وَلَا يُبَاعُ.
وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَبَيْعِهَا.
وَيُنْتَفَعُ بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا، وَمَا يُنْزَعُ مِنْهَا فِي حَالِ
[الفواكه الدواني]
ضَالَّةَ الْإِبِلِ، وَقَيَّدْنَا الْمَشْرُوبَ بِغَيْرِ الْخَمْرِ؛ لِاسْتِمْرَارِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ لِعَدَمِ إزَالَتِهَا الْعَطَشَ بَلْ رُبَّمَا تَزِيدُهُ، وَأَمَّا شُرْبُهَا لِلْغُصَّةِ فَيَجُوزُ عِنْدَ خَلِيلٍ وَيَحْرُمُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ جَوَازُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَلَوْ مُسَافِرًا عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرُّخْصَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالسَّفَرِ.
الثَّانِي: مَحَلُّ جَوَازِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ طَعَامَ الْغَيْرِ، وَإِلَّا قَدَّمَهُ عَلَيْهَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ ضَالَّةُ إبِلٍ، وَلَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ فِيمَا فِيهِ الْقَطْعُ أَوْ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فِيمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْغَيْرِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْقَطْعِ أَوْ الضَّرْبِ فَقِيلَ: يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَتَزَوُّدٍ وَعَلَيْهِ الْمَوَّاقُ، وَقِيلَ: يَشْبَعُ، وَلَا يَتَزَوَّدُ وَعَلَيْهِ الْحَطَّابُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا عَلِمَ طُولَ سَفَرِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مِنْ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يَكْفِيهِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالِاضْطِرَارِ وَبِالْمُقَاتَلَةِ إنْ مَنَعَهُ فَدَمُ صَاحِبِ الطَّعَامِ هَدَرٌ، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ، وَحَيْثُ أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَكْلِهِ بِأَنْ خَافَ الْقَطْعَ أَوْ الضَّرْبَ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَيْتَةٌ أَكَلَ مِنْهُ، وَلَوْ خَافَ الْقَطْعَ لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ، وَلِصَاحِبِهِ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَيْتَةٌ، وَلَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ فَقِيلَ لَا ثَمَنَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إنْ وُجِدَ رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الثَّالِثُ: الظَّاهِرُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِلَا بَأْسٍ إبَاحَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقِيلَ إنَّهَا مِنْ بَابِ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى نَجَاسَتِهَا، هَكَذَا قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، إذْ الضَّرُورَةُ لَيْسَتْ مِمَّا يَرْفَعُ حُكْمَ الْخَبَثِ، غَايَتُهَا رَفْعُ الْحَرَجِ عِنْدَ التَّنَاوُلِ كَمَا فِي الْمَعْفُوَّاتِ، فَظَهَرَ أَنَّهَا مِنْ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِسَائِرِ أَجْزَائِهَا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ، وَهِيَ كُلُّ مَا مَاتَ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ (إذَا دُبِغَ) أَيْ فُعِلَ بِهِ مَا يُزِيلُ الرِّيحَ وَالرُّطُوبَةَ وَيَحْفَظُهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ كَمَا تَحْفَظُهُ الْحَيَاةُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ، وَمَاءٍ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمَاءُ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فَيُخَزَّنُ فِي الْجُلُودِ نَحْوَ الْقَمْحِ وَالْفُولِ، وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَنْفَصِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَدْخُلُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لُبْسُهُ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ وَضْعُ نَحْوِ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ فِيهِ لِضَعْفِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَمَفْهُومُ دُبِغَ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْبُوغِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ، وَلَوْ يَابِسًا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْتَ مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِجْمَالَ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا إطْلَاقُهُ فِي الِانْتِفَاعِ مَعَ تَقْيِيدِهِ بِالْيَابِسِ وَالْمَاءِ.
وَالثَّانِي شُمُولُهُ لِجِلْدِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ مَعَ أَنَّهُمَا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا مُطْلَقًا لِقَذَارَةِ الْأَوَّلِ وَشَرَفِ الثَّانِي.
الثَّانِي: إنَّمَا قَصَرَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ عَلَى الْيَابِسِ وَالْمَاءِ لِعَدَمِ طَهَارَتِهَا عِنْدَنَا بِالدِّبَاغِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا إهَابٍ» أَيْ جِلْدٍ «دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَالْمُرَادُ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لَا الشَّرْعِيَّةُ، وَقَدْ أَسْلَفْنَا مَا يُعْرَفُ بِهِ حَقِيقَةُ الدِّبَاغِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إزَالَةُ الشَّعْرِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَمَّا كَانَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ لَا يَطْهُرُ عِنْدَنَا بِالدِّبَاغِ قَالَ: (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) ، وَلَا فِيهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مُرِيدُ الصَّلَاةِ سِوَاهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّتْرُ بِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْخَبَثِ إنَّمَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَفْهَمَ فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْجِلْدِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ طَوِيلٌ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الْجِلْدَ سَتْرًا قَوِيًّا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَيْقَنَ بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَنَا طَاهِرٌ فَيُشْبِهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْحَصِيرَ الْمُتَّصِلَ بِأَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ.
(وَ) كَذَا (لَا يُبَاعُ) جِلْدُ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عِنْدَنَا طَهَارَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا، وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، وَلَا دَفْعُهُ قِيمَةَ الشَّيْءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي شَهَادَةِ الْفَاعِلِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَدْبُوغًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَدْبُوغًا فَلَا يُجْرَحُ لِلْخِلَافِ فِيهِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُرَدُّ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ، وَإِلَّا يَرُدَّ الثَّمَنُ وَغَرِمَ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَغُرْمِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حِلِّ الْبَيْعِ وَغُرْمِ الْقِيمَةِ، بِدَلِيلِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُبَاعُ وَعَلَى مُتْلِفِهَا قِيمَتُهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى جُلُودِ الْمَيْتَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى جِلْدِ الْمُذَكَّى فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ) وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ لِيَشْمَلَ الْفِيلَ وَالذِّئْبَ وَالثَّعْلَبَ وَالضَّبُعَ وَالْهِرَّ، وَبَيَّنَ شَرْطَ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (إذَا ذُكِّيَتْ) ، وَلَوْ بِالْعُقْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهَا سَوَاءٌ ذُبِحَتْ لِجِلْدِهَا أَوْ لِلَحْمِهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَبَعُّضِ الذَّكَاةِ، وَارْتَضَاهُ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ، وَأَمَّا عَلَى مَا ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ.
مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا تَتَبَعَّضُ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا إلَّا إذَا ذُكِّيَتْ لِأَخْذِ جِلْدِهَا، وَأَوْلَى لَوْ ذُكِّيَتْ لَهُمَا، وَمَفْهُومُ
الْحَيَاةِ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُغْسَلَ وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا وَلَا بِقَرْنِهَا، وَأَظْلَافِهَا، وَأَنْيَابِهَا.
وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ
وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ ذَائِبٍ طُرِحَ، وَلَمْ يُؤْكَلْ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِالزَّيْتِ وَشِبْهِهِ فِي
[الفواكه الدواني]
السِّبَاعِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا جِلْدٌ مُبَاحُ الْأَكْلِ بَعْدَ ذَكَاتِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى، وَثَانِيهِمَا مُحَرَّمُ الْأَكْلِ يُذَكَّى لِأَكْلِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى جِلْدِهِ؛ لِأَنَّ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ عِنْدَنَا لَا يَطْهُرُ بِتَذْكِيَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الطَّاهِرِ: وَمَا ذُكِّيَ وَجُزْؤُهُ إلَّا مُحَرَّمَ الْأَكْلِ.
(وَ) كَمَا لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ (لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا) وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظُهُورِ السِّبَاعِ قَبْلَ ذَكَاتِهَا، بِخِلَافِ جُلُودِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى ظُهُورِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَصِحُّ عَطْفُ بَيْعِهَا عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلسِّبَاعِ لَا لِجُلُودِهَا، وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ شِرَاؤُهَا لِجِلْدِهَا أَوْ عَظْمِهَا قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ هُوَ وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا لِلَحْمِهَا أَوْ لِلَحْمِهَا وَجِلْدِهَا فَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ لِجِلْدِهَا فَقَطْ فَيُؤْكَلُ لَحْمُهَا عَلَى عَدَمِ تَبْعِيضِ الذَّكَاةِ.
وَلَمَّا كَانَ الشَّعْرُ عِنْدَنَا طَاهِرًا، وَلَوْ مِنْ مَيْتَةٍ قَالَ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُنْتَفَعَ بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا) الْمَنْزُوعِ مِنْهَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
(وَ) كَذَا (مَا) أَيْ الصُّوفُ وَالشَّعْرُ الَّذِي (يُنْزَعُ مِنْهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الطَّاهِرِ: وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَزَغَبِ رِيشٍ وَشَعْرٍ، وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ، وَإِنْ جُزَّتْ، وَالْمُرَادُ بِالْجَزِّ مَا قَابَلَ النَّتْفَ، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَيْتَةِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ بَيَانِ حَالِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ إنْ جُزَّتْ مِنْ الْمَيْتَةِ لِضَعْفِ قُوَّةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَيْتَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
(وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ إذَا شَكَكْنَا فِي حِلِّ الشَّعْرِ أَوْ الصُّوفِ بَعْدَ الْجَزِّ (أَنْ يُغْسَلَ) ، وَلَوْ جُزَّ مِنْ حَيٍّ، وَأَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الطَّهَارَةِ النَّدْبُ فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ فِي الْمَجْزُوزِ، وَأَمَّا الْمَنْتُوفُ مِنْ غَيْرِ الْمُذَكَّى فَيَجِبُ أَنْ يُجَزَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ.
(وَ) مَفْهُومُ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ أَنَّهُ (لَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا) أَيْ بِقَصَبَةِ الرِّيشِ (وَلَا بِقَرْنِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَنْيَابِهَا) لِنَجَاسَتِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ: وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاجٍ وَظُفُرٍ وَقَصَبَةِ رِيشٍ، وَمَفْهُومُ مِنْ حَيٍّ، وَمَيِّتٍ أَنَّ الْمُبَانَ عَنْ الْمُذَكَّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ طَاهِرٍ.
(تَنْبِيهٌ) عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالِانْتِفَاعِ وَسَكَتَ عَنْ الطَّهَارَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ حِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ نَجَسَ الْعَيْنِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجِسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ إلَّا الْجِلْدَ بَعْدَ دَبْغِهِ عَلَى مَا مَرَّ فَيُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ نَجَاسَتِهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى، وَعَكَسَ مَعَ الْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ فَسَلَبَ الِانْتِفَاعَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا لِفَهْمِ نَجَاسَتِهَا مِنْ حُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: وَأَنْيَابِهَا شَامِلًا لِنَابِ الْفِيلِ مَعَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا قَالَ: (وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَبَعْضُهُمْ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَصَرِيحُ الْمُدَوَّنَةِ الْقَرِيبُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَكْرَهُ الْأَدْهَانَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَالتَّمَشُّطَ بِهَا وَالتِّجَارَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَمِثْلُ نَابِ الْمَيْتَةِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ الْفِيلِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَأَمَّا نَابُ الْفِيلِ الْمُذَكَّى، وَلَوْ بِالْعُقْرِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الشُّيُوخِ فِي نَجَاسَةِ الزَّيْتِ الْمَوْضُوعِ فِي إنَاءِ الْعَاجِ، وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَقِينًا فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ كَعَظْمِ الْحِمَارِ الْبَالِي فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ سَائِرَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْجَافَّةِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ فِي حُكْمِ الطَّعَامِ إذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ) بِالْهَمْزِ عَلَى الصَّوَابِ (مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ ذَائِبٍ) رَاجِعٌ لِلسَّمْنِ وَالزَّيْتِ، وَكُلُّ مَائِعٍ مِنْ غَيْرِهَا كَذَلِكَ.
(طُرِحَ، وَلَمْ يُؤْكَلْ) لِنَجَاسَةِ الطَّعَامِ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ قَالَ خَلِيلٌ: يَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ كَجَامِدٍ إنْ أَمْكَنَ السَّرَيَانُ، وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ، وَلِلْمَاءِ الْمُضَافِ حُكْمُ الطَّعَامِ فِي التَّنْجِيسِ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَلُّلُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّغَيُّرُ إلَّا فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَمَفْهُومُ مَاتَتْ أَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ حَيَّةً لَا يُطْرَحُ وَيُؤْكَلُ لِطَهَارَةِ الْحَيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَسَدِهَا نَجَاسَةٌ، وَمَفْهُومُ فَأْرَةٍ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ فَلَا يُطْرَحُ مُطْلَقًا، بَلْ إنْ أَمْكَنَ إزَالَتُهُ أُزِيلَ، وَأُكِلَ نَحْوَ السَّمْنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الطَّعَامِ أُكِلَ مَعَ الطَّعَامِ، وَإِنْ سَاوَى الطَّعَامَ فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا حُرْمَةُ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْخُنْفُسِ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا، وَاغْتُفِرَ أَكْلُ الْقَلِيلِ تَبَعًا لِلطَّعَامِ كَسُوسِ الْفُولِ وَالْعَدَسِ وَالتَّمْرِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُفَتِّشُهُ فَلِإِعَافَةِ النَّفْسِ لَا لِحُرْمَةِ أَكْلِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ طَرْحُهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَةِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا حَيَوَانُ الْبَحْرِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ، وَلَمَّا قَالَ: طُرِحَ، وَلَمْ يُؤْكَلْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ
غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ
وَإِنْ كَانَ جَامِدًا طُرِحَتْ، وَمَا حَوْلَهَا وَأُكِلَ مَا بَقِيَ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهَا فِيهِ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ.
وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحِهِمْ.
وَكُرِهَ أَكْلُ شُحُومِ الْيَهُودِ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ.
وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ
[الفواكه الدواني]
الْمُحَرَّمَ أَكْلُهُ فَقَطْ فَلِذَا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يَجُوزُ (أَنْ يُسْتَصْبَحَ) أَيْ يُوقَدَ (بِالزَّيْتِ وَشِبْهِهِ) مِمَّا لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ (فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ) كَالْبُيُوتِ، وَمِثْلُهَا الْمَسَاجِدُ حَيْثُ كَانَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ عَنْهَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَصْبِحِ بِهِ أَنْ (يَتَحَفَّظَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ) أَيْ مُتَنَجِّسٌ، وَلِذَا لَا يُوقَدُ بِهِ الْمَسْجِدُ حَيْثُ كَانَ يَنْعَكِسُ الدُّخَانُ فِيهِ، وَكَذَا لَا يُبْنَى بِمُونَةٍ عُجِنَتْ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَا بِطُوبٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَا يُسْقَفُ بِخَشَبٍ مُتَنَجِّسٍ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ يَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنْ النَّجَاسَاتِ، فَإِنْ وَقَعَ وَبُنِيَ الْمَسْجِدُ بِطِينٍ أَوْ مُونَةٍ مَخْلُوطَةٍ بِنَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ يُهْدَمُ، وَإِنَّمَا تُلْبَسُ الْأَشْيَاءُ الْمُتَنَجِّسَةُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجَسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ فَيُعْمَلُ الزَّيْتُ الْمُتَنَجِّسُ صَابُونًا، وَتُغْسَلُ بِهِ الثِّيَابُ وَتُغْسَلُ بَعْدَهُ بِمُطْلَقٍ، وَيُدْهَنُ بِهِ الْحَبْلُ وَالْعَجَلَةُ وَالطَّاحُونُ وَالدِّلَاءُ، وَيُعْلَفُ الْعَسَلُ لِلنَّحْلِ، وَيُطْعَمُ الطَّعَامُ لِلدَّوَابِّ، وَلَوْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَحْرَى فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهٍ أَوْ ادِّهَانِهِ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، وَيُفْهَمُ مِنْ نَجَاسَةِ مَا ذَكَرَ عَدَمُ حِلِّ بَيْعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ؛ لِعَدَمِ قَبُولِهَا الطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَتْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ مَا نَجَاسَتُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ مَعَ وُجُوبِ بَيَانِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مُصَلٍّ، وَلَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ الْغُسْلُ لِكَرَاهَةِ النُّفُوسِ، ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْمَلْبُوسِ، وَفُهِمَ مِنْ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الزَّيْتِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ كُلِّ مَا أَصْلُهُ طَاهِرٌ وَتَطْرَأُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ، أَنَّ الْأَعْيَانَ النَّجِسَةَ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا لَا فِي مَسْجِدٍ، وَلَا غَيْرِهِ إلَّا الْمَيْتَةُ لِلْكِلَابِ أَوْ الْإِيقَادِ بِهَا أَوْ بِعَظْمِهَا عَلَى طُوبٍ لِحَرْقِهِ، أَوْ لِتَخْلِيصِ نَحْوِ الْفِضَّةِ أَوْ دُهْنِ نَحْوِ الطَّاحُونِ أَوْ السَّاقِيَةِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ، أَوْ جَعْلِ الْعَذِرَةِ فِي الْمَاءِ لِسَقْيِ الزَّرْعِ أَوْ الشَّجَرِ، أَوْ التَّبْخِيرِ بِلَحْمِ مَيْتَةِ السَّبُعِ إذَا لَمْ يَعْلَقْ دُخَّانُهَا بِالثِّيَابِ، وَالِاصْطِيَادِ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ خَمْرٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ جَائِزَةٌ، وَأَمَّا الْخَمْرُ فَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي شَيْءٍ، وَيَجِبُ إرَاقَةُ الْخَمْرِ، وَلَوْ قَصَدَ الْإِرَاقَةَ فَتَحَ بَالُوعَةً خِلَافًا لِبَحْثِ الْحَطَّابِ، رَاجِعْ شَرْحَ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ.
(وَ) مَفْهُومُ السَّمْنِ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ الزَّيْتِ الذَّائِبِ أَنَّهُ (إنْ كَانَ) الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ (جَامِدًا طُرِحَتْ) مِنْهُ (وَ) طُرِحَ (مَا حَوْلَهَا) مِمَّا يُظَنُّ فِيهِ سَرَيَانُ النَّجَاسَةِ (وَأُكِلَ) أَوْ بِيعَ (مَا بَقِيَ) مِنْهُ (قَالَ سَحْنُونٌ) ، وَمَحَلُّ الِاكْتِفَاءِ بِطَرْحِ مَا حَوْلَهَا (إلَّا أَنْ يَطُولَ مَقَامُهَا فِيهِ) بِحَيْثُ يُظَنُّ السَّرَيَانُ بِجَمِيعِهِ (فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ كَجَامِدٍ إنْ أَمْكَنَ السَّرَيَانُ، وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» .
وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهِيَ: مَنْ فَرَّغَ عَشَرَ قِلَالٍ سَمْنٍ فِي زِقَاقٍ ثُمَّ وَجَدَ بِقُلَّةٍ مِنْهَا فَأْرَةً يَابِسَةً لَا يَدْرِي فِي أَيِّ الزِّقَاقِ فَرَّغَهَا حَرُمَ أَكْلُ جَمِيعِ الزِّقَاقِ وَبَيْعُهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: يَنْجُسُ مِثْلُهُ لِمُتَنَجِّسٍ وَلِابْنِ عَرَفَةَ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ: مَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي آنِيَةُ زَيْتٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ بَانَ بِأَوَّلِهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ فَالثَّلَاثَةُ نَجِسَةٌ وَفِي الرَّابِعِ فَمَا فَوْقَهُ خِلَافٌ، نَقَلَ ابْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا: وَلَوْ كَانَتْ مِائَةَ وَقَوْلُ أَصْبَغَ.
اهـ. .
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِثْلُ مَوْتِ الْفَأْرَةِ فِي الطَّعَامِ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُعْفَى عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا فَتْوَى ابْنِ عَرَفَةَ بِأَكْلِ طَعَامٍ طُبِخَ فِيهِ رَوْثُ الْفَأْرَةِ إذَا كَانَتْ كَثِيرَةً وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا بِحَيْثُ يَغْلِبُ سُقُوطُ رَوْثِهَا فِيهِ، فَأَجَابَ عَنْهُ الْبُرْزُلِيُّ بِأَنَّهُ إمَّا لِلضَّرُورَةِ كَفَتْوَى سَحْنُونٍ فِي الْعَفْوِ عَنْ بَوْلِ الدَّوَابِّ عَلَى الزَّرْعِ فِي حَالِ دَرْسِهَا، أَوْ لِلْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي طَهَارَةِ فَضْلَتِهَا.
الثَّانِي: مِثْلُ الزَّيْتِ فِي صَيْرُورَتِهِ نَجَسًا بِمُجَرَّدِ سُقُوطِ مَائِعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَعَدَمِ قَبُولِهِ التَّطْهِيرِ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِالنَّجَسِ، وَالْبَيْضُ الْمَسْلُوقُ بِهِ وَالزَّيْتُونُ يُمَلَّحُ بِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ، وَلَحْمٌ طُبِخَ وَزَيْتُونٌ مُلِّحَ وَبَيْضٌ سُلِقَ بِنَجَسٍ وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ، وَمِثْلُ سَلْقِ الْبَيْضِ بِالْمَاءِ النَّجَسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ وُجُودُ وَاحِدَةِ مَذِرَةٍ فِيهِ بَعْدَ السَّلْقِ، وَمِثْلُ الزَّيْتُونِ الْمُمَلَّحِ بِالنَّجَاسَةِ الْجُبْنُ الْمُتَحَوْلِمُ مَعَ النَّجَاسَةِ، وَمِثْلُ طَبْخِ اللَّحْمِ مُصَاحِبًا لِلنَّجَاسَةِ وَضْعُهُ نِيًّا فِيهَا بِحَيْثُ يُظَنُّ سَرَيَانُهَا فِيهِ.
وَمَفْهُومُ مَا ذَكَرَ أَنَّ سُقُوطَ النَّجَاسَةِ عَلَى اللَّحْمِ بَعْدَ تَنَاهِي طَبْخِهِ، أَوْ عَلَى الزَّيْتُونِ بَعْدَ تَنَاهِي تَمْلِيحِهِ، أَوْ عَلَى الْجُبْنِ بَعْدَ تَحَوْلُمِهِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ يَلِ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ اللَّحْمُ فِي طَبِيخٍ تَنَجَّسَ الطَّبِيخُ وَيُغْسَلُ اللَّحْمُ كَمَا يَتَنَجَّسُ الزَّيْتُ أَوْ مِشُّ الْجُبْنِ، وَيُغْسَلُ الزَّيْتُونُ وَالْجُبْنَةُ غَيْرُ الْقَرِيشَةِ، كَمَا أَنَّ الرَّأْسَ وَالْأَكَارِعَ إذَا شُوِيَتْ بِدَمِهَا عَلَى النَّارِ لَا تُنَجَّسُ بَلْ تُغْتَسَلُ وَتُؤْكَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا وَضْعُ الْفِرَاخِ فِي الْمَاءِ السُّخْنِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْخَبْزِ بَعْدَ بَلِّهَا وَبَعْدَ ذَبْحِهَا وَقَبْلَ غَسْلِ دَمِهَا لِيَسْهُلَ نَتْفُ رِيشِهَا فَلَا يُنَجِّسُهَا
الْمَجُوسِيُّ
، وَمَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ
وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ مَكْرُوهٌ وَالصَّيْدُ لِغَيْرِ اللَّهْوِ مُبَاحٌ.
وَكُلُّ مَا
[الفواكه الدواني]
فَيَكْفِي غَسْلُهَا قَبْلَ طَبْخِهَا، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
[أَكْلُ ذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ تَنَاوُلِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَكْلُ ذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِطَعَامِهِمْ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحهمْ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ عَطْفُ ذَبَائِحهمْ عَلَى طَعَامِهِمْ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الصَّغِيرُ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] الْآيَةَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: حَمَلُوا طَعَامَهُمْ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ فَلَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ، وَلَا بُدَّ لِلْجَوَازِ مِنْ شُرُوطٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إنْ ذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحِلَّةً، وَإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَذْبَحَهُ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ يَعْرِفُ صِفَةَ الذَّكَاةِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ بِاسْمٍ نَحْوِ الصَّنَمِ فَإِنْ ذَبَحَهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ فَقَطْ حَرُمَ عَلَيْنَا أَكْلُهُ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُ مَا ذَبَحَهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فِي شَرْعِنَا كَذَوَاتِ الظُّفُرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ مَا هُوَ حَلَالٌ لَهُ بِشَرْعِنَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ فِي شَرْعِهِ فَقَطْ كَالطَّرِيفَةِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ، فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَذْبَحَ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَذْبُوحُهُ حَلَالًا لَهُ بِشَرْعِنَا، وَأَنْ لَا يَذْبَحَهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ مَعَ الشُّرُوطِ نِيَّةٌ، وَلَا تَسْمِيَةٌ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَنَابَهُ مُسْلِمٌ وَذَبَحَ لَهُ فَحَكَى فِيهِ خَلِيلٌ قَوْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلَانِ.
(وَكُرِهَ) لِلْمُسْلِمِ (أَكْلُ شُحُومِ) ذَبَائِحِ (الْيَهُودِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا، كَشَحْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْخَالِصِ كَالثَّرْبِ بِالْمُثَلَّثَةِ الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَغْشَاهُ الْكِرْشُ وَالْأَمْعَاءُ، وَلَمَّا خَشِيَ مِنْ حَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) فَإِنْ قِيلَ: الشَّحْمُ الْمَذْكُورُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْيَهُودِ بِشَرْعِنَا فَلِمَ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ جُزْءٌ مُذَكَّى حَلَالٌ لَهُ لَكِنْ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ كُرِهَ لَنَا أَكْلُهُ، وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ يَقْصِدْ الشَّحْمَ بِالتَّذْكِيَةِ أَشْبَهَ الدَّمَ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ الْمُسْلِمُ.
(وَ) مَفْهُومُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ (لَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ) وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْ ذَكَّى مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَنَصَّرَ أَوْ يَتَهَوَّدَ أَوْ يَأْمُرَهُ الْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ وَيَقُولُ لَهُ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَيَقُولُهَا فَإِنَّ ذَكَاتَهُ تُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ سَوَاءٌ ذَكَّى مَا يَمْلِكُهُ أَوْ ذَبَحَ مِلْكَ مُسْلِمٍ نِيَابَةً عَنْهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَنَا أَكْلٌ مِمَّا ذَكَّاهُ لِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَفِي جَوَازِ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ لِمُسْلِمٍ نِيَابَةً عَنْهُ خِلَافٌ، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُسْلِمُ بِالتَّسْمِيَةِ وَيُسَمِّي اللَّهَ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ مَعَ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَرُبَّمَا يَبْحَثُ فِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُمَرَ بِمَفْهُومِ آيَةِ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] فَإِنَّ الْمُرَادَ ذَبَائِحُهُمْ، وَبِصَرِيحِ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ وَبِاشْتِرَاطِهِمْ فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ كَوْنُ الْمُذَكِّي مِمَّنْ تُوطَأُ نِسَاؤُهُ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ كَافٍ فِي جَوَازِ أَكْلِ مُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ لَجَعَلَتْ الْفُقَهَاءُ الشَّرْطَ تَسْمِيَةَ الذَّابِحِ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
(تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الْمَجُوسِيِّ فِي عَدَمِ أَكْلِ ذَبِيحَتِهِ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ لِصَبًى أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ، وَمِثْلُهُمْ الْمُرْتَدُّ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا، وَالْكِتَابِيُّ إذَا ذَبَحَ شَيْئًا بِاسْمِ الصَّنَمِ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ فِيمَا سَبَقَ.
(وَ) أَمَّا (مَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ) كَالْخُبْزِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) وَالضَّمِيرُ فِي طَعَامِهِمْ لِلْمَجُوسِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِالْأَوْلَى، فَيَجُوزُ لَنَا أَكْلُ خُبْزِ الْمَجُوسِيِّينَ وَزَيْتِهِمْ حَيْثُ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهُ، لَا إنْ شُكَّ فِي طَهَارَتِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ حَيْثُ غَلَبَ مُخَالَطَتُهُ لِلنَّجَاسَةِ كَجُبْنِهِمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ الْوَاقِعَةَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، حَتَّى قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَتَّى قَالَ: لَا يَنْبَغِي الشِّرَاءُ مِنْ حَانُوتٍ فِيهِ جُبْنُهُمْ لِتَنْجِيسِهِ الْمِيزَانَ وَيَدَ بَائِعِهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ، وَمِثْلُهُ الْوَحْشِيُّ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَحْشِيِّ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّيْدُ، وَحَقِيقَتُهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَخْذُ مُبَاحٍ أَكْلُهُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ أَيْ نِيَّةِ الِاصْطِيَادِ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ فَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ إلَخْ، وَحُكْمُهُ الْأَصْلِيُّ الْجَوَازُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَالنَّدْبُ فَأَحْكَامُهُ خَمْسَةٌ، فَالْمَكْرُوهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ) بِقَصْدِ الذَّكَاةِ (مَكْرُوهٌ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
(وَ) أَمَّا حُكْمُ (الصَّيْدِ لِغَيْرِ اللَّهْوِ) ، وَلِغَيْرِ مَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ أَوْ الْحُرْمَةَ فَهُوَ (مُبَاحٌ) وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَالْوُجُوبُ، وَأَمَّا لِقَصْدِ التَّصَدُّقِ بِذَاتِهِ
قَتَلَهُ كَلْبُك الْمُعَلَّمُ أَوْ بَازُك الْمُعَلَّمُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ إذَا أَرْسَلْته عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ مَا أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ، وَمَا أَدْرَكْته قَبْلَ إنْفَاذِهَا لِمَقَاتِلِهِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ.
وَكُلُّ مَا صِدْته بِسَهْمِك أَوْ رُمْحِك فَكُلْهُ فَإِنْ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ
[الفواكه الدواني]
أَوْ ثَمَنِهِ أَوْ التَّوْسِيعِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ فَالنَّدْبُ، وَأَمَّا لِقَصْدِ حَبْسِهِ لِلْفُرْجَةِ عَلَيْهِ فَالْحُرْمَةُ دَلَّ عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك» ، وَإِنَّمَا قُلْت بِقَصْدِ الذَّكَاةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاصْطِيَادِ لَا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ لَا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ، وَلِلصَّيْدِ أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ، فَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: صَائِدٌ، وَمَصِيدٌ، وَمَصِيدٌ بِهِ، وَشَرْطُ الصَّائِدِ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ فَلَا يُؤْكَلُ مَا صَادَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ كِتَابِيًّا، وَلَا مَا صَادَهُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ فَيُذَكِّيَهُ الْمُسْلِمُ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِدُ لَهُ مَجُوسِيًّا، وَشَرْطُ الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا مَرْئِيًّا لِلصَّائِدِ، أَوْ يَكُونَ فِي مَكَان مَحْصُورٍ كَغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ جُمْلَةً أَوْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ، كَكَوْنِهِ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَطَبِ، أَوْ كَانَ فِي جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ فَلَا يُؤْكَلُ الْإِنْسِيُّ بِالْعُقْرِ، وَلَوْ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ كَفَحْلِ الْجَامُوسِ عِنْدَ كِبَرِهِ، وَلَا الْوَحْشِيِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ، وَشَرْطُ الْمَصِيدِ بِهِ أَنْ يَكُونَ سِلَاحًا مَحْدُودًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَدِيدٍ، أَوْ حَيَوَانًا مُعَلَّمًا، وَإِنْ كَانَ كَلْبًا، وَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ، وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَيْرًا فَيَكْفِي فِيهِ الْإِطَاعَةُ عِنْدَ إرَادَةِ إرْسَالِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ الِانْزِجَارِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، فَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَاطِفًا عَلَى الذَّكَاةِ بِمَعْنَى الذَّبْحِ أَوْ الْعُقْرِ بِقَوْلِهِ: وَجُرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإِنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ لَا نَعَمْ شَرَدَ أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ أَوْ حَيَوَانٍ عُلِّمَ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا يُفِيدُ شُرُوطَ الْمَصِيدِ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ) أَيْ جَمِيعُ (مَا قَتَلَهُ كَلْبُك الْمُعَلَّمُ) قَدْ مَرَّ مَعْنَى التَّعْلِيمِ (أَوْ) قَتَلَهُ (بَازُك الْمُعَلَّمُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ) فَاعِلُ جَائِزٍ الْوَاقِعُ خَبَرُ كُلٍّ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَقَرَنَ الْخَبَرَ هُنَا بِالْفَاءِ لِشِبْهِ الْمُبْتَدَأِ هُنَا بِالشَّرْطِ فِي الْعُمُومِ، وَمَا يُقَالُ: الْخَبَرُ الَّذِي يُقْرَنُ بِالْفَاءِ يَكُونُ جُمْلَةً، وَمَا هُنَا مُفْرَدٌ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْمُفْرَدُ هُنَا شَبِيهٌ بِالْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ وُصِفَ مَعَ مَرْفُوعِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَا مَاتَ بِجُرْحِ الْحَيَوَانِ الْمُعَلَّمِ أَوْ السِّلَاحِ الْمُحَدَّدِ بَعْدَ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ وَوُجُودِ مَا يُشْتَرَطُ مِنْ الشُّرُوطِ يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَ حَيْثُ نَوَى الْجَمِيعَ، وَيُشْتَرَطُ فِي صَيْدِ الْحَيَوَانِ (إذَا أَرْسَلْته) أَيْ الْجَارِحَ (عَلَيْهِ) وَذَهَبَ إلَيْهِ بِإِرْسَالِك مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ تَرْكٍ.
قَالَ: خَلِيلٌ: بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ، وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ، وَقَوْلُنَا حَيْثُ نَوَى الْجَمِيعَ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَوَى مُعَيَّنًا، فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ إذَا قَتَلَهُ أَوَّلًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ أَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا لَوْ رَأَى جَمَاعَةً وَنَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا الْأَوَّلُ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إذَا أَرْسَلْته أَنَّك لَوْ لَمْ تُرْسِلْهُ لَا يُؤْكَلُ مَا جَرَحَهُ أَوْ أَرْسَلَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِإِرْسَالِهِ بِأَنْ أَظْهَرَ التَّرْكَ بِأَنْ وَجَدَ جِيفَةً فِي الطَّرِيقِ فَاشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِإِرْسَالِهِ مِنْ يَدِهِ بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ ثُمَّ قَالَ فِي مُحْتَرَزِهِ لَا إنْ أَغْرَى فِي الْوَسَطِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَجْرَحُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ مَاتَ بِمُجَرَّدِ الْعَضِّ أَوْ الصَّدْمِ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
(وَ) كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ (كَذَلِكَ) يَجُوزُ أَكْلُ (مَا أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ) أَوْ الْكِلَابُ شَيْئًا مِنْ (مَقَاتِلِهِ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ) ، وَلَوْ أَدْرَكْته حَيًّا حَيْثُ لَمْ تَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ قَبْلَ إنْفَاذِهَا، وَلَوْ لَمْ يَتَرَاخَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْإِجْهَازُ عَلَى مَا أَدْرَكَهُ حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا أَدْرَكْته) أَوْ أَدْرَكَهُ غَيْرُك مِمَّنْ تَصِحَّ ذَكَاتُهُ وَتَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ (قَبْلَ إنْفَاذِهَا) أَيْ الْجَوَارِحِ (لِمَقَاتِلِهِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ) حَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْ تَخْلِيصِهِ مِنْ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِ قَبْلَ قَتْلِهِ أَوْ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَخْلِيصِهِ صَارَ مِنْ الْمَقْدُورِ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ الْجَارِحُ لَمْ يُؤْكَلْ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ يَنْهَشُهُ مَا قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ، وَقَوْلُنَا: أَوْ أَدْرَكَهُ غَيْرُك إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَرَّ عَلَى صَيْدٍ قَبْلَ إنْفَاذِ الْجَارِحِ شَيْئًا مِنْ مَقَاتِلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَذْكِيَتُهُ، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا لِلصَّائِدِ لِحُرْمَةِ أَكْلِهِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ مُرُورَ غَيْرِ رَبِّهِ بِمَنْزِلَةِ مُرُورِ رَبِّهِ، وَرَبُّهُ إذَا مَرَّ بِهِ قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ، وَتَرَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ الْجَارِحُ يَصِيرُ مَيْتَةً.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْمَصِيدِ بِهِ الْحَيَوَانَ شَرَعَ فِي السِّلَاحِ الْمُحَدَّدِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ) أَيْ جَمِيعُ (مَا صِدْته بِسَهْمِك أَوْ رُمْحِك) أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُحَدَّدٍ، وَلَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ وَقَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الرُّمْحُ أَوْ جَرَحَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ
فَذَكِّهِ، وَإِنْ فَاتَ بِنَفْسِهِ فَكُلْهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك، وَقِيلَ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَاتَ عَنْك مِمَّا قَتَلَتْهُ الْجَوَارِحُ، وَأَمَّا السَّهْمُ يُوجَدُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
وَلَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ.
وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَيُعَقُّ عَنْ الْمَوْلُودِ
[الفواكه الدواني]
(فَكُلْهُ) حَيْثُ نَوَيْت وَسَمَّيْت عِنْدَ رَمْيِ السَّهْمِ أَوْ الرُّمْحِ (فَإِنْ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ) قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ (فَذَكِّهِ) وُجُوبًا، وَأَمَّا إنْ أَدْرَكْته حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ نُدِبَ لَك تَذْكِيَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَ) مَفْهُومُ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ (إنْ مَاتَ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ أَدْرَكْته مَيِّتًا (فَكُلْهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك) أَوْ رُمْحُك (مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك) ، وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْك أَكْلُهُ، وَلَوْ بَاتَ عَنْك بَعْضَ اللَّيْلِ، وَلَوْ وَجَدْت السَّهْمَ فِي مَقَاتِلِهِ مَعَ إنْفَاذِهَا، وَلَوْ مَعَ الْجَدِّ فِي اتِّبَاعِهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلسَّهْمِ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِ مَا بَاتَ عَنْك.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا بَاتَ الصَّيْدُ عَنْ الصَّائِدِ وَوَجَدَهُ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَالْكَلْبُ وَالسَّهْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ اللَّيْلَ تَكْثُرُ فِيهِ الْهَوَامُّ بِخِلَافِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ فِيهِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَجُلًا يَصِيدُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: إنِّي رَمَيْته مِنْ اللَّيْلِ فَأَعْيَانِي وَوَجَدْت سَهْمِي فِيهِ مِنْ الْغَدِ وَعَرَفْت سَهْمِي، فَقَالَ: اللَّيْلُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَظِيمٌ لَعَلَّهُ أَعَانَك عَلَيْهِ شَيْءٌ أَنْفَذَهَا عَنْك» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ وَالْإِصْمَاءُ مَا حَضَرْت مَوْتَهُ، وَالْإِنْمَاءُ مَا غَابَ عَنْك مَوْتُهُ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ رَمَاهُ نَهَارًا، وَغَابَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا وَوَجَدَهُ مَيِّتًا بِجُرْحِ السَّهْمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَا بَاتَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ فِيهِ إلَى الْوَهْمِ وَرَجَحَ الْقَوْلُ بِأَكْلِهِ حَيْثُ وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَرَ الصَّائِدُ إنْفَاذَ السَّهْمِ أَوْ الْجَارِحُ إنْفَاذَ مَقْتَلِهِ قَبْلَ الْبَيَاتِ، وَإِلَّا أُكِلَ اتِّفَاقًا، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مُسَاوَاةِ الْجَارِحِ لِلسَّهْمِ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمُقَابِلُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ (إنَّمَا حُرْمَةُ ذَلِكَ) أَيْ أَكْلُ مَا مَاتَ (فِيمَ بَاتَ عَنْك مِمَّا قَتَلَهُ الْجَوَارِحُ وَأَمَّا) الصَّيْدُ الَّذِي يُضْرَبُ (بِالسَّهْمِ فَيُوجَدُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) أَيْ يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَوَجْهُ تَفْرِقَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ السَّهْمَ إذَا وُجِدَ فِي مَقَاتِلِهِ وَقَدْ أَنْفَذَهَا يَغْلِبُ مَعَهُ الظَّنُّ بِأَنَّ الْمَوْتَ لِلصَّيْدِ مِنْ السَّهْمِ، بِخِلَافِ الْجَارِحِ كَالْكَلْبِ أَوْ الصَّقْرِ يَجْرَحُ الصَّيْدَ وَيَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ وَيُوجَدُ الصَّيْدُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَارِحِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَيَّدْنَا السَّهْمَ وَالرُّمْحَ بِالْمُحَدَّدِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْمُحَدَّدِ، كَالْبُنْدُقِ وَالشَّرَكِ وَالشَّبَكَةِ وَالْعَصًا الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا، فَلَا يُؤْكَلُ مَا صِيدَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَلَوْ وُجِدَ حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَدْرَكَ حَيًّا قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ بِالذَّكَاةِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الَّذِي يُدْرَكُ حَيًّا، وَلَوْ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ بِالْبُنْدُقِ مَثَلًا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ أَنْ يَجْرَحَهُ الْكَلْبُ أَوْ السَّهْمُ، وَلَا يَكْفِي مَوْتُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَضِّ، وَالْمُرَادُ بِالْجُرْحِ مَا يَشْمَلُ قَطْعَ الرِّجْلِ أَوْ الْأُذُنِ.
وَفِي كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: الْمُرَادُ بِالْجُرْحِ سَيَلَانُ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ الْجِلْدَ، وَحَكَى قَوْلَيْنِ فِي شَقِّ الْجِلْدِ مِنْ غَيْرِ سَيَلَانِ دَمٍ، وَأَقُولُ: مُقَابَلَتُهُمْ لِلْجُرْحِ بِالصَّدْمِ وَالْعَضِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ شَقَّ الْجِلْدِ يَكْفِي فِي جَوَازِ أَكْلِ الصَّيْدِ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ مَعَهُ دَمٌ وَحَرَّرَهُ، بَلْ شَقُّ الْجِلْدِ أَوْلَى مِنْ سَيَلَانِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ شَقٍّ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ أَكْلِ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الصَّيْدِ عِنْدَ الِاصْطِيَادِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ انْفَصَلَ شَيْءٌ وَحَصَلَ بِهِ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ أُكِلَ سَوَاءٌ كَانَ نِصْفًا أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ أُكِلَ إنْ كَانَ نِصْفًا لَا أَقَلَّ.
قَالَ خَلِيلٌ.
وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ إلَّا الرَّأْسَ.
وَلِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّيْدَ مُخْتَصٌّ بِالْوَحْشِيِّ شَرَعَ هُنَا فِي بَيَانِ مُحْتَرَزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُؤْكَلُ) الذَّاتُ (الْإِنْسِيَّةُ) أَصَالَةً، وَإِنْ تَوَحَّشَتْ (بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ) مِنْ الْجُرْحِ قَالَ خَلِيلٌ: لَا نَعَمَ شَرَدَ أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ فَلَا يُؤْكَلُ الْفَحْلُ الْجَامُوسُ الَّذِي نَفَرَ، وَلَا الْجَمَلُ الشَّارِدُ، وَمِثْلُ النَّعَمِ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ إذَا تَأَنَّسَ أَوْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ كَالْغَزَالَةِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ يُصَادَانِ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ فَلَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِالْعُقْرِ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلَانِ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الْحَيَوَانُ الْإِنْسِيُّ، وَهُوَ الذَّبْحُ.
(تَنْبِيهٌ) لَيْسَ مِنْ الْإِنْسِيِّ الَّذِي يُذْبَحُ نَحْوَ الْجَرَادِ بَلْ ذَكَاتُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهُ، بَلْ سَائِرُ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ ذَكَاتُهَا مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جُنَاحٍ أَوْ إلْقَاءٍ فِي نَارٍ، فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْإِنْسِيِّ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وَمَا شَابَهَهَا مِنْ نَحْوِ الدَّجَاجِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الذَّكَاةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ذَبْحٍ وَنَحْرٍ وَعُقْرٍ، وَمَا يُعَجِّلُ الْمَوْتَ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِيمَا سَبَقَ أَتَمَّ بَيَانٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَقِيَّةِ مَا تَرْجَمَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْعَقِيقَةُ) فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ فَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الذَّبِيحَةُ الَّتِي تُفْعَلُ فِي سَابِعِ وِلَادَةِ الْمَوْلُودِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَا تُقَرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جَذَعِ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ النَّعَمِ سَلِيمَيْنِ مِنْ بَيْنِ عَيْبٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ سَابِعِ وِلَادَةِ آدَمِيٍّ حَيٍّ عُقَّ عَنْهُ فَلَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْغَنَمِ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ، وَبَيَّنَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ: (سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ) مُرَادُهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ فَلَا يُنَافِي الْوَصْفَ بِمُسْتَحَبَّةٍ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَنَّ الْمَسْنُونَ فَعَلَهُ أَيْضًا فَمَا
يَوْمَ سَابِعِهِ بِشَاةٍ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سَنِّ الْأُضْحِيَّةِ وَصِفَتِهَا وَلَا يُحْسَبُ فِي السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ.
وَتُذْبَحُ ضَحْوَةً.
وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا.
وَيُؤْكَلُ مِنْهَا وَيَتَصَدَّقُ وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا.
وَإِنْ حُلِقَ شَعْرُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ وَتُصُدِّقَ بِوَزْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ حَسَنٌ
وَإِنْ خُلِّقَ رَأْسُهُ بِخَلُوقٍ بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَلَا
[الفواكه الدواني]
وَجْهُ التَّفْرِقَةِ؟ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّفْرِقَةَ اصْطِلَاحٌ فِقْهِيٌّ لِمُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَهُ فِي جَمَاعَةٍ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ، وَمَا سِوَاهُ مِمَّا لَمْ يُظْهِرْهُ فِي جَمَاعَةٍ إنْ حَضَّ عَلَى فِعْلِهِ يُسَمَّى رَغِيبَةً، وَمَا لَمْ يَحُضَّ عَلَى فِعْلِهِ يُسَمَّى مُسْتَحَبًّا، وَمُقَابَلُ الْمُعْظَمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ يُسَمُّونَ غَيْرَ الْوَاجِبِ بِالسُّنَّةِ، وَهُمْ الْبَغْدَادِيُّونَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ خَلِيلٌ أَنَّ الْعَقِيقَةَ مَنْدُوبَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ: وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ نَهَارًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ» وَبَيَّنَ زَمَنَهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُعَقُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (عَنْ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ) فَلَا يُعَقُّ عَنْهُ قَبْلَ السَّابِعِ اتِّفَاقًا، وَلَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ زَمَنِهَا كَالضَّحِيَّةِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِخِلَافِهِمَا، وَإِطْلَاقُ الْمَوْلُودِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ، لَكِنَّ ابْنَ الْعَبْدِ يَعُقُّ عَنْهُ أَبُوهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَالْحَدِيثِ أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَا تَتَعَدَّدُ، بَلْ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ الذَّكَرِ كَالْأُنْثَى، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ حَنْبَلٍ حَيْثُ قَالَ: يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ، لَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ، وَكَذَا عَنْ الْحُسَيْنِ» وَمَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فَهُوَ حَسَنٌ لِمَنْ فَعَلَهُ.
حَتَّى قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ عَمِلَ بِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مَا أَخْطَأَ، وَلَقَدْ أَصَابَ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَقَّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ» ، وَلَمْ نَطَّلِعْ لِمَشْهُورِ مَذْهَبِنَا عَلَى جَوَابٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَمْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَقِّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ فِي الْقُرْبَةِ لَا لِتَوَقُّفِ حُصُولِ النَّدْبِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ اقْتِصَارِهِ عَلَى شَاةٍ حِينَ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) بَنَى يُعَقُّ لِلْمَجْهُولِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْفَاعِلَ لِلْعَقِيقَةِ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ: وَالْمُخَاطَبُ بِهَا الْأَبُ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَوْلُودِ مَالٌ، وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَعَقِيقَتُهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يُخَاطَبُ بِهَا الْأَخُ، وَلَا الْعَمُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَبَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَا يُسَلَّفُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَوْكَدَ مِنْ الضَّحِيَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُجْزِئُ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (بِشَاةٍ) أَوْ ثَنِيِّ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الشَّاةُ أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ سَائِرِ النَّعَمِ.
(مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ وَصِفَتِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالنُّسُكَ وَالْعَقِيقَةَ وَالْجَزَاءَ فِي السَّلَامَةِ مِنْ بَيْنِ الْعَيْبِ وَالسِّنِّ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ بُلُوغِ الشَّاةِ سَنَةً وَدُخُولِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَدُخُولِ ثَنِيِّ الْبَقَرِ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالْإِبِلِ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُشْتَرَطُ كَمَالُ السَّبْعَةِ أَيَّامٍ قَالَ: (وَلَا يُحْسَبُ فِي السَّبْعَةِ أَيَّامِ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ) حَيْثُ سُبِقَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَلْغَى يَوْمَهَا إنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ، وَأَمَّا لَوْ وُلِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حُسِبَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَيُشْتَرَطُ حَيَاةُ الْوَلَدِ فِي السَّابِعِ لَا إنْ مَاتَ يَوْمَ السَّابِعِ قَبْلَ فِعْلِهَا، وَيَدْخُلُ زَمَنُ ذَكَاتِهَا بِطُلُوعِ فَجْرِ السَّابِعِ.
(وَ) لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ (تُذْبَحَ ضَحْوَةً) ، وَهَذَا عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ إلْحَاقًا لَهَا بِالْهَدَايَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَابِعَةً لِصَلَاةٍ حَتَّى تُلْحَقَ بِالضَّحَايَا، فَإِنْ فُعِلَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَتْ مَعَ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَحَبِّ.
(وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا) لِكَرَاهَةِ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَلَطْخُهُ بِدَمِهِ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ إمَاطَةَ الْأَذَى بِتَرْكِ التَّلْطِيخِ الْمَذْكُورِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأُنْثَى تُسَاوِي الذَّكَرَ فِي كَرَاهَةِ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ يُكْرَهُ التَّلَطُّخُ بِهَا لِكُلِّ أَحَدٍ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُؤْكَلَ) أَيْ يُطْعَمَ (مِنْهَا) أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ (وَيُتَصَدَّقُ) مِنْهَا بَعْدَ الطَّبْخِ وَقَبْلَهُ، وَيُكْرَهُ جَعْلُهَا وَلِيمَةً وَيَدْعُو لَهَا النَّاسَ كَمَا تَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ جَعْلِهِمْ لَهَا كَالْعُرْسِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمُخَالَفَةِ فِعْلِ السَّلَفُ، وَلِخَوْفِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُفَاخَرَةِ، بَلْ الْمَطْلُوبُ إطْعَامُ كُلِّ أَحَدٍ فِي مَحَلِّهِ، فَلَوْ وَقَعَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً أَجْزَأَتْ، وَإِنْ كُرِهَتْ، وَلَا يُطَالَبُ بِإِعَادَتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَتَحْرُمُ الْمُعَاوَضَةُ بِهَا كَسَائِرِ الْقُرَبِ، فَلَا يُبَاعُ جِلْدُهَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا، وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ فِي نَظِيرِ جِزَارَتِهِ، وَلَا الْقَابِلَةُ فِي نَظِيرِ وِلَادَةِ الْمَرْأَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الضَّحِيَّةِ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، وَيَظْهَرُ هُنَا أَوْ أَوْلَى كَذَلِكَ.
(وَ) يَجُوزُ أَنْ (تُكْسَرَ عِظَامُهَا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ مُخَالَفَةً لِلْجَاهِلِيَّةِ فِي عَدَمِ كَسْرِهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقْطَعُونَهَا مِنْ الْمَفَاصِلِ مَخَافَةَ إصَابَةِ الْوَلَدِ فَنَسَخَهُ الْإِسْلَامُ.
(وَ) أَمَّا (أَنْ حُلِقَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (شَعْرُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ) ، وَلَوْ أُنْثَى يَوْمَ السَّابِعِ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ إنْ عُقَّ عَنْهُ (وَتُصُدِّقَ بِوَزْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ فَقَوْلُهُ: (حَسَنٌ) لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَصَدُّقٌ بِزِنَةِ شَعْرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ:
بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَالْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الذُّكُورِ وَاجِبَةٌ.
وَالْخِفَاضُ فِي النِّسَاءِ مَكْرُمَةٌ.
[الفواكه الدواني]
وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَعْرَ الْحُسَيْنِ وَالْحَسَنِ وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةٍ، وَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً» .
وَلَمَّا قَدَّمَ كَرَاهَةَ تَلْطِيخِ رَأْسِ الْمَوْلُودِ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِ الْعَقِيقَةِ خِلَافًا لِلْجَاهِلِيَّةِ بَيَّنَ الْمُسْتَحَبَّ بِقَوْلِهِ: (وَ) أَمَّا (إنْ خُلِّقَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ طُيِّبَ (رَأْسُهُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (بِخَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ طِيبٍ كَزَعْفَرَانٍ مَعْجُونٍ بِوَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ (بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) ، وَلَوْ قِيلَ بِنَدْبِهِ لَمَا بَعُدَ لِعُمُومِ طَلَبِ مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ.
1 -
(خَاتِمَةٌ) بَقِيَ أَشْيَاءُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا يَوْمَ السَّابِعِ، مِنْهَا: تَسْمِيَتُهُ إنْ عَقَّ عَنْهُ، وَإِلَّا سَمَّى قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ مَنْ أُرِيدَ الْعَقُّ عَنْهُ قَبْلَ الْعَقِيقَةِ فَفِي تَسْمِيَتِهِ قَوْلَانِ: مَالِكٌ لَا يُسَمَّى وَابْنُ حَبِيبٍ يُسَمَّى يَوْمَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَلَدٌ تُرْجَى شَفَاعَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَدَمَ تَسْمِيَةِ السِّقْطِ، وَالتَّسْمِيَةُ حَقٌّ لِلْأَبِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ فَيَخْتَارُ لَهُ أَفْضَلَ الْأَسْمَاءِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: أَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ ذُو الْعُبُودِيَّةِ لِخَبَرِ: «أَحَبُّ أَسْمَائِكُمْ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» «وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ» .
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَتُمْنَعُ بِمَا قَبَحَ كَحَرْبٍ وَحَزَنٍ وَبِمَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ كَبَرَكَةٍ، وَقَالَ أَيْضًا: وَتَحْرُمُ بِمِلْكِ الْأَمْلَاكِ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: لَا يَنْبَغِي بِيَاسِين أَوْ حَكِيمٍ أَوْ عَزِيزٍ، وَوَقَعَتْ التَّسْمِيَةُ بِعَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ، وَإِقْرَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَافٍ فِي الْجَوَازِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ التَّسْمِيَةَ بِجِبْرِيلَ، وَكَرِهَهَا الْحَارِثُ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ، وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْوِلَادَةِ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِي أَذَانِ الْمَوْلُودِ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْبَقَ إلَى جَوْفِهِ الْحَلَاوَةُ،
وَلَمَّا كَانَ الْخِتَانُ وَالْخِفَاضُ مِنْ مُنَاسَبَاتِ الضَّحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الطَّلَبِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ ذَكَرَهُمَا عَقِبَهُمَا فَقَالَ: (وَالْخِتَانُ فِي الذَّكَرِ) ، وَهُوَ قَطْعُ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِلْحَشَفَةِ بِحَيْثُ يَنْكَشِفُ جَمِيعُهَا.
(سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ مَنْ تَرَكَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ، وَلَا شَهَادَتُهُ، بَلْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ إلَّا بِالْخِتَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى سُنِّيَّتِهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ» وَزَمَنُ الْخِتَانِ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَالِكٍ الْإِثْغَارُ، وَهُوَ زَمَنُ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَأَحْرَى يَوْمُ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ فِعْلِ الْيَهُودِ إلَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْهُ عِنْدَ تَأَخُّرِهِ لِزَمَنِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ الْمُوسَى أَوْ لَا؟ وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَجْزِمْ بِإِجْرَائِهَا كَمَا قِيلَ فِيمَنْ تَحَلَّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى مَحَلِّ الشَّعْرِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِوُجُوبِ الْحِلَاقِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ دُونَ الْخِتَانِ.
(الْخِفَاضُ) الْمَطْلُوبُ (فِي النِّسَاءِ) ، وَهُوَ إزَالَةُ مَا بِالْفَرْجِ مِنْ الزِّيَادَةِ (مَكْرُمَةٌ) أَيْ خَصْلَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا وَاعْتَمَدَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ هُنَا لِمُغَايَرَتِهِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ كَخِتَانِ الذُّكُورِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ وَجِيهٌ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَلِلْحَدِيثِ: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ تَخْفِضُ الْجَوَارِيَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أُمَّ عَطِيَّةَ اخْفِضِي، وَلَا تَنْهَكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» ، وَمَعْنَى لَا تَنْهَكِي لَا تُبَالِغِي فِي الْقَطْعِ.
(خَاتِمَةٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ بَيَانِ حَالِ الْخُنْثَى الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ، وَلَهُ فَرْجٌ هَلْ يُخْتَنُ أَوْ يُخْفَضُ؟ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا نَصًّا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: يُخْتَنُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ مَنْ يَتَوَلَّى خِتَانَهُ قَبْلَ اتِّضَاحِهِ، وَقِيلَ لَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُمْ، ابْنُ نَاجِي: لَا يُخْتَنُ لِمَا عَلِمْت مِنْ قَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ، وَالنَّظَرُ لِعَوْرَةِ الْكَبِيرِ الْمُرَاهِقِ أَوْ الْبَالِغِ حَرَامٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ: الْمُرَاهِقُ كَكَبِيرٍ، وَلَا يُرْتَكَبُ مُحَرَّمٌ لِفِعْلِ سُنَّةٍ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِفِعْلِ مَا يَكْمُلُ بِهِ إسْلَامُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ بِهِ كَمَالَ الْإِسْلَامِ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ اشْتَرَى رَقِيقًا بَعْدَ بُلُوغِهِ أَوْ مُرَاهِقَةً؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفُ تَحْصِيلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَقْتَضِي إسْقَاطَهَا وَحَرَّرَ ذَلِكَ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ لَكِنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِيهِ، وَسَكَتَ أَيْضًا عَنْ الْخَاتِنِ وَالْخَافِضِ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: يَخْتِنُ الرِّجَالُ الصِّبْيَانَ وَيَخْفِضُ النِّسَاءُ الْجَوَارِيَ لِمَنْعِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَرَّحَ بِحُكْمِ الْخِتَانِ وَالْخِفَاضِ، وَالْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ أَهْمَلَهَا، فَكَمْ مِنْ كِتَابٍ صَغِيرٍ كَهَذَا الْكِتَابِ يُوجَدُ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي أَكْبَرَ مِنْهُ.
[بَاب فِي الْجِهَاد]
وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ الْعَيْنِيَّةِ، وَمَا مَعَهَا مِنْ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ الْكِفَائِيَّةِ وَبَدَأَ بِأَهَمِّهَا فَقَالَ:
بَابٌ فِي الْجِهَادِ وَالْجِهَادُ فَرِيضَةٌ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ.
وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ حَتَّى يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ إلَّا أَنْ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (الْجِهَادِ) وَهُوَ لُغَةً: التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ لِأَخْذِهِ مِنْ الْجَهْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ حُضُورُهُ لَهُ أَوْ دُخُولُهُ أَرْضِهِ لَهُ، فَيَخْرُجُ قِتَالُ الذِّمِّيِّ إذَا حَارَبَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ نَقْضٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ حُضُورُهُ أَوْ دُخُولُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قِتَالٍ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالضَّمِيرُ فِي حُضُورِهِ وَدُخُولِهِ لِلْمُسْلِمِ، وَفِي لَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْقِتَالِ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ فَيُسْهِمُ لِمَنْ حَضَرَ الْمُنَاشَبَةَ، وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَقَوْلُهُ: لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَاتَلَ لِلْغَنِيمَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ لَمْ يَكُنْ مُجَاهِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ حَيْثُ أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهَا حَيْثُ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ، وَقَسَّمَ الْأَرْبَعَةَ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ حَاضِرٍ كَتَاجِرِ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَزَادُوهُ عَلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْجِهَادِ حَتَّى يُسْهَمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ مُعْتَبَرًا بِالنَّظَرِ لِلثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْجِهَادِ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْهَمَ لَهُ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّ الْفِقْهَ نَقْلِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ، وَعَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ يَكُونُ شَهِيدُ الْحَرْبِ أَعَمَّ مِنْ الْمُجَاهِدِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ شَهِيدَ الْحَرْبِ يَشْمَلُ مَنْ قَاتَلَ لِخُصُوصِ الْغَنِيمَةِ وَيُقَالُ لَهُ شَهِيدُ دُنْيَا فَقَطْ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَشْمَلُ مَنْ قَتَلَهُ الْحَرْبِيُّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ، وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ.
وَالْجِهَادُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ، فَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ الشَّهِيدَ يَوَدُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى فِي الْجِهَادِ لِمَا يَرَاهُ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» . وَرُوِيَ أَيْضًا: «مَا جَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ، وَمَا جَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ» ، وَإِنَّمَا كَانَ الْجِهَادُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَتْلُ عِبَادِ اللَّهِ وَتَعْذِيبُهُمْ وَتَخْرِيبُ بِلَادِ اللَّهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَشُرِعَ إعْدَامًا لِلْكَافِرِينَ، وَإِحْيَاءً لِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جِهَادٍ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ مُجَاهَدَةُ الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَجِهَادٍ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَجِهَادٍ بِالْيَدِ، وَهُوَ زَجْرُ الْأُمَرَاءِ أَهْلَ الْمُنَاكِرِ بِالْأَدَبِ وَالضَّرْبِ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَمِنْهُ إقَامَةُ الْحُدُودِ.
وَجِهَادٍ بِالسَّيْفِ، وَلَا يَنْصَرِفُ حَيْثُ أُطْلِقَ إلَّا إلَيْهِ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: (وَالْجِهَادُ) أَيْ الْخُرُوجُ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ (فَرِيضَةٌ) فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حُرٍّ، وَلَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ خِطَابِهِمْ مُسْتَطِيعٍ لِلْقِتَالِ وَوَاجِدٍ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ.
.
(يَحْمِلُهُ) أَيْ الْجِهَادَ (بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَحَقِيقَتُهُ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَاعِلِهِ بِالذَّاتِ مَعَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِ، فَيَخْرُجُ فَرْضُ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ حَيْثُ قَصَدَ الشَّارِعُ حُصُولَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِعَيْنِهِ، أَوْ مَنْ عَيَّنَهُ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا فُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ - إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ - إخْرَاجُ طَائِفَةٍ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيَتَوَجَّهُونَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي كَثُرَ الْعَدُوُّ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَسَاوَتْ الْجِهَاتُ خَوْفًا، فَالنَّظَرُ لِلْإِمَامِ فِي الْخُرُوجِ فِي أَيِّ جِهَةٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ سَدُّ الْجَمِيعِ، وَإِلَّا وَجَبَ سَدُّ الْجِهَاتِ كُلِّهَا بِالْمُجَاهِدِينَ.
قَالَ خَلِيلٌ: الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا، كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْكُفَّارِ لَا يُعَادِلُهُ ضَرَرٌ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْجِهَادُ إلَّا بِشُرُوطٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَوُجُودُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ، وَفِي الْإِسْلَامِ خِلَافٌ وَيَسْقُطُ بِأَضْدَادِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًى وَجُنُونٍ وَعَمًى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مَا سَيَحْتَاجُ وَرِقٍّ وَدَيْنٍ حَلَّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيصَالِهِ إلَى رَبِّهِ لِغَيْبَتِهِ، وَلَا وَكِيلَ مِنْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا مَا لَا يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ وَيُوَكِّلُ فِي قَضَاءِ مَا يَحِلُّ وَيَخْرُجُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْوَفَاءِ قَهْرًا عَلَى صَاحِبِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
يُعَاجِلُونَا فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا قُوتِلُوا.
وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا حَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فَأَمَّا إنْ بَعُدُوا
[الفواكه الدواني]
كَخَلِيلٍ فَرْضِيَّةُ الْجِهَادِ، وَلَوْ سَدَّ الْمُسْلِمُونَ ثُغُورَهُمْ وَحُصُونَهُمْ، خِلَافًا لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَصَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حُمِيَتْ أَطْرَافُ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَسُدَّتْ ثُغُورُهُمْ سَقَطَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عَنْ سَائِرِهِمْ وَيُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمَشْهُورِ أَنَّ عَدَمَ الْجِهَادِ يُؤَدِّي إلَى قِيَامِ الْحَرْبِيِّينَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
الثَّانِي: يُشَارِكُ الْجِهَادَ فِي الْفَرْضِيَّةِ الْكِفَائِيَّةِ إقَامَةُ الْمَوْسِمِ أَيْ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَمِثْلُهُ الْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَالْفِقْهِ، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَأُصُولٍ، وَكَلَامٍ وَنَحْوٍ وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، وَفَكِّ الْأُسَارَى وَتَجْهِيزِ الْأَمْوَاتِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى عَلَى مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُهَا، وَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ السُّلْطَانِ إلَّا إذَا تَنَاءَتْ الْأَقْطَارُ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ كَالْحِيَاكَةِ وَالْخِبَازَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صَلَاحُ الْعَامَّةِ.
الثَّالِثُ: الدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجِهَادِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] أَيْ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا وَعَدَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْقَاعِدَ وَالْمُجَاهِدَ بِالْحُسْنَى، عُلِمَ أَنَّ الْخِطَابَ بِهِ لِلْجَمِيعِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ لَكَانَ الْقَاعِدُ بِلَا ضَرُورَةٍ عَاصِيًا، وَمَا تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مِنْ «إرْسَالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ» .
الرَّابِعُ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ مُخَاطَبٌ بِهِ الْجَمِيعُ حَتَّى يَقُومَ بِهِ الْبَعْضُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْرٌ قَوْلَانِ، هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَلَا يُعَارِضُهُ آيَةُ: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَجْرِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْفِعْلِ.
الْخَامِسُ: مَحَلُّ كَوْنِ الْجِهَادِ فَرْضَ كِفَايَةٍ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ إذَا غَزَا الْعَدُوُّ عَلَى قَوْمٍ كَمَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى النِّسَاءِ وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ وَبِالنَّذْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ بِفَجْأِ الْعَدُوِّ، وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ عَبْدٍ وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا أَوْ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ فَرْضِيَّةِ الْجِهَادِ جَوَازُ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ ابْتِدَاءً بِقَوْلِهِ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ (أَنْ لَا يُقَاتَلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالنَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ (الْعَدُوُّ) عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ (حَتَّى يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: نَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64] ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ: إنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» وَقِصَّةُ سُلَيْمَانَ مَعَ بِلْقِيسَ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ مَلِكَةَ سَبَأٍ، وَكِتَابُهُ إلَيْهَا مَعَ الْهُدْهُدِ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 31] وَصِفَةُ الدَّعْوَى مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ كُفْرِ الْكَافِرِ، فَمَنْ أَنْكَرَ الْإِلَهَ يُدْعَى إلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ الشُّرَكَاءَ يُدْعَى إلَى الِاعْتِرَافِ بِالتَّوْحِيدِ، وَمَنْ أَنْكَرَ عُمُومَ الرِّسَالَةِ يُدْعَى إلَى الِاعْتِرَافِ بِعُمُومِهَا، وَمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ يُدْعَى إلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَفَرَ بِشَيْءٍ يُدْعَى إلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ، وَلَا تُفَصَّلَ لَهُ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ إلَّا أَنْ يَسْأَلَ عَنْ تَفْصِيلِهَا.
وَوُجُوبُ الدَّعْوَى مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا) بِالْقِتَالِ، وَإِلَّا قُوتِلُوا.
وَالْقَيْدِ الثَّانِي أَنْ يَكُونُوا بِمَحَلٍّ تُؤْمَنُ غَوْلَتُهُمْ، وَإِلَّا قُوتِلُوا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَدُعُوا لِلْإِسْلَامِ ثُمَّ جِزْيَةٌ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قُوتِلُوا وَقُتِلُوا إلَّا الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ، وَمَا مَعَهُمَا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ إلَخْ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَأَحَبُّ إلَيْنَا إلَخْ أَنَّ الدَّعْوَةَ مُسْتَحَبَّةٌ مَعَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْأَحَبَّ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَحْبُوبٌ، كَمَا أَنَّ الْجَائِزَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ يَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ لَا الْأَحَبِّ بِمَعْنَى الْمَنْدُوبِ حَتَّى يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وَلَمْ يُجِبْ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا فِي حَقِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ تُكَرَّرُ الدَّعْوَةُ أَوْ لَا، وَبَيَّنَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِقَوْلِهِ: وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ كَالْمُرْتَدِّ، وَيُفْهَمُ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالْمُرْتَدِّ أَنَّهَا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِذَا دُعُوا (فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا) فَيَجِبُ كَفُّنَا عَنْهُمْ لِعِصْمَةِ دِمَائِهِمْ كَأَمْوَالِهِمْ بِالْإِسْلَامِ.
(أَوْ) يَرْضُوَا بِأَنْ (يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ) فَيَجِبُ كَفُّنَا عَنْهُمْ أَيْضًا.
(وَإِلَّا) يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ (قُوتِلُوا) وَقُتِلُوا بِالْفِعْلِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ، وَلَوْ بِقَطْعِ الْمَاءِ وَرَمْيِ النَّارِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ دَعْوَتُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي قِتَالِهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا مِنْهُ يُدْعَوْا إلَى الْجِزْيَةِ لَا أَنَّا نُخَيِّرُهُمْ ابْتِدَاءً بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَدُعُوا لِلْإِسْلَامِ ثُمَّ جِزْيَةٌ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قُوتِلُوا وَقُتِلُوا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ وَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ إلَى آخِرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
(وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ) عِنْدَ رِضَاهُمْ بِدَفْعِهَا
مِنَّا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إلَّا أَنْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا، وَإِلَّا قُوتِلُوا.
وَالْفِرَارُ مِنْ الْعَدُوِّ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا كَانُوا مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلَّ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ الْوُلَاةِ.
وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مَنْ أُسِرَ
[الفواكه الدواني]
(إذَا كَانُوا) فِي مَحَلٍّ قَرِيبٍ (بِحَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا) وَتَمْضِي عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ يَدْفَعُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وَهُمْ صَاغِرُونَ.
(فَأَمَّا إنْ بَعُدُوا مِنَّا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ) لِتَعَذُّرِ أَخْذِهَا مِنْهُمْ (إلَّا أَنْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا، وَإِلَّا قُوتِلُوا) ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ الرِّضَا بِالْجِزْيَةِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لِأَمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَصَوْنِهِ، وَأَمَّا الصُّلْحِيَّةُ، وَهِيَ مَا الْتَزَمَ الْكَافِرَ الَّذِي مَنَعَ نَفْسَهُ أَدَاءَهُ عَلَى إبْقَائِهِ بِبَلَدِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ فَتُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَلَوْ بَعُدَتْ أَمَاكِنُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَالَحُونَا عَلَى الْبَقَاءِ فِيهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ جَوَازِ أَخْذٍ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بِشَرْطِهِ جَوَازُ الْمُهَادَنَةِ، وَيُقَالُ لَهَا الْمُسَالَمَةُ وَالْمُتَارَكَةُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً بِالْأَوْلَى، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا مِنْ الْإِمَامِ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ عَجْزٌ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَأَنْ يُخْلُوا عَقْدَهَا عَنْ ارْتِكَابِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ، كَشَرْطِهِمْ بَقَاءَ أَسِيرٍ مُسْلِمٍ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، أَوْ قَرْيَةً لِلْمُسْلِمِينَ تَبْقَى تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، إلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَوْفُ مِنْهُمْ فَيَجُوزُ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ يُهَاجِرُ مِنْهَا إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ؟ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَإِنْ كَانُوا حَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الِارْتِحَالُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ يَكُونُوا عَاصِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِسْلَامُهُمْ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ إنَّمَا كَانَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا يَتِمُّ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ حَتَّى يَرْتَحِلَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ قَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ.»
وَلَمَّا كَانَ لِلْجِهَادِ فَرَائِضُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَهِيَ طَاعَةُ الْإِمَامِ وَتَرْكُ الْغُلُولِ، وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ، وَأَنْ لَا يَفِرَّ أَحَدٌ مِنْ اثْنَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَالْفِرَارُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ الْهُرُوبُ (مِنْ الْعَدُوِّ) أَيْ الْكَافِرِ مَعْدُودٌ (مِنْ الْكَبَائِرِ) ؛ لِأَنَّ الذُّنُوبَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قِسْمَانِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الْمُوبِقَاتِ السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ السَّبْعَ» أَيْ الْمُهْلِكَاتِ وَشَرْطُ كَوْنِهِ مِنْ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ.
(إذَا كَانُوا) أَيْ الْكُفَّارُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ بِالْعَدُوِّ (مِثْلَ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلَّ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْحَرَامِ: وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66] ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ يَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنْ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: 65] الْآيَةَ.
ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: 66] الْآيَةَ.
فَتَكَرَّرَ فِيهِ النَّسْخُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُرَاعَى الْعَدَدُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَضْعَفَ قُوَّةً مِنْ الْكُفَّارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَظَاهِرِ الْآيَةِ، لَكِنْ يَنْبَغِي التَّقْيِيدُ بِمَا إذَا كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِلَاحٌ، وَكَانَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَبِأَنْ لَا يَتَّصِلَ مَدَدُ الْكُفَّارِ مَعَ انْقِطَاعِ مَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِأَنْ لَا تَخْتَلِفَ كَلِمَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ هَذَا جَازَ الْفِرَارُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ زَادُوا عَلَى مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ (فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) أَيْ يَجُوزُ الْفِرَارُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَلَغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُقَيَّدُ الْجَوَازُ بِأَنْ لَا يَبْلُغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِلَّا حَرُمَ الْفِرَارُ مُطْلَقًا، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ خَلِيلٍ: وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ، وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا إلَّا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَلَمْ يَبْلُغُوا رَاجِعٌ إلَى مَفْهُومِ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْعَارِفِ بِكَلَامِ خَلِيلٍ وَغَيْرِهِ، وَحُرْمَةُ الْفِرَارِ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مُقَيَّدَةٌ أَيْضًا بِالْقُيُودِ السَّابِقَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنَا لَك أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ نِصْفَ الْكُفَّارِ أَوْ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا الْعَدَدُ لَا الْقُوَّةُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْجُمْهُورِ، وَيَكْفِي بُلُوغُهُمْ هَذَا الْعَدَدَ، وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ أَوْ الْوَهْمِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ وَهَنِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ حُرْمَةُ الْفِرَارِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ عَدَدٍ.
الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَوْنُ الْجَمِيعِ مِمَّنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْجِهَادِ، بَلْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ عَبِيدٌ أَوْ صِبْيَانٌ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْجِهَادِ.
قَالَ جَمِيعَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
الثَّالِثُ: قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَيْضًا: وَهَذَا التَّفْصِيلُ جَارٍ فِي الْجِهَادِ، وَلَوْ كَانَ مَنْدُوبًا، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا سُدَّتْ
مِنْ الْأَعْلَاجِ.
وَلَا يُقْتَلُ أَحَدٌ بَعْدَ أَمَانٍ وَلَا يُخْفَرُ لَهُمْ بِعَهْدٍ وَلَا يُقْتَلُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَيُجْتَنَبُ قَتْلُ الرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ إلَّا أَنْ
[الفواكه الدواني]
ثُغُورُ الْمُسْلِمِينَ وَحُمِيَتْ أَطْرَافُهُمْ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إذَا حُمِيَتْ أَطْرَافُ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَسُدَّتْ ثُغُورُهُمْ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْ سَائِرِهِمْ، نَقَلَهُ الثُّنَائِيُّ، وَلَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الرَّابِعُ: حُكْمُ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ أَنَّهُ فِي حَالِ عَدَمِ جَوَازِهِ كَبِيرَةٌ تَجِبُ مِنْهُ التَّوْبَةُ فَوْرًا كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ، وَتَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ إلَّا بِتَكَرُّرِ جِهَادٍ مَعَ عَدَمِ فِرَارٍ، وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِقَوْلِهِ غَيْرَ مَنْقُولٍ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِكَلَامِ غَيْرِهِ لِحَمْلِ قَوْلِهِ: لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ عَلَى مَعْنَى لَا تَظْهَرُ بِحَيْثُ تُعْلَمُ تَوْبَتُهُ إلَّا بِتَكَرُّرِ جِهَادٍ مَعَ ثَبَاتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ابْنِ عَرَفَةَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ التَّقَوُّلُ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
الْخَامِسُ: إذَا وَقَعَ الْفِرَارُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ تَعَلَّقَ الْإِثْمُ بِالْجَمِيعِ إذَا وَقَعَ مِنْ جَمِيعِهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِلَّا اخْتَصَّتْ الْحُرْمَةُ بِمَنْ فَرَّ مَعَ بَقَاءِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ الْفِرَارُ لَا مَنْ فَرَّ بَعْدَ النَّقْصِ عَنْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهَا أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ بَيَانِ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ مَعَ كُلِّ) إمَامٍ (بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ الْوُلَاةِ) قَالَ خَلِيلٌ: الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ، وَالْبَارُّ هُوَ الْعَادِلُ وَالْفَاجِرُ هُوَ الْجَائِرُ الَّذِي لَا يَضَعُ الْخُمُسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَفِي بِعَهْدٍ؛ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، إعَانَتِهِمْ عَلَى جَوْرِهِمْ وَتَرْكِ الْغَزْوِ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ وَهْنًا لِلدِّينِ، وَالْوُلَاةُ جَمْعُ وَالٍ وَالْمُرَادُ بِهِ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْجِهَادِ مَعَ الْجَائِرِ خَبَرُ: «الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إلَى آخِرِ عِصَابَةٍ تُقَاتِلُ الدَّجَّالَ لَا يَنْقُضُهُ جَوْرُ مَنْ جَارَ وَلَا غَدْرُ مَنْ غَدَرَ» وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حِينَ أَدْرَكُوا مَا حَدَثَ مِنْ الظُّلْمِ: اُغْزُ مَعَهُمْ عَلَى حَظِّك مِنْ الْآخِرَةِ، وَلَا تَفْعَلْ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ فَسَادٍ وَخِيَانَةٍ وَغُلُولٍ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا لِلْجَائِرِ شُمُولُهُ لِمَنْ كَانَ جَوْرُهُ بِالْغَدْرِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، خِلَافًا لِمَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ مَعَ الْإِمَامِ الْغَادِرِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ وَاَلَّذِي لَا يَعْدِلُ فِي الْخُمُسِ، وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجِهَادِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ كِفَايَةً، وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَدْبِهِ بَعْدَ حِمَايَةِ أَطْرَافِ الْبِلَادِ وَسَدِّ الثُّغُورِ فَلَا وَجْهَ لِلْقِتَالِ مَعَ الْجَائِرِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ، وَمَنْ مَعَهُ قِتَالُ مَنْ أَبَى الْإِسْلَامَ وَالْجِزْيَةَ، وَكَانَ مِنْ الْكُفَّارِ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ، شَرَعَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مَنْ أُسِرَ) أَيْ أُخِذَ وَصَارَ فِي أَيْدِينَا (مِنْ الْأَعْلَاجِ) جَمْعُ عِلْجٍ، وَهُوَ الرَّجُلُ الْأَعْجَمِيُّ الْكَافِرُ، وَمَحَلُّ جَوَازِ قَتْلِهِ إذَا كَانَ فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِنْ أَسَرُوا عَجَمًا أَوْ عَرَبًا فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالْمُفَادَاةِ وَالْمَنِّ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ قَبْلَ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْظُرُ لِلْهَوَى، فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالنِّكَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُ، وَلَهُ قِيمَةٌ اُسْتُرِقَّ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَبِلَ فِيهِ الْفِدَاءَ إنْ بَذَلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، وَلَا فِيهِ قُدْرَةٌ عَلَى أَدَاءِ جِزْيَةٍ كَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي أَعْتَقَهُ حَيْثُ لَا رَأْيَ، وَلَا تَدْبِيرَ، وَاَلَّذِي يُقْتَلُ يُحْسَبُ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِمِلْكِهَا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ، وَاَلَّذِي يُمَنُّ عَلَيْهِ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُحْسَبُ مِنْ الْخُمُسِ، وَكَذَا مَا فُدِيَ، وَكَانَ فِدَاؤُهُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِي كَانُوا عِنْدَهُمْ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَمَنْ يُمَنُّ عَلَيْهِ أَوْ يُفْدَى أَوْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِ الْغَنِيمَةِ بِمُجَرَّدِ أَخْذِهَا، وَالْقَتْلُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالِاسْتِرْقَاقُ رَاجِعٌ إلَى جُمْلَةِ الْغَانِمِينَ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الَّذِي يُمَنُّ عَلَيْهِ أَوْ يُفْدَى أَوْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ تُجْعَلُ قِيمَتُهُ فِيمَا يُخَمَّسُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَلَكِنَّهَا تُحْسَبُ مِنْ الْخُمُسِ الَّذِي لِآلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ، وَخَالَفَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: الَّذِي يُمَنُّ عَلَيْهِ، وَمَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لَا تُجْعَلُ قِيمَتُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْخُمُسِ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ الْمَأْخُوذُ فَيُجْعَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَالنَّظَرُ بَيْنَ الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ.
وَأَمَّا الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ فَلَيْسَ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْمُفَادَاةُ، وَلَا فَرْقَ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُقْتَلَ أَحَدٌ) مِنْ الْكُفَّارِ (بَعْدَ أَمَانٍ) مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ بَعْدَ الْأَمَانِ خِيَانَةٌ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» .
(وَ) كَذَا (لَا يُخْفَرُ) أَيْ لَا يُتْرَكُ (لَهُمْ) أَيْ الْعَدُوِّ الْوَفَاءُ (بِعَهْدٍ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَدُوَّ إذَا أُعْطُوا أَسِيرًا عَهْدًا عَلَى أَنْ لَا يَخُونَ، وَلَا يَهْرَبَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُ عَهْدِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ خِيَانَةُ أَسِيرٍ اُؤْتُمِنَ طَائِعًا، وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْهُرُوبُ، وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، وَسَوَاءٌ حَلَفَ لَهُمْ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُؤْتَمَنْ فَلَهُ الْخِيَانَةُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ أُمِنَ مُكْرَهًا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاهَدَةِ بِأَنْ أَعْطَاهُمْ عَهْدًا كَقَوْلِهِ لَهُمْ: لَكُمْ عَلَيَّ عَهْدٌ أَنْ لَا أَخُونَ أَوْ لَا أَهْرُبَ، أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاهَدَةِ بِأَنْ قَالُوا لَهُ: أَمَّنَّاك
يُقَاتِلُوا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُقْتَلُ إذَا قَاتَلَتْ.
وَيَجُوزُ أَمَانُ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ إذَا عَقَلَ الْأَمَانَ
[الفواكه الدواني]
عَلَى كَذَا.
(تَنْبِيهٌ) يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ اقْتَرَضَ الْأَسِيرُ مِنْ بَعْضِ الْحَرْبِيِّينَ مَالًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ لَهُ عَلَى الِاقْتِرَاضِ لِيَدْفَعَهُ فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ فَيُقْرِضُهُ الْحَرْبِيُّ عَلَى شَرْطِ الْإِتْيَانِ بِضَامِنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ فَيَفْعَلُ، فَهَلْ لِلضَّامِنِ الطَّلَبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ بِمَا ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ ائْتَمَنَهُ عَلَى مَا أَقْرَضَهُ لَهُ طَائِعًا أَمْ لَا؟ اسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ لَهُ الطَّلَبَ عَلَى الْمُقْتَرِضِ، وَأَفْتَى بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا اقْتَرَضَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ مَعْصُومٍ، وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَى فَتْوَى بَعْضِ الشُّيُوخِ لَيْسَ لِلضَّامِنِ طَلَبٌ عَلَى الْمُقْتَرِضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا أَطْلَقَهُ الْعَدُوُّ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِفِدَائِهِ فَلَهُ بَعْثُ الْمَالِ دُونَ رُجُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِدَاءً فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَأَمَّا لَوْ عُوهِدَ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ بِالْمَالِ فَعَجَزَ عَنْهُ فَلْيَجْتَهِدْ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا يَرْجِعْ، وَقَالَ أَصْبَغُ: وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ يَجُوزُ قِتَالُهُ وَقَتْلُهُ، وَكَانَ الشَّارِعُ اسْتَثْنَى أَفْرَادًا لَا يَجُوزُ قَتْلُهَا أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُقْتَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) اللَّذَانِ لَمْ يُقَاتِلَا؛ لِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ» ، وَكَذَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمَا جِزْيَةٌ، وَيُخَيَّرُ فِيهِمَا الْإِمَامُ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ، وَسَيَأْتِي مُحْتَرِزُ قَوْلِنَا اللَّذَانِ لَمْ يُقَاتِلَا.
(وَ) كَذَا يَجِبُ أَنْ (يُجْتَنَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (قَتْلُ الرُّهْبَانِ) بِالْأَدْيِرَةِ أَوْ الصَّوَامِعِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ، وَلَا تَدْبِيرٌ، بِخِلَافِ رُهْبَانِ الْكَنَائِسِ قَتْلُهُمْ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ لِمُخَالَطَتِهِمْ أَهْلِ دِينِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ، وَلَا تَدْبِيرٌ، وَإِنَّمَا لَمْ تُقْتَلْ الرُّهْبَانُ الْمَذْكُورَةُ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَهُمْ بِالْأَدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ أَلْحَقَهُمْ بِالنِّسَاءِ، أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُمْ رَأْيٌ أَوْ تَدْبِيرٌ لَجَازَ قَتْلُهُمْ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ قَتْلُ (الْأَحْبَارِ) جَمْعُ حِبْرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ، وَهُمْ عُلَمَاءُ الْكُفَّارِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأُجَرَاءُ جَمْعُ أَجِيرٍ أَيْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، فَفِي الشَّيْخِ زَرُّوقٍ الْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الْفَلَّاحِ وَالْأَجِيرِ وَالصَّانِعِ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَقَدَرَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَعِنْدَ سَحْنُونٍ يُقْتَلُونَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ إذْ لَمْ يَسْتَثْنِهِمْ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَيَدُلُّهُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِمْ أَيْضًا مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْأَجِيرِ وَيُقْتَلُ هُوَ وَغَيْرُهُ) وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَأَكْثَرُ النُّسَخِ إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَقَدْ قَالَ إلَخْ، وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ قَتْلِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ وَالْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ.
(إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) ، وَإِلَّا جَازَ قَتْلُهُمْ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا.
(وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ) يَجُوزُ أَنْ (تُقْتَلَ إذَا قَاتَلَتْ) عَلَى تَفْصِيلٍ مُحَصَّلُهُ: إنْ قَتَلَتْ أَحَدًا قُتِلَتْ، وَإِنْ بَعْدَ أَسْرِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا فَإِنْ قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ كَالرِّجَالِ قُتِلَتْ أَيْضًا، وَلَوْ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَإِنْ قَاتَلَتْ بِالْحِجَارَةِ لَمْ تُقْتَلْ، وَإِنْ أُخِذَتْ فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الصَّبِيِّ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى مَا يَحِلُّ قَتْلُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ بِقَوْلِهِ: إلَّا الْمَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ كَشَيْخٍ فَانٍ وَزَمِنٍ وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ، وَتَرَكَ لَهُمْ الْكِفَايَةَ فَقَطْ وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلَهُمْ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ أَيْ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ إلَّا التَّوْبَةُ، وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ سِوَى الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ بَعْدَ حَوْزِهِ فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ يَجْعَلُهَا الْإِمَامُ فِي الْغَنِيمَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ خُيِّرُوا فَقِيمَتُهُمْ، وَقَاتِلُ الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ لِأَهْلِ دِينِهِمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ مِنْ نَحْوِ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ وَشَيْخٍ فَانٍ أَوْ زَمِنٍ أَوْ أَعْمَى يَجُوزُ أَسْرُهُ وَيَرَى الْإِمَامُ فِيهِ رَأْيَهُ إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ فَإِنَّهُمَا حُرَّانِ لَا يُسْتَرَقَّانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْسَرَانِ.
الثَّانِي: مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ الرَّاهِبِ، وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ ذُكِرَ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ قُوتُهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاتُهُ بِمَا يَعِيشُ بِهِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا قَبْلَ الْحَوْزِ إلَّا التَّوْبَةُ وَبَعْدَهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ الْقِيمَةِ إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ فَيَلْزَمُهُ دِيَتُهُمَا تُدْفَعُ لِأَهْلِ دِينِهِمَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ الْأَمَانِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ وَرِقِّهِ، وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ مُدَّةً مَا بِقَوْلِهِ: (وَيَجُوزُ أَمَانٌ) أَيْ تَأْمِينُ (أَدْنَى) وَأَدْلَى أَشْرَفُ (الْمُسْلِمِينَ) بَعْضَ الْكُفَّارِ حَيْثُ كَانَ عَدْلًا عَارِفًا بِمَصْلَحَةِ الْأَمَانِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلَ شَهَادَةٍ بِأَنْ يَكُونَ خَسِيسًا لَا يُسْأَلُ عَنْهُ إنْ غَابَ، وَلَا يُشَاوَرُ إنْ حَضَرَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِأَدْنَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، وَفَائِدَةُ جَوَازِ الْأَمَانِ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْأَمَانِ حَتَّى (عَلَى يَقِينِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ الْحَرْبِيِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» فَأَمَانُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَعْضُ الْكُفَّارِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا جَعَلْنَا مَفْعُولَ الْمَصْدَرِ لَفْظَ بَعْضٍ الَّذِي هُوَ الْعَدَدُ الْمَحْصُورُ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ غَيْرَ الْمَحْصُورِ كَالْإِقْلِيمِ إنَّمَا يَقَعُ تَأْمِينُهُ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنْ أَمَّنَّهُ غَيْرُهُ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ، كَمَا يَنْظُرُ فِي التَّأْمِينِ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ أَوْ الْجَاهِلِ فَإِنْ رَآهُ صَوَابًا أَمْضَاهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ لِبَعْضِ الْحَرْبِيِّينَ لَا يَجُوزُ.
(وَ) كَمَا يَجُوزُ أَمَانُ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ (كَذَلِكَ) يَجُوزُ أَمَانُ (الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ) الْمُسْلِمَيْنِ (إذَا
وَقِيلَ إنْ أَجَازَ ذَلِكَ الْإِمَامُ جَازَ.
وَمَا غَنَمَ الْمُسْلِمُونَ بِإِيجَافٍ فَلْيَأْخُذْ الْإِمَامُ خُمُسَهُ وَيَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ.
وَقَسْمُ ذَلِكَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ أَوْلَى.
، وَإِنَّمَا يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَمَا غُنِمَ بِقِتَالٍ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ
[الفواكه الدواني]
عَقَلَ) كُلٌّ مَصْلَحَةَ (الْأَمَانِ) وَالْمُرَادُ بِعَقْلِهِ الْأَمَانَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنْ يَعْلَمَ ثُبُوتَهُ إنْ وَقَعَ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ يُثَابُ عَلَيْهِ إنْ وَفَّى بِهِ، وَإِنْ نَقَضَهُ يَأْثَمُ، وَقَوْلُنَا: كُلٌّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَيْدَ الْعَقْلِ بِمَصْلَحَةِ الْأَمَانِ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّبِيِّ، وَمَا صَدَرَ بِهِ مِنْ جَوَازِ أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ مَعَ عَقْلِهِمَا مَصْلَحَةَ الْأَمَانِ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْإِمَامِ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِهِ بِقَوْلِهِ: (قِيلَ) لَا يَجُوزُ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إذْنٍ بَلْ (إنْ أَجَازَ ذَلِكَ الْإِمَامُ جَازَ) أَيْ مَضَى، وَإِلَّا رُدَّ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَمَانَ إنْ وَقَعَ مِنْ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَارِفِ بِمَصْلَحَةِ الْأَمَانِ الْغَيْرِ الْخَائِفِ مِمَّنْ أَمَّنَّهُ يَكُونُ جَائِزًا مَاضِيًا اتِّفَاقًا، وَلَوْ وَقَعَ مِنْ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ حِينَ تَأْمِينِهِ حَيْثُ أَمَّنَ دُونَ الْإِقْلِيمِ، وَأَمَّا لَوْ أَمَّنَ الْبَالِغُ إقْلِيمًا لَنَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ.
وَأَمَّا إنْ وَقَعَ الْأَمَانُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ عَاقِلِي مَصْلَحَةِ الْأَمَانِ فَقِيلَ: يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَيَمْضِي وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ إمْضَاؤُهُ عَلَى إجَازَةِ الْإِمَامِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا الْمُسْلِمُ الْغَيْرُ الْخَائِفُ؛ لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ، وَمِثْلُهُ الْمُسْلِمُ الْخَائِفُ لَا يَمْضِي، وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الذِّمِّيِّ تُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ، وَأَمْرُ الْخَائِفِ ظَاهِرٌ.
الثَّانِي: ثَمَرَةُ الْأَمَانِ الْعَائِدَةُ عَلَى الْمُؤَمَّنِ حُرْمَةُ قَتْلِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ وَعَدَمِ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ إنْ وَقَعَ الْأَمَانُ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَتْلُ فَقَطْ وَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ فِي غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ صِيغَةَ التَّأْمِينِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يَقَعُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ الْإِشَارَةِ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ، وَأَحْرَى الْكِتَابَةُ، وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ الْمُؤَمَّنُ مِنْهُ الْأَمَانَ.
الرَّابِعُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِوُضُوحِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ حَتَّى الْقَبِيلَةَ وَالْإِقْلِيمَ، وَيَصِيرُ مَنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ فِي أَمَانٍ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ وَبِأَمَانِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَمِثْلُ الْإِمَامِ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ كَانَ فِي بَلَدِ السُّلْطَانِ الَّذِي أَمَّنَهُ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَمَالُهُ وَدَمُهُ مَعْصُومَانِ كَانَ تَأْمِينُهُ قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ رَدُّ مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا فِيهِ ضَرَرٌ فِي الْحَالِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْكُفَّارِ، وَهِيَ إمَّا فَيْءٌ، وَإِمَّا غَنِيمَةٌ، وَإِمَّا مُخْتَصٌّ، فَالْغَنِيمَةُ مَا أُخِذَ بِالْقِتَالِ، وَلِذَلِكَ تُخَمَّسُ، وَالْفَيْءُ مَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ بِأَنْ انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ، وَهَذَا لَا يُخَمَّسُ بَلْ يُوضَعُ جَمِيعُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمُخْتَصُّ كَالْمَالِ الَّذِي يَهْرَبُ بِهِ الْأَسِيرُ أَوْ التَّاجِرُ أَوْ الْمُتَلَصِّصُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ، وَإِلَّا فَلَهُ كَمُتَلَصِّصٍ: وَخُمِّسَ مُسْلِمٌ، وَلَوْ عَبْدًا عَلَى الْأَصَحِّ لَا ذِمِّيٌّ، وَابْتَدَأَ بِالْغَنِيمَةِ فَقَالَ: (وَمَا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ) مِنْ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ فَإِنْ كَانَ (بِإِيجَافٍ) أَيْ تَحْرِيكٍ وَتَعَبٍ فِي السَّيْرِ لِلْقِتَالِ (فَلْيَأْخُذْ الْإِمَامُ خُمُسَهُ) أَيْ جُزْءًا مِنْ خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] وَيَأْخُذُهُ الْإِمَامُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا يَأْخُذُ خُمُسَ نُدْرَةِ الْمَعْدِنِ، وَكَمَا يَأْخُذُ جَمِيعَ الْفَيْءِ وَالْجِزْيَةِ بِقِسْمَيْهَا وَعُشُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخَرَاجِ الْأَرْضِ، وَيَضَعُ كُلَّ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَصْرِفُهُ بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ مِنْهُ بِالدَّفْعِ لِآلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ، ثُمَّ بَعْدَ الدَّفْعِ لَهُمْ يَصْرِفُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِعُمُومِ النَّاسِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْغَزْوِ، وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَعَقْلِ الْجِرَاحِ، وَتَزْوِيجِ الْأَعْزَبِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: يَبْدَأُ مِنْهُ بِسَدِّ مَخَاوِفِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ الْمَالُ، وَإِصْلَاحِ حُصُونِ سَوَاحِلِهِ، وَيَشْتَرِي مِنْهُ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ إذَا كَانَتْ لَهُمْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَغُزَاةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ الْمَالُ وَعَامِلِيهِ وَفُقَهَائِهِ وَقُضَاتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أُعْطِيَ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ وَقَفَ شَيْءٌ وَقَفَ عُشْرَهُ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَقَعَ خِلَافٌ هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ الْخُمُسِ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَيْسَ لَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَبْدَأُ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِهِ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يَقْسِمَ) الْإِمَامُ بَاقِيَ مَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ (أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ) أَيْ الْمُجَاهِدِينَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَسَمَ الْأَرْبَعَةَ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ لِلْمُنَاشَبَةِ كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ أَيْ وَحَضَرَ الْقِتَالَ لَا ضِدَّهُمْ، فَلَا يُسْهَمُ لِعَبْدٍ، وَلَوْ قَاتَلَ، وَلَا لِغَيْرِ عَاقِلٍ إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي الْمَقْسُومِ فَقِيلَ الْأَثْمَانُ وَقِيلَ الْأَعْيَانُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ يَبِيعُ لِيَقْسِمَ قَوْلَانِ، وَعَلَى قَسْمِ الْأَعْيَانِ يُفْرِدُ كُلَّ صِنْفٍ فَيَقْسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ إنْ أَمْكَنَ شَرْعًا وَحِسًّا، فَالْإِمْكَانُ الشَّرْعِيُّ بِأَلَّا يُفَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، وَالْإِمْكَانُ الْحِسِّيُّ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ صِنْفٍ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، وَإِلَّا ضُمَّ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا تُبَاعُ الْأُمُّ مَعَ وَلَدِهَا إلَى مَالِكٍ وَاحِدٍ، وَيَقْسِمُ ثَمَنَهَا وَعِنْدَ الْقِسْمَةِ تُضْرَبُ الْقُرْعَةُ
يُؤْكَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الطَّعَامُ وَالْعَلَفُ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يُسْهَمُ لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ أَوْ تَخَلَّفَ عَنْ الْقِتَالِ فِي شُغْلِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْرِ جِهَادِهِمْ وَيُسْهَمُ لِلْمَرِيضِ وَلِلْفَرَسِ الرَّهِيصِ.
وَيُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَسَهْمٌ لِرَاكِبِهِ.
وَلَا يُسْهَمُ
[الفواكه الدواني]
وَيَكْتُبُ عَلَى سَهْمِ الْخُمُسِ: هَذَا لِلَّهِ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَقْسُومِ هَلْ الْأَثْمَانُ أَوْ الْأَعْيَانُ جَارٍ حَتَّى فِي الْخُمُسِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْمَحَلَّ الَّذِي يَطْلُبُ فِيهِ قَسْمَ الْغَنِيمَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقَسْمٌ) بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ مُبْتَدَأٌ (ذَلِكَ) أَيْ مَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقِتَالِ (بِبَلَدِ الْحَرْبِ أَوْلَى) خَبَرُ قَسْمٍ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ، وَمَعْنَى أَوْلَى أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقِيلَ سُنَّةٌ لِكَرَاهَةِ مَالِكٍ تَأْخِيرَهُ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا لِخَوْفٍ فَيُؤَخَّرُ، وَإِنَّمَا طُلِبَ الْقَسْمُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ لِفَوَائِدَ: مِنْهَا نِكَايَةُ الْعَدُوِّ، وَمِنْهَا تَطْيِيبُ قُلُوبِ الْمُجَاهِدِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهَا زِيَادَةُ الْحِفْظِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَمَيَّزَ نَصِيبُهُ يَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ يُشْتَرَطُ الْحَاكِمُ عِنْدَ الْقَسْمِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ نَصَّ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، إذْ لَوْ فَوَّضَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ النَّاسِ لَدَخَلَ الطَّمَعُ وَأَحَبَّ كُلٌّ لِنَفْسِهِ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ مَا يَطْلُبُهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُؤَدٍّ لِلْفِتَنِ كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى تَفْسِيرِ مَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ بِإِيجَافٍ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ) بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ (مَا أُوجِفَ) أَيْ حُمِلَ (عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ) أَيْ الْإِبِلِ (وَمَا غُنِمَ بِقِتَالٍ) أَيْ بِسَبَبِهِ هَذَا تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْ انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ فَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى بِالْفَيْءِ يُوضَعُ جَمِيعُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا يَهْرَبُ بِهِ الْأَسِيرُ أَوْ التَّاجِرُ أَوْ يَأْخُذُهُ الْمُتَلَصِّصُ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُخْتَصِّ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ حَائِزُهُ، وَلَا يُقْسَمُ، وَلَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَكِنَّ الْمُسْلِمَ يُخْرِجُ خُمُسَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِمَّا أُخِذَ بِسَبَبِ الْقِتَالِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْغَنِيمَةِ أَرْضُ الزِّرَاعَةِ الْمَفْتُوحُ بَلَدُهَا عَنْوَةً أَيْ بِالْقَهْرِ كَأَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ لِصَيْرُورَتِهَا وَقْفًا بِمُجَرَّدِ فَتْحِ بَلَدِهَا، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى صِيغَةِ وَقْفٍ، وَلَا إلَى رِضَا الْجَيْشِ، وَهَذَا كَالتَّخْصِيصِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: بِحُبِسَتْ وَوُقِفَتْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ.
فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ يُوضَعُ كُلٌّ مِنْهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَبَقِيَّةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمِثْلُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ دُورُ الْكُفَّارِ فَلَا يَجُوزُ قَسْمُهَا إلَّا أَنَّ الْأَرْضَ تُزْرَعُ وَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا، بِخِلَافِ دُورِهِمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ لَهَا كِرَاءٌ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدُّورِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ، وَأَمَّا لَوْ تَهَدَّمَ بِنَاؤُهُمْ وَجُدِّدَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا، وَحَيْثُ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُكْرَى دُورُ مَكَّةَ أَرَادَ مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ بَاقِيًا مِنْ بِنَائِهِمْ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي فَتْوَاهُ: وَقَيَّدْنَا بِأَرْضِ الزِّرَاعَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مَوَاتِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَلَا يَصِيرُ وَقْفًا، بَلْ كُلُّ مَنْ أَحْيَا مِنْهُ شَيْئًا يَمْلِكُهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ غَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَأَرَاضِيَ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَسَمَ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا خَيْبَرَ» ، وَأَيْضًا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ امْتَنَعُوا عَنْ قَسْمِهَا حِينَ سُئِلُوا فِي ذَلِكَ، فَلَوْ وَقَعَ أَنَّ الْإِمَامَ قَسَمَهَا لَا يَمْضِي قَسْمُهُ إلَّا أَنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى قَسْمَهَا.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِرَاكِ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْغَنِيمَةِ عَدَمُ جَوَازِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا لِبَعْضِهِمْ قَبْلَ قَسْمِهَا، وَلَوْ مُحْتَاجًا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يَجُوزُ (أَنْ يُؤْكَلَ) وَيُعْلَفَ (مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الطَّعَامُ وَالْعَلَفُ إنْ احْتَاجَ) مُرِيدُ الْأَكْلِ وَالْعَلَفِ (إلَى ذَلِكَ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا أَوْ حِزَامًا أَوْ إبْرَةً أَوْ طَعَامًا، وَإِنْ نَعَمًا عَلَفًا كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ، وَرَدَّ الْفَضْلَ إنْ كَثُرَ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْمُحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ بَلْ، وَلَوْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ إنْ احْتَاجَ أَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَمُطْلَقُ الْحَاجَةِ كَافٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الضَّرُورَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يُسْهَمُ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يُسْهَمُ لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ) مِنْ الذُّكُورِ وَالْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَسَمَ الْأَرْبَعَةَ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ حَاضِرٍ كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: أَيْ وَحَضَرَ الْقِتَالَ فَلَا يُسْهَمُ لِمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْمُنَاشَبَةِ لِلْقِتَالِ.
(أَوْ) لَمْ يَحْضُرْ الْقِتَالَ، وَلَكِنْ (تَخَلَّفَ عَنْ الْقِتَالِ فِي شُغْلِ الْمُسْلِمِينَ) الْكَائِنِ (مِنْ أَمْرِ جِهَادِهِمْ) كَكَشْفٍ عَنْ طَرِيقٍ أَوْ طَلَبِ جَمَاعَةٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ كَمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي عَدَمِ الْإِسْهَامِ كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ أَوْ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجَ وَأَشَلَّ، وَمُتَخَلِّفٍ لِحَاجَةٍ إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالْجَيْشِ وَضَالٍّ بِبَلَدِنَا، وَإِنْ بِرِيحٍ بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: إنَّ مَنْ ضَلَّ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ عَنْ الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِهِمْ إلَّا بَعْدَ حَوْزِ الْغَنِيمَةِ يُسْهَمُ لَهُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ تَاهَ وَضَلَّ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مَنْ رُدَّ لِبَلَدِنَا فَإِنْ كَانَ بِرِيحٍ أُسْهِمَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ رِيحٍ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أُسْهِمَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ.
(وَ) كَذَا (يُسْهَمُ لِلْمَرِيضِ) الَّذِي شَهِدَ الْقِتَالَ مَرِيضًا (وَ) كَذَا (الْفَرَسُ الرَّهِيصُ) يُسْهَمُ لَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يُسْهَمُ لَهُ: وَمَرِيضٌ شَهِدَ كَفَرَسٍ رَهِيصٍ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
لِعَبْدٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ وَلَا لِصَبِيٍّ إلَّا أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزُهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهَمُ لَهُ وَلَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ
[الفواكه الدواني]
كَخَلِيلٍ أَنَّ الْمَرِيضَ شَهِدَ الْقِتَالَ مِنْ أَوَّلِهِ مَرِيضًا وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ انْهَزَمَ الْعَدُوُّ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَلَعَلَّهُ الصَّوَابُ.
لِأَنَّ حُضُورَهُ الْقِتَالَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ صَيَّرَهُ كَالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقِتَالُ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الْحَطَّابُ حَمَلَ قَوْلَ خَلِيلٍ: وَمَرِيضٌ شَهِدَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ شَهِدَ أَوَّلَهُ صَحِيحًا ثُمَّ مَرِضَ وَاسْتَمَرَّ مَرِيضًا إلَى تَمَامِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ الرَّهِيصِ، وَهُوَ الَّذِي بِبَاطِنِ حَافِرِهِ وَقْرَةٌ مِنْ ضَرْبَةِ حَجَرٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ بِصِفَةِ الصَّحِيحِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الْمَرِيضُ الْقِتَالَ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ، وَإِلَّا أَسْهَمَ لَهُ، وَمِثْلُهُ الْمُقْعَدُ وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَجُ وَالْأَشَلُّ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُمْ حَيْثُ كَانُوا مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْمَرِيضِ الَّذِي شَهِدَ الْقِتَالَ جَمِيعَهُ مَرِيضًا تَبَعًا لِخَلِيلٍ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي الْإِسْهَامِ لَوْ خَرَجَ الشَّخْصُ صَحِيحًا، وَمَرِضَ بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ مَرِضَ وَانْقَطَعَ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ خَرَجَ صَحِيحًا، وَمَرِضَ قَبْلَ دُخُولِ أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ بَعْدَ دُخُولِ أَرْضِ الْعَدُوِّ وَقَبْلَ ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ، وَلَوْ بِيَسِيرٍ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ مَرِيضًا وَاسْتَمَرَّ مَرِيضًا حَاضِرًا حَتَّى انْقَضَى الْقِتَالُ فَعَلَى كَلَامِ الْحَطَّابِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ شُرَّاحِهِ فَيُسْهَمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَيَجْرِي فِي مَرَضِ الْفَرَسِ مَا يَجْرِي فِي مَرَضِ الْآدَمِيِّ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ جَمِيعَهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ يُسْهَمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ وَالْمُصَنِّفِ أَيْضًا، وَبَيَّنَ مَنْ فِيهِ الْقَوْلَانِ أَنَّ الْأَوَّلَ شَهِدَ الْقِتَالَ، وَاَلَّذِي فِيهِ الْقَوْلَانِ لَمْ يَشْهَدْ جَمِيعَهُ بَلْ انْقَطَعَ عَنْهُ فِي الْأَثْنَاءِ، وَبِهَذَا عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمُجَاهِدَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ الْمَرَضُ إنْ اسْتَمَرَّ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ حَتَّى انْقَضَى الْقِتَالُ يُسْهَمُ لَهُ، وَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ مَرِيضًا ثُمَّ صَحَّ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا يُسْهَمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَلَعَلَّ عَدَمَ كَلَامِهِمَا عَلَيْهِ لِظُهُورِ أَمْرِهِ فَافْهَمْ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ قَدْرِ سَهْمِ الْفَرَسِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَ) يُسْهَمُ (سَهْمٌ لِرَاكِبِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ، وَإِنْ بِسَفِينَةٍ أَوْ بِرْذَوْنًا، وَهَجِينًا وَصَغِيرًا يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ لِعِظَمِ مُؤْنَتِهِ، وَإِمَّا لِقُوَّةِ الْمَنْفَعَةِ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ، وَلَوْ كَانَ الْفَرَسُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ، حَيْثُ كَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ غَيْرَ الْإِمَامِ الْأَكْبَرِ فَلَا يُسْهَمُ لِفَرَسِهِ، كَمَا لَا يُسْهَمُ لَهُ فِي الَّذِي يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ، وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» . وَأَمَّا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَيَتْبَعُهُ سَائِرُ السَّلَاطِينِ فَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْ الْخُمُسِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ، وَلَوْ جَمِيعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ الْإِسْهَامِ لِلْفَرَسِ، وَلَوْ كَانَ بِسَيْفِهِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِرَاكِبِهِ غَيْرُ قَيْدٍ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِرَاكِبِهِ مَنْ أَعَدَّهُ لِرُكُوبِهِ إنْ خَرَجَ إلَى الْبَرِّ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، وَيُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِ الْفَرَسِ أَنَّ نَحْوَ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ لَا يُسْهَمُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَاهِدُ يَرْكَبُهُ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ أَنَّ الْعَجُوزَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَرِّ لَا يُسْهَمُ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَبَغْلٌ وَبَعِيرٌ أَوْ أَتَانٌ.
الثَّانِي: إنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لِرَاكِبِهِ، وَلَمْ يَقُلْ لِمَالِكِهِ لِيَشْمَلَ الْمَالِكَ لِذَاتِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ أَوْ غَاصِبِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أُجْرَتُهُ لِلْجَيْشِ فِي الْأُولَى، وَلِرَبِّهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَامِلٌ لِمَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ خَيْلِ الْعَدُوِّ وَقَبْلَ الْقِتَالِ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَغْصُوبًا أَوْ هَارِبًا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْجَيْشِ لَكَانَ سَهْمَاهُ لِرَبِّهِ لَا لِلْمُقَاتِلِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَ رَبِّهِ غَيْرُهُ، وَإِلَّا كَانَ الْمَفْرُوضُ لِلْفَرَسِ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ لِرَبِّهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ السَّهْمَانِ لِرَبِّهِ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلَى رَبِّهِ أُجْرَةً لِلرَّاكِبِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَأَمَّا لِلْفَرَسِ الْمُعَارِ لِلْجِهَادِ عَلَيْهِ فَقِيلَ سَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِلِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لِلْمُغِيرِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ يُسْهَمُ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ عَلَى عُمُومِهِ بَيَّنَ هُنَا مَنْ يُسْهَمُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُسْهَمُ لِعَبْدٍ، وَلَا لِامْرَأَةٍ) ، وَلَوْ قَاتَلَا عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَّهُ لَمْ يُسْهِمْ لِعَبْدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ» . (وَلَا) يُسْهَمُ أَيْضًا (لِصَبِيٍّ إلَّا أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ) ، وَهُوَ عُرْفًا (الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهَمُ لَهُ) عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُعْرَضُ عَلَيْهِ غِلْمَانُ الْأَنْصَارِ فَيُلْحِقُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ فَعُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامًا فَأَلْحَقَ غُلَامًا وَرَدَّنِي فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْحَقْتَهُ وَرَدَدْتَنِي، وَلَوْ صَارَعَنِي صَرَعْتُهُ.
قَالَ: فَصَارَعَنِي فَصَرَعْتُهُ فَأَلْحَقَنِي» وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْإِسْهَامِ لِلصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَرْجَحِيَّةَ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ التَّتَّائِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُسْهَمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ،
إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ.
وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَدُوِّ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ
وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْهَا مِنْ مَالِ
[الفواكه الدواني]
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَلَمَّا اخْتَلَفَ التَّشْهِيرُ قَالَ خَلِيلٌ خِلَافٌ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْمُحَقَّقِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَسَكَتَ عَنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ إذْ قَاتَلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ الثَّمَانِيَ عَشْرَةَ، وَقَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ، وَفِيهِ خِلَافٌ.
فَقِيلَ: لَهُ رُبُعُ سَهْمِ الذَّكَرِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ نِصْفُ سَهْمِ الذَّكَرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ إنْ قُدِّرَ أُنْثَى لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ قُدِّرَ ذَكَرًا فَلَهُ سَهْمٌ، فَيَسْتَحِقُّ نِصْفَ نَصِيبِهِ كَالْمِيرَاثِ إذَا كَانَ يَرِثُ بِتَقْدِيرٍ دُونَ آخَرَ.
(وَ) كَذَا (لَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ) ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ لِجَمِيعِ الْمُجَاهِدِينَ (إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ) ، وَمِثْلُهُ التَّاجِرُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ: كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ؛ لِأَنَّهُمَا كَثَّرَا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَخَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ بِشَرْطِ حُضُورِهِمَا الْقِتَالَ لِاشْتِرَاطِ الْحُضُورِ فِي حَقِّ مَنْ خَرَجَ ابْتِدَاءً لِلْجِهَادِ فَأَوْلَى هُمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ نِيَّةِ الْغَزْوِ تَابِعَةً أَوْ مُتَنَوِّعَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ التِّجَارَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْجَيْشِ أَمْ لَا، وَالسَّهْمُ لِلْأَجِيرِ لَا لِمُسْتَأْجِرِهِ، لَكِنْ قَالَ سَحْنُونٌ: يَبْطُلُ مِنْ أُجْرَتِهِ بِقَدْرِ مَا عَطَّلَ قَالَهُ التَّتَّائِيُّ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ إلَّا لِلذُّكُورِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ أَوْ الصِّبْيَانِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، الْمُسْلِمِينَ الْحَاضِرِينَ لِلْقِتَالِ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَالْمُتَخَلِّفِ لِحَاجَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْجَيْشِ، وَكَالضَّالِّ مُطْلَقًا أَوْ الْمَرْدُودِ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِالرِّيحِ أَوْ لِغَيْرِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ كَانَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ بِلَادِ الْعَدُوِّ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ وَقَدَّمْنَاهُ أَيْضًا، وَكُلُّ مَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ لَا يُرْضَخُ لَهُ، وَالرَّضْخُ شَرْعًا مَالٌ يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ الْخُمُسِ كَالنَّفَلِ مَصْرُوفٌ قَدْرُهُ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ صَرِيحُهُ وَقَوْلُ خَلِيلٍ أَيْضًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ لِمَنْ قَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ كَوْنُ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِهِ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ التَّتَّائِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ إلَّا لِمَنْ اشْتَمَلَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْصَافٍ، وَهِيَ: الذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ الْعَقْلِ وَحُضُورِ الْقِتَالِ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِ وَأَنْ يَخْرُجَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ مُسْتَطِيعًا، فَلَا يُسْهَمُ لِامْرَأَةٍ، وَلَا عَبْدٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا لِمَنْ خَرَجَ تَاجِرًا، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ، وَلَوْ قَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَتَى قَاتَلَ الْأَجِيرُ أُسْهِمَ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْجِهَادَ حِينَ خُرُوجِهِ، وَمِثْلُهُ التَّاجِرُ، وَمَنْ خَرَجَ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ وَقَاتَلَ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَمْوَالِ الْكُفَّارِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ قَسْمِ مَا أُخِذَ غَنِيمَةً، وَمَا أُخِذَ لَا بِالْقِتَالِ يَكُونُ فَيْئًا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمَا أَخَذَهُ اللِّصُّ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْدَ تَخْمِيسِهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ يَدَا الْكَافِرِ مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ وَيُسْلِمُ، وَهُوَ بِيَدِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَدُوِّ) الْحَرْبِيِّ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَوْلِيًا (عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ) أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ (فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ) إنْ كَانَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ يَمْلِكُهُ بِالْأَمَانِ، بِأَنْ كَانَ أَخَذَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَا مَا أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الدُّخُولِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ سَرِقَةً يُنْزَعُ مِنْهُمْ قَهْرًا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَعُودُوا إلَيْنَا بِهِ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: سَوَاءٌ قَدِمَ بِهَا أَوْ أَقَامَ بِبَلَدِهِ، وَمِثْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمُ فِي عَدَمِ مِلْكِهِ اللُّقَطَةِ وَالْحَبْسِ حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّهُ حَبْسٌ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ تَحْبِيسُهُ لِمُسْلِمٍ لَا يَبْطُلُ تَحْبِيسُهُ بِغُنْمِ الْكُفَّارِ لَهُ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَإِنَّمَا مَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ تَأْلِيفًا لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ خَلِيلٍ: غَيْرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ حَقٌّ عَلَيْنَا لَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ بِالْأَمَانِ بِأَنْ أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْأَمَانِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِإِسْلَامِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنْهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى كُفْرِهِ.
وَأَوْلَى لَوْ أَسْلَمَ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْإِسْلَامِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا يَمْلِكُهُ بِالْأَمَانِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخَذَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ لَهُ يَتَحَقَّقُ مِلْكُهُ لَهُ بِأَمَانِهِ، وَأَوْلَى بِإِسْلَامِهِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ بَعْدَ الْأَمَانِ الْتَزَمَ شَرْعَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرْعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَخْذُ مَالِ الْمُسْلِمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يَدْخُلُ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مَنَافِعُ الرَّقِيقِ الَّذِي فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ وَالْمُكَاتَبِ، لَكِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ قَوِيَ شَبَهُهَا بِالْحُرَّةِ فَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْدِيَهَا مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهَا عَلَى أَنَّهَا قِنٌّ وَيَغْرَمُهَا سَيِّدُهَا حَالًّا مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِلَّا اتَّبَعَتْ ذِمَّتَهُ إلَّا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا، وَالْمُدَبَّرُ يَخْدُمُ مَنْ أَسْلَمَ، وَهُوَ بِيَدِهِ أَوْ يُؤَجِّرُهُ مُدَّةَ حَيَاةِ السَّيِّدِ الَّذِي دَبَّرَهُ، فَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهُ عَتَقَ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَمَا رُقَّ يَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ أَسْلَمَ، وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ يَخْدُمُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ وَيَخْرُجُ حُرًّا بَعْدَ ذَلِكَ قَهْرًا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ، وَالْمُكَاتَبُ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عِنْدَهُ وَيَخْرُجُ حُرًّا، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لِمَنْ أَسْلَمَ وَوَلَّاهُ الَّذِي يَخْرُجُ حُرًّا مِمَّنْ ذُكِرَ لِمَنْ عَقَدَ فِيهِ الْحُرِّيَّةَ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ أَسْلَمَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ، وَلَوْ بَقِيَ عَلَى دِينِهِ وَدَخَلَ
الْعَدُوِّ لَمْ يَأْخُذْهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ.
وَمَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ مِنْهَا فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ، وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي الْمَقَاسِمِ فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا
[الفواكه الدواني]
عِنْدَنَا بِأَمَانٍ وَبِيَدِهِ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَنِيمَةٌ لَهُ يَمْلِكُهُ بِالْأَمَانِ، مِثَالُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَخَذَهُ مِنَّا فِي الْإِسْلَامِ أَوْ بِلَادِ الْكُفْرِ، وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ سَرِقَةٌ، وَلَا وُصُولَ لِرَبِّهِ إلَيْهِ إلَّا بِالثَّمَنِ بَعْدَ رِضَا الْحَرْبِيِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ شِرَاؤُهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الدَّاخِلِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ إلَيْنَا بِأَمَانِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بَلْ يُنْزَعُ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ بِهِ أَمْ لَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ إذَا أَسْلَمَ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلَا مَفْهُومَ لِعِيدَ.
الثَّالِثُ: مَفْهُومُ أَمْوَالٍ أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُهَا بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَبِيَدِهِ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَلَا يُنْزَعُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا أَحْرَارَ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُمْ يُنْزَعُونَ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمِيعُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبِهِ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى إقَامَةِ شَرْعِنَا، وَشَرْعُنَا لَا يَقْضِي بِتَمَلُّكِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَا يُنْزَعُونَ مِنْ الدَّاخِلِ بِالْأَمَانِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا أَحْرَارَ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ،؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ قَدِمُوا بِأَمَانٍ وَيُنْزَعُونَ مِمَّا أَسْلَمَ اتِّفَاقًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ الْعَكْسَ أَوْ النَّزْعَ فِي الْجَمِيعِ؟ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ الْتَزَمَ اتِّبَاعَ شَرْعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُبْقُوا بِيَدِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الدَّاخِلُ بِأَمَانٍ الْتَزَمَ اتِّبَاعَ شَرْعِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الدَّاخِلَ بِالْأَمَانِ يُطْلَبُ تَرْغِيبُهُ فِي الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ اسْتِحْقَاقِهِ مَالَ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا قَهْرًا لَا مَا أَخَذَهُ بَعْدَ الْأَمَانِ.
الرَّابِعُ: مِثْلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ مَنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ هُوَ دُونَ أَوْ اُشْتُرِيَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ.
وَلَمَّا كَانَتْ دَارُ الْحَرْبِ تُمْلَكُ قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ (مِنْ الْعَدُوِّ) بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ قَدِمَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا اشْتَرَاهُ (لَمْ يَأْخُذْهُ رَبُّهُ) مِنْ مُشْتَرِيهِ (إلَّا بِالثَّمَنِ) الَّذِي بَذَلَهُ الْمُشْتَرِي لِلْحَرْبِيِّ إنْ كَانَ يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ، لَا إنْ اشْتَرَاهُ بِنَحْوِ خَمْرٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ رَبُّهُ مَجَّانًا.
(تَنْبِيهَاتٌ) . الْأَوَّلُ: أَجْمَلَ فِي قَوْلِهِ بِالثَّمَنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمِثْلُ إنْ كَانَ عَيْنًا، وَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا فَبِقِيمَتِهِ بِمَوْضِعِ أَخْذِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ أَعْطَاهُ الْمِثْلَ هُنَاكَ، وَإِلَّا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ بِمَوْضِعِ افْتِكَاكِهِ لِتَعَذُّرِ الْمِثْلِ، وَيَصْدُقُ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ إنْ أَشْبَهَ وَيَأْخُذُهُ، وَلَوْ جَبْرًا عَلَى الْمُشْتَرِي كَالْمَأْخُوذِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُقَاسِمِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ اشْتَرَى أَنَّ مَنْ وَهَبَهُ الْحَرْبِيُّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الذِّمِّيِّينَ لَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ إنْ كَانَتْ لِلثَّوَابِ فَكَالْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَيَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ مَجَّانًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَرَاهِمَ مَجَّانًا، وَبِعِوَضٍ بِهِ إنْ لَمْ يُبَعْ فَيَمْضِي، وَلِمَالِكِهِ الثَّمَنُ أَوْ الزَّائِدُ.
الثَّالِثُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا الشِّرَاءَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الشِّرَاءِ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ وُقُوعِ الشِّرَاءِ قَبْلَ إعْطَائِهِ الْأَمَانِ، فَيَكُونُ كَالْبَيْعِ الْوَاقِعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا وُصُولَ لِرَبِّهِ إلَيْهِ إلَّا بِالثَّمَنِ فَيَأْخُذُهُ، وَلَوْ جَبْرًا عَلَى مُشْتَرِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ إعْطَائِهِ الْأَمَانَ فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَى رَبِّهَا، وَلَا وُصُولَ لَهُ إلَيْهَا إلَّا بِالشِّرَاءِ بَعْدَ رِضَا الْمُشْتَرِي لَهَا، إذْ لَا جَبْرَ لَهُ إلَّا فِي الْمُشْتَرِي بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ إعْطَائِهِ الْأَمَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتَرَاهُ سِلْعَةً وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا.
الرَّابِعُ: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: مِنْ الْعَدُوِّ الْحَرْبِيِّ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ أَيْدِي اللُّصُوصِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِ بَائِعِهِ فَلَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، بَلْ يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ مَجَّانًا وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا اشْتَرَاهُ لِيَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ شِرَاؤُهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْأَحْسَنُ فِي الْمُفْدَى مِنْ لِصٍّ أَخَذَهُ بِالْفِدَاءِ حَيْثُ فَدَاهُ؛ لِيَرُدَّهُ إلَى رَبِّهِ لَا عَلَى نِيَّةِ تَمَلُّكِهِ، وَأَنْ لَا يُمْكِنَ أَخْذُهُ إلَّا بِالْفِدَاءِ لِكَوْنِ اللِّصِّ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، وَأَنْ لَا يُمْكِنَ فِدَاؤُهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْخَلَاصُ لَا الزَّائِدُ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْسَنِ الْأَرْجَحُ لَا الْمَنْدُوبُ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُوجَدُ فِي يَدِ مُشْتَرِيهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا يُوجَدُ مِنْهَا فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: (وَمَا وَقَعَ) أَوْ وُجِدَ (فِي الْمَقَاسِمِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْدَ قَسْمِ أَعْيَانِهَا أَوْ أَثْمَانِهَا جَهْلًا بِحَالِهَا.
(فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ) أَوْ بِمَا قُوِّمَ بِهِ عِنْدَ الْقَسْمِ، وَفُهِمَ مِنْ كَوْنِ رَبِّهِ أَحَقُّ بِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ، وَلَوْ بِالْقَهْرِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَقَوْلُنَا جَهْلًا بِحَالِهِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ قُسِمَ مَعَ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْضِي قَسْمُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَجَّانًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَسَمَهُ مُتَأَوِّلًا أَيْ مُقَلِّدًا قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ دَارَ الْحَرْبِ تَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ أَوْ إسْلَامِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ فَلَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ.
(وَ) مَفْهُومُ وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَنَّ (مَا لَمْ يَقَعْ فِي الْمَقَاسِمِ) بِأَنْ عُرِفَ مَالِكُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ.
(فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا
ثَمَنٍ.
وَلَا نَفَلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ عَلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ.
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَسْمِ.
وَالسَّلَبُ مِنْ النَّفَلِ.
وَالرِّبَاطُ فِيهِ فَضْلٌ
[الفواكه الدواني]
ثَمَنٍ) إنْ كَانَ حَاضِرًا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ غَائِبًا فَيُحْمَلُ لَهُ إنْ كَانَ الْحَمْلُ خَيْرًا لَهُ، وَإِلَّا بِيعَ وَحُمِلَ لَهُ ثَمَنُهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَأَخْذُ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عُرِفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا وَحَلَفَ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَحُمِلَ لَهُ إنْ كَانَ خَبَرًا، وَإِلَّا بِيعَ، وَلَمْ يَمْضِ قَسْمُهُ إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُعْطِي لِرَبِّهِ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ، وَلَا وَهَبَهُ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ إلَى الْآنِ، فَهُوَ كَالِاسْتِحْقَاقِ فِي حَلِفِهِ مَعَ بَيِّنَتِهِ، وَالْمُسْلِمُ كَالذِّمِّيِّ وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَعْبِيرِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالثُّبُوتِ الْمُوهِمِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا عُرِفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ، وَلَكِنْ لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ يَمْضِي قَسْمُهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: أَنْ تُعْرَفَ عَيْنُ الْمَالِكِ قَبْلَ الْقَسْمِ وَيَحْضُرُ فَيَأْخُذُهُ مَجَّانًا، وَإِنْ غَابَ يُحْمَلُ لَهُ إنْ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِلَّا بِيعَ لَهُ.
الثَّانِيَةَ: أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَلَمْ تُعْرَفْ عَيْنُ الْمَالِكِ فَهَذَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَيَمْضِي قَسْمُهُ.
الثَّالِثَةَ: أَنْ لَا يُعْرَفَ الْمَالِكُ إلَّا بَعْدَ الْقَسْمِ، وَهَذَا يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ بِالثَّمَنِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ
وَلَمَّا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ بَعْضَ الْمُجَاهِدِينَ بَيَّنَ مَا مِنْهُ النَّفَلُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا نَفَلَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَوْ تَسْكِينِهَا أَيْ لَا زِيَادَةَ هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً، وَأَمَّا اصْطِلَاحًا فَهُوَ مَالٌ مَوْكُولٌ عِلْمُ قَدْرِهِ إلَى الْإِمَامِ.
(إلَّا مِنْ الْخُمُسِ) لَا فِي أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَقَدْرُهُ (عَلَى) قَدْرِ (الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ) زِيَادَةً عَلَى سَهْمِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ كَقُوَّةِ بَطْشِ الْآخِذِ وَشَجَاعَتِهِ، أَوْ يَرَى ضَعْفًا مِنْ الْجَيْشِ فَيُرَغِّبُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِيمَا يَقْتَضِي التَّنْفِيلَ جَازَ تَنْفِيلُهُمْ جَمِيعًا، وَالْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ:، وَلَا نَفَلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّنْفِيلُ مِنْ نَحْوِ الْجِزْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْحَصْرَ إضَافِيٌّ أَيْ لَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ الْبَاقِيَةِ لِلْمُجَاهِدِينَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ النَّفَلُ مِمَّا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمُنَفَّلِ كَالْفَرَسِ وَالثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ وَالسَّيْفِ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ فِي النُّفُوسِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَلُ مِنْ السَّلَبِ الْمُعْتَادِ لَا سِوَارَ، وَلَا صَلِيبَ، وَلَا غَيْرَهُ لِعَدَمِ اعْتِيَادِهَا.
(وَلَا يَكُونُ) أَيْ لَا يَجُوزُ التَّنْفِيلُ (قَبْلَ) أَخْذِ (الْغَنِيمَةِ) بِأَنْ يَكُونَ بِالْوَعْدِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقُضْ الْقِتَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ نِيَّتِهِمْ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ صَاحِبِ الْمَالِ وَتَرْكِ قِتَالِ الشُّجَاعِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْغَنِيمَةِ لَجَازَ، وَلِلْقَاتِلِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا سَلَبُ كُلِّ مَنْ قَتَلَهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الْإِمَامِ قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ اُعْتِيدَ لَا سِوَارَ، وَلَا صَلِيبَ، وَلَا عَيْنَ، وَلَا دَابَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَوْ تَعَدَّدَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَنَفَلَ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِأَنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمَضَى إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ حُكْمٍ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَلِلْقَاتِلِ سَلَبُ كُلِّ مَنْ قَتَلَهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مَقْتُولُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ عَيَّنَ قَاتِلًا، وَأَمَّا لَوْ عَيَّنَ بِأَنْ قَالَ: يَا زَيْدُ إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ جَمَاعَةً فَلَيْسَ لَهُ إلَّا سَلَبُ الْأَوَّلِ إنْ عَرَفَ، فَإِنْ جَهِلَ فَقِيلَ لَهُ سَلَبُ أَقَلِّهِمْ، وَإِلَّا شَارَكَ بِنِسْبَةِ وَاحِدٍ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَلَهُ النِّصْفُ، وَهَكَذَا.
وَهَذَا إذَا قَتَلَ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، وَأَمَّا لَوْ قَتَلَ الْمُعَيَّنُ اثْنَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَقِيلَ لَهُ سَلَبُهُمَا مَعًا، وَقِيلَ لَهُ سَلَبُ أَكْثَرِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْمَقْتُولِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ لَا نَحْوَ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ.
الثَّانِي: وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ مُسْتَحَقُّهُ يُسَمَّى السَّلَبُ الْكُلِّيُّ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ يَنْقَسِمُ إلَى كُلِّيٍّ وَجُزْئِيٍّ، فَالْجُزْئِيُّ مَا يَتَعَيَّنُ آخِذُهُ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ بِأَنْ يُعْطِيَ الْإِمَامُ شَخْصًا مُعَيَّنًا شَيْئًا، وَأَمَّا الْكُلِّيُّ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ آخِذُهُ بِأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
الثَّالِثُ: تَلَخَّصَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَلَهُ أَخْذُ سَلَبِ مَقْتُولِهِ، وَإِنْ تَعَدَّدَ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ الْإِمَامَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَالَ مِنْكُمْ أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِإِخْرَاجِهِ نَفْسَهُ فِي الْأُولَى، وَلِمُحَابَاتِهِ فِي الثَّانِيَةِ.
الرَّابِعُ: بَقِيَ لَوْ تَعَدَّدَ الْقَاتِلُ وَاتَّحَدَ الْمَقْتُولُ أَوْ تَعَدَّدَ فَالسَّلَبُ بَيْنَهُمْ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ رَاجِلًا وَبَعْضُهُمْ رَاكِبًا، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي الَّذِي يَأْتِي بِرَأْسِ شَخْصٍ وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَقِيلَ يُصَدَّقُ، وَلَهُ سَلَبُهُ، وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ مَنْ قَدِمَ بِسَلَبِ شَخْصٍ وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ وُجُودَ الرَّأْسِ مَعَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى يُرَجِّحُ جَانِبَهُ فِي الْخِلَافِ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَوْ قَالَ لِعَشَرَةٍ: إنْ قَتَلْتُمْ هَؤُلَاءِ فَلَكُمْ أَسْلَابُهُمْ، لَمْ يَخْتَصَّ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ بِسَلَبِ قَتِيلِهِ بَلْ تَكُونُ أَسْلَابُهُمْ شَرِكَةً بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَوْ قَتَلَ تِسْعَةٌ مِنْهُمْ تِسْعَةَ أَعْلَاجٍ وَقَتَلَ عَاشِرُ الْأَعْلَاجِ عَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ فَالْأَسْلَابُ لِلْقَاتِلِينَ فَقَطْ، وَلَوْ بَقِيَ عَاشِرُ الْمُسْلِمِينَ شَرَكَهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت: فَيَلْزَمُ لَوْ مَاتَ بَعْضُ الْقَاتِلِينَ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْحَيِّ الْعَاشِرِ، رَاجِعْ التَّتَّائِيَّ.
(وَالسَّلَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ مَا يَسْلُبُهُ الْقَاتِلُ
كَبِيرٌ وَذَلِكَ بِقَدْرِ كَثْرَةِ خَوْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الثَّغْرِ، وَكَثْرَةِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ.
وَلَا يُغْزَى بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ إلَّا أَنْ يَفْجَأَ الْعَدُوُّ
[الفواكه الدواني]
مِنْ الْحَرْبِيِّ مِمَّا يُعْتَادُ أَخْذُهُ فِي الْحَرْبِ كَفَرَسِهِ وَدِرْعِهِ وَسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَمِنْطَقَتِهِ، وَيَدْخُلُ فِي فَرَسِهِ الْمَمْسُوكِ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غُلَامِهِ لِلْقِتَالِ، وَسُمِّيَ سَلَبًا لِسَلَبِهِ مِنْهُمْ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَيَسْتَحِقُّهُ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ تَعَدَّدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَخَبَرُ السَّلَبِ كَائِنٌ.
(مِنْ النَّفَلِ) الَّذِي مَرَّ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ مَالٌ مَوْكُولٌ عِلْمُ قَدْرِهِ لِلْإِمَامِ فَلَا يَكُونُ إلَّا مَحْسُوبًا مِنْ الْخُمُسِ، وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ: وَلَا نَفَلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ، وَالسَّلَبُ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَلِ.
[وَالرِّبَاطُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ]
وَلَمَّا كَانَ الرِّبَاطُ شَبِيهًا بِالْجِهَادِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالرِّبَاطُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ لُغَةً: مُطْلَقُ الْإِقَامَةِ.
وَشَرْعًا: الْإِقَامَةُ فِي ثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ لِحِرَاسَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّغْرُ بِالْمُثَلَّثَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ مِنْ الْكُفَّارِ كَدِمْيَاطَ وَعَسْقَلَانَ، وَإِسْكَنْدَرِيَّة مِنْ الْبِلَادِ الْقَرِيبَةِ مِنْ بِلَادِ الْكَفَرَةِ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ، وَخَبَرُ الرِّبَاطِ كَائِنٌ.
(فِيهِ فَضْلٌ) أَيْ ثَوَابٌ (كَثِيرٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِقَوْلِهِ: وَالرِّبَاطُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَحِيَاطَتُهَا وَاجِبٌ يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ فَهُوَ كَالْجِهَادِ، وَوَرَدَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فَمِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حُرِّمَتْ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَمِنْهَا: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ تَقُومُ لَيْلَهَا فَلَا تَفْتُرُ وَتَصُومُ نَهَارَهَا فَلَا تُفْطِرُ» . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى كَثْرَةِ ثَوَابِهِ، وَظَاهِرُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الْفَضْلَ إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ رَابَطَ لِمُجَرَّدِ سَدِّ الثَّغْرِ لَا مَنْ سَكَنَ بِأَهْلِهِ، وَأَقَامَ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التِّجَارَةِ، لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ سَكَنَ الثَّغْرَ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ مُرَابِطًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ سُكْنَاهُ تَبَعًا لِلرِّبَاطِ، وَلَوْلَاهُ لَمَا سَكَنَهُ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَى الْجِهَادِ، وَيَظْهَرُ لِي فَضْلُ الْجِهَادِ عَلَى الرِّبَاطِ لِمَزِيَّةِ مَنْ ذَهَبَ لِلْقِتَالِ عَلَى مَنْ مَكَثَ فِي مَحَلِّ الْخَوْفِ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا.
(تَنْبِيهٌ) الْأَنْسَبُ التَّعْبِيرُ بِعَظِيمٍ بَدَلَ كَثِيرٍ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ مِنْ عَوَارِضِ الْكَمِّيَّاتِ، وَأَمَّا الْعَظَمَةُ وَالْحَقَارَةُ فَمِنْ عَوَارِضِ الْكَيْفِيَّاتِ، فَيُقَالُ: اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَقْصِدْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَّا الْعِبَارَةَ الْمَأْلُوفَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فَضْلَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَقِلَّتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) الْفَضْلُ بِمَعْنَى الثَّوَابِ مُتَفَاوِتٌ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
(بِقَدْرِ) أَيْ بِحَسَبِ (كَثْرَةِ خَوْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الثَّغْرِ) الْوَاقِعِ فِيهِ الرِّبَاطُ (وَ) بِقَدْرِ (كَثْرَةِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ) ، وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ بِمَحَلٍّ ثُمَّ زَالَ فَلَا يُنْدَبُ الرِّبَاطُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّحَصُّنُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ سَطْوَةِ الْعَدُوِّ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِلرِّبَاطِ.
وَلَمَّا كَانَتْ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ قَالَ: (وَلَا يُغْزَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْوَلَدِ الْغَزْوُ (بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ) أَيْ الْقَرِيبَيْنِ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ الْأَصْلُ فِيهِ الْوُجُوبُ كِفَايَةً، وَإِطَاعَتُهُمَا عَيْنِيَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ مَنْعُ وَلَدِهِمَا مِنْ الْجِهَادِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَوَّاقُ بِمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ مَنْعَهُمَا مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِكَرَاهَتِهِمَا إعَانَةَ الْإِسْلَامِ وَنُصْرَتَهُ وَإِلَّا كَانَا كَالْمُسْلِمِينَ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْغَزْوِ، بَلْ سَائِرُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الْخُرُوجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي مُسْقِطَاتِ الْجِهَادِ: وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًى وَجُنُونٍ وَعَمًى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ وَرِقٍّ وَدَيْنٍ حَلَّ كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَكَتَجْرٍ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ عَلَى مَا صَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، فَشَمِلَ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَيْنِيِّ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ مِنْ الْخُرُوجِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ إذَا كَانَ عِلْمًا إذَا كَانَا فِي مَحَلِّهِمَا مَنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ.
وَأَمَّا إذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَمْنَعَانِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُشْبِهُ الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ، وَهُمَا لَا يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: لَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، وَمَرَاتِبِهِ، وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي بَلَدِهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِلَّا خَرَجَ، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَيَّدْنَا بِالزَّائِدِ عَلَى الْعَيْنِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْ الْخُرُوجِ لِمَعْرِفَتِهِ كَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَإِذَا خَرَجَ بِإِذْنِهِمَا فَالْمُعْتَبَرُ مِنْهُ الْإِذْنُ بِاللِّسَانِ وَالْبَاطِنِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِمُجَرَّدِ إذْنِهِمَا بِاللِّسَانِ حَتَّى يَكُونَ الْقَلْبُ كَذَلِكَ، فَلَا يَخْرُجُ إذَا أَذِنَا بِلِسَانِهِمَا، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَيْهِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْأَبَوَيْنِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ مِثْلَ الْغَزْوِ كُلُّ سَفَرٍ مَخُوفٍ؛ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: يُغْزَى، وَمِثْلُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحْرَى مِنْهُمَا السَّيِّدُ مَعَ عَبْدِهِ إذْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ، وَكَذَا صَاحِبُ الدَّيْنِ لَهُ مَنْعُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ
مَدِينَةَ قَوْمٍ وَيُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ دَفْعُهُمْ وَلَا يُسْتَأْذَنُ الْأَبَوَانِ فِي مِثْلِ هَذَا.
[الفواكه الدواني]
مُطْلَقِ السَّفَرِ إذَا كَانَ يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ، وَأَوْلَى الْحَالُ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يُؤَدِّيهِ إذَا كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ يَأْذَنُ لَهُ الدَّيِّنُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الدَّيْنِ شَدِيدٌ، فَقَدْ قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: الشَّهَادَةُ تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الدَّيْنَ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ مَاتَ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيْ مَاتَ عَلَى كَلِمَةِ الْإِيمَانِ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَ مَنْ دَعَاهُ فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ مَقَالَتَك، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ إلَّا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ» . انْتَهَى.
لَكِنْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: قَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقْضِي عَنْ دِينِهِ، وَوَرَدَ أَيْضًا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ وَفَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ مُعْسِرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ مِنْ الْغَزْوِ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْغَزْوِ الْوَاجِبِ كِفَايَةً قَالَ: (إلَّا أَنْ يَفْجَأَ الْعَدُوُّ) أَيْ بِغَيْرِ أَنْ يَنْزِلَ، وَإِنْ لَمْ يَغْزُ (مَدِينَةَ قَوْمٍ وَيُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ) تَفْسِيرٌ لِيَفْجَأَ، وَلِذَا كَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَ النُّونِ مِنْ يُغِيرُونَ؛ لِأَنَّ مُفَسِّرَ الشَّيْءِ يُعْرَبُ بِإِعْرَابِهِ (فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (دَفْعُهُمْ) أَيْ الْعَدُوِّ (وَلَا) يَجِبُ أَنْ (يُسْتَأْذَنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الْأَبَوَانِ فِي مِثْلِ هَذَا) ، وَلَا الرِّجَالُ، وَلَا السَّادَاتُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ بِفَجْأِ الْعَدُوِّ، وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: أَوْ عَبْدٍ وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْجِهَادُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ، وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ مِدْيَانًا، وَعَلَى هَذَا فَيُسْهَمُ لِلْعَبْدِ لِخِطَابِهِ إذْ ذَاكَ، وَمَحَلُّ التَّعْيِينِ وَحُرْمَةُ الْفِرَارِ إنْ بَلَغَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ النِّصْفَ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِلَّا جَازَ الْفِرَارُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْقُيُودُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَأْتِي هُنَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ، وَهَذَا عَيْنِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إذَا حَصَلَ الشُّرُوعُ فِي الْقِتَالِ صَارَ عَيْنًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الْفِرَارِ فَافْهَمْ.
(خَاتِمَةٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ لِحُكْمِ مَا إذَا تَرَكَ النَّاسُ الْقِتَالَ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي فَجَأَ الْعَدُوُّ عَلَى أَهْلِهَا، هَلْ يَضْمَنُونَ لِتَرْكِهِمْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ وَيَصِيرُونَ مِنْ أَفْرَادِ مَنْ تَرَكَ تَخْلِيصَ الْمُسْتَهْلَكِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَضَمِنَ مَارٌّ، إلَى قَوْلِهِ: كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَمْ لَا؟ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ، حَيْثُ تَمَكَّنُوا مِنْ تَخْلِيصِهِمْ وَزَجْرِ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
[بَاب فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ ذِكْرَهُ مِنْ فُرُوعِ الْجِهَادِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ بِقَوْلِهِ
بَابٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ «، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» .
وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَيَلْزَمُهُ
وَلَا ثُنْيَا وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا فِي
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ (الْأَيْمَانِ) ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ مُؤَنَّثَةٍ، وَيُرَادِفُهَا الْحَلِفُ وَالْإِيلَاءُ، وَهِيَ أَهَمُّ مِنْ الْقَسَمِ، وَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إذَا حَلَفَ شَخْصٌ صَاحِبُهُ يَضَعُ يَمِينَهُ فِي يَمِينِهِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَسَّمَهَا ابْنُ عَرَفَةَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ بِقَوْلِهِ: الْيَمِينُ قَسَمٌ أَوْ الْتِزَامُ مَنْدُوبِ غَيْرِهِ مَقْصُودٌ بِهِ الْقُرْبَةَ أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ تَعَلَّقَ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ فَيَخْرُجُ نَحْوُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ طَلَاقُ فُلَانَةَ أَوْ عِتْقُ عَبْدِي فُلَانٍ، ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ، وَيَلْزَمُ الْعِتْقُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ لَا وَفَاءَ بِهِ إلَّا بِنِيَّتِهِ، وَمَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَنْوِيٍّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: النَّذْرُ كَيْفَ مَا صَدَقَتْ أَحْوَالُهُ لَا يُقْضَى بِهِ، وَإِنْ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي أَوْ التَّصَدُّقُ بِهَذَا الدِّينَارِ غَيْرُ يَمِينٍ، مَعَ أَنَّ التَّعْرِيفَ يَقْتَضِي أَنَّهَا يَمِينٌ؛ لِأَنَّ قَائِلَهَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقُرْبَةَ بَلْ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ النَّذْرِ: لَا لِامْتِنَاعِ مَنْ أَمْرٍ هَذَا يَمِينٌ.
وَصَرِيحُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْأُجْهُورِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ يَمِينًا مَعَ أَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ عَلَى أَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا صِيغَةٌ صَرِيحَةٌ فِي النَّذْرِ لَا تَخْرُجُ عَنْهُ، وَلَوْ عُلِّقَتْ.
إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْيَمِينَ أَعَمُّ مِنْ الْقَسَمِ؛ لِأَنَّ الْقَسَمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَالْيَمِينُ تَشْمَلُ هَذَا وَتَشْمَلُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ صَدَقَةٌ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَنْدُوبِ.
وَتَشْمَلُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ حُرٌّ مِنْ كُلِّ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ، وَعَلَّقَ عَلَى أَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ، وَلَوْ بِحَسَبِ الْمَعْنَى نَحْوَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَعَلَّقَ فِي الْمَعْنَى عَلَى عَدَمِ الْعَدَمِ، وَعَدَمُ الْعَدَمِ إثْبَاتٌ، وَقَيَّدَ ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ بِقَوْلِهِ: لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا يَجِبُ بِالْإِنْشَاءِ، وَيَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ نَحْوَ: بِعْت وَأَنْكَحْت وَوَهَبْت لِمُعَيَّنٍ وَسَائِرِ صِيَغِ الْعُقُودِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ: الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ فَإِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى أَحَدِ الْأَقْسَامِ، وَهِيَ الْيَمِينُ الَّتِي تُكَفَّرُ الَّتِي تُسَمَّى قَسَمًا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ إفَادَةً لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَجِدَهَا عَلَى هَذَا الْإِيضَاحِ.
(وَ) بَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ (النُّذُورِ) جَمْعُ نَذْرٍ، وَهُوَ لُغَةً: الِالْتِزَامُ وَالْوُجُوبُ وَشَرْعًا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: النَّذْرُ الْأَعَمُّ مِنْ الْجَائِزِ إيجَابُ امْرِئٍ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ أَمْرٍ.
الْحَدِيثَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» فَأَطْلَقَ عَلَى الْمُحَرَّمِ نَذْرًا، وَالْأَخَصُّ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ الْتِزَامُ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ لَا لِامْتِنَاعٍ مِنْ أَمْرٍ هَذَا يَمِينٌ حَسْبَمَا مَرَّ، فَيَخْرُجُ بِطَاعَةٍ الْتِزَامُ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِنِيَّةِ قُرْبَةِ الْتِزَامِ الطَّاعَةِ لِأَجْلِ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَمْرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا نَحْوَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ أَوْ صَدَقَةُ دِينَارٍ، وَإِطْلَاقُهُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ أَمْرٍ يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ بِصِيغَتِهِ الصَّرِيحَةِ نَحْوَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْأُجْهُورِيِّ مَا يُعَيِّنُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ النَّذْرِ، وَلَوْ قَصَدَ بِهَا الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ.
وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي أَنَّهَا يَمِينٌ إذَا قَصَدَ بِهَا الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ، فَانْظُرْ أَيَّ الْكَلَامَيْنِ هُوَ الصَّوَابُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحَدِ أَقْسَامِ الْيَمِينِ، وَهُوَ الْقَسَمُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ كَانَ حَالِفًا) أَيْ مُرِيدَ الْحَلِفِ (فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ) أَيْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ نَحْوَ: بِاَللَّهِ أَوْ الْعَلِيمِ أَوْ الْخَالِقِ أَوْ الرَّزَّاقِ أَوْ الصَّبُورِ مِنْ كُلِّ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ، أَوْ بِذِكْرِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ كَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، أَوْ بِذِكْرِ الصِّفَةِ الْجَامِعَةِ كَجَلَالِ اللَّهِ أَوْ عَظَمَتِهِ، وَالصِّفَةِ النَّفْسِيَّةِ كَالْوُجُودِ أَوْ السَّلْبِيَّةِ كَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَنَظَرَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ (أَوْ لِيَصْمُتْ) أَيْ لَا يَحْلِفُ، إذْ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَحَيَاةِ الْأَبِ أَوْ تُرْبَتِهِ أَوْ نِعَمِهِ أَوْ رَأْسِ السُّلْطَانِ مِمَّا يَحْلِفُ بِهِ الْجَهَلَةُ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لِخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ، وَمُسْلِمٍ فَبَيَّنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الدَّلِيلَ وَالْحُكْمَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا الصِّفَاتِ بِمَا مَرَّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا يَمِينٌ بِلَا خِلَافٍ لِرُجُوعِهَا لِلْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ.
الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
، وَمَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ
[الفواكه الدواني]
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ الِاسْمِ أَوْ الصِّفَةِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَاَلَّذِي لِصَاحِبِ الْوَقَارِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْ اللُّغَاتِ وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَمَنْ حَلَفَ بِوَجْهِ اللَّهِ وَحَنِثَ كَفَّرَ، وَمَنْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللَّهِ وَحَنِثَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَأَقُولُ: مِمَّا لَا كَفَّارَةَ فِي الْحَلِفِ بِهِ الْحَلِفُ بِالْعِلْمِ الشَّرِيفِ مُرَادًا بِهِ عِلْمَ الشَّرَائِعِ أَوْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ، وَلَا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
الثَّالِثُ: إنَّمَا قَدَّرْنَا بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا بِلَفْظٍ مُبَايِنٍ مُرَادٌ بِهِ اسْمُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: بِزَيْدٍ مَا فَعَلْت كَذَا يُرِيدُ بِهِ بِاَللَّهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ أَسْقَطَ الْهَاءَ مِنْ لَفْظِ الْجَلَالَةِ، وَيَظْهَرُ لِي إلَّا أَنْ يُسْقِطَهَا عَجْزًا وَحَرَّرَهُ.
الرَّابِعُ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْحَلِفِ بِالْأَيْمَانِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْيَمِينُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُبَاحَةٍ كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ.
وَمَكْرُوهَةٍ كَالْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَالْمَسْجِدِ وَالرَّسُولِ، وَمَكَّةَ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.
وَمَحْظُورَةٍ كَالْحَلِفِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَإِنْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَ هَذِهِ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَمَا قَالَ فِيهِ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ اسْتَظْهَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ حُرْمَتَهُ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَلَفَ بِالْمَخْلُوقِ بَعْضَ الْأَحْيَانِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَوْ مَنْسُوخٌ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ: إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا» الْحَدِيثَ.
الْخَامِسُ: فَإِنْ قِيلَ: يَشْكُلُ عَلَى حَصْرِ الِاسْمِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ: وَالنَّجْمِ وَالشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا أَقْسَامٌ بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثَ بِالنِّسْبَةِ إلَى إقْسَامَاتِ الْبَشَرِ، وَمَا فِي الْقُرْآنِ أَقْسَامٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى بَعْضِ خَلْقِهِ بِبَعْضِ مَا يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَهُ - تَعَالَى - أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَإِنْ أَجَابَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْسَمُ بِهِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وَرَبِّ النَّجْمِ أَوْ خَالِقِ النَّجْمِ فَخِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَرَّحَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَمْ يَثْبُتْ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالدَّلِيلِ عَلَى حُرْمَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤَدَّبُ) بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ كُلُّ (مَنْ حَلَفَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ) لِخَبَرِ: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ» وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَانَ الْحَالِفُ مُتَزَوِّجًا، وَمَالِكًا أَمْ لَا؟ أَكْثَرَ مِنْ الْحَلِفِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ . وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَزِّرَ كُلَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَرَّرَهَا أَمْ لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا فَيُنْهَى، وَلَا يُؤَدَّبُ، وَقَوْلُنَا بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَلِأَنَّ التَّعَازِيرَ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْدِيبُهُ بِالضَّرْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعْزِيرُهُ بِقَلْعِ الْعِمَامَةِ، وَالْمَحْدُودُ بِحَدٍّ إنَّمَا هُوَ الْحَدُّ كَحَدِّ الزِّنَا لِلْبِكْرِ، وَكَحَدِّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، وَمِثْلُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ كِنَايَتُهُ كَالْحَلِفِ بِالْحَرَامِ أَوْ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ، وَيَلْزَمُهُ فِي الْحَلِفِ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ مَا نَوَاهُ أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، وَحَيْثُ لَا نِيَّةَ، وَلَا عُرْفَ لِأَهْلِ بَلَدِهِ أَوْ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْأَدَبُ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَدَبِ مَنْ حَلَفَ بِحَيَاةِ الْأَبِ أَوْ رَأْسِ السُّلْطَانِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَةِ الْحَلِفِ بِهَا لَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَحَرَّرَ الْحُكْمَ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَدَمُ اللُّزُومِ قَالَ: (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ حَيْثُ حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَاحِدَةً إلَّا بِنِيَّةِ أَكْثَرَ، وَفِي الْعِتْقِ عَتَقَ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، وَكَانَ ذَا عَبِيدٍ اخْتَارَ وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ وَقْتَ الْحَلِفِ لَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحَالِفِ بِالطَّلَاقِ، وَلَا زَوْجَةَ لَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الطَّلَاقِ الْمَحَلُّ الْمَمْلُوكُ لِلزَّوْجِ وَقْتَ الْحَلِفِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، كَقَوْلِهِ لِامْرَأَةٍ حِينَ عَرَضَهَا عَلَيْهِ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا ثُنْيَا، وَلَا كَفَّارَةَ) مُفِيدَتَانِ (إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ) كَالْعَلِيمِ وَالسَّمِيعِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
(أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ) أَوْ بِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَالِفَ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاسْتَثْنَى بِأَنْ قَالَ بِأَثَرِ الْيَمِينِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ قَضَى اللَّهُ، أَوْ أَرَادَ، أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ يَقْضِيَ أَوْ يُرِيدَ أَوْ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ نَذْرٍ مُبْهَمٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ النَّاذِرُ لَهُ مَخْرَجًا بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ الشَّيْءَ الْمَنْذُورَ، فَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ وَفَعَلَ الشَّيْءَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ قَالَ عَقِبَ يَمِينِهِ أَوْ نَذْرِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، بِخِلَافِ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِهَذَا الدِّينَارِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، وَلَمْ يُفِدْهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَعُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ لِلْعَبْدِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَوْ اسْتَثْنَى، وَالْمُنَجَّزُ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتَ
وَوَصَلَهَا بِيَمِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْمُتَ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ
وَالْأَيْمَانُ بِاَللَّهِ أَرْبَعَةٌ فَيَمِينَانِ تُكَفَّرَانِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ إنْ فَعَلْت أَوْ
[الفواكه الدواني]
طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يُفِدْهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ صَرَفَ الْمَشِيئَةَ لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الطَّلَاقِ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا يُنَجَّزُ فِيهِ الطَّلَاقُ: أَوْ صَرَفَ الْمَشِيئَةَ عَلَى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَدْ عَرَفْت مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالثُّنْيَا الِاسْتِثْنَاءُ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ أَرَادَ، أَوْ قَضَى، عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ مَجَازٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لُغَةً مُطْلَقُ الْإِخْرَاجِ وَالتَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ بِقَوْلِنَا: إنْ شَاءَ اللَّهُ مُخْرِجٌ لِبَعْضِ أَحْوَالِ الشُّرُوطِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ الْإِخْرَاجُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ اللُّغَوِيِّ وَالِاصْطِلَاحِيِّ مُطْلَقُ الْإِخْرَاجِ.
الثَّانِي: شَرَطَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي إفَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ كَوْنُهُ فِي أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ حَيْثُ قَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِهِ: إنَّمَا اخْتَصَّتْ الْمَشِيئَةُ بِالْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَاضٍ إمَّا لَغْوٌ أَوْ غَمُوسٌ، وَلَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَوَضَّحَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْمَاضِي لَا تُكَفَّرُ؛ لِأَنَّهَا إمَّا لَغْوٌ أَوْ غَمُوسٌ أَوْ صَادِقَةٌ، وَأَنَّ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْمُسْتَقْبَلِ تُكَفَّرُ، وَلَوْ لَغْوًا أَوْ غَمُوسًا، وَأَنَّ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْحَالِ تُكَفَّرُ إنْ كَانَتْ غَمُوسًا، وَلَا تُكَفَّرُ إنْ كَانَتْ لَغْوًا.
الثَّالِثُ: قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي إفَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَاللَّغْوِ النَّذْرُ الْمُبْهَمُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ فِيهِ الشَّيْءُ الْمَنْذُورُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا ثُنْيَا، وَلَا لَغْوَ فِي طَلَاقٍ، وَلَا مَشْيَ وَلَا صَدَقَةَ، وَلَا غَيْرَهَا إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ نَذْرٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ، وَزَادَ الْأُجْهُورِيُّ: كُلُّ مَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَحَلِفِهِ بِالْكَفَّارَةِ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَفْهُومِ، وَلَا ثُنْيَا، وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى) بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَوْ يُرِيدَ أَوْ يَقْضِيَ ثُمَّ فَعَلَهُ اخْتِيَارًا.
(فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِوُجُودِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ بِشُرُوطٍ أَحَدِهَا.
(إذَا قَصَدَ) بِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ (الِاسْتِثْنَاءَ) أَيْ حِلَّ الْيَمِينِ لَا إنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ بِأَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ.
(وَ) ثَانِيهَا إنْ تَلَفَّظَ بِهِ بِأَنْ (قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ) ، وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ.
(وَ) ثَالِثِهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ (وَصَلَهَا) أَيْ كَلِمَةَ إنْ شَاءَ (اللَّهُ بِيَمِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْمُتَ) ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الِاضْطِرَارِيُّ لِعُطَاسٍ أَوْ سُعَالٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَفَادَ أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ إنْ اتَّصَلَ إلَّا لِعَارِضٍ وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ وَقَصَدَ وَنَطَقَ بِهِ، وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ أَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ أَوْ فَصَلَ اخْتِيَارًا بَيْنَ قَوْلِهِ بِاَللَّهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ) الِاسْتِثْنَاءُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِنْهُ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» .
فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يَنْفَعُهُ بَعْدَ حِينٍ لَمَا كَانَ لِلْكَفَّارَةِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ الْمُخَالِفَ بِالتَّكْفِيرِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنْ الْحَلِفِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الْفَصْلِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مَنْوِيَّ الْخُرُوجِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْيَمِينِ، بَلْ لَوْ طَرَأَتْ نِيَّتُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْيَمِينِ وَاتَّصَلَتْ بِاللَّفْظِ نَفَعَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ، بِخِلَافِ الْمُحَاشَاةِ فَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ نِيَّتِهَا قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالْيَمِينِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي الْمُحَاشَاةِ لَا بُدَّ أَنْ تَسْبِقَ النِّيَّةُ لَفْظَهُ بِالْحَلِفِ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَتَنْفَعُهُ النِّيَّةُ الْوَالِيَةُ لِتَمَامِ الْحَلِفِ، وَلَوْ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الِاضْطِرَارِيُّ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُحَاشَاةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّلَفُّظِ، وَأَمَّا الْمُحَاشَاةُ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى التَّلَفُّظِ بِمَا نَوَى إخْرَاجَهُ، فَلِذَا اشْتَرَطَ تَقَدُّمَ نِيَّةَ إخْرَاجِهِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالْيَمِينِ، فَإِذَا قَالَ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ بَعْدَ إخْرَاجِ الزَّوْجَةِ مِنْ الْحَلَالِ بِنِيَّتِهِ لَمْ تُطْلَقْ عَلَيْهِ وَتُفِيدُهُ نِيَّتُهُ.
وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْحَلِفِ بِالْحَلَالِ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَكِنْ يَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمُحَاشَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ التَّلَفُّظُ بِمَا حَاشَاهُ وَأَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ ابْتِدَاءً لَمْ يَدْخُلْ فِي لَفْظِ الْحَلَالِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى إخْرَاجِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ تُخَالِفُ الِاسْتِثْنَاءَ فِي أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاطُ التَّلَفُّظِ بِالْمُسْتَثْنَى فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي نَحْوِ قَوْلِك: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا بِخِلَافِ الْمُحَاشَاةِ.
وَالثَّانِي: عَدَمُ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ إخْرَاجِهِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَالْمُحَاشَاةُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَإِيضَاحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصَ يُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ الْعَامُّ مُرَادًا بِهِ بَعْضَ أَفْرَادِهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَعُمُومُهُ لَمْ يُرَدْ تَنَاوُلًا، وَلَا حُكْمًا، بَلْ لَفْظُ الْكُلِّيِّ مُسْتَعْمَلٌ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ، بِخِلَافِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ عُمُومُهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا أَيْ لَفْظًا لَا حَقِيقَةً بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْحَلَالُ مِنْ قَوْلِ الْحَالِفِ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ مُحَاشِيًا الزَّوْجَةَ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ، فَاللَّفْظُ الْعَامُّ فِي الْمُحَاشَاةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ، وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَبِيلِ الْحَقِيقَةِ فَافْهَمْ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ إفَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا لَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: الِاسْتِثْنَاءُ فِي
يَحْلِفَ لَيَفْعَلَنَّ، وَيَمِينَانِ لَا تُكَفَّرَانِ إحْدَاهُمَا لَغْوُ الْيَمِينِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ فِي يَقِينِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُهُ
[الفواكه الدواني]
وَثِيقَةِ الْحَقِّ لَا يَنْفَعُ، وَلَوْ جَهَرَ بِهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّ نِيَّةَ الْحَالِفِ لَا تُعْتَبَرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحَلِّفِ نِيَّةٌ تُخَالِفُهَا، وَهُوَ وَاضِحٌ لِاشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِصِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا الْمُحَاشَاةُ فَوَقَعَ خِلَافٌ فِي إفَادَتِهَا، إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ فَقِيلَ تَنْفَعُ وَقِيلَ لَا تَنْفَعُ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ فِي شَامِلِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ إفَادَتِهَا.
الثَّانِي: وَقَعَ خِلَافٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، هَلْ هُوَ رَافِعٌ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ حَلٌّ لِلْيَمِينِ؟ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ أَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ وَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِيهِمَا عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، بِخِلَافِ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَفِّرُ فَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، هَكَذَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي إذَا حَلَفَ لَا يَحْلِفُ فَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى إذْ قَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ انْحَلَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ لَحَنِثَ؟ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُكَفَّرُ مِنْ الْأَيْمَانِ، وَمَا لَا يُكَفَّرُ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَيْمَانُ بِاَللَّهِ) أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ (أَرْبَعَةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ أَرْبَعٌ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ، بِخِلَافِ لَوْ ذُكِرَ لَوَجَبَ حَذْفُهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مُؤَنَّثٌ، وَهُوَ الْيَمِينُ، وَإِنْ أَرَدْت تَفْصِيلَهَا.
(فَيَمِينَانِ تُكَفَّرَانِ) بِالتَّاءِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُؤَنَّثَةٌ وَالتَّاءُ تَلْزَمُ الْمُضَارِعَ الْمُسْنَدَ إلَى الْمُؤَنَّثِ الْحَقِيقِيِّ الْغَائِبِ الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ الْمُفْرَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُثَنًّى وَجَمْعٍ.
(وَهُوَ) أَيْ أَحَدُ الْيَمِينَيْنِ الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ عَلَى بِرٍّ.
(أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا) أَيْ لَا فَعَلْت كَذَا أَوْ لَا فَعَلْت كَذَا، فَالْمُنْعَقِدَةُ عَلَى بِرٍّ لَهَا صِيغَتَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُنْعَقِدَةُ عَلَى بِرٍّ بِأَنْ فَعَلْت أَوْ لَا فَعَلْت ثُمَّ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ نَافِيَةٌ إنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا جَوَابٌ، وَشَرْطِيَّةٌ إنْ ذُكِرَ لَهَا جَوَابٌ نَحْوَ: وَاَللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا مَا جَلَسْت فِي الدَّارِ، أَوْ: وَاَللَّهِ إنْ قَامَ زَيْدٌ مَا قُمْت.
(أَوْ) أَيْ وَالثَّانِي مِنْهُمَا (يَحْلِفُ) بِاَللَّهِ (لَيَفْعَلَنَّ) كَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ، وَلَمْ يُؤَجِّلْ، وَهِيَ الْمُنْعَقِدَةُ عَلَى حِنْثٍ لَهَا صِيغَتَانِ أَيْضًا كَصِيغَتَيْ الْبِرِّ فَالْيَمِينَانِ اللَّذَانِ تُكَفَّرَانِ هُمَا يَمِينُ الْبِرِّ وَيَمِينُ الْحِنْثِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَالْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِأَنْ فَعَلْت أَوْ لَا فَعَلْت، أَوْ حَنِثَ بِلَأَفْعَلَنَّ، أَوْ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ إطْعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مَدٌّ.
وَأَمَّا لَوْ أَجَّلَ بِأَنْ قَالَ: بِاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمَنَّ زَيْدًا فِي هَذَا الشَّهْرِ مَثَلًا، أَوْ إنْ لَمْ أُكَلِّمْهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى بِرٍّ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِمُضِيِّ الْأَجَلِ، وَلَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ مَنَعَهُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ تَرَكَهُ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ لَا عَقْلِيٍّ، مِثَالُ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ: حَيْضُ مَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَوْ الْيَوْمِ، وَمِثَالُ الْمَانِعِ الْعَادِيِّ سَرِقَةُ مَا حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا، وَمِثَالُ الْمَانِعِ الْعَقْلِيِّ مَوْتُ مَا حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ إنْ بَادَرَهُ إلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُفَرِّطْ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ بِحَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْ الْفِعْلِ وَتَرَاخَى حَتَّى تَعَذَّرَ فِعْلُهُ يَحْنَثُ، وَلَوْ بِالْعَقْلِيِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَلَا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ لَا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ، فَلَوْ تَجَرَّأَ وَوَطِئَ الْحَائِضَ فَفِي بِرِّهِ قَوْلَانِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ إذَا أَقَّتَ أَوْ لَمْ يُؤَقِّتْ وَبَادَرَ، وَأَمَّا لَوْ فَرَّطَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَوْ بِالْعَقْلِيِّ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: لَكِنَّ الشَّرْعِيَّ يَحْنَثُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْعَادِيِّ وَالْعَقْلِيِّ فَلَا يَحْنَثُ بِهِمَا إلَّا إذَا طَرَأَ عَلَى الْيَمِينِ، لَكِنَّ الْعَادِيَّ يَحْنَثُ بِهِ، وَلَوْ بَادَرَ سَوَاءٌ أَقَّتَ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَقْلِيًّا.
فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ وَفَرَّطَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَانِعُ الْعَقْلِيُّ الْحَاصِلُ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يَحْنَثُ بِهِ حَيْثُ بَادَرَ بَعْدَ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَسُمِّيَتْ الْأُولَى يَمِينُ بِرٍّ؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ اخْتِيَارًا.
وَالثَّانِيَةُ تُسَمَّى يَمِينُ حِنْثٍ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَيَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا عَلَى حِنْثٍ، وَلَا يَبَرُّ إلَّا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَلَفَ: لَيُكَلِّمَنَّ زَيْدًا فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ فِيهِ لِمَانِعٍ حَصَلَ أَوْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ كَلَامِهِ حَنِثَ.
.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْحِنْثَ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ لَا مَعَ الْإِكْرَاهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ شَرْعِيًّا، كَوَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ الْحَبْسَ فَيُحْبَسُ لِغَرِيمِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ، وَلَا يُعْذَرُ عِنْدَنَا بِالنِّسْيَانِ لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا الْغَلَطِ، وَلَا الْجَهْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالنِّسْيَانِ إنْ أَطْلَقَ، وَأَمَّا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ فَيَحْصُلُ بِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْمَانِعُ عَادِيٌّ، وَلَوْ بَادَرَ أَوْ عَقْلِيٌّ لَكِنْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ كَشَرْعِيٍّ، وَلَوْ كَانَ سَابِقًا مِنْ الْيَمِينِ.
الثَّانِي: قَدَّمْنَا أَنْ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ كَشَرْطِيَّةِ إنْ ذُكِرَ لَهَا جَوَابٌ، وَإِلَّا كَانَتْ نَافِيَةً لَهَا، بِخِلَافِهَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ فَهِيَ شَرْطِيَّةٌ دَائِمًا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهَا يَكُونُ مُقَدَّرًا، فَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ مَثَلًا، فَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ: يَلْزَمُنِي الْكَفَّارَةُ.
وَأَشَارَ إلَى بَقِيَّةِ الْأَيْمَانِ الْأَرْبَعِ بِقَوْلِهِ: (وَيَمِينَانِ لَا تُكَفَّرَانِ أَحَدُهُمَا) الْأَوَّلُ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُؤَنَّثَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا فَرْدَانِ.
(لَغْوُ الْيَمِينِ) أَيْ الْيَمِينُ اللَّغْوُ (وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ) الْمُكَلَّفُ بِاَللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْ بِنَذْرٍ مُبْهَمٌ (عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ) أَيْ يَتَيَقَّنُهُ (كَذَا) مُعْتَمِدًا عَلَى مَا (فِي يَقِينِهِ ثُمَّ) بَعْدَ الْحَلِفِ (يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ مَا كَانَ
فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا إثْمَ وَالْأُخْرَى الْحَالِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ أَوْ شَاكًّا فَهُوَ آثِمٌ وَلَا تُكَفِّرُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ وَلْيَتُبْ مِنْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -.
وَالْكَفَّارَةُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ
[الفواكه الدواني]
يَعْتَقِدُهُ.
(فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ: وَلَا لَغْوَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ، فَظَهَرَ نَفْيُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] فَمَنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ مَجِيءِ زَيْدٍ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ مَا جَاءَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَاءَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ الْحَلِفِ قَادِرًا عَلَى الْكَشْفِ وَعَلِمَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا حَمَلْنَا الْحَلِفَ عَلَى الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ اللَّغْوَ لَا يُفِيدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَذْرٍ غَيْرِ مُبْهَمٍ، وَفَسَّرْنَا الظَّنَّ فِي كَلَامِهِ بِالْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الظَّنِّ غَيْرِ الْقَوِيِّ، أَوْ عَلَى الشَّكِّ مِنْ قَبِيلِ الْغَمُوسِ كَمَا يَأْتِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ عَدَمِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ يُعَلِّقُهَا بِالْمَاضِي أَوْ الْحَالِ لَا بِالْمُسْتَقْبَلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (وَ) الْيَمِينُ (الْآخَرُ) الْأَوْلَى الْأُخْرَى مِمَّا لَا يُكَفَّرُ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ (الْحَالِفُ مُتَعَمِّدًا الْكَذِبَ أَوْ شَاكًّا) فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا نَظَرَ زَيْدًا فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ نَظَرَهُ أَوْ شَاكٌّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَمُوسٌ بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلَا تَبَيُّنٍ صَدَقَ بِأَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ، وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ صِدْقُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ غَمُوسًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ حَرَامًا قَالَ: (فَهُوَ) أَيْ الْحَالِفُ عَلَى شَكٍّ أَوْ مُتَعَمِّدِ الْكَذِبِ (آثِمٌ) إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ (وَلَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ) الْإِثْمَ (الْكَفَّارَةُ) فَاعِلُ يُكَفِّرُ لِعِظَمِ أَمْرِهَا وَعَدَمِ انْعِقَادِهَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْغَمُوسُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفِّرَهُ الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ؟ قَالَ وَإِنْ سِوَاكًا» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ أَيْ خَالِيَةً.
(وَلْيَتُبْ) وُجُوبًا الْحَالِفُ يَمِينَ الْغَمُوسِ (مِنْ ذَلِكَ) الْحَلِفِ (إلَى رَبِّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْهَا، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى خَالِقِهِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ صِيَامٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِغَمْسِهَا صَاحِبِهَا فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي النَّارِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَحَلَّ إثْمِ الْحَالِفِ عَلَى ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ، وَإِلَّا فَلَا إثْمَ.
قَالَ مَالِكٌ:، وَمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَقِيتُ فُلَانًا أَمْسِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَلَقِيَهُ أَمْ لَا ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ بَرَّ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ أَثِمَ، وَكَانَ كَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ، وَمَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ بَرَّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: مَحَلُّ كَوْنِ الظَّنِّ كَالشَّكِّ مَا لَمْ يَكُنْ قَوِيًّا، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ غَمُوسًا، وَلَا إثْمَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَاعْتَمَدَ الْبَابُ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ، وَأَمَّا إنْ قَيَّدَهَا بِأَنْ يَقُولَ فِي ظَنِّيِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَمِينَ اللَّغْوَ وَالْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالْمَاضِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا إمَّا لَغْوٌ أَوْ غَمُوسٌ أَوْ صَادِقَةٌ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْمُسْتَقْبَلِ تُكَفَّرُ، وَلَوْ لَغْوًا أَوْ غَمُوسًا، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالْحَالِ لَمْ تُكَفَّرْ إنْ كَانَتْ لَغْوًا.
وَفِي تَكْفِيرِ الْغَمُوسِ إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ خِلَافٌ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ تَعَلُّقِهَا بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ مَا يُفِيدُ عَدَمَ تَعَلُّقِهَا بِهِ، وَفَائِدَةُ عَدَمِ التَّعَلُّقِ التَّكْفِيرُ.
قَالَ جَمِيعَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ وَنَظَمَهُ بِقَوْلِهِ:
كَفِّرْ غَمُوسًا بِلَا مَاضٍ تَكُونُ كَذَا ... لَغْوٌ بِمُسْتَقْبَلٍ لَا غَيْرُ فَامْتَثِلَا
(فَإِنْ قِيلَ) الْمُنْعَقِدَةُ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْت أَوْ لَا فَعَلْت مَاضٍ، وَالْيَمِينُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَاضِي قُلْتُمْ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا إمَّا صَادِقَةٌ أَوْ غَمُوسٌ أَوْ لَغْوٌ فَمَا الْجَوَابُ؟ . (وَالْجَوَابُ) أَنْ يُقَالَ: الْحَلِفُ مِنْ بَابِ الْإِنْشَاءِ فَفِعْلٌ، وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا إنْشَاءً فَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ، وَالْكَفَّارَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ جُعِلَتْ إنْ شَرْطِيَّةً بِذِكْرِ الْجَوَابِ، وَالشَّرْطُ لَا يَكُونُ إلَّا مُسْتَقْبَلًا، وَإِنْ جُعِلَتْ نَافِيَةً الصَّارِفُ لَهَا إلَى الِاسْتِقْبَالِ الْحَلِفُ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ، وَقَدْ جَعَلَ النُّحَاةُ مِنْ صَوَارِفِ الْمَاضِي إلَى الِاسْتِقْبَالِ الْإِنْشَاءَ، فَإِذَا قَالَ الْحَالِفُ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت فُلَانًا، فَمَعْنَاهُ لَأَتْرُكَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ، فَمَعْنَاهُ اُتْرُكِي دُخُولَهَا، وَهَكَذَا.
هَذَا إيضَاحُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
وَأَقُولُ: الْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ الْمَشْرُوطُ كَوْنُهُ مُسْتَقْبَلًا مُتَعَلِّقُ
لَوْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ مِثْلَ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفِ مُدٍّ.
وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْ وَسَطِ عَيْشِهِمْ فِي غَلَاءٍ أَوْ رُخْصٍ، وَمَنْ أَخْرَجَ مُدًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَجْزَأَهُ.
وَإِنْ كَسَاهُمْ كَسَاهُمْ لِلرَّجُلِ قَمِيصٌ وَلِلْمَرْأَةِ قَمِيصٌ وَخِمَارٌ.
أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ وَلَا
[الفواكه الدواني]
الْيَمِينِ، وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ يَقَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا مَا وَقَعَ فِي الْمَاضِي، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي صِيغَةِ الْيَمِينِ إذْ قَدْ يَكُونُ لَفْظُهَا مَاضِيًا، وَمُتَعَلِّقُهَا وَقَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَافْهَمْ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْكَفَّارَةُ) اللَّازِمَةُ بِالْحِنْثِ أَوْ بِنَذْرِهَا أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهِيَ الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالْعِتْقُ، وَالرَّابِعُ مُرَتَّبٌ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الثَّلَاثِ، وَهُوَ الصَّوْمُ فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ ابْتِدَاءً مُرَتَّبَةٌ انْتِهَاءً وَأَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا، وَجُزْءُ الْكَفَّارَةِ (إطْعَامُ) أَيْ تَمْلِيكُ الْمُكَفِّرِ أَوْ نَائِبِهِ بِإِذْنِهِ (عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مُدًّا) مَفْعُولُ إطْعَامِ الثَّانِي (لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَمِقْدَارُهُ بِالْكَيْلِ حَفْنَتَانِ بِكَفَّيْ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ، وَلَا صَغِيرِهِمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُتَوَسِّطِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ الْعَدَدُ، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ لَا دَفْعُ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ الْعَدَدَ فِي الْأَوَّلِ، وَالْمُدَّ فِي الثَّانِي، وَلَا لِغِنًى، وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ بِهِ إنْ دَفَعَهُ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِغِنَاهُ إذَا اسْتَهْلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُسَلَّطُ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِغِنَاهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، فَإِنْ فَاتَ رَجَعَ عَلَيْهِ إنْ غَرَّهُ بِأَنْ أَوْهَمَهُ أَنَّهُ مِسْكِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَغُرَّهُ فَقِيلَ يُجْزِئُهُ وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَى الْإِجْزَاءِ فَيَلْزَمُ الْآخِذَ دَفْعُ مَا أَخَذَهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَعَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ يَلْزَمُ الْمُكَفِّرَ دَفْعُهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَهَلْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الْمَدْفُوعِ لَهُ أَوْ لَا؟ . قَوْلَانِ، وَلَا تُدْفَعُ لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا لِلْأَرِقَّاءِ لِغِنَائِهِمْ بِالسَّادَاتِ، وَزِيدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ مِمَّنْ يَلْزَمُ الْمُكَفِّرَ نَفَقَتُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا لَهُ كَالزَّكَاةِ.
(وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ لَوْ زَادَ) الْمُكَفِّرُ (عَلَى الْمُدِّ) وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ بِالِاجْتِهَادِ عِنْدَ مَالِكٍ وَعِنْدَ أَشْهَبَ تَحْدِيدُهَا بِكَوْنِهَا (مِثْلَ ثُلُثِ مُدٍّ) وَحَدَّهَا ابْنُ وَهْبٍ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ نِصْفِ مُدٍّ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ زِيَادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَلَا تُنْدَبُ الزِّيَادَةُ لِقَنَاعَةِ أَهْلِهَا وَقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ بِهَا، وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ مُسَاوَاةُ مَكَّةَ لِلْمَدِينَةِ فِي عَدَمِ الزِّيَادَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْمُخْرَجَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ يَكُونُ (بِقَدْرِ) أَيْ بِحَسَبِ (مَا يَكُونُ مِنْ وَسَطِ عَيْشِهِمْ) أَيْ الْمُكَفِّرِينَ فَلَا يُخْرِجُ أَدْنَى مِنْ الْوَسَطِ (فِي غَلَاءٍ أَوْ) أَيْ، وَلَا يُكَلَّفُ أَعْلَى لِأَجْلِ (رُخْصٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] وَالْمُرَادُ بِوَسَطِ عَيْشِهِمْ الْحَبُّ الْمُعْتَادُ غَالِبًا، فَتَخْرُجُ الْكَفَّارَةُ مِمَّا تَخْرُجُ مِنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَالْمُعْتَبَرُ عَيْشُ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ اعْتِبَارُ عَيْشِ الْمُكَفِّرِ، وَهُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَيْضًا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ أَهْلِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ لَا يُقَالُ لَهُمْ أَهْلُ زَيْدٍ مَثَلًا، وَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالْأُرْزُ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ، فَلَا تَخْرُجُ الْكَفَّارَةُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ مَعَ وُجُودِ وَاحِدٍ مِنْهَا، أَمَّا إذَا عُدِمَتْ التِّسْعَةُ فَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَالِبِ الْمُقْتَاتِ، وَلَوْ لَبَنًا أَوْ لَحْمًا.
(تَنْبِيهٌ) يَقُومُ مَقَامَ الْمُدِّ شَيْئَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ، أَحَدُهُمَا رَطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ بِالرَّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْإِدَامِ لَحْمٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ قُطْنِيَّةٍ أَوْ بَقْلٍ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَانِيهِمَا إشْبَاعُ الْعَشَرَةِ مَرَّتَيْنِ كَغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ الْمُدِّ وَسَوَاءٌ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْكَفَّارَةُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مُدٍّ، وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ زِيَادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ رَطْلَانِ خُبْزٍ بِإِدَامٍ كَشِبَعِهِمْ أَوْ كِسْوَتِهِمْ الرَّجُلَ ثَوْبًا وَالْمَرْأَةَ دِرْعًا وَخِمَارًا، وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ، وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ، وَلَا مُكَرَّرٌ، وَلِمِسْكِينٍ، وَلَا نَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ، وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ، وَلَهُ نَزْعُهُ إنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَخْرَجَ) مَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (مُدًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ) أَيْ، وَلَوْ فِي زَمَنِ الرُّخْصِ (أَجْزَأَهُ) ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ مَحْضُ تَكْرَارٍ.
وَلَمَّا كَانَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ مُخَيَّرَةً ابْتِدَاءً بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَقَدَّمَ وَاحِدًا مِنْهَا ذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَسَاهُمْ) أَيْ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ الْمَذْكُورِينَ وَالْمُرَادُ أَرَادَ كِسْوَتَهُمْ (كَسَاهُمْ لِلرَّجُلِ قَمِيصٌ) أَوْ إزَارٌ تَحِلُّ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ (وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ) أَيْ قَمِيصٌ (وَخِمَارٌ) ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ وَسَطِ كِسْوَةِ أَهْلِهِ، وَلَوْ عَتِيقًا وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ وَبِالْمَرْأَةِ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي إعْطَاءِ الْكِسْوَةِ وَالْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي إعْطَاءِ الْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى مِثْلُ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا فِي الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ الرَّضَاعِ، وَلَوْ لَمْ يُسَاوِ الْكَبِيرَ فِي الْأَكْلِ وَفِي الْكِسْوَةِ يُعْطَى كِسْوَةَ كَبِيرٍ مِنْ أَوْسَاطِ الرِّجَالِ، وَلَوْ كَانَ رَضِيعًا.
وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا الْمُكَفِّرُ الْحُرُّ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عِتْقٌ) بِالرَّفْعِ لِعَطْفِهِ عَلَى إطْعَامٌ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى (رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) سَلِيمَةٍ مِنْ بَيْنِ عَيْبٍ يَمْنَعُ
إطْعَامًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُتَابِعُهُنَّ فَإِنْ فَرَّقَهُنَّ أَجْزَأَهُ.
وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَبَعْدَ الْحِنْثِ أَحَبُّ إلَيْنَا.
، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ
[الفواكه الدواني]
الْكَسْبَ كَعَمًى وَجُنُونٍ، وَهَرَمٍ وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ لَا مَا خَفَّ كَقَطْعِ ظُفُرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَرَجٍ خَفِيفَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا سَلَامَتُهَا مِنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ، فَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ، وَلَا مُدَبَّرٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ، كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ احْتِرَازًا مِمَّنْ تُعْتَقُ بِالشِّرَاءِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً لَا الرَّقَبَةَ الْمُشْتَرَكَةَ، وَلَا يُشْتَرَطُ كِبَرُهَا لِإِجْزَاءِ الرَّضِيعِ، وَقَوْلُنَا الْمُكَفِّرُ الْحُرُّ لِإِخْرَاجِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ فَيُجْزِئُهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ أَحَبَّ إلَى مَالِكٍ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَى مَنْ أَعْتَقَهُ إنَّمَا وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَلَا يُعْتَقُ إلَّا مَنْ يَسْتَقِرُّ لَهُ الْوَلَاءُ.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إخْرَاجُ دَرَاهِمَ، وَلَا عُرُوضَ، كَمَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِطْعَامَ قِيمَةُ الطَّعَامِ أَوْ قِيمَةُ الْكِسْوَةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْمُخَيَّرِ فِيهِ شَرَعَ فِيمَا يَجِبُ تَرَتُّبُهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (فَإِنْ فَرَّقَهُنَّ أَجْزَأَهُ) فَلَا يَصِحُّ صِيَامٌ مِنْ حُرٍّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي عَجْزِهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنْ لَا يَجِدَ إلَّا قُوتَهُ أَوْ كِسْوَتَهُ بِبَلَدٍ لَا يَعْطِفُ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَخَافُ الْجُوعَ، وَهَكَذَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْعَجْزُ حَالَ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا حِينَ الْحَلِفِ أَوْ الْحِنْثِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَقَلِّ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِلتَّكْفِيرِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ كَمَالِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ كَمَالِ الثَّالِثِ نُدِبَ لَهُ الرُّجُوعُ لِلتَّكْفِيرِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ إتْيَانِ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ التَّنْوِيعِيَّةِ أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةً، قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةً بِأَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةً وَيُكْسِيَ خَمْسَةً مَثَلًا، وَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْخِلَافِ لَكِنْ بَعْدَ الْحِنْثِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ إجْزَائِهَا إنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْحِنْثِ قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَ) لَكِنَّ التَّكْفِيرَ (بَعْدَ الْحِنْثِ أَحَبُّ إلَيْنَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ يَمِينَ بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ لَكِنْ تَقَيَّدَ يَمِينُ الْحِنْثِ بِأَنْ لَا تَكُونَ مُؤَجَّلَةً فَلَا تُكَفِّرُهَا حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ أَنَّ الْيَمِينَ مِمَّا يُمْكِنُ تَكْفِيرُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ، وَذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ بِالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ أَوْ التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَنَظِيرُهَا فِي الْإِجْزَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ تَكْفِيرَ الطَّلَاقِ الْبَالِغِ الْغَايَةِ، وَأَمَّا الْيَمِينُ بِصَدَقَةِ شَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِعِتْقٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِطَلَاقٍ لَمْ يَبْلُغْ الْغَايَةَ، فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ قَبْلَ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ مَا حَلَفَ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا زِيَادَةً عَلَى مَا عَجَّلَهُ.
الثَّانِي: اسْتَشْكَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَبَعْدَ الْحِنْثِ أَحَبُّ إلَيْنَا، مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَتَجِبُ بِالْحِنْثِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَحَبِّيَّةِ وَالْوُجُوبِ، إذْ قَدْ تُحْمَلُ الْأَحَبِّيَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ أَنَّ الْأَحَبِّيَّةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْإِخْرَاجَ وَاجِبٌ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ مَا يُوجِبُ الْحِنْثَ، وَلَهُ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ: الْوُجُوبُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ كَصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ صَلَاةِ فَرْضٍ يَحْلِفُ لَا يَفْعَلُهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ خُرُوجًا مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَالنَّدْبُ كَحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ كَصَلَاةِ الضُّحَى أَوْ زِيَارَةِ صَالِحٍ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْنِيثُ نَفْسِهِ بِالْجَوَازِ، كَحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ مُبَاحٍ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ مَشَقَّةٌ فَيُبَاحُ لَهُ تَحْنِيثُ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ بِتَرْكِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ تَحْنِيثُ نَفْسِهِ، وَالْحُرْمَةُ كَأَنْ يَحْلِفَ لَا يَشْرَبُ خَمْرًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْنِيثُ نَفْسِهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ عَنْهُ، وَيُحْنِثُ نَفْسَهُ عِنْدَ حَلِفِهِ لَيَشْرَبَنَّهُ وَيُكَفِّرُ فَإِنْ تَجَرَّأَ وَشَرِبَهُ أَثِمَ، وَلَا كَفَّارَةَ لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْقِسْمُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
الرَّابِعُ: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ يَمِينَ الْبِرِّ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِيهَا إلَّا لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ اخْتِيَارًا، وَلَوْ فَعَلَهُ مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ أَوْ الْغَلَطِ أَوْ مُكْرَهًا إكْرَاهًا شَرْعِيًّا لَا إنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ إكْرَاهًا غَيْرَ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَأْمُرَ بِالْإِكْرَاهِ أَوْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ هُوَ الْحَالِفَ، كَأَنْ يَحْلِفَ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَأَكْرَهَهُ الْحَالِفُ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ يَكُونُ الْحَالِفُ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يُكْرِهُهُ عَلَى فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، رَاجِعْ شَرْحَ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ.
وَأَمَّا الْبِرُّ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ فَيَحْصُلُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى فِعْلِهِ طَوْعًا، وَأَمَّا لَوْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا فَفِي عِتْقِهَا لَا يَبَرُّ، وَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَى الطَّوْعِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ نِيَّةَ فِعْلِهِ، وَلَوْ مُكْرَهًا فَيُصَدَّقُ فِي الْفَتْوَى، وَهَذَا فِي حَلِفِهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَلِفُهُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ كَحَلِفِهِ لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ ثُمَّ أَكْرَهَهُ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ قِيَامٌ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا فَيَبَرُّ وَتَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ فِي الْفَتْوَى فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ لَا يَبَرُّ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ.
يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ نَذَرَ صَدَقَةَ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ عِتْقَ عَبْدِ غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ
[الفواكه الدواني]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ الْأَيْمَانِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّذْرِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى تَعْرِيفِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ نَذَرَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ (أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ) بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ زِيَارَةُ صَالِحٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ.
(فَلْيُطِعْهُ) وُجُوبًا بِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ، وَلَوْ نَذَرَهُ فِي حَالِ غَضَبٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنَذْرِ اللَّجَاجِ أَوْ قَصَدَ بِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنَذْرِ التَّبَرُّمِ بِالْمِيمِ، كَمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ لِكَرَاهَةِ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ مَثَلًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِنْ قِيلَ بِكَرَاهَةِ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ مَا ذُكِرَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَلَوْ غَضْبَانَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ إنْ أَسْلَمَ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لَهُ فَقَطْ، وَكَذَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَلْزَمُهُمَا الْوَفَاءُ بِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوَفَاءُ إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَدَخَلَ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ بِحَرَامٍ وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَكَالْمَجْنُونِ، كَمَا تَدْخُلُ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ حَيْثُ كَانَ نَذَرُهُمَا بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، كَمَا يَدْخُلُ الرَّقِيقُ سَوَاءٌ نَذَرَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ عَتَقَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ الْآنَ إلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ لِإِضْرَارِهِ بِهِ فِي عَمَلِهِ حَيْثُ نَذَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ، وَكَانَ مَضْمُونًا، وَيَدْخُلُ السَّفِيهُ أَيْضًا، وَلَوْ نَذَرَ مَالًا حَيْثُ اسْتَمَرَّ بِيَدِهِ حَتَّى رَشَدَ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي حَالِ سَفَهِهِ، وَإِلَّا يَسْقُطْ عَنْهُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ لِفِعْلِهِ إبْطَالٌ، وَالْمُرَادُ بِالطَّاعَةِ فِي كَلَامِهِ كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ غَيْرِ وَاجِبٍ بِالْأَصَالَةِ، فَيَدْخُلُ الْمَنْدُوبُ وَالْمَسْنُونُ، وَلَوْ نَذَرَ بَعْضَ الْعِبَادَةِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ بَعْضُ صَلَاةٍ أَوْ رَكْعَةٌ أَوْ صَوْمُ بَعْضِ يَوْمٍ، يَلْزَمُهُ الْإِكْمَالُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَشْمَلُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ، وَلَا يُقَالُ: كَمَا يُتَوَهَّمُ خُرُوجُ السُّنَّةِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ يُتَوَهَّمُ دُخُولُ الْوَاجِبِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الطَّاعَةِ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْمَطْلُوبِ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ فَافْهَمْ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطَاعَةِ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ الْقَضَاءُ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ كَيْفَ مَا صَدَقَتْ أَحْوَالُهُ لَا يَقْضِي بِهِ، وَلَوْ كَانَ بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِنِيَّتِهِ، وَلَا نِيَّةَ مَعَ الْقَضَاءِ وَالْإِكْرَاهِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي بِبَتٍّ مُعَيَّنٍ كَأَنْ يَقُولَ الرَّشِيدُ: ابْتِدَاءً عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ، وَمِثْلُ النَّذْرِ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ وَعَدَمِ الْقَضَاءِ الْهِبَةُ وَالْوَقْفُ إذَا كَانَتْ فِي يَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا لِغَيْرِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ أَوْ وَقْفٌ أَوْ هِبَةٌ فِي يَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي غَيْرِهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لِمُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَيُقْضَى بِهِ كَقَوْلِهِ: دَارِي صَدَقَةٌ أَوْ وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَقَوْلَانِ.
(وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ) - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِشَيْءٍ كَسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَتْلٍ (فَلَا يَعْصِهِ) بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَفْظُ حَدِيثٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ نَاذِرَ الْمَعْصِيَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِتَمَسُّكِهِ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ضَعَّفَهَا غَيْرُهُ، فَإِنْ قِيلَ: يَشْكُلُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ قَالَ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ، وَلَوْ قَرِيبًا أَوْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ وَذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَيْ قِصَّتَهُ مَعَ وَلَدِهِ أَوْ لَفَظَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ مَعَ أَنَّ نَذْرَ مَا ذَكَرَ مَعْصِيَةٌ؟ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ خَرَجَتْ عَنْ الْأَصْلِ، فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْمَنْعِ، وَبِأَنَّ النَّاذِرَ أَوْ الْحَالِفَ لَمَّا لَفَظَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ أَوْ ذَكَرَ قِصَّةَ إبْرَاهِيمَ مَعَ وَلَدِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْمَعْصِيَةَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ بِنَحْرِ الْهَدْيِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِنَحْرِ فُلَانٍ قَتْلَهُ حَقِيقَةً لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَا يَلْزَمُ نَاذِرِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ أَوْ تَالِيَيْ عِيدِ النَّحْرِ إلَّا لِمَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَقْصٌ فِي حَجٍّ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ نَذْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ حُكْمُ نَذْرِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، لِمَا أَنَّ فِيهِ خِلَافًا بِأَنَّ نَذْرَ كُلِّ وَاحِدٍ تَابِعٌ لِحُكْمِهِ وَبِالْحُرْمَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَكْرُوهِ الْجَارِي فِي نَذْرِهِ الْخِلَافُ نَذْرُ صَوْمِ رَابِعِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَنَذْرُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَنَذْرُ مَا يَشُقُّ فِعْلُهُ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهَا؛ لِأَنَّ كَرَاهَتَهَا لَا لِذَاتِهَا، بِخِلَافِ نَذْرِ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِمَا، وَإِنْ كُرِهَا، لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ النَّاذِرُ بِفِعْلِهِمَا إلَى إيقَاعِهِمَا فِي وَقْتِ الطُّلُوعِ أَوْ الْغُرُوبِ، وَمِنْ الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ نَذْرُ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ كَكُلِّ خَمِيسٍ، وَأَمَّا الْمُعَلَّقُ نَحْوَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ إنْ زَنَيْت أَوْ قَتَلْت فُلَانًا فَعَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ فَفِي كَرَاهَتِهِ تَرَدُّدٌ وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ إذَا فَعَلَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُحَرَّمًا.
وَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ قُرْبَةً، وَالتَّصَدُّقُ بِمَالِ الْغَيْرِ لَا قُرْبَةَ فِيهِ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ) أَيْ الْتَزَمَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (صَدَقَةَ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ) نَذَرَ (عِتْقَ عَبْدِ غَيْرِهِ) ، وَلَمْ يَقْصِدْ إنْ مَلَكَهُ (لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ، وَلَوْ مَلَكَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَصْدِ لِخَبَرِ: «لَيْسَ
شَيْءٌ.
وَمَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرُ كَذَا، وَكَذَا لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَدَقَةِ شَيْءٍ سَمَّاهُ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ إنْ حَنِثَ كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ نَذَرَهُ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا مِنْ الْأَعْمَالِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ
، وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ شِبْهِهِ أَوْ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ.
[الفواكه الدواني]
عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» أَيْ حِينَ نَذَرَهُ، وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ التَّصَدُّقَ بِهِ أَوْ عِتْقَهُ عَلَى تَقْدِيرِ إنْ مَلَكَهُ لَلَزِمَهُ إنْ مَلَكَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ أَوْ عِتْقُهُ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى نَذْرِ التَّصَدُّقِ بِمَالِ الْغَيْرِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِ الْغَيْرِ.
وَفِي الشَّاذِلِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَبَحَثَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ وَارْتَضَى حُرْمَتَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِمِلْكِهِ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ إنْ مَلَكَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ.
وَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ يَنْقَسِمُ إلَى يَمِينٍ وَغَيْرِ يَمِينٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ أَمْرٍ أَوْ لَا قَالَ: (وَمَنْ قَالَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (إنْ فَعَلْت نَذْرَ كَذَا، وَكَذَا فَعَلَيَّ نَذْرُ كَذَا، وَكَذَا لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ) بِلِسَانِهِ أَوْ يَنْوِيهِ بِقَلْبِهِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ) أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ زِيَارَةِ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَلَوْ مَيِّتًا (أَوْ) مِنْ تَطَوُّعِ (حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَدَقَةِ شَيْءٍ سَمَّاهُ) مِنْ مَالِهِ كَدِينَارٍ أَوْ شَاةٍ مَثَلًا (فَذَلِكَ) الَّذِي نَذَرَهُ وَسَمَّاهُ، وَإِنْ مُعَيَّنًا اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَالِهِ (يَلْزَمُهُ إنْ حَنِثَ) بِفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَلَوْ مُحَرَّمًا (كَمَا يَلْزَمُهُ) مَا سَمَّاهُ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لَوْ نَذَرَهُ مُجَرَّدًا) أَيْ (مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى صِيغَةِ النَّذْرِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَذَا الدِّينَارُ أَوْ التَّصَدُّقُ بِهَذَا الدِّينَارِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّذْرَ إنْ عُلِّقَ عَلَى أَمْرٍ لِقَصْدِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ كَانَ يَمِينًا لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: لَا لِامْتِنَاعٍ مِنْ أَمْرٍ هَذَا يَمِينٌ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ مِنْهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: النَّاذِرُ لِشَيْءٍ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ تَارَةً يُعَيِّنُ قَدْرًا فَيَلْزَمُ، وَتَارَةً يُعَيِّنُ مَا مِنْهُ النَّذْرُ أَوْ الصَّدَقَةُ فَيَلْزَمُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّوْعِ الْمُسَمَّى مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ نَذْرٍ، كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ تَسْمِيَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ صَوْمِ يَوْمٍ عِنْدَ تَسْمِيَةِ الصَّوْمِ،، وَهَكَذَا الصَّدَقَةُ أَقَلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُهَا، وَلَوْ رُبُعَ دِرْهَمٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مَالِي، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ مَالِي فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ كَمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِدَارِي أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُسَمِّيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ سِوَى الدَّارَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا سَمَّى، وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ شَيْئًا أَوْ تَلَفَّظَ بِغَيْرِهِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا نَوَاهُ بِقَلْبِهِ لَا مَا تَلَفَّظَ بِهِ بِلِسَانِهِ كَالْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِصَلَاةٍ أَوْ حَجٍّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَخَالَفَا فَالْعَقْدُ وَفِي الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَنْ سَمَّى دَارًا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَتَهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَلَيْسَ مِنْ شِرَاءِ الصَّدَقَةِ.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّذْرَ سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ بِأَنْ قَصَدَ مِنْهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ أَوْ لَا، وَإِنْ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ لَا يُقْضَى بِهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ لَا وَفَاءَ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَمَعَ الْقَضَاءِ لَا نِيَّةَ، وَمِثْلُ النَّذْرِ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ لَوْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ أَوْ حَبْسٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ وَحَنِثَ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي بِبَتٍّ مُعَيَّنٍ نَحْوَ: عَبْدِي مَرْزُوقٌ حُرٌّ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَتَّ عِتْقَ عَبْدٍ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِدَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَيُؤْمَرُ بِهَا، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، اُنْظُرْ التَّتَّائِيَّ وَغَيْرَهُ.
الثَّالِثُ: إذَا نَذَرَ حَجًّا أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ إلَّا مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَأَمَّا لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّوَجُّهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ لَا مَاشِيًا، وَلَا رَاكِبًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِنَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ نَذْرِ غَيْرِ الْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حُكْمِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ شَرَعَ فِي حُكْمِ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) النَّاذِرُ (لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا (مِنْ الْأَعْمَالِ) الْمَعْدُودَةِ لِلْبِرِّ، وَلَا مِنْ الذَّوَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ ثُمَّ فَعَلَهُ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُبْهَمَ عِنْدَ مَالِكٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ كَفَّارَةً، وَلَغْوًا وَاسْتِثْنَاءً، فَمَحِلُّ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِهِ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَغْوًا.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: النَّذْرُ الْمُبْهَمُ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَاللَّغْوِ وَالْغَمُوسِ وَالْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا يَتَخَالَفَانِ فِي أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ لَفْظَ النَّذْرِ تَكَرَّرَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الِاتِّحَادَ بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَقَدْ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَلِفِ بِعِشْرِينَ نَذْرًا عِشْرِينَ كَفَّارَةً، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ أَنَّهُ لَوْ سَمَّى لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا بِأَنْ عَيَّنَ مَا نَذَرَهُ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا عَيَّنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا مَفْهُومُ مَا سَبَقَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ لَا يُكَفِّرُهُ صِيَامٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَيُكَفِّرْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَيُخْرِجَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ) يَحْرُمُ قَتْلُهَا، وَلَوْ بِالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ.
(أَوْ) مِنْ (شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ شِبْهِهِ) مِنْ كُلِّ مُغَيِّبٍ لِلْعَقْلِ (أَوْ) نَذَرَ فِعْلَ (مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ
وَإِنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَإِنْ تَجَرَّأَ وَفَعَلَهُ أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ.
وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، وَمِيثَاقُهُ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
وَلَيْسَ عَلَى مَنْ وَكَّدَ الْيَمِينَ فَكَرَّرَهَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمَنْ قَالَ أَشْرَكْت بِاَللَّهِ وَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ.
وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا
[الفواكه الدواني]
وَلَا مَعْصِيَةٍ) كَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ مِثَالُ الْمُبَاحِ عَلَيَّ نَذْرُ بَيْعِ هَذِهِ السِّلْعَةِ أَوْ لُبْسِ هَذَا الثَّوْبِ، وَمِثَالُ الْمَكْرُوهِ نَذْرُ عَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ مَنْدُوبًا وَطَاعَةً فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ كُرِهَ لِعَارِضٍ فَيَدْخُلُ نَذْرُ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ وَرَابِعِ النَّحْرِ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ) أَيْ يَتُوبُ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ بِصَدَقَةٍ بِفَلْسٍ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ رُجُوعُ الِاسْتِغْفَارِ إلَى كُلِّ مَا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ حَتَّى الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى حُرْمَةِ نَذْرِهِمَا، وَفَسَّرْنَا الِاسْتِغْفَارَ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ إذَا أَطْلَقَتْهُ تُرِيدُ بِهِ التَّوْبَةَ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهَا إنْ كَانَ مَا اقْتَرَفَهُ مَعْصِيَةً، وَنَدْبُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَحَرَّرَهُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ حَلَفَ) الْمُكَلَّفُ (بِاَللَّهِ) أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ (لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ زَيْدًا (فَلْيُكَفِّرْ) وُجُوبًا (عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَفْعَلَ ذَلِكَ) الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ.
وَمِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِمَّا لَا تُكَفَّرُ كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَعِتْقُ الْعَبْدِ لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَبَرَّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَجَرَّأَ وَفَعَلَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي (أَثِمَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ) إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا تُكَفَّرُ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ، وَلَا عِتْقٌ لِفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ (عَهْدُ اللَّهِ) أَيْ بَقَاؤُهُ (وَمِيثَاقُهُ فِي يَمِينٍ) وَاحِدَةٍ أَيْ فِي الْحَلِفِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا (فَحَنِثَ) بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ) ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ يَمِينٌ، وَمِيثَاقُهُ يَمِينٌ أُخْرَى، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الصِّيَغِ الْمَحْلُوفِ بِهَا سَوَاءٌ تَرَادَفَ مَعْنَاهَا كَمَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ يَرْجِعَانِ لِكَلَامِ اللَّهِ وَإِلْزَامِهِ، وَكَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ، أَوْ اخْتَلَفَ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي أَوْ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، سَوَاءٌ قَصَدَ الْحَالِفُ بِتَعَدُّدِهَا التَّأْكِيدَ أَوْ الْإِنْشَاءَ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَفَّارَاتٍ فَتَتَعَدَّدُ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى مَا تَعَدَّدَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: وَتَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا تَتَعَدَّدُ فِيهِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ وَحْدَةُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَمَّا لَوْ تَعَدَّدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ مَا أُكَلِّمُ زَيْدًا، وَعَلَيَّ مِيثَاقٌ أَوْ عَهْدٌ لَا أُكَلِّمُ عَمْرًا فَيَفْعَلُ الْجَمِيعَ وَيُكَلِّمُهُمَا فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ.
(وَلَيْسَ عَلَى مَنْ وَكَّدَ) أَيْ قَوَّى (الْيَمِينَ فَكَرَّرَهَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ) أَيْ فِي الْحَلِفِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ (غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَفَعَلَهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ التَّأْسِيسَ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَصَدَ التَّأْسِيسَ وَالْإِنْشَاءَ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا فِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ: وَوَاللَّهِ ثُمَّ وَاَللَّهِ، وَإِنْ قَصَدَهُ أَيْ التَّأْسِيسَ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَالظِّهَارُ مِثْلُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ إذَا كَرَّرَهَا بِغَيْرِ عَطْفٍ، وَكَانَ فِسْقًا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ يُشَدَّدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الطَّلَاق الثَّانِيَ أَوْ الثَّالِثَ يَحْصُلُ بِهِ مَا لَا يَحْصُلُ بِمَا قَبْلَهُ، وَمَفْهُومٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَتَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت مَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا الْيَمِينُ.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّذْرَ الْمُبْهَمَ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ إلَّا فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ عِنْدَ تَعَدُّدِهِ بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرٌ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الِاتِّحَادَ، وَأَمَّا الْيَمِينُ فَلَا يَلْزَمُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ إلَّا كَفَّارَةٌ إلَّا فِي مَسَائِلَ أَشَارَ إلَيْهَا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ بِحَلِفِهِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَكَرَّرَ الْيَمِينَ وَنَوَى إنْ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْمُقْسَمِ بِهِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ، أَوْ قَالَ لَا، وَلَا عَلَيَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَكَرَّرَ لَفْظَ الْقَسَمِ أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْنَثَ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَلْفَاظٍ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَوَامُّ عِنْدَ قَصْدِهَا الِامْتِنَاعِ مِنْ أَمْرٍ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَالَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (أَشْرَكْت بِاَللَّهِ) أَوْ كَفَرْت بِاَللَّهِ (أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ) قَاصِدًا نَفْسَهُ (أَوْ) قَالَ هُوَ (نَصْرَانِيٌّ) أَوْ يَكُونُ عَابِدَ صَنَمٍ أَوْ يَكُونُ خِنْزِيرًا (إنْ فَعَلَ كَذَا) أَيْ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَفَعَلَهُ (فَلَا يَلْزَمُهُ) شَيْءٌ (غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ) ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، وَمَا
أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا فِي زَوْجَتِهِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ.
وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
ذَكَرَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ يَمِينٌ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ لِارْتِكَابِهِ أَمْرًا مُحَرَّمًا، وَيَطْلُبُ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى التَّوْبَةِ التَّقَرُّبَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ كَعِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلَ كَذَا يَكُونُ مُرْتَدًّا أَوْ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، أَوْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ، بِخِلَافِ مَنْ حَلَفَ بِنَحْوِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى مَعَ قَصْدِ تَعْظِيمِهَا فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ فَكَفَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ الْعَوَامّ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ فَعَلَ كَذَا يَكُونُ دَاخِلًا عَلَى أَهْلِهِ زَانِيًا فَاسِقًا وَيَفْعَلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ زَانِيًا بِمَنْ كَانَتْ زَوْجَةً إذَا كَانَ طَلَاقُهَا ثَلَاثًا، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ هَذَا بَحْثٌ لِبَعْضِ شُيُوخِنَا.
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ ارْتِدَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْيَمِينِ يَقْتَضِي بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَشْرَكَ بِاَللَّهِ أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ يَكُونُ مُرْتَدًّا يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يَحْصُلُ بِهَا الِارْتِدَادُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ فِي بَابِ الرِّدَّةِ.
(وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ مِنْ شَرَابٍ أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) سِوَى الِاسْتِغْفَارِ لِإِثْمِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْمُحَلِّلَ إنَّمَا هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ فَاعِلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] وَقَالَ - تَعَالَى -: وَ ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] ، وَإِنَّمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى قَائِلِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ، وَكَانَ تَحْرِيمُهَا لَيْسَ لَغْوًا قَالَ: (إلَّا) التَّحْرِيمَ الْوَاقِعَ مِنْ الْمُكَلَّفِ (فِي زَوْجَتِهِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا طَلَاقُهَا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - جَعَلَ لِلْأَزْوَاجِ الطَّلَاقَ فَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ثَلَاثًا، وَلَا تَحِلُّ لَهُ (إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ) ، وَلَا يَنْوِي فِي الدُّخُولِ بِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْأَمَةِ فَكَتَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَا يَلْزَمُ بِتَحْرِيمِهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِتَحْرِيمِ الْأَمَةِ عِتْقَهَا فَتُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ بِرِضَاهَا وَبِصَدَاقٍ وَشُهُودٍ كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَغْوٌ، وَمَا يُقَالُ مِنْ لُزُومِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ فِي الْأَمَةِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَفَّرَ فِي الْأَمَةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا كَفَّرَ لِحَلِفِهِ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَقْرَبَ أُمَّ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَهَا.
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: مَنْ قَالَ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ أَوْ الْأَيْمَانَ تَلْزَمُهُ أَوْ كُلَّ الْأَيْمَانِ تَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْأَيْمَانِ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا وَحَنِثَ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ حَتَّى صَوْمِ سَنَةٍ إنْ اُعْتِيدَ الْحَلِفُ بِهِ، وَيَلْزَمُهُ فِي الزَّوْجَةِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَزِيدَ فِي الْأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ، وَهَذَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ: يَلْزَمُهُ فِي الزَّوْجَةِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ: عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إنْ فَعَلْت كَذَا وَفَعَلَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَتَاتُ فِي الزَّوْجَةِ وَعِتْقُ مَنْ يَمْلِكُهُ يَوْمَ يَمِينِهِ وَالتَّصَدُّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالْحَجُّ مَاشِيًا، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ مَا ذُكِرَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَثَّقُ عَلَى غَيْرِهِ بِالطَّلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَثَّقُ عَلَى غَيْرِهِ بِالْمَشْيِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَثَّقُ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَاحْتِيطَ وَأُلْزِمَ الْحَالِفُ بِهَذَا اللَّفْظِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ الَّتِي اُعْتِيدَ الْحَلِفُ بِهَا، إمَّا لِلْحَالِفِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ، أَوْ لِأَهْلِ الْبَلَدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، لَا مَا لَا يُعْرَفُ الْحَلِفُ بِهِ لِأَحَدٍ كَمَشْيٍ لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ اعْتِكَافٍ أَوْ تَرْبِيَةِ أَيْتَامٍ فَلَا يَلْزَمُ قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْعَادَةِ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَالْجَمِيعُ تَابِعُونَ لِلْقَرَافِيِّ حَتَّى قَالَ: إنَّ مَنْ أَفْتَى بِمَا فِي الْكُتُبِ حَيْثُ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ؛ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْعَادَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ حَيْثُ تَغَيَّرَتْ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي السُّؤَالُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِ الْحَالِفِ، وَيَعْمَلُ بِعُرْفِ بَلَدِهِ، وَلَوْ خَالَفَ الْمُسَطَّرَ فِي الْكُتُبِ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ الشَّارِعِ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَنْظُرُ إلَّا لِمَا وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ، وَلَوْ خَالَفَهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَوَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَالْعُرْفُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ فَافْهَمْ فَإِنَّهَا قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حَلَلْت حُرِّمْت فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ أَمْ لَا؟ . فِي جَوَابِهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ إنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَّ لِي الْعَقْدُ عَلَيْك فَهُوَ حَرَامٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ حَرَامٌ، وَلَمْ يَقْصِدْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، وَإِنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَلْت وَتَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ حَرَامٌ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي لِكَثْرَةِ قَصْدِ النَّاسِ لَهُ.
(وَمَنْ جَعَلَ) أَيْ صَيَّرَ (مَا لَهُ صَدَقَةً أَوْ) جَعَلَهُ (هَدْيًا) إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ جَعَلَهُ عَلَى جِهَةِ النَّذْرِ أَوْ الْحَلِفِ وَحَنِثَ
حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ فَإِنْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَهْدَى هَدْيًا يُذْبَحُ بِمَكَّةَ وَتُجْزِئُهُ شَاةٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَقَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ فَلْيَمْشِ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ رَكِبَ
[الفواكه الدواني]
(أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ) حِينَ يَمِينِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَا لِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْت الذَّنْبَ فِيهَا وَأُجَاوِرُك وَأَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ؟ فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ فَرْعُ شُغْلِ الذِّمَّةِ، وَمَالُهُ يَشْمَلُ عَرَضَهُ وَدَيْنَهُ وَقِيمَةَ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ، وَلَيْسَ مِنْهُ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ثُلُثُ مَالِهِ بَعْدَ أَدَائِهِ دُيُونَهُ وَمَهْرَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّمَا الثُّلُثُ بِحِينِ يَمِينِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ حَلَفَ وَعِنْدَهُ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَحْنَثْ حَتَّى نَقَصَ فَالْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْبَاقِي، فَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِخْرَاجُ حَتَّى ضَاعَ الْمَالُ، وَلَوْ جَمِيعُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ عَلَى مَا فِي هِبَاتِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِشَارِحِهَا أَبِي الْحَسَنِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ جَعَلَ مَالَهُ أَنَّهُ لَوْ سَمَّى شَيْئًا كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ كَبَيْتٍ أَوْ سِلْعَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ، وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَالِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا سَمَّى، وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ: عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِمَالِي إلَّا كَذَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ، وَلَوْ قَلَّ الْفَرْقُ بَيْنَ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ وَبَيْنَ مَنْ سَمَّى يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا سَمَّاهُ، إنَّ مَنْ سَمَّى لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى نَفْسِهِ بَلْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَلَوْ ثِيَابَ ظَهْرِهِ، وَمَنْ قَالَ مَالِي، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مَالِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَخَفَّفَ عَنْهُ وَاكْتَفَى مِنْهُ بِثُلُثِهِ.
الثَّانِي: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَجْزَأَهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ، وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ لَا يُقْضَى بِهِ، وَمِثْلُهُ الصَّدَقَةُ أَوْ الْحَبْسُ إذَا كَانَتْ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَلِمُعَيَّنٍ لَقَضَى بِهَا؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ الْتَزَمَ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ، فَالْهِبَةُ وَنَحْوُهَا إذَا كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ وَبِغَيْرِ يَمِينٍ يُقْضَى بِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ خَلِيلٍ.
الثَّالِثُ: لَوْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ جَمِيعِ مَا يَسْتَفِيدُهُ أَبَدًا أَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَا أَسْتَفِيدُهُ صَدَقَةٌ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَيَّنَ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا يَكْتَسِبُهُ أَوْ يَسْتَفِيدُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ يَدْفَعُهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا.
(وَمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، وَحَنِثَ أَوْ نَذَرَ ذَلِكَ أَوْ نَذَرَ نَحْرَ نَفْسِهِ.
(فَإِنْ ذَكَرَ) الْحَالِفُ أَوْ النَّاذِرُ أَوْ نَوَى فِي قَلْبِهِ (مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلِ أَيْ قِصَّتَهُ مَعَ وَلَدِهِ فِي الْتِزَامِهِ ذَبْحِهِ وَفَدَاهُ بِالْهَدْيِ لَا مَقَامَ الصَّلَاةِ.
(أَهْدَى) أَيْ أَخْرَجَ وُجُوبًا (هَدْيًا) يُجْزِئُ ضَحِيَّةً (يَذْبَحُ) أَوْ يَنْحَرُ (بِمَكَّةَ) إنْ لَمْ يَسُقْ فِي حَجٍّ وَيُوقَفُ بِهِ فِي عَرَفَةَ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِلَّا ذُكِّيَ فِي مِنًى، وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الْأَعْلَى كَبَدَنَةٍ، وَإِلَّا فَبَقَرَةٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ) لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى أَعْلَى مِنْهَا.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ بَلْ مِثْلُهُ لَوْ نَوَى أَوْ ذَكَرَ مَوْضِعَ النَّحْرِ كَمَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ مَوْضِعًا مِنْ مَوَاضِعِهَا أَوْ لَفَظَ بِالْهَدْيِ فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فِي الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْهَدْيِ أَوْ ذِكْرَهُ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْقُرْبَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْحَلِفِ.
(وَ) مَفْهُومُ مَا تَقَدَّمَ (إنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَقَامَ) ، وَلَا نَوَاهُ، وَلَا لَفَظَ بِالْهَدْيِ، وَلَا ذَكَرَ مَوْضِعَ الذَّبْحِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْقُرْبَةَ بَلْ قَصَدَ قَتْلَ وَلَدِهِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ هَدْيٍ، وَلَا كَفَّارَةٍ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ نَذَرَ نَحْرَهُ أَوْ حَلَفَ بِنَحْرِهِ عَبْدَهُ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا أَوْ كُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ هَدْيٍ لِغَيْرِ مَكَّةَ أَوْ مَالِ غَيْرٍ إنْ لَمْ يُرِدْ إنْ مَلَكَهُ أَوْ عَلَى نَحْرِ فُلَانٍ، وَلَوْ قَرِيبًا إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ، فَالْأَحَبُّ حِينَئِذٍ بَدَنَةٌ كَنَذْرِ الْهَدْيِ ثُمَّ بَقَرَةٌ.
(وَمَنْ حَلَفَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ) ، وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا صَلَاةً، وَلَا صِيَامًا بِأَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ أَوْ إلَى جُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ كَالْحَجَرِ وَالْمُلْتَزَمِ وَالرُّكْنِ وَالْبَابِ (فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ) ، وَمِثْلُ الْحَلِفِ لَوْ نَذَرَ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ يَمْشِي (مِنْ مَوْضِعٍ) نَوَاهُ فِي النَّذْرِ وَالْحَلِفِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ، وَفِي الْحَلِفِ مِنْ مَوْضِعِ (حَلِفِهِ) فَإِنْ حَنِثَ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَلِفِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْهُ إنْ كَانَ مِثْلَ مَوْضِعِ الْحَلِفِ فِي الْبُعْدِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ مَوْضِعِ الْحَلِفِ، وَلَوْ يَسِيرًا رَجَعَ إلَى مَوْضِعِ الْحَلِفِ، وَمَشَى مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ مَشْيَ جَمِيعِ الطَّرِيقِ فَيَمْشِي مِنْ مَوْضِعِهِ وَيُهْدِي، وَقَوْلُنَا فِي الْبُعْدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمِثْلِيَّةُ فِي الْمَسَافَةِ لَا فِي الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعًا لِمَشْيِهِ الْمَشْيُ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ لِلْحَالِفِينَ، وَلِغَيْرِهِمْ أَوْ لِلْحَالِفِينَ فَقَطْ، وَإِنْ اخْتَلَفَ طَرِيقُ الْحَالِفِينَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَيَجُوزُ الْمَشْيُ، وَلَوْ مِنْ الْقَرِيبَةِ حَيْثُ اُعْتِيدَ الْمَشْيُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِينَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ فَيَمْشِي مِنْ مَوْضِعِ
ثُمَّ يَرْجِعُ ثَانِيَةً إنْ قَدَرَ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ، وَأَهْدَى وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَرْجِعُ ثَانِيَةً، وَإِنْ قَدَرَ وَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ، وَإِذَا كَانَ صَرُورَةً جَعَلَ ذَلِكَ فِي عُمْرَةٍ فَإِذَا طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ بِفَرِيضَةٍ، وَكَانَ مُتَمَتِّعًا وَالْحِلَاقُ فِي
[الفواكه الدواني]
نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ.
وَإِذَا خَرَجَ الْحَالِفُ أَوْ النَّاذِرُ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (فَلْيَمْشِ) أَيْ يَجْعَلْ مَشْيَهُ (إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ اُعْتِيدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهَا يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ الْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُجَاوَزَتُهُ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ إلَّا الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْمُتَرَدِّدُ عَلَيْهَا كَالْحَطَّابِ وَالْفَكَّاهِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ عَيَّنَ نَذْرَهُ حِينَ حَلِفِهِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَلْزَمُ: وَمَشَى لِمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَلَوْ نَافِلَةً.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ نَاذِرَ الْمَشْيِ أَوْ الْحَالِفَ بِهِ غَيْرُنَا وَشَيْئًا يُخَيَّرُ فِي إحْرَامِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَنْ كَانَ مَحَلُّهُ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَحَلُّهُ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يَقْصِدُ بِمَشْيِهِ إلَّا الْحَجَّ فَهَذَا يَجْعَلُ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ فَقَطْ لَا عُمْرَةٍ.
الثَّانِي: الْمُصَنِّفُ بَيَّنَ مَبْدَأَ الْمَشْيِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِغَايَتِهِ، وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا أَيْ فَيَمْشِي لِتَمَامِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إنْ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ يَمْشِي حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ سَعْيِهَا.
الثَّالِثُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ: حَلَفَ بِالْمَشْيِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ بِالْمَسِيرِ أَوْ الذَّهَابِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، أَيْ لَا يَلْزَمُهُ مَشْيٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَغَى عَلَى الْمَسِيرِ وَالذَّهَابِ وَالرُّكُوبِ لِمَكَّةَ، وَمُطْلَقِ الْمَشْيِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَكَّةَ، وَلَا الْبَيْتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمَشْيَ.
(فَإِنْ قِيلَ) الْمَسِيرُ وَالذَّهَابُ كَالْمَشْيِ فَلِمَ لَزِمَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ فِي الْمَشْيِ دُونَ غَيْرِهِ؟ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْعُرْفَ اُشْتُهِرَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ لَفْظِ نَحْوِ الْمَسِيرِ أَوْ الرُّكُوبِ، وَأَيْضًا السُّنَّةُ جَاءَتْ بِذَلِكَ.
الرَّابِعُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ تَسْمِيَةِ مَكَّةَ تَسْمِيَةُ الْبَيْتِ أَوْ جُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَا أَوْ الْمَرْوَةِ أَوْ عَرَفَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ أَوْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَى عَرَفَةَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ.
الْخَامِسُ: كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الرُّكُوبَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا رُكُوبُ الْبَحْرِ، وَلَوْ اُعْتِيدَ لِسَفَرِ الْحَجِّ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَحْرٌ اُضْطُرَّ لَهُ لَا اُعْتِيدَ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَصُورَةُ الِاضْطِرَارِ أَنْ يَنْذُرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ مَثَلًا.
السَّادِسُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَوْ النَّاذِرِ مِنْ بَلَدِهِ وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ كَانَ الْحَالِفُ أَوْ النَّاذِرُ بِالْمَشْيِ قَاطِنًا بِمَكَّةَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ، فَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ سَاكِنٌ بِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى الْحِلِّ، وَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ قَصْدَ النَّاذِرِ أَوْ الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ الْإِتْيَانُ مِنْ غَيْرِهَا إلَيْهَا وَأَوَّلُ ذَلِكَ الْحِلُّ.
السَّابِعُ: يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: فَلْيَمْشِ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ حَجَّةَ الصَّرُورَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي أَوْ أَنَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الصَّرُورَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ الْآتِي وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ التَّحْقِيقِ.
(فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ) النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مُعْتَقِدًا الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ جَمِيعِ الطَّرِيقِ (رَكِبَ) فِي بَقِيَّةِ الْمَسَافَةِ وَيَمْضِي عَلَى فِعْلِهِ (ثُمَّ يَرْجِعُ) مَرَّةً (ثَانِيَةً إنْ قَدَرَ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ) بِشَرْطَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ رَكِبَ كَثِيرًا أَوْ يَكُونَ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ فَقَطْ، وَهِيَ أَفْعَالُ الْحَجِّ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى رُجُوعِهِ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مِنًى وَالْكَثْرَةُ بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ.
وَالشَّرْطِ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ حِينَ رُجُوعِهِ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ يَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ أَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ لَهُ وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ بَلْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ أَنْ يَمْشِيَ الْجَمِيعَ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ قَدَرَ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا عَلِمَ) مَنْ أَلْزَمْنَاهُ الرُّجُوعَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ) عَلَى الْمَشْيِ إذَا رَجَعَ سَقَطَ عَنْهُ الرُّجُوعُ، وَ (قَعَدَ وَأَهْدَى) كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ مَعَ عَجْزِهِ فَإِنَّهُ يَرْكَبُ وَيُهْدِي، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ نَوَى أَنَّهُ لَا يَمْشِي إلَّا مَا لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ مَشْيُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَرْكَبُ، وَلَوْ كَانَ شَابًّا وَيُهْدِي وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ.
(وَقَالَ عَطَاءُ) بْنُ أَبِي رَبَاحٍ الْفَقِيهُ لَا الْمُحَدِّثُ (لَا يَرْجِعُ ثَانِيَةً، وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى الْمَشْيِ فِي رُجُوعِهِ (وَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ) عَنْ الْمَشْيِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَرَجَعَ وَأَهْدَى إنْ رَكِبَ كَثِيرًا، وَإِذَا رَجَعَ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مَشْيَهُ فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ شَيْئًا لَا بِلَفْظٍ، وَلَا نِيَّةٍ فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَإِنْ عَجَزَ إلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ يَرْجِعُ ثَانِيَةً وُجُوبُ الرُّجُوعِ، وَلَوْ كَانَ مَحَلُّهُ بَعِيدًا جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَحَلُّ لُزُومِ الرُّجُوعِ ثَانِيَةً إنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ كَالْمِصْرِيِّ، وَمَنْ قَارَبَهُ لَا مَنْ بَعُدَ جِدًّا كَالْإِفْرِيقِيِّ، وَمَنْ يُقَارِبُهُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْ الْمِصْرِيِّ فَلَا يَلْزَمُهُ رُجُوعٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مَنْ رَكِبَ قَلِيلًا كَالْإِفَاضَةِ أَوْ كَانَ الْعَامَّ مُعَيِّنًا وَرَكِبَ جَمِيعَ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُهْدِي، وَلَا
غَيْرِ هَذَا أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّقْصِيرُ فِي هَذَا اسْتِبْقَاءً لِلشَّعَثِ فِي الْحَجِّ.
وَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَتَاهُمَا رَاكِبًا إنْ نَوَى الصَّلَاةَ بِمَسْجِدَيْهِمَا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَسَاجِدَ فَلَا يَأْتِيهَا مَاشِيًا وَلَا
[الفواكه الدواني]
يَرْجِعُ، وَكَذَا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي الْعَامِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِعُذْرٍ، بِخِلَافِ لَوْ عَيَّنَ الْعَامَ وَتَرَكَ الْمَشْيَ فِيهِ اخْتِيَارًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي ثَانِي عَامٍ.
(وَإِذَا كَانَ) الْحَالِفُ بِالْمَشْيِ الْمُبْهَمِ أَوْ النَّاذِرُ (صَرُورَةً) أَيْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ (جَعَلَ ذَلِكَ) الْمَشْيَ (فِي عُمْرَةٍ) يُوَفِّي بِهَا نَذْرَهُ (فَإِذَا طَافَ وَسَعَى) لَهَا (وَقَصَّرَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ) وُجُوبًا (مِنْ مَكَّةَ بِفَرْضِهِ) لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ النَّذْرِ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ عَلَى جِهَةِ الْإِبْهَامِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مَشْيَهُ فِيمَا عَيَّنَهُ، وَمَفْهُومُ صَرُورَةٍ أَنَّ غَيْرَ الصَّرُورَةِ يَجْعَلُ مَشْيَهُ الْمُبْهَمَ فِيمَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) أَشْعَرَ قَوْلُهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَبَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ وَتَقْصِيرِهِ يُحْرِمُ بِحَجٍّ أَنَّهُ لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ عَنْ النَّذْرِ، وَهَلْ إجْزَاؤُهُ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ أَوْ يَمِينِهِ حَجًّا بِأَنْ نَذَرَ عُمْرَةً أَوْ مَشْيًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ أَوْ يَمِينِهِ حَجًّا فَلَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ إجْزَاؤُهُ عَنْ النَّذْرِ فَقَطْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ حَجّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ، وَهَلْ إنْ لَمْ يَنْذِرْ حَجًّا تَأْوِيلَانِ.
(وَ) حَيْثُ جَعَلَ الْحَالِفُ أَوْ النَّاذِرُ مَشْيَهُ الْمُبْهَمَ فِي عُمْرَةٍ (كَانَ مُتَمَتِّعًا) أَيْ صَارَ مُتَمَتِّعًا لِإِتْمَامِ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجِّهِ فِي عَامِهِ وَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ حَيْثُ كَانَ آفَاقِيًّا.
(وَالْحِلَاقُ فِي) حَقِّ (غَيْرِ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّقْصِيرُ فِي هَذَا) الَّذِي جَعَلَ مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ (اسْتِبْقَاءً لِلشَّعَثِ فِي الْحَجِّ) الْوَاجِبِ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي عَامِهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَمَامِ عُمْرَتِهِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ فَيُطْلَبُ مِنْهُ بَقَاءُ شَعَثِهِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» وَغَيْرُ النَّاذِرِ أَوْ الْحَالِفِ الْمَذْكُورِ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ الْحِلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ بَقَاءُ الشَّعَثِ (تَتِمَّةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَوْ نَذَرَهُ، مِنْهَا: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ أَوْ نَذَرَهُ وَنَوَى الرُّجُوعَ مِنْهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَفِي هَذَا خِلَافٌ قِيلَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِغْفَارُ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ مَشَى فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ بِعُمْرَةٍ إنْ مَشَى قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَمِنْهَا: مَنْ نَوَى عِنْدَ نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ فِعْلَ خُصُوصِ الطَّوَافِ فَقِيلَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ دُخُولِهَا بِلَا إحْرَامٍ، وَأَيْضًا الطَّوَافُ عِبَادَةٌ يَجُوزُ انْفِرَادُهَا، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ هَذَا، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ.
وَأَمَّا لَوْ نَوَى السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ خَاصَّةً فَيَنْبَنِي عَلَى نَاذِرِ طَاعَةٍ نَاقِصَةٍ، فَمَنْ أَلْزَمَ نَذْرَ الطَّاعَةِ النَّاقِصَةِ يَقُولُ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا أَثَرَ طَوَافٍ، وَمُقَابِلُهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَالِفِ أَوْ النَّذْرِ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ شَرَعَ فِي النَّاذِرِ أَوْ الْحَالِفِ بِالْمَشْيِ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ) نَذَرَ الْمَشْيَ (إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَتَاهُمَا) ، وَلَوْ (رَاكِبًا) ؛ لِأَنَّ لُزُومَ الْمَشْيِ إنَّمَا يَجِبُ فِي نَذْرِهِ إلَى مَكَّةَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ، وَلَوْ كَانَ حِينَ النَّذْرِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلَّ وَإِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا أَوْ إلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ خِلَافٌ، ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَ لُزُومِ الْإِتْيَانِ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَوْلِهِ: (إنْ نَوَى) بِمَشْيِهِ أَيْ سَيْرِهِ إلَيْهِمَا (الصَّلَاةَ) ، وَلَوْ نَفْلًا، وَمِثْلُ الصَّلَاةِ الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ (بِمَسْجِدَيْهِمَا) وَيَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ تَسْمِيَتُهُمَا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَلْزَمُ: وَمَشَى لِلْمَدِينَةِ أَوْ إيلْيَاءَ إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّهِمَا فَيَرْكَبُ (، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ، وَمَا مَعَهَا بِمَسْجِدَيْهِمَا، وَلَا سَمَّاهُمَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ هَدْيٍ، وَلَا غَيْرِهِ؛ لِتَرْكِهِ الْإِتْيَانِ إلَيْهِمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمَشْيِ لَا قُرْبَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ نَاذِرِهِ إلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُ اُشْتُهِرَ فِي الْإِتْيَانِ إلَيْهَا لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَلَوْ لِصَلَاةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَاذِرَ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً، وَلَا صَوْمًا، وَلَا غَيْرَهُمَا وَيَجْعَلُهُ عِنْدَ التَّعْيِينِ فِيمَا عَيَّنَهُ، وَعِنْدَ عَدَمِ التَّعْيِينِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَأَمَّا نَاذِرُ الْمَشْيِ إلَى غَيْرِهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِهِ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إيلْيَاءَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ فِيهِمَا.
وَشَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ فِي غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) نَاذِرُ الْمَشْيِ إلَى أَحَدِ الْمَسَاجِدِ (غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَسَاجِدَ) مَسْجِدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَإِيلْيَاءَ (فَلَا) يَلْزَمُهُ أَنْ (يَأْتِيَهَا) مِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ لَا (مَاشِيًا، وَلَا رَاكِبًا لِصَلَاةٍ نَذَرَهَا) فِيهَا، وَلَا لِاعْتِكَافٍ، وَلَا لِصَوْمٍ.
(وَلْيُصَلِّ) أَوْ يَعْتَكِفْ أَوْ يَصُمْ (بِمَوْضِعِهِ) ، وَلَا يَتْرُكُ فِعْلَ مَا نَذَرَهُ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ وَيَسْقُطُ عَنْهُ السَّعْيُ؛ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلْيُصَلِّ بِمَوْضِعِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ قَرِيبًا لِمَوْضِعِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ وَمُقَابِلُهُ يُحْكَى الْخِلَافُ فِي الْقَرِيبِ جِدًّا، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يَفْعَلُ مَا نَذَرَهُ بِمَوْضِعِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ قَرُبَ جِدًّا كَالْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا يُلْغَى:
رَاكِبًا لِصَلَاةٍ نَذَرَهَا وَلْيُصَلِّ بِمَوْضِعِهِ.
وَمَنْ نَذَرَ رِبَاطًا بِمَوْضِعٍ مِنْ الثُّغُورِ فَذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ.
[الفواكه الدواني]
وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فَقَوْلَانِ.
قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ إنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ لِاعْتِكَافٍ أَوْ صَلَاةٍ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ بِمَوْضِعِ نَذْرِهِ إلَّا الْقَرِيبُ جِدًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْإِتْيَانِ إلَيْهِ وَعَدَمِهِ وَيَفْعَلُ مَنْذُورَهُ بِمَوْضِعِهِ كَالْبَعِيدِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ خَبَرُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ خَبَرُ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ وَخُصَّتْ لِزِيَادَةِ الْفَضْلِ بِهَا فَلَا يَلْحَقُ بِهَا غَيْرَهَا.
(تَنْبِيهٌ) لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الْمَشْيِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ نَاذِرَ زِيَارَةَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ زِيَارَةَ رَجُلٍ صَالِحٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنْ النَّاذِرِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ؛ لِتَوَقُّفِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ عَلَى السَّعْيِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ نَاذِرِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَفَاضُلَهَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ.
وَلَكِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ، فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، ثُمَّ مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ الْمَنْسُوبَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمَسْجِدِ الْفَتْحِ، وَمَسْجِدِ الْعِيدِ، وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَغَيْرِهَا، اُنْظُرْ التَّتَّائِيَّ وَالْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالتَّفْضِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِمَا، وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي غَيْرِ قَبْرِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَعَلَى الْكَعْبَةِ وَعَلَى الْعَرْشِ كَمَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ لِضَمِّهِ أَجْزَاءِ الْمُصْطَفَى الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَعَلَّ مَعْنَى فَضْلِ الْقَبْرِ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِهِ، لَا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَفْضِيلِ الْمَسَاجِدِ عَلَى بَعْضِهَا فَافْهَمْ.
وَلَمَّا كَانَ الرِّبَاطُ كَالْجِهَادِ فِي الثَّوَابِ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ رِبَاطًا) أَيْ إقَامَةً (بِمَوْضِعٍ مِنْ الثُّغُورِ) بِالْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَغْرٍ مَحَلُّ الْخَوْفِ كَدِمْيَاطَ وَعَسْقَلَانَ، وَإِسْكَنْدَرِيَّة (فَذَلِكَ) الرِّبَاطُ الْمَذْكُورُ (عَلَيْهِ) أَيْ النَّاذِرِ (أَنْ يَأْتِيَهُ) ؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ قُرْبَةٌ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَذَرَ الرِّبَاطَ بِمَحَلٍّ، وَهُوَ بِثَغْرٍ آخَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ مَا نَذَرَ الرِّبَاطَ فِيهِ مُسَاوِيًا لِمَا هُوَ بِهِ فِي الْخَوْفِ أَوْ أَقَلَّ رَابَطَ بِمَحَلِّ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا نَذَرَ الرِّبَاطَ فِيهِ أَشَدَّ خَوْفًا انْتَقَلَ إلَيْهِ لِفَضْلِ الرِّبَاطِ فِيمَا كَثُرَ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْخَوْفِ، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهٌ) كَمَا يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ لِلثَّغْرِ لِلرِّبَاطِ فِيهِ، يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ لِنَذْرِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ بِهِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ النَّذْرِ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ لَا لِنَذْرِ اعْتِكَافٍ، لِأَنَّ مَحَلَّ الرِّبَاطِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاعْتِكَافِ، وَأَيْضًا الْمُرَابَطَةُ تُنَافِي الِاعْتِكَافَ؛ لِقِصَرِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ الصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ، بِخِلَافِ نَذْرِهِ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَيَلْزَمُ كَلُزُومِ الْإِتْيَانِ إلَيْهَا لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِهَا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ
[الفواكه الدواني]
[بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ]
[أَرْكَان النِّكَاح]
وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَسَائِلِ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ شَرَعَ فِي النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ بِقَوْلِهِ: (بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (النِّكَاحِ، وَ) أَحْكَامِ (الطَّلَاقِ وَ) أَحْكَامِ (الرَّجْعَةِ وَ) أَحْكَامِ (الظِّهَارِ وَ) أَحْكَامِ (الْإِيلَاءِ وَ) أَحْكَامِ (اللِّعَانِ وَ) أَحْكَامِ (الْخُلْعِ وَ) أَحْكَامِ (الرَّضَاعِ) . فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ جَمَعَهَا فِي تَرْجَمَةٍ اخْتِصَارًا وَذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ حَقِيقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَحَلِّهِ اللُّغَوِيَّةَ وَالْعُرْفِيَّةَ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ فَنَقُولُ: حَقِيقَةُ النِّكَاحِ فِي اللُّغَةِ الدُّخُولُ إذْ يُقَالُ: نَكَحَ النَّوْمُ الْعَيْنَ بِمَعْنَى دَخَلَ فِيهَا، وَنَكَحَتْ الْحَصَى أَخْفَافَ الْإِبِلِ دَخَلَ فِيهَا، وَالْبَذْرُ الْأَرْضَ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ وَالْمُسَبَّبِيَّة وَعَلَى الْوَطْءِ حَقِيقَةً، وَفِي الشَّرْعِ عَلَى الْعَكْسِ فَإِطْلَاقُهُ فِيهِ عَلَى الْوَطْءِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَعَلَى الْعَقْدِ مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: النِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ غَيْرُ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا بِبَيِّنَةٍ قَبْلَهُ، غَيْرُ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا إنْ حُرِّمَتْ بِالْكِتَابِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْآخَرِ، فَيَخْرُجُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا عَقْدُ تَحْلِيلِ الْأَمَةِ إنْ وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ، وَيَدْخُلُ نِكَاحُ الْخَصِيِّ وَالطَّارِئَيْنِ لِأَنَّهُ بِبَيِّنَةٍ صِدْقًا فِيهَا، وَيَخْرُجُ بِغَيْرِ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا الْعَقْدُ عَلَى مَنْ تَحْرُمُ عَلَى الْعَاقِدِ مَعَ عِلْمِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ بِالْكِتَابِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ الزِّنَا وَمُقَابِلُهُ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَ الْحُرْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَمُقَابِلُهُ مِنْ الزِّنَا، وَالْحُرْمَةُ بِالْكِتَابِ كَالْأُمِّ دَنِيَّةٌ فَإِنَّ حُرْمَتَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ، وَالْمُحَرَّمَةُ بِالْإِجْمَاعِ كَأُمِّ الْأُمِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ بِآدَمِيَّةٍ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ نِكَاحِ الْجِنِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ نِكَاحِ الْجِنِّ فَقَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الدِّينِ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ تُوجَدَ امْرَأَةٌ حَامِلَةٌ فَتَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ زَوْجِهَا الْجِنِّيِّ فَيَكْثُرُ الْفَسَادُ، فَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ يَقْتَضِي الْجَوَازَ، وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعَكْسِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ الْأَصْلِيَّ وَهُوَ النَّدْبُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «أُبَاهِي بَدَلَ مُكَاثِرٌ» ، وَلِحَدِيثِ: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ» وَعَدَّ مِنْهَا النِّكَاحَ وَمَحَلُّ نَدْبِهِ إنْ رَجَّى النَّسْلَ أَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَشْتَاقُ النِّكَاحَ دُونَ خَشْيَةِ زِنًا بِتَرْكِهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ الْمُضَيِّقُ وَذَلِكَ إذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ صَوْمٌ وَلَا تَسَرٍّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ أَوْ التَّسَرِّي فَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَكِنَّ الزَّوَاجَ أَفْضَلُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَقَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَى الصَّوْمِ، وَالسَّرَارِي تَنْتَقِلُ طِبَاعُهُنَّ لِلْوَلَدِ، وَيُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَرْجُو النَّسْلَ وَلَا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ فِعْلِ خَيْرٍ، وَيَكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْطَعُهُ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَيَحْرُمُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَخْشَى بِتَرْكِهِ زِنًا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَوْ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَرَامِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ إلَّا فِي التَّسَرِّي، وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ مَعْنَاهَا هُنَا الْجِمَاعُ، وَالْوِجَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَلَهُ فَوَائِدُ أَعْظَمُهَا دَفْعُ غَوَائِلِ الشَّهْوَةِ وَيَلِيهَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاتَيْنِ: فَانِيَةٌ وَهِيَ تَكْثِيرُ النَّسْلِ، وَبَاقِيَةٌ هِيَ الْحِرْصُ عَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ يُنَبِّهُ عَلَى لَذَّةِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ إذَا ذَاقَ لَذَّتَهُ يُسْرِعُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ الْمُوصِلِ إلَى اللَّذَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ وَلَا سِيَّمَا النَّظَرُ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَيَلِيهَا تَنْفِيذُ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَحَبَّهُ مِنْ بَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَامْتِثَالُ أَمْرِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» الْحَدِيثَ وَيَلِيهَا بَقَاءُ الذِّكْرِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ بِسَبَبِ دُعَاءِ الْوَلَدِ الصَّالِحِ بَعْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِ أَبِيهِ بِمَوْتِهِ وَلَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعٌ:
وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا فِي الْعَقْدِ فَلَا يَبْنِي بِهَا حَتَّى يُشْهِدَا.
وَأَقَلُّ الصَّدَاقِ رُبُعُ
[الفواكه الدواني]
الْوَلِيُّ وَالْمَحَلُّ وَالصِّيغَةُ وَالصَّدَاقُ الْمَفْرُوضُ وَلَوْ حُكْمًا، وَأَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرُكْنُهُ وَلِيٌّ وَصَدَاقٌ وَمَحَلٌّ وَصِيغَةٌ، وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَلِيِّ اهْتِمَامًا بِهِ لِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي اعْتِبَارِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا نِكَاحَ) صَحِيحٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ (إلَّا بِ) مُبَاشَرَةِ (وَلِيٍّ) وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ لَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِلْكٌ أَوْ أُبُوَّةٌ أَوْ تَعْصِيبٌ أَوْ إيصَاءٌ أَوْ كَفَالَةٌ أَوْ سَلْطَنَةٌ أَوْ ذُو إسْلَامٍ وَشُرُوطُهُ سِتَّةٌ: الْإِسْلَامُ إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً وَأَنْ يَكُونَ حَلَالًا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَالذُّكُورَةُ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْأُنْثَى وَلَوْ عَلَى ابْنَتِهَا أَوْ أَمَتِهَا، وَالْحُرِّيَّةُ فَلَا يُزَوِّجُ الرَّقِيقُ ابْنَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا يُزَوِّجُ الصَّبِيُّ أُخْتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَالْعَقْلُ فَلَا يُزَوِّجُ الْمَجْنُونُ ابْنَتَهُ، فَهَذِهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ فِي وَلِيِّ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَهِيَ شَرْطُ كَمَالٍ فَيُسْتَحَبُّ وُجُودُهَا كَمَا يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ رَشِيدًا، فَيَعْقِدُ السَّفِيهُ ذُو الرَّأْيِ عَلَى ابْنَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْذَانُ وَلِيِّهِ، فَإِنْ عَقَدَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لَمْ يُفْسَخْ عَقْدُهُ، بِخِلَافِ ضَعِيفِ الرَّأْيِ يَعْقِدُ لِنَحْوِ ابْنَتِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ عَقْدُهُ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ، وَأَمَّا وَكِيلُ الزَّوْجِ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا التَّمْيِيزُ وَعَدَمُ الْإِحْرَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجِ الْجَمِيعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى رُكْنِيَّةِ الْوَلِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَةِ نَهْيُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْعَضْلِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا جَائِزًا لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ عَاضِلًا بِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا وَلَا تُبَالِي بِمَنْعِ الْوَلِيِّ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَخَبَرُ: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» وَخَبَرُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» قَالَهُ ثَلَاثًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُزَوِّجُ نَفْسَهَا قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَتُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى نَحْوِ الصَّغِيرَةِ، فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ عِنْدَنَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فُسِخَ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ، وَهَلْ بِطَلَاقٍ أَوْ لَا قَوْلَانِ، وَلَهَا بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ حَلَالًا وَإِلَّا فَصَدَاقُ الْمِثْلِ (وَ) لَا نِكَاحَ إلَّا بِ (صَدَاقٍ) سُمِّيَ وَلَوْ حُكْمًا وَالْمُضِرُّ إنَّمَا هُوَ الدُّخُولُ عَلَى إسْقَاطِ الصَّدَاقِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فَسْخَ الْعَقْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ وَهُوَ عَقْدٌ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُسَمِّيَ لَهَا صَدَاقًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَقَدْرِهِ: (وَ) لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَهَادَةِ (شَاهِدَيْ عَدْلٍ) وَيُسْتَحَبُّ إشْهَادُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ (فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الْأَلِفُ ضَمِيرُ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ (فِي) حَضْرَةِ (الْعَقْدِ فَلَا يَبْنِ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَلِيَ (بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ) أَيْ الزَّوْجُ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يَبْنِ، وَنُسْخَةُ يُشْهِدَا بِأَلِفِ الِاثْنَيْنِ مُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا بِضَمِيرِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ، فَإِنْ وَجَدَا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَشْهَدَاهُمَا عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ كَفَى فِي الْوُجُوبِ، وَكَذَا إنْ لَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ شَاهِدَيْنِ وَأَشْهَدَهُمَا، بِخِلَافِ لَوْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ ثُمَّ لَقِيَهُمَا الْآخَرُ وَحْدَهُ وَأَشْهَدَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَ التَّفَرُّقِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبِكْرِ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ عَلَى ثَيِّبٍ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ وَأَشْهَدَا مُتَفَرِّقَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ سِتَّةٍ شَاهِدَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَيْنِ عَلَى الْوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى شَهَادَةُ الْإِبْدَادِ أَيْ التَّفَرُّقِ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْإِشْهَادِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا حُضُورُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ فَمُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الدُّخُولِ فَوَاجِبٌ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ بِعَقْدِهِ وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ، وَلِأَحَدٍ إنْ فَشَا وَلَوْ عَلِمَ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُرْمَةِ الدُّخُولِ بِلَا إشْهَادٍ، وَالْفَسْخُ بِطَلْقَةٍ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَتَكُونُ بَائِنَةً لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْفُشُوِّ شَهَادَةُ وَاحِدٍ بِالْعَقْدِ أَوْ الْبِنَاءِ، وَيَحْصُلُ الْفُشُوُّ بِالْوَلِيمَةِ وَضَرْبِ الدُّفِّ وَالدُّخَانِ، وَشَرْطُ الشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَلِيٍّ لِلْمَرْأَةِ، فَلَا يَصِحُّ شَهَادَةُ وَلِيِّهَا لِاتِّهَامِهِ بِالسَّتْرِ عَلَيْهَا، كَمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا أَذِنَتْ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا لِاتِّهَامِهِ عَلَى تَصَحُّحِ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ وَلِيٍّ لَا خُصُوصُ الْمُبَاشِرِ لِعَقْدِ نِكَاحِهَا، وَشَرْطُهُ أَيْضًا الْعَدَالَةُ وَقْتَ تَحَمُّلِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ لَا تُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ إلَّا وَقْتَ الْأَدَاءِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْعُدُولُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ الدُّخُولِ اُسْتُكْثِرَ الشُّهُودُ كَالثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ.
(تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِنْ الْأَرْكَانِ الْمَحَلُّ وَالصِّيغَةُ، أَمَّا الْمَحَلُّ فَهُوَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ الْخَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْإِحْرَامِ وَالْمَرَضِ وَالْعِدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ وَالصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ أَوْ مِنْ وَكِيلِهِمَا، كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْت أَوْ وَهَبْت أَوْ تَصَدَّقْت أَوْ مَنَحْت أَوْ أَعْطَيْت مِنْ ذِكْرِ الصَّدَاقِ، وَيَدْخُلُ فِي الدَّالِّ الْكِتَابَةُ وَالْإِشَارَةُ وَلَوْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، وَأَمَّا مِنْ النَّاطِقِ فَتَكْفِي مِنْ أَحَدِهِمَا إنْ وَقَعَ فِي الْمُبْتَدِئِ لَفْظُ الْإِنْكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِشَارَةُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْوَلِيِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ إنَّمَا ابْتَدَأَ بِلَفْظٍ نَحْوِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مَعَ ذِكْرِ الصَّدَاقِ فَإِنَّمَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ
دِينَارٍ.
وَلِلْأَبِ إنْكَاحُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَإِنْ بَلَغَتْ وَإِنْ شَاءَ شَاوَرَهَا وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ فِي الْبِكْرِ وَصِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا
[الفواكه الدواني]
الزَّوْجِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِئُ بِلَفْظٍ نَحْوِ الْهِبَةِ الزَّوْجَ فَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الْوَلِيِّ، وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ إنْ نَطَقَ بِالْإِنْكَاحِ أَوْ الزَّوَاجِ صَحَّتْ الْإِشَارَةُ مِنْ غَيْرِهِ زَوْجًا أَوْ وَلِيًّا إنْ نَطَقَ الْمُبْتَدِئُ بِنَحْوِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بُنِيَ عَلَى كَوْنِ الْمُبْتَدِئِ الْوَلِيَّ، فَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الزَّوْجِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ أَنْ تَكْفِيَ الْإِشَارَةُ مِنْ الزَّوْجِ أَيْضًا.
قَالَ جَمِيعَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِنَحْوِ الْهِبَةِ الزَّوْجَ لَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الْوَلِيِّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَقَوْلُهُ وَهَذَا فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَيَجُوزُ الْإِشَارَةُ مِنْهُ وَلَوْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، يَقْضِي أَنَّ الْقَادِرَ لَا تَجُوزُ الْإِشَارَةُ مِنْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ لِيَسَارَتِهِمَا، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَيَلْزَمُ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَوْ قَالَ الْأَوَّلُ بَعْدَ رِضَا الْآخَرِ: لَا أَرْضَى أَنَا كُنْت هَازِلًا لِأَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ جَدٌّ وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْهَزْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ جَرَيَانُ الْعَادَةِ بِمُسَاوَمَةِ السِّلَعِ لِمُجَرَّدِ اخْتِبَارِ ثَمَنِهَا، وَمِثْلُ النِّكَاحِ الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ وَالْعِتْقُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، رَاجِعْ شَرْحَ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي جَوَازِ وَطْءِ الزَّوْجِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ أُرِدْ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا كُنْت هَازِلًا، وَظَهَرَ لَنَا جَوَازُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ صِحَّةَ النِّكَاحِ عَلَى وُجُوبِ الصِّيغَةِ الصَّرِيحَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَسَلَّمَ لَنَا شُيُوخُنَا هَذَا الِاسْتِظْهَارَ حِينَ صَدَرَ الْبَحْثُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ فِي مَرَضِهِ: إنْ مِتّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ وَصَحَّ: إنْ مِتّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي بِمَرَضٍ، وَهَلْ إنْ قِيلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ تَأْوِيلَانِ، فَنَصَّ أَصْبَغُ عَلَى جَوَازِهَا سَوَاءٌ طَالَ زَمَانُ الْمَرَضِ أَوْ قَصُرَ، وَخُرُوجُهَا عَنْ الْأَصْلِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا السَّيِّدُ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ لِأَمَتِهِ: إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي فَقَدْ زَوَّجْت أَمَتِي مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ النِّكَاحِ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ يَنْبَغِي الْإِحَاطَةُ بِعِلْمِ أَحْكَامِهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ ثَانِي الْأَرْكَانِ وَهُوَ الصَّدَاقُ بِقَوْلِهِ: (وَأَقَلُّ الصَّدَاقِ رُبُعُ دِينَارٍ) مِنْ خَالِصِ الذَّهَبِ وَهُوَ وَزْنُ ثَمَانَ عَشَرَةَ حَبَّةً مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَلَا حَدَّ لَهُ، وَالصَّدَاقُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الصِّدْقِ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجَيْنِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمَهْرُ وَالطَّوْلُ وَالنِّحْلَةُ، وَلَمْ أَرَ حَدَّهُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ خَلِيلٌ: الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ يُمَلَّكُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لِمُحَقَّقَةِ الْأُنُوثَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا عِنْدَ إرَادَةِ نِكَاحِهَا، فَقَوْلُنَا: مُتَمَوَّلٌ جِنْسٌ يَشْمَلُ الذَّوَاتِ وَالْمَنَافِعَ، وَيَخْرُجُ بِهِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْقِصَاصِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا صَدَاقًا، وَقَوْلُنَا: يُمَلَّكُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا يُدْخِلُ نَحْوَ هِبَةِ أَبِيهَا لِفُلَانٍ أَوْ عِتْقِهِ عَنْهُ أَوْ عَنْهَا، لِأَنَّ الشَّارِعَ يُقَدَّرُ دُخُولَهُ فِي مَلَكَتِهَا قَبْلَ هِبَتِهِ أَوْ قَبْلَ عِتْقِهِ، وَقَوْلُنَا: لِمُحَقَّقَةِ الْأُنُوثَةِ لِإِخْرَاجِ الْأُنْثَى الْمُشْكِلِ لِأَنَّهُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ، وَقَوْلُنَا: مِمَّنْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا دُونَ آدَمِيَّةٍ لِيَشْمَلَ الْجِنِّيَّةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا لِظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي جَوَابِ سَائِلِهِ عَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الدِّينِ، وَاعْتَمَدَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كَوْنِ أَقَلِّهِ رُبُعَ دِينَارٍ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ قِيَاسًا عَلَى إبَاحَةِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، فَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّهِ فَسَدَ إنْ لَمْ يُتِمَّهُ، وَيُفْسَخُ إنْ أَرَادَ الدُّخُولَ قَبْلَ إتْمَامِهِ، فَإِنْ أَتَمَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا فَسَادَ، وَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ إتْمَامِهِ ثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَزِمَهُ إتْمَامُ الرُّبُعِ دِينَارٍ، وَكَانَ الْقِيَاسُ لُزُومَ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ مِنْ الْقَاعِدَةِ فِي الْفَاسِدِ لِصَدَاقِهِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي الْفَسَادِ لَوْ عَقَدَ عَلَى إسْقَاطِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِمَا لَا يُقْبَلُ شَرْعًا كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ جِلْدِ أُضْحِيَّةٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ صَحَّ تَمَلُّكُهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ بِالْبَيْعِ، وَالصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ أَجَازُوا فِيهِ الْغَرَرَ الْخَفِيفَ، كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شُورَتِهَا أَوْ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا أَوْ عَلَى عَدَدٍ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ، وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَهَا الْوَسَطُ مِنْ مَشُورَةِ مِثْلِهَا فِي الْحَاضِرَةِ أَوْ فِي الْمِصْرِ، وَالْمُرَادُ بِشُورَتِهَا جِهَازُهَا وَمَتَاعُ بَيْتِهَا، وَلَهَا الْوَسَطُ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ بِاعْتِبَارِ رَغْبَةِ الزَّوْجِ فِيهَا، لِأَنَّ صَدَاقَ الْمِثْلِ مَا يَرْغَبُ بِهِ الزَّوْجُ فِي الزَّوْجَةِ بِاعْتِبَارِ دِينِهَا وَجَمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَبَلَدِهَا، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَقَلَّ الصَّدَاقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَكْثَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْإِفْرَاطَ فِي كَثْرَةِ الصَّدَاقِ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا» قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنَا أَقُولُ عِنْدِي وَمِنْ شُؤْمِهَا تَعْسِيرُ أَمْرِهَا وَكَثْرَةُ
يُزَوِّجُهَا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا.
وَلَا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ إلَّا بِرِضَاهَا وَتَأْذَنُ بِالْقَوْلِ وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا
[الفواكه الدواني]
صَدَاقِهَا.
وَلَمَّا كَانَ الْوَلِيُّ يَتَنَوَّعُ إلَى مُجْبِرٍ وَغَيْرِ مُجْبِرٍ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشُورَةِ الْمَرْأَةِ وَإِجَازَتِهَا شَرَعَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْأَبِ) الَّذِي لَا وَلِيَّ لَهُ (إنْكَاحُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ) قَهْرًا عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَمْ تَذْهَبْ عُذْرَتُهَا لِمُقَابَلَتِهَا بِالثَّيِّبِ وَيُقَالُ لَهَا الْعَذْرَاءُ إنْ لَمْ تَبْلُغْ اتِّفَاقًا بَلْ (وَإِنْ بَلَغَتْ) وَصَارَتْ عَانِسًا عَلَى الْمَشْهُورِ (بِغَيْرِ إذْنِهَا) وَبِغَيْرِ رِضَاهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبْرُ الْمَجْنُونَةِ وَالْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا إلَّا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ كُلَّ ذِي عَيْبٍ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ كَالْعِنِّينِ وَالْمَجْذُومِ وَالْمَجْنُونِ بِذِي عَيْبٍ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَيْهِ، كَأَعْمَى أَوْ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ أَوْ دُونِهَا فِي النَّسَبِ، لِأَنَّ الْمَوْلَى وَغَيْرَ الشَّرِيفِ وَالْأَقَلَّ جَاهًا كُفُؤٌ وَيُجْبِرُهَا وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُقَيَّدُ بِالْبِكْرِ الَّتِي لَمْ تُزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ زُوِّجَتْ وَطَلُقَتْ قَبْلَ إقَامَةِ سَنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَتْ سَنَةً وَلَمْ يَمَسَّهَا الزَّوْجُ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا فَإِنَّهَا لَا تُجْبَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إقْرَارِهَا بِالْمَسِّ أَوْ إنْكَارِهَا، لِأَنَّ إقَامَةَ السَّنَةِ عِنْدَ الزَّوْجِ مِنْ بُلُوغِهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ وَعَدَمِ جَبْرِ الْأَبِ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ بِالْعَطْفِ عَلَى مَنْ لَمْ يُجْبِرْ: أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً وَأَنْكَرَتْ أَيْ الْمَسِيسَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْجَبْرِ لَا يُنَافِي نَدْبَ الْمُشَاوَرَةِ قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ) أَيْ أَرَادَ الْأَبُ (شَاوَرَهَا) أَيْ الْبِكْرَ الْبَالِغَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ لِلْعِشْرَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْبَالِغِ فَلَا يُنْدَبُ مُشَاوَرَتُهَا، وَقَيَّدْنَا الْأَبَ بِاَلَّذِي لَا وَلِيَّ لَهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ أَبٍ لَهُ وَلِيٌّ فَالْجَبْرُ لِوَلِيِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِي جَبْرِ ابْنَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ، الْخِلَافُ الْجَارِي فِي مُعَامَلَاتِهِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا يُجْبِرُ الْأَبُ الْبِكْرَ يُجْبِرُ الثَّيِّبَ الْمَجْنُونَةَ وَلَوْ ذَاتَ أَوْلَادٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبْرُ الْمَجْنُونَةِ وَالْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا إلَّا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالثَّيِّبُ إنْ صَغُرَتْ أَوْ بِعَارِضٍ أَوْ بِحَرَامٍ، وَهَلْ إنْ لَمْ تُكَرِّرْ الزِّنَا تَأْوِيلَانِ، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ فَلَا جَبْرَ لَهُ وَلَوْ ثِيبَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِفَاسِدٍ وَلَا إنْ رَشَدَتْ بَعْدَ بُلُوغِهَا أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً ابْتِدَاؤُهَا مِنْ بُلُوغِهَا لِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الْوَطْءِ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّتْ بِالْوَطْءِ أَوْ أَنْكَرَتْهُ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَتْ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُجْبِرُهَا إذَا أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ فِي الْمَجْنُونَةِ الَّتِي لَا تُفِيقُ وَيُجْبِرُهَا وَلَوْ مَعَ وَلَدِهَا، وَيُشَارِكُ الْأَبَ فِي جَبْرِهَا الْحَاكِمُ حَيْثُ عَدَمُ الْأَبِ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا، وَأَمَّا الَّتِي تُفِيقُ فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهَا، وَحَصَلَ عِنْدِي تَوَقُّفٌ فِي جَبْرِ الْأَبِ أَوْ الْحَاكِمِ الْمَجْنُونَةَ هَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِاحْتِيَاجِهَا إلَى النِّكَاحِ كَمَا قُيِّدَ بِهِ جَبْرُ الْمَجْنُونِ الذَّكَرِ؟ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَبْرُ أَبٍ وَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ مَجْنُونًا احْتَاجَ أَمْ لَا، لَمْ أَرَ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَمِنْ الثَّيِّبَاتِ بِالنِّكَاحِ مَنْ تُجْبَرُ وَهِيَ الثَّيِّبُ الْكَبِيرَةُ إذَا ظَهَرَ فَسَادُهَا وَعَجَزَ وَلِيُّهَا عَنْ صَوْنِهَا فَيُجْبِرُهَا الْوَلِيُّ وَلَوْ غَيْرَ أَبٍ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْأَبِ رَفْعُ أَمْرِهَا لِلْحَاكِمِ قَبْلَ جَبْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ مَضَى؟ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ التَّتَّائِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الثَّانِي: قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُ الْبِكْرَ الْمُرْشِدَةَ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَأَلْحَقُوا بِهَا الْبِكْرَ الَّتِي يُرِيدُ أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ ذِي عَيْبٍ يُوجِبُ لَهَا الْخِيَارَ فِيهِ كَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْذُومِ.
الثَّالِثُ: إذَا كَانَ لِلْأَبِ جَبْرُ ابْنَتِهِ فَالْمَالِكُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْوَى لِأَنَّهُ الذَّكَرُ الْكَبِيرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبَرَ الْمَالِكُ أَمَةً وَعَبْدًا بِلَا إضْرَارٍ، فَلَا يُجْبِرُ الْأَمَةَ الرَّفِيعَةَ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ، وَلَا يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى النِّكَاحِ بِمَنْ صَدَاقُهَا يَضُرُّ بِهِ، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ جَبْرُ السَّيِّدِ لِرَقِيقِهِ بِمَنْ لَيْسَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، فَلَا يُجْبِرُ أُمَّ الْوَلَدِ وَلَا مُكَاتَبَةً وَلَا مُدَبَّرًا وَلَا مُدَبَّرَةً حَيْثُ مَرِضَ السَّيِّدُ وَلَا مُعْتَقًا لِأَجَلٍ إذَا قَرُبَ الْأَجَلُ، لَا إنْ لَمْ يَمْرَضْ أَوْ لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ، فَلَهُ جَبْرُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ الْمَالِكُ أَقْوَى عَدَمُ جَبْرِهِ لِلرَّقِيقِ إذَا تَضْمَنَّ جَبْرُهُ مَا لَا يَرْضَاهُ الرَّقِيقُ مِمَّا يَضُرُّهُ وَجَبْرُهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ مِنْ نَحْوِ خَصِيٍّ وَمَجْذُومٍ، فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْأَبُ مَعَهُ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إضْرَارِهِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ مَعَ رَقِيقِهِ (وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (فِي الْبِكْرِ) وَبَيَّنَ غَيْرَ الْأَبِ بِقَوْلِهِ: (وَصِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ) مِنْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ قَاضٍ (فَلَا) يَحِلُّ لَهُ أَنْ (يُزَوِّجَهَا) بِغَيْرِ إذْنِهَا (حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ) لِذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ، وَيُعَيَّنُ لَهَا الزَّوْجَ وَيُسَمِّي لَهَا الصَّدَاقَ وَتَرْضَى بِهِمَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ وَكَّلَتْهُ مِمَّنْ أَحَبَّ عَيَّنَ وَإِلَّا فَلَهَا الْإِجَازَةُ وَلَوْ بَعْدُ لَا الْعَكْسُ (وَ) يَكْفِي فِي (إذْنِهَا صُمَاتُهَا) أَيْ سُكُوتُهَا وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرِضَا الْبِكْرِ صَمْتٌ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَبْكَارِ الْحَيَاءُ، وَأَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَا صُنْعُهَا الطَّعَامَ حِينَ يُقَالُ لَهَا: اللَّيْلَةُ يَحْضُرُ فُلَانٌ لِنَعْقِدَ لَهُ عَلَيْك، فَتَفْرِشُ الْمَحَلَّ وَتَصْنَعُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرْبَاتِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْوَصِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالْإِجْبَارِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ، وَأَمَّا هَذَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذَانُ لِأَنَّهُ لَهُ جَبْرُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ وَإِلَّا فَخِلَافٌ، وَسَيَأْتِي النَّصُّ عَلَى هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِإِنْكَاحِهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى تَبْلُغَ الْيَتِيمَةُ وَهِيَ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهَا