لِأَنَّهُ إنَّمَا مَسَحَ أَوَّلًا ظَاهِرَ كَفِّهِ سِوَاهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَرْكِ مَسْحِ الْإِبْهَامَ مَعَ مَسْحِ الْكَفِّ وَإِمْرَارِ الْبُهْمِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ لِابْنِ الطَّلَّاعِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ يَمْسَحُ ظَاهِرَ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى مَعَ مَسْحِ ظَاهِرِ أَصَابِعِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَفِّ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ صَرِيحُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكُوعَ أَنَّهُ لَا يُكَمِّلُ مَسْحَ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى بَلْ يُبْقِي بَاطِنَ الْكَفِّ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَطَرِيقَةُ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَمْسَحَ بَاطِنَ الْكَفِّ مِنْ الْيُمْنَى إلَى آخِرِ الْأَصَابِعِ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: وَبَدَأَ بِظَاهِرِ يُمْنَاهُ بِيُسْرَاهُ إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ يَمْسَحُ الْبَاطِنَ لَآخِرِ الْأَصَابِعِ ثُمَّ يُسْرَاهُ كَذَلِكَ.
وَفَسَّرْنَا الْبُهْمَ بِالْإِبْهَامِ لِمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ فِي الْأُصْبُعِ الْمَعْرُوفِ بَهْمًا وَإِنَّمَا يَقُولُونَ إبْهَامًا، وَإِنَّمَا الْبَهْمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ جَمْعُ بَهِيمَةٍ وَهِيَ أَوْلَادُ الضَّأْنِ، وَأَمَّا الْبُهْمُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ جَمْعُ بَهْمَةٍ وَهِيَ الشُّجْعَانُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُصَنِّفُ أَكْثَرُ اطِّلَاعًا مِنْ الْفَاكِهَانِيِّ، وَالِاعْتِرَاضُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِسَائِرِ اللُّغَةِ وَهَذَا مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذَّرٌ.
(ثُمَّ) إذَا فَرَغَ مِنْ مَسْحِ الْيَدِ الْيُمْنَى إلَى آخِرِ الْأَصَابِعِ عَلَى طَرِيقِ الْأَكْثَرِ يَنْتَقِلُ (مَسْحُ) الْيَدِ (الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى هَكَذَا) أَيْ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي مَسْحِ الْيُمْنَى، فَيَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى غَيْرَ الْإِبْهَامِ ثُمَّ يُمِرُّ أَصَابِعَهُ عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ وَذِرَاعِهِ وَقَدْ حَنَى عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ حَتَّى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ يَجْعَلُ كَفَّهُ عَلَى بَاطِنِ ذِرَاعِهِ مِنْ طَيِّ مِرْفَقِهِ قَابِضًا عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ الْكُوعَ وَيُجْزِئُ بَاطِنُ بُهْمِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ بُهْمِ الْيُسْرَى.
(فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ) مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى (مَسَحَ كَفَّهُ الْيُمْنَى بِكَفِّهِ الْيُسْرَى إلَى آخِرِ أَطْرَافِهِ) أَيْ أَطْرَافِ الْكَفِّ أَرَادَ بِهِ بَاطِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعَ، وَصَرِيحُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ بَاطِنَ كَفِّ الْيُمْنَى لَمْ يُمْسَحْ قَبْلَ الِانْتِقَالِ إلَى الْيُسْرَى، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ لِيَبْقَى مَا عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ طَرِيقَةَ الْأَكْثَرِ وَقَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا اسْتَكْمَلَ الْيُمْنَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْيُسْرَى مُحَافَظَةً عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَنْدُوبِ بَيْنَ الْمَيَامِنِ وَالْمَيَاسِرِ.
(فَائِدَةٌ) الْكُوعُ آخِرُ السَّاعِدِ وَأَوَّلُ الْكَفِّ وَقِيلَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ، وَأَمَّا الَّذِي يَلِي الْخِنْصَرُ فَهُوَ الْكُرْسُوعُ وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهَا رُسْغٌ وَهَذَا فِي الْيَدِ، وَأَمَّا الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الرَّجُلِ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْبُوعِ، وَلِبَعْضِ أَصْحَابِنَا:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ مِنْ طَرَفِ سَاعِدٍ ... هُوَ الْكُوعُ وَالْكُرْسُوعُ مِنْ خِنْصَرٍ تَلَا
وَمَا بَيْنَ ذَيْنِ الرُّسْغِ وَالْبُوعِ مَا يَلِي ... لِإِبْهَامِ رَجُلٍ فِي الصَّحِيحِ الَّذِي انْجَلَا
(وَلَوْ) خَالَفَ الصِّفَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَ (مَسَحَ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَيْفَ شَاءَ وَتَيَسَّرَ عَلَيْهِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (أَوَعَبَ الْمَسْحَ) وَلَوْ بَدَأَ مِنْ الْمَرَافِقِ أَوْ قَدَّمَ مَسْحَ الْبَاطِنِ عَلَى الظَّاهِرِ (لَأَجْزَأَهُ) لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فَقَطْ، وَالْفَرْضُ التَّعْمِيمُ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَإِلَى الْمِرْفَقَيْنِ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْعَبَ يُوهِمُ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْكُوعَيْنِ لَا يُجْزِي، وَيُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمُقْتَصِرَ عَلَى كُوعَيْهِ فِي الْمَسْحِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا إعَادَةَ مَعَهُ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْمُحْدِثُ حَدَّثَا أَكْبَرَ لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَعُمُّ جَمِيعَ ظَاهِرِ جَسَدِهِ قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ الْمَاءَ لِلطُّهْرِ) لِجَمِيعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ (تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا) وَلَوْ وَجَدَا مَا يَكْفِي مَوَاضِعَ الْأَصْغَرِ وَيَتَيَمَّمَانِ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ، فَالْآيِسُ أَوْ الْمُخْتَارُ وَالْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وَسَطَهُ وَالرَّاجِي أَوْ الْمُتَيَقِّنُ آخِرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُصَنِّفُ قَدَّمَ أَنَّ مِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] فَلِأَيِّ شَيْءٍ نَصَّ عَلَى خُصُوصِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى الْقَائِلِ: إنَّ الَّذِي يَتَيَمَّمُ صَاحِبُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ إنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ عُمُومُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] فَإِنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِمَرِيضٍ وَلَا مُسَافِرٍ، وَخَبَرُ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ: أَجْنَبْت فَتَمَعَّكْت أَيْ تَمَرَّغْت فِي التُّرَابِ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيك لَوْ
امْرَأَتَهُ الَّتِي انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ بِالطُّهْرِ بِالتَّيَمُّمِ حَتَّى يَجِدَ مِنْ الْمَاءِ مَا تَتَطَهَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ مَا يَتَطَهَّرَانِ بِهِ جَمِيعًا وَفِي بَابِ جَامِعِ الصَّلَاةِ شَيْءٌ مِنْ مَسَائِلِ التَّيَمُّمِ.
[الفواكه الدواني]
فَعَلْت بِيَدَيْك هَكَذَا» وَوَصَفَ لَهُ التَّيَمُّمَ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
وَأَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَيَتَيَمَّمَانِ اتِّفَاقًا.
(فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ) الْكَافِي لَهُمَا (تَطَهَّرَا وَلَمْ يُعِيدَا مَا صَلَّيَا) بِالتَّيَمُّمِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الْعِبَادَةِ بِفِعْلِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الطُّهْرُ لِبَقَاءِ حَدَثِهِمَا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ لِلْعِبَادَةِ فَقَطْ أَوْ رَافِعٌ رَفْعًا مُقَيَّدًا، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْإِعَادَةِ لِمَا صَلَّيَاهُ بِالتَّيَمُّمِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا تَقْصِيرٌ فِي طَلَبِ الْمَاءِ كَوَاجِدِهِ بِقُرْبِهِ أَوْ رَحْلِهِ، أَوْ تَيَمَّمَا لِخَوْفِ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ وَتَبَيَّنَ عَدَمُهُمَا كَمَا مَرَّ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعِيدَا مَا صَلَّيَا أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ بَعْدَ صَلَاتَيْهِمَا بِالتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَا الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَلَوْ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَاهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا وَقَبْلَ فَرَاغِهَا وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا وَلَكِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لِلْغُسْلِ وَإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُمَا يُصَلِّيَانِ بِالتَّيَمُّمِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ بِمُبْطِلِ الْوُضُوءِ وَبِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا فِيهَا إلَّا نَاسِيَهُ فَيَقْطَعُ إنْ كَانَ مُتَّسَعًا وَإِلَّا فَلَا.
(فَائِدَةٌ) : لَوْ كَانَ الْمَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ مَثَلًا وَلَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ وَاتَّحَدَ حَدَثُهُمَا فَإِنَّهُمَا يَتَقَاوَمَانِ الْمَاءَ حَيْثُ كَانَ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، فَمَنْ بَلَغَهُ الثَّمَنُ اللَّازِمُ شِرَاؤُهُ بِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ الْمُعْتَادُ اخْتَصَّ بِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ حَدَثَاهُمَا اخْتَصَّ بِهِ صَاحِبُ الْأَشَدِّ كَالْجُنُبِ عَلَى صَاحِبِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَكَالْحَائِضِ عَلَى الْجُنُبِ، وَكَالنُّفَسَاءِ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَا مُعْدَمَيْنِ لَكَانَ لَهُمَا بَيْعُهُ وَالتَّسَاهُمُ عَلَيْهِ فَمَنْ خَرَجَ لَهُ اسْتَعْمَلَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُوسِرُ أَحَدَهُمَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ ثَمَنِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْمُعْدَمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَحْتَاجُ لَهَا لِنَحْوِ شُرْبِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا لِنَظَافَةِ أَعْضَائِهِ دُونَ شَرِيكِهِ فَيَخْتَصُّ بِهِ دُونَ شَرِيكِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَقُدِّمَ ذُو مَاءٍ مَاتَ وَمَعَهُ جُنُبٌ إلَّا لِخَوْفِ عَطَشٍ كَكَوْنِهِ لَهُمَا وَضَمِنَ قِيمَتَهُ.
وَلَمَّا كَانَ التَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فِي نَحْوِ الْعِبَادَاتِ وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَكَانَ فَرْضُهَا التَّيَمُّمُ فَلَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا بِهِ دُونَ الْغُسْلِ قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) أَوْ أَمَتَهُ وَلَوْ كَافِرَةً (الَّتِي انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ بِالطُّهْرِ بِالتَّيَمُّمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] أَيْ بِالْمَاءِ ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: فِي الْحَيْضِ وَمِثْلُهُ النِّفَاسُ، وَمَنَعَ صِحَّةَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَوُجُوبَهُمَا وَطَلَاقًا وَبَدْءَ عِدَّةٍ وَوَطْءَ فَرْجٍ أَوْ تَحْتَ إزَارٍ وَلَوْ بَعْدَ نَقَاءٍ وَتَيَمُّمٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَضَرَّرَ الزَّوْجُ مِنْ تَرْكِ الْوَطْءِ وَيَتَعَذَّرُ عَلَى الْمَرْأَةِ الطُّهْرُ بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ مَنْ رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ بِالتَّيَمُّمِ الْجَائِزِ لَهَا.
وَمَفْهُومُ الْوَطْءِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِغَيْرِهِ يَجُوزُ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ عَلَى تَفْصِيلٍ مُحَصَّلُهُ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ حَرَامٌ، فَأَمَّا مَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَلَوْ وَطِئَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَائِضُ تَشُدُّ إزَارَهَا وَشَأْنُك بِأَعْلَاهَا» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا أَيْ يُجَامِعُهَا فِي أَعْكَانِهَا وَبَطْنِهَا أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا هُوَ أَعْلَاهَا وَلَوْ جَبَرَهَا عَلَى الْغُسْلِ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا عَقِبَهُ وَلَوْ مَعَ الْجَبْرِ وَلَوْ لَمْ تَنْوِ رَفْعَ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ حَلَّ الْوَطْءُ لَا لِرَفْعِ حَدَثٍ وَلِذَلِكَ قُلْنَا وَلَوْ كَافِرَةً، وَالْغُسْلُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ هُوَ الْغُسْلُ الرَّافِعُ لِلْحَدَثِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ الْغُسْلِ أَوْ أَرَادَتْ الْمُسْلِمَةُ الَّتِي اغْتَسَلَتْ بِالْإِكْرَاهِ وَلَمْ تَنْوِ رَفْعَ حَدَثِهَا الصَّلَاةَ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ لِرَفْعِ حَدَثِهَا، وَيَسْتَمِرُّ مَنْعُ وَطْءِ مَنْ كَانَتْ حَائِضًا (حَتَّى يَجِدَ) الزَّوْجُ وَفِي نُسْخَةٍ حَتَّى يَجِدَا (مِنْ الْمَاءِ مَا تَتَطَهَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ) مِنْ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا (ثُمَّ مَا يَتَطَهَّرَانِ بِهِ جَمِيعًا) لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَدَثَ بِإِبْطَالِ طَهَارَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ مَعَ عَدَمِ مَاءٍ تَقْبِيلُ مُتَوَضِّئٍ وَجِمَاعُ مُغْتَسِلٍ إلَّا لِطُولٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: يُؤْخَذُ مِنْ نُسْخَةِ الْإِفْرَادِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَحْصِيلُ الْمَاءِ لِطَهَارَةِ زَوْجَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ وَلَوْ بِاحْتِلَامِهَا أَوْ وَطْءِ الْغَيْرِ لَهَا عَلَى جِهَةِ الْغَلَطِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ لِشُرْبِهَا وَلَوْ بِالثَّمَنِ فِي الْجَمِيعِ.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَنْ عَلِمَ مِنْ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ إنْ وَطِئَ لَيْلًا لَا تَغْتَسِلُ زَوْجَتُهُ إلَّا نَهَارًا وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ إلَّا لَيْلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ وَيَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لَيْلًا فَإِنْ خَالَفَتْ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ.
1 -
وَمَنْ عَلِمَ مِنْ زَوْجَتِهِ أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ إنْ جَامَعَهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَوْ يَجِبُ طَلَاقُهَا؟ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا وَيَأْمُرُهَا بِالْغُسْلِ وَلَوْ بِالضَّرْبِ مَعَ ظَنِّ الْإِفَادَةِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
عَصَتْ وَلَا يَجِبُ طَلَاقُهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِرَاقُهَا فَقَطْ كَاسْتِحْبَابِ فِرَاقِ الزَّانِيَةِ وَمَنْ كَانَتْ عَلَى بِدْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا صَعِيدًا أَوْ وَجَدَ وَلَا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِعْمَالَ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنِيَابَةٍ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ فَقَالَ مَالِكٌ: تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ أَدَاءً وَقَضَاءً، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُؤَدِّي وَلَا يَقْضِي، وَبَعْضُهُمْ عَكَسَهُ، وَلِبَعْضٍ يُؤَدِّي وَيَقْضِي، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَتَسْقُطُ صَلَاةٌ وَقَضَاءٌ بِعَدَمِ مَاءٍ وَصَعِيدٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الطَّهَارَةَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَوُجُوبِهَا مُطْلَقًا، وَأَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِنَا: أَوْ وَجَدَ وَلَا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِعْمَالَ إلَخْ الْمَرِيضُ وَالْمُكْرَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَعَلَى تَرْكِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الطَّهَارَةِ وَلَوْ بِالتَّيَمُّمِ وَيُصَلِّي وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ، هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي بَابِ جَامِعِ الصَّلَاةِ) الْآتِي فِي كَلَامِهِ (شَيْءٌ مِنْ مَسَائِلِ التَّيَمُّمِ) كَمَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِمَرِيضٍ حَائِطُ لَبِنٍ أَوْ حَجَرٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَكْسُوًّا بِالْجِيرِ وَلَا مَسْتُورًا بِنَحْوِ التِّبْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَجَرِ الْجَبَلِيُّ لَا الْآجُرُّ لِأَنَّهُ مَطْبُوخٌ بِالنَّارِ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْبَدَلِيَّةِ وَلَوْ عَنْ جَمِيعِ الْجَسَدِ، شَرَعَ فِي النَّائِبَةِ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِقَوْلِهِ:.
بَابٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بَعْدَ مَا لَمْ يَنْزِعْهُمَا
وَذَلِكَ إذَا أَدْخَلَ فِيهِمَا رِجْلَيْهِ بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُمَا فِي وُضُوءٍ تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ فَهَذَا الَّذِي أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ مَسَحَ عَلَيْهِمَا وَإِلَّا فَلَا،
وَصِفَةُ الْمَسْحِ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ صِفَةِ وَحُكْمِ (الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وَلَمْ يُعَرِّفْهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ حَدُّهُ بِأَنَّهُ إمْرَارُ الْيَدِ الْمَبْلُولَةِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى خُفَّيْنِ مَلْبُوسَيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ تَحِلُّ بِهَا الصَّلَاةُ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ رُخْصَةٌ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ جُمَلٍ وَحَقِيقَةُ الرُّخْصَةِ مَا شُرِعَ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ وَالتَّسْهِيلِ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَغَيِّرُ مِنْ صُعُوبَةٍ لِسُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى رَأْي الْأَكْثَرِ، فَلَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَكْثَرِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُخْتَصَّ بِالْمُكَلَّفِ مِنْ الْحُكْمِ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ، وَأَمَّا النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالْكَرَاهَةُ فَتَتَعَلَّقُ حَتَّى بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَعَلَى هَذَا فَتَجْرِي هَذِهِ الرُّخْصَةُ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ نَحْوِ قَصْرِ الصَّلَاةِ حَتَّى فِي قَصْرِ الصَّبِيِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي حَقِّهِ مَنْدُوبَةٌ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الصَّبِيَّ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِهِ وَحُكْمُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ الْإِبَاحَةُ، وَقَدْ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ هُنَا مِنْ صُعُوبَةٍ وَهِيَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِسُهُولَةٍ وَهِيَ جَوَازُهُ وَالْعُذْرُ مَشَقَّةُ النَّزْعِ وَاللُّبْسِ، وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَوْنُ الْعُضْوِ قَابِلًا لِلْغَسْلِ وَمُمْكِنًا.
وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ تَكُونُ الرُّخْصَةُ هُنَا مُبَاحَةٌ مَعَ وُجُوبِ الْمَسْحِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: وُجُوبُ الْمَسْحِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ أَرَادَ عَدَمَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ إذْ لَهُ فِعْلُهُ وَفِعْلُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَهَكَذَا حُكْمُ كُلِّ فِعْلَيْنِ يَجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ يَكُونُ كُلٌّ جَائِزًا وَعِنْدَ إرَادَةِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ يَكُونُ وَاجِبًا، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْمَلَ الصَّبِيَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ إبَاحَةِ الْمَسْحِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (وَلَهُ) أَيْ لِلَابِسِ الْخُفِّ عَلَى طَهَارَةٍ تَحِلُّ بِهَا الصَّلَاةُ وَانْتَقَضَتْ وَأَرَادَ الْوُضُوءَ (أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وَمِثْلُهُمَا الْجَوْرَبَانِ وَالْجَوْرَبُ مَا وُضِعَ عَلَى شَكْلِ الْخُفِّ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ وَجِلْدٍ ظَاهِرُهُ وَهُوَ مَا يَلِي السَّمَاءَ وَبَاطِنُهُ وَهُوَ مَا يَلِي الْأَرْضَ (فِي) زَمَنِ (الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ) الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الرُّخْصَةَ الَّتِي تُبَاحُ فِي الْحَضَرِ لَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ فِعْلِهَا فِي السَّفَرِ إبَاحَةٌ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَلَا يَتَقَيَّدُ زَمَانُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا بِزَمَنٍ خَاصٍّ بِحَيْثُ يَجِبُ نَزْعُهُمَا بِانْقِضَائِهِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مُوجِبُ غَسْلٍ (مَا لَمْ يَنْزِعْهُمَا) أَوْ أَحَدَهُمَا مِنْ غَيْرِ مُبَادَرَةٍ إلَى غَسْلِ رِجْلِهِ عَلَى حُكْمِ الْمُوَالَاةِ فَتَبْطُلُ طَهَارَتُهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوُضُوءِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَزَعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا بَادَرَ لِلْأَسْفَلِ كَالْمُوَالَاةِ النَّاسِي يَبْنِي مُطْلَقًا وَالْعَاجِزُ وَالْعَامِدُ حَيْثُ لَا طُولَ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ» وَإِنَّمَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَرَخَّصَ فِيهِ لِمَا يَلْحَقُ الشَّخْصَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ خَلْعِهِ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ تَجْدِيدِ مَسْحِهِ بِغَايَةٍ خَبَرُ: «إذَا أَدْخَلْت رِجْلَيْك فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ تَنْزِعْهُمَا» وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهَذَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ نَزْعِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِغَسْلِهَا.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْخُفَّيْنِ بَلْ مِثْلُهُمَا الْجُرْمُوقَانِ وَهُمَا خُفَّانِ غَلِيظَانِ لَا سَاقَيْنِ لَهُمَا، وَالْجَوْرَبَانِ وَهُمَا عَلَى شَكْلِ الْخُفِّ إلَّا أَنَّهُمَا مِنْ نَحْوِ قُطْنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجِلْدٍ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مِنْ اتِّخَاذِ الْمَلْبُوسِ فِي كُلِّ رِجْلٍ بَلْ لَوْ لَبِسَ فِي كُلِّ رِجْلٍ خُفَّيْنِ أَوْ جَوْرَبَيْنِ أَوْ لَبِسَ صُحُفًا فَوْقَ جَوْرَبٍ أَوْ لَبِسَ فِي رِجْلٍ ثَلَاثَةً وَفِي رِجْلٍ أَقَلَّ حَيْثُ لَبِسَ الْأَعْلَى عَلَى طُهْرٍ كَالْأَسْفَلِ لَا إنْ لَبِسَ الْأَسْفَلَيْنِ عَلَى طُهْرٍ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ الْأَعْلَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَيَيْنِ
(وَذَلِكَ) أَيْ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَشْرُوطٌ بِمَا (إذَا أَدْخَلَ) الْمَاسِحُ (فِيهِمَا رِجْلَيْهِ بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُمَا فِي وُضُوءٍ) أَوْ غُسْلٍ يَرْتَفِعُ
فَوْقِ الْخُفِّ مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَذْهَبَ بِيَدَيْهِ إلَى حَدِّ الْكَعْبَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالْيُسْرَى وَيَجْعَلُ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ فَوْقِهَا وَالْيُمْنَى مِنْ أَسْفَلِهَا
وَلَا يَمْسَحُ عَلَى طِينٍ فِي أَسْفَلِ خُفِّهِ أَوْ رَوْثِ دَابَّةٍ حَتَّى يُزِيلَهُ بِمَسْحٍ أَوْ غَسْلٍ
وَقِيلَ يَبْدَأُ فِي مَسْحِ أَسْفَلِهِ مِنْ الْكَعْبَيْنِ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَى عَقِبِ خُفِّهِ شَيْءٌ مِنْ رُطُوبَةِ
[الفواكه الدواني]
بِهِ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ بِحَيْثُ (تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ) وَتَعْبِيرُهُ بِالْغُسْلِ يُؤْخَذُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ لُبْسِهِمَا عَلَى طَهَارَةٍ وَكَوْنِهَا مَائِيَّةً، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ أَنَّهُ لَبِسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِهِمَا، وَزِيدَ رَابِعٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ عَاصِيًا بِلُبْسِهِ كَالْمُحْرِمِ الَّذِي لَمْ يَضْطَرَّ، وَخَامِسٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لُبْسُهُمَا لِضَرُورَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ خَوْفِ عَقَارِبَ أَوْ لِدَفْعِ مَشَقَّةِ النَّزْعِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَوْ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ لِعَادَةٍ كَكَوْنِهِ مِنْ الْجُنْدِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ نَحْوِ الْقُضَاةِ لَا إنْ لَبِسَهُمَا لِلتَّرَفُّهِ وَالْعَظَمَةِ أَوْ فَعَلَ فِي رِجْلَيْهِ حِنَّاءَ مَثَلًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَبِسَهُ لِيَمْسَحَ لِئَلَّا تَزُولَ بِالْغَسْلِ فَلَا يَمْسَحُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّرُوطَ أَحَدَ عَشَرَ، خَمْسَةٌ فِي الْمَاسِحِ وَقَدْ عَلِمْتهَا وَأَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِطَهَارَةِ مَاءٍ كَمَّلْت بِلَا تَرَفُّهٍ وَعِصْيَانٍ بِلُبْسِهِ أَوْ سَفَرٍ عَلَى مُسَامَحَةٍ فِي السَّفَرِ، وَسِتَّةٌ فِي الْمَمْسُوحِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ جِلْدًا طَاهِرًا مَخْرُوزًا سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَلَوْ نَقَصَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَخْرُوقًا قَدْرَ ثُلُثِ الْقَدَمِ لَا أَقَلَّ إنْ الْتَصَقَ وَأَنْ يُمْكِنَ تَتَابُعُ الْمَشْيِ بِهِ، وَالسَّادِسُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْخُفِّ حَائِلٌ فَإِنْ مَسَحَ فَوْقَ الْحَائِلِ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ مَسْحَهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ بِأَعْلَاهُ وَيُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ إنْ كَانَ بِأَسْفَلِهِ.
(فَهَذَا) الَّذِي أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ الْمَوْصُوفَيْنِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ هُوَ (الَّذِي إذَا أَحْدَثَ) بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ حَدَثًا أَصْغَرَ (وَتَوَضَّأَ مَسَحَ عَلَيْهِمَا) وَمَعْنَى تَوَضَّأَ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا (وَإِلَّا) بِأَنْ أَدْخَلَهُمَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ عَلَى طَهَارَةٍ تُرَابِيَّةٍ أَوْ مَائِيَّةٍ نَاقِصَةٍ بِأَنْ لَبِسَهُمَا بَعْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ مُنَكِّسًا أَوْ كَانَ مُتَرَفِّهًا بِلُبْسِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْخُفُّ جِلْدًا (فَلَا) يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ فَقَالَ: (وَصِفَةُ الْمَسْحِ) عَلَى الْخُفَّيْنِ الْكَامِلَةُ (أَنْ يَجْعَلَ) الْمَاسِحُ (يَدَهُ الْيُمْنَى) حَالَ الْمَسْحِ عَلَى ظَهْرِ رِجْله الْيُمْنَى (مِنْ فَوْقِ الْخُفِّ) مُبْتَدِئًا (مِنْ طَرَفِ) بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ (الْأَصَابِعِ) مِنْ رِجْلِهِ الْيُمْنَى (وَ) يَجْعَلُ (يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِ ذَلِكَ) الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ (يَذْهَبُ) أَيْ يَمُرُّ (بِيَدَيْهِ) مَاسِحًا (إلَى حَدِّ) أَيْ مُنْتَهَى (الْكَعْبَيْنِ) أَيْ النَّاتِئَيْنِ بِطَرَفِ السَّاقَيْنِ وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْمَسْحِ كَمَا يُدْخِلُهُمَا فِي غَسْلِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ، وَيُكْرَهُ تَتَبُّعُ غُضُونِهِ وَهِيَ تَجْعِيدَاتِهِ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَيَكُونُ الْمَسْحُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا يُكَرِّرُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ غَسْلُهُ وَتَكْرَارُهُ وَتَتَبُّعُ غُضُونِهِ.
(وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِ) رِجْلِهِ (الْيُسْرَى) مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْيُمْنَى مِنْ الْبُدَاءَةِ مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ وَالْمُرُورِ بِالْيَدَيْنِ إلَى آخِرِ الْكَعْبَيْنِ.
(وَ) لَكِنْ هُنَا (يَجْعَلُ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ فَوْقِهَا وَ) يَجْعَلُ (الْيُمْنَى مِنْ أَسْفَلِهَا) عَكْسُ وَضْعِهِمَا عِنْدَ مَسْحِ الْيُمْنَى لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَهَذَا قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: الْوَضْعُ فِي مَسْحِ الْيُسْرَى كَالْوَضْعِ فِي مَسْحِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَوَضَعَ يُمْنَاهُ عَلَى طَرَفِ أَصَابِعِهِ وَيُسْرَاهُ تَحْتَهَا وَيُمِرُّهُمَا لِكَعْبَيْهِ، وَهَلْ الْيُسْرَى كَذَلِكَ أَوْ الْيُسْرَى فَوْقَهَا تَأْوِيلَانِ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ طَلَبِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَسْحِ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَقْوَالٍ: مَشْهُورُهَا يَجِبُ مَسْحُ الْأَعْلَى وَيُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْأَسْفَلِ، وَقِيلَ: مَسْحُ الْأَسْفَلِ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَبَطَلَتْ إنْ تَرَكَ أَعْلَاهُ لَا أَسْفَلَهُ فَفِي الْوَقْتِ وَتَرْكُ الْبَعْضِ كَتَرْكِ الْكُلِّ
1 -
الثَّانِي: إذَا جَفَّتْ يَدُهُ فِي حَالِ الْمَسْحِ فِي أَثْنَاءِ الرِّجْلِ كَمَا مَسَحَهَا بِغَيْرِ تَجْدِيدٍ وَجَدَّدَ لِلرِّجْلِ الْأُخْرَى، وَلَيْسَ مَسْحُ الْخُفَّيْنِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ فِي وُجُوبِ التَّجْدِيدِ لَهُ وَلَوْ جَفَتْ يَدُهُ فِي أَثْنَائِهِ، لِأَنَّ الرَّأْسَ هُوَ الْمُطَهَّرُ فَيَحَبُّ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ الْمَاءَ، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُطَهَّرَ وَإِنَّمَا الْمُطَهَّرُ الرِّجْلُ فَلَا مَعْنَى لِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَحَلٍّ لَا يَتَطَهَّرُ، وَإِنَّمَا طَلَبَ الشَّارِعُ نَقْلَ الْمَاءِ إلَيْهِ أَوْ أَنَّ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِلْخُفِّ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِهِ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ مَنْهِيُّ عَنْهَا.
الثَّالِثُ: قَالَ الْجُزُولِيُّ: يُطْلَبُ مِنْ الْمَاسِحِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مَسْحِ يُمْنَاهُ غَسْلُ يَدِهِ الْيُسْرَى الَّتِي مَسَحَ بِهَا أَسْفَلَ خُفِّهِ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا مَا يُنَجِّسُ خُفَّ الْيُسْرَى
وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ عَدَمُ الْحَائِلِ قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَمْسَحَ عَلَى طِينٍ فِي أَسْفَلِ) أَوْ أَعْلَى (خُفِّهِ أَوْ) أَيْ وَلَا عَلَى (رَوْثِ دَابَّةٍ) كَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ (حَتَّى يُزِيلَهُ بِمَسْحٍ) وَلَوْ بِطِينٍ أَوْ خِرْقَةٍ تُزِيلُ الْعَيْنَ.
(أَوْ غَسْلٍ) لِيَقَعَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الطَّاهِرِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ هُنَا بِالْمَسْحِ الْمُزِيلِ لِلْعَيْنِ رِفْقًا بِصَاحِبِ الْخُفِّ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُعْفَى عَنْهُ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمَعْفُوَّاتِ: وَخُفٌّ وَنَعْلٌ مِنْ رَوْثِ دَوَابَّ وَبَوْلِهَا إنْ دَلْكًا لَا غَيْرَهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ حَيْثُ كَانَ الْمَحَلُّ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّوَابُّ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ غَيْرَ الطِّينِ وَالرَّوْثِ الْمَذْكُورِ كَبَوْلٍ أَوْ عُذْرَةِ الْآدَمِيِّ لَا يَكْفِي فِيهِ الْمَسْحُ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ
مَا مَسَحَ مِنْ خُفَّيْهِ مِنْ الْقَشَبِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَسْفَلِهِ طِينٌ فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلَهُ.
[الفواكه الدواني]
الْمُطْلَقِ حَيْثُ يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَسَحَ عَلَى الطِّينِ أَوْ الرَّوْثِ فَإِنْ كَانَ بِأَعْلَى الْخُفِّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ طَاهِرًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ أَعْلَاهُ، وَإِنْ كَانَ بِأَسْفَلِهِ فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ كَانَ الْحَائِلُ طِينًا، وَإِنْ كَانَ رَوْثًا نَجِسًا أَعَادَ أَبَدًا مَعَ الْعَمْدِ وَفِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِأَسْفَلِ الْخُفِّ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ نَحْوَ الطِّينِ وَالرَّوْثِ إنَّمَا يُصِيبَانِ الْأَسْفَلَ.
وَأَشَارَ إلَى صِفَةٍ أُخْرَى لِلْمَسْحِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ يَبْدَأُ فِي مَسْحِ أَسْفَلِهِ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) مُنْتَهِيًا (إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ) وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ يَضَعُ يُمْنَاهُ عَلَى ظَهْرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَعِلَّةُ الِابْتِدَاءِ فِي مَسْحِ أَسْفَلِهِ مِنْ الْكَعْبَيْنِ (لِئَلَّا يَصِلَ إلَى عَقِبِ خُفِّهِ شَيْءٌ مِنْ رُطُوبَةِ مَا مَسَحَ مِنْ خُفَّيْهِ مِنْ الْقَشَبِ) إنْ ابْتَدَأَ مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ وَسَكَتَ عَنْ ابْتِدَاءِ الْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ كَالصِّفَةِ الْأُولَى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: فِي صِفَةِ الْمَسْحِ أَقْوَالٌ: إمَّا يَبْدَأُهُمَا مَعًا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْكَعْبَيْنِ أَوْ يَبْدَأهُمَا مَعًا مِنْ الْكَعْبَيْنِ إلَى الْأَصَابِعِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِأَعْلَى الْخُفِّ مِنْ الْأَصَابِعِ، وَأَسْفَلُهُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ إلَى الْأَصَابِعِ، وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ: وَفِي صِفَتِهِ بَعْدَ زَوَالِ طِينِهِ سِتٌّ الْكَافِي وَكَيْفَمَا مَسَحَ أَجْزَأَهُ فَلَا نُطِيلُ بِبَسْطِ بَاقِي الصِّفَاتِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ فِي أَسْفَلِهِ أَوْ أَعْلَاهُ طِينٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فَلَا يَمْسَحُ) عَلَى الْخُفِّ (حَتَّى يُزِيلَهُ) فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَمْسَحُ عَلَى طِينٍ فِي أَسْفَلِ خُفِّهِ حَتَّى يُزِيلَهُ بِمَسْحٍ أَوْ غَسْلٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ إنْ مَسَحَ عَلَيْهِ يَكُونُ كَتَرْكِ الْمَسْحِ فَيَبْطُلُ إنْ كَانَ بِأَعْلَاهُ وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ كَانَ بِأَسْفَلِهِ
1 -
(تَنْبِيهٌ) : يَنْتَهِي حُكْمُ الْمَسْحِ بِحُصُولِ مُوجِبِ غُسْلٍ كَحَيْضٍ أَوْ جَنَابَةٍ وَبِخَرْقٍ كَبِيرٍ وَهُوَ قَدْرُ ثُلُثِ الْقَدَمِ أَوْ دُونِهِ إنْ انْفَتِحْ بِحَيْثُ يَصِلُ الْبَلَلُ إلَى الرِّجْلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ خُفَّيْهِ مَعًا وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ، وَمِثْلُ خَرْقٍ كَبِيرٍ نَزْعُ أَكْثَرِ قَدَمِ رِجْلِهِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَالْإِرْشَادِ وَشَهَّرَهُ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَالَ: وَبِنَزْعِ أَكْثَرِ رِجْلٍ لِسَاقِ خُفِّهِ لَا الْعَقِبِ وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَهُ، وَإِنْ نَزَعَ أَكْثَرَ الرِّجْلَ لَا يَضُرُّ وَإِنَّمَا الْمُضِرُّ إخْرَاجُ كُلِّ الرِّجْلِ.
قَالَ فِيهَا: وَإِنْ أَخْرَجَ جَمِيعَ قَدَمِهِ إلَى سَاقِ خُفِّهِ وَكَانَ قَدْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا غَسَلَ مَكَانَهُ فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَشْهِيرِ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ اُنْظُرْ الْأُجْهُورِيَّ عَلَى خَلِيلٍ.
1 -
(خَاتِمَةٌ) لِأَبْوَابِ الطَّهَارَةِ الْبَدَلِيَّةِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِسَالَتِهِ إلَى مَسْحِ الْجَبَائِرِ مَعَ أَنَّ بَيَانَهَا أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهَا.
وَمُحَصَّلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الْمَجْرُوحَ أَوْ الَّذِي يَتَأَلَّمُ صَاحِبُهُ بِمَسِّهِ وَلَمْ يَكُنْ مَجْرُوحًا إنْ خَافَ بِغَسْلِهِ مَرَضًا أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ كَالْخَوْفِ الْمُجَوِّزِ لِلتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِ وُجُوبًا إنْ خَافَ هَلَاكًا، أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَنَدْبًا إنْ خَشِيَ دُونَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مُبَاشَرَتَهُ بِالْمَسْحِ مَسَحَ عَلَى جَبِيرَتِهِ وَهُوَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُجْعَلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مَسَحَ عَلَى الْخِرْقَةِ وَلَوْ انْتَشَرَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ مَحَلِّهِ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ وَلَا يُشْتَرَطُ لُبْسُهَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَمِثْلُ الْجُرْحِ الرَّمَدُ فَلَا يَتَيَمَّمُ الْأَرْمَدُ بِحَالٍ بَلْ يَمْسَحُ وَلَوْ عَلَى الرَّفْرَافِ، وَهَذَا كُلُّهُ إنْ صَحَّ جُلُّ جَمِيعِ جَسَدِهِ إنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ أَوْ جُلُّ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إنْ كَانَ أَصْغَرَ.
وَالْمُرَادُ بِالْجُلِّ مَا فَوْقَ الْأَقَلِّ فَالنِّصْفِ مِنْ الْجُلِّ أَوْ أَقَلُّ الصَّحِيحِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَالْحَالُ أَنَّ غَسْلَ الصَّحِيحِ لَا يَضُرُّ الْجَرِيحَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ الصَّحِيحَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَرِيحِ، وَأَمَّا لَوْ عَمَّتْ الْجِرَاحَاتُ جَمِيعَ الْجَسَدِ أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَوْ كَانَ غَسْلُ الصَّحِيحِ يَضُرُّ الْجَرِيحَ أَوْ أَقَلَّ الصَّحِيحِ جِدًّا بِأَنْ كَانَ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ غَسْلُ الصَّحِيحِ الْجَرِيحَ فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنْ خِيفَ غَسْلُ جُرْحٍ كَالتَّيَمُّمِ مَسَحَ ثُمَّ جَبِيرَتَهُ ثُمَّ عِصَابَتَهُ إنْ صَحَّ جُلُّ جَسَدِهِ أَوْ أَقَلُّهُ وَلَمْ يَضُرَّ غَسْلُهُ وَإِلَّا فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ كَأَنْ قَلَّ جِدًّا كَيَدٍ فَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ وَغَسَلَ الْجَمِيعَ أَجْزَأَ، بِخِلَافِ لَوْ غَسَلَ الصَّحِيحَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَرِيحِ فَلَا يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْأَصْلِ وَلَا بِالْبَدَلِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ عِنْدَ إمْكَانِ مَسِّ الْجِرَاحَاتِ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ، وَأَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ مَسُّهَا بِسَائِرِ الْوُجُوهِ بِأَنْ لَا يَسْتَطِيعُ مَسَّهَا لَا بِالْمَاءِ وَلَا بِالتُّرَابِ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا بِحَائِلٍ، فَإِنْ كَانَتْ بِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ سَقَطَ مَحَلُّهَا وَيَفْعَلُ مَا سِوَاهَا مِنْ غَسْلٍ أَوْ مَسْحٍ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: يَتَيَمَّمُ مُطْلَقًا، يَغْسِلُ الصَّحِيحَ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا: يَتَيَمَّمُ إنْ كَثُرَتْ الْجِرَاحَاتُ وَيَغْسِلُ مَا سِوَاهَا إنْ قَلَّتْ وَكَثُرَ الصَّحِيحُ؛ وَالرَّابِعُ: يَجْمَعُهَا وَيُقَدِّمُ الْغُسْلَ وَيُؤَخِّرُ التَّيَمُّمَ لِيَتَّصِلَ بِالصَّلَاةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْوَسِيلَةِ وَهِيَ الطَّهَارَةُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا: أَصْلِيَّةٌ وَبَدَلِيَّةٌ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَقْصِدِهَا وَهُوَ الصَّلَاةُ مُبْتَدِئًا بِأَوْقَاتِهَا لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِوُجُوبِهَا وَالسَّبَبُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُسَبَّبِ بِقَوْلِهِ:.
بَابٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَأَسْمَائِهَا
أَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ فَأَوَّلُ وَقْتِهَا انْصِدَاعُ الْفَجْرِ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي أَوْقَات الصَّلَاة وَأَسْمَائِهَا]
بَابٌ فِي بَيَانِ مَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالْأَوْقَاتُ جَمْعُ وَقْتٍ وَهُوَ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِلْمُؤَدِّي شَرْعًا مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُوَسَّعًا كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَوْ مُضَيَّقًا كَأَوْقَاتِ الصَّوْمِ فَإِنَّهَا مُضَيَّقَةٌ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ بِمَجِيءِ زَمَنِهِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى أَثْنَاءِ الْوَقْتِ، وَالزَّمَانُ لُغَةً الْمُدَّةُ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ، وَاصْطِلَاحًا مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ لِمُتَجَدِّدٍ مَعْلُومٍ إزَالَةً لِلْإِبْهَامِ مِنْ الْأَوَّلِ بِمُقَارَنَتِهِ لِلثَّانِي كَمَا آتِيك عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا اقْتَرَنَ خَفِيٌّ بِجَلِيٍّ سُمِّيَ الْجَلِيُّ زَمَانًا نَحْوَ: جَاءَ زَيْدٌ طُلُوعَ الشَّمْسِ، فَطُلُوعُ الشَّمْسِ زَمَانُ الْمَجِيءِ إذَا كَانَ الطُّلُوعُ مَعْلُومًا، وَالْمَجِيءُ خَفِيَا وَلَوْ خَفِيَ الطُّلُوعُ عَلَى ضَرِيرٍ أَوْ مَسْجُونٍ مَثَلًا وَقُلْت لَهُ: تَطْلُعُ الشَّمْسُ عِنْدَ مَجِيءِ زَيْدٍ لَكَانَ الْمَجِيءُ زَمَنَ الطُّلُوعِ.
وَالصَّلَاةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدُّعَاءِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، هَذَا مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفُقَهَاءُ، وَقِيلَ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ، وَقِيلَ هُمَا عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقِيلَ مِنْ الرَّحْمَةِ فَهِيَ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ، فَتَدْخُلُ سَجْدَةٌ لِتِلَاوَةٍ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ.
وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي السَّمَاءِ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِالْأَرْضِ وَفَرَضَهَا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَلَى أُمَّتِهِ، وَفِي السَّمَاءِ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيَّتِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ وَزِيدَتْ أَوْ أَرْبَعًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ ثُمَّ قُصِرَتْ قَوْلَانِ، وَكَانَ الْفَرْضُ قَبْلَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ.
وَفِي بَعْضِ شُرَّاحِ مِنْهَاجِ الشَّافِعِيَّةِ مَعْزُوًّا لِلرَّافِعِيِّ: أَنَّ الصُّبْحَ صَلَاةُ آدَمَ، وَالظُّهْرَ صَلَاةُ دَاوُد، وَالْعَصْرَ صَلَاةُ سُلَيْمَانَ، وَالْمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ، وَالْعِشَاءَ لِيُونُسَ، وَأَوْرَدَ خَبَرًا فِي ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ الْقَرَافِيِّ فَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا وَعَلَى الْعَيْنِيَّةِ عِنْدَ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ، وَوُفِّقَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ دُخُولَ وَقْتِهَا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ مُبْهَمَةً وَبَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78] الْآيَةَ، فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ: الظُّهْرِ بِدُلُوكِهَا وَهُوَ مَيْلُهَا عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعِشَاءِ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، وَعَلَى الصُّبْحِ بِقُرْآنِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: دَلَّتْ عَلَى الْخَمْسِ فَدُلُوكُهَا عَلَى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَغَسَقِ اللَّيْلِ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقُرْآنِ الْفَجْرِ عَلَى الصُّبْحِ، وَقَالَ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] فَتُمْسُونَ دَلَّتْ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَتُصْبِحُونَ عَلَى الصُّبْحِ، وَعَشِيًّا عَلَى الْعَصْرِ، وَتُظْهِرُونَ عَلَى الظُّهْرِ.
(وَ) فِي بَيَانِ مَعْرِفَةِ (أَسْمَائِهَا) لِأَنَّ مَعْرِفَتَهَا وَاجِبَةٌ كَمَعْرِفَةِ أَوْقَاتِهَا لِأَنَّ بِهَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ فِي نِيَّتِهِ كَانَتْ بَاطِلَةً وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُوبِهَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، فَجَاحِدُ وُجُوبِهَا أَوْ رُكُوعِهَا أَوْ سُجُودِهَا كَافِرٌ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَبَاقِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ
1 -
وَشُرُوطُهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا فَقَطْ، وَقِسْمٌ شَرْطٌ فِي صِحَّتهَا فَقَطْ، وَالثَّالِثُ شَرْطٌ فِيهِمَا، فَالْأَوَّلُ اثْنَانِ: عَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِهَا وَالْبُلُوغُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَخَمْسَةٌ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَالِاسْتِقْبَالُ وَتَرْكُ الْكَثِيرِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ سِتَّةٌ: قَطْعُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْعَقْلُ وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ وَوُجُودُ الْمَاءِ أَوْ الصَّعِيدِ وَعَدَمُ النَّوْمِ وَالسَّهْوِ وَدُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى قَوْلِ غَيْرِ الْقَرَافِيِّ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ سَبَبٌ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ بِالصَّلَاةِ وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ خِطَابِهِ بِهَا، وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ.
وَكُلُّ صَلَاةٍ لَهَا وَقْتَانِ: أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ، وَوَقْتُ الْأَدَاءِ ضَرُورِيٌّ وَاخْتِيَارِيٌّ، وَالِاخْتِيَارِيُّ إمَّا وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَإِمَّا وَقْتٌ تَوْسِعَةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ كُلِّ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَبَدَأَ بِبَيَانِ وَقْتِ الصُّبْحِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةِ النَّهَارِ فَقَالَ: (أَمَّا صَلَاةُ
الْمُعْتَرِضِ بِالضِّيَاءِ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ ذَاهِبًا مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ حَتَّى يَرْتَفِعَ فَيَعُمَّ الْأُفُقَ وَآخِرُ الْوَقْتِ الْإِسْفَارُ الْبَيِّنُ الَّذِي إذَا سَلَّمَ مِنْهَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ وَمَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ وَاسِعٌ وَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَوَّلُهُ.
وَوَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ
[الفواكه الدواني]
الصُّبْحِ) بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ الَّتِي هِيَ الصُّبْحُ (فَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ (وَهِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ) وَصَلَاةُ الْغَدَاةِ فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ: الصُّبْحُ وَالْوُسْطَى وَالْفَجْرُ وَالْغَدَاةُ، وَحِينَئِذٍ فَإِضَافَةُ صَلَاةٍ إلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى اسْمِهِ، فَالصَّلَاةُ هِيَ الْمُسَمَّى وَمَا بَعْدَهَا الِاسْمُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِهَا عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالصُّبْحُ وَالصَّبَاحُ هُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالْغَدَاةُ لِوُجُوبِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَهُوَ يُسَمَّى غُدْوَةً وَغَدَاةً، وَسُمِّيَتْ وُسْطَى إمَّا لِتَوَسُّطِهَا بَيْنَ أَرْبَعٍ مُشْتَرِكَاتٍ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةٌ، وَقِيلَ مَعْنَى الْوُسْطَى الْفُضْلَى وَلِذَلِكَ حَثَّ اللَّهُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] مُشْتَقٌّ مِنْ الصَّبَاحِ هُوَ الْبَيَانُ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَمَّا حَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَالْفَاءُ الدَّاخِلَةُ عَلَى ضَمِيرِ الْفَصْلِ زَائِدَةٌ لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ هُوَ قَوْلُهُ: (فَأَوَّلُ وَقْتِهَا) الْمُخْتَارُ (انْصِدَاعُ) أَيْ انْشِقَاقُ (الْفَجْرِ الْمُعْتَرِضِ) أَيْ الْمُنْتَشِرِ (بِالضِّيَاءِ فِي أَقْصَى) أَيْ أَبْعَدِ (الْمَشْرِقِ) وَيُقَالُ لَهُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ، وَأَقْصَى الْمَشْرِقِ مَوْضِعُ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَوْلُهُ فِي أَقْصَى يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِانْصِدَاعِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ يَطْلُعُ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ دَائِمًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ وَهُوَ يَطْلُعُ فِي مَوْضِعِ طُلُوعِهَا وَهُوَ تَارَةً أَقْصَى الْمَشْرِقِ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الشِّتَاءِ وَتَارَةً إنَّمَا يَطْلُعُ مِنْ الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، فَالْأَحْسَنُ تَعَلُّقُهُ بِالْمُعْتَرِضِ أَيْ الْمُنْتَشِرِ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَطْلُعُ دَائِمًا فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ، بَلْ يُفِيدُ أَنَّهُ يَطْلُعُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَقْصَاهُ.
وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّ الْفَجْرَ هُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا سَوَاءٌ طَلَعَتْ مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوْ مِنْ الْقِبْلَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَذْهَبُ مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى دُبُرِهَا، وَخَرَّجَ بِالْمُعْتَرِضِ بِالضِّيَاءِ الْفَجْرَ الْكَاذِبَ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَصْعَدُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ دَقِيقًا غَيْرَ مُنْتَشِرٍ فَهَذَا لَا حُكْمَ لَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَجْرَ مَعْنَاهُ الْبَيَاضُ وَيَتَنَوَّعُ إلَى كَاذِبٍ وَصَادِقٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، إلَّا أَنَّ الْكَاذِبَ لَا يَنْتَشِرُ لِدِقَّتِهِ وَيَنْقَطِعُ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا قَرُبَ زَمَنُ الصَّادِقِ، وَالصَّادِقُ يَنْتَشِرُ لِقُرْبِهَا وَيَعُمُّ الْأُفُقَ، وَالسِّرْحَانُ هُوَ الذِّئْبُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ لِصِفَةِ الْفَجْرِ فَكَانَ فِي غُنْيَةٍ عَنْ قَوْلِهِ: (ذَاهِبًا) أَيْ بَارِزًا وَجَائِيًا (مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ) أَيْ مُقَابِلِهَا (حَتَّى يَرْتَفِعَ فَيَعُمَّ) أَيْ يَسُدَّ (الْأُفُقَ) وَالْمُرَادُ بِدُبُرِ الْقِبْلَةِ مُقَابِلُهَا.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: دُبُرُ الْأَمْرِ آخِرُهُ وَالْأُفُقُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا هُوَ مَا وَالَى الْأَرْضَ مِنْ أَطْرَافِ السَّمَاءِ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ يَعُمُّ الْأُفُقَ أَيْ يَمْلَؤُهُ وَيَسُدُّهُ كَمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ إنَّ فِي جَمْعِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ قَوْلِهِ أَوَّلًا: الْمُعْتَرِضُ بِالضِّيَاءِ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ذَاهِبًا مِنْ الْقِبْلَةِ تَنَاقُضًا بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ الْمُعْتَرِضُ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَجْرَ يَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَقَوْلُهُ ذَاهِبًا مِنْ الْقِبْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَطْلُعُ مِنْ الْقِبْلَةِ لَا مِنْ الْمَشْرِقِ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا: إلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْقِبْلَةِ دُبُرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَافْتَرَقَ النَّاسُ فِي الْجَوَابِ فَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ يُبَيِّنُ الْفَجْرَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ بِقَوْلِهِ ذَاهِبًا مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الْجَوْفُ، أَوْ نَقُولُ ذَاهِبًا إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ، فَمِنْ بِمَعْنَى إلَى لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: فَيَنْتَشِرُ فِي الْمَشْرِقِ حَتَّى إلَى الْقِبْلَةِ وَحَتَّى إلَى الْجَوْفِ، وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ ذَاهِبًا مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَقَالَ بَعْضٌ: الْمَعْنَى ذَاهِبًا مِنْ قِبْلَةِ النَّاظِرِ إلَيْهِ إلَى دُبُرِ النَّاظِرِ إلَيْهِ، فَبِهَذِهِ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ قَالَ بَعْضٌ: أَبْيَنُهَا أَوَّلُهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى دُبُرِ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ يَنْتَشِرُ مِنْ مَبْدَأِ طُلُوعِهِ إلَى مُنْتَهَاهُ، فَالْمُرَادُ بِالدُّبْرِ الْآخِرُ لِأَنَّ دُبُرَ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَشْرِقِ تَارَةً وَبِالْقِبْلَةِ تَارَةً لَعَلَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَشْرِقِ وَالْقِبْلَةِ مَا قَابَلَ الْمَغْرِبَ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ يُقَابِلَانِهِ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الْقِبْلَةَ إذَا أُغْمِيَتْ عَلَى الْمُصَلِّي وَجُعِلَ الْمَشْرِقُ أَمَامَهُ أَوْ الْمَغْرِبُ خَلْفُهُ يَكُونُ مُسْتَقْبِلًا، لِأَنَّهُ إنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ يَكُونُ انْحِرَافًا يَسِيرًا، قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ، وَلَمَّا بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ بَيَّنَ آخِرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَآخِرُ الْوَقْتِ) الِاخْتِيَارِيُّ لِلصُّبْحِ (الْإِسْفَارُ الْبَيِّنُ) أَيْ الْوَاضِحُ (الَّذِي إذَا سَلَّمَ مِنْهَا) فِيهِ (بَدَا) بِغَيْرِ هَمْزٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ ظَهَرَ (حَاجِبُ الشَّمْسِ) أَيْ طَرَفُ قُرْصِهَا فَلَا ضَرُورِيَّ لَهَا، وَعَزَا هَذَا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَعَزَاهُ ابْنُ نَاجِي لِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَعِيَاضٍ لِكَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَلَيْهِ النَّاسُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ آخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارُ الْإِسْفَارُ الْأَعْلَى وَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ فِيهِ الشَّخْصُ الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى وَمَا بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ ضَرُورِيٌّ لَهَا كَمَا فِي
الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَأَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ فِي الصَّيْفِ إلَى أَنْ يَزِيدَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ رُبُعُهُ بَعْدَ الظِّلِّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَقِيلَ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ لِيُدْرِكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ
[الفواكه الدواني]
الْمُدَوَّنَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَلِلصُّبْحِ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إلَى الْإِسْفَارِ الْأَعْلَى، وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَدَلِيلُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خَبَرُ أَبِي دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: «وَصَلَّى بِي الصُّبْحَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَأَسْفَرَ» (وَمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) أَيْ الطُّلُوعِ وَالْإِسْفَارِ (وَقْتٌ وَاسِعٌ) أَيْ يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي أَيْ جُزْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ سَوَاءٌ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ قَبْلَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُضَيِّقًا فِي حَقِّهِ وَيَعْصَى بِالتَّأْخِيرِ اتِّفَاقًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ مَاتَ وَسَطَ الْوَقْتِ بِلَا أَدَاءً لَمْ يَعْصَ إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ، وَإِذَا أَرَادَ التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ حَيْثُ لَا يَظُنُّ الْمَوْتَ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ، وَلِبَعْضٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى الْأَدَاءِ دَاخِلَ الْوَقْتِ، وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ جَمِيعِ الْوَقْتِ اخْتِيَارِيًّا التَّسَاوِي فِي الْفَضْلِ.
قَالَ: (وَأَفْضَلُ ذَلِكَ) الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ لِلصُّبْحِ (أَوَّلُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» وَخَبَرِ «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ بَلْ كُلُّ صَلَاةٍ الْأَفْضَلُ لِلْفَذِّ تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» .
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَالْأَفْضَلُ لِفَذٍّ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا صُبْحًا أَوْ ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهُمَا فِي صَيْفٍ أَوْ شِتَاءٍ، وَمِثْلُ الْفَذِّ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا وَكَذَلِكَ الَّتِي تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا حَيْثُ كَانَتْ الصَّلَاةُ غَيْرَ ظُهْرٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ الْمُبَادَرَةُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا تُؤَخَّرُ أَصْلًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْخَوَارِجِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا عَمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْوَقْتِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا حَيْثُ كَانَ يُنْدَبُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَأَمَّا الصُّبْحُ أَوْ الْمَغْرِبُ فَيُشْرَعُ فِيهِمَا بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: آخِرُ الْوَقْتِ فِي الصُّبْحِ أَفْضَلُ لِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَدَلِيلُ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الصُّبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مُتَلَفِّفَاتٍ» وَلَفْظُ كَانَ يَقْتَضِي الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ، وَالْغَلَسُ اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَعَلَى هَذَا وَاظَبَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَجَابُوا عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الصُّبْحَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ طُلُوعَ الْفَجْرِ لِأَنَّ مُدْرَكَ الْفَجْرِ خَفِيٌّ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ» وَلَمْ يَقُلْ أَسْفِرُوا بِالصَّلَاةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصُّبْحِ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: (وَ) أَمَّا أَوَّلُ (وَقْتِ الظُّهْرِ) الْمُخْتَارُ فَهُوَ (إذَا زَالَتْ) أَيْ مَالَتْ (الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَوْ كَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَسَطُ (السَّمَاءِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ) إنْ كَانَ هُنَاكَ لِلزَّوَالِ ظِلٌّ أَوْ حَدَثَ إنْ كَانَ ذَهَبَ.
قَالَ خَلِيلٌ: الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِآخِرِ الْقَامَةِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ، وَيُعْرَفُ الزَّوَالُ بِأَنْ يُنْصَبَ عُودٌ مُسْتَقِيمٌ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، فَإِذَا تَنَاهَى الظِّلُّ فِي النُّقْصَانِ أَوْ ذَهَبَ جُمْلَةً ثُمَّ شَرَعَ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ ذَهَابِهِ فَهَذَا هُوَ وَقْتُ الزَّوَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ يَظْهَرُ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ فِي جَانِبِ الْمَغْرِبِ وَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ يَنْقُصُ، وَإِذَا وَصَلَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ وَقَفَ عَنْ النُّقْصَانِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَعِنْدَ الزَّوَالِ قَدْ يَبْقَى لِلْعُودِ ظِلٌّ قَلِيلٌ وَقَدْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ الظِّلِّ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ وَزُبَيْدٍ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ وَبِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مَرَّةً فِي السَّنَةِ وَهُوَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِيهَا، فَإِذَا مَالَتْ الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ لِجَانِبِ الْمَغْرِبِ يَتَحَوَّلُ الظِّلُّ إلَى جَانِبِ الْمَشْرِقِ وَيَأْخُذُ فِي الزِّيَادَةِ، فَعِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ حُدُوثِهِ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ تَجِبُ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَأَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ تَفْسِيرٌ لِلزَّوَالِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي لَا يَزِيدُ فِيهِ الظِّلُّ وَلَا يَنْقُصُ أَوْ يُعْدَمُ أَصْلًا يُسَمَّى وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ وَهَذَا لَا تُصَلَّى فِيهِ الظُّهْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا وَتَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ، فَإِذَا مَالَتْ إلَى أَوَّلِ دَرَجَاتِ انْحِطَاطِهَا فِي الْغُرُوبِ يَمِيلُ الظِّلُّ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ فَذَلِكَ هُوَ الزَّوَالُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وَلَا يُعْرَفُ لِلنَّاظِرِ إلَّا بَعْدَ حُدُوثِ الظِّلِّ أَوْ شُرُوعِ الظِّلِّ فِي الزِّيَادَةِ فَلَا تُصَلَّى الظُّهْرُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تَأْتِي فِي حَالِ اشْتِغَالِ الْمُكَلَّفِ فِي أَمْرِ مَعَاشِهِ نَدَبَ الشَّارِعُ لَهُ تَأْخِيرَهَا وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ (فِي الصَّيْفِ) وَكَذَا فِي الشِّتَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الِاشْتِغَالُ فِي وَقْتِهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ حَتَّى فِي الشِّتَاءِ وَيَنْتَهِي التَّأْخِيرُ.
(إلَى أَنْ يَزِيدَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ رُبْعُهُ) وَتُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ (بَعْدَ الظِّلِّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)
نَفْسِهِ فَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ لَهُ وَقِيلَ أَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَآخِرُ الْوَقْتِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ نِصْفِ النَّهَارِ.
وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَآخِرُهُ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ ظِلِّ نِصْفِ النَّهَارِ وَقِيلَ إذْ اسْتَقْبَلْت
[الفواكه الدواني]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، بَلْ حَتَّى الْمُنْفَرِدُ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ لِلظُّهْرِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
(وَقِيلَ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ) أَيْ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى رُبْعِ الْقَامَةِ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ (فِي) حَقِّ أَهْلِ (الْمَسَاجِدِ) وَكَذَا كُلُّ جَمَاعَةٍ تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: (لَيُدْرِكَ النَّاسُ) فَضْلَ (الصَّلَاةِ) فِي جَمَاعَةٍ (وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ) وَمِثْلُهُ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا (فَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ لَهُ) لِخَبَرِ: «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَوَسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَآخِرُهُ عَفْو اللَّهِ» وَلَوْلَا تَقْيِيدُ كَلَامِهِ بِالصَّيْفِ لَكَانَ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُوَافِقًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: الْأَفْضَلُ لِفَذٍّ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ ظُهْرًا ثُمَّ قَالَ: وَالْأَفْضَلُ لِلْجَمَاعَةِ تَقْدِيمُ غَيْرِ الظُّهْرِ وَتَأْخِيرُهَا لِرُبْعِ الْقَامَةِ وَيُزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ.
(وَقِيلَ أَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَالْأَفْضَلُ لَهُ) أَيْ لِمُرِيدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ (أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ» أَيْ لَهَبِ نَارِ «جَهَنَّمَ» وَهَذَا الْقِيلُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ نَدْبُ التَّأْخِيرِ وَلَوْ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الصَّيْفِ خَاصَّةً، الثَّانِي النَّدْبُ لِأَهْلِ الْمَسَاجِدِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ، الثَّالِثُ نَدْبُ التَّأْخِيرِ وَلَوْ لِلْمُنْفَرِدِ، وَكُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِخَلِيلٍ لِتَقْيِيدِهَا بِالصَّيْفِ وَشُمُولِ أَوَّلِهَا لِلْمُنْفَرِدِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّاجِحَ الْقَوْلُ بِاخْتِصَاصِ نَدْبِ تَأْخِيرِهَا لِرُبْعِ الْقَامَةِ بِكُلِّ جَمَاعَةٍ تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا وَلَوْ فِي الشِّتَاءِ، وَالْمُخْتَصُّ بِالصَّيْفِ إنَّمَا هُوَ بِاسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ زِيَادَةً عَلَى رُبْعِ الْقَامَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَلِلْجَمَاعَةِ تَقْدِيمُ غَيْرِ الظُّهْرِ وَتَأْخِيرُهَا لِرُبْعِ الْقَامَةِ وَيُزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» فَلَا يُنَافِي أَنَّ التَّأْخِيرَ لِرُبْعِ الْقَامَةِ وَلَوْ فِي الشِّتَاءِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى حَدِيثِ الْإِبْرَادِ حَدِيثُ «خَبَّابٍ: شَكَوْنَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي أَكُفِّنَا وَجِبَاهِنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكَوَانَا، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا الزِّيَادَةَ فِي التَّأْخِيرِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِبْرَادُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ الَّتِي تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا، وَأَمَّا الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا فَهِيَ كَالْمُنْفَرِدِ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمْ التَّقْدِيمُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَوْ لِلظُّهْرِ، وَلَوْلَا تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ التَّأْخِيرَ بِالصَّيْفِ لَكَانَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِهِ مُوَافِقًا لِلرَّاجِحِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ.
(وَآخِرُ الْوَقْتِ) الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ (أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ) قَصِيرٍ أَوْ طَوِيلٍ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ.
(مِثْلَهُ بَعْدَ) مُجَاوَزَةِ (ظِلِّ نِصْفِ النَّهَارِ) الَّذِي أَوَّلُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَآخِرُهُ الْغُرُوبُ، بِخِلَافِ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَظِلُّ نِصْفِ النَّهَارِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِظِلِّ الزَّوَالِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِزَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ بَعْدَهُ (تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مِقْدَارَ ظِلِّ نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْهُرِ الْقِبْطِيَّةِ الَّتِي أَوَّلُهَا تُوتٌ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْدَامٍ، ثُمَّ يَلِيه بَابَهُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ، ثُمَّ يَلِيه هَاتُورُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْدَامٍ، ثُمَّ يَلِيه كِيَهْكُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ عَشَرَةُ أَقْدَامٍ، ثُمَّ يَلِيه طُوبَهُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ تِسْعَةٌ، ثُمَّ يَلِيه أَمْشِيرُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ سَبْعَةٌ، ثُمَّ يَلِيه بَرَمْهَاتُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ خَمْسَةٌ، ثُمَّ يَلِيه بَرْمُودَةُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ يَلِيه بَشَنْسُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ اثْنَانِ، ثُمَّ يَلِيه بَؤُونَةُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ وَاحِدٌ، ثُمَّ يَلِيه أَبِيبُ وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ وَاحِدٌ أَيْضًا، ثُمَّ يَلِيه مِسْرَى وَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهِ قَدَمَانِ، هَكَذَا حَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَحْرِيرِ الدِّيرِينِيِّ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ الظُّهْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَالَ: (وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ) الْمُخْتَارُ هُوَ (آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهُوَ آخِرُ الْقَامَةِ الْأُولَى، فَتَكُونُ الْعَصْرُ دَاخِلَةٌ عَلَى الظُّهْرِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ صِحَّةُ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى، وَأَثِمَ مُؤَخِّرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ اخْتِيَارًا إلَى أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا بِقَدْرِ فِعْلِ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: إنَّ وَقْتَ الِاشْتِرَاكِ فِي أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ فَتَكُونُ الظُّهْرُ دَاخِلَةً عَلَى الْعَصْرِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى، وَعَدَمُ إثْمِ مَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي وَقْتِ الِاشْتِرَاكِ الْخِلَافُ فِي فَهْمِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ «فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ مِنْ الْغَدِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ» فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعْنَى صَلَّى شَرَعَ فَتَكُونُ الظُّهْرُ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْعَصْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ فَرَغَ فَتَكُونُ الْعَصْرُ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الظُّهْرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَمَنَ الِاشْتِرَاكِ اخْتِيَارِيٌّ لِلصَّلَاتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى أَوْ أَوَّلِ الثَّانِيَةِ.
(وَآخِرُهُ) أَيْ وَقْتِ الْعَصْرِ الِاخْتِيَارِيِّ (أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ) مُجَاوَزَةِ الظِّلِّ (نِصْفَ النَّهَارِ) وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ الْمُخْتَارَ هُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ذَكَرَ مُقَابِلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ) فِي تَحْدِيدِ
الشَّمْسَ بِوَجْهِك وَأَنْتَ قَائِمٌ غَيْرُ مُنَكِّسٍ رَأْسَك وَلَا مُطَأْطِئٍ لَهُ فَإِنْ نَظَرْت إلَى الشَّمْسِ بِبَصَرِك فَقَدْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَإِنْ لَمْ تَرَهَا بِبَصَرِك فَلَمْ يَدْخُلْ الْوَقْتُ وَإِنْ نَزَلَتْ عَنْ بَصَرِك فَقَدْ تَمَكَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَاَلَّذِي وَصَفَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْوَقْتَ فِيهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهِيَ صَلَاةُ الشَّاهِدِ يَعْنِي الْحَاضِرَ يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَقْصُرُهَا وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الْحَاضِرِ فَوَقْتُهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ فَإِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ لَا تُؤَخَّرُ وَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ لَا تُؤَخَّرُ عَنْهُ.
وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَهِيَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهَا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ وَالشَّفَقُ الْحُمْرَةُ
[الفواكه الدواني]
أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ الْمُخْتَارِ أَنَّك إذَا (اسْتَقْبَلْت الشَّمْسَ بِوَجْهِك وَأَنْتَ قَائِمٌ) حَالَةَ كَوْنِك (غَيْرَ مُنَكِّسٍ رَأْسَك وَلَا مُطَأْطِئٍ لَهُ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ.
(فَإِنْ نَظَّرْت إلَى الشَّمْسِ) أَيْ قَابَلَتْهَا (بِبَصَرِك) بِحَيْثُ صَارَتْ قُبَالَةَ بَصَرِك لَا مَرْفُوعَةً وَلَا مَخْفُوضَةً.
(فَقَدْ دَخَلَ الْوَقْتُ) الْمُخْتَارُ لِلْعَصْرِ (وَإِنْ لَمْ تَرَهَا بِبَصَرِك) لِكَوْنِهَا عَلَى غَايَةٍ مِنْ الِارْتِفَاعِ (فَ) تَعْلَمُ أَنَّهُ (لَمْ يَدْخُلْ الْوَقْتُ) الْمُخْتَارُ لِلْعَصْرِ (وَإِنْ نَزَلَتْ عَنْ بَصَرِك فَ) تَحَقَّقَ أَنَّهُ (قَدْ تَمَكَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ) وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي كُلِّ الْأَزْمِنَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ فِي الصَّيْفِ مُرْتَفِعَةً وَفِي الشِّتَاءِ مُنْخَفِضَةً، حَتَّى قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَصِحُّ بِنَاؤُهَا عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ رَحْمَةً لِلضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لَا يُدْرِكُونَ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُوقِعٌ لِلصَّلَاةِ فِي اخْتِيَارَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَيْفٍ أَوْ شِتَاءٍ، لِأَنَّهَا لَا تُقَابِلُ بَصَرَ النَّاظِرِ إلَّا وَقَدْ ظِلُّ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلُهُ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَاَلَّذِي وَصَفَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) فِي بَيَانِ آخِرِ الْمُخْتَارِ لِلْعَصْرِ (أَنَّ) أَوَّلَ (الْوَقْتِ فِيهَا) مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَيَسْتَمِرُّ (مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الِاصْفِرَارِ صَارَ الْوَقْتُ ضَرُورِيًّا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ لِلِاصْفِرَارِ، وَهَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا صَدَّرَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَآخِرُهُ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لِأَنَّ الِاصْفِرَارَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَتَكُونُ الشَّمْسُ نَقِيَّةً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ مَا مَعْنَاهُ: وَهَذَا وَاضِحٌ فِي زَمَانِ الصَّحْوِ، وَأَمَّا فِي زَمَانِ الْغَيْمِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ فِيهِ ظِلٌّ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْأَوْرَادِ وَالصَّنَائِعِ مِمَّنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَالِاحْتِيَاطِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ الْعَصْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِقَوْلِهِ: (وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهِيَ صَلَاةُ الشَّاهِدِ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (يَعْنِي الْحَاضِرَ) وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ سَائِلًا عَنْ مَعْنَى الْحَاضِرِ قَالَ: (يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَقْصُرُهَا) فِي سَفَرِهِ (وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الْحَاضِرِ) وَنُقِضَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنَّهَا تَطْلُعُ عِنْدَ طُلُوعِ نَجْمٍ يُسَمَّى الشَّاهِدُ (فَوَقْتُهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ) كَأَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ لَفْظِ فَوْقِهَا وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْخَبَرِ وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَلَا يُنْظَرُ لِلْحُمْرَةِ الْبَاقِيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (فَإِذَا تَوَارَتْ) أَيْ غَابَ جَمِيعُ قُرْصِهَا فِي الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ أَيْ ذَاتِ الْحَمْأَةِ وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ وَهِيَ الْمُرَادُ (بِالْحِجَابِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ لَا تُؤَخَّرُ عَنْهُ وَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ لَا تُؤَخَّرُ عَنْهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِقَدْرِ فِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا فَوَقْتُهَا مُضَيَّقٌ، وَيَجُوزُ لِمَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ مُحَصِّلًا لِشُرُوطِهَا مِنْ طَهَارَةٍ وَسَتْرٍ وَاسْتِقْبَالٍ تَأْخِيرُ فِعْلِهَا بِمِقْدَارِ تَحْصِيلِهَا وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِعَادَةِ غَالِبِ النَّاسِ، فَلَا يُعْتَبَرُ حَالُ مُوَسْوِسٍ وَلَا مَنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ السُّرْعَةِ، وَيُرَاعَى زَمَنُ الِاسْتِبْرَاءِ الْمُعْتَادِ لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يُؤَخَّرُ عَنْهُ لَوْ شَرَعَ فِيهَا وَطَوَّلَ بِحَيْثُ غَابَ الشَّفَقُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَالشَّفَقُ بِالنِّسْبَةِ لِلشُّرُوعِ فِيهَا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَمُقَابِلُهُ يَمْتَدُّ وَقْتُهَا لِغُرُوبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِيهِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَفِي أَحْكَامِهِ إنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا سِيَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ أَوْ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَنْ يَكُونُ خَلْفَ الْجِبَالِ فَلَا يُعَوِّلُ عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا يُعَوِّلُ عَلَى إقْبَالِ الظُّلْمَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَغِيبِهَا فَيُصَلِّي وَيُفْطِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ أَنَّهَا مَتَى أُخِّرَتْ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ تَصِيرُ قَضَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشُّرُوعِ فِيهَا إلَّا بِمِقْدَارِ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ لَهَا وَقْتًا ضَرُورِيًّا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَنْفِيُّ إنَّمَا هُوَ وَقْتُ التَّوَسُّعَةِ الْمَوْجُودُ فِي نَحْوِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَافْهَمْ
الْبَاقِيَةُ فِي الْمَغْرِبِ مِنْ بَقَايَا شُعَاعِ الشَّمْسِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَغْرِبِ صُفْرَةٌ وَلَا حُمْرَةٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوَقْتُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْبَيَاضِ فِي الْمَغْرِبِ فَذَلِكَ لَهَا وَقْتٌ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ مِمَّنْ يُرِيدُ تَأْخِيرَهَا لِشُغْلٍ أَوْ عُذْرٍ وَالْمُبَادَرَةُ بِهَا أَوْلَى وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا أَهْلُ الْمَسَاجِدِ قَلِيلًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثُ لِغَيْرِ شُغْلٍ بَعْدَهَا.
[الفواكه الدواني]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَقْتِ الْعِشَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ) الْمُخْتَارُ: وَلَمَّا كَانَتْ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ غَرِيبَةً قَالَ: (وَهِيَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ (وَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهَا) وَأَفْضَلُ مِنْ لَفْظِ الْعَتَمَةِ لِأَنَّهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَخَبَرِ وَقْتِ (غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالشَّفَقُ) هُوَ (الْحُمْرَةُ الْبَاقِيَةُ فِي) جِهَةِ (الْمَغْرِبِ مِنْ بَقَايَا شُعَاعِ الشَّمْسِ) مِنْ ضَوْئِهَا كَالْقُضْبَانِ (فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي) نَاحِيَةِ (الْمَغْرِبِ صُفْرَةٌ وَلَا حُمْرَةٌ فَقَدْ وَجَبَ) أَيْ دَخَلَ (الْوَقْتُ) الْمَذْكُورُ لِلْعِشَاءِ.
(وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْبَيَاضِ) الْبَاقِي (فِي الْمَغْرِبِ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، دَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ» وَأَيْضًا «الْغَوَارِبُ ثَلَاثَةٌ: أَنْوَارُ الشَّمْسِ وَالشَّفَقَانِ، وَالطَّوَالِعُ ثَلَاثَةٌ: الْفَجْرَانِ وَالشَّمْسُ وَالْحُكْمُ لِلْوَسَطِ فِي الطَّوَالِعِ وَالْغَوَارِبِ» (فَذَلِكَ) أَيْ غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ (لَهَا وَقْتٌ) مُمْتَدٌّ (إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْغُرُوبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ حُمْرَةِ الشَّفَقِ لِلثُّلُثِ الْأَوَّلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا» . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ تَأْخِيرُهَا إلَى أَثْنَاءِ الثُّلُثِ إلَّا (مِمَّنْ يُرِيدُ تَأْخِيرَهَا لِشُغْلٍ) مُهِمٍّ كَعَمَلِهِ فِي حِرْفَتِهِ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا.
(أَوْ) لِأَجْلِ (عُذْرٍ) كَمَرَضٍ فَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ.
(وَ) أَمَّا مَنْ لَا شُغْلَ وَلَا عُذْرَ لَهُ فَقَدْ مَرَّ أَنَّ (الْمُبَادَرَةَ بِهَا) فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (أَوْلَى) أَيْ أَفْضَلُ لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، وَمَا فِي حُكْمِهِ مِنْ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا، وَأَمَّا الَّتِي تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا فَأَشَارَ لِحُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُؤَخِّرُهَا أَهْلُ الْمَسَاجِدِ) وَالْحَرَسُ وَهُمْ الْمُرَابِطُونَ وَأَصْحَابُ الْمَدَارِسِ (قَلِيلًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ) لِصَلَاتِهَا جَمَاعَةً، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا تَقْدِيمُ غَيْرِ الظُّهْرِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لَهُمْ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ لِرُبْعِ الْقَامَةِ فِي كُلِّ الزَّمَنِ وَيُزَادُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسَاجِدِ أَهْلِ الْقَبَائِلِ، وَمَا هُنَا فِي حَقِّ أَهْلِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ، أَوْ أَنَّ التَّأْخِيرَ هُنَا فِي حُكْمِ التَّقْدِيمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَلِيلًا فَلَيْسَ كَتَأْخِيرِ الظُّهْرِ، وَجَرَى عَلَى هَذَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِيهَا نَدْبُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ قَلِيلًا.
وَلَمَّا كَانَتْ الْعِشَاءُ تَأْتِي فِي زَمَنِ غَلَبَةِ النَّوْمِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ جَوَازُهُ قَبْلَهَا قَالَ: (وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا أَيْ الْعِشَاءِ (وَالْحَدِيثُ لِغَيْرِ شُغْلٍ بَعْدَهَا) وَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ مِنْ نَوْمِهِ قَبْلَهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَرَاهَةُ النَّوْمِ قَبْلَهَا وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يُوقِظُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ نَوْمِ الْوَكِيلِ أَوْ نِسْيَانِهِ فَيُفَوِّتُ اخْتِيَارَيْهَا، وَإِنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ قَبْلَهَا وَجَازَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ غَيْرِهَا كَمَا يَأْتِي لِأَنَّ وَقْتَهَا زَمَنُ نَوْمٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَكَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا مَخَافَةَ نَوْمِهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَمَفْهُومُ لِغَيْرِ شُغْلٍ أَنَّ الْحَدِيثَ بَعْدَهَا لِمَصْلَحَةٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ دِينِيَّةً كَالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ أَوْ دُنْيَوِيَّةً كَالْمُنَاقَشَةِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَكَالْكَلَامِ مَعَ الْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ لِيُؤْنِسَهُ أَوْ الْعَرُوسِ، وَاخْتُلِفَ فِي فَضْلِ النَّوْمِ عَلَى السَّهَرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الطَّاعَةِ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةٍ نَحْوَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيَّنَهُ شَيْخُ شَيْخِنَا الْأُجْهُورِيُّ بِمَا مُحَصِّلُهُ: النَّوْمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا حَرَجَ فِيهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ جَوَّزَ نَوْمَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يُوقِظُهُ
1 -
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْوَقْتَ الِاخْتِيَارِيَّ وَسَكَتَ عَنْ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ غَالِبًا تِلْوُ الْمُخْتَارِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِلظُّهْرَيْنِ وَإِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي الْعِشَاءِ، وَأَمَّا الصُّبْحُ فَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ لَا ضَرُورِيَّ لَهَا، وَعَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ مِنْ الْإِسْفَارِ إلَى الطُّلُوعِ، وَقَيَّدْنَا بِغَالِبًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الضَّرُورِيِّ لِذِي قَبْلَ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ صَاحِبِ السَّلَسِ الَّذِي يُلَازِمُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ثَانِيَةُ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا فِي وَقْتِ الْأَوَّلِ، وَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ الَّذِي يَكُونُ نَازِلًا بِالْمَنْهَلِ وَيَنْوِي الِارْتِحَالَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالنُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ فِعْلِ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ مَنْ يَجْمَعُ الْعِشَاءَ مَعَ الْمَغْرِبِ لِأَجْلٍ الْمَطَرِ، وَكَذَلِكَ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ قُدِّمَتْ عَلَى اخْتِيَارَيْهَا، وَلَا يُتَصَوَّرُ لِلصُّبْحِ وَلَا لِلْأُولَى مِنْ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ فَافْهَمْ.
الثَّانِيَةُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مَا يُدْرَكُ بِهِ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُصَلِّي مُؤَدَّيَا، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتُدْرَكُ فِيهِ الصُّبْحُ بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ وَالْكُلُّ أَدَاءٌ وَالظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءُ أَنْ يَفْصِلَ رَكْعَةً عَنْ الْأُولَى وَهَذَا فِي الضَّرُورِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُدْرَكُ بِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الِاخْتِيَارِيُّ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِيهِ: إنَّهُ الرَّاجِحُ، وَفَائِدَةُ الْإِدْرَاكِ فِي الضَّرُورِيِّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ أَدَاءٌ وَإِنْ كَانَ آثِمًا مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَفِي الْمُخْتَارِ: رَفْعُ الْإِثْمِ بِإِدْرَاكِهَا فِيهِ وَلَوْ أَخَّرَهَا اخْتِيَارًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ أَدَاءٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ أَيْ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» .
الثَّالِثَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْوَلِيِّ يَطِيرُ مِنْ إقْلِيمٍ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَى إقْلِيمٍ آخَرَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَقْتُ الطُّلُوعِ عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَهُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَالْحُكْمُ لِلْمَحَلِّ الَّذِي يُوقِعُ فِيهِ الصَّلَاةُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الَّذِي طَارَ مِنْهُ أَوْ الَّذِي إلَيْهِ، فَإِذَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي مَحَلٍّ وَصَلَّى فِيهِ لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ، وَإِذَا طَارَ قَبْلَ فِعْلِهَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهَا فِي الَّذِي طَارَ إلَيْهِ قَبْلَ زَوَالِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَشَرْطٌ فِي صِحَّتهَا، وَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ، شَرَعَ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ دُخُولُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ سَمِعَهُ وَهُوَ الْأَذَانُ فَقَالَ:
بَابٌ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
[الفواكه الدواني]
[بَاب الْأَذَان وَالْإِقَامَة]
(بَابٌ فِي) حُكْم
ِ صِفَةِ (الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَحَقِيقَةُ الْأَذَانِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَيُرَادِفُهُ الْأَذِينُ وَالتَّأْذِينُ بِالْمُعْجَمَةِ لُغَةً الْإِعْلَامُ بِأَيِّ شَيْءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3] أَيْ إعْلَامٌ. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] أَيْ أَعْلِمْ وَشَرْعًا الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيَضْرِبَ بِهِ النَّاسُ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ حَامِلٌ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْت: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَوَ لَا أَدُلُّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْت: بَلَى، فَقَالَ تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِر الْأَذَانِ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: وَتَقُولُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِ الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْت أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا رَأَيْت فَقَالَ: إنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْك صَوْتًا، فَقُمْت مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلَتْ أُلْقِي عَلَيْهِ فَيُؤَذِّنُ بِهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ قَائِلًا: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» وَيُرْوَى أَنَّهُ تَابَعَ عُمَرَ فِي الرُّؤْيَا مِنْ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالرُّؤْيَا لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ مُسْتَنَدُ الْأَذَانِ الرُّؤْيَا وَإِنَّمَا وَافَقَهَا نُزُولُ الْوَحْيِ فَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِهِ لَا بِهَا، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ الْأَذَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَأُسْمِعَهُ مُشَاهَدَةً فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ثُمَّ قَدَّمَهُ جِبْرِيلُ فَأَمَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَفِيهِمْ آدَم وَنُوحٌ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَأَكْمَلَ لَهُ الشَّرَفَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» وَأَقُولُ: يُشْكِلُ عَلَى مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد الْمُتَقَدِّمِ مِنْ اهْتِمَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا يَجْمَعُ بِهِ النَّاسَ إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى قِيلَ لَهُ: تَنْصِبُ رَايَةً فَإِذَا رَأَوْهَا أَعْلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ فَذَكَرُوا لَهُ الْبُوقَ فَلَمْ يُعْجِبْهُ وَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ، فَذَكَرُوا لَهُ النَّاقُوسَ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى، فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، إذْ لَوْ عَلِمَهُ فِي السَّمَاءِ لَأَمَرَ بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ بَعْضٌ: بِأَنَّ اجْتِهَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَّاهُ إلَى ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافٍ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ فِي حُكْمِهِ بِاجْتِهَادِهِ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ إشْكَالٌ، إذْ كَيْفَ يَجْتَهِدُ فِيمَا يَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ مَعْرِفَةِ الْأَذَانِ وَيُمْكِنُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى صِفَةِ الْإِتْيَانِ بِهِ أَوْ مَحَلِّهِ أَوْ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِقَوْلِ الْقَرَافِيِّ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ فَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، فَمِمَّا وَرَدَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ» وَلَهُ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: الْإِعْلَانُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُوجِبُ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ وَيُؤْنِسُ الْجِيرَانَ وَيُسْتَجَابُ عِنْدَهُ الدُّعَاءُ، وَذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الْخَصَائِصِ الصُّغْرَى أَنَّ الْأَذَانَ الشَّرْعِيَّ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَشُرِعَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ.
1 - وَحَقِيقَةُ الْإِقَامَةِ شَرْعًا هِيَ أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ تُذْكَرُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَتَأْتِي أَلْفَاظُهَا، وَقَوْلُنَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ أَيْ مِنْ كَوْنِهَا مُفْرَدَةَ الْأَلْفَاظِ سِوَى التَّكْبِيرِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي أَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى الْأَذَانِ، فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ فَضَلَّهَا لِاتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ وَبُطْلَانِهَا عَلَى قَوْلٍ بِتَرْكِهَا عَمْدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْأَذَانَ لِوُجُوبِهِ فِي الْمِصْرِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ، وَفَضَّلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْإِمَامَةَ عَلَيْهِمَا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَاظَبُوا عَلَى الْإِمَامَةِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَركُمْ» وَجَرَى خِلَافٌ أَيْضًا فِي أَذَانِهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ مَرَّةً فِي سَفَرِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،
وَالْأَذَانُ وَاجِبٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الرَّاتِبَةِ
فَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَإِنْ أَذَّنَ فَحَسَنٌ
وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ أَقَامَتْ فَحَسَنٌ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ
وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا إلَّا الصُّبْحَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا فِي السُّدُسِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ،
وَالْأَذَانُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
[الفواكه الدواني]
وَأَمَّا فِي تَشَهُّدِهِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ مَرَّةً يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولَ اللَّهِ وَمَرَّةً أَشْهَد أَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ الشَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
1 -
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْأَذَانِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَذَانُ وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ (فِي) حَقِّ أَهْلِ (الْمَسَاجِدِ) سَوَاءٌ كَانَتْ جَامِعَةً أَمْ لَا.
(وَ) كَذَلِكَ يَجِبُ وُجُوبَ السُّنَنِ فِي حَقِّ (الْجَمَاعَاتِ الرَّاتِبَةِ) فِي مَحَلٍّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا حَيْثُ كَانُوا يَطْلُبُونَ غَيْرَهُمْ، بَلْ كُلُّ جَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ رَاتِبَةً، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ الْأَذَانُ لِجَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ، وَأَمَّا فِعْلُ الْأَذَانِ فِي الْأَمْصَارِ فَهُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ الْكِفَائِيَّةِ وَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَذَانَ تَعْتَرِيه أَحْكَامٌ خَمْسَةٌ سِوَى الْإِبَاحَةِ: الْوُجُوبُ كِفَايَةً فِي الْمِصْرِ، وَالسُّنِّيَّةُ كِفَايَةً فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا، وَالِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ كَانَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا، وَحَرَامٌ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَمَكْرُوهٌ لِلسُّنَنِ وَلِلْجَمَاعَةِ الَّتِي لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا وَلَمْ تَكُنْ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، كَمَا يُكْرَهُ لِلْفَائِتَةِ وَفِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَلِفَرْضِ الْكِفَايَةِ.
وَإِذَا تَوَقَّفَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ عَلَى أُجْرَةٍ كَانَتْ عَلَى مَنْ لَهُ عَقَارٌ فِي الْبَلَدِ سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِهِ أَوْ لَا، بِخِلَافِ أُجْرَةِ مُؤَدِّبِ الْأَطْفَالِ فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَى مَنْ لَهُ وَلَدٌ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الصَّلَاةِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَأُجْرَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ صَلَاةٍ وَكُرِهَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْمُصَلِّينَ لَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدِ فَلَا كَرَاهَةَ، لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْأَحْبَاسِ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ لَا الْإِجَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِ: (فَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ) يَكُونُ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ (فَإِنْ أَذَّنَ فَحَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ أَذَانُهُ، وَمِثْلُهُ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا حَيْثُ كَانَتْ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ سَفَرٍ، وَأَمَّا قَوْلُ خَلِيلٍ: وَأَذَانُ فَذٍّ إنْ سَافَرَ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَذُّ أَوْ الْجَمَاعَةُ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَيُكْرَهُ لَهُمْ الْأَذَانُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَا صَحَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «مَنْ صَلَّى بِمَكَانٍ قَفْرٍ بَعْدَ أَذَانٍ صَلَّى وَرَاءَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ» أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْبَرِّيَّةِ بِسَبْعِينَ صَلَاةٍ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ إحْيَاءِ الذِّكْرِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِقَامَةُ تُطْلَبُ حَتَّى مِنْ الْمُنْفَرِدِ قَالَ: (وَلَا بُدَّ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ (مِنْ الْإِقَامَةِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُسَنُّ إقَامَةٌ مُفْرَدَةٌ وَهِيَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ فَإِنْ تَرَاخَى بِالْإِحْرَامِ أَعَادَهَا وَلَا تُسَنُّ إلَّا لِفَرْضٍ وَلَوْ فَائِتًا، وَاعْلَمْ أَنَّهَا سُنَّةُ عَيْنٍ فِي حَقِّ الذَّكَرِ الْمُنْفَرِدِ، أَوْ الْمُصَلِّي إمَامًا بِالنِّسَاءِ فَقَطْ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ مِنْ الذُّكُورِ أَوْ الْمُلَفَّقَةِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَسُنَّةٌ كِفَائِيَّةٌ.
(وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ أَقَامَتْ فَحَسَنٌ) أَيْ فِعْلُهَا حَسَنٌ بِمَعْنَى مَنْدُوبٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَرَكَتْ الْإِقَامَةَ (فَلَا حَرَجَ) أَيْ لَا إثْمَ وَهَذَا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِقَامَةَ إنَّمَا تُسْتَحَبُّ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا صَلَّتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ مَحْضِ نِسَاءٍ وَأَمَّا إذَا صَلَّتْ مَعَ إمَامٍ فَتُنْهَى عَنْ الْإِقَامَةِ، وَكُلُّ مَنْ أُمِرَ بِالْإِقَامَةِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ إسْرَارُهَا إلَّا الْمُؤَذِّنُ فَيَجْهَرُ لَهَا لِلْإِعْلَامِ بِالصَّلَاةِ،
1 -
وَلَا بُدَّ مِنْ الطَّهَارَةِ فِي الْإِقَامَةِ بِخِلَافِ الْأَذَانِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ وَلَا يُقِيمُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ،.
1 -
وَمِمَّا يُسَنُّ عِنْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْإِقَامَةِ تَرْكُهَا وَالِاشْتِغَالُ بِالدُّعَاءِ مِنْ الْإِمَامِ وَبَقِيَّةِ الْمَأْمُومِينَ لِفَتْحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ إذْ ذَاكَ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ دَعَوْته.
وَيَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ لِلْمُتَطَهِّرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ وَهِيَ مِمَّا لَا تُعَادُ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ بَعْدَ الْأَذَانِ فَمَكْرُوهٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَ رَاغِبًا عَنْ الصَّلَاةِ جُمْلَةً فَهُوَ مُنَافِقٌ وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُصِيبَةِ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ النَّاسِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ قَلِيلًا بَعْدَ الْإِقَامَةِ حَتَّى تَعْتَدِلَ الصُّفُوفُ، وَلَا يَدْخُلُ الْمِحْرَابَ إلَّا بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِقْهُ الْإِمَامِ كَخَطْفِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَتَقْصِيرِ الْجِلْسَةِ الْأُولَى.
(وَلَا) يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ أَنْ (يُؤَذَّنَ لِصَلَاةٍ قَبْلَ) تَحَقُّقِ دُخُولِ (وَقْتِهَا) لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِهِ فَيَحْرُمُ قَبْلَهُ (إلَّا الصُّبْحُ فَلَا بَأْسَ) أَيْ يُسَنُّ (أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا فِي السُّدُسِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ) قَالَ خَلِيلٌ: غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَقْتِ إلَّا الصُّبْحُ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَأَيْضًا الصُّبْحُ تَأْتِي وَالنَّاسُ نِيَامٌ فَيَحْتَاجُونَ إلَى التَّأَهُّبِ لَهَا وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِمْ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ، وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَلِذَا قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ تُرَجِّعُ بِأَرْفَعَ مِنْ صَوْتِك أَوَّلَ مَرَّةٍ فَتُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ فَتَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كُنْت فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ زِدْت هَهُنَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ لَا تَقُلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ نِدَاءِ الصُّبْحِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً
[صفة الْأَذَان]
وَالْإِقَامَةُ وِتْرٌ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ
[الفواكه الدواني]
الْأُجْهُورِيُّ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقَدَّمِ وَالْمَفْعُولِ عِنْدَ الْوَقْتِ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَأَذَانَيْ الْجُمُعَةِ لَا إنَّ مَجْمُوعَهُمَا سُنَّةٌ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصِّفَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَذَانُ) صِفَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ أَنْ تَقُولَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَكْبَرَ وَمَدِّ الْجَلَالَةِ مَدًّا طَبِيعِيًّا حَتَّى يَحْصُلَ الْإِسْمَاعُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ بِإِبْدَالِ هَمْزَةِ أَكْبَرَ وَاوًا، كَمَا لَا يَبْطُلُ جَمْعَهُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ بِالْأُولَى مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِذَلِكَ، وَأَكْبَرُ بِمَعْنَى كَبِيرٌ عَلَى حَدِّ: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ بِمَعْنَى عَالِمٌ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ بِحَسَبِ زَعْمِ الزَّاعِمِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ أَتَحَقَّقُ وَأُذْعِنُ أَنْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَيُكَرِّرُهَا فَيَقُولُ أَيْضًا: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) ثُمَّ يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالرِّسَالَةِ مَرَّتَيْنِ أَيْضًا فَيَقُولُ: (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وَلَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ رَسُولُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ فَنَصْبُهُ يُصَيِّرُهُ بَدَلًا وَيَكُونُ سَاكِنَ الْكَلِمَاتِ لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ اخْتَارَ شُيُوخُ صِقِلِّيَّةَ جَزَمَ الْأَذَانِ وَشُيُوخُ الْقَيْرَوَانِ إعْرَابَهُ وَالْجَمْعُ جَائِزٌ فَيَتَخَلَّصُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِقْهًا أَنَّ عَدَمَ اللَّحْنِ فِي الْأَذَانِ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَبْطُلُ بِنَصَبِ الْمَرْفُوعِ وَلَا بِرَفْعِ الْمَنْصُوبِ، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِاللَّحْنِ فِي الْفَاتِحَةِ فَكَيْفَ بِالْأَذَانِ؟ (ثُمَّ) بَعْدَ تَكْرِيرِ الشَّهَادَتَيْنِ يُسَنُّ أَنْ تَرْجِعَ مِنْ التَّرْجِيعِ بِأَنْ تُعِيدَ لَفْظَهُمَا فَتَقُولَ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مَرَّتَيْنِ كَمَا فَعَلْت أَوَّلًا (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) مَرَّتَيْنِ أَيْضًا هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَكْرِيرِ التَّشَهُّدِ أَرْبَعًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّرْجِيعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَلَا يُرَجِّعُ الْأُولَى قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا سُنَّ التَّرْجِيعُ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ أَبَا مَحْذُورَةَ، وَحِكْمَةُ طَلَبِهِ إمَّا لِتَدَبُّرِ مَعْنَى كَلِمَتَيْ الْإِخْلَاصِ لِكَوْنِهِمَا الْمُنْجِيَتَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا إغَاظَةِ الْكُفَّارِ، أَوْ لِمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ أَخْفَى صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْفِيقِهِ لِلْإِسْلَامِ مِنْ شِدَّةِ بُغْضِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَاهُ وَعَرَكَ أُذُنَهُ وَأَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ، وَإِذَا رَجَّعْت تَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ (بِأَرْفَعِ مِنْ صَوْتِك) بِهِمَا (أَوَّلَ مَرَّةٍ) قَالَ الْإِمَامُ أَشْهَبُ: يَرْفَعُ غَايَةَ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ يَتْرُكُ مِنْ غَايَتِهِ شَيْئًا فِي الشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ إذَا رَجَّعَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ التَّرْجِيعِ حَتَّى يُسَاوِيَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَدَّ الْإِمْكَانِ وَيُخْفِضُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَبْلَ التَّرْجِيعِ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُ إسْمَاعَ النَّاسِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهَا عِنْدَ التَّرْجِيعِ بِحَيْثُ يُسَاوِي صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْمَاعِ قَبْلَ التَّرْجِيعِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْأَذَانُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ التَّرْجِيعَ سُنَّةٌ وَلَوْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ سُنَّةً عَدَمُ بُطْلَانِ الْأَذَانِ بِتَرْكِهِ، ثُمَّ بَعْدَ التَّرْجِيعِ تَقُولُ بِصَوْتِك الَّذِي ابْتَدَأَتْ بِهِ: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) تُكَرِّرُهَا مَرَّتَيْنِ، وَحَيَّ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ مَعْنَاهُ هَلُمُّوا وَأَقْبِلُوا عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَقُولُ: (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) مَرَّتَيْنِ أَيْضًا بِمَعْنَى هَلُمُّوا عَلَى الْفَلَاحِ أَيْ عَلَى مَا فِيهِ فَلَاحُكُمْ وَهُوَ الْفَوْزُ بِالنَّعِيمِ (فَإِنْ كُنْت فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ زِدْت هَا هُنَا) أَيْ بَعْدَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ) مَرَّتَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ مُثَنًّى وَلَوْ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ الْمَشْرُوعَةُ فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ خَاصَّةً، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بِأَنْ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ؟ وَمَشْرُوعِيَّتُهَا فِي الصُّبْحِ صَادِرٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِمَنْ جَاءَ يُؤَذِّنُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ لَهُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ اجْعَلْهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ إنْكَارٌ عَلَى الْمُؤَذِّنِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ التَّلْبِيَةَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ، وَمَعْنَى: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ أَنَّ التَّيَقُّظَ لِلصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ الرَّاحَةِ الْحَاصِلَةِ بِالنَّوْمِ، وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِزِدْت لَتَأَوُّلِهَا بِمُفْرَدٍ وَهُوَ هَذَا اللَّفْظُ، وَقَوْلُهُ: (تَقُلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ نِدَاءِ الصُّبْحِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ: فَإِنْ كُنْت فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ، ثُمَّ تَخْتِمُ الْأَذَانَ بِقَوْلِك: (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) تَقُولُهَا (مَرَّةً وَاحِدَةً) وَهَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الَّتِي عَلَّمَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مَحْذُورَةَ وَعَلَيْهَا السَّلَفُ
أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
[الفواكه الدواني]
وَالْخَلَفُ، وَلَوْ غَيَّرَ هَذِهِ الصِّفَةَ بِأَنْ نَكَّسَهُ أَوْ أَوَتَرُهُ وَلَوْ جُلَّهُ أَعَادَهُ مَعَ الطُّولِ، وَيَبْنِي عَلَى أَوَّلِهِ فِي الْإِيتَارِ وَيُعِيدُ الْمُنَكَّسَ فِي التَّنْكِيسِ مَعَ عَدَمِ الطُّولِ لِأَنَّ تَكَرُّرَ كَلِمَاتِهِ مِنْ بَابِ التَّأْسِيسِ لَا مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وَهَذَا آخِرُ الْأَذَانِ الشَّرْعِيِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُونَ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ فَغَيْرُ مَشْرُوعٍ، بَلْ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ فَمَا كَانَ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ تَسْبِيحٍ مِمَّا يَقُولُهُ آخِرَ اللَّيْلِ فَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَمَكْرُوهٌ
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كَلِمَاتِهِ مَرْتَبَةٌ وَمُتَوَالِيَةٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفَصْلُ بَيْنَهَا وَلَوْ بِإِشَارَةٍ لِسَلَامٍ، فَإِنْ فَصَلَ وَلَوْ بِأَكْلٍ أَوْ كَلَامٍ وَلَوْ وَجَبَ لِكَإِنْقَاذِ أَعْمَى بَنَى إنْ لَمْ يُطِلْ فَإِنْ طَالَ ابْتَدَأَهُ لِبُطْلَانِهِ، كَمَا يَبْطُلُ لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ كَفَرَ فِي أَثْنَائِهِ، وَلَا يَبْنِي الثَّانِيَ عَلَى فِعْلِ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَرُبَ، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ أَعَادَ مِنْ مَوْضِعِ نَسِيَ إذَا كَانَ الْمَنْسِيُّ جُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ نَحْوَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّةً فَلَا يُعِيدُ شَيْئًا، وَإِنْ تَبَاعَدَ أَعَادَ الْأَذَانَ إنْ كَانَ الَّذِي أَتَى بِهِ لَا يَعُدُّهُ السَّامِعُ أَذَانًا وَإِلَّا لَمْ يُعِدُّهُ.
.
1 -
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ شُرُوطَهُ وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: شُرُوطُ صِحَّةٍ وَشُرُوطُ كَمَالٍ، فَشُرُوطُ الصِّحَّةِ: النِّيَّةُ وَيَكْفِي نِيَّةُ الْفِعْلِ، وَالْإِسْلَامُ فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْكَافِرِ وَإِنْ حُكِمَ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ لِنُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُصُوصِ فَيُحْمَلُ بِأَذَانِهِ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ إذَا رُفِعَ لِحَاكِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ إيمَانِهِ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ قُبِلَ إنْ دَلَّ عَلَى عُذْرِهِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ وَقَالَ أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ أَذَانُهُ بَاطِلٌ لِابْتِدَائِهِ قَبْلَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَاخْتُلِفَ إنْ أَذَّنَ عَازِمًا عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ، فَعَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي يَصِحُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ كَغَيْرِهِ بُطْلَانُهُ وَلَوْ كَانَ عَازِمًا وَيَنْظُرُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّهَارَة، وَأَمَّا لَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ أَذَانِهِ مُسْلِمًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَبْطُلُ أَذَانُهُ وَيُعَادُ إنْ كَانَ وَقْتُهُ بَاقِيًا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّوَادِرِ: فَإِنْ أَعَادُوا فَحَسَنٌ وَإِنْ اجتزءوا بِهِ أَجْزَأَهُمْ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ: لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ ثَوَابُهُ كَمَنْ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ إنْ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ وَقْتَهَا أَعَادَهَا وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَهَا لَمْ يُعِدْهَا وَيَبْطُلُ ثَوَابُهَا.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
وَالذُّكُورَةُ: فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمَرْأَةِ وَلَوْ لِنِسَاءِ، فَأَذَانُهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ حَرَامٌ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ.
وَالْبُلُوغُ: فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ وَلَا يَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا تَابِعًا لِبَالِغٍ فَيَصِحُّ وَيَصِحُّ أَذَانُهُ لِصِبْيَانٍ مِثْلِهِ.
وَالْعَقْلُ وَالْعِلْمُ بِالْوَقْتِ قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ بِإِسْلَامٍ وَعَقْلٍ وَذُكُورَةٍ وَبُلُوغٍ، وَشُرُوطُ الْكَمَالِ الطَّهَارَةُ وَكَوْنُهُ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ مُرْتَفِعًا وَقَائِمًا إلَّا لِعُذْرٍ وَمُسْتَقْبِلًا إلَّا لِإِسْمَاعٍ.
الثَّالِثُ: يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يَحْكِيَهُ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ وَالسَّامِعِ أَيْضًا أَنْ يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ الشَّفَاعَةُ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالدَّعْوَةُ التَّامَّةُ هِيَ دَعْوَةُ الْأَذَانِ، وَالْوَسِيلَةُ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ
[صِفَةِ الْإِقَامَةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْإِقَامَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِقَامَةُ) مَصْدَرُ أَقَامَ وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ (وِتْرٌ) أَيْ غَيْرُ مُثَنَّاةٍ مَا عَدَا التَّكْبِيرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُسَنُّ إقَامَةٌ مُفْرَدَةٌ وَثُنِّيَ تَكْبِيرُهَا لِفَرْضٍ وَإِنْ قَضَاءً تَقُولُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مَرَّةً (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) مَرَّةً (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) مَرَّةً (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) مَرَّةً (قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) مَرَّةً، وَمَعْنَى قَامَتْ اسْتَقَامَتْ عِبَادَتُهَا وَآنَ الدُّخُولُ فِيهَا.
(اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتَقَدَّمَ إنْ شَفَعَهَا وَلَوْ جُلَّهَا أَعَادَهَا لِبُطْلَانِهَا وَلَوْ نَاسِيًا، فَكَلِمَاتُهَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ كَلِمَةٌ وَجُمَلُهَا عَشْرٌ، وَأَمَّا كَلِمَاتُ الْأَذَانِ فَثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي الصُّبْحِ، وَجُمَلُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ فِي الصُّبْحِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إفْرَادِهَا وَشَفْعِ الْأَذَانِ خَبَرُ مُسْلِمٍ: «كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً» ، وَفِيهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، فَلَوْ أَوْتَرَ الْأَذَانَ وَلَوْ نِصْفَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ بَطَلَ وَلَوْ غَلَطًا أَوْ سَهْوًا، وَمِثْلُهُ شَفْعُ الْإِقَامَةِ فَلَوْ نَكَّسَ أَعَادَ الْمُنَكَّسُ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَلِي بَحْثٌ فِي بُطْلَانِ الْإِقَامَةِ بِشَفْعِهَا وَلَوْ الْجَمِيعَ (تَنْبِيهٌ) : وَالْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ مَا عَدَا الذُّكُورَةَ وَهِيَ مِنْ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِينَ صَحِيحَةٌ كَالْأَذَانِ حَيْثُ كَانَ ضَابِطًا أَوْ لَا يَفْعَلُهَا إلَّا تَبَعًا لِأَمْرِ غَيْرِهِ بَلْ عِنْدَ حُصُولِ تَحْقِيقِ الْأَذَانِ مِنْ غَيْرِهِ تَصِحُّ إقَامَتُهُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ضَابِطًا وَلَا تَابِعًا لِغَيْرِهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَمَا يَفْعَلُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا فَقَالَ:
بَابُ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ وَالْإِحْرَامُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتَرْفَعُ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ دُونَ ذَلِكَ
ثُمَّ
[الفواكه الدواني]
[بَاب صفة الْعَمَل فِي الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة]
ِ (وَ) صِفَةُ الْعَمَلِ فِي (مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَا يَتَّصِلُ بِالْفَرْضِ مَا يَلِيهِ فِي الطَّلَبِ لِيَشْمَلَ مَا كَانَ مِنْ النَّوَافِلِ سَابِقًا عَلَى فِعْلِ الْفَرْضِ كَأَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَيَشْمَلُ مَا كَانَ مِنْ السُّنَنِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِفِعْلِ فَرْضٍ كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ، وَمُرَادُهُ بِالْعَمَلِ مُطْلَقُ الْفِعْلِ لِيَشْمَلَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ لِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَاةِ سَبْعَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً: النِّيَّةُ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامُ لَهَا وَالْفَاتِحَةُ وَالْقِيَامُ لَهَا وَالرُّكُوعُ وَالْقِيَامُ لَهُ وَالرَّفْعُ مِنْهُ وَالسُّجُودُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالْجُلُوسُ بِقَدْرِ السَّلَامِ وَالسَّلَامُ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالِاعْتِدَالُ وَتَرْتِيبُ الْأَدَاءِ وَنِيَّةُ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ، وَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ نِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً أَوْ سُنَّةً أَوْ رَغِيبَةً لِافْتِقَارِ الْجَمِيعِ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ فَرِيضَةً وَلَا سُنَّةً وَلَا رَغِيبَةً فَيَكْفِي نِيَّةُ فِعْلِ مَا قَصَدَهُ، وَلَوْ لَمْ يُلَاحِظْ كَوْنَهَا صَلَاةَ ضُحًى أَوْ تَرَاوِيحَ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: فِي تَحْرِيرِهِ أَقْوَالَ الصَّلَاةِ كُلَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا إلَّا ثَلَاثَةً: تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالْفَاتِحَةُ وَالسَّلَامُ، وَأَفْعَالُهَا كُلُّهَا فَرَائِضُ إلَّا ثَلَاثَةً: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْجِلْسَةُ الْوُسْطَى وَالتَّيَامُنُ عِنْدَ السَّلَامِ، زَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَالِاعْتِدَالُ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اهـ.
وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا اهْتَمَّ بِبَيَانِ الصِّفَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: يُؤْخَذُ مِنْ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى بَيَانِ الصِّفَةِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِصَلَاةٍ عَلَى صِفَةِ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ تُجْزِيهِ، وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ فَرْضَهَا مِنْ سُنَّتِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ أَخَذَ وَصْفَهَا مِنْ فِعْلِ عَالِمٍ، وَلَمَّا كَانَ مِفْتَاحُهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ قَالَ: (وَالْإِحْرَامُ فِي الصَّلَاةِ) وَلَوْ نَافِلَةً رُكْنٌ وَصِفَتُهُ (أَنْ تَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ) بِالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ قَدْرَ أَلِفٍ فَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ، كَمَا أَنَّ الذَّاكِرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَيُحْذَرُ مِنْ مَدِّ هَمْزَةِ اللَّهِ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَفْهِمًا، وَمِنْ مَدِّ بَاءِ أَكْبَرُ، وَمِنْ تَشْدِيدِ رَائِهِ، وَمِنْ الْفَصْلِ الطَّوِيلِ بَيْنَ اللَّهُ وَأَكْبَرُ، وَمِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ إشْبَاعِ الْهَاءِ مِنْ اللَّهِ، وَزِيَادَةِ وَاوٍ مَعَ هَمْزَةِ أَكْبَرُ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلتَّكْبِيرِ، كَمَا يُبْطِلُ مَا وَقَعَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِدُخُولِ وَقْتِ مَا أُحْرِمْ لَهُ مِنْ فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَأَمَّا زِيَادَةُ وَاوٍ قَبْلَ هَمْزَةِ أَكْبَرُ أَوْ قَلْبُ الْهَمْزَةِ وَاوًا أَوْ إشْبَاعُ الْهَاءِ مِنْ اللَّهِ أَوْ وَقْفَةٌ يَسِيرَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَأَكْبَرُ، أَوْ تَحْرِيكُ الرَّاءِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْإِحْرَامُ، وَخَبَرُ التَّكْبِيرِ جَزْمٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَعَلَى صِحَّتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، فَلَوْ أَبْدَلَ اللَّهُ أَكْبَرُ بِالْعَظِيمِ أَوْ الْجَلِيلِ أَوْ أَبْدَلَ اللَّهُ بِالْعَزِيزِ لَا يَجْزِيهِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، حَيْثُ قَدَّرَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَلِذَلِكَ قَالَ: (لَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ) بِشُرُوطِهَا الَّتِي مَرَّتْ، وَأَمَّا لَوْ عَجَزَ عَنْهَا أَوْ قَدَّرَ مِنْهَا عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ فَيَكْفِيهِ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُكَلَّفُ الدُّخُولَ بِغَيْرِهَا كَاَللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ أَعْجَمِيًّا عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ اقْتِصَارِهِمْ عَلَى كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ دُونَ قَوْلِهِمْ بِالْبُطْلَانِ.
وَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا مِنْ الْبُطْلَانِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى كَلَامِ الْقَرَافِيِّ مِنْ بُطْلَانِهَا بِالدُّعَاءِ أَوْ التَّسْبِيحِ أَوْ التَّكْبِيرِ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ بِعَجَمِيَّةٍ لِقَادِرٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الْعَمَلُ وَخَبَرُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَخَبَرُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَتَجِبُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ إلَّا الْقِيَامَ لَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ وَالْمَأْمُومِ غَيْرِ
تَقْرَأُ فَإِنْ كُنْت فِي الصُّبْحِ قَرَأَتْ جَهْرًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، لَا تَسْتَفْتِحُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَإِذَا قُلْت وَلَا الضَّالِّينَ فَقُلْ آمِينَ إنْ كُنْت وَحْدَكَ أَوْ خَلْفَ إمَامٍ وَتُخْفِيهَا وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ
[الفواكه الدواني]
الْمَسْبُوقِ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ وَهُوَ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِالرُّكُوعِ فَفِي وُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ تَأْوِيلَانِ فِي فَهْمِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَنَوَى بِهِ الْعَقْدَ أَجْزَأَهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ التَّكْبِيرُ لَهُ إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الِانْحِنَاءِ قَالَا: وَهُوَ ظَاهِرُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: مَعْنَاهَا كَبَّرَ قَائِمًا.
ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ كَبَّرَ مُنْحَنِيًا لَمْ تَصِحَّ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَشَهَرَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ عَلَى الْوُجُوبِ إذَا وَجَدَ إمَامَهُ رَاكِعًا، وَابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ قَائِمًا، وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِ انْحِطَاطِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَعَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ يَعْتَدُّ بِهَا، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَنْوِي بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ أَوْ الْإِحْرَامِ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ لِلْإِحْرَامِ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ أَتَمَّهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، فَإِنَّ الرَّكْعَةَ تَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِحْرَامُهُ صَحِيحٌ، وَمَا لَوْ فَصَلَ بَيْنَ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ افْتَتَحَهُ مِنْ قِيَامٍ أَوْ مِنْ انْحِطَاطٍ، فَالصُّوَرُ سِتٌّ: صُورَتَانِ مَحَلُّ التَّأْوِيلَيْنِ، وَصُورَتَانِ تَبْطُلُ فِيهِمَا الرَّكْعَةُ فَقَطْ، وَصُورَتَانِ تَبْطُلُ فِيهِمَا الصَّلَاةُ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّكْبِيرَ نَفْسُ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ نَفْسُ الْخَبَرِ مَعَ أَنَّ إضَافَةَ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَأَجَابَ بَعْضٌ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةٌ، وَهَذَا عَيْنُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْإِحْرَامُ النِّيَّةُ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِحْرَامَ مُرَكَّبٌ مِنْ عَقْدٍ هُوَ النِّيَّةُ، وَقَوْلٍ هُوَ التَّكْبِيرُ، وَفِعْلٍ هُوَ الِاسْتِقْبَالُ، فَإِضَافَةُ التَّكْبِيرِ إلَى الْإِحْرَامِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ إلَى الْكُلِّ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: الْإِحْرَامُ ابْتِدَاؤُهَا بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا.
(فَرْعٌ) وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَانَ شَكُّهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ كَبَّرَ بِغَيْرِ سَلَامٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ، وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ شَكِّهِ أَنَّهُ كَانَ أَحْرَمَ جَرَى عَلَى مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الطُّهْرُ، وَلَوْ كَانَ الشَّاكُّ إمَامًا فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا سَلَّمَ سَأَلَهُمْ فَإِنْ قَالُوا: أَحْرَمْت رَجَعَ قَوْلُهُمْ، وَإِنْ شَكُّوا أَعَادَ جَمِيعُهُمْ، اُنْظُرْ تَبْصِرَةَ اللَّخْمِيِّ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لَك فِي إحْرَامِكَ أَنْ (تَرْفَعَ يَدَيْك) حِينَ شُرُوعِكَ بِحَيْثُ تَجْعَلُهَا (حَذْوَ مَنْكِبَيْك) بِفَتْحِ الْمِيمِ تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ وَهُوَ مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ.
(أَوْ) تَجْعَلُهُمَا (دُونَ ذَلِكَ) أَيْ بِحَيْثُ يُحَاذِيَانِ الصَّدْرَ، وَبَقِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ الْأُذُنَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَاخْتَارَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَصِفَةُ رَفْعِهِمَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَنْ تَكُونَ الْيَدَانِ قَائِمَتَيْنِ بِحَيْثُ تُحَاذِي كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ وَأَصَابِعُهُ أُذُنَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهِيَ صِفَةُ الرَّاغِبِ؛ لِأَنَّ الرَّاغِبَ لِلشَّيْءِ يَبْسُطُ لَهُ يَدَيْهِ، وَعِنْدَ سَحْنُونٍ يَرْفَعُهُمَا صِفَةُ الرَّاهِبِ بِأَنْ يَجْعَلَ ظُهُورَهُمَا إلَى السَّمَاءِ وَبُطُونَهُمَا إلَى الْأَرْضِ، وَفِي تت نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِمَا قَدَّمْنَا فَإِنَّهُ قَالَ: الرَّاغِبُ يَجْعَلُ بُطُونَ يَدَيْهِ لِلسَّمَاءِ، وَالرَّاهِبُ يَجْعَلُ بُطُونَهُمَا لِلْأَرْضِ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمُ قِيَامِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْيَدَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ الْكَفَّيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبِهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ» وَدَلِيلُ الثَّالِثِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا أُذُنَيْهِ» .
وَدَلِيلُ الثَّانِي مَا فِي أَبِي دَاوُد وَقَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: " رَأَيْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إلَى صُدُورِهِمْ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ " وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي رَفْعِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَدُونَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَيُسْتَحَبُّ كَشْفُهُمَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا يُسْتَحَبُّ إرْسَالُهُمَا بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِكَرَاهَةِ الْقَبْضِ فِي الْمَفْرُوضَةِ، وَيَكُونُ إرْسَالُهُمَا بِرِفْقٍ وَلَا يَرْفَعُهُمَا إلَى قُدَّامُ، وَحِكْمَةُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إمَّا لِمُخَالَفَةِ الْمُنَافِقِينَ فِي ضَمِّ أَذْرُعِهِمْ إلَى أَجْنَابِهِمْ حِرْصًا عَلَى بَقَاءِ أَصْنَامِهِمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَأُمِرْنَا بِالرَّفْعِ لِمُخَالَفَتِهِمْ، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ قَدْ رَفَضَ الدُّنْيَا وَأَقْبَلَ عَلَى رَبِّهِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (تَقْرَأُ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِتَسْبِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ لِكَرَاهَةِ ذَلِكَ هُنَا، فَثُمَّ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْفَاءِ لِعَدَمِ تَأْخِيرِ الْقِرَاءَةِ عَنْ التَّكْبِيرِ.
(فَإِنْ كُنْت فِي) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) أَوْ الْجُمُعَةِ أَوْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ (قَرَأْت جَهْرًا) بِحَيْثُ تُسْمِعُ مَنْ يَلِيكَ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَسُمِّيَتْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ لِجَمْعِهَا لِمَعَانِيهِ وَلَكِنْ (لَا تَسْتَفْتِحُ) قِرَاءَتَك (بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّورَةِ) أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا تَقْرَؤُهُ (الَّتِي بَعْدَهَا) سِرًّا وَلَا جَهْرًا إمَامًا كُنْت أَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فَيُنْهَى الْمُصَلِّي عَنْ قِرَاءَتِهَا فِي الْفَرِيضَةِ نَهْيَ كَرَاهَةٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلِابْنِ نَافِعٍ قَوْلٌ بِوُجُوبِهَا كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ إبَاحَتُهَا وَعُزِيَ لِابْنِ مَسْلَمَةَ نَدْبُهَا، وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَالْعَمَلُ، وَكَانَ الْمَازِرِيُّ يَأْتِي بِهَا سِرًّا فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ كُلُّهُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ يُبَسْمِلُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَ
وَيَقُولُهَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ إيَّاهَا فِي الْجَهْرِ اخْتِلَافٌ، ثُمَّ تَقْرَأُ سُورَةً مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ
[الفواكه الدواني]
الْقَرَافِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ مِنْ الْوَرَعِ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ بِقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ إحْدَى التَّكْبِيرَاتِ، لَكِنْ مَعَ بَعْضِ دُعَاءٍ لِتَصِيرَ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَنَا رُكْنٌ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَرِيضَةِ إذَا أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ أَنَّهَا فَرْضٌ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا، وَأَمَّا إذَا أَتَى بِهَا مُقَلِّدًا لَهُ أَوْ بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِفَرِيضَةٍ وَلَا نَفْلِيَّةٍ فَلَا كَرَاهَةَ، بَلْ وَاجِبَةٌ إذَا قَلَّدَ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ وَمُسْتَحَبَّةٌ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ وَالتَّعَوُّذُ فِي النَّافِلَةِ فَالْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: ثُمَّ تَقْرَأُ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفَاتِحَةٌ بِحَرَكَةِ لِسَانٍ عَلَى إمَامٍ وَفَذٍّ فَيَجِبُ تَعَلُّمُهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا ائْتَمَّ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا فَالْمُخْتَارُ سُقُوطُهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِقِرَاءَتِهِ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ تَجِبُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ الْجُلِّ خِلَافٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِيَّةِ أُمِّ الْقُرْآنِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» .
وَخَبَرُ: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ خِدَاجٌ خِدَاجٌ قَالَهُ ثَلَاثًا» أَيْ غَيْرُ تَمَامٍ، وَهَذَا شَامِلٌ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ مَقَامَهَا.
الثَّانِي: حُكْمُ الْجَهْرِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ، وَحُكْمُ السِّرِّ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ السُّنِّيَّةِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ حَقِيقَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَإِذَا قَرَأَ فِي مَحَلِّ السِّرِّ جَهْرًا وَفِي مَحَلِّ الْجَهْرِ سِرًّا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِي الْأُولَى بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِزِيَادَةٍ وَفِي الثَّانِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِنَقْصٍ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَتَذَكَّرْ الْمُخَالَفَةَ لَهُ إلَّا بَعْدَ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَإِلَّا أَعَادَ الْقِرَاءَةَ عَلَى سُنَنِهَا، وَهَلْ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ لَهُ بِأَلْ كَالْفَاتِحَةِ أَوْ جُلِّهَا، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً وَإِلَّا فَلَا سُجُودَ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا وَقَعَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، وَأَمَّا لَوْ جَهَرَ فِي مَحَلِّ السِّرِّ أَوْ أَسَرَّ فِي مَحَلِّ الْجَهْرِ عَمْدًا فَقِيلَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ تَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ أَوَّلًا وَلَا سُجُودَ خِلَافٌ.
الثَّالِثُ: لَوْ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُسَنُّ فِيهِ الْجَهْرُ سِرًّا، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقُلْنَا لَا يَرْجِعْ فَلَوْ خَالَفَ رَجَعَ لِأَجْلِ الْجَهْرِ فَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِرُجُوعِهِ مِنْ فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا فِي تَارِكِ الْجُلُوسِ بَعْدَ اثْنَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ يَرْجِعُ لَهُ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا تَبْطُلُ إنْ رَجَعَ وَلَوْ اسْتَقَلَّ.
(فَإِذَا) قَرَأْت أُمَّ الْقُرْآنِ وَ (قُلْت وَلَا الضَّالِّينَ فَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (آمِينَ) بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ فَاعِيلَ، وَبِالْقَصْرِ مَعَ تَخْفِيفِ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلَ، وَبِالْمَدِّ مَعَ تَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالنُّونُ مَفْتُوحَةً عَلَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ، وَالْمَشْهُورُ لُغَةُ وَسُنَّةُ الْمَدِّ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ فَقِيلَ: إنَّهُ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَاعِيلَ، وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ: مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ لِطَلَبِ الْإِجَابَةِ مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ وَاسْمَعْ وَأَمِّنَّا خَيْبَةَ دُعَائِنَا، وَقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَتَكُونُ نُونُهُ مَبْنِيَّةً عَلَى الضَّمِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ مُنَادًى وَالتَّقْدِيرُ: يَا آمِينْ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ، وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَمْ يَرِدْ مِنْهَا آمِينَ، وَعَلَى هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فَقُلْ إنَّ آمِينَ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إجْمَاعًا وَمَحَلُّ نَدْبِ التَّأْمِينِ (إنْ كُنْت وَحْدَك) سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً (أَوْ خَلْفَ إمَامٍ) فِي السِّرِّيَّةِ أَوْ الْجَهْرِيَّةِ إنْ سَمِعَ قَوْلَ الْإِمَامِ وَلَا الضَّالِّينَ (وَ) يُسْتَحَبُّ لَك أَنْ (تُخْفِيَهَا) أَيْ لَفْظَ آمِينَ؛ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ وَالْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ.
(وَلَا يَقُولُهَا) أَيْ لَفْظَةَ آمِينَ (الْإِمَامُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ وَيَقُولُهَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ إلَخْ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ قَوْلِهَا قَالَ: (وَفِي قَوْلِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (إيَّاهَا فِي الْجَهْرِ اخْتِلَافٌ) وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ قَالَ خَلِيلٌ: وَتَأْمِينُ فَذٍّ مُطْلَقًا وَإِمَامٍ بِسِرٍّ وَمَأْمُومٍ بِسِرٍّ أَوْ جَهْرٍ إنْ سَمِعَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَإِسْرَارُهُمْ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي سَمِعَهُ لِلْجَهْرِ بِآخِرِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ لَفْظُ وَلَا الضَّالِّينَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مَا قَبْلَهَا لَا إنْ لَمْ يَسْمَعْ آخِرَهَا وَإِنْ سَمِعَ مَا قَبْلَهُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ (تَقْرَأُ) بَعْدَهَا عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَوْ آيَةً قَصِيرَةً كَذَوَاتَا أَفْنَانٍ أَوْ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64] أَوْ بَعْضَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ كَآيَةِ الدَّيْنِ، وَالْأَفْضَلُ (سُورَةٌ) كَامِلَةٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ (مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ) الَّذِي أَوَّلُهُ الْحُجُرَاتُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَمُنْتَهَاهُ النَّازِعَاتُ، وَمِنْ عَبَسَ إلَى الضُّحَى وَسَطٌ، وَمِنْ الضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ قِصَارٌ، فَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى كَمَالِ السُّورَةِ إذْ كَمَالُهَا مُسْتَحَبٌّ، وَيُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: ثُمَّ تَقْرَأُ أَنَّ السُّورَةَ مُؤَخَّرَةٌ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ قِيلَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ إنَّهُ شَرْطٌ فِي حُصُولِ السُّنِّيَّةِ فَلَوْ قَرَأَهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ أَعَادَهَا إلَّا أَنْ يَرْكَعَ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَكَإِسْقَاطِهَا فَتَفُوتُ وَيَسْجُدُ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِذَا أَعَادَهَا فَإِنَّهُ
فَحَسَنٌ بِقَدْرِ التَّغْلِيسِ وَتَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهَا
فَإِذَا تَمَّتْ السُّورَةُ كَبَّرْتَ فِي انْحِطَاطِكَ لِلرُّكُوعِ فَتُمَكِّنُ يَدَيْكَ مِنْ رُكْبَتَيْكَ وَتُسَوِّي ظَهْرَكَ مُسْتَوِيًا وَلَا تَرْفَعُ رَأْسَكَ وَلَا تُطَأْطِئُهُ وَتُجَافِي بَضْعَيْكَ عَنْ جَنْبَيْكَ وَتَعْتَقِدُ الْخُضُوعَ بِذَلِكَ بِرُكُوعِكَ
[الفواكه الدواني]
يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ هَلْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَمْ لَا؟ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَأَعَادَ السُّورَةَ فَإِنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ.
وَفَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: سُورَةً أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فِي السِّرِّيَّةِ فَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهِ سُورَةً ثَانِيَةً إذَا طَوَّلَ إمَامُهُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ: مِنْ طِوَالٍ، قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: رَوَيْنَاهُ طِوَالٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ طُوَلٌ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ جَمْع طُولَى كَأُولَى وَأُوَلٌ وَأُخْرَى وَأُخَرٌ وَقُرْبَى وَقُرَبٌ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «السَّبْعُ الطُّوَالُ» وَهُوَ جَمْعُ طَوِيلٍ كَقَصِيرٍ وَقِصَارٍ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الطُّوَلُ بِضَمِّ الطَّاءِ الطَّوِيلُ يُقَالُ فِيهِ طَوِيلٌ وَطُوَلٌ فَإِذَا أَفْرَطَ فِي الطُّولِ قِيلَ طَوَّالٌ مُشَدَّدًا، وَالطِّوَالُ بِالْكَسْرِ جَمْعُ طَوِيلٍ، وَأَمَّا الطَّوَالُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ، يُقَالُ: لَا أُكَلِّمُهُ طُوَالَ الدَّهْرِ وَطُولَ الدَّهْرِ، أَيْ لَا أُكَلِّمُهُ أَبَدًا، فَطُوَالُ وَطُولُ الدَّهْرِ بِمَعْنًى.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ بَعْدَ قَوْلِ الْفَاكِهَانِيِّ: لِأَنَّهُ جَمْعُ طُولَى، قَدْ يُقَالُ إنَّهُ جَمْعُ طَوِيلٍ فَلَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَتَّى يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ طُولٌ، قُلْت: لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ طِوَالٌ جَمْعُ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي وَصْفِ الْمُؤَنَّثِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ وَصْفُ السُّوَرِ، وَوَصْفُ الْمُؤَنَّثِ طُولَى وَجَمْعُهَا طُوَلٌ وَطِوَالٌ جَمْعُ طَوِيلٍ وَصْفُ الْمُذَكَّرِ، فَكَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي مَحَلِّهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْأُجْهُورِيِّ كَالْمُصَنِّفِ طِوَالُ الْقُرْآنِ الْمُفَصَّلِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) السُّورَةُ الَّتِي تَقْرَؤُهَا فِي الصُّبْحِ (أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ تَقْرَأَ سُورَةً قَرِيبَةً مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ (بِقَدْرِ) زَمَانِ (التَّغْلِيسِ) بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ إسْفَارٌ، وَالتَّغْلِيسُ اخْتِلَاطُ الظُّلْمَةِ بِالضِّيَاءِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي كِتَابِ عُمَرَ إلَى أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: صَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ مُشْتَبِكَةٌ وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ، وَإِنَّمَا نُدِبَ التَّطْوِيلُ فِي الصُّبْحِ لِإِدْرَاكِ النَّاسِ جَمَاعَتَهَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَهَذَا التَّطْوِيلُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ إمَامٍ لِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ، أَوْ شَخْصٌ مُنْفَرِدٌ يَقْوَى عَلَى التَّطْوِيلِ، وَإِمَّا مُنْفَرِدٌ لَا يَقْوَى عَلَى التَّطْوِيلِ، أَوْ إمَامُ قَوْمٍ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمْ عَدَمُ التَّطْوِيلِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ أَيْ إمَامًا لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» .
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (نَجْهَرَ بِقِرَاءَتِهَا) كَمَا يُسَنُّ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ.
(فَإِذَا تَمَّتْ السُّورَةُ) الْمُرَادُ مَا قَرَأْته بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ (كَبَّرْت) اسْتِنَانًا (فِي) حَالِ (انْحِطَاطِك لِلرُّكُوعِ) .
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَكْبِيرُهُ فِي الشُّرُوعِ إلَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلِاسْتِقْلَالِهِ فَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: طَلَبُ التَّكْبِيرِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَمُقَارَنَتُهُ لِلشُّرُوعِ فِيهِ وَالرُّكُوعُ، أَمَّا التَّكْبِيرُ فَسُنَّةٌ لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ كُلُّ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ خَلَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سُنَّةٌ؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ: لَوْ تَرَكَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً غَيْرَ تَكْبِيرِ الْعِيدِ سَهْوًا لَا يَسْجُدُ، وَإِنْ سَجَدَ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ سُنَّةٍ وَلَوْ جَمِيعَهُ يَسْجُدُ، فَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ وَطَالَ فَيَفْتَرِقُ الْقَوْلَانِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجَمِيع سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، وَعَلَى الْآخَرِ تَبْطُلُ بِتَرْكِ السُّجُودِ، لِثَلَاثٍ فَأَكْثَرَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى مَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ وَبِتَرْكِ قَبْلِي عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ، وَأَمَّا مُقَارَنَتُهُ لِأَفْعَالِهَا فَمُسْتَحَبَّةٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الرُّكُوعُ فَفَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» وَالرُّكُوعُ لُغَةً انْحِنَاءُ الظَّهْرِ، وَشَرْعًا فَأَقَلُّهُ الَّذِي لَا يُسَمَّى رُكُوعًا إلَّا بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: انْحِنَاءٌ مَعَ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى آخِرِ فَخِذَيْهِ بِحَيْثُ تَقْرُبُ بَطْنَا كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، فَلَوْ قَصُرَتَا لَمْ يَزِدْ عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ.
وَلَوْ قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا وَضَعَ الْأُخْرَى عَلَى رُكْبَتِهَا، فَإِنْ لَمْ تَقْرُبْ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ لَمْ يَكُنْ رُكُوعًا، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ سَدَّ لَهُمَا فِي حَالِ رُكُوعِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلِلْوَضْعِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ أَشَارَ لِأَفْضَلِهَا بِقَوْلِهِ: (فَتُمَكِّنُ يَدَيْك) أَيْ كَفَّيْكَ مُفَرِّقًا أَصَابِعَهُمَا فِي حَالِ رُكُوعِك (مِنْ رُكْبَتَيْك) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَتُسَوِّي ظَهْرَكَ) حَالَ كَوْنِكَ (مُسْتَوِيًا) أَيْ مُعْتَدِلًا لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ «أَنَّهُ كَانَ إذَا رَكَعَ يُسَوِّي ظَهْرَهُ بِحَيْثُ لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَوُضِعَ الْقَدَحُ عَلَيْهِ لَا يَذْهَبُ مِنْهُ شَيْءٌ» . (وَلَا تَرْفَعُ رَأْسَك وَلَا تُطَأْطِئُهُ) بِأَنْ تُخْفِضَهُ إلَى أَسْفَلَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
(وَ) إذَا مَكَّنْت يَدَيْك مِنْ رُكْبَتَيْك (تُجَافِي) أَيْ تَجْنَحُ وَتُبَاعِدُ مُتَوَسِّطًا (بَضْعَيْك) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (عَنْ جَنْبَيْك) فَأَطْلَقَ الْمُجَافَاةَ وَأَرَادَ بِهَا التَّجَنُّحَ الْمُتَوَسِّطَ كَمَا يَأْتِي، وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهَا الِانْضِمَامُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِرُكُوعِهِ وَنَدْبُ تَمْكِينِهِمَا مِنْهُمَا وَنَصْبُهُمَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ وَضْعً الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ لَمْ يَضَعْهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَالَ رُكُوعِهِ بَلْ سَدَّ لَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ تَسْوِيَةِ الرُّكْبَتَيْنِ فَلَا يُبَالِغُ فِي الِانْحِنَاءِ فَيَجْعَلُهُمَا قَائِمَتَيْنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ نَصْبُهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ
وَسُجُودِكَ، وَلَا تَدْعُو فِي رُكُوعِكَ وَقُلْ إنْ شِئْت: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمَ وَبِحَمْدِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيتُ قَوْلٍ وَلَا حَدَّ فِي اللُّبْثِ
ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَك وَأَنْتَ قَائِلٌ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ إنْ كُنْت وَحْدَكَ وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ وَلَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ
وَتَسْتَوِي قَائِمًا مُطْمَئِنًّا مُتَرَسِّلًا
ثُمَّ تَهْوِي
[الفواكه الدواني]
تَسْوِيَةُ الْقَدَمَيْنِ فَلَا يَقْرِنُهُمَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الصِّفَةُ الْكَامِلَةُ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ، وَبَقِيَ صِفَتَانِ إحْدَاهُمَا وَضْعُ الْيَدَيْنِ قُرْبَ الرُّكْبَتَيْنِ وَهَذِهِ أَدْنَى، وَيَلِيهَا صِفَةٌ أُخْرَى وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينٍ فَ الْمُصَنِّفُ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَفْضَلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْوَضْعِ وَالتَّمْكِينِ وَالْمُجَافَاةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَسْوِيَةَ الظَّهْرِ وَعَدَمَ رَفْعِ رَأْسِهِ وَعَدَمَ خَفْضِهِ الِاسْتِحْبَابُ، فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهُ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْك أَنْ (تَعْتَقِدَ) بِقَلْبِك (الْخُضُوعَ بِذَلِكَ) أَيْ (بِرُكُوعِك وَسُجُودِك) فَقَوْلُهُ بِرُكُوعِك بَيَانٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ
، وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَالْخُشُوعُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَهُوَ وُقُوعُ الْخَوْفِ فِي الْقَلْبِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ طَلَبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَقِيلَ النَّدْبُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ مَنْ تَفَكَّرَ بِدُنْيَوِيٍّ إذْ لَمْ يَقُولُوا بِبُطْلَانِهَا مَعَ ضَبْطِهِ أَفْعَالَهَا، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا، وَقِيلَ: إنَّهُ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ كَمَا عَدَّهُ عِيَاضٌ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ مِنْ فَرَائِضِهَا الَّتِي لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، عَنْ الشَّيْخِ زَرُّوقٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ عَنْهُ الْخَوَاطِرَ الرَّدِيئَةَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى قَلْبِهِ وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْخَلَّاقِ الْفَعَّالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20] (وَلَا نَدْعُو) بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ أَيْ يُكْرَهُ أَنْ تَدْعُوَ (فِي رُكُوعِك) وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ قَالَ: (وَقُلْ) نَدْبًا فِي حَالِ رُكُوعِك (إنْ شِئْت سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ) وَإِنْ شِئْت سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، فَقَوْلُهُ: إنْ شِئْت لَيْسَ الْمُرَادُ التَّخْيِيرَ فِي الْقَوْلِ وَعَدَمِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ وَنَحْوَهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ سُنَّةٌ فَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ سَوِيًّا لِفِعْلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ وَنَدْبِ غَيْرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَادْعُوا فِيهِ بِمَا شِئْتُمْ أَوْ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ» فَقَمِنٌ أَيْ حَقِيقٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازٍ، وَالْأَوَّلُ لِبَيَانِ الْأَوْلَى، وَأَتَمُّ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي تَبَعٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى اخْتِصَاصِ الرُّكُوعِ بِالتَّسْبِيحِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» .
وَلَمَّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَرَاهَةُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَهُوَ أَحَدُ مَوَاضِعِ الْكَرَاهَةِ، وَمِنْهَا الدُّعَاءُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْهَا عَقِبَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَمِنْهَا أَثْنَاءَ الْفَاتِحَةِ وَأَثْنَاءَ السُّورَةِ فِي الْفَرِيضَةِ دُونَ النَّافِلَةِ، وَمِنْهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَقَبْلَ السُّورَةِ، وَمِنْهَا بَعْدَ الْجُلُوسِ وَقَبْلَ التَّشَهُّدِ، وَمِنْهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَقَبْلَ سَلَامِ الْمَأْمُومِ، وَلَيْسَ مِنْهَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ إمَامُنَا يَفِرُّ مِنْ التَّحْدِيدِ فِي النَّوَافِلِ وَالْأَذْكَارِ قَالَ: (لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيتُ قَوْلٍ) أَيْ أَنَّ التَّسْبِيحَ لَا يَتَحَدَّدُ بِعَدَدٍ بِحَيْثُ إذَا نَقَضَ عَنْهُ يَفُوتُهُ الثَّوَابُ، بَلْ إذَا سَبَّحَ مَرَّةً يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ يُزَادُ فِي الثَّوَابِ بِزِيَادَتِهِ.
(وَلَا حَدَّ فِي اللُّبْثِ) أَيْ أَنَّ الرُّكُوعَ لَا حَدَّ لِزَمَنِ الْمُكْثِ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مَا يَطْلُبُ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ فَرْضَهُ بِمُطْلَقِ الطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ مَعَ الِاعْتِدَالِ، إذْ الطُّمَأْنِينَةُ فَرْضٌ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَأَمَّا الزَّائِدُ عَلَيْهَا فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا حَدَّ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْهَى عَنْ الطُّولِ الْمُفْرِطِ فِي الْفَرِيضَةِ بِخِلَافِ النَّافِلَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الْفَذِّ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَالْمَطْلُوبُ فِي حَقِّهِ التَّخْفِيفُ.
(ثُمَّ) إذَا فَرَغْت مِنْ الرُّكُوعِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (تَرْفَعُ رَأْسَك) مِنْهُ وُجُوبًا حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا (وَأَنْتَ) أَيْ وَالْحَالُ (أَنَّك قَائِلٌ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) إنْ كُنْت إمَامًا أَوْ فَذًّا، (ثُمَّ تَقُولُ) مَعَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) بِالْوَاوِ (إنْ كُنْت وَحْدَك وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ) بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (وَلَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ.
(وَإِنَّمَا يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْفَذَّ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ، وَالْإِمَامُ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّسْمِيعِ وَالْمَأْمُومُ عَلَى التَّحْمِيدِ، وَإِنَّمَا الْفَذُّ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ
سَاجِدًا لَا تَجْلِسُ، ثُمَّ تَسْجُدُ وَتُكَبِّرُ فِي انْحِطَاطِكَ لِلسُّجُودِ فَتُمَكِّنُ جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنْ الْأَرْضِ وَتُبَاشِرُ بِكَفَّيْكَ الْأَرْضَ
[الفواكه الدواني]
بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ، وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْمِينِ، وَفِي جَمْعِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ فِي رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ اتِّبَاعٌ لِمَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهُمَا أَرْبَعُ جُمَلٍ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فَقَطْ، وَرَابِعَةٌ بِنَقْصِ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ بِأَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا جُمْلَتَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَمَعْنَى مُوَافَقَةِ الْمَلَائِكَةِ فِي النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْمَأْمُومُ إنَّمَا يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ «أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ تَفُتْهُ صَلَاةٌ خَلْفَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَاءَ يَوْمًا وَقْتَ الْعَصْرِ فَظَنَّ أَنَّهَا فَاتَتْهُ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ وَهَرْوَلَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُكَبِّرًا فِي الرُّكُوعِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَبَّرَ خَلْفَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الرُّكُوعِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُلْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَالَهَا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَرْكَعُ بِالتَّكْبِيرِ، وَيَرْفَعُ بِهِ» فَصَارَتْ سُنَّةً مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِبَرَكَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْهَرْوَلَةِ الْإِسْرَاعُ مِنْ غَيْرِ خَبَبٍ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى السَّكِينَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ:.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنْ السُّنَنِ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ جَمِيعُ التَّسْمِيعِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ كُلُّ مَرَّةٍ سُنَّةٌ؟ الْخِلَافُ فِي التَّكْبِيرِ يَأْتِي هُنَا وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ جَمِيعِهِ أَوْ ثَلَاثٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ سُنَّةٌ وَعَدَمُ الْبُطْلَانُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ سُنَّةٌ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْك بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِك مِنْ الرُّكُوعِ أَنْ (تَسْتَوِيَ) أَيْ تَعْتَدِلَ حَالَةَ كَوْنِك (قَائِمًا مُطْمَئِنًّا) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَطُمَأْنِينَةٌ وَاعْتِدَالٌ عَلَى الْأَصَحِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ أَنَّ الِاعْتِدَالَ نَصْبُ الْقَامَةِ وَالطُّمَأْنِينَةَ اسْتِقْرَارُ الْأَعْضَاءِ زَمَنًا مَا، وَيُطْلَبُ مِنْك زِيَادَةٌ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ أَنْ تَكُونَ (مُتَرَسِّلًا) أَيْ مُتَمَهِّلًا زِيَادَةً عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَرَسِّلًا تَفْسِيرًا لِمُطْمَئِنًّا
(ثُمَّ) بَعْدَ اعْتِدَالِك فِي رَفْعِك (تَهْوِي) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ تَنْزِلُ إلَى الْأَرْضِ (سَاجِدًا لَا تَجْلِسُ) فِي هَوِيِّك (ثُمَّ تَسْجُدُ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ جَعَلَهُ سُنَّةً مُسْتَدِلًّا بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَنَا مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا كَبِرَ سَنَةً وَثَقُلَتْ أَعْضَاؤُهُ» ، ثُمَّ إنْ خَالَفَ الْمَطْلُوبَ وَجَلَسَ ثُمَّ سَجَدَ فَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَا بُطْلَانَ إنْ لَمْ يَفْحُشْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ سَهْوًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُطَوِّلَ فَيَسْجُدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (تُكَبِّرَ فِي انْحِطَاطِك لِلسُّجُودِ) لِتَعُمَّ الرُّكْنَ بِالتَّكْبِيرِ وَتُقَدِّمَ يَدَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك فِي هَوِيِّكَ لِلسُّجُودِ وَتُؤَخِّرَهُمَا عَنْ الرُّكْبَتَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْدِيمُ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ وَتَأْخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ: مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» فَمُتَكَلَّمٌ فِيهِ بِالنَّسْخِ أَوْ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ السُّجُودِ (فَتُمَكِّنُ جَبْهَتَك) وَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ، وَالْفَرْضُ يَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِأَدْنَى جُزْءٍ مِنْهَا.
(وَ) تُمَكِّنُ أَيْضًا (أَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ) أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا وَهَذَا بَيَانٌ لِصِفَةِ السُّجُودِ الْكَامِلَةِ، وَأَمَّا أَصْلُ الْفَرْضِ فَيَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِالْجَبْهَةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينٍ، وَلِذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ: وَالسُّجُودُ شَرْعًا أَقَلُّهُ الْوَاجِبُ لُصُوقُ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ سَطْحِ غُرْفَةٍ أَوْ سَرِيرِ خَشَبٍ أَوْ شَرِيطٍ لِلْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ النُّزُولِ إلَى الْأَرْضِ كَائِنًا ذَلِكَ، وَاللُّصُوقُ عَلَى أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ، فَالْفَرْضُ يَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِأَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَإِلْصَاقِ جَمِيعِهَا بِحَيْثُ تَسْتَقِرُّ مُنْبَسِطَةً مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، كَمَا يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ، وَقِيلَ: يَجِبُ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِتَرْكِهِ فِي الْوَقْتِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَسُجُودٌ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَعَادَ لِتَرْكِ أَنْفِهِ بِوَقْتٍ، وَبِمَا قَرَّرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ كَالْأَرْضِ، وَأَنَّ الْفَرْضَ السُّجُودُ بِالْجَبْهَةِ لَا بِالْأَنْفِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْحَشِيشِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ تَحْتَ جَبْهَةِ السَّاجِدِ فَلَا يَصِحُّ كَالسُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ إلَّا مَا كَانَ قَدْرَ الطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ اللَّطِيفَتَيْنِ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى السَّرِيرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَشَبِ فَهُوَ كَسَقْفِ الْبَيْتِ يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ لِتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْأَرْضِ وَلَوْ لِلصَّحِيحِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْ
بَاسِطًا يَدَيْكَ مُسْتَوِيَتَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ تَجْعَلُهُمَا حَذْوَ أُذُنَيْكَ أَوْ دُونَ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ غَيْرُ أَنَّكَ لَا تَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْكَ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَضُمُّ عَضُدَيْكَ إلَى جَنْبَيْكَ، وَلَكِنْ تُجَنِّحُ بِهِمَا تَجْنِيحًا وَسَطًا، وَتَكُونُ رِجْلَاكَ فِي سُجُودِكَ قَائِمَتَيْنِ، وَبُطُونُ إبْهَامَيْهِمَا إلَى الْأَرْضِ وَتَقُولُ إنْ شِئْت فِي سُجُودِكَ سُبْحَانَكَ رَبِّي ظَلَمْت نَفْسِي وَعَمِلْت سُوءًا فَاغْفِرْ لِي أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ إنْ شِئْت، وَتَدْعُو فِي السُّجُودِ إنْ شِئْت، وَلَيْسَ لِطُولِ ذَلِكَ وَقْتٌ وَأَقَلُّهُ أَنْ تُطَمْئِنَ مَفَاصِلُكَ مُتَمَكِّنًا
ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَك
[الفواكه الدواني]
شَرِيطٍ أَوْ حَبْلٍ فَلَا يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ إلَّا لِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ وَلَوْ عَلَى سَرِيرٍ فَيَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ، وَلَوْ كَانَ يَسْتَطِيعُ عَلَى أَنْفِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ إنَّمَا يُطْلَبُ تَبَعًا لِلسُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَحَيْثُ سَقَطَ فَرْضُهَا سَقَطَ تَابِعُهَا.
(وَتُبَاشِرُ) نَدْبًا (بِكَفَّيْك الْأَرْضَ) فِي سُجُودِك وَكَذَا بِجَبْهَتِك؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّوَاضُعِ، وَيُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَى حَصِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ رَفَاهِيَةٌ إلَّا لِنَجَاسَةِ الْأَرْضِ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ لِكَوْنِهَا مَفْرُوشَةً فِي الْمَسْجِدِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَتَكُونُ فِي حَالِ مُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ (بَاسِطًا يَدَيْك) أَيْ مَادًّا لَهُمَا حَالَةَ كَوْنِهِمَا (مُسْتَوِيَتَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ) فَإِلَى الْقِبْلَةِ ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِبَاسِطًا، وَيُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَيْهِمَا مَقْبُوضَتَيْنِ أَوْ مَادًّا لَهُمَا لِغَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَ (تَجْعَلُهُمَا) عِنْدَ وَضْعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ مُسْتَوِيَتَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ (حَذْوَ أُذُنَيْك أَوْ دُونَ ذَلِكَ) بِأَنْ تَضَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَوْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَك يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِعَمْدِهِ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ فَسُنَّةٌ كَالسُّجُودِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ كَيَدَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِخَبَرِ: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى السُّنِّيَّةِ بِدَلِيلِ آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ» فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِكَفْتِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، وَلَا يُقَالُ: إذًا لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: السُّجُودُ أُخِذَتْ فَرِيضَتُهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] وَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ بِالْأَرْضِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَضْعُ الْمَذْكُورُ لَا مَزِيَّةَ فِيهِ لِبَعْضِ الْوُجُوهِ قَالَ: (وَذَلِكَ) الْجَعْلُ (كُلُّهُ وَاسِعٌ) إذْ لَيْسَ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ بِالْكَفَّيْنِ وَبَسْطِهِمَا وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ (غَيْرُ أَنَّك لَا تَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْك فِي الْأَرْضِ) بَلْ الْمُسْتَحَبُّ رَفْعُهُمَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَفْتَرِشْ يَدَيْهِ كَافْتِرَاشِ الْكَلْبِ» ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَمَا يُكْرَهُ افْتِرَاشُهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ.
(وَلَا تَضُمَّ عَضُدَيْك) تَثْنِيَةُ عَضُدٍ وَهُوَ الْمِفْصَلُ مِنْ الْمِرْفَقِ إلَى الْكَتِفِ (إلَى جَنْبَيْك وَلَكِنْ تَجْنَحُ) أَيْ تَمِيلُ (بِهِمَا تَجْنِيحًا وَسَطًا) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ «كَانَ إذَا سَجَدَ جَنَحَ بِيَدَيْهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إبْطَيْهِ أَيْ بَيَاضُ إبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ» وَالْمَعْنَى كَمَا فِي رِوَايَةِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفَرِّجُ يَدَيْهِ عَنْ إبْطَيْهِ» قَالَ خَلِيلٌ: وَمُجَافَاةُ رِجْلٍ فِيهِ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلسَّاجِدِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ الَّتِي لَمْ يُطَوِّلْ فِيهَا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ بَطْنِهِ وَفَخِذَيْهِ، وَبَيْنَ مِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَبَيْنَ ذِرَاعَيْهِ وَفَخِذَيْهِ، وَبَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَكُونُ فِي سُجُودِهَا مُنْضَمَّةً.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لَك أَنْ (تَكُونَ رِجْلَاك) أَيْ صُدُورُ قَدَمَيْك (فِي) حَالِ (سُجُودِك قَائِمَتَيْنِ) بِأَنْ تَجْعَلَ كَعْبَيْك أَعْلَى (وَبُطُونُ إبْهَامَيْهِمَا إلَى الْأَرْضِ) وَكَذَا بُطُونُ سَائِرِ الْأَصَابِعِ، فَالنَّدْبُ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ سُنَّةٌ (وَتَقُولُ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (إنْ شِئْت فِي سُجُودِك سُبْحَانَك رَبِّي ظَلَمْت نَفْسِي وَعَمِلْت سُوءًا فَاغْفِرْ لِي) ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ رَبِّهِ، وَالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَمَعْنَى ظَلَمْت نَفْسِي أَطَعْتهَا فِي فِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ شَرْعًا، وَمَعْنَى اغْفِرْ لِي اُسْتُرْ مَا وَقَعَ مِنِّي عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ يَوْمَ الْحِسَابِ وَلَا تُؤَاخِذُنِي بِهِ، وَسُبْحَانَ مِنْ الْمَصَادِرِ الْمُلَازِمَةِ لِلنَّصْبِ بِعَامِلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ سَبَّحْت أَوْ ذَكَرْت.
(أَوْ) تَقُولُ (غَيْرَ ذَلِكَ) اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ (إنْ شِئْت) ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَفِرُّ مِنْ التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ التَّصْرِيحَ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا قِيلَ: مِنْ أَنْ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَهُ حِينَ أَكَلَ مِنْ الشَّجَرَةِ وَأُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ فَابْيَضَّ وَجْهُهُ بَعْدَ اسْوِدَادِهِ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، وَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ التَّسْبِيحِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لَك أَنْ (تَدْعُوَ فِي سُجُودِك) بَدَلَ التَّسْبِيحِ (بِمَا شِئْت) مِنْ الْأَدْعِيَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَدَعَا بِمَا أَحَبَّ وَإِنْ لِدُنْيَا، لَكِنْ لَا تَدْعُو إلَّا بِأَمْرٍ جَائِزٍ وَمُمْكِنٍ عَادَةً وَشَرْعًا، فَلَا تَدْعُو بِمُمْتَنِعٍ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُك عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَإِنَّمَا قَالَ بِمَا شِئْت إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ يَحْصُلُ بِمُطْلَقِ دُعَاءٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180] وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180] .
بِالتَّكْبِيرِ فَتَجْلِسُ فَتُثْنِي رِجْلَكَ الْيُسْرَى فِي جُلُوسِك بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَتَنْصِبُ الْيُمْنَى وَبُطُونُ أَصَابِعِهَا إلَى الْأَرْضِ.
وَتَرْفَعُ يَدَيْك عَنْ الْأَرْضِ عَلَى رُكْبَتَيْك.
ثُمَّ تَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَمَا فَعَلْت أَوَّلًا
(ثُمَّ) تَقُومُ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا أَنْتَ مُعْتَمِدًا عَلَى
[الفواكه الدواني]
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا نَدْبُ الدُّعَاءِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، سَوَاءً كَانَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا، سَوَاءً كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا وَرَدَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنِّي لِأَدْعُوَ اللَّهَ فِي حَوَائِجِي كُلِّهَا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى بِالْمِلْحِ لَوْ سَمَّى الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَوْ قَالَ: يَا فُلَانُ فَعَلَ اللَّهُ بِك كَذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتَهُ حَيْثُ كَانَ غَائِبًا مُطْلَقًا أَوْ حَاضِرًا، وَلَمْ يَقْصِدْ مُخَاطَبَتَهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
الثَّانِي: اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْعَاصِي بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا بِالْجَوَازِ مُحْتَجًّا بِدُعَاءِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] الْآيَةَ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْكَافِرِ الْمَأْيُوسِ مِنْ إيمَانِهِ كَفِرْعَوْنَ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي الْمَقْطُوعِ لَهُ بِالْجَنَّةِ إمَّا ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ عَذَابٍ، وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ» إنَّهُ حُجَّةٌ لِلَعْنِ مَنْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَعْنٌ لِلْجِنْسِ وَلَعْنُ الْجِنْسِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْعَدَهُمْ وَيُنَفِّذُ الْوَعِيدَ فِيمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ لَعْنِ الْمُعَيَّنِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِالْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُوَ مَعْنَى اللَّعْنِ.
الثَّالِثُ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: الدُّعَاءُ عَلَى الظَّالِمِ لَهُ أَحْوَالٌ: إمَّا بِعَزْلِهِ لِزَوَالِ ظُلْمِهِ فَقَطْ وَهَذَا حَسَنٌ، وَثَانِيهَا بِذَهَابِ أَوْلَادِهِ وَهَلَاكِ أَهْلِهِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ، وَلَمْ يَحْصُلُ مِنْهُ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يُنْهَى عَنْهُ لِأَذِيَّتِهِ مَنْ لَمْ يَمُنَّ عَلَيْهِ، وَثَالِثُهَا الدُّعَاءُ بِالْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةٍ كَابْتِلَائِهِ بِالشُّرْبِ أَوْ الْغِيبَةِ أَوْ الْقَذْفِ فَيُنْهَى عَنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الْمَعْصِيَةِ لِلْغَيْرِ مَعْصِيَةٌ، وَرَابِعُهَا الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِحُصُولِ مُؤْلِمَاتٍ فِي جِسْمِهِ أَعْظَمَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ فِي عُقُوبَتِهِ، فَهَذَا لَا يُتَّجَهُ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وَيَخُصُّ تَرْكُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] فَفِعْلُهُ جَائِزٌ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ.
(وَلَيْسَ لِطُولِ ذَلِكَ) السُّجُودِ (وَقْتٌ) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِيهِ غَايَةٌ لِطُولِهِ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ الْعُرْفِ.
(وَ) أَمَّا (أَقَلُّهُ) الْوَاجِبُ الَّذِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ فَهُوَ (أَنْ تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُك) بِالْأَرْضِ حَالَةَ كَوْنِك (مُتَمَكِّنًا) أَيْ مُعْتَدِلًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ فَرْضٌ وَكَذَا الِاعْتِدَالُ عَلَى الْأَصَحِّ
(ثُمَّ) إذَا فَرَغْت مِنْ سُجُودِك وَتَسْبِيحِك أَوْ دُعَائِك (تَرْفَعُ رَأْسَك) مِنْ سُجُودِك عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ حَالَ كَوْنِك مُتَلَبِّسًا (بِالتَّكْبِيرِ فَتَجْلِسُ) وُجُوبًا حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا مُطْمَئِنًّا؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضٌ (فَتُثْنِي رِجْلَك الْيُسْرَى) بِأَنْ تَجْعَلَهَا عَلَى الْأَرْضِ (فِي جُلُوسِك بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَتَنْصِبُ) أَيْ تُقِيمُ قَدَمَ (رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَ) تَجْعَلُ (بُطُونَ أَصَابِعِهَا إلَى الْأَرْضِ) وَالْمُرَادُ بَطْنُ بَعْضِ أَصَابِعِهَا وَهُوَ الْإِبْهَامُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْجُلُوسُ كُلُّهُ بِإِفْضَاءِ وَرِكِ الْيُسْرَى لِلْأَرْضِ وَالْيُمْنَى عَلَيْهَا وَإِبْهَامُهَا لِلْأَرْضِ، وَبِجَعْلِنَا الْيُسْرَى صِفَةً لِلْوَرِكِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَلْيَتَهُ الْيُسْرَى مُبَاشِرَةٌ لِلْأَرْضِ، وَيَنْصِبُ جَانِبَ قَدَمِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى عَلَيْهَا بِحَيْثُ يَصِيرُ الْوَرِكُ الْأَيْمَنُ مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ، وَيُفْضِي بِبَاطِنِ إبْهَامِ الْيُمْنَى وَبَعْضِ أَصَابِعِهَا لِلْأَرْضِ فَتَصِيرُ رِجْلَاهُ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَقَاعِدًا عَلَى أَلْيَتِهِ الْيُسْرَى وَلَا يَقْعُدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَنْ الْجُلُوسِ بَدَلَ الْقِيَامِ لِمَنْ يُصَلِّي جَالِسًا فَإِنَّ جُلُوسَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ التَّرَبُّعُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَعِنْدَ السُّجُودِ بِغَيْرِ جِلْسَتِهِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، وَتَرَبَّعَ كَالْمُتَنَفِّلِ وَغَيْرِ جَلْسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِك مِنْ السُّجُودِ وَجُلُوسِك عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَنْ (تَرْفَعَ يَدَيْك عَنْ الْأَرْضِ) وَتَضَعَهُمَا (عَلَى رُكْبَتَيْك) وَهَذَا قَوْلُ خَلِيلٍ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَوَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَيَكُونُ مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الْجُلُوسِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَى رُكْبَتَيْك وَضْعُهُمَا بِالْقُرْبِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ بَعْدُ عَلَى فَخِذَيْك، وَقَوْلَ الْجَوَاهِرِ: وَيَضَعُ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاسِعٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ رَفْعُهُمَا عَنْ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ وَضَعَهُمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ عَلَى الْفَخِذَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَلَا حُكْمَ الرَّفْعِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: أَمَّا وَضْعُهُمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا رَفْعُهُمَا عَنْ الْأَرْضِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إذَا لَمْ يَرْفَعْهُمَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِبُطْلَانِهَا وَشُهِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَلَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ سَنَدٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الصِّحَّةُ، وَأَنَّ رَفْعَهُمَا عَنْ الْأَرْضِ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ: وَعَنْ سُنَّةِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فَإِنْ تَرَكَهُمَا فِي الْأَرْضِ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ سَنَدٌ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ خَفِيفٌ لَا يَضُرُّ تَرْكُهُ.
يَدَيْك لَا تَرْجِعُ جَالِسًا لِتَقُومَ مِنْ جُلُوسٍ، وَلَكِنْ كَمَا ذَكَرْت لَك وَتُكَبِّرُ فِي حَالِ قِيَامِكَ
ثُمَّ تَقْرَأُ كَمَا قَرَأْت فِي الْأُولَى أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً
غَيْرَ أَنَّك تَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَإِنْ شِئْت قَنَتَّ قَبْلَ الرُّكُوعِ بَعْدَ تَمَامِ الْقِرَاءَةِ وَالْقُنُوتُ
[الفواكه الدواني]
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الدُّعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ هَلْ يُطْلَبُ أَمْ لَا؟ وَاقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ حَيْثُ قَالَ لَا بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ.
قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ فَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَاسْتِحْبَابِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَعَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: لَا دُعَاءَ وَلَا تَسْبِيحَ وَمَنْ دَعَا فَلْيُخَفِّفْ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافَنِي وَاعْفُ عَنِّي» .
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: قِيلَ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ نَدْبُ فِعْلِهِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ خَلِيلٍ لِلْحَدِيثِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْأَحَادِيثِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَإِنْ فُرِضَ ضَعْفُهَا.
الثَّانِي: يُؤْخَذُ مِنْ نَدْبِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فِي الْجُلُوسِ كَرَاهَةُ مَا خَالَفَهَا كَالْإِقْعَاءِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَلِيٍّ: «إنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَك مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي» لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ الْجُلُوسُ بِأَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِيبِهِ أَوْ الرُّجُوعُ عَلَى صُدُورِ الْقَدَمَيْنِ، وَأَمَّا جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ مَعَ نَصْبِ فَخِذَيْهِ وَوَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ فَمَمْنُوعٌ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
(ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِك مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى (تَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَمَا فَعَلْت فِي) السَّجْدَةِ (الْأُولَى) مِنْ تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَقِيَامِ قَدَمَيْك وَمُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ بِكَفَّيْك، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: كَمَا فَعَلْت فِي الْأُولَى أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُ الثَّانِيَةَ عَنْ الْأُولَى.
(ثُمَّ) بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (تَقُومُ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا أَنْتَ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْك) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْدِيمُ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ وَتَأْخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ نُدِبَ عَكْسُهُ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُنَا، وَالْجَوَابُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ، (وَلَا نَرْجِعُ) مِنْ سُجُودِك (جَالِسًا لِتَقُومَ) لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (مِنْ جُلُوسٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي رُجُوعِهِ جَالِسًا جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، فَلَوْ جَلَسَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لِلشَّافِعِيِّ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَقِيلَ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
(وَلَكِنَّ) الْمَنْدُوبَ الرُّجُوعُ مِنْ السُّجُودِ إلَى الْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ.
(كَمَا ذَكَرْت لَك) فِي الْهَوِيِّ مِنْ الْقِيَامِ إلَى السُّجُودِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، فَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّك كَمَا تَنْزِلُ إلَى السُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ، وَلَا تَجْلِسُ تَقُومُ مِنْ السُّجُودِ إلَى الرَّكْعَةِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ.
(وَتُكَبِّرُ) اسْتِنَانًا (فِي حَالِ قِيَامِك) اسْتِحْبَابًا لِشَغْلِ الرُّكْنِ بِالتَّكْبِيرِ إلَّا فِي قِيَامِك مِنْ اثْنَتَيْنِ فَتُؤَخِّرُهُ إلَى اسْتِقْلَالِك.
(ثُمَّ) بَعْدَ انْتِهَاءِ قِيَامِك لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (تَقْرَأُ) فِي ثَانِيَةِ الصُّبْحِ (كَمَا قَرَأْت فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (أَوْ دُونَ ذَلِكَ) أَيْ بِيَسِيرٍ إذْ تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَطْوِيلِ الْأُولَى، وَالْمُبَالَغَةُ فِي تَقْصِيرِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ تَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِيُوسُفَ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْكَوْثَرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى نَظْمِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ فَلَا يُنَكِّسُهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ تَقْصِيرُ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْصِيرُ ثَانِيَةٍ عَنْ أُولَى الْمُرَادُ زَمَنًا، قَالَ الْفَقِيهُ رَاشِدٌ: وَيُكْرَهُ كَوْنُ الثَّانِيَةِ أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: وَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ قِرَاءَةَ الثَّانِيَةِ فِي النَّافِلَةِ إذَا وَجَدَ الْحَلَاوَةَ، وَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَخَلِيلٌ مِنْ نَدْبِ تَقْصِيرِ زَمَنِ الثَّانِيَةِ فِي الْفَرِيضَةِ عَنْ الْأُولَى نَسَبَهُ الْقَرَافِيُّ وَالْأَكْثَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَدَلِيلُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» فَقَوْلُهُ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ إضْرَارٌ، فَأَوْ بِمَعْنَى عَلَى حَدِّ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] أَيْ بَلْ يَزِيدُونَ، وَالْمَعْنَى: يُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ زَمَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الثَّانِيَةِ عَنْ زَمَنِ الْأُولَى، فَإِنْ قِيلَ حِينَئِذٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشْكَالٌ بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَقْرَأُ كَمَا قَرَأْت فِي الْأُولَى ظَاهِرُهُ الْمُسَاوَاةُ وَالْمَوْجُودُ فِي النَّصِّ لَا يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ: لَا بَأْسَ بِطُولِ قِرَاءَةِ ثَانِيَةِ الْفَرِيضَةِ عَنْ الْأُولَى، وَفِي الْوَاضِحَةِ اسْتِحْبَابُ تَطْوِيلُ الْأُولَى وَتَقْصِيرُ الثَّانِيَةِ عَكْسُ مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَوْلُهُ: كَمَا قَرَأْت فِي الْأُولَى لَا يُوَافِقُ قَوْلًا مِنْهُمَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ كَلَامُ الْوَاضِحَةِ فِي نَدْبِ تَقْصِيرِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَحَمْلٌ لَا بَأْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَى مَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَحَمْلُ التَّشْبِيهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى كَوْنِ الْمَقْرُوءِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ تَعْبِيرِهِ مُسَاوَاةُ زَمَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى قَالَ: كَالْمُسْتَدْرِكِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يُخَالِفْ الْمُصَنِّفُ الْمَنْصُوصَ وَرَجَعَ الْخِلَافُ لِقَوْلٍ وَاحِدٍ.
(وَتَفْعَلُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (مِثْلَ ذَلِكَ) الَّذِي فَعَلْته فِي الْأُولَى مِنْ جَهْرِ قِرَاءَتِهَا وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ فِي رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَالتَّعْظِيمِ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّسْبِيحِ أَوْ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ حَالَةَ كَوْنِهِمَا (سَوَاءً) أَيْ مُسْتَوِيَتَيْنِ: سِوَى نَدْبِ تَقْصِيرِ زَمَنِ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ
اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُك وَنُؤْمِنُ بِك وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك، وَنَخْشَعُ لَك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ إنَّ عَذَابَك بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ
ثُمَّ تَفْعَلُ فِي
[الفواكه الدواني]
عَنْ الْأُولَى كَمَا ذَكَرْنَا،
وَسِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ بِقَوْلِهِ: (غَيْرَ أَنَّك تَقْنُتُ) نَدْبًا فِي الثَّانِيَةِ (بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَإِنْ شِئْت قَنَتَّ قَبْلَ الرُّكُوعِ) لَكِنْ (بَعْدَ تَمَامِ الْقِرَاءَةِ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ أَفْضَلِيَّتُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ: مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَهُوَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَمْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: قَبْلَ» . قِيلَ لِأَنَسٍ: إنَّ فُلَانًا يُحَدِّثُ عَنْك أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: كَذَبَ فُلَانٌ، وَلِمَا فِي كَوْنِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ مِنْ الرِّفْقِ بِالْمَسْبُوقِ فَإِذَا قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ فَلَا يُكَبِّرُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ كَمَا لَا يَرْفَعُ فِي التَّأْمِينِ وَلَا فِي دُعَاءِ التَّشَهُّدِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ سِرًّا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَيُطْلَبُ إخْفَاؤُهُ.
وَإِذَا نَسِيَ وَرَكَعَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُكَمِّلُ رُجُوعَهُ وَيَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَا يَبْطُلُ الرُّكُوعُ وَيَرْجِعُ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مِنْ فَرْضٍ لِمَا هُوَ دُونَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ فَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: لَا يَقْنُتُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَقْنُتُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَقَضَى الْقَوْلَ وَبَنَى الْفِعْلَ الْمُوهِمَ عَدَمَ الْقُنُوتِ مِنْ قَوْلِهِ قَضَى الْقَوْلَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ فِي كَلَامِهِ خُصُوصُ الْقِرَاءَةِ وَمَا عَدَا الْقِرَاءَةَ يَكُونُ بَانِيًا فِيهِ، فَيَنْدُبُ لَهُ الْقُنُوتُ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ عِنْدَنَا فِي الصُّبْحِ فَقَطْ وَلَوْ كَانَتْ فَائِتَةً لَا فِي وِتْرٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ سِوَى الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا زَالَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ فَلَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلٌ فَتُلَخَّصُ فِي أَنَّ الْقُنُوتَ خَمْسُ مُسْتَحَبَّاتٍ: كَوْنُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَكَوْنُهُ سِرًّا وَكَوْنُهُ فِي الصُّبْحِ وَمُطْلَقٌ مُسْتَحَبٌّ وَكَوْنُهُ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ الْآتِي.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحِ فَقَطْ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَلَفْظُهُ، وَلَمَّا قَالَ غَيْرَ أَنَّك تَقْنُتُ نَاسَبَ أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْقُنُوتُ) لُغَةً الطَّاعَةُ وَالسُّكُوتُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّعَاءُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ بَلْ الْمَقْصُودُ مُطْلَقُ دُعَاءٍ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ خُصُوصُ هَذَا وَهُوَ: (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ فَحُذِفَتْ يَاءُ النِّدَاءِ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ وَشُدِّدَتْ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ يَاءٍ وَهِيَ حَرْفَانِ وَلِذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشَّعْرِ.
(إنَّا نَسْتَعِينُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْإِعَانَةَ عَلَى طَاعَتِك أَوْ عَلَى جَمِيعِ مُهِمَّاتِنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَذْفُ الْمُتَعَلِّقِ الْمُؤْذِنِ بِالْعُمُومِ عَلَى حَدِّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: 25] أَيْ جَمِيعَ عِبَادِهِ (وَنَسْتَغْفِرُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْمَغْفِرَةَ، وَهِيَ سِتْرُ ذُنُوبِنَا وَعَدَمُ مُؤَاخَذَتِنَا عَلَيْهَا.
(وَنُؤْمِنُ بِك) أَيْ نُصَدِّقُ بِوُجُوبِ وُجُودِك وَجَمِيعِ مَا يَجِبُ لَك عَلَيْنَا.
(وَنَتَوَكَّلُ) أَيْ نَعْتَمِدُ (عَلَيْك) فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنَّا لَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ.
قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَفْظَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك لَيْسَ فِي الرِّسَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَةِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَرُبَّمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
(وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ) وَالصَّوَابُ عَدَمُ زِيَادَتِهَا (وَنَخْشَعُ) أَيْ وَنَخْضَعُ وَنَذِلُّ وَنَلْجَأُ (لَك) ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مُفْتَقِرَةٌ إلَيْك (وَنَخْلَعُ) أَيْ وَنُزِيلُ رِبْقَةَ الْكُفْرِ مِنْ أَعْنَاقِنَا بِمَعْنَى نَتْرُكُ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ لِاتِّبَاعِ دِينِك وَطَرِيقَةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَنَتْرُكُ) أَيْ نَطْرَحُ مَوَدَّةَ كُلِّ (مَنْ يَكْفُرُك) وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا عَدَمُ حُرْمَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ مَعَ أَنَّ فِي نِكَاحِهَا مَوَدَّةً؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ، وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ عَدَمُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي مَعَهَا مَحَبَّةٌ لِدِينِهِمْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ، وَالنِّكَاحُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَحَبَّةُ الدِّينِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ كَرَاهَةِ دِينِهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) أَيْ نَخُصُّك بِالْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِك كُفْرٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا تَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ نَحْوَ إيَّاكَ نَعْبُدُ (وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) أَيْ لَا نُصَلِّي وَلَا نَسْجُدُ إلَّا لَك، وَذَكَرَهُمَا بَعْدَ الْعِبَادَةِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِمَا.
(وَإِلَيْك نَسْعَى) أَيْ لَا نَعْمَلُ طَاعَةً وَلَا شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إلَّا لَك (وَ) إلَيْك (نَحْفِدُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا وَالدَّالُ الْمُهْمَلَةُ أَيْ نَخْدِمُ وَنُسْرِعُ فِي طَاعَتِك، وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْخِدْمَةِ حِفْدَةً لِسُرْعَتِهِمْ فِي خِدْمَةِ السَّادَاتِ.
(نَرْجُو رَحْمَتَك) أَيْ نَطْلُبُ وَنَطْمَعُ فِي نَيْلِ إحْسَانِك، إذْ الرَّجَاءُ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِمَرْغُوبٍ فِيهِ مَعَ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِهِ.
(وَنَخَافُ عَذَابَك) فَنَتَجَنَّبُ جَمِيعَ مُنْهَيَاتِك (الْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْأَشْهُرِ أَيْ الثَّابِتَ الْحَقَّ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْهَزْلِ وَيُرْوَى وَالْجَدُّ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ جَدَّ، وَجَمَعَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْقَادِرِ أَنْ يُرْجَى فَضْلُهُ وَيُخَافُ عَذَابُهُ وَهِيَ أَحْسَنُ الْحَالَاتِ إلَّا فِي حَالِ الْمَرَضِ فَتَغَلُّبُ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ أَفْضَلُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُوهُ وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ مِنْهُ» إلَّا أَنَّهُ فِي حَالِ الشُّبُوبِيَّةِ وَالْكُهُولَةِ يَغْلِبُ الْخَوْفُ، وَفِي حَالِ الشُّيُوخَةِ وَالْمَرَضِ يَغْلِبُ الرَّجَاءُ (إنَّ عَذَابَك) الْجِدَّ (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، فَالْكَسْرُ بِمَعْنَى لَاحِقٌ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مُلْحِقُهُ بِالْكَافِرِينَ، وَهَذَا الْقُنُوتُ اخْتَارَهُ فِي
السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْفِ فَإِذَا جَلَسْت بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ نَصَبْت رِجْلَك الْيُمْنَى وَبُطُونُ أَصَابِعِهَا إلَى الْأَرْضِ وَثَنَيْت الْيُسْرَى وَأَفْضَيْت بِأَلْيَتِكَ إلَى الْأَرْضِ وَلَا تَقْعُدُ عَلَى رِجْلِك الْيُسْرَى، وَإِنْ شِئْت حَنَيْت الْيُمْنَى فِي انْتِصَابِهَا فَجَعَلْت جَنْبَ بُهْمِهَا إلَى الْأَرْضِ فَوَاسِعٌ
ثُمَّ تَتَشَهَّدُ وَالتَّشَهُّدُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ
[الفواكه الدواني]
الْمُدَوَّنَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَهُ فِي التَّلْقِينِ إلَى نَحْفِدُ وَزَادَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْت وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت إنَّك تَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت.
وَاخْتَارَ ابْنُ شَعْبَانَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَعَ زِيَادَةِ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ: وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ إلَّا بِالْمُمْكِنِ، وَالْمَقْضِيُّ لَا يَقَعُ غَيْرُهُ؟ فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَدِّرُ الْمَكْرُوهَ بَعْدَ دُعَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْتَجَابِ فَإِذَا اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ لَمْ يَقَعْ الْمَقْضِيُّ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَقْضِيَّ قَدْ يَكُونُ رَفْعُهُ مُعَلَّقًا عَلَى دُعَاءٍ أَوْ نُزُولُهُ مُعَلَّقًا عَلَى دُعَاءٍ، وَلَيْسَ هَذَا رَدًّا لِلْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ، وَمِنْ هَذَا صِلَةُ الرَّحِمِ تُزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْحَطَّابُ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فَإِنْ صَلَّى مَالِكِيٌّ خَلْفَ شَافِعِيٍّ يَجْهَرُ بِدُعَاءِ الْقُنُوتِ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ وَلَا يَقْنُتُ مَعَهُ وَالْقُنُوتُ مَعَهُ مِنْ فِعْلِ الْجُهَّالِ، اُنْظُرْ مُخْتَصَرَ الْوَاضِحَةِ فِي الْقُنُوتِ فِي رَمَضَانَ، وَمِنْ إمْلَاءِ الْأُجْهُورِيِّ لِبَعْضِ التَّلَامِذَةِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَقْنُتُ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الْقُنُوتِ، وَادَّعَى أَنَّ كَلَامَ الْوَاضِحَةِ قَاصِرٌ عَلَى قُنُوتِ رَمَضَانَ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا.
(خَاتِمَةٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْإِحْكَامِ: سَبَبُ الْقُنُوتِ خَبَرُ أَبِي دَاوُد: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو عَلَى مُضَرَ فِي صَلَاتِهِ إذْ جَاءَ جِبْرِيلُ فَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ فَسَكَتَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْك سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا وَإِنَّمَا بَعَثَك رَحْمَةً وَلَمْ يَبْعَثْك عَذَابًا، لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ» وَعَلَّمَهُ هَذَا الْقُنُوتَ السَّابِقَ ذِكْرُهُ، وَلِذَا اسْتَحَبَّهُ الْإِمَامُ دُونَ غَيْرِهِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَنَّهُ كَانَ سُورَتَيْنِ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ نُسِخَتَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقُنُوتِ وَالرُّكُوعِ تَهْوِي سَاجِدًا وَ (تَفْعَلُ فِي السُّجُودِ) مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (وَ) فِي (الْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْفِ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (فَإِذَا جَلَسْت بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ) لِلتَّشَهُّدِ (نَصَبْت رِجْلَك الْيُمْنَى) أَيْ قَدَمَهَا (وَ) جَعَلْت (بُطُونَ أَصَابِعِهَا إلَى الْأَرْضِ وَثَنَيْت) أَيْ عَطَفْت رِجْلَك (الْيُسْرَى وَأَفْضَيْت) أَيْ دَنَوْت (بِأَلْيَتِك) بِالْإِفْرَادِ مَقْعَدَتُك الْيُسْرَى (إلَى الْأَرْضِ) وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ تَثْنِيَةِ أَلْيَتِك فَخَطَأٌ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: لِأَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَلَيْهِمَا كَانَ إقْعَاءً وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
(وَلَا تَقْعُدُ عَلَى رِجْلِك الْيُسْرَى) هَذَا مَفْهُومٌ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ لَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ، وَإِذَا جَلَسَ عَلَى قَدَمِهِ لَمْ يَجْلِسْ عَلَى وَرِكِهِ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْجُلُوسِ مِثْلُهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي جَمِيعِ جُلُوسِ الصَّلَاةِ وَنَصُّهَا عَلَى مَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَهْرَامُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ قَالَ فِيهَا: وَالْجُلُوسُ كُلُّهُ سَوَاءٌ يُفْضِي بِأَلْيَتِهِ إلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَظَاهِرَ إبْهَامِهَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ: قَالَ فِي الرِّسَالَةِ (إنْ شِئْت حَنَيْت الْيُمْنَى فِي انْتِصَابِهَا فَجَعَلْت جَنْبَ بُهْمِهَا إلَى الْأَرْضِ) وَتَرَكْت الْقَدَمَ قَائِمًا، وَحَنَيْت الْإِبْهَامَ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ الْقَدَمِ (فَ) إنَّ ذَلِكَ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّخْيِيرِ فِي جَنْبِ الْبُهْمِ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ: يَكُونُ بَطْنُ إبْهَامِهَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ لَا جَنْبُهَا اهـ، وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْجُلُوسِ جَعْلُ الْوَرِكِ الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَرْضِ وَرِجْلَاهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ نَاصِبًا قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَبَاطِنَ إبْهَامِهَا عَلَى الْأَرْضِ وَكَفَّاهُ مَفْرُوجَتَانِ عَلَى فَخِذَيْهِ اهـ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ أَنَّ ظَاهِرَ إبْهَامِهَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ لَا بَاطِنَ الْإِبْهَامِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْجُلُوسِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَوْ تَعَدَّدَ فِي الصَّلَاةِ سِوَى مَا كَانَ مِنْهُ ظَرْفًا لِلسَّلَامِ الْمَفْرُوضِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْجُلُوسُ الْأَوَّلُ وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ السَّلَامِ مِنْ الثَّانِي، وَسِوَى مَا كَانَ طَرَفًا لِلدُّعَاءِ فَإِنَّ الظَّرْفَ يُعْطَى حُكْمَ مَظْرُوفِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ مَوْضِعُ جَعْلِ قَدَمِ الْيُسْرَى، وَاَلَّذِي فِي الْجَلَّابِ يَضَعُهُ تَحْتَ سَاقِ الْيُمْنَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْجُلُوسُ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنْ يُفْضِيَ بِوَرِكِهِ الْأَيْسَرِ إلَى الْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهَا، وَيَجْعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ اهـ، وَنَقَلَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ يَجْعَلُهُ تَحْتَ فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ قِيلَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ.
الثَّالِثُ: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: كَأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهِمَ فِي قَوْلِهِ بُهْمِهَا وَإِنَّمَا يُقَالُ إبْهَامٌ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْإِبْهَامُ الْأُصْبُعُ الْعُظْمَى وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَجَمْعُهَا الْإِبْهَامُ، وَأَمَّا الْبَهْمُ فَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ الْبَهْمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ وَاحِدَةُ بَهْمَةٍ بِالْفَتْحِ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ