وَالِاسْتِئْذَانُ وَاجِبٌ فَلَا تَدْخُلْ بَيْتًا فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا فَإِنْ أُذِنَ لَك وَإِلَّا رَجَعْت
وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى
[الفواكه الدواني]
عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ، فَإِنْ تَحَقَّقْت أَنَّهُمْ قَالُوا: سَامٌ عَلَيْك أَوْ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ، فَإِنْ شِئْت قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا، فَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ ذَلِكَ قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّك إنْ قُلْت عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ وَقَدْ كَانَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك كُنْت قَدْ نَفَيْت السَّلَامَ عَنْ نَفْسِك وَرَدَدْته عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنْ إفْشَاءَ السَّلَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يُنْهَ عَنْ السَّلَامِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ: «قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَرَدُّهُ، وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِغَاثَةُ الْمَظْلُومِ، وَإِحْسَانُ الْكَلَامِ» .
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَحْثِ السَّلَامِ شَرَعَ فِي بَحْثِ الِاسْتِئْذَانِ، فَقَالَ: (وَالِاسْتِئْذَانُ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ بِدُخُولِ غَيْرِ بَيْتِهِ (وَاجِبٌ) عَلَى مُرِيدِ الدُّخُولِ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: 27] قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِئْذَانُ، وَالسُّنَّةُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، قَالَ: اسْتَأْذِنْهَا، قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا، قَالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهِ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَحِكْمَةُ فَرْضِيَّتِهِ خِيفَةُ كَوْنِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الِانْبِسَاطِ يَكْرَهُونَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِمْ.
(وَ) إذَا عَرَفْت أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ فَرْضٌ فَوَاجِبٌ عَلَيْك أَنْ (لَا تَدْخُلَ بَيْتًا) غَيْرَ بَيْتِكَ (فِيهِ أَحَدٌ) وَلَوْ مَحْرَمًا لَك (حَتَّى تَسْتَأْذِنَ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (ثَلَاثًا فَإِنْ أُذِنَ لَك) فِي الدُّخُولِ دَخَلْت (وَإِلَّا رَجَعْت) وَلَا يَجُوزُ لَك الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَإِلَّا كُنْت عَاصِيًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُطْلَبُ الْإِذْنُ مِنْ كُلِّ مَنْ فِي الْبَيْتِ إلَّا الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ إلَى وَصْفِ الْعَوْرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْأَعْمَى هَلْ يُطَالَبُ بِهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَتَسْتَأْذِنُ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ الْمُلَازِمُونَ فِي الثَّلَاثَةِ أَوْقَاتٍ الْمَذْكُورَةِ فِي آيَةٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
وَأَمَرَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَنْ لَا يَدْخُلَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْمَحِلِّ وَلَا الْأَطْفَالُ عَلَى أَهْلِيهِمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَمَا عَدَاهَا لَا حَرَجَ فِي دُخُولِهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ السَّمَاعِ ثُمَّ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلَّا انْصَرَفَ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بَيْتًا عَنْ نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ وَالْفُنْدُقِ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ مَطْرُوقٍ، كَبَيْتِ الْعَالِمِ وَالْقَاضِي وَالطَّبِيبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُ فِي أَوْقَاتِ الدُّخُولِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنٍ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالِاسْتِئْذَانِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْهُمْ ابْنُ رُشْدٍ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ نَحْوِ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ اسْمَهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ، بِخِلَافِ التَّنَحْنُحِ أَوْ قَرْعِ الْبَابِ ثَلَاثًا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ بِالْكَلَامِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَأْذَنُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ حَتَّى أُمِّهِ وَأُخْتِهِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ بِالسَّلَامِ فَقِيلَ لَهُ مَنْ هَذَا؟ فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ بِاسْمِهِ وَبِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يَقُولُ: أَنَا لِأَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَرِهَهَا مِمَّنْ أَجَابَهُ بِأَنَا حَتَّى خَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا، وَلِأَنَّ بِهَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ كَفِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا غَيْرَ بَيْتِك تَبَعًا لِلْآيَةِ.
وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْآيَةِ، وَأَمَّا دُخُولُ الْمُكَلَّفِ بَيْتَ نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلْ فِيهِ إنْ كَانَ مَعَ أَهْلِهِ مَنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ التَّنْبِيهُ بِالتَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ خَوْفَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ السَّلَفُ، وَيَكْتَفِي فِي الْإِذْنِ حَيْثُ طَلَبَ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا بِإِذْنِ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ حَيْثُ يُوثَقُ بِإِذْنِهِ لِضَرُورَةِ النَّاسِ.
وَلَمَّا كَانَتْ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ مُشَارِكَةً لِمَا قَبْلَهَا فِي الطَّلَبِ ذَكَرَهَا عَقِبَهَا، فَقَالَ: (وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ وَإِلَّا وَجَبَتْ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عِيَادَتُهُ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ لِعِيَادَتِهِ لَا يَدْخُلُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ وَلَوْ كَانَتْ عِيَادَتُهُ مُرَغَّبًا فِيهَا لِمَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا: «مِنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا، وَمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ وَأَنْ يُخَفِّفَ فِي جُلُوسِهِ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِم اللَّهُ عَبْدًا زَارَ فَخَفَّفَ» اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْجُلُوسُ وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَيُبَشِّرَهُ بِحُصُولِ صِحَّةٍ لَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الزِّيَارَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكُلِّ
وَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقَدْ قِيلَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَذِكْرُ الْهِجْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَقَالَ عُمَرُ أَفْضَلُ
[الفواكه الدواني]
مَرِيضٍ وَلَوْ أَرْمَدَ أَوْ صَاحِبَ ضِرْسٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ فَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ.
(فَائِدَةٌ) وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ قَوْلِ الشَّخْصِ لِمَنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ: ذَهَبَ الشَّرُّ فَأَفْتَى الْغُبْرِينِيُّ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ بِالْجَوَازِ مُحْتَجًّا بِآيَةِ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51] وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرَّ الْمَرَضُ فَقَدْ قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَرِيضٌ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ فَقَالَ: بِشَرٍّ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ هَذَا؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35] وَالشَّرُّ الْمَرَضُ وَالْخَيْرُ الصِّحَّةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُقَالُ لِلْمَرِيضِ: لَا تَتَسَاهَلْ هَذَا، أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ فُلَانٌ هَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ السَّكُونِيُّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ الْبَارِئِ لِلْجَوْرِ، وَلَوْلَا الْقَوْلُ بِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَكَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَكْفُرُ لِاسْتِحَالَةِ الْجَوْرِ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - لِاسْتِحْقَاقِهِ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ الْكَائِنَاتِ بِشَهَادَةِ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16] فَهُوَ حَكَمٌ عَدْلٌ يُمْرِضُ وَيَشْفِي وَيُحْيِي وَيُمِيتُ لَا مُعَقِّبَ لَهُ فِي حُكْمِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي بَابٍ جُمَلٍ مُسْتَوْفٍ.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا فِي بَابِ الِاسْتِئْذَانِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَعُودُهُ، خِلَافًا لِمَنْ ادَّعَى تَكَرُّرَهَا الْخَالِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ.
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ التَّنَاجِي وَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مُنَاسَبَةٌ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّنَاجِي عَقِبَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْذَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يَتَنَاجَى) أَيْ يَتَسَارَرُ (اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) لِخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ يَتَنَاجَى مِنْهُمْ اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا» . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَإِذَا خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِمَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَإِنْ أَمِنَا مِنْ ظَنِّهِ ذَلِكَ كُرِهَ تَنَاجِيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِأَنَّهُ يَغُمُّ الْمُنْفَرِدَ، وَمَفْهُومُ دُونَ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ تَنَاجِي اثْنَيْنِ دُونَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ اثْنَيْنِ لَا مَفْهُومَ لَهُ قَالَ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَنَاجِي (الْجَمَاعَةِ إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ) فَعَنْ مَالِكٍ: «لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ» لِلنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَلَوْ أَبْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ التَّنَاجِي مُقَيَّدًا بِمَا إذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ: (وَقَدْ قُيِّدَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الْجَمَاعَةِ دُونَ وَاحِدٍ (إلَّا بِإِذْنِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ بِقِيلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَهُوَ تَقَيُّدٌ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّنَاجِي الْمَذْكُورِ نَهْيُ كَرَاهَةٍ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ خَوْفُ الْمُنْفَرِدِ فَيَحْرُمُ، وَفِي مَعْنَى التَّنَاجِي التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ سِوَى الْعَرَبِيَّةِ.
(وَذَكَرَ الْهِجْرَةَ) بِمَعْنَى الْهِجْرَانِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْخِصَامِ (قَدْ تَقَدَّمَ) الْكَلَامُ عَلَيْهِ (فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا) فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ تَأْخِيرُهُ لِمَا بَيْنَ الْهِجْرَانِ وَالتَّنَاجِي مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّهْيِ.
[الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَحْثِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: (قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) الصَّحَابِيُّ قَالَ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» وَعُمْرُهُ ثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَمَقُولُ مُعَاذٍ: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا) بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ (أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ) إكْثَارِ (ذِكْرِ اللَّهِ) تَعَالَى وَالذِّكْرُ الْكَامِلُ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] أَيْ اُذْكُرُونِي بِأَلْسِنَتِكُمْ أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي.
وَفِي الْحَدِيثِ: «قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَعْطَيْت أُمَّتَك مَا لَمْ أُعْطِ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] لَمْ يَقُلْ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْتُهُ» وَجَاءَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الذِّكْرُ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا عُنُقَهُ؟ قَالُوا: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ» .
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «لَا عِبَادَةَ كَالذِّكْرِ، قِيلَ لَهُ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِك حَتَّى يَنْقَطِعَ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ
فَالذِّكْرُ بَابُ الْوِلَايَةِ وَمِفْتَاحُ الْعِنَايَةِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: هُوَ رُكْنٌ قَوِيٌّ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بَلْ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي الطَّرِيقِ،
مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ
وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى «اللَّهُمَّ بِك نُصْبِحُ وَبِك
[الفواكه الدواني]
وَلَا يَصِلُ أَحَدٌ إلَى اللَّهِ إلَّا بِدَوَامِ الذِّكْرِ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَجَدَّدَ خُشُوعُهُ وَكَثُرَ إيمَانُهُ وَازْدَادَ يَقِينُهُ وَبَعُدَتْ الْغَفْلَةُ عَنْ قَلْبِهِ، وَكَانَ إلَى التُّقَى أَقْرَبَ، وَعَنْ الْمَعَاصِي أَبْعَدَ، وَهَذَا حَامِلٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَوَسِيلَةٌ إلَى النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْكَرِيمِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ طَائِعًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا الذِّكْرُ الْكَامِلُ لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ذِكْرُ اللِّسَانِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ، فَذِكْرُ اللِّسَانِ بِهِ يَصِلُ الْعَبْدَ إلَى اسْتِدَامَةِ فِكْرِ الْقَلْبِ وَالتَّأْثِيرِ بِذِكْرِ الْقَلْبِ، فَإِذَا كَانَ ذَاكِرًا بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَهُوَ الْكَمَالُ فِي وَصْفِهِ فِي حَالِ سُلُوكِهِ.
وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِزَمَانٍ، بَلْ مَا مِنْ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ إمَّا عَلَى جِهَةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ النَّفْلِيَّةِ، وَالصَّلَاةُ مَعَ كَوْنِهَا أَشْرَفَ الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلَمَّا كَانَ الذِّكْرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: لِسَانِيٍّ وَقَلْبِيٍّ بَيَّنَ الْأَفْضَلَ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ الْمُلَقَّبُ بِالْفَارُوقِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (أَفْضَلُ) بِمَعْنَى أَكْثَرُ ثَوَابًا (مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ) وَخَبَرُ أَفْضَلَ (ذِكْرُ اللَّهِ) بِالْقَلْبِ (عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ) بِمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ سَمَاعِ أَمْرِ خَالِقِهِ وَنَهْيِهِ يَسْتَحْضِرُ بِقَلْبِهِ الْحَقَّ - جَلَّ وَعَلَا - وَيَسْتَحْضِرُ اطِّلَاعَ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّ عِلْمَهُ - تَعَالَى - بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، هَذَا مَعْنَى الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الذَّكَرُ الْقَلْبِيُّ أَفْضَلَ مِنْ اللِّسَانِيِّ، وَقِيلَ: مَعْنَى ذِكْرِهِ - تَعَالَى - عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْحُدُودِ، إنْ رَأَى وَاجِبًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَفَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى مَحْظُورًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَاجْتَنَبَهُ.
وَمَعْنَى ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، فَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَمْرِهِ أَيْ بِالِامْتِثَالِ وَعِنْدَ نَهْيِهِ بِالِاجْتِنَابِ.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ الْعُظَمَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك أَنْ لَا تَرَانَا حَيْثُ نَهَيْتَنَا، وَلَا تَفْقِدَنَا مِنْ حَيْثُ أَمَرْتَنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذِكْرُ اللَّهِ ضَرْبَانِ: ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ أَيْ مَعَ الْقَلْبِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَرْفَعُ الْأَذْكَارِ وَأَجَلُّهَا: التَّفَكُّرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَآيَاتِهِ وَمَصْنُوعَاتِهِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، وَالثَّانِي: ذِكْرُهُ تَعَالَى بِمَعْنَى اسْتِحْضَارِهِ بِالْقَلْبِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَيَمْتَثِلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَيَقِفُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي، وَالثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ أَيْ مَعَ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الذِّكْرُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَذْكَارِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ثَوَابٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ اخْتِلَافَ السَّلَفِ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْخِلَافُ عِنْدِي إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي مُجَرَّدِ ذِكْرِ الْقَلْبِ تَسْبِيحًا وَتَهْلِيلًا وَشَبَهَهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الذِّكْرِ الْخَفِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَارِبُهُ ذِكْرُ اللِّسَانِ فَكَيْفَ يُفَاضِلُهُ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فَإِنْ كَانَ لَاهِيًا فَلَا، وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ ذِكْرَ الْقَلْبِ بِأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَأَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ فِي نَفْسِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَذْكُرَهُ بِلِسَانِي سَبْعِينَ مَرَّةً.
وَمَنْ رَجَّحَ ذِكْرَ اللِّسَانِ قَالَ: لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ زَادَ بِاسْتِعْمَالِ اللِّسَانِ.
وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي كَتْبِ الْمَلَائِكَةِ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ فَقِيلَ تَكْتُبُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُكْتَبْ لَمَا طُلِبَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَفْضَلَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ عِلْمِ الْمَلَائِكَةِ بِمَا فِي الْقَلْبِ، وَقِيلَ لَا يُكْتَبُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ.
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الذِّكْرُ كُلُّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ، فَقَوْلُ الذَّاكِرِ: اللَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مِنْ الْبِدَعِ وَأَفْعَالِ الْجَهَلَةِ، وَنَحْوُهُ لِلْبُلْقِينِيِّ وَسَلَّمَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ فِيهِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ فِيهِ ثَوَابًا مَا.
الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ وَالتَّسْبِيحُ نَفْيٌ، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِ: «أَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَعَ أَنَّ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةَ أَفْضَلُ مِنْ السَّلْبِيَّةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ اللَّقَانِيُّ.
الثَّالِثَةُ: شَرَطَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حُصُولِ ثَوَابِ الذِّكْرِ فَهْمُ الْمَعْنَى وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ السَّنُوسِيِّ: لَا يَنْتَفِعُ الدَّاخِلُ فِي الْإِسْلَامِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي خَلَاصِ بَدَنِهِ مِنْ النَّارِ إلَّا إذَا قَالَهَا مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى وَلَوْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ.
وَأَقُولُ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُ هَذَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَيُثَابُ عَلَيْهِ الْقَارِئُ وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْقُرْآنَ يُتَعَبَّدُ بِأَلْفَاظِهِ.
الرَّابِعَةُ: أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ الْقُرْآنُ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ، إنْ صَلَّى مِنْ قِيَامٍ وَإِنْ صَلَّى مِنْ جُلُوسٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةٍ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا
نُمْسِي وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ» وَيَقُولُ فِي الصَّبَاحِ «وَإِلَيْك النُّشُورُ» وَفِي الْمَسَاءِ «وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» وَرُوِيَ مَعَ ذَلِكَ «اللَّهُمَّ
[الفواكه الدواني]
وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ.
1 -
وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الذِّكْرِ شَرَعَ فِي الدُّعَاءِ وَفِي تَأْخِيرِهِ عَنْ الذِّكْرِ الْإِشْعَارُ بِأَفْضَلِيَّةِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، وَحَقِيقَةُ الدُّعَاءِ رَفْعُ الْحَاجَاتِ إلَى رَافِعِ الدَّرَجَاتِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَأَنَّهُ يَنْفَعُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، فَيَقْتَضِي اللَّهُ بِهِ الْحَاجَاتِ وَيَدْفَعُ بِهِ الْبَلِيَّاتِ، وَيَكْشِفُ بِهِ الْمُلِمَّاتِ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ نَافِعٌ لَمَا أَمَرَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ:
وَعِنْدَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ ... كَمَا مِنْ الْقُرْآنِ وَعْدًا يُسْمَعُ
وَفِي الْحَدِيثِ «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ» وَيُطْلَبُ وَلَوْ بِمَا عَلِمْت السَّلَامَةَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» لِأَنَّ الدُّعَاءَ فِي نَفْسِهِ عِبَادَةٌ، وَقَدْ دَعَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ كَيَوْمِ بَدْرٍ وَعَلَى قُرَيْشٍ وَعَلَى قَاتِلِي أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَعَلَى الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَحُكْمُ الدُّعَاءِ فِي الْأَصْلِ النَّدْبُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَالدُّعَاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ، أَوْ الْحُرْمَةُ كَالدُّعَاءِ عَلَى شَقِيٍّ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَالْكَرَاهَةُ كَالدُّعَاءِ بِشَيْءٍ يَكُونُ وَسِيلَةً لِمَكْرُوهٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلِإِجَابَتِهِ شُرُوطٌ فِي الدَّاعِي وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ إلَّا اللَّهُ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ مَعَ حُضُورِ قَلْبٍ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ أَكْلَ الْحَرَامِ، وَأَنْ لَا يَمَلَّ مِنْ الدُّعَاءِ فَيَتْرُكَ وَيَقُولُ: دَعَوْت وَدَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي، وَشُرُوطُهُ فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ، فَلَا يَدْعُو بِمَا فِيهِ إثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ وَلَا إضَاعَةُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ آدَابٌ مِنْهَا: التَّعْمِيمُ فِي الدُّعَاءِ.
وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَا يَخْتَرِعُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يَدْعُو بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَأْثُورِ.
وَمِنْهَا: كَوْنُهُ غَيْرَ مَرْجُوٍّ لِعَدَمِ التَّكَلُّمِ.
وَمِنْهَا: عَدَمُ اللَّحْنِ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ بِالصَّوَابِ.
وَمِنْهَا: ابْتِدَاؤُهُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِنْهَا: الْعَزْمُ فِيهِ فَلَا يَدْعُو وَيُعَلِّقُ بِقَوْلِهِ إنْ شِئْت يَا اللَّهُ.
وَمِنْهَا: تَحَرِّي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ كَالسَّحَرِ، وَعِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَفِي السُّجُودِ وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ.
وَمِنْهَا: عَدَمُ الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ.
وَمِنْهَا: الْبُدَاءَةُ بِنَفْسِهِ.
وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَوْ لَا؟ وَعَلَى الرَّفْعِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِهِمَا عَقِبَهُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» . فَيُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهُمَا وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَدْعِيَةٍ مَأْثُورَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّمَا أَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ (وَ) كُلَّمَا (أَمْسَى) أَيْ دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ فَأَصْبَحَ وَأَمْسَى هُنَا تَامَّتَانِ.
وَفِي الْإِتْيَانِ بِكُلَّمَا الْإِشَارَةُ إلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ: (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (بِك نُصْبِحُ وَبِك نُمْسِي) وَمَعْنَى نُصْبِحُ وَنُمْسِي بِك أَيْ بِقُدْرَتِك.
(وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ) وَقَدَّمَ لَفْظَ بِك عَلَى الْعَوَامِلِ فِيهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ عَلَى حَدِّ: إيَّاكَ نَعْبُدُ أَيْ لَيْسَ الدُّخُولُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَلَيْسَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ إلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَ) كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا فَرَغَ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ (يَقُولُ فِي الصَّبَاحِ وَإِلَيْك النُّشُورُ) أَيْ الْقِيَامُ مِنْ نَوْمِنَا هَذَا مَعْنَاهُ هُنَا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَاسْتِعْمَالُ النُّشُورِ فِي الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَطَرِيقُهَا أَنَّهُ شَبَّهَ الْقِيَامَ مِنْ النَّوْمِ بِالْبَعْثِ الَّذِي هُوَ إحْيَاءُ الْأَمْوَاتِ وَإِعَادَتُهُمْ كَمَا كَانُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُلَاءَمَةُ بَيْنَهُمَا عَوْدُ التَّمْيِيزِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، ثُمَّ اُعْتُبِرَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْبَعْثِ وَهُوَ النُّشُورُ لِانْتِشَارِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ حِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا لِلْمُشَبَّهِ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ، فَالِاسْتِعَارَةُ تَصْرِيحِيَّةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الْمُسْتَعَارِ وَالْقَرِينَةُ هُنَا حَالِيَّةٌ.
(وَ) كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ: (فِي الْمَسَاءِ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ) أَيْ وَإِلَيْكَ الْمَرْجِعُ، وَمَعْنَى إلَيْك النُّشُورُ وَالْمَصِيرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مُنْتَهٍ إلَيْك يَا اللَّهُ، وَمَعْنَى انْتِهَائِهِ إلَيْهِ أَنَّهُ بِقُدْرَتِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَإِرَادَتِهِ، وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ أَيْضًا لِتَشْبِيهِ النَّوْمِ الْمُقْبِلِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْتِ، وَالْعِلَاقَةُ ذَهَابُ التَّمْيِيزِ عِنْدَ كُلٍّ، وَلَعَلَّ مَعْنَى الرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ بَعْدَ الْمَوْتِ رُجُوعُهُ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ مِنْ عَالِمِ الشَّهَادَةِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَمْسَيْنَا وَبِك أَصْبَحْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» .
وَالدُّعَاءُ أَوْ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى
اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ عِبَادِك عِنْدَك حَظًّا وَنَصِيبًا فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ نُورٍ تَهْدِي بِهِ أَوْ رَحْمَةٍ تَنْشُرُهَا أَوْ رِزْقٍ تَبْسُطُهُ أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ أَوْ شِدَّةٍ تَدْفَعُهَا أَوْ فِتْنَةٍ تَصْرِفُهَا أَوْ مُعَافَاةٍ تَمُنُّ بِهَا بِرَحْمَتِك إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
وَمِنْ دُعَائِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ النَّوْمِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ «اللَّهُمَّ بِاسْمِك وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك لَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك
[الفواكه الدواني]
طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمَسَاءِ الْأَحْسَنُ فِعْلُهُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِهِ يَسِيرًا، وَبَعْدَهُ إلَى النَّوْمِ وَالسَّحَرُ وَقْتُ الْمُنَاجَاةِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّوْمِ وَالِانْتِبَاهِ فِي اللَّيْلِ وَالِاسْتِيقَاظِ لِلْفَجْرِ.
وَعَدَّ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَحَبِّ فِيهَا عِنْدَ صِيَاحِ الدِّيَكَةِ بِاللَّيْلِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَعِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَإِثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَخُصُوصًا الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَقَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
(وَرُوِيَ) عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الصَّبَاحِ (مَعَ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ الْمُتَقَدِّمَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ) أَيْ أَوْفَرِ وَأَكْبَرِ (عِبَادِكَ عِنْدَكَ حَظًّا وَنَصِيبًا) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ) أَيْ تُيَسِّرُهُ وَتُنْجِزُهُ لَنَا، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا تَقْسِمُهُ بِتُيَسِّرُهُ لِأَنَّ تَقْسِيمَ الْأَشْيَاءِ وَتَقْدِيرَهَا حَاصِلٌ فِي الْأَزَلِ، لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الصَّلَاحِ وَلَا يَنْقُصُ بِعِصْيَانٍ (فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ) وَبَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ نُورٍ تَهْدِي بِهِ) أَيْ تُرْشِدُ بِهِ إلَى الطَّاعَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ.
(أَوْ) مِنْ (رَحْمَةٍ تَنْشُرُهَا) أَيْ تَبْسُطُهَا عَلَيْنَا.
(أَوْ) مِنْ (رِزْقٍ تَبْسُطُهُ) أَيْ وَاسِعٍ تُنَعِّمُنَا بِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الرِّزْقُ الْحَلَالُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجُوزُ طَلَبُهُ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْحَيَوَانُ يُسَمَّى رِزْقًا وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ) أَيْ تَسْتُرُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْصُومٌ مِنْ الذُّنُوبِ فَكَيْفَ يَقُولُ: أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ: وَجَوَابٌ آخَرُ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ وَدُعَاءً لِأُمَّتِهِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى حَدِّ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] (أَوْ شِدَّةٍ) أَيْ كُرْبَةٍ تَحْصُلُ (تَدْفَعُهَا أَوْ فِتْنَةٍ) تَحْصُلُ وَهِيَ كُلُّ مَا يُشْغِلُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (تَصْرِفُهَا) أَيْ تُبْعِدُهَا عَنَّا (أَوْ مُعَافَاةٍ) سَلَامَةٍ (تَمُنُّ بِهَا) عَلَيْنَا (بِرَحْمَتِك) أَيْ بِفَضْلِك وَإِحْسَانِك لَا بِالْجَوَابِ وَلَا بِالْإِيجَابِ لِأَنَّك الْفَاعِلُ بِالِاخْتِيَارِ، وَ (إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ الْمُمْكِنَاتِ (قَدِيرٌ) وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَقْفَهْسِيُّ: إنَّ هَذَا الْمَرْوِيَّ حَدِيثٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْجَوَازِ فَيَطْلُبُ مِنَّا فِعْلَهُ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ كَنِكَاحِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَبِخِلَافِ مَا فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْجَوَازِ كَالِاقْتِصَارِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَحْرُمُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْأَوَّلِ، وَيُكْرَهُ الثَّانِي لِغَيْرِ الْعَالِمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَمِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ عِنْدَ) إرَادَةِ (النَّوْمِ) عَلَى مَا خَرَّجَهُ مَنْ تَقَيَّدَ بِنَقْلِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (أَنَّهُ كَانَ) يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَ (يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَ) يَدَهُ (الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ) مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسِرٍّ وَلَا جَهْرٍ: (اللَّهُمَّ بِاسْمِك) أَيْ بِقُدْرَتِك (وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي) أَيْ قَبَضْتَهَا قَبْضَ وَفَاةٍ.
(فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا) أَيْ أَطْلَقْتهَا عِنْدَ النَّوْمِ وَرَدَدْتهَا إلَى جَسَدِهَا.
(فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك) وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرُّوحَ تَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ عِنْدَ النَّوْمِ وَتَعُودُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرُّوحَ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي بَقَاءِ الْجَسَدِ حَيًّا بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ الْجَسَدَ فِيهِ رُوحَانِ: رُوحُ الْحَيَاةِ وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ بِمُفَارَقَتِهَا، وَرُوحُ الْيَقَظَةِ وَهِيَ الَّتِي يَنَامُ عِنْدَ خُرُوجِهَا وَيَكُونُ مُسْتَيْقِظًا بِوُجُودِهَا فَلَا إشْكَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
وَفِي قَوْلِهِ: بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ الْإِشَارَةُ إلَى مَزِيَّةِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَغَيْرِهِمْ.
(اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي) أَيْ ذَاتِي (إلَيْك) لِأَنِّي لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا وَلَا عَلَى جَلْبِ نَافِعٍ لَهَا وَلَا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهَا.
(وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك) أَيْ أَسْنَدْته إلَيْك لِيَتَقَوَّى بِك، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ يَتَقَوَّى بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِنَادَ الْحِسِّيَّ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَكَنَّى بِالظَّهْرِ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَفَوَّضْت) أَيْ وَكَّلْت (أَمْرِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك) بِكُلِّيَّتِي وَذَاتِي وَالْمَعْنَى: قَصَدْتُك يَا اللَّهُ دُونَ غَيْرِك بِالْعِبَادَةِ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْجَسَدِ (رَهْبَةً) أَيْ خَوْفًا (مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك) فِي نَيْلِ عَطَائِك (لَا مَنْجَا) بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ أَيْ لَا مَهْرَبَ مِنْك.
(وَلَا مَلْجَأَ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ مَرْجِعَ (مِنْك)
الَّذِي أَنْزَلْت وَبِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك»
وَمِمَّا رُوِيَ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ»
وَرُوِيَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرَ اللَّهَ
[الفواكه الدواني]
أَيْ لَا نَجَاةَ لِأَحَدٍ مِنْك وَلَا مَرْجِعَ لِأَحَدٍ (إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك) أَيْ أَرْجِعُ إلَيْك وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ، لِأَنَّ تَوْبَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هِيَ تَوَاضُعُهُ وَشُكْرُهُ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (آمَنْت) أَيْ صَدَّقْت (بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت) عَلَى رَسُولِك وَهُوَ الْقُرْآنُ.
(وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت) قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: الَّذِي فِي مُسْلِمٍ وَنَبِيِّك أَيْ بَدَلَ رَسُولِك حَتَّى نُسِبَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْوَهْمِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ رَسُولِك وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: نَبِيِّك وَرَسُولِك احْتِيَاطًا، لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ وَالْأَدْعِيَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلِذَا رَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ قَالَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ وَبِرَسُولِك وَقَالَ لَهُ قُلْ وَبِنَبِيِّك، وَأَيْضًا الْمُعْتَمَدُ مَنْعُ إبْدَالِ لَفْظِ النَّبِيِّ بِالرَّسُولِ وَعَكْسِهِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ فِي مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ:
وَإِنْ رَسُولٌ بِنَبِيٍّ أُبْدِلَا ... فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ كَعَكْسٍ فُعِلَا
وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ، وَإِنْ رَجَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْجَوَازَ وَاسْتَصْوَبَ النَّوَوِيُّ كَلَامَهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ نِسْبَةُ الْحَدِيثِ لِقَائِلِهِ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ فَهُوَ تَوْقِيفِيٌّ كَمَا عَرَفْت.
(فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت) مِنْ الذُّنُوبِ (وَمَا أَخَّرْت) أَيْ مَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ وَهَذَا أَيْضًا تَعْلِيمٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمَّتِهِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَنْبٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَمَا عَدَاهُ تَكَلُّفَاتٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا.
(وَ) اغْفِرْ لِي أَيْضًا (مَا أَسْرَرْت) أَيْ أَخْفَيْته مِنْ الذُّنُوبِ (وَمَا أَعْلَنْت) أَيْ أَظْهَرْته مِنْ الذُّنُوبِ.
(أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ رَبِّ قِنِي عَذَابَك) أَيْ نَجِّنِي مِنْ عَذَابِك (يَوْمَ تَبْعَثُ) أَيْ تُحْيِي وَتَنْشُرُ (عِبَادَك) قَائِمِينَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِحِسَابِك وَعَرْضِهِمْ عَلَيْك، وَهَذَا الدُّعَاءُ مُجَمَّعٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ مَعَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ غَيْرِ مُخِلَّيْنِ.
وَفِي الْحَدِيثِ ثَلَاثُ خِصَالٍ مُسْتَحَبَّةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
إحْدَاهَا: النَّوْمُ عَلَى طَهَارَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْهُ فَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِقَوْلِهِ: إذَا أَخَذْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ، وَفَائِدَةُ الْوُضُوءِ مَخَافَةُ أَنْ يَمُوتَ فِي لَيْلَةٍ وَلِيَكُونَ أَصْدَقَ لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَدَ مِنْ تَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ.
وَثَانِيهَا: النَّوْمُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ كَمَا يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ وَلِأَنَّهُ أَسْرَعُ إلَى الِانْتِبَاهِ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي نَاحِيَةِ الْيَسَارِ فَإِذَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ فَالنَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ سُنَّةٌ، وَعَلَى الظَّهْرِ فِكْرَةٌ، وَعَلَى الْيَسَارِ اضْطِجَاعُ الْمُلُوكِ، وَعَلَى الْبَطْنِ اضْطِجَاعُ الشَّيَاطِينِ وَأَهْلِ النَّارِ.
وَثَالِثُهَا: ذِكْرُ اللَّهِ لِيَكُونَ خَاتِمَةَ عَمَلِهِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ مَعَ الدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَنْدُبُ عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنَازِلِ بِقَوْلِهِ: (وَمِمَّا رُوِيَ) عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعِ (فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ) أَيْ أَتَحَصَّنُ (بِك أَنْ أَضِلَّ) أَيْ أَخْرُجَ عَنْ الْحَقِّ فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
(أَوْ أُضَلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُضِلُّنِي الْغَيْرُ عَنْ الْحَقِّ.
(أَوْ أَزِلَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ (أَوْ أُزَلَّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ يُزِيغُنِي الْغَيْرُ.
(أَوْ أَظْلِمَ) غَيْرِي (أَوْ أُظْلَمُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ يَظْلِمُنِي الْغَيْرُ.
(أَوْ أَجْهَلَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَسْفَهُ عَلَى أَحَدٍ.
(أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) فَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ، وَالْجَهْلُ وَالظُّلْمُ قِيلَ هُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَمْدًا، وَالْجَهْلُ وَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ كُلَّمَا يَخْرُجُ وَلَوْ تَكَرَّرَ خُرُوجُهُ، لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمَنْزِلِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ لَوْ خَرَجَ مِنْ حَائِطِهِ أَوْ مِنْ فُنْدُقِهِ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ كَانَ الْخُرُوجُ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ لِلسَّفَرِ أَشَدُّ طَلَبًا خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْحَضَرِ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ، فَإِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ الْمَلَكُ: كُفِيتَ وَهُدِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَفَرَّقُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ وَيَقُولُونَ: مَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ رَجُلٍ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الدُّعَاءِ
ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَعِنْدَ الْخَلَاءِ تَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ
وَتَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ وَعِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ تَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ
[الفواكه الدواني]
الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَيْنَ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَنْدُبُ عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَالَ: (وَمِمَّا رُوِيَ) عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْأَذْكَارِ (فِي دُبُرِ) بِضَمِّ الدَّالِ وَالْبَاءِ أَيْ عَقِبَ (كُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ (أَنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَسْبِيحَةً (وَتُكَبِّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَكْبِيرَةً (وَتَحْمَدَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (اللَّهَ) تَعَالَى (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَحْمِيدَةً (وَتَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إسْقَاطُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَإِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ الشَّكُّ فِي الْعَدَدِ فَيَحْتَاطُ وَيُكْمِلُ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَدَدِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقْدِيمُ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّحْمِيدِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَاطَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلُهَا تَحْمِيدَاتٍ وَبِأَرْبَعٍ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً وَيَقُولَ مَعَهَا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُعَقِّبَاتِ لِكَوْنِهَا تُقَالُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فَائِدَةَ هَذَا الذِّكْرِ أَنَّهُ تُغْفَرُ بِهِ الذُّنُوبُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّتِهِ «مَجِيءُ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا لَهُ: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ مِثْلَنَا وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ وَنَحْنُ فُقَرَاءُ لَا نَتَصَدَّقُ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ لَهُمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ.
قَالَ أَبُو صَالِحٍ: «فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قُلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 54] » .
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَطْلُبُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَ) مِمَّا يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (عِنْدَ) خُرُوجِك مِنْ (الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ (تَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ) أَيْ الطَّعَامُ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ (وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ) الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهُ لَوْ بَقِيَ بَعْدَ خُبْثِهِ.
(وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَحْوِ غُفْرَانُكَ، قَالَ فِي الْمُعَارَضَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرَانُكَ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا وَأَخْرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا» وَبِذَلِكَ سُمِّيَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا.
1 -
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُنْدَبُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَمِنْ إنَاثِهِمْ.
(فَائِدَةٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَلَاءَ اسْمٌ لِلْمَحَلِّ الَّذِي تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ، فَقَوْلُ الْعَامَّةِ بَيْتُ الْخَلَاءِ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ بَيْتٌ هُوَ الْخَلَاءُ، وَسُمِّيَ بِالْخَلَاءِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ يَكُونُ خَالِيًا عَنْ النَّاسِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ قَصْرُ التَّعَوُّذِ فِي الْخَلَاءِ قَالَ: (وَ) يُسْتَحَبُّ لَك أَنْ (تَتَعَوَّذَ) أَيْ تَتَحَصَّنُ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ) مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَنْتَ سَائِرٌ.
(وَ) كَذَا (عِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ) بِأَنْ (تَقُولَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) ثَلَاثًا كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّك إنْ قُلْت ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَلَوْ لَدَغَتْك عَقْرَبٌ أَوْ غَيْرُهَا لَمْ تَضُرَّك لَدْغَتُهَا كَمَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنْ قَالَهَا مُسَافِرٌ ثَلَاثًا عِنْدَ نُزُولِهِ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ جَرَّبْتُهُ أَحَدَ عَشَرَ عَامًا فَوَجَدْته صَحِيحًا، وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الْبَالِغَةُ الْغَايَةِ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُعْجِزُ الْبَشَرِ، وَوَصْفُ كَلِمَاتِ اللَّهِ بِالتَّامَّاتِ مِنْ بَابِ الْوَصْفِ الْكَاشِفِ لَا الْمُخَصِّصِ لِأَنَّ كَلِمَاتِهِ كُلَّهَا تَامَّاتٌ، وَالْمُرَادُ بِمَا خَلَقَ كُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ شَرٌّ، وَمَعْنَى أَعُوذُ أَسْتَجِيرُ وَأَتَحَصَّنُ وَأَعْتَصِمُ، وَهَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ.
(وَمِنْ) صِيَغِ (التَّعَوُّذِ) الْوَارِدَةِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا (أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) أَيْ ذَاتُهُ الْكَرِيمَةُ (وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّذِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) أَيْ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَنْ تَحَصَّنَ بِهِنَّ مَكْرُوهٌ مِنْ بَرٍّ أَوْ مَكْرُوهٌ مِنْ
وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ رَبِّي آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنْ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ
وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ خَيَّاطَةٍ وَنَحْوِهَا
[الفواكه الدواني]
فَاجِرٍ، وَالْبَرُّ الْمُحْسِنُ الْمُطِيعُ وَالْفَاجِرُ ضِدُّهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاجِرَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْإِنْسِ أَوْ الْجِنِّ لِعِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ فَكُلُّهُمْ أَبْرَارٌ
(وَ) أَعُوذُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) وَمَعْنَى الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ الْإِيجَادُ مِنْ الْعَدَمِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: 29] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون: 79] وَقَالَ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54] أَيْ خَالِقُكُمْ، فَلَعَلَّهُ ذَكَرَهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اتِّحَادِ مَعْنَاهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْلَمُ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَاخْتُلِفَ فِي عِدَّتِهَا فَقِيلَ أَلْفُ اسْمٍ وَوَصْفُهَا بِالْحُسْنَى بَيَانٌ لِوَصْفِهَا اللَّازِمِ فَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ.
(وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ) مِنْ الصَّوَاعِقِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ.
(وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) أَيْ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْعَذَابِ وَهُوَ الْأَعْمَالُ الْقَبِيحَةُ.
(وَ) أَعُوذُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى (مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ (وَمِنْ) شَرِّ (فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) الْمُرَادُ مَا يَحْصُلُ فِيهِمَا مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْإِنْسَانِ.
(وَ) أَعُوذُ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى (مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) وَالطَّارِقُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَغْتَةً، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ طَوَارِقِ النَّهَارِ، فَيَكُونُ زِيَادَتُهَا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ لِطَوَارِقِ اللَّيْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّارِقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ كَمَا قِيلَ، وَعَلَى ثُبُوتِهَا لَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى الْمُشَاكَلَةِ.
(وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ) التَّعَوُّذُ (أَيْضًا) زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: (وَ) أَعُوذُ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحُسْنَى (مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ رَبِّي) أَيْ خَالِقِي وَمَالِكِي (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) وَهِيَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِلْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُقْهَرُ وَيُغْلَبُ يُمْسَكُ بِنَاصِيَتِهِ، فَالْمُرَادُ بِأَخْذِ الرَّبِّ لَهَا قَهْرُهُ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهَا لِاسْتِحَالَةِ الْأَخْذِ الْحِسِّيِّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى.
(إنَّ رَبِّي) أَيْ أَمْرَهُ أَوْ رَسُولَهُ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أَيْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ وَالْعَادِلُ لَا يَضَعُ الشَّيْءَ إلَّا فِي مَحِلِّهِ، وَهَذَا التَّعَوُّذُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَفْظُ حَدِيثٍ: «عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ تَبِعَهُ عِفْرِيتٌ مِنْ الْجِنِّ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ، وَكُلَّمَا يَلْتَفِتُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَرَاهُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ تُطْفِئُ شُعْلَتَهُ وَيَخِرُّ عَلَى فِيهِ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: بَلَى، فَقَالَ جِبْرِيلُ قُلْ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ» إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَنِي يَهُودُ حِمَارًا، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعَوُّذَ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ يُخَافُ مِنْهُ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) أَوْ حَانُوتَهُ أَوْ بُسْتَانَه (أَنْ يَقُولَ) بَعْدَ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِهِ أَحَدٌ، أَوْ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَعَلَى النَّدْبِ فِي الثَّانِي.
(مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) فَإِنَّ قَوْلَهَا حِرْزٌ لِمَنْزِلِ قَائِلهَا الَّذِي قَالَهَا فِيهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ «مَنْ قَالَ أَرْبَعًا يَحْصُلُ لَهُ الْأَمْنُ مِنْ أَرْبَعٍ» : إحْدَاهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَثَانِيهَا مَنْ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ أَمِنَ مِنْ كَيْدِ النَّاسِ، ثَالِثُهَا مَنْ قَالَ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَكِيدَةَ النَّاسِ، رَابِعُهَا مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ أَمِنَ مِنْ الْغَمِّ.
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا: «أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ سَقَمٌ أَوْ شِدَّةٌ فَقَالَ اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا شَرِيكَ لَهُ كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ» وَبِالْجُمْلَةِ فَالدُّعَاءُ مَطْلُوبٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ:
وَعِنْدَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ ... كَمَا مِنْ الْقُرْآنِ وَعْدًا يُسْمَعُ
وَحَقِيقَتُهُ رَفْعُ الْحَاجَاتِ إلَى كَاشِفِ الْكُرُبَاتِ وَدَافِعِ الْبَلِيَّاتِ يَنْفَعُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ، وَالدُّعَاءُ يُوصِلُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ الْكَافِرِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» «وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقَاهُ الدُّعَاءُ فَيَتَعَالَجَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ يَتَصَارَعَانِ وَيَتَدَافَعَانِ» . وَاعْلَمْ
وَلَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ فِيهِ وَلَا يَأْكُلُ فِيهِ إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ كَالسَّوِيقِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَقُصُّ فِيهِ شَارِبَهُ وَلَا يُقَلِّمُ فِيهِ أَظْفَارَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ فِي ثَوْبِهِ
وَلَا يَقْتُلُ فِيهِ قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا
وَأُرَخِّصُ فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي
[الفواكه الدواني]
أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُبْرَمٌ وَمُعَلَّقٌ، وَالْمُعَلَّقُ لَا اسْتِحَالَةَ فِي رَفْعِ مَا عَلِقَ مِنْهُ عَلَى الدُّعَاءِ وَلَا فِي نُزُولِ مَا عَلِقَ نُزُولُهُ عَلَى دُعَاءٍ، وَأَمَّا الْمُبْرَمُ فَالدُّعَاءُ يَرْفَعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ، لَكِنْ رُبَّمَا أَثَابَ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَى دُعَائِهِ أَوْ خَفَّفَ عَنْهُ مَا نَزَلَ بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ مِنْ السُّكُوتِ وَالتَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَيُحِبُّ الدُّعَاءَ وَيَغْضَبُ لِتَرْكِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الْكَافِرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِجَابَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَنَسَبَهُ لِلْجُمْهُورِ مُسْتَدِلًّا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: 14] . وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ مِنْ بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ يَقْتَضِي عَدَمَ قُصُورِ الِاسْتِجَابَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَعَلَى مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ يَخُصُّ بِالْمَظْلُومِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ شُرُوطًا فِي الدَّاعِي وَهِيَ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ إلَّا اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَأَنْ يَدْعُوَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِاسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ مَلَالَةٌ مِنْ الدُّعَاءِ بِحَيْثُ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ كَمْ دَعَوْت وَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ السَّكِينَةِ، وَشُرُوطًا فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ الْمُمْكِنَةِ، فَلَا يَدْعُو بِمُسْتَحِيلٍ وَلَا بِمُحَرَّمٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُصَدَّرًا بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يَكُونَ فِي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ كَوَقْتِ السَّحَرِ أَوْ وَقْتِ النِّدَاءِ أَوْ عِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ أَوْ زَمَنِ السُّجُودِ أَوْ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ، وَأَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِ مَلْحُونٍ لِلْقَادِرِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاخْتُلِفَ فِي بَسْطِ الْيَدِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الذُّلِّ وَالسَّكِينَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ عَقِبَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهَا فِي مَبَاحِثِ الْأَحْكَامِ: (وَيُكْرَهُ) عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ (الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ) حَيْثُ لَا يَمْنَعُ مُصَلِّيًا وَلَا يُقَذِّرُهُ (مِنْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا) كَالنَّسْخِ لِلْكَاتِبِ، وَأَمَّا مَا يُقَذِّرهُ أَوْ يُضَيَّقُ عَلَى مُصَلٍّ فَيَحْرُمُ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ وُضِعَتْ لِلْعِبَادَةِ، وَأُجِيزَتْ الْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ حَيْثُ لَا يُشَوِّشُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى مُصَلٍّ، وَإِلَّا مُنِعَ كَمَا يُمْنَعُ كُلُّ مَا يُقَذِّرُ مِنْ نَحْوِ حِجَامَةٍ أَوْ فِصَادَةٍ أَوْ إصْلَاحِ النِّعَالَاتِ الْعَتِيقَةِ، وَمِنْ الْمَكْرُوهِ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ بِالْعِلْمِ زِيَادَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ أَنْ يُبْصَقَ بِأَرْضِهِ وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ وَسَلُّ سَيْفٍ وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ وَهُتُفٌ بِمَيِّتٍ وَرَفْعُ صَوْتٍ كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ وَوَقِيدُ نَارٍ وَدُخُولٌ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ وَفُرُشٌ أَوْ مُتَّكَأٌ، وَمِنْ الْمَكْرُوهِ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الِاسْتِيَاكُ وَالْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ، وَأَمَّا غَرْسُ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ فِيهِ فَيَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، كَمَا يَحْرُمُ حَفْرُهُ وَالدَّفْنُ فِيهِ، وَمَا غُرِسَ فِيهِ مِنْ الْأَشْجَارِ يُقْطَعُ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهِيَ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ لِأَنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ كَالْفَيْءِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَغْسِلَ يَدَيْهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِنَا لَا يَجُوزُ الْكَرَاهَةُ إنْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ وَالْحُرْمَةُ إنْ كَانَتَا نَجِسَتَيْنِ أَوْ بِهِمَا مَا يُقَذِّرُ وَلَوْ طَاهِرًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْجَوَازُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْكَرَاهَةُ لِسَحْنُونٍ كَمَجِّ الرِّيقِ فِيهِ وَرِحَابُ الْمَسْجِدِ كَالْمَسْجِدِ.
(وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُكْرَهُ أَنْ (يَأْكُلَ فِيهِ) نَحْوَ بِطِّيخٍ أَوْ فُولٍ مِمَّا يَعْفِشُهُ وَلَا يُقَذِّرُهُ (إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ) الَّذِي لَا يَحْصُلُ مِنْهُ تَلْوِيثٌ (كَالسَّوِيقِ وَنَحْوِهِ) فَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُكْرَهُ أَنْ (يَقُصَّ فِيهِ شَارِبَهُ) وَلَا يَحْلِقُ فِيهِ رَأْسَهُ (وَلَا يُقَلِّمُ فِيهِ ظُفْرَهُ) إنْ كَانَ مَا يُزِيلُهُ يُلْقِيهِ عَلَى أَرْضِهِ بَلْ (وَإِنْ أَخَذَهُ فِي ثَوْبِهِ) بِحَيْثُ لَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى أَرْضِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ، وَالْمَسَاجِدُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْفِشُهَا وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَقْتُلَ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدُ (قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا) الْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَقَتْلُ كَبُرْغُوثٍ بِمَسْجِدٍ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْقَمْلَةِ أَشَدُّ لِأَنَّهَا مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ قَتْلِ الْقَمْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَمْ يَطْرَحْ قِشْرَهَا فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً فَمَيْتَتُهَا نَجِسَةٌ، كَمَا أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ قَتْلِ الْبُرْغُوثِ بِهِ مَعَ طَرْحِ قِشْرِهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَكْثُرْ بِحَيْثُ يُقَذِّرُهُ لِأَنَّ تَقْذِيرَ الْمَسَاجِدِ حَرَامٌ وَلَوْ بِالطَّاهِرِ، وَلَا يُقَالُ: تَعْفِيشُ الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: التَّقْذِيرُ أَشَدُّ مِنْ التَّعْفِيشِ.
(تَنْبِيهٌ) تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَتْلِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَسْجِدِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ طَرْحِهِ فِيهِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ طَرْحَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَسْجِدِ حَيًّا لَا حَرَجَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبُرْغُوثِ، وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَاخْتَارَ اللَّقَانِيُّ حُرْمَةَ طَرْحِهَا فِيهِ لِأَنَّهَا تُؤْذِي الْغَيْرَ، وَاخْتَارَ الْأُجْهُورِيُّ الْكَرَاهَةَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى حُرْمَةِ طَرْحِ قِشْرِهَا فِيهِ لِحُرْمَةِ وَضْعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا وَقِشْرُهَا نَجِسٌ، وَأَمَّا طَرْحُهَا حَيَّةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَصَّ خَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: وَفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ وَاسْتُشْكِلَ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَرَاهَةِ الْعَمَلِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ عَدَمُ جَوَازِ الْبَيَاتِ بِهَا مُطْلَقًا قَالَ: (وَأَرْخَصَ) أَيْ سَهَّلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ) لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يَبِيتُونَ فِيهِ مِنْ نَحْوِ فُنْدُقٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَسَاجِدِ الْحَاضِرَةِ فَلَا تَرْخِيصَ فِي الْبَيَاتِ بِهَا لِلْغُرَبَاءِ إلَّا أَنْ
الْحَمَّامِ إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ وَلَا يُكْثِرُ وَيَقْرَأُ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ وَالْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ
وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ فَذَلِكَ حَسَنٌ وَالتَّفَهُّمُ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُكُوبِهِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ
[الفواكه الدواني]
لَا يَجِدُوا مَحِلًّا يَبِيتُونَ بِهِ وَإِلَّا جَازَ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبَاحُ لِأَجْلِهَا الْمَحْظُورَاتُ فَكَيْفَ بِالْمَكْرُوهِ كَمَا هُنَا وَذَلِكَ كَمَا فِي مِصْرَ الْيَوْمَ فَإِنَّ بَعْضَ الْغُرَبَاءِ لَا يُمْكِنُهُ الْبَيَاتُ فِي الْفُنْدُقِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ دَابَّةٌ أَوْ مِنْ ذَوِي الْمَالِ بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ كِرَاءَ مَحَلٍّ، وَأَمَّا غَيْرُ مَالِكٍ كَالشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ أَجَازَ الْبَيَاتَ فِي الْمَسَاجِدِ لِلْغُرَبَاءِ وَلَوْ فِي الْحَاضِرَةِ، بِدَلِيلِ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِهِ لَيْلًا نَهَارًا.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالْعِبَادَةِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ فَضْلًا عَنْ الْبَيَاتِ.
(تَنْبِيهٌ) نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَيَاتِ الْغَرِيبِ فِي الْمَسْجِدِ وَسَكَتَ عَنْ دَابَّتِهِ وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا يَحْفَظُهَا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَخَافَ عَلَيْهَا مِنْ اللُّصُوصِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهَا الْمَسْجِدَ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُ إنَاءٍ يَبُولُ فِيهِ إنْ كَانَ يَخَافُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ نَحْوِ سَبُعٍ أَوْ سَبْقِ بَوْلِهِ، لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مَوْضُوعَةٌ لِلْعِبَادَةِ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لِفَاعِلِهَا، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مُحَصِّلٌ الثَّوَابَ.
[آدَابِ قَارِئِ الْقُرْآنِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي آدَابِ قَارِئِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ يُكْرَهُ (أَنْ يَقْرَأَ) الشَّخْصُ (فِي الْحَمَّامِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَوَاضِعِ الْأَقْذَارِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْأَقْذَارِ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ يُنَزَّهُ الْقُرْآنُ عَنْهَا، وَلَمَّا ضَمَّنَ يَقْرَأُ مَعْنَى يَتَقَرَّبُ قَالَ: (إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ) وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُكْثِرُ) زِيَادَةُ إيضَاحٍ لِمَا قَبْلَهُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِغَالِ الرَّاكِبِ وَمَا مَعَهُ عَدَمُ جَوَازِ قِرَاءَتِهِ قَالَ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَقْرَأَ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ وَالْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ) أَوْ إلَى حَائِطِهِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَعْظَمُ الْأَذْكَارِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103] وَيَحْصُلُ لِلْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى أُخْرَى تَوْنِيسِ الْقَلْبِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْأَمْنُ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ.
(وَيُكْرَهُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ فِعْلِ الْقِرَاءَةِ (لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ) حَيْثُ كَانَ فِي الطَّرِيقِ إنية الْأَقْذَارِ كَأَسْوَاقِ الْحَاضِرَةِ وَلِكَثْرَةِ الْمَارِّينَ بِهَا فَيَفُوتُهُ التَّدَبُّرُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْمَارِّ بِهَا، وَرُبَّمَا يُنْسَبُ إلَى الرِّيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِلَلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكَرَاهَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَارِئُ مُتَعَلِّمًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِقَرِينَةٍ قَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورَ مِنْ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ الْكَثِيرَةِ فِي الْحَمَّامِ أَوْ فِي حَالِ الْمَشْيِ إلَى السُّوقِ (لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِذَا حَكَاهُ بِقِيلِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَوَاضِعِ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا الْمَطْلُوبَةِ وَغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعِ) لَيَالٍ (فَذَلِكَ حَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ (وَ) لَكِنَّ (التَّفَهُّمَ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ) وَلَوْ زَادَتْ مُدَّتُهَا عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ (أَفْضَلُ) مِنْ قِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُتَرَسِّلَةً بِحَيْثُ لَوْ شَاءَ السَّامِعُ عَدَّ حُرُوفِ مَا يَقْرَؤُهُ لَأَمْكَنَهُ، لِأَنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي قِرَاءَتِهِ يَقِفُ عَلَى أَحْكَامِهِ وَمَوَاعِظِهِ وَعَلَى وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَهَذَا يَحْمِلُهُ عَلَى تِلَاوَتِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي حُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ الْقَارِئُ الْمَعْنَى خِلَافًا لِفَتْوَى بَعْضِ الشُّيُوخِ.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَاءَةِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْكَثِيرَةِ مَعَ التَّدَيُّنِ بِقَوْلِهِ: (وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» مَعَ مَعْرِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَعَانِيهِ وَفَهْمِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا قِيلَ إنَّ بَعْضَ الْأَكَابِرِ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُفْسَحُ لَهُمْ فِي الزَّمَنِ كَمَا تُطْوَى لَهُمْ الْأَرْضُ، وَكَرَامَاتُهُمْ لَا يُنَازِعُ فِيهَا إلَّا مَحْرُومٌ سَوَاءٌ كَانُوا أَحْيَاءً أَوْ أَمْوَاتًا.
(تَتِمَّةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى ثَوَابِ الْقَارِئِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَبِطَهَارَةٍ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا إنْ صَلَّى قَاعِدًا بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَإِنْ كَانَ مُصَلِّيًا قَائِمًا يَكُونُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَالْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْأَدْعِيَةِ الَّتِي تُطْلَبُ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ: (يُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ) أَيْ مَرِيدُ السَّفَرِ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُكُوبِهِ) أَيْ عِنْدَ وَضْعِ رِجْلِهِ فِي الرِّكَابِ (بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ) أَيْ الْحَافِظُ (فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ) أَيْ الْمُتَكَفِّلُ بِأُمُورِهِمْ عَنِّي (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ أَيْ مِنْ مَشَقَّةِ (السَّفَرِ وَ) مِنْ (كَآبَةِ) بِالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا مَدَّةٌ أَيْ سُوءُ (الْمُنْقَلَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ الرُّجُوعُ أَيْ أَعُوذُ بِك مِنْ الرُّجُوعِ خَائِبًا مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِي.
(وَ) مِنْ (سُوءِ الْمَنْظَرِ) بِفَتْحِ الظَّاءِ أَيْ مَا يُسِيءُ النَّظَرُ إلَيْهِ (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَالْوَلَدِ) اسْتَعَاذَ بِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِنْ رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ فِي حَالَةٍ يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا الْحُزْنُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ وَقَعَ فِي لَفْظِهِ اخْتِلَافٌ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَلَبَّسَ بِالسَّفَرِ أَنْ (يَقُولَ) عِنْدَ
وَيَقُولُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى عَلَى الدَّابَّةِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ
وَتُكْرَهُ التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَبَلَدِ السُّودَانِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ»
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا سَفَرَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ لَهَا.
[الفواكه الدواني]
مَشْيِهِ إنْ كَانَ مَاشِيًا وَيَقُولَ (الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى عَلَى الدَّابَّةِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا بِهِ مُقْرِنِينَ) أَيْ مُطِيقِينَ وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا السَّفِينَةَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 14] أَيْ رَاجِعُونَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ ذِكْرُهُ شَرَعَ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ بِقَوْلِهِ: (وَتُكْرَهُ التِّجَارَةُ) الَّتِي يُرِيدُ السَّفَرُ بِهَا (إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) الْمُرَادُ الْكَافِرُ لِمَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ دِينِ التَّاجِرِ وَالتَّغْرِيرِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي قَوَادِحِ الشَّهَادَةِ: وَتِجَارَةُ الْأَرْضِ حَرْبٌ لِأَنَّ الْمُقِيمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَخْلَاقُهُمْ وَرُبَّمَا يَتَطَبَّعُ بِطِبَاعِهِمْ، وَلَا يَأْمَنُ مِنْ جَبْرِهِ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ الْمَعَاصِي.
(وَ) كَذَا تُكْرَهُ التِّجَارَةُ إلَى (بَلَدِ السُّودَانِ) الْكُفَّارِ وَيَحْتَمِلُ وَلَوْ غَيْرُ كُفَّارٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَخَاطِرِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَعَلَى الثَّانِي عَكْسُهُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السَّفَرَ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلِنَحْوِ فَكِّ أَسِيرٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَتْهُ الرِّيحُ بَلَدَهُمْ غَلَبَةً، وَالْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَنْزِيهِيَّةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ جَعْلُهُ مِنْ قَوَادِحِ الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا، لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَدْحُ يَكُونُ بِالْمَكْرُوهِ وَبِكُلِّ مُزَوَّرٍ وَلَوْ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ.
وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مَظِنَّةً لِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يُنَفِّرُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» وَتَمَامُهُ: «يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهِمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ فَلْيُعَجِّلْ الْأَوْبَةَ إلَى أَهْلِهِ» . وَقَوْلُهُ: قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَحْتَمِلُ عَذَابَ الدُّنْيَا وَيَحْتَمِلُ مَا هُوَ أَعَمُّ لِأَنَّ الدُّنْيَا مُمْتَزِجَةٌ مَعَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ وَسُرُورٍ فِي الدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ الْجَنَّةِ، وَكُلَّ هَمٍّ وَغَمٍّ وَعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّارِ، وَإِنَّمَا كَانَ قِطْعَةً مِنْ الْعَذَابِ لِأَنَّ فِيهِ فُرْقَةَ الْأَحْبَابِ وَمُجَاهِدَةَ النَّفْسِ وَتَشْتِيتَ الْخَاطِرِ وَمُذَكِّرٌ لِفِرَاقِ الدُّنْيَا، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَطَةُ مَنْ لَا تُشْتَهَى مُخَالَطَتُهُ، وَكَفَى بِمَا ذُكِرَ عَذَابًا فِي الْحِسِّ وَالْمَعْنَى حَتَّى قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْلَا أَنِّي أَزِيدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقُلْت الْعَذَابُ قِطْعَةٌ مِنْ السَّفَرِ، وَقَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: «يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ مِنْ نَوْمِهِ» إلَخْ الْمُرَادُ يَمْنَعُهُ كَمَالُ نَوْمِهِ وَلَذَّةُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَالنَّهِمَةُ الْمُرَادُ بِهَا الْحَاجَةُ.
وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مَظِنَّةَ الْخَلْوَةِ وَالْمُخَالَطَةِ بِالْأَجَانِبِ قَالَ: (وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ (أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا) كَأَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا وَمَنْ فِي حُكْمِهَا كَزَوْجِهَا (سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ) سَوَاءً فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، وَلَا مَفْهُومَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلُوَ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَرَدَ بِرِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذِهِ، وَحُمِلَ اخْتِلَافُهَا عَلَى اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَفْهُومَ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ شُمُولُهُ لِلشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ لِابْنِ رُشْدٍ بِالشَّابَّةِ، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَيَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الَّتِي انْقَطَعَ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا جُمْلَةً وَسَافَرَتْ مَعَ مَنْ مِثْلُهُ لَا يُتَوَهَّمُ مَيْلُهُ إلَيْهَا ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ مَسْأَلَةً بِقَوْلِهِ: (إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ كَانَ سَفَرُهَا (فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ) جَائِزٌ (لَهَا) قَالَ خَلِيلٌ مُشْبِهًا فِي الْوُجُوبِ: كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ أَيْ فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَهَا وَالْفَرْضُ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْضٍ، كَمَا إذَا أَسْلَمَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أُسِرَتْ وَأَمْكَنَهَا الْهُرُوبُ، وَيَشْمَلُ حَجَّ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ وَالْحِنْثِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْمَنْزِلِ لِإِتْمَامِ الْعِدَّةِ إذَا خَرَجَتْ ضَرُورَةً فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الرُّفْقَةِ فَهَلْ يَكْفِي فِيهَا مَحْضُ النِّسَاءِ أَوْ مَحْضُ الرِّجَالِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ، تَرَدُّدٌ لِلشُّيُوخِ فِي فَهْمِ قَوْلِ الْإِمَامِ تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ هَلْ الْوَاوُ عَلَى بَابِهَا وَلَا بُدَّ مِنْ مَجْمُوعِ الصِّنْفَيْنِ أَوْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فَيَكْفِي أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ، وَحُكْمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ أَوْ الزَّوْجُ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا، وَمَفْهُومُ حَجِّ الْفَرِيضَةِ أَنَّ حَجَّ النَّفْلِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَسْفَارِ الْغَيْرِ الْوَاجِبَةِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهَا مَعَ الْمَحْرَمِ أَوْ الزَّوْجِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مُوَافِقٌ لِلرَّاجِحِ، وَإِنَّمَا قَصَرَهَا عَلَى مَالِكٍ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَنْسُوبَةً لَهُ، لَا لِلتَّبَرِّي مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أُمُورٍ مُهِمَّةٍ يَحْتَاجُ الشَّخْصُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
بَابٌ فِي التَّعَالُجِ وَذِكْرِ الرُّقَى وَالطِّيَرَةِ وَالنُّجُومِ وَالْخِصَاءِ وَالْوَسْمِ وَالْكِلَابِ وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا
وَالتَّعَوُّذِ
وَالتَّعَالُجِ
وَشُرْبِ الدَّوَاءِ وَالْفَصْدِ وَالْكَيِّ
وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ
[الفواكه الدواني]
[بَابٌ فِي حُكْم التَّعَالُجِ]
(بَابٌ فِي) حُكْمِ (التَّعَالُجِ) (بَابٌ فِي) حُكْمِ (التَّعَالُجِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْمَرَضِ بِالدَّوَاءِ (وَ) فِي (ذِكْرِ الرُّقَى) مِنْ الْعَيْنِ أَوْ اللَّدْغَةِ، وَالرُّقَى جَمْعُ رُقْيَةٍ كَالدُّمَى جَمْعُ دُمْيَةٍ وَفِي بَيَانِ مَا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ وَمُعَالَجَةُ الْمَرَضِ بِهِ.
(وَ) فِي حُكْمِ (الطِّيَرَةِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى وَزْنِ الْعِنَبَةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهَا، وَحَقِيقَتُهَا الْعَمَلُ عَلَى مَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَرَاهُ أَوْ يَتَطَيَّرُ مِنْهُ.
(وَ) فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ تَعَلُّمُهُ مِنْ (النُّجُومِ وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِصَاءِ) أَيْ الَّذِي يَجُوزُ خِصَاؤُهُ (وَ) فِي حُكْمِ (الْوَسْمِ) وَهِيَ الْكَيُّ بِالنَّارِ.
(وَ) فِي ذِكْرِ مَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ (الْكِلَابِ) وَمَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْهَا.
(وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ) أَيْ الرَّقِيقِ إذْ لَا يُسَمَّى عُرْفًا بِالْمَمْلُوكِ إلَّا الرَّقِيقُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ جَمَعَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَرْجَمَةٍ ثُمَّ بَيَّنَ أَحْكَامَهَا مُفَصَّلَةً وَإِنْ لَمْ يُرَاعِ التَّرْتِيبَ لِتَصْدِيرِهِ بِغَيْرِ مَا بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ) ضَرَرِ (الْعَيْنِ) لِأَنَّ الْعَيْنَ سُمٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ إذَا تَعَجَّبَ مِنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَلَفُّظٌ بِتَعَجُّبٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِكْ فِيمَا تَعَجَّبَ مِنْهُ وَيَصِلُ إلَى الْمَنْظُورِ فَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ سَرِيعًا، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: إنَّ الْعَائِنَ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ، وَأَمَّا لَوْ بَارَكَ عِنْدَ نَظَرِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَائِنِ: «هَلَّا بَارَكْت» فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنْ يُبَارِكَ لِيَأْمَنَ مِنْ الْمَحْذُورِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِرْقَاءِ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اشْتَكَى رَقَاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيك مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ» . وَعَنْهَا أَيْضًا: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِك وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ، قَالَ فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي مِنْ الْأَلَمِ فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ» .
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ كُلِّ دَاءٍ (غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرُ الْعَيْنِ كَالرَّمَدِ وَالصُّدَاعِ وَاللَّدْغَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِيهِ الشِّفَاءُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] وَمِنْ أَسْمَاءِ الْفَاتِحَةِ الشَّافِيَةُ.
(تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِلَا بَأْسَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَحْسَنَ عَدَمُ الِاسْتِرْقَاءِ وَتُسَلِّمُ الْأَمْرَ إلَى اللَّهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» . فَفِي هَذَا ذَمُّ الِاسْتِرْقَاءِ.
وَحَدِيثُ: «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَرْقِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» يَقْتَضِي مَدْحَ الِاسْتِرْقَاءِ، وَأَنَّ فِعْلَهُ أَحْسَنُ مِنْ تَرْكِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ الَّذِي يَحْسُنُ تَرْكُهُ الِاسْتِرْقَاءُ بِكَلَامِ الْكُفَّارِ أَوْ الْأَلْفَاظِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا كَالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ، وَالِاسْتِرْقَاءُ الْحَسَنُ مَا كَانَ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَوْ الْأَسْمَاءِ وَالْكَلِمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَعَانِي.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ الْمُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ضَرَرِ الْمَرَضِ كَمَا قِيلَ إنَّهُ قِيلَ لِلصِّدِّيقِ: نَدْعُو لَك طَبِيبًا، فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، وَالْمُسْتَحْسَنُ فِعْلُهُ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ، وَلَا يَكُونُ الِاسْتِرْقَاءُ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْخِلَافِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ:
وَالْكُحْلُ لِلتَّدَاوِي لِلرِّجَالِ جَائِزٌ وَهُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ
وَلَا يُتَعَالَجُ بِالْخَمْرِ وَلَا بِالنَّجَاسَةِ وَلَا بِمَا فِيهِ مَيْتَةٌ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا
[الفواكه الدواني]
فِي الِاكْتِسَابِ وَالتَّوَكُّلِ اُخْتُلِفَ ... وَالرَّاجِحُ التَّفْصِيلُ حَسْبَ مَا عُرِفْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ التَّوَكُّلِ وَكَانَ يَسْتَعِدُّ لِلْحَرْبِ، وَقَالَ لِصَاحِبِ النَّاقَةِ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» .
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ (التَّعَوُّذِ) أَوْ التَّحَصُّنِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَفْهُومَةِ الْمَعْنَى مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] وَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 2] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ، وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فِي يَدِهِ وَيَمْسَحُ بِهَا مَا بَلَغَ مِنْ جَسَدِهِ.
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِارْتِكَابِ (التَّعَالُجِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْمَرَضِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» فَإِنْزَالُ الدَّوَاءِ أَمَارَةُ جَوَازِ التَّدَاوِي، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْعَالِمِ بِأَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ، وَمَا يُنَاسِبُ كُلَّ مَرَضٍ لِئَلَّا يَكُونَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: إنْ عَالَجَ الْعَالِمُ بِالطِّبِّ الْمَرِيضَ وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ أَوْ الْمُقَصِّرِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا نَشَأَ عَنْ فِعْلِهِ، وَيَجُوزُ التَّعَالُجُ بِكُلِّ مَا يَرَاهُ الْعَالِمُ بِالطِّبِّ نَافِعًا وَمُنَاسِبًا لِصَاحِبِ الْمَرَضِ مِنْ الْأَسْمَاءِ.
(وَشُرْبُ الدَّوَاءِ) بِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ أَوْ كَسْرِهَا.
(وَ) بِنَحْوِ (الْفَصْدِ) وَهُوَ قَطْعُ بَعْضِ الْعُرُوقِ لِخُرُوجِ الدَّمِ الْفَاسِدِ.
(وَالْكَيِّ) الَّذِي هُوَ الْحَرْقُ بِالنَّارِ فَقَدْ كَوَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حِينَ أَصَابَتْهُ اللُّوَقَةُ وَاكْتَوَى بَعْدَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ يَجُوزُ التَّعَالُجُ بِهَا كَمَا يَجُوزُ بِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى التَّعَالُجِ بِهَا مَعَ جَوَازِهِ بِغَيْرِهَا أَيْضًا لِمَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ، فَلَا بَأْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ بِخِلَافِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِرْقَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فَإِنَّهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ وَالتَّعَوُّذَ مُسْتَحَبَّانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
(وَالْحِجَامَةُ) وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ (حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «احْتَجَمَ وَأَمَرَ بِدَفْعِ الْأَجْرِ لِلْحَاجِمِ» .
وَقَالَ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «شِفَاءُ أُمَّتِي فِي ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا شَرْطَةَ مِحْجَمٍ، وَتَجُوزُ فِي كُلِّ أَيَّامِ السَّنَةِ حَتَّى السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ، بَلْ كَانَ مَالِكٌ يَتَعَمَّدُ الْحِجَامَةَ فِيهَا، وَلَا يَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْحِجَامَةِ فِيهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى حُسْنِ الْحِجَامَةِ مَعَ إيهَامِهِ عَدَمَ اسْتِحْسَانِ الِاسْتِرْقَاءِ وَالتَّعَوُّذِ مَعَ أَنَّهُمَا كَذَلِكَ، دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهَا كَالْكَيِّ وَالْفَصْدِ فِي الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي لِوُقُوعِهَا بَعْدَهُمَا، وَأَفْضَلُ مَا يُتَعَالَجُ بِهِ الْحَمِيَّةُ، فَقَدْ ذَكَرَ رَجُلٌ عِنْدَ هَارُونَ الرَّشِيدِ حِينَ سَأَلَهُ نَصْرَانِيٌّ: هَلْ تَرَكَ نَبِيُّكُمْ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْأَبَدَانِ؟ وَهَلْ فِي كِتَابِكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: فِي كِتَابِنَا شَطْرُ آيَةٍ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31] وَمِنْ كَلَامِ نَبِيِّنَا كَلِمَاتٌ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبُرْدَةُ» قَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا تَرَكَ كِتَابُكُمْ وَلَا نَبِيُّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا.
(فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِالْحِجَامَةِ) مِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْحِجَامَةَ أَنْ لَا يَقْرَبَ النِّسَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ الْحِجَامَةِ فِي ذَلِكَ الْفَصَادَةُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْحِجَامَةَ فِي الْغَدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَعَشَّى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ الْعَصْرِ، وَإِذَا كَانَ بِهِ مِرَّةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَلْيَذُقْ شَيْئًا قَبْلَ حِجَامَتِهِ خِيفَةَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى عَقْلِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ مَالِحًا إثْرَ الْحِجَامَةِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الْقُرُوحُ وَالْجَرَبُ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إثْرَهَا الْحُلْوُ لِيَسْكُنَ مَا بِهِ ثُمَّ يَحْسُو شَيْئًا مِنْ الْمَرَقَةِ وَيَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ الْحُلْوِ إنْ قَدَرَ، وَيَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ اللَّبَنِ بِسَائِرِ أَصْنَافِهِ وَلَوْ رَائِبًا، وَيُقَلِّلُ شُرْبَ الْمَاءِ فِي يَوْمِهِ.
وَمِنْهَا: اجْتِنَابُ الْحِجَامَةِ فِي نَقْرَةِ الْقَفَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا تُوَرِّثُ النِّسْيَانَ، وَالنَّافِعَةُ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ نَافِعَةٌ مِنْ وَجَعِ الرَّأْسِ وَالْأَضْرَاسِ وَالنُّعَاسِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ» وَلَا تَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَضُرُّ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْحِجَامَةِ فِي زَمَنِ شِدَّةِ الْحُرِّ فِي الصَّيْفِ، وَمِثْلُهُ شِدَّةُ الْبَرْدِ فِي الشِّتَاءِ، وَأَحْسَنُ زَمَانِهَا الرَّبِيعُ، وَخَيْرُ أَوْقَاتِهَا مِنْ الشَّهْرِ عِنْدَ أَخْذِهِ فِي النُّقْصَانِ قَبْلَ انْتِهَاءِ آخِرِهِ.
(وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِاسْتِعْمَالِ (الْكُحْلِ) الْإِثْمِدِ (لِلتَّدَاوِي) مِنْ مَرَضِ الْعَيْنِ (لِلرِّجَالِ) وَيَحْتَمِلُ رَفْعُ الْكُحْلِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالْكُلُّ بِمَعْنَى الِاكْتِحَالِ لِلتَّدَاوِي حَسَنٌ لِلرِّجَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ، وَمَفْهُومٌ لِلتَّدَاوِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ فِعْلُهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ جَوَازُهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ» وَعَلَّلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ (مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ) فَيَجُوزُ لَهُنَّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ اسْتِعْمَالُ مَا هُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا
حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ
وَالرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ
وَلَا بَأْسَ بِالْمَعَاذَةِ تُعَلَّقُ وَفِيهَا الْقُرْآنُ
وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ فَلَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ
«وَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي
[الفواكه الدواني]
الِاكْتِحَالُ بِغَيْرِ الْإِثْمِدِ فَيَجُوزُ وَلَوْ لِلرِّجَالِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَوْ نَهَارًا.
وَلَمَّا كَانَ التَّدَاوِي لَا يَجُوزُ بِالْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ فَقَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُتَعَالَجَ بِالْخَمْرِ) أَيْ يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا دَوَاءَ وَلَا طِلَاءَ لِخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ بِالْخَمْرِ غُصَّةً أَوْ عَطَشًا عَلَى قَوْلٍ وَيَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْغُصَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ مَنَافِعِ الْخَمْرِ فَقَدْ ارْتَفَعَ بِتَحْرِيمِهَا.
(وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ التَّعَالُجُ بِالْخَمْرِ (وَلَا) يَجُوزُ (بِالنَّجَاسَةِ) غَيْرِ الْخَمْرِ (وَلَا بِمَا فِيهِ مَيْتَةٌ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -) وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عُمُومُ حُرْمَةِ التَّدَاوِي بِالنَّجَسِ وَلَوْ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَلَوْ غَيْرُ خَمْرٍ، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَمَفْهُومُ التَّعَالُجِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَا ذُكِرَ لِغَيْرِ التَّدَاوِي لَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٌ إلَّا لِغُصَّةٍ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَيَنْتَفِعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجِسٍ.
[التَّدَاوِي بِالْكَيِّ]
وَلَمَّا وَقَعَ خِلَافٌ فِي جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْكَيِّ كَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ) أَيْ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ اسْتِعْمَالُ الْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَهُ، وَمِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّدَاوِي بِهِ الِاكْتِحَالُ بِالْعَذِرَةِ لِلرَّمَدِ، وَظَوَاهِرُ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ جَوَازُ كَفِّ الْعَوْرَةِ لِلتَّدَاوِي، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْحُقْنَةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهَا فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الدَّوَاءِ وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ، وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّدَاوِيَ وَأَذِنَ فِيهِ فَقَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ» وَتُحْمَلُ النُّقُولُ الْمُخَالِفَةُ لِهَذَا عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْجَوَازُ عَلَى حَالَةِ الِاضْطِرَارِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ.
[الرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُرْقَى بِهِ فَقَالَ: (وَ) لَا بَأْسَ بِ (الرُّقَى) جَمْعُ رُقْيَةٍ (بِكِتَابِ اللَّهِ) وَلَوْ آيَةٌ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَيُرْقَى بِالْفَاتِحَةِ وَآخِرُ مَا يُرْقَى بِهِ مِنْهَا وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَمِمَّا يُرْقَى بِهِ كَثِيرًا آيَاتُ الشِّفَاءِ السِّتِّ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْبَرَكَةِ: مِنْ كَتَبَ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ وَقَرَأَ عَلَيْهَا آيَاتِ الشِّفَاءِ وَمَحَاهُ بِمَاءِ النِّيلِ وَسَقَاهُ لِمَنْ بِهِ مَرَضٌ مُثْقِلٌ فَإِنْ قُدِّرَ لَهُ الْحَيَاةُ شَفَاهُ اللَّهُ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ وَإِنْ قُدِّرَ لَهُ الْمَوْتُ سَكَنَ أَلَمُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَقَدْ جُرِّبَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً فَصَحَّ.
وَآيَاتُ الشِّفَاءِ سِتٌّ الْأُولَى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 14] الثَّانِيَةُ: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57] الثَّالِثَةُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] الرَّابِعَةُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] .
الْخَامِسَةُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80] .
السَّادِسَةُ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44] (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِالرُّقْيَةِ (الْكَلَامِ الطَّيِّبِ) مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَ عَرَبِيًّا، وَمَفْهُومَ الْمَعْنَى كَالْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالطِّبِّ لَا الْحَلَالُ لِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ، وَأَمَّا مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَلَا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْعَجَمِيَّةِ قَالَ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا كُفْرٌ؟ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَا جُهِلَ مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ وَلَوْ جُرِّبَ وَصَحَّ، وَكَانَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ: إنْ تَكَرَّرَ النَّفْعُ بِهِ تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحَقُّقَ النَّفْعِ بِهِ لَا يَكُونُ كُفْرًا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُعْمَلُ لِحَلِّ الْمَرْبُوطِ وَلِتَسْكِينِ عَقْلِ الْمَصْرُوعِ وَإِخْرَاجِ الْجَانِّ أَوْ إزَالَةِ النَّزِيفِ وَلَوْ حَدِيدًا كَخَاتَمِ سُلَيْمَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَسْمَاءٍ، وَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ مَالِكٍ عَلَى مَا لَمْ يُتَحَقَّقْ النَّفْعُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الرُّقْيَةِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ الرَّهْطِ الْمَشْهُورَةِ فِي بَابِ الْجُعْلِ حِينَ لُدِغَ كَبِيرُهُمْ وَرَقَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(وَلَا بَأْسَ بِالْمَعَاذَةِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ التَّمِيمَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْحَرَزَةِ (تُعَلَّقُ) فِي عُنُقِ الشَّخْصِ أَوْ ذِرَاعِهِ.
(وَفِيهَا) بَعْضُ أَسْمَاءٍ وَشَيْءٌ مِنْ (الْقُرْآنِ) وَرُبَّمَا تُعَلَّقُ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ وَيَجُوزُ حَمْلُهَا وَلَوْ كَانَ الْحَامِلُ لَهَا حَائِضًا أَوْ جُنُبًا وَلَوْ كَثِيرٌ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتْ مَسْتُورَةً، وَأَمَّا بِغَيْرِ سَاتِرٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ قِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ كَالْآيَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ حَيْثُ كَانَتْ بِسَاتِرٍ يَقِيهَا مِنْ وُصُولِ الْأَذَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحِرْزٌ بِسَاتِرٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً، وَلَا يَنْبَغِي تَعْلِيقُهَا مِنْ غَيْرِ سَاتِرٍ إلَّا مَعَ قِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا قَدَّمْنَا وَكَانَ الْحَامِلُ لَهَا مُسْلِمًا.
وَلَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ مَا يُفْعَلُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ السَّلَامَةِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُضِرَّةِ لِطَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِمَّا يُوجِبُ عَدَمَ سَلَامَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ) بِالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَهُوَ كُلُّ مَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَالسُّعَالِ وَالرِّيحِ لَا خُصُوصُ الطَّاعُونِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ الطَّاعُونِ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ الْآتِيَةِ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالطَّاعُونِ وَهُوَ بَثْرَةٌ مِنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ أَيْ قُرُوحٌ تَحْصُلُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ مَعَ لَهَبٍ وَاسْوِدَادٍ حَوْلَهَا مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ يَحْدُثُ مِنْهَا وَرَمٌ فِي الْغَالِبِ وَقَيْءٌ وَخَفَقَانٌ فِي الْقَلْبِ، تَحْدُثُ غَالِبًا فِي الْمَوَاضِعِ الرَّخْوَةِ كَتَحْتِ الْإِبْطِ وَخَلْفَ الْأُذُنِ، وَالطَّاعُونُ خِلَافُ الْكُبَّةِ لِأَنَّهَا الظَّاهِرَةُ وَالطَّاعُونُ أَشَدُّ مِنْهَا.
(بِأَرْضِ قَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِوَقَعَ (فَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَرْضِهِمْ أَنْ (يَقْدُمَ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْوَبَاءُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (فَلَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (فِرَارًا مِنْهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» وَالنَّهْيُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ، وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَمَفْهُومُ فِرَارًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ فَلَا يُنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِمَّا حَصَلَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مُطْلَقًا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْقُدُومِ رُبَّمَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ الْقُدُومِ، وَفِي حَالِ الْخُرُوجِ مَخَافَةَ أَنْ تَتْبَعَ النَّاسُ بَعْضَهَا فِي الْخُرُوجِ فَيَتَزَلْزَلُ اعْتِقَادُ مَنْ نَجَا وَيَضِيعُ مَنْ كَانَ مَرِيضًا وَعَجَزَ عَنْ الْخُرُوجِ بِفَقْدِ مَنْ يَعُودُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت أَنَّ النَّهْيَ عَنْ دُخُولِ بَلَدِ الْوَبَاءِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْفِرَارِ، ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ النَّهْيِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ الطَّاعُونَ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ بِهِ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» وَقَدْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا عَامَ ثَمَانِ عَشْرَةَ.
الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ كَالْحَدِيثِ عَلَى حُكْمِ الْخُرُوجِ أَوْ الدُّخُولِ إلَى مَحَلِّ الْوَبَاءِ، وَسَكَتَ عَنْ الدُّخُولِ أَوْ الْخُرُوجِ فِي مَحَلِّ الْوَخْمِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَرَضُ كَالْأَرْيَاحِ الْمُتَغَيِّرَةِ وَالْحُكْمُ فِيهِ الْجَوَازُ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ السَّفَرِ: وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فِيهِ وَخْمٌ نُدِبَ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْوَبَاءِ إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ لِحُكْمِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَهُوَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ هَلْ يَجُوزُ؟ وَأَفْتَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهَا، وَلَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَالْقَلْشَانِيَّ اسْتَعْمَلَا لِذَلِكَ أَدْعِيَةً لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَلَفْظُ دُعَاءِ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ: تَحَصَّنْت بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْت بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَتَوَكَّلْت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، اصْرِفْ عَنَّا الْأَذَى إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا
وَلَفْظُ دُعَاءِ الْقَلْشَانِيِّ: اللَّهُمَّ سَكِّنْ فِتْنَةَ صَدْمَةِ قَهْرَمَانَ الْجَبَرُوتِ بِأَلْطَافِك الْخَفِيَّةِ الْوَارِدَةِ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِ حَتَّى نَتَشَبَّثَ بِأَلْطَافِك، وَنَعْتَصِمَ بِك عَنْ إنْزَالِ قُدْرَتِك، يَا ذَا الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا أُخِذَ مِنْ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِسَبَبِ دُعَاءِ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمَوْتِ بِالطَّاعُونِ شَهَادَةً حَتَّى دَعَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهَا لِأُمَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» وَالشَّهَادَةُ لَا يَطْلُبُ رَفْعُهَا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَهَادَةٍ يُطْلَبُ حُصُولُهَا، إذْ قَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْغُوبًا عَنْهَا كَمَا وَرَدَ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ» وَمَعَ أَنَّ لِقَاءَهُ يَسْتَلْزِمُ الشَّهَادَةَ غَالِبًا.
1 -
(فَائِدَةٌ) مِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ وَمِنْ وَخْزِ الْجِنِّ أَنْ يُكْتَبَ فِي حِرْزٍ آيَاتٌ غَيْرُ مَطْمُوسَةِ الْحُرُوفِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255] سَبْعَ مَرَّاتٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: 47] أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَمِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا كِتَابَةُ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي حِرْزٍ وَيُعَلَّقُ أَوْ فِي إنَاءٍ وَتُمْحَى وَيُشْرَبُ مَاؤُهَا.
[الْكَلَامِ عَلَى الطِّيَرَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى التَّعَالُجِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَانِي مَا فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ الطِّيَرَةِ
الشُّؤْمِ إنْ كَانَ فَفِي الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ»
وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ
وَيُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ
وَالْغَسْلُ
[الفواكه الدواني]
بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي) بَيَانِ (الشُّومِ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَوْ بِهِ (إنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (فَفِي الْمَسْكَنِ) أَيْ فَيَكُونُ فِي الْمَسْكَنِ.
(وَ) يَكُونُ فِي (الْمَرْأَةِ، وَ) يَكُونُ فِي (الْفَرَسِ) وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ مَذْكُورٍ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ الشَّكِّ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْجَزْمِ: «الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ وَالْفَرَسِ» . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّ الدَّارَ يَجْعَلُ اللَّهُ سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ أَوْ لِلْهَلَاكِ، وَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْخَادِمِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ هُوَ مِنْ مَعْنَى لِلِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَكَأَنَّهُ قَالَ: الطِّيَرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوْ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ أَوْ خَادِمٌ فَلْيُفَارِقْ الْجَمِيعَ، الدَّارَ وَالْفَرَسَ وَالْخَادِمَ بِالْبَيْعِ، وَالْمَرْأَةَ بِالطَّلَاقِ، فَشُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا، وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ قِلَّةُ نَسْلِهَا، وَقِيلَ سُوءُ خُلُقِهَا وَقِيلَ كَثْرَةُ مَهْرِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ تَرْكُ الْغَزْوِ عَلَيْهَا، وَيُمْنُ الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ ضِدُّ مَا ذُكِرَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكْرَهُ بَعْضَ أَشْيَاءَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ لِحُصُولِ ضَرَرٍ مِنْهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَشَاءَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهَا لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ نَحْوِ الدَّارِ مِمَّا يَتَشَاءَمُ بِهِ يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ، وَبَيْنَ أَرْضِ الْوَبَاءِ يُنْهَى عَنْ الْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ حُصُولِ الضَّرَرِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا؟ فَالْجَوَابُ الْمُسْتَحْسَنُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ: أَنَّ مَا عَدَا تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ يُعْهَدْ التَّشَاؤُمُ بِهِ، وَأَيْضًا الْوَبَاءُ الْمَوْتُ بِهِ شَهَادَةٌ لَا يُتَشَاءَمُ بِهَا، وَإِنَّمَا نُهَى عَنْ دُخُولِ أَرْضِهِ مِنْ الْخَارِجِ عَنْهَا خِيفَةَ اعْتِقَادِ مَا لَا يَحِلُّ اعْتِقَادُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(تَنْبِيهٌ) حَدِيثُ الشُّؤْمِ الْمَذْكُورُ عَلَى جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ أَوْ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صُفْرَ» ، وَوَجْهُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ حَدِيثَ لَا عَدْوَى إلَخْ فِيهِ نَفْيُ الشُّؤْمِ وَالْحَدِيثَانِ أَثْبَتَاهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ دَفَعَ التَّعَارُضَ بِأَنَّ مَا أَثْبَتَهُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ الَّذِي نَفَاهُ الْآخَرُ، إذْ قَدْ نَفَى أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ عَدْوَى وَتَأْثِيرٌ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَأَثْبَتَ فِي الْآخَرِ مَا نَفَاهُ فِي الْآخَرِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي أَنْ يُسَبِّبَ اللَّهُ ضَرَرًا بِسُكْنَى دَارٍ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ قَطْعِ نَسْلٍ لِبَعْضِ النَّاسِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ دُونَ غَيْرِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ الشُّؤْمِ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - نَفَتْهُ، وَقَالَتْ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: 11] وَقَوْلُهُ: «لَا هَامَةَ وَلَا صُفْرَ» .
قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ لَا يُتَطَيَّرُ بِالْهَامِّ، خِلَافًا لِلْعَرَبِ كَانَتْ تَقُولُ: إذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ، وَكَانَتْ تَقُولُ: الصُّفْرُ دَاءٌ فِي الْفَرْجِ يَقْتُلُ صَاحِبَهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ) كَحَرْبٍ وَمُرَّةَ وَيُحِبُّ حَسَنَ الْأَسْمَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ مُحَمَّدٍ، فَفِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ لِلَّقْحَةِ تُحْلَبُ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: مُرَّةُ، قَالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْلُبُهَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: يَعِيشُ، فَقَالَ لَهُ: احْلِبْ» وَغَيَّرَ أَسْمَاءَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَسْلَمُوا، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَحْوِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ لِأَنَّ كُلًّا يَهُمُّ وَيَحْرُثُ فِي الدُّنْيَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الطِّيَرَةِ أَنَّ الطِّيَرَةَ لَيْسَ فِي لَفْظِهَا مَا يُتَطَيَّرُ بِهِ وَلَا فِي مَعْنَاهَا مَا يُكْرَهُ، بَلْ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَنْعُ فِي الْأَسْمَاءِ لِلْقُبْحِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ الدِّين، كَمَا كَرِهَ بَرَّةَ اسْمَ امْرَأَةٍ «فَقَالَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ» .
(وَ) كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (يُحِبُّ الْفَأْلَ) بِالْهَمْزَةِ يُجْمَعُ عَلَى فُؤُولٍ (الْحَسَنَ) وَهُوَ مَا يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ كَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، فَفِي الصَّحِيحِ: «لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ» مِثَالُهُ: إذَا خَرَجَ لِسَفَرٍ أَوْ إلَى عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَسَمِعَ يَا سَالِمُ يَا غَانِمُ أَوْ يَا عَافِيَةُ هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْهُ، وَأَمَّا إذَا قَصَدَ سَمَاعَ الْفَأْلِ لِيَعْمَلَ عَلَى مَا يَسْمَعُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي كَانَتْ تَفْعَلُهَا الْجَاهِلِيَّةُ وَهِيَ قِدَاحٌ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا افْعَلْ وَفِي بَعْضِهَا لَا تَفْعَلْ وَالثَّالِثُ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ مَشَى، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلْ رَجَعَ، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَعَادَ الِاسْتِقْسَامَ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ اسْتِخْرَاجُ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مَا لَا يُرِيدُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّشَاؤُمِ بِالْقُرْآنِ، فَمَنْ أَرَادَ أَمْرًا وَسَمِعَ مَا يَسُوءُ لَا يَرْجِعُ عَنْ أَمْرِهِ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ إلَّا أَنْتَ، وَلَا يَأْتِي بِالشَّرِّ أَوْ لَا يَدْفَعُ الشَّرَّ إلَّا أَنْتَ.
[صِفَةِ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ]
ثُمَّ
لِلْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَرْفِقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ يُصَبَّ عَلَى الْمَعِينِ
وَلَا يُنْظَرُ فِي النُّجُومِ إلَّا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ وَأَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَيُتْرَكُ مَا سِوَى ذَلِكَ
وَلَا يُتَّخَذُ كَلْبٌ فِي الدُّورِ فِي
[الفواكه الدواني]
شَرَعَ فِي صِفَةِ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ إذَا عُرِفَ الْعَائِنُ.
(وَ) صِفَةُ (الْغَسْلِ مِنْ الْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ) أَيْ النَّاظِرُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ) الْمُرَادُ بِالْإِزَارِ هُنَا الْمِئْزَرُ، وَالْمُرَادُ بِدَاخِلَتِهِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنْهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَوْضِعُهُ مِنْ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَكْثَرُهُ، كَمَا يُقَالُ عَفِيفُ الْإِزَارِ أَيْ الْفَرْجُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَرِكُهُ وَيَكُونُ غَسْلُ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ (فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ) ذَلِكَ الْمَاءَ الْمَغْسُولَ فِيهِ (عَلَى الْعَيْنِ) أَيْ الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ وَهُوَ السُّمُّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ وَيُصِيبُ الْمَنْظُورَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَعَدَمِ مُبَارَكَةِ النَّاظِرِ فَيَمُوتُ أَوْ يَمْرَضُ لِوَقْتِهِ، وَلِذَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْعَيْنُ حَقٌّ» وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَالْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا وَرَدَ: «أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ رَأَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَتَعَجَّبَ مِنْ بَيَاضِهِ وَحُسْنِهِ قَائِلًا: جِلْدُهُ جِلْدُ عَذْرَاءَ مُخَبَّأَةً فَمَرِضَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ لِوَقْتِهِ، فَأَخْبَرُوا بِهِ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ لِأَهْلِهِ: تَتَّهِمُونَ بِهِ؟ قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَأَحْضَرَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَزَجَرَهُ وَوَبَّخَهُ وَقَالَ: أَلَا بَارَكْت اغْتَسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَضُوءَ شِفَاءُ الْعَيْنِ وَوَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ ذَلِكَ الْوُضُوءِ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ مَا تَقَدَّمَ، وَصِفَةُ صَبِّ الْقَدَحِ عَلَى الْمَعِينِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيُقْلَبَ الْقَدَحُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْتَغْفِلُهُ بِذَلِكَ، فَهَذِهِ صِفَةُ رُقْيَةِ مَنْ أُصِيبَ بِالْعَيْنِ، وَيُجْبَرُ الْعَائِنُ عَلَى الْغُسْلِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِين الْهَلَاكُ وَلَمْ يُمْكِنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إلَّا بِهِ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مِعْيَانُ وَأَنَّهُ كُلَّمَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ يُصِيبُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَتْلَفَهُ بِعَدَمِ التَّقَدُّمِ إمَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ عَلَى حَالِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْجُنَ مَنْ عُرِفَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ سِجْنُهُ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَنَظِيرُ مَنْ عُرِفَ بِأَنَّهُ يَقْتُلُ بِالْحَالِ مَنْ تَعَمَّدَ مِنْهُمْ قَتْلَ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) مِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ مِنْ النَّظْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ تَقْرَأَ أَوْ تَحْمِلَ تِلْكَ الْآيَاتِ وَهِيَ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾ [الأنعام: 17] ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 6] ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 56] ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 60] ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 2 - 38] . وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ بِهَا أَنْ يَقْرَأَهَا أَوْ يَحْمِلَهَا مَعَ حُضُورِ قَلْبِهِ وَصِدْقِ نِيَّتِهِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْشَدَ إلَى التَّحَصُّنِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الطِّيَرَةِ وَعَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْ الْعَائِنِ الْمُسَمَّى بِالْحَسُودِ وَهُوَ خَاسِرٌ وَفِي الدُّنْيَا لَا يَسُودُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النُّجُومِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ (يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) وَالنَّهْيُ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَيَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: (فِيمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى) مَعْرِفَةِ (الْقِبْلَةِ) إذَا تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى النَّظَرِ فِيهَا فَإِنَّ نَظَرَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ، وَلِذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُسَافِرَ إلَّا مَعَ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ مَنْ يَعْرِفُهَا.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي بَيَانِ صِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ: أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِكَ الْقُطْبَ ثُمَّ تَجْعَلَهُ عَلَى يَسَارِك فَمَا اسْتَقْبَلْت فَهُوَ نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: قِبْلَةُ الْمَغْرِبِ مَا بَيْنَ السُّنْبُلَةِ إلَى التَّوْأَمَيْنِ، وَقِيلَ: قِبْلَةُ الْمَغْرِبِ مِنْ تُونُسَ إلَى طَنْجَةَ الثَّوْرُ وَالتَّوْأَمَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قِبْلَتُنَا فِي قُرْطُبَةَ مَطْلَعُ الْقُطْبِ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ عَلَى رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
(وَ) ثَانِيَتُهَا النَّظَرُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَعْرِفَةِ (أَجْزَاءِ) جَمْعُ جُزْءٍ (اللَّيْلِ) لِيَظْهَرَ لَهُ مَا أَمْضَى مِنْهُ وَمَا بَقِيَ لِأَجْلِ نِيَّةِ الصَّوْمِ
الْحَضَرِ وَلَا فِي دُورِ الْبَادِيَةِ إلَّا لِزَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ يَصْحَبُهَا فِي الصَّحْرَاءِ ثُمَّ يَرُوحُ مَعَهَا أَوْ لِصَيْدٍ يَصْطَادُهُ لِعَيْشِهِ لَا لِلَّهْوِ
[الفواكه الدواني]
وَالنِّدَاءِ لِلصُّبْحِ، وَثَالِثُ الْأَحْوَالِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ النَّظَرُ فِيهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى جِهَةِ مَسِيرِهِ، كَمَا إذَا كَانَ فِي نَحْوِ الْبَحْرِ الْمَالِحِ عِنْدَ اتِّسَاعِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَى الْبَرَّ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] بِأَنْ يُمَيِّزَهَا وَيَعْرِفَ الشِّمَالَ مِنْهَا وَالْجَنُوبَ وَوَقْتَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، لِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّهُ أَظْهَرَهَا لِذَلِكَ.
(وَ) يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ أَنْ (يَتْرُكَ) النَّظَرَ فِي النُّجُومِ فِي (مَا سِوَى ذَلِكَ) كَالنَّظَرِ فِيهَا لِيَسْتَدِلَّ بِظُهُورِ بَعْضِ النُّجُومِ عَلَى مَا يَحْدُثُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّظَرَ فِيهَا الْمُوصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَأَمَّا الْمُوصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ جِهَةِ الْمَسِيرِ إلَى أَمْرٍ مَطْلُوبٍ غَيْرِ وَاجِبٍ فَمُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ مَا يُوصِلُ إلَى نُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ أَوْ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ إلَى حُصُولِ الْكُسُوفِ فَمَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَيُوهِمُ الْعَامَّةَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَيُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ اعْتَقَدَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ فِي شَيْءٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ إنْ كَانَ مُسْتَسِرًّا لِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ وَبَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ إنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَعَّالُ عِنْدَهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ هَذَا الْأَمْرُ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ، وَالْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ الْجَزْمَ بِأَنَّ ظُهُورَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ ظُهُورِ بَعْضِ النُّجُومِ أَمْرٌ أَغْلَبِيٌّ وَيَجُوزُ تَخَلُّفُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ» أَيْ إذَا طَلَعَتْ السَّحَابَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ وَمَالَتْ إلَى الشَّامِ فَتِلْكَ السَّحَابَةُ غَزِيرَةُ الْمَطَرِ.
1 -
(تَتِمَّةٌ) لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ وَهُوَ الَّذِي يُخْبِرُ بِمَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا الْعَرَّافِ وَهُوَ الَّذِي يُخْبِرُ بِمَا وَقَعَ كَإِخْرَاجِ الْمُخَبَّآتِ وَكَتَعْيِينِ السَّارِقِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَى عِلْمِ الْغَيْبِ وَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَدَّقَ كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا أَوْ مُنَجِّمًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . وَوَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ عَمَلِ الْمُنَجِّمِ بِمَعْرِفَتِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ وَلَوْ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، فَإِذَا غُمَّ الْهِلَالُ وَأَدَّاهُ عِلْمُهُ لِلصَّوْمِ فِي غَدٍ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ فِي غَدٍ، وَلِلشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ.
[اتِّخَاذ الْكِلَاب فِي الْبُيُوت]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْكِلَابُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَحِلُّ أَنْ (يُتَّخَذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (كَلْبٌ فِي الدُّورِ) الْكَائِنَةِ (فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي دُورِ الْبَادِيَةِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْحِلِّ الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقُورًا فَيَحْرُمُ.
(وَإِلَّا) أَنْ يُتَّخَذَ (لِزَرْعٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِلْحِرَاسَةِ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ يُتَّخَذَ لِحِرَاسَةِ (مَاشِيَةٍ يَصْحَبُهَا فِي الصَّحْرَاءِ ثُمَّ يَرُوحُ) أَيْ يَرْجِعُ (مَعَهَا) لِحِرَاسَتِهَا مِنْ اللُّصُوصِ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي الْمَبِيتِ.
(أَوْ) أَيْ أَوْ إلَّا أَنْ تُتَّخَذَ (لِصَيْدٍ يَصْطَادُهُ لِعَيْشِهِ) أَوْ عَيْشِ عِيَالِهِ فَلَا حَرَجَ فِي اتِّخَاذِهِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ بِزَمَنِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَيُطْلَبُ إخْرَاجُهَا مِنْ حَوْزِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا أَوْ الْجَوَازُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ قَوْلَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاشِيَةِ الْغَنَمُ وَكَذَا غَيْرُهَا إنْ احْتَاجَتْ إلَى الْحِرَاسَةِ.
(لَا لِلَّهْوِ) فَيُكْرَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّيْدَ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ يَجِبُ لِقُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا مِنْ الصَّيْدِ، وَيَحْرُمُ اصْطِيَادُ الْمَأْكُولِ لَا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ، وَيُنْدَبُ إذَا كَانَ لِلتَّوْسِعَةِ، وَيُكْرَهُ إذَا كَانَ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ، وَيُبَاحُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَأَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ فَاكِهَةً وَنَحْوَهَا مِنْ كُلِّ مُبَاحٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ فِي غَيْرِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَى اتِّخَاذِهَا لِحِفْظِ مَحِلِّهِ أَوْ حِفْظِ نَفْسِهِ وَإِلَّا جَازَ، كَمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ حِينَ سَقَطَ حَائِطُ دَارِهِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ فَاِتَّخَذَ كَلْبًا، وَلَمَّا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَتَّخِذُهُ وَمَالِكٌ نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ؟ فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ زَمَانَنَا لَاِتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ فِيمَا أَتْلَفَهُ إلَّا أَنْ يَصِيرَ عَقُورًا وَيُنْذَرُ صَاحِبُهُ عَلَى يَدٍ بَيِّنَةٍ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِنْذَارِ عَلَى يَدِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَيَضْمَنُ جَمِيعَ مَا يُتْلِفُهُ بَعْدَ الْإِنْذَارِ، وَجِنَايَةُ غَيْرِ الْعَقُورِ مِنْ فِعْلِ الْعَجْمَاءِ وَهُوَ جُبَارٌ، هَذَا هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ فَيَضْمَنُ مُتَّخِذُهُ جَمِيعَ مَا أَتْلَفَهُ وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِمُتَّخِذِهِ إنْذَارٌ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ قَتْلِ الْكِلَابِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْمَأْذُونَ فِي اتِّخَاذِهِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى قَاتِلِهِ غُرْمُ قِيمَتِهِ لِصِحَّةِ مِلْكِهِ وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ غُرْمِ الْقِيمَةِ، كَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَحْمِ الضَّحِيَّةِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُمَا وَتَلْزَمُ قِيمَتُهُمَا مَنْ أَتْلَفَهُمَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ فَلَا غُرْمَ عَلَى قَاتِلِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ وَجَوَازِ بَلْ نَدْبِ قَتْلِهِ.
الثَّالِثُ: الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِغَيْرِ الْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ الْغَنَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا وَنُهِيَ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ
وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ
وَيُتَرَفَّقُ بِالْمَمْلُوكِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ.
[الفواكه الدواني]
«مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا لِصَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «قِيرَاطَانِ» . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ مُحَرَّمَةٌ» كَصُورَةِ حَيَوَانٍ كَامِلَةٍ لَهَا ظِلٌّ، وَسَبَبُ امْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ مَا فِيهِ كِلَابٌ كَمَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لِكَثْرَةِ قَذَارَتِهَا مِنْ تَعَاطِي النَّجَاسَاتِ، وَالْمَلَائِكَةُ تَنْفِرُ مِنْ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَلِأَنَّ بَعْضَهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا وَالْمَلَائِكَةُ أَضْدَادُ الشَّيَاطِينِ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ مَا ذَكَرَهُمْ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ، وَأَمَّا الْحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ كُلَّ بَيْتٍ وَلَا يُفَارِقُونَ الْإِنْسَانَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا عِنْدَ الْجِمَاعِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَمَرَهُمْ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَكِتَابَتِهَا، وَأَمَّا الْكِلَابُ الْمَأْذُونُ فِي اتِّخَاذِهَا فَلَا تُمْنَعُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ دُخُولِ بُيُوتِهَا كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ، خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ التَّعْمِيمَ فِي الْكِلَابِ وَفِي الصُّوَرِ، فَأَدْخَلَ فِي النَّهْيِ الْكِلَابَ الْجَائِزَةَ الِاتِّخَاذِ، وَفِي الصُّوَرِ الَّتِي لَا ظِلَّ لَهَا كَالْمَرْسُومَةِ فِي الْفُرُشِ أَوْ الْحَائِطِ، وَالْمُرَادُ بِالْجُنُبِ الَّذِي لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي بَيْتِهِ الْمُتَهَاوَنُ بِالْغُسْلِ بِحَيْثُ لَا يَفْعَلُهُ جُمْلَةً لَا مَنْ أَخَّرَهُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِلَابِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخِصَاءِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ) بِالْمَدِّ (الْغَنَمِ) وَمِثْلُهَا الْمَعْزُ (لِمَا فِيهِ مِنْ إصْلَاحِ لُحُومِهَا) لِأَنَّهُ يُطَيِّبُهُ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْغَنَمِ بَلْ الْبَقَرُ وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يَجُوزُ خِصَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَلَا بَأْسَ فِي كَلَامِهِ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْخِصَاءُ بِقَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ سَلِّهِمَا مَعَ بَقَاءِ الْجِلْدَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي كُلِّ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: (وَنُهِيَ) الْمُكَلَّفُ (عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُرَادُ لِلرُّكُوبِ وَالْجِهَادِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ يُنْقِصَ قُوَّتَهَا وَيَقْطَعُ نَسْلَهَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُكَلَّبَ الْفَرَسُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ، أَمَّا خِصَاءُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يَجُوزُ خِصَاؤُهَا لِأَنَّهَا لَا يُجَاهَدُ عَلَيْهَا وَرُبَّمَا يَزِيدُ خِصَاؤُهَا فِي قُوَّتِهَا وَيَكْثُرُ بِهِ نَفْعُهَا كَخِصَاءِ الثَّوْرِ، وَأَمَّا خِصَاءُ الْآدَمِيِّ فَقَدْ حُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَلَوْ رَقِيقًا، بَلْ حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَنْعَ بَيْعِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْخِصَاءَ إمَّا مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ وَذَلِكَ فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ.
وَإِمَّا مُتَّفَقٌ عَلَى حُرْمَتِهِ وَذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّ، وَاَلَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ هُوَ الْخَيْلُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَسْمِ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ بِالنَّارِ أَوْ بِالشَّرْطِ بِالْمُوسَى (فِي الْوَجْهِ) أَيْ وَجْهُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْحَيَوَانَ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَايَةُ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ أَكْلِهِ وَغَيْرِ اسْتِعْمَالِهِ الشَّرْعِيِّ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ عَلَى مَنْ وَسَمَ حِمَارًا فِي وَجْهِهِ لِمَا أَنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ.
(وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْوَسْمِ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ كَالْجَمَلِ وَالْفَرَسِ وَالْبَقَرَةِ وَيُوسِمُهَا فِي رَقَبَتِهَا أَوْ جَنْبِهَا وَالْعَنْزُ فِي أُذُنِهَا لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا فَيَعْرِفُهَا مَالِكُهَا بِوَسْمِ اسْمِهِ عَلَيْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَسْمُهُ بِالنَّارِ فِي وَجْهِهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ النَّارِ فِي وَجْهِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْوَسْمِ فِي غَيْرِ وَجْهِ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ مَا وَرَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ وَأَرْخَصَ فِي الْوَسْمَةِ فِي الْأُذُنِ» لِأَنَّ الْوَسْمَةَ فِي الْأُذُنِ عَلَامَةٌ، وَالْمَالِكُ يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ فِي مَاشِيَتِهِ لِتَتَمَيَّزَ لَهُ عِنْدَ اخْتِلَاطِهَا بِغَيْرِهَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْمَمْلُوكِ فَقَالَ: (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ (يَتَرَفَّقَ بِالْمَمْلُوكِ) فِي عَمَلِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ.
(وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يُكَلَّفَ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ) عَمَلَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي الضَّعِيفَيْنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ» . وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ» وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَلِّفَ رَقِيقَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخْفِيفُ عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ دَأْبُ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْحَنُ مَعَ الْخَادِمِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، خُصُوصًا إنْ كَانَ الرَّقِيقُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ لِيَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَمَعْنَى الْمَعْرُوفِ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إطْعَامُهُ مِنْ مَأْكُولِهِ وَمَشْرُوبِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِالْأَمْرِ بِإِطْعَامِهِ مِمَّا يَأْكُلُهُ السَّيِّدُ، وَإِذَا كَلَّفَهُ سَيِّدُهُ مَا لَا يُطِيقُهُ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ وَلَمْ يَرْتَدِعْ وَيَنْزَجِرْ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَكَى الْعَبْدُ الْعَزَبَةَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
فَلَا يَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ تَزْوِيجُهُ وَلَا بَيْعُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبْرُ الْمَالِكِ أَمَةً وَعَبْدًا بِلَا إصْرَارٍ لَا عَكْسُهُ، وَلَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» لِأَنَّا نَقُولُ: ذَاكَ فِي مَنْ لَهُ حَقٌّ وَالرَّقِيقُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَطْءِ، وَهَذَا حُكْمُ الرَّقِيقِ الَّذِي يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ فَإِنَّهُ يُؤَجَّرُ أَوْ تُزَوَّجُ أُمُّ الْوَلَدِ.
(تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَمْلُوكِ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَ الْبَهِيمِيَّ فَيَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ عَلَفُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعًى، وَإِلَّا بِيعَ كَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَيَجُوزُ مِنْ لَبَنِهَا مَا لَا يَضُرُّ بِنِتَاجِهَا، وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ كَالْأَشْجَارِ وَالزَّرْعِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ وَعِلَاجٍ فَيَجِبُ عَلَى مَالِكِهَا الْقِيَامُ بِمَا يُصْلِحُهَا وَيَحْفَظُهَا مِنْ الْإِتْلَافِ، فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى مَاتَتْ عَطَشًا أَثِمَ لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ يُجْبَرُ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى بَيْعِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا يَحْفَظُهُ عَنْ التَّلَفِ كَمَا ذَكَرْنَا.
[الرِّفْق بِالْمَمْلُوكِ]
بَابٌ فِي الرُّؤْيَا وَالتَّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ وَاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَغَيْرِهَا وَالسَّبَقِ بِالْخَيْلِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»
وَمَنْ تَثَاءَبَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ
وَمَنْ عَطَسَ فَلِيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ
[الفواكه الدواني]
[بَابٌ فِي الرُّؤْيَا وَالتَّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ وَغَيْرهَا]
(بَابٌ فِي الرُّؤْيَا) بِالْقَصْرِ أَيْ مَا يَرَاهُ الشَّخْصُ فِي مَنَامِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَقِيقَتِهَا، فَقِيلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْثِلَةٍ يُدْرِكُهَا الرَّائِي بِجُزْءٍ مِنْ الْقَلْبِ لَمْ تُصِبْهُ آفَةُ النَّوْمِ، وَقِيلَ: إدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَقُومُ بِجُزْءٍ مِنْ الْقَلْبِ لَمْ يَقُمْ بِهِ النَّوْمُ، وَقِيلَ: فِكْرٌ يَقُومُ بِجُزْءٍ مِنْ الْقَلْبِ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ نَوْمٌ، وَفِي بَيَانِ الْقَوْلِ الَّذِي يَنْبَغِي لِلرَّائِي أَنْ يَقُولَهُ وَبَيَانِ تَفْسِيرِهَا.
(وَ) فِي أَحْكَامِ (التَّثَاؤُبِ) بِمُثَنَّاةٍ وَمُثَلَّثَةٍ (وَ) فِي أَحْكَامِ (الْعُطَاسِ، وَ) فِي حُكْم
ِ (اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَغَيْرِهَا) مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ كَالشِّطْرَنْجِ (وَ) فِي أَحْكَامِ (السَّبْقِ بِالْخَيْلِ) وَالْإِبِلِ وَبَيْنَهُمَا.
(وَ) فِي حُكْمِ (الرَّمْيِ) بِالسَّهْمِ (وَ) فِي بَيَانِ (غَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ كَبَيَانِ حُكْمِ قَتْلِ الْقَمْلِ بِالنَّارِ، وَكَبَيَانِ أَفْضَلِ الْعُلُومِ
وَشَرَعَ فِي بَيَانِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ فَقَالَ: (قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ الصَّالِحَةُ (مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الشَّخْصُ الشَّامِلُ لِلْمَرْأَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» .
كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّالِحِ الْمُمْتَثِلُ لِلْمَأْمُورَاتِ الْمُجْتَنِبُ لِلْمَنْهِيَّاتِ.
(جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ) وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا» وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُصَدِّقُ بِهِ وَلَا نَخُوضُ فِي طَلَبِ مَعْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مِنْ خَاضَ كَالْمَازِرِيِّ وَقَالَ: وَجْهُ كَوْنِ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ يُوحَى إلَيْهِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً عَشَرَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ يَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يُلْقِيهِ إلَيْهِ الْمَلَكُ وَذَلِكَ نِصْفُ سَنَةٍ وَنِصْفُ سَنَةٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَإِلَّا سُلِّمَ تَفْوِيضُ عِلْمِ سِرِّ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ الْمَذْكُورَ لَا يَأْتِي عَلَى غَيْرِ رِوَايَةِ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَأَمَّا الرُّؤْيَا غَيْرُ الْحَسَنَةِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ» وَلِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا حَقٌّ وَبُشْرَى مِنْ اللَّهِ وَهِيَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا» وَأَصْدَقُهَا مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَقْوَى مَا تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ وَالصَّيْفِ، وَأَضْعَفُ مَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ وَالْخَرِيفِ، وَأَصْدَقُ مَا تَكُونُ عِنْدَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّوْمِ، وَرُؤْيَا اللَّيْلِ أَصْدَقُ مِنْ رُؤْيَا النَّهَارِ وَأَقْرَبُهَا انْتِظَارًا إذَا كَانَتْ آخِرَ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفَ النَّهَارِ، وَغَيْرُ الصَّالِحَةِ الْحَلْمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنْ تَهْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَخْلِيطِهِ، وَأَمَّا الْحُلُمِ بِضَمِّ الْحَاءِ فَهُوَ بُلُوغُ الصَّبِيِّ.
(وَمَنْ رَأَى مِنْكُمْ) مَعَاشِرَ الْمُخَاطَبِينَ (مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَتْفُلْ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَضَرَبَ أَيْ يَبْصُقُ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ (ثَلَاثًا عَلَى يَسَارَةِ وَلْيَقُلْ) لِلتَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّهَا: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ) فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، هَذَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ التَّحَوُّلَ عَنْ الْجَنْبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا» فَيَنْبَغِي لِلرَّائِي الِاحْتِيَاطُ وَيَجْمَعُ مَا تَفَرَّقَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَحِكْمَةُ التَّفْلِ عَنْ الْيَسَارِ أَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَحِكْمَةُ التَّحَوُّلِ مِنْ الْجَنْبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَدِّلُ الْمَكْرُوهَ بِالْحَسَنِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مَنَامِهِ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ يَعُودُ إلَيْهِ
يَرْحَمُك اللَّهُ
وَيَرُدُّ الْعَاطِسُ عَلَيْهِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَوْ يَقُولُ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ
وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ
وَلَا
[الفواكه الدواني]
الشَّيْطَانُ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يَنْبَغِي قَوْلُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْمَكْرُوهَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الشَّيْءَ الْحَسَنِ، وَتَعَرَّضَ لَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إلَّا مِنْ يُحِبُّ» وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّعْبِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: «فَلْيَعْرِضْهُ عَلَى ذِي رَأْيٍ نَاصِحٍ عَالِمٍ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا» لِأَنَّهُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الْخَوْضُ فِي التَّعْبِيرِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّعْبِيرُ اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ مَا يَرَاهُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى الْمُسَطَّرِ فِي الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ عَنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ، لِاحْتِمَالِ خَفَاءِ قَيْدٍ وَالِاحْتِيَاطُ لِمَنْ رَأَى مَا يُحِبُّ كَتْمُ مَا رَآهُ إلَّا عَنْ حَبِيبٍ عَالِمٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، بِخِلَافِ مَنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ الصَّلَاةُ وَالسُّكُوتُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا رَأَى كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّؤْيَا شَرَعَ فِي أَحْكَامِ التَّثَاؤُبِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ شَرْطِيَّةٌ وَشَرْطُهَا (تَثَاءَبَ) بِمُثَنَّاةٍ وَمُثَلَّثَةٍ وَبِالْوَاوِ مَصْدَرُهَا التَّثَاؤُبُ.
قَالَهُ عِيَاضٌ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلَ، وَلَا يُقَالُ تَثَاوَبَ بِالْوَاوِ وَمَعْنَاهُ أَصَابَهُ الْكَسَلُ وَانْفَتَحَ فَاهُ لِدَفْعِ الْبُخَارَاتِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي عَضَلَاتِ الْفَكِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَكَمَا يُورِثُ الْكَسَلَ يُورِثُ ثِقَلَ الْبَدَنِ وَسُوءَ الْفَهْمِ وَالْغَفْلَةَ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ (فَلْيَضَعْ) نَدْبًا (يَدَهُ) الْيُمْنَى أَوْ ظَاهِرَ الْيُسْرَى (عَلَى فِيهِ) وَلَا يَضَعُ بَاطِنَ الْيُسْرَى لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ، عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ شَرْطًا بَلْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْفَمِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيهِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَأَزَالَ يَدَهُ نَفَثَ ثَلَاثًا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يَسْتَأْنِفُ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ نَفْثٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفُثُ فِي حَالِ التَّثَاؤُبِ، وَلَمَّا كَانَ التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَتَثَاءَبْ نَبِيٌّ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْرَبُ الْأَنْبِيَاءَ.
(وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ شَرْطُهَا (عَطَسَ) بِفَتَحَاتٍ الْمَاضِي وَبِفَتْحٍ أَوْ ضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ الْمُضَارِعِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ (فَلْيَقُلْ) نَدْبًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مُسْمِعًا لِمَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ لِكَيْ يُشَمِّتَهُ، لَا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَلَا يَحْمَدُ لَا جَهْرًا وَلَا سِرًّا، لِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ أَهَمُّ بِالِاشْتِغَالِ بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّهُ يَأْتِي بِخُصُوصِ الْحَمْدِ.
وَرُوِيَ زِيَادَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا.
(فَائِدَةٌ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا تَجَشَّأَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَطَسَ فَلَا يَرْفَعْ بِهِمَا الصَّوْتُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ بِهِمَا الصَّوْتُ» وَذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَزَادَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ مِثْلَهُمَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّثَاؤُبِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى) جِهَةِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى كُلِّ (مَنْ سَمِعَهُ يَحْمَدُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (اللَّهَ) بِخُصُوصٍ مِنْ لَفْظِ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ (أَنْ يَقُولَ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ) وَمِثْلُ سَمَاعِهِ الْعَاطِسَ سَمَاعُ تَشْمِيتِ اللَّهِ لَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَسْمَعْ حَمْدَ الْعَاطِسِ فَلَا يُشَمِّتُهُ إلَّا أَنْ يَرَى تَشْمِيتَ النَّاسِ لَهُ فَيُشَمِّتُهُ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي عَدَمِ تَشْمِيتِهِ لَوْ تَرَكَ لَفْظَ الْحَمْدِ لِلَّهِ، وَلَوْ أَتَى بِغَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِ الْعَوَامّ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَيْهِ إذَا تَرَكَهُ لِكَيْ يُشَمِّتَهُ كَمَا جَاءَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلٌ وَلَمْ يَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ: مَا يَقُولُ الْعَاطِسُ؟ فَقَالَ: يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيُّ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَنَصَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى نَدْبِ تَنْبِيهِ الْإِمَامِ عِنْدَ نِسْيَانِهِ التَّكْبِيرَ خَلْفَ الْمَفْرُوضَةِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَيُرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَدْبِ تَنْبِيهِ الْعَاطِسِ عَلَى الْحَمْدِ مَا وَرَدَ مِنْ أَنْ يَسْبِقَ الْعَاطِسُ بِالْحَمْدِ يَأْمَنُ مِنْ الشَّوْصِ وَاللُّصُوصِ وَالْعِلَّوْصِ، أَيْ وَجَعُ الضِّرْسِ وَالْأُذُنِ وَالْبَطْنِ، الْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ، وَالثَّانِي لِلثَّانِي، وَهَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ، وَقَوْلِي: وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّ مَنْ فِي صَلَاةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، بَلْ لَوْ قَالَ الْمُصَلِّي لِلْعَاطِسِ: يَرْحَمُك اللَّهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَا يَرُدُّ الْمُصَلِّي عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ، فَإِنْ رَدَّ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ لَا سَهْوًا فَيَسْجُدُ الْفَذُّ وَالْإِمَامُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَكَثِيرِ كُلِّ سَهْوٍ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْعَاطِسِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ وَالْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ أَوْ الْأَجْنَبِيَّةِ الْمُتَجَالَّةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَا تَمِيلُ إلَيْهَا النُّفُوسُ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ إذَا سَمِعَهَا الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ تَعْطِسُ وَسَمِعَ حَمْدَهَا فَلَا يُشَمِّتُهَا كَمَا لَا يَرُدُّ سَلَامَهَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: هَدَاك اللَّهُ لِمَا وَرَدَ مِنْ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ يَعْطِسُونَ بِحَضْرَتِهِ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِلْكَافِرِ يَرْحَمُك اللَّهُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُرْحَمُ إلَّا أَنْ يُؤْمِنَ.
1 -
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ حَمْدُهُ لِتَكَرُّرِ عُطَاسِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ لِمَا وَرَدَ مِنْ الْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ فَلَا يُشَمِّتُهُ وَيَقُولُ لَهُ: إنَّك مَضْنُوكٌ» أَيْ مَزْكُومٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا وُجُوبُ تَشْمِيتِهِ وَلَوْ سَمِعَهُ فِي حَالِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ لِهَذَا الظَّاهِرِ قَوْلُ الذَّخِيرَةِ: لَمْ يَكْرَهْ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ
بِالشِّطْرَنْجِ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ
وَلَا بَأْسَ بِالسَّبْقِ
[الفواكه الدواني]
وَهُوَ يَبُولُ وَكَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْخَلَاءِ وَالْجِمَاعِ، فَإِنَّ الْأُجْهُورِيَّ قَالَ عَقِبَهُ: وَإِذَا لَمْ يُكْرَهْ لِلْعَاطِسِ الْحَمْدُ فِي حَالِ الْبَوْلِ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ أَوْ سُنَّةٌ فَلَا يُكْرَهُ التَّشْمِيتُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ فِي شَامِلِهِ أَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ لَا يَلْتَفِتُ وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا وَلَا يَحْمَدُ إنْ عَطَسَ وَلَا يُشَمِّتُ غَيْرَهُ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ التَّشْمِيتِ، وَمَا فِي الشَّامِلِ عَلَى عَدَمِ فَرَضِيَتْهُ لِأَنَّ الْخَلَاءَ يُطْلَبُ فِيهِ السُّكُوتُ إلَّا لِمُهِمٍّ، وَغَيْرُ الْفَرْضِ لَيْسَ مِنْ الْمُهِمِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَرْضِيَّةِ التَّشْمِيتِ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ وَهُوَ أَرْجَحُهَا وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ» وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَهُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَطَسَ يَضَعُ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ حَتَّى لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ أَوْ تَجَشَّأَ فَلَا يَرْفَعَنَّ بِهِمَا صَوْتَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ بِهِمَا الصَّوْتُ» .
الرَّابِعُ: إنَّمَا طُلِبَ مِنْ الْعَاطِسِ الْحَمْدُ لِمَا فِي الْعُطَاسِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلْعَاطِسِ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ الدِّمَاغَ وَيُسَهِّلُ بَعْضَ الْعِبَادَاتِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ يَقْطَعُ عِرْقَ الْفَالِجِ، وَالسُّعَالَ يَقْطَعُ عِرْقَ الْبَرَصِ، وَالزُّكَامِ يَقْطَعُ عِرْقَ الْجُذَامِ، وَالرَّمَدِ يَقْطَعُ عِرْقَ الْعُمْرِ» . وَوَرَدَ: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْعُطَاسُ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَأَوَّلُ مَنْ عَطَسَ آدَم» وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ سَامِعِهِ تَشْمِيتُهُ بِيَرْحَمُكَ اللَّهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ عُطَاسِهِ تَتَزَلْزَلُ أَعْضَاؤُهُ فَيُطْلَبُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ كَمَا طُلِبَ مِنْهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعْمَةٍ عُوِّدَهَا كَمَا كَانَتْ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى التَّشْمِيتِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّهُ عَنْك الشَّمَاتَةَ وَجَنَّبَك مَا يُشَمِّتُ بِك، وَيُقَالُ فِيهِ تَسْمِيتٌ أَيْضًا بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ: جَعَلَك اللَّهُ عَلَى سَمْتٍ حَسَنٍ، لِأَنَّ عِنْدَ الْعُطَاسِ يُشْبِهُ حَالَ الْأَمْوَاتِ مَعَ فَتْحِ فِيهِ مَعَ التَّكَشُّرِ.
(وَ) يُنْدَبُ أَنْ (يَرُدَّ الْعَاطِسُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مِنْ شَمَّتَهُ بِيَرْحَمُكَ اللَّهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ جَوَابَ يَرْحَمُك اللَّهِ.
(يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَوْ يَقُولَ) لَهُ (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) أَيْ حَالَكُمْ وَقِيلَ قَلْبَكُمْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ أَيْ ذَلِكَ قَالَهُ فَحَسَنٌ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِوُرُودِ كُلٍّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ فِي السُّنَّةِ خِلَافًا لِمَنْ ادَّعَى الْمُفَاضَلَةَ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ وَمِثْلُهُ لِابْنِ شَاسٍ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَسَنٌ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا كَانَ الْمُشَمِّتُ يَقُولُ يَرْحَمُك اللَّهُ بِالْإِفْرَادِ وَالْعَاطِسُ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ أَيْضًا، فَلِذَلِكَ طُلِبَ الْجَمْعُ لِأَنَّهُمْ مَعَ الْمُشَمِّتِ جَمْعٌ هَكَذَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ سَامِعَ الْحَمْدِ مِنْ الْعَاطِسِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَشْمِيتُهُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَلَمْ يَزِدْ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
[اللَّعِب بِالنَّرْدِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ اللَّعِبِ بِالْمَلَاهِي بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) بِمَعْنَى يَحْرُمُ عَلَى مَا فِي الْجَوَاهِرِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ) وَلَوْ مَجَّانًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَعِب بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَالنَّرْدَشِيرُ هُوَ النَّرْدُ
[اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ]
(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا اللَّعِبُ (بِالشَّطْرَنْجِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقِيَاسُ كَسْرُهَا وَيُقَالُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْحَطَّابُ فَإِنَّهُ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ الْوَاقِعَةَ فِي كَلَامِ بَعْضٍ عَلَى التَّحْرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا، حَتَّى قَالَ إمَامُنَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الشَّطْرَنْجُ أَلْهَى مِنْ النَّرْدِ وَأَشَرُّ، وَمُقْتَضَى اشْتِرَاطِ الْإِدْمَانِ فِي اللَّعِبِ بِهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ مَنْ يَلْعَبُ بِهِ إبْقَاءُ الْكَرَاهَةِ عَلَى بَابِهَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِدْمَانِ اللَّعِبُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ كَمَا قَالُوا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالْكَذِبِ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا الْكَثِيرَ بِأَنْ يَزِيدَ فِي السَّنَةِ عَلَى مَرَّةٍ وَإِلَّا لَمْ يَقْدَحْ مَعَ أَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الشُّيُوخِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى اشْتِرَاطِ مَا ذُكِرَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ مَعَ حُرْمَةِ رَدِّهَا بِفِعْلِ الْمُبَاحِ الْمُزْرِي، فَإِنَّ مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ عَدَمُ رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ وَإِنْ أَدَامَهُ وَأَكْثَرُ مِنْهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: إدَامَةُ الْمُزْرِي مُخِلَّةٌ بِالْعَدَالَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الشَّهَادَةِ، فَالْإِكْثَارُ مِنْ الْمُزْرِي كَالْإِكْثَارِ مِنْ الْمُحَرَّمِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْإِزْرَاءُ بِدَلِيلِ تَفْرِقَتِهِمْ فِي الصَّغِيرَةِ بَيْنَ صَغِيرَةِ الْخِسَّةِ فَتُرَدُّ الشَّهَادَةُ مُطْلَقًا مِثْلَ النَّظْرَةِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ وَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَى دَنَاءَةِ الْهِمَّةِ، وَأَمَّا صَغَائِرُ غَيْرِ الْخِسَّةِ فَلَا تَقْدَحُ إلَّا بِشَرْطِ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا مَعَ حُرْمَةِ كُلِّ صَغِيرَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اللَّعِبِ الطَّابِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَكَذَا فِي الْمِنْقَلَةِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ بَهْرَامُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ الْحُرْمَةُ فِي الطَّابِ وَجَعَلَهُ مِثْلَ النَّرْدِ، وَأَمَّا الْمِنْقَلَةُ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْكَرَاهَةَ فِيهَا، وَكُلُّ هَذَا حَيْثُ لَا قِمَارَ وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِصْيَانِ أَصْحَابِ الْمَلَاهِي عَدَمُ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يُؤْذَنَ فِي (أَنْ يُسَلَّمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَلَى مَنْ) شَأْنُهُ أَنْ (يَلْعَبَ بِهَا) أَيْ الْمَلَاهِي وَإِنَّمَا قُلْنَا شَأْنُهُ لِأَنَّ الْمُتَلَبِّسَ بِاللَّعِبِ لَا يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِمَعْصِيَةٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حُكْمِ
بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَبِالسِّهَامِ بِالرَّمْيِ
[حُكْم المسابقة]
وَإِنْ أَخْرَجَا شَيْئًا جَعَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يَأْخُذُ ذَلِكَ الْمُحَلِّلُ إنْ سَبَقَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ مَالِكٌ إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ سَبْقًا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ جَاعِلٍ السَّبْقَ وَآخَرُ فَسَبَقَ جَاعِلَ السَّبْقِ أَكَلَهُ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ
وَجَاءَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْحَيَّاتِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ تُؤْذَنَ ثَلَاثًا وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ حَسَنٌ
وَلَا تُؤْذَنُ فِي الصَّحْرَاءِ وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَيُكْرَهُ
[الفواكه الدواني]
السَّلَامِ عَلَى مَنْ يَلْعَبُ بِالْمَلَاهِي ذَكَرَ حُكْمَ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ) لِلْمُكَلَّفِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ (الْجُلُوسُ إلَى) أَيْ عِنْدَ (مَنْ يَلْعَبُ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَلَاهِي مَخَافَةَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ لِأَنَّ جَلِيسَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ.
(وَ) كَذَا يُكْرَهُ (النَّظَرُ إلَيْهِمْ) أَيْ مَنْ يَلْعَبُ بِالْمَلَاهِي، وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي بِهَا وَجَمَعَهُ فِي إلَيْهِمْ الْعَائِدِ عَلَى مَنْ مُرَاعَاةً لِلَفْظِهَا فِي الْأَوَّلِ وَلِمَعْنَاهَا فِي الثَّانِي نَحْوَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مُرَاعَاةَ اللَّفْظِ، مَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ قُبْحٌ نَحْوَ: مَنْ هِيَ حَمْرَاءُ أُمِّك، فَلَا يُقَالُ: مَنْ هُوَ حَمْرَاءُ أُمِّك، فَيَتَعَيَّنُ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى نَحْوَ: مَنْ هِيَ حَمْرَاءُ أُمِّك، وَمَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ لَبْسٌ نَحْوُ: أَعْطِ مَنْ سَأَلَك مَعَ كَوْنِ الْمُعْطِي مُؤَنَّثًا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ الْمُسَابَقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّبْقِ بِالْخَيْلِ) فِيمَا بَيْنَهَا.
(وَ) كَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالْمُسَابَقَةِ (بِالسِّهَامِ بِالرَّمْيِ) فَلَا بَأْسَ فِي كَلَامِهِ لِلْإِبَاحَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهَا مَا فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ» .
وَقَالَ أَيْضًا: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ إنْ وَقَعَتْ بِغَيْرِ جُعْلٍ تَجُوزُ بِالْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَحْوِ الْحَمِيرِ وَالطَّيْرِ وَالسَّفَرِ وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ فِيمَا عَدَاهُ مَجَّانًا، وَأَمَّا بِالْجُعْلِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَبَيْنَهُمَا وَالسَّهْمِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَتَعْيِينُ الْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ وَالْمَرْكُوبِ، وَتَعْيِينُ فَرَسِ كُلٍّ وَجَهْلُ كُلِّ سَبْقٍ فَرَسَهُ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَحَدُهُمَا بِسَبْقِ فَرَسِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَرَمَّةُ الرَّكْبِ عَلَيْهِمَا مِنْ كَوْنِهِ جَسِيمًا أَوْ لَطِيفًا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمَا، وَمِثْلُ تَعْيِينِ الْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ بِالْفِعْلِ جَرَى الْعُرْفُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ مَا ذُكِرَ فِيهَا مَعَ الْجُعْلِ لِأَنَّهَا مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ كَالْإِجَارَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ تَعْيِينُ عَدَدِ الْإِصَابَةِ وَنَوْعِهَا مِنْ خَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ السَّهْمِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ وَلَا تَعْيِينُ الْوَتْرِ وَلَا مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ.
[صُوَرِ الْمُسَابَقَةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صُوَرِ الْمُسَابَقَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: لِأَنَّ الْجُعْلَ إمَّا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَإِمَّا مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِمَا تَبَرَّعَ بِهِ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَخْرَجَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَانِ (شَيْئًا) مِنْ عِنْدِهِمَا سَمَّيَاهُ سَبَقًا بِالْفَتْحِ أَيْ جُعْلًا وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ جَازَ عَقْدُهَا إنْ (جَعَلَا بَيْنَهُمَا) ثَالِثًا مُسَابِقًا مِثْلَهُمَا (مُحَلِّلًا) لِعَقْدِهِمَا (يَأْخُذُ ذَلِكَ الْمُحَلِّلُ) هَذَا الشَّيْءَ الَّذِي أَخْرَجَاهُ (إنْ سَبَقَ هُوَ) أَيْ الْمُحَلِّلُ (وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُحَلِّلِ وَهُوَ أَحَدُ الْمُخْرِجِينَ لِلْجُعْلِ (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) بِسَبَبِ سَبْقِ غَيْرِهِ لَهُ (شَيْءٌ) وَيَأْخُذُ السَّابِقُ جَمِيعَ الْجُعْلِ (هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) وَبَعْضُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إنَّمَا يَجُوزُ) مِنْ صُوَرِ الْمُسَابَقَةِ (أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ سَبَقًا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جُعْلًا (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مُخْرِجِهِ (أَخَذَهُ إنْ سَبَقَ هُوَ) أَيْ مُخْرِجُ الْجُعْلِ (كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ) وَاقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ حَيْثُ قَالَ: لَا إنْ أَخْرَجَاهُ لِيَأْخُذَ السَّابِقُ وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ الْمُسَابَقَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِعَوْدِ الْجُعْلِ لِمُخْرِجِهِ عَلَى تَقْدِيرِ سَبْقِهِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ إذَا كَانَ يُمْكِنُ سَبْقُ الثَّالِثِ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى مَنْعِهَا وَسُمِّيَ هَذَا الثَّالِثُ الَّذِي لَا يُخْرِجُ الْجُعْلَ مُحَلِّلًا وَإِنْ حَرُمَتْ تِلْكَ الْمُسَابَقَةُ بِحَسَبِ زَعْمَيْهِمَا، هَذَا حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْمُتَسَابِقُونَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ جَاعِلِ السَّبَقِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْجُعْلِ
(وَآخَرُ) وَهُوَ السَّابِقُ لَهُ (فَسَبَقَ جَاعِلُ السَّبَقِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ (أَكَلَهُ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ) الْفِعْلَ بِمَعْنَى الْمُسَابَقَةِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ، وَبَقِيَ صُورَةٌ ثَالِثَةٌ أَنْ يُخْرِجَهُ مُتَبَرِّعٌ أَيْ غَيْرُ الْمُتَسَابِقِينَ مِنْ وَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَأْخُذَهُ كُلُّ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَائِزَ أَنْ يُخْرِجَ الْجُعْلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَ رَفِيقُهُ يَأْخُذُهُ، وَإِنْ سَبَقَ مُخْرِجُهُ يَكُونُ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ عِنْدَهُمْ إذَا كَانَتْ الْمُسَابَقَةُ وَقَعَتْ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَطْ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي بَيَانِ الْجَزَائِرِ: وَأَخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ أَوْ أَحَدُهُمَا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَلِمَنْ حَضَرَ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ الشُّيُوخِ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَقٌ عِنْدَ إخْرَاجِ الْمُتَبَرِّعِ أَوْ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ عِنْدَ سَبْقِ الْمُخْرِجِ، وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُتَبَرِّعُ يَكُونُ لَهُمَا سَوِيَّةً عِنْدَ عَدَمِ السَّبْقِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَقُولُ: إنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِظْهَارُ إذَا كَانَ التَّبَرُّعُ لَا بِقَيْدِ السَّبْقِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ عِنْدَ سَبْقِ الْمُخْرِجِ أَنْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ وَحُرِّرَ الْحُكْمُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا أَشَارَ لَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَجَاءَ) أَيْ وَرَدَ عَنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْحَيَّاتِ بِالْمَدِينَةِ) أَيْ بُيُوتِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ
قَتْلُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ بِالنَّارِ
وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذَا آذَتْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ تُقْتَلْ كَانَ أَحَبَّ
[الفواكه الدواني]
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَلْحَقُ ذَلِكَ أَزِقَّتُهَا وَفَاعِلٌ جَاءَ (أَنْ تُؤْذَنَ) أَيْ الْحَيَّاتُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ الْآتِيَةِ فِي الْحَدِيثِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ رَافِعٌ لِلْإِجْمَالِ الْوَاقِعِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَحَذَفَ التَّاءَ حِينَئِذٍ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ اسْتِئْذَانِهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ الشَّيْطَانُ» . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْذَنُ مَنْ لَا يَفْهَمُ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إنْ كَانَ جِنِّيًّا فَهُوَ أَفْهَمُ مِنْك، وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِاسْتِئْذَانِهَا، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ: أَنْشُدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذُونَنَا، وَقِيلَ يَقُولُ لَهَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنْ كُنْت مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْتَ مُسْلِمٌ فَلَا تَظْهَرْ لَنَا خِلَافَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ يَقُولُ لَهَا: أُقْسِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا تُبَادِلُنَا وَلَا تَخْرُجُ فَإِنْ ظَهَرْت لَنَا قَتَلْنَاك، وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ الْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِئْذَانَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (مِنْ الْعُمْرَانِ) وَيَدْخُلُ فِيهِ مَدِينَةُ غَيْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (فَهُوَ حَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ فَتَلَخَّصَ أَنَّ وُجُوبَ اسْتِئْذَانِ الْحَيَّاتِ إنَّمَا يَجِبُ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فَيُنْدَبُ فِي الْعُمْرَانِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعُمْرَانِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُنْدَبُ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ فِي غَيْرِ الْأَبْتَرِ وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْذَانُهُمَا وَيُقْتَلَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ هُوَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَحَدُهُمَا أَخْضَرُ وَالْآخَرُ أَزْرَقُ، وَالْأَبْتَرُ هُوَ الصَّغِيرُ الذَّنَبِ وَقِيلَ هُوَ الْأَزْرَقُ، وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَحْفَظَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ.
(وَلَا تُؤْذَنُ) أَيْ الْحَيَّاتُ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا (فِي الصَّحْرَاءِ، وَ) إنَّمَا (يُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فِي الصَّحْرَاءِ وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا عِمَارَةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ لِبَقَائِهَا عَلَى الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ حَيَّاتِ الصَّحْرَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْحَيَّاتُ أَنَّ الثُّعْبَانَ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ فِي بُيُوتِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ الثُّعْبَانُ مُلْحَقٌ بِالْحَيَّاتِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ كَمَا أُلْحِقَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَبْوَابِ.
(خَاتِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسَائِلَ مُنَاسَبَةٍ لِمَا نَحْنُ فِيهِ) الْأُولَى: بِتَرْحِيلِ الدَّبِيبِ حَيَّةً أَوْ ثُعْبَانًا وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: يَا أَيُّهَا الدَّبِيبُ يَقُولُ لَك الشَّيْخُ حَسَنُ اُلْدُنْ ذَاكَ الْمِفْرَصَ ارْحَلْ وَإِلَّا تَمُوتُ وَتُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَرْحَلُ، وَيَنْفَعُ لِتَرْحِيلِهِ أَيْضًا التَّبْخِيرُ بِالنَّشَادِرِ الْمُلَوَّثِ بِالزَّيْتِ الطَّيِّبِ.
الثَّانِيَةُ: مِمَّا يَنْفَعُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ شُرْبُ اللَّبَنِ بِالنَّشَادِرِ وَيَتَقَايَؤُهُ الْمَلْسُوعُ، وَكَذَا الرُّقْيَةُ الْمُجَرَّبَةُ لِلْمَسْمُومِ وَصِفَةُ عَمَلِهَا أَنْ تَأْخُذَ حَدِيدَةً وَتُمِرَّهَا مِنْ أَعْلَى اللَّسْعَةِ فِي الْبَدَنِ أَيْ مِنْ مَحَلِّ انْتِهَاءِ السُّمِّ إلَى مَوْضِعِ اللَّسْعَةِ كَأَنَّك تَرُدُّ شَيْئًا وَأَنْتَ تَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أُومِ سُرّ أُومِ مِنِّي بَقِيَّة بتبة كُرُور مُهَرِيقٌ كورايا أبج بهسترم رِعْلٌ سَهَرًا اسْتَرْوَحَ لَوْنه فَزُفَر سَفَاهَة، وَلَا يُزَالُ يُكَرِّرُهَا وَيُكَرِّرُ مَرَّ الْحَدِيدِ عَلَى الْمَوْضِعِ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ السُّمُّ بِمَوْضِعِ اللَّسْعَةِ فَتَفْتَحُهُ بِإِبْرَةٍ وَنَحْوِهَا.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: الْحَيَّاتُ هِيَ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ قِرَدَةً، ثُمَّ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَانِّ وَالْمَلَائِكَةِ التَّحَوُّلَ فِي أَيِّ صُورَةٍ أَرَادُوهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إنَّمَا تَقْصِدُ الصُّوَرَ الْحَسَنَةَ، وَالْجَانُّ لَا يَنْضَبِطُ أَمْرُهَا بَلْ بِحَسَبِ أَخْلَاقِهَا وَخَسَاسَتِهَا، فَالْخَسِيسُ يَقْصِدُ الصُّورَةَ الْخَسِيسَةَ، وَمُقَابِلُهُ الصُّورَةُ الْعَظِيمَةُ، وَكُلُّ صُورَةٍ تَصَوَّرَ فِيهَا الْجِنُّ يَثْبُتُ لَهَا خَاصِّيَّةُ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَالْمُتَصَوِّرُ بِالْحَيَّةِ يَصِيرُ لَهُ سُمٌّ، وَالْمُتَصَوِّرُ بِصُورَةِ الْغَنَمِ يَصِيرُ لَهُ طِيبُ اللَّحْمِ وَهَكَذَا، وَمَعَ شِدَّةِ قُوَّةِ الْجِنِّ يُقْتَلُونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ، وَيَحْصُلُ لَهُمْ الْعَجْزُ عَمَّا أَرَادُوهُ مِنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْجِنِّيُّ.
[قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي قَتْلِ مَا دُونَ الْحَيَّاتِ مِمَّا شَأْنُهُ الْإِيذَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ) عَلَى جِهَةِ التَّنْزِيهِ (قَتْلُ) نَحْوِ (الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ) وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ (بِالنَّارِ) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ وَتَمْثِيلٌ بِخَلْقِ اللَّهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» .
وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْبَيَانِ: كَرِهَ مَالِكٌ وَضْعَ الثَّوْبِ عَلَى النَّارِ بِخِلَافِ الشَّمْسِ لِمَا يُخْشَى مِنْ حَرْقِ الْحَيَوَانِ، لَا يُقَالُ: مُقْتَضَى ذَلِكَ حُرْمَةُ حَرْقِهَا لَا كَرَاهَتُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا كُرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِيذَاءُ وَلَا سِيَّمَا الْبَقُّ، وَهَذَا مَا لَمْ يَعْظُمْ أَمْرُ مَا ذُكِرَ لِكَثْرَتِهِ وَإِلَّا جَازَ حَرْقُهُ بِالنَّارِ لِأَنَّ تَتَبُّعَهُ بِغَيْرِ النَّارِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، وَمَفْهُومٌ بِالنَّارِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا بِقَصْعِهَا وَعَرْكِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ تُؤْذِي أَحَدًا فَقَالَ:
إلَيْنَا
وَيُقْتَلُ الْوَزَغُ
وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا
[الفواكه الدواني]
«مَا يُؤْذِيك فَلَكَ إذَايَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْذِيَك» وَمَا خُلِقَ لِلْإِذَايَةِ فَابْتِدَاؤُهُ بِالْإِذَايَةِ جَائِزٌ.
فَتَلَخَّصَ أَنَّ قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ مَكْرُوهٌ وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إذَايَةٌ بِالْفِعْلِ.
[قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَد]
وَلَمَّا كَانَ حُكْمُ النَّمْلِ مُخَالِفًا لِمَا ذُكِرَ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ) وَلَوْ بِالنَّارِ بِشَرْطَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ: (إذَا آذَتْ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا) وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَذِيَّةُ فِي الْبَدَنِ أَوْ الْمَالِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ: وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ إلَّا الْمُؤْذِيَ مِمَّا ذُكِرَ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لِإِذَايَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِالْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ الْجَوَازِ لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ وَتُقَدِّسُهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ خَرَجَ بِقَوْمِهِ لِلِاسْتِسْقَاءِ فَوَجَدَ نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ أُجِبْتُمْ بِغَيْرِكُمْ فَمُطِرُوا.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ قُدِرَ عَلَى تَرْكِهَا وَقَدْ آذَتْ لَكُرِهَ قَتْلُهَا وَلَوْ بِالنَّارِ وَإِنْ لَمْ تُؤْذِ مُنِعَ قَتْلُهَا، وَلَا يُرَاعَى هُنَا الْقُدْرَةُ عَلَى تَرْكِهَا وَلَا عَدَمُهَا.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ جَوَازَ قَتْلِهَا بِشَرْطَيْنِ صَرَّحَ هُنَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ لَمْ تُقْتَلْ) أَيْ النَّمْلُ (كَانَ) ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ قَتْلِهَا مَعَ أَذِيَّتِهَا (أَحَبُّ إلَيْنَا) إنْ كَانَ يُقْدَرُ عَلَى تَرْكِهَا، وَأَحَبُّ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٌّ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ لِاقْتِضَائِهِ الْقَتْلَ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ قَتْلَهَا حَالَ عَدَمِ الْإِذَايَةِ لَا يَجُوزُ، وَحَالَ الْإِذَايَةِ جَائِزٌ جَوَازًا مُسْتَوِيًا إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا، وَجَوَازًا مَرْجُوحًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَرْكِهَا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنَّ تَرْكَهُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَقَتْلُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَكْرُوهٌ فَيَصِيرُ مَفْهُومُ الشَّرْطَيْنِ مُعْتَبَرًا، لِأَنَّ مَفْهُومَ الْأَوَّلِ مَنْعُ الْقَتْلِ وَمَفْهُومُ الثَّانِي كَرَاهَتُهُ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُعَطَّلٌ لِأَنَّ الْمَنْطُوقَ جَوَازُ الْقَتْلِ الْمُسْتَوِي، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ الثَّانِي الْجَوَازُ الْمَرْجُوحُ لِكَرَاهَتِهِ الْقَتْلَ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلِ عِنْدَ الشَّرْطَيْنِ وَلَوْ بِالنَّارِ وَعِنْدَ عَدَمِ الْجَوَازِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ تُؤْذِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ بِغَيْرِ النَّارِ، وَأَمَّا عِنْدَ كَرَاهَتِهِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا آذَتْ وَقُدِرَ عَلَى تَرْكِهَا بِالنَّارِ، وَلَكِنْ وَقَعَ اضْطِرَابٌ فِي النَّمْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ، فَقِيلَ مُطْلَقُ النَّمْلِ، وَقِيلَ الْأَحْمَرُ الطَّوِيلُ الْأَرْجُلِ لِعَدَمِ أَذِيَّتِهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَإِنَّ شَأْنَهُ الْإِيذَاءُ.
(تَنْبِيهٌ) مِمَّا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ النَّحْلُ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَقْتُلْ النَّحْلَةَ لِنَفْعِهَا وَقِلَّةِ لَحْمِهَا، وَالنَّمْلَةَ إلَّا أَنْ تُؤْذِي انْتَهَى.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَإِنْ آذَتْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ قُدِرَ عَلَى تَرْكِهَا كُرِهَ لَهُ قَتْلُهَا وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَتْلِهَا كَمَا قِيلَ فِي النَّمْلِ بَلْ هِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْقَتْلِ مِنْ النَّمْلِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْأَوْلَوِيَّةِ نَفْعُ النَّحْلَةِ دُونَ النَّمْلَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُقْتَلَ الْوَزَغُ) بِفَتْحِ الزَّايِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وُجِدَ وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِئْذَانٍ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ وَلَا كَثْرَةٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَثٌّ وَرَغَّبَ فِي قَتْلِ الْوَزَغَةِ حَيْثُ قَالَ: «مَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً، وَقِيلَ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الثَّالِثَةِ فَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ» وَفِي هَذَا مُخَالَفَةٌ لِقَاعِدَةِ كَثْرَةِ الْأَجْرِ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ لِمَا فِي تَأْخِيرِ الْقَتْلِ مِنْ التَّهَاوُنِ، وَإِنَّمَا خُصَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قَتْلِ الْوَزَغِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْوَزَغَةَ كَانَتْ يَهُودِيَّةً مَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِكَوْنِهَا كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ الَّتِي أَحْرَقَتْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوْ نَارَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَكَانَ الْوَطْوَاطُ يُطْفِئُهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ حَتَّى قَالَ إنَّهَا أَكْثَرُ سُمًّا مِنْ الْحَيَّةِ.
(وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ) جَمْعُ ضِفْدَعٍ بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ، حَيَوَانٌ مَعْرُوفٌ يُلَازِمُ الْمَاءَ غَالِبًا، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ تَسْبِيحًا حَتَّى قِيلَ: إنَّ صَوْتَهَا جَمِيعَهُ ذِكْرٌ، وَلِأَنَّهَا أَطْفَأَتْ مِنْ نَارِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُلُثَيْهِمَا، وَصِيغَةُ تَسْبِيحِهَا: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبَّحُ لَهُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، سُبْحَانَ مَنْ يُسَبَّحُ لَهُ فِي الْأَرْضِ الْقِفَارِ، سُبْحَانَ مَنْ يُسَبَّحُ لَهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، سُبْحَانَ مَنْ يُسَبَّحُ لَهُ بِكُلِّ شَفَةٍ وَلِسَانٍ، هَكَذَا وَجَدْته بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ، وَمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا فَلَهُ أَكْلُهَا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَتْ بَرِّيَّةً، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ تُؤْذِ وَإِلَّا جَازَ قَتْلُهَا حَيْثُ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا، فَإِنْ قُدِرَ عَلَى تَرْكِهَا اُسْتُحِبَّ عَدَمُ قَتْلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّمْلِ.
(تَنْبِيهٌ) كُلُّ مَا قُلْنَا بِجَوَازِ قَتْلِهِ لِدَفْعِ الْإِيذَاءِ يُطْلَبُ مِنْ قَاتِلِهِ أَنْ يَقْصِدَ بِالْقَتْلِ دَفْعَ الْإِيذَاءِ لَا عَبَثًا وَإِلَّا مُنِعَ حَتَّى الْفَوَاسِقُ الْخَمْسُ الَّتِي يُبَاحُ قَتْلُهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
[التَّفَاخُرَ بِالْآبَاءِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَمَا لَا يَجُوزُ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْأَوْلَى لِلْعَاقِلِ لِيَلْزَمَهُ وَمَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ فَيَجْتَنِبَهُ فَقَالَ: (وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ (عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ قَبْلَ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ كُلٌّ مِنْهُمَا مُشَدَّدٌ أَيْ كِبْرَهَا وَتَجَبُّرَهَا مِنْ الْعِبْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهُوَ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَيُسْتَعَارُ لِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ مِنْ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الْعِظَامِ.
قَالَهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ، وَقِيلَ: الْعُبِّيَّةُ هِيَ وَقْرُ الدَّوَابِّ بِالْأَثْقَالِ أَيْ ثِقْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَتُرْوَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْغَبَاوَةِ وَهِيَ التَّنَاهِي فِي الْجَهْلِ وَالْجَهَالَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ الْكِبْرِ وَهُوَ بَطَرُ الْحَقِّ أَيْ رَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَغَمْصُ النَّاسِ أَيْ احْتِقَارُهُمْ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَمَنْ نُحِبُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَفْظُ أَذْهَبَ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ يَنْهَاكُمْ عَنْ
بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْسَابَ النَّاسِ «عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ» وَقَالَ عُمَرُ تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ فِي النِّسْبَةِ فِيمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْآبَاءِ
وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا وَلَا يُعَبِّرُهَا
[الفواكه الدواني]
عُبِّيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ.
(وَ) أَذْهَبَ عَنْكُمْ أَيْضًا (فَخْرَهَا بِالْآبَاءِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ التَّلَبُّسِ بِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ، وَمِنْ الطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ وَالطِّيَرَةِ وَالنِّيَاحَةِ وَالِاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ وَمِنْ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ لِأَنَّكُمْ مَا بَيْنَ (مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ) أَيْ مُمْتَثِلٍ لِلْمَأْمُورَاتِ مُجْتَنِبٍ لِلْمَنْهِيَّاتِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عِنْدَ اللَّهِ بِتَقْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسِيبًا.
(أَوْ فَاجِرٍ) أَيْ كَافِرٍ (شَقِيٍّ) خَاسِرٍ بِعَدَمِ تَقْوَاهُ وَلَوْ كَانَ نَسِيبًا، فَالتَّفَاضُلُ بِالْآبَاءِ لَا يُكْسِبُ شَيْئًا، وَأَيْضًا (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ) لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ جَمِيعًا.
(وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا فَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْفُرُوعِ إلَّا بِالتَّفَاوُتِ فِي خِلَالِ الْخَيْرِ، وَأَيْضًا الْأَصْلُ مِنْ التُّرَابِ الَّذِي يُوطَأُ بِالْأَرْجُلِ، فَكَيْفَ يَتَكَبَّرُ فَرْعُ مَنْ يُوطَأُ بِالْأَقْدَامِ مَعَ إهَانَةِ أَصْلِهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الرَّبُّ وَاحِدٌ، وَالْأَبُ وَاحِدٌ، وَالْأُمُّ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ، وَمَنْ أَسْرَعَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُبْطِئْ بِهِ نَسَبُهُ» وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ أَوْ تَفْرِيطُهُ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ أَيْ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرَفُ نَسَبِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ النَّسَبَ لَا يَنْفَعُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَيْضًا التَّفَاخُرُ يُؤَدِّي إلَى إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالتَّنَافُرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وَلَمَّا أَفَادَ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِالْآبَاءِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَتَى بِحَدِيثٍ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ فَقَالَ: (وَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْسَابَ النَّاسِ) بِحَيْثُ صَارَ يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا ابْنَ عُمَرَ، وَعُمَرَ ابْنَ فُلَانٍ وَابْنَ فُلَانَةَ وَهَكَذَا، لِأَنَّ لَفْظَ رَجُلٍ عَامٌّ، وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ قَدْ تَعُمُّ نَحْوَ عَلِمَتْ نَفْسٌ وَمَقُولُ قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ) أَيْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ.
(وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ) مُرْتَكِبَهَا بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الذَّمُّ وَالْإِثْمُ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِي.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» بَلْ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَإِذَا كَانَ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى عِلْمِ مَا يَخُصُّهُ فِي دِينِهِ فَاشْتِغَالُهُ بِهِ حَرَامٌ، وَعِنْدِي فِيهِ وَقْفُهُ إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ فِعْلِ وَاجِبٍ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ ارْتِكَابُ مُحَرَّمٍ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ النَّفْعِ بِمَعْرِفَةِ الْأَنْسَابِ عُمُومُ ذَلِكَ لِنَسَبِ نَفْسِهِ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (تَعَلَّمُوا) وُجُوبًا (مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ) لِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يَتَوَصَّلُ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحِمِ الَّذِي تَجِبُ صِلَتُهُ كُلُّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ لَا خُصُوصُ مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ، وَنَظَرَ ابْنُ نَاجِي قَائِلًا: وَانْظُرْ هَلْ يَتَعَلَّمُ مِنْ أَنْسَابِهِ إلَى مُنْتَهَى أَجْدَادِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَجْدَادٍ وَنَحْوِهَا، وَأَقُولُ: يَظْهَرُ لِي أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ مَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِزِيَارَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا كَثُرَتْ أَرْحَامُهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ صِلَةُ الْأَقْرَبِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَأْمُورُ بِمَعْرِفَتِهِ مِنْ النَّسَبِ مَا يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ قَالَ: (وَقَالَ مَالِكٌ) الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَأَكْرَهُ) أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَمَا قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ، وَقِيلَ الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ (أَنْ يَرْفَعَ فِي النَّسَبِ فِيمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْآبَاءِ) بَلْ إذَا وَصَلَ إلَى جَدٍّ كَافِرٍ أَمْسَكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا جَدٌّ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْهُ شَيْئًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَهُ لِآيَةِ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: 22] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] وَأَيْضًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الرَّفْعِ فِي النَّسَبِ مِنْ التَّفَاخُرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْآبَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ بِالْكُفَّارِ، وَنَصُّوا هُنَا عَلَى أَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ مُقَدَّمٌ عَلَى شَرَفِ النَّسَبِ، فَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّرِيفِ الْجَاهِلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ
وَأَعَادَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ هُنَا أَسْقَطَهُ وَأَعَادَ أَيْضًا قَوْلَهُ (وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ) أَوْ يَنْفُثْ أَيْ يَبْزُقُ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ (عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ) بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ مَا رَأَى) لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ يَحْرُمُ (أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْكَذِبِ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ مِنْ غَيْرِ الْعَالِمِ كَذِبٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهَا بِأَنْ كَانَ يَعْلَمُ أُصُولَ التَّعْبِيرِ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ الْعَرَبِ وَأَشْعَارُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَفِرَاسَةٌ يَجُوزُ لَهَا حِينَئِذٍ تَعْبِيرُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْبِيرُهَا
عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ
وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ وَمَا خَفَّ مِنْ الشِّعْرِ أَحْسَنُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ وَمِنْ الشَّغْلِ بِهِ
وَأُولَى الْعُلُومِ وَأَفْضَلُهَا وَأَقْرَبُهَا إلَى اللَّهِ عِلْمُ دِينِهِ وَشَرَائِعِهِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ وَدَعَا إلَيْهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ وَالْفَهْمُ وَالتَّهَمُّمُ بِرِعَايَتِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ
وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ
وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى
[الفواكه الدواني]
بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ يَكْشِفُ نَحْوَ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَمَا يُقَالُ لَهُ أَنَا رَأَيْت كَذَا، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِأُصُولِ التَّعْبِيرِ فَهَذَا حَرَامٌ، لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَأَوْصَافِ الرَّائِينَ فَعِلْمُهَا غَوِيصٌ يَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ مَعْرِفَةٍ بِالْمُنَاسَبَاتِ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ سِيرِينَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَنَا رَأَيْت نَفْسِي أُؤَذِّنُ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ تَسْرِقُ وَتُقْطَعُ يَدُك، وَسَأَلَهُ آخَرُ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ فَقَالَ لَهُ تَحُجُّ، فَوَجَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا فُسِّرَ لَهُ بِهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: رَأَيْت هَذَا بِسِمَةٍ حَسَنَةٍ وَالْآخَرُ بِسِمَةٍ قَبِيحَةٍ، وَلَا تَخْرُجُ الرُّؤْيَا عَنْ مَعْنَاهَا وَلَوْ فُسِّرَتْ بِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
(وَلَا) يَجُوزُ لِلرَّائِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ التَّعْبِيرَ أَنْ (يُعَبِّرَهَا عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ) كَائِنَةٌ (عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ) لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَلَعِبٌ بِالنُّبُوَّةِ، وَيَنْبَغِي إنْ ظَهَرَ لَهُ خَيْرٌ يَذْكُرُهُ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ خَيْرًا إنْ شَاءَ أَوْ يَصْمُتُ.
وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي الْإِنْشَادِ بَيَّنَ حُكْمَهُ فِي الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ) أَيْ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ شِعْرَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْشَاؤُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ، فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَمَاءِ يُزْرِي ... لَكُنْت الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إنْشَائِهِ كَمَا يَجُوزُ إنْشَادُهُ، فَلَا بَأْسَ فِي كَلَامِهِ لِلْإِبَاحَةِ لِمَا قِيلَ إنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تَحْفَظُ أَلْفَ بَيْتٍ، وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ: «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» ، وَقَالَ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
» وَأَيْضًا كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَأْمُرُ حَسَّانًا بِالْإِنْشَادِ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِنْشَادَ جَائِزٌ لَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْلَأَهُ شِعْرًا» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهُ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ مَنْ حَرَّمَهُ مُطْلَقًا، نَعَمْ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَدْحِ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ أَوْ ذَمِّ مَنْ لَا يُذَمُّ كَانَ حَرَامًا، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْشَادُ لَا يَسْلَمُ مُرْتَكِبُهُ مِنْ مُجَاوَزَةٍ فِي الْكَلَامِ قَالَ: (وَمَا خَفَّ مِنْ الشِّعْرِ أَحْسَنُ) أَيْ مَعَ كَوْنِ الْإِنْشَادِ مُبَاحًا لَا يَنْبَغِي الْإِكْثَارُ مِنْهُ لِقِلَّةِ سَلَامَةِ فَاعِلِهِ مِنْ التَّجَاوُزِ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّ غَالِبَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُبَالَغَاتٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَشْعَارِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُونَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا فَهَذِهِ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَعَلُّمِهَا.
(وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِنْشَادِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا مِنْ الشَّغْلِ بِهِ) هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ مَا طُلِبَ تَقْلِيلُهُ يُكْرَهُ تَكْثِيرُهُ، وَتَجُوزُ.
شَهَادَةُ الشَّاعِرِ إذَا كَانَ لَا يَرْتَكِبُ مُحَرَّمًا وَلَوْ بِذَمِّ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ شَهَادَتُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ مَكْرُوهٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ.
[أَفْضَلِ الْعُلُومِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَفْضَلِ الْعُلُومِ بِقَوْلِهِ: (وَأَوْلَى الْعُلُومِ) بِالِاشْتِغَالِ بِهِ (وَأَفْضَلُهَا وَأَقْرَبُهَا إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (عِلْمُ دِينِهِ) هَذَا خَبَرُ أَوْلَى الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً وَعَطْفُ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَالْمُرَادُ بِعِلْمِ دِينِ اللَّهِ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، وَيُسَمَّى بِعِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ وَبِعِلْمِ الْكَلَامِ وَبِعِلْمِ الصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَهَا وَأَقْرَبَهَا لِأَنَّهُ يُوَصِّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِ الْبَارِئِ وَصِفَاتِهِ وَمَعْرِفَةِ أَنْبِيَائِهِ، وَالْعِلْمُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ، وَمَعْلُومُ عِلْمِ التَّوْحِيدِ هُوَ ذَاتُ الْبَارِئِ وَصِفَاتُهُ.
(وَ) عِلْمُ (شَرَائِعِهِ) وَبَيَّنَ عِلْمَ شَرَائِعِهِ بِقَوْلِهِ: (مِمَّا أَمَرَ) الْمُكَلَّفَ (بِهِ) مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (وَنَهَى عَنْهُ) مِنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ (وَ) الْمَأْمُورُ بِهِ مَا (دَعَا إلَيْهِ) تَعَالَى (وَحَضَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى فِعْلِهِ وَذَلِكَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ (فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ إنَّمَا هِيَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(وَ) مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ (التَّفَقُّهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي عِلْمِ الدِّينِ وَالشَّرَائِعِ (وَالتَّفَهُّمُ فِيهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَالتَّهَمُّمُ) أَيْ الِاهْتِمَامُ (بِرِعَايَتِهِ) أَيْ حِفْظِهِ (وَالْعَمَلِ بِهِ) وَالضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةُ رَاجِعَةٌ إلَى عِلْمِ دِينِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّفَقُّهُ فِي عِلْمِ الشَّرَائِعِ مِنْ أَوْلَى الْعُلُومِ، لِأَنَّ الْقِيَامَ بِعُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَرَائِضِ وَأَحْكَامِ مَا يُرِيدُ الْعَمَلَ بِهِ، وَذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ الْعَمَلَ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ.
وَلَمَّا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَوْنِ عِلْمِ دِينِ اللَّهِ أَوْلَى الْعُلُومِ أَفْضَلِيَّةُ الْعِلْمِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ قَالَ: (وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ،
اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً وَفِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً
وَالْعِلْمُ دَلِيلٌ إلَى الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إلَيْهَا وَاللَّجَأُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَاتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَيْرِ الْقُرُونِ مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ نَجَاةً فَفِي الْمَفْزَعِ إلَى ذَلِكَ
[الفواكه الدواني]
وَمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ» .
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ طَلَبُ الْعِلْمِ» .
وَقَالَ أَيْضًا: «عَالِمٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَالْمُرَادُ بِهِمْ الْعُلَمَاءُ.
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِبَنِيهِ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنْ كُنْتُمْ صِغَارَ قَوْمٍ فَسَتَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ آخَرِينَ.
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ تَعَلَّمْ الْعِلْمَ فَإِنْ احْتَجْت إلَيْهِ كَانَ لَك مَالًا، وَإِنْ اسْتَغْنَيْت عَنْهُ كَانَ لَك جَمَالًا.
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوَحْدَةِ وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنَارُ سَبِيلِ الْخَيْرِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً هُدَاةً يُهْتَدَى بِهِمْ أَدِلَّةً فِي الْخَيْرِ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ حَتَّى الْحِيتَانُ وَالْهَوَامُّ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ» . وَفَضْلُ الْعِلْمِ مَشْهُورٌ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ فَفِي الْحَدِيثِ: «الْبَابُ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا» . وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ»
ثُمَّ بَيَّنَ أَفْضَلَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى) رِضَا (اللَّهِ) - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأَوْلَاهُمْ بِهِ) أَيْ بِمَحَبَّتِهِ تَعَالَى وَخَبَرُ أَقْرَبَ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً (أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً) أَيْ خَوْفًا (وَ) أَكْثَرُهُمْ (فِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً) أَيْ رَجَاءً.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَتَفَاضَلُونَ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْمَرَاتِبِ جَارٍ حَتَّى فِي حَقِّ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ.
الثَّانِي: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ، فَفَضَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ، وَفَضَّلَ جَمَاعَةٌ كَالْقُشَيْرِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَعِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوْلِيَاءَ الْعَارِفِينَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ الْفُتُوحَاتِ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي الِاهْتِدَاءِ كَاسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَعَمُّ نَفْعًا وَأَكْثَرُ فَائِدَةً مِمَّا يُفْتَحُ بِهِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِهِ نَفْعٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُتَعَدِّيَةَ تُقَدَّمُ مُرَاعَاتُهَا عَلَى الْقَاصِرَةِ، وَوَجْهُ الثَّانِي بِأَنَّ الْعُلُومَ الظَّاهِرَةَ قَدْ تَقْطَعُ طَرِيقَ اللَّهِ وَتَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنْ التَّحْقِيقِ، وَالِاتِّصَافِ بِعُلُومِ الْبَاطِنِ الْمُثْمِرَةِ لِلْخَشْيَةِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَطَلَبِ الْآخِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَتَفْضِيلِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ الْوَاقِفِينَ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ لَا عُلَمَاءُ الدُّنْيَا الطَّالِبِينَ جَاهَهَا وَحُطَامَهَا، إذْ الْعِلْمُ حَقِيقَةً مَا أَوْرَثَ صَاحِبَهُ عَمَلًا وَخَشْيَةً وَإِلَّا كَانَ زِيَادَةَ وَبَالٍ وَخَيْبَةٍ عَلَى صَاحِبِهِ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ غَيْرَ الْعَامِلِ بِعِلْمِهِ أَوَّلُ مِنْ تُسَعَّرُ بِهِ النَّارُ» وَلَا يَتِمُّ عِلْمُ الْعَالِمِ حَتَّى يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ وَيُعْرِضَ عَمَّا يَصُدُّهُ عَنْ الْعَمَلِ لِخَالِقِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي عج.
[الثَّمَرَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الثَّمَرَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: (وَالْعِلْمُ) النَّافِعُ لِصَاحِبِهِ (دَلِيلٌ إلَى) فِعْلِ (الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ» .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَهَذَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى حَيَوَانَاتُ الْمَاءِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرَاتِ مَا اسْتَنَدَ فَاعِلُهُ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّجَأُ) مُبْتَدَأٌ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْجِيمِ أَيْ الِاسْتِنَادُ وَالرُّجُوعُ (إلَى كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَ) إلَى (سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ) إلَى (اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِجْمَاعُ.
(وَ) إلَى (خَيْرِ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ (مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ) أَيْ أُظْهِرَتْ (لِلنَّاسِ) وَخَبَرُ اللَّجَأِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً هُوَ (نَجَاةٌ) وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي عَمَلِ الْخَيْرَاتِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ عَلَى كَلَامِ إمَامِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا فِيهِ نَجَاةٌ أَيْ خَلَاصٌ مِنْ الْهَلَاكِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي لَمْ تَسْتَنِدْ إلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبَيَّنَ وَجْهَ كَوْنِ النَّجَاةِ فِي اللَّجَأِ إلَى مَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: (فَفِي الْمَفْزَعِ) أَيْ
الْعِصْمَةُ
[الفواكه الدواني]
الِاسْتِنَادِ (إلَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا بَعْدَهُ (الْعِصْمَةُ) أَيْ الْحِفْظُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُورَاتِ.
[الْمُحَافَظَةِ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ]
(وَفِي) الْمُحَافَظَةِ عَلَى (اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ النَّجَاةُ) مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَالْفَوْزُ بِكُلِّ كَمَالٍ (وَهُمْ) أَيْ السَّلَفُ (الْقُدْوَةُ) مُثَلَّثُ الْقَافِ أَيْ الْمُقْتَدَى بِهِمْ (فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ) وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ، وَإِنَّمَا كَانُوا قُدْوَةً فِيمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الْعِلْمَ الْكَامِلَ وَالْوَرَعَ الْحَاصِلَ وَالنَّظَرَ السَّدِيدَ.
وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ:
فَتَابِعْ الصَّالِحَ مِمَّنْ سَلَفَا ... وَجَانِبِ الْبِدْعَةَ مِمَّنْ خَلَفَا
فَأَشَارَ إلَى أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُتَابِعَ فِي عَقَائِدِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَهَيْئَاتِهِ الْفَرِيقَ الصَّالِحَ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» الْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ غَيْرَ الْخَوَاصِّ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ يَكُونُ أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ تَبِعَنَا فِيهَا الشُّرَّاحُ وَخَصَّهُ فِي التَّحْقِيقِ بِالصَّحَابَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهُمْ الْقُدْوَةُ قَاصِرًا عَلَى خُصُوصِ الْمُقَلِّدِينَ، أَيْ لَا تَكُونُ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ قُدْوَةً إلَّا لِلْمُقَلِّدِينَ، وَعَلَى تَخْصِيصِهِ بِالصَّحَابَةِ يَكُونُ عَامًّا، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ يَقْتَدِي بِهِمْ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُقَلِّدُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ.
الثَّانِي: فِي إضَافَةِ الْعِصْمَةِ إلَى الِاسْتِنَادِ إلَى الْكِتَابِ وَإِضَافَتِهِ النَّجَاةَ إلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِأَنَّ الْمَعْصُومَ نَاجٍ وَالنَّاجِي مَعْصُومٌ، كَمَا أَنَّ التَّأْوِيلَ وَالِاسْتِخْرَاجَ بِمَعْنًى، وَقِيلَ: التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِدَلِيلٍ كَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً، وَالِاسْتِخْرَاجُ هُوَ الْقِيَاسُ كَقِيَاسِهِمْ حَدَّ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ كَلَامِهِمْ شَرَعَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفُوا.
(وَإِذَا اخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ (فِي الْفُرُوعِ) جَمْعُ فَرْعٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ، وَيُقَالُ لَهَا الْفُرُوعُ الظَّنِّيَّةُ لِأَنَّهَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ بِالِاجْتِهَادِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ ظَنِّيٌّ.
(وَ) فِي أَحْكَامِ (الْحَوَادِثِ) وَالنَّوَازِلِ (لَمْ) يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ (يَخْرُجَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ، فَإِذَا كَانَ لِلْمُجْمِعِينَ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِأَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلتَّابِعِينَ إحْدَاثُ ثَالِثٍ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ جَازَ لِلتَّابِعِينَ إحْدَاثُ ثَالِثٍ دُونَ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا، لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَةِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَإِنَّمَا حَرُمَ تَقْلِيدُ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ عَلَى هُدًى لِعَدَمِ حِفْظِ مَذَاهِبِهِمْ لِمَوْتِ أَصْحَابِهِمْ وَعَدَمِ تَدْوِينِهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْأَرْبَعَةِ، وَكَذَا مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ يُحْفَظُ مَذْهَبُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَدُوِّنَ حَتَّى عَرَفْت شُرُوطَهُ وَسَائِرَ مُعْتَبَرَاتِهِ، فَالْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْقَرَافِيِّ عَلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا فُقِدَ مِنْهُ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ أُصُولِ الدِّينِ وَسَائِرِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَمَا يَجُوزُ وَمَا يَسْتَحِيلُ فَلَا يَصِحُّ الِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَتَبَّعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ وَإِلَّا امْتَنَعَ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ لِتَقْلِيدِ الرُّخْصَةِ يَوْمًا فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ.
وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى آخَرَ عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ اقْتَصَرَ الزَّنَاتِيُّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ التَّنْقِيحِ لِلْقَرَافِيِّ.
قَالَ الزَّنَاتِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ فِي النَّوَازِلِ وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَثَلًا عَلَى صِفَةٍ تُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُ الْفَضْلَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتْبَعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ نَقْلًا عَنْ غَيْرِ الزَّنَاتِيِّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ وَالِانْتِقَالُ إلَيْهَا فِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَا مَا يُنْقَضُ فِيهِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقَوَاعِدَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، فَلِذَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ فِي مِثْلِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ، وَتَرْك الْأَلْفَاظِ فِي الْعُقُودِ مِنْ شَرْحِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيِّ عَلَى جَوْهَرَتِهِ مَعَ بَعْضِ تَصَرُّفٍ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ التَّقْلِيدِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ الْفَضْلَ وَلَوْ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِغَيْرِهِ، لَا إنْ اعْتَقَدَ مَفْضُولًا فَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَعْظِيمُ مُقَلَّدِهِ وَغَيْرِهِ لَا يَذْكُرُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يَزِيدُهُمْ جَلَالًا وَعَظَمَةً فِي النُّفُوسِ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَظَّمَ الْعَالِمَ فَإِنَّمَا عَظَّمَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعَالِمِ فَقَدْ اسْتَخَفَّ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» . وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» كَمَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ اللَّعْنَةَ الْكُفْرُ، لِأَنَّ سَبَّ الصَّحَابِيِّ وَالِاسْتِخْفَافَ بِهِ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ بَلْ النَّبِيُّ وَالْمَلَكُ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَتْلُ السَّابِّ لَهُمَا حَدًّا لَا كُفْرًا إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ.
خَاتِمَة الْكتاب
وَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَلَيْهِ بِالْإِتْمَامِ نَاسَبَ أَنْ يَشْكُرَهُ بِحُسْنِ الْخِتَامِ بِقَوْلِهِ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَكَوْنُ الْجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً أَوْ إنْشَائِيَّةً، وَاخْتَارَتْ خَتْمَهُ بِتِلْكَ الصِّيغَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْحَمْدِ لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ الْحَمْدَ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي هَدَانَا) أَوْ وَفَّقَنَا (لِهَذَا) الْمُؤَلَّفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى جَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمَحَاسِنِ خِلْقَتِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْحَمْدَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَمْدَ الْمُقَيَّدَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطْلَقِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ، وَالْمُطْلَقُ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ لَا لَفْظًا وَلَا نِيَّةَ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا شُكْرُ الْمُنْعِمِ بِمَعْنَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ فَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ إجْمَاعًا، وَالْحَمْدُ يَقَعُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُحِبُّهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَكْرُوهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» وَأَمَّا الشُّكْرُ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى السَّرَّاءِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا لِاسْمِ الْإِشَارَةِ بِالْمُؤَلَّفِ أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ النُّقُوشُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَلَا يُقَالُ: الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ إلَّا الشَّخْصُ وَهُوَ لَيْسَ مُسَمًّى الْكِتَابِ وَإِلَّا انْحَصَرَ فِيهِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ النَّوْعُ، لِأَنَّا نَقُولُ: فِي كَلَامِهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لِهَذَا أَيْ لِنَوْعِ هَذِهِ النُّقُوشِ أَوْ الْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: إنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا فِي الذِّهْنِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ تَقَدَّمَ تَأْلِيفُ الْكِتَابِ، وَلَا يُقَالُ: الَّذِي فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ وَالْمُجْمَلُ لَيْسَ هُوَ مُسَمًّى الْكِتَابِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ الْمُفَصَّلُ وَهُوَ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي الذِّهْنِ وَالْمُشَارِ إلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، لِأَنَّا نَقُولُ: فِي كَلَامِهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ مُفَصَّلُ هَذَا الْمُجْمَلِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ مُفَصَّلُ الْمُجْمَلِ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) إلَيْهِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِأَنْفُسِنَا لِعَجْزِنَا وَضَعْفِنَا (لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) أَيْ لَوْلَا هِدَايَةُ اللَّهِ لَنَا، وَهَذَا حَمْدُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ وَمَنْ يَنْطِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ عَذَابٍ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ فَقَدْ رَآهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَتَبَخْتَرُ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ: بِمَ نِلْت هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ؟ فَقَالَ: بِقَوْلِي فِي الرِّسَالَةِ وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا، وَمِثْلُ هَذَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةُ لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ وَلَا سِيَّمَا قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: أَخْبَارُ الْمَيِّتِ صِدْقٌ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: هَدَى وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِاللَّامِ أَوْ بِإِلَى أَوْ بِنَفْسِهِ نَحْوَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] وَمَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ الْمُوَصِّلَةُ، وَإِنْ عُدِّيَ إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي مَعْنَاهُ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ نَحْوَ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56] أَيْ لَا تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِيمَنْ أَحْبَبْت، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ نَحْوَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: 17] أَيْ دَلَلْنَاهُمْ إذْ لَا يَصِحُّ خَلَقْنَا فِيهِمْ الِاهْتِدَاءَ، وَالْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ يَجُوزُ إسْنَادُهُ إلَى اللَّهِ نَحْوَ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] وَإِلَى غَيْرِهِ نَحْوَ: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 38] .
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ لَوْلَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ: لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا.
وَفِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا وَفِي صَدْرِ خُطْبَتِهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الِاقْتِبَاسِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَدَّدَ فِي مَنْعِهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَنْعِهِ عَلَى مَا اقْتَضَى أَمْرًا قَبِيحًا كَقَوْلِهِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
وَرِدْفُهُ يَنْطِقُ مِنْ خَلْفِهِ ... لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ
وَالْخِلَافُ فِي الِاقْتِبَاسِ مَشْهُورٌ.
قَالَ السُّيُوطِيّ:
قُلْت وَأَمَّا حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ ... فَمَالِكٌ مُشَدِّدٌ فِي الْمَنْعِ
وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَنَا صَرَاحَهْ ... لَكِنَّ يَحْيَى النَّوَوِيَّ أَبَاحَهْ
فِي الْوَعْظِ نَثْرًا دُونَ نَظْمٍ مُطْلَقَا ... وَالشَّرَفُ الْمُقْرِي فِيهِ حَقَّقَا
جَوَازَهُ فِي الزُّهْدِ وَالْوَعْظِ وَفِي ... مَدْحِ النَّبِيِّ وَلَوْ بِمَدْحِ مَا اقْتَفَى
1 -
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَلَى الْخِتَامِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَفَاءِ بِمَا اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ الْإِتْيَانَ بِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) كُنْيَةُ الْمُصَنِّفِ (عَبْدُ اللَّهِ) اسْمُهُ (ابْنُ أَبِي زَيْدٍ) كُنْيَةُ أَبِيهِ وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ يُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ إيهَامُ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ لَوْ قَالَ: وَقَدْ أَتَيْت عَلَى مَا شَرَطْت، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَنَّمَا عَدَلَ إلَى هَذَا لِبَيَانِ كُنْيَتِهِ وَاسْمِهِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ عَدَمِ إثْبَاتِهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَمَقُولُ قَالَ: (قَدْ أَتَيْنَا) أَيْ جَرَيْنَا (عَلَى مَا شَرَطْنَا) عَلَى أَنْفُسِنَا (أَنْ نَأْتِيَ بِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا) مِنْ الْمَسَائِلِ بِقَوْلِنَا فِي أَوَّلِهِ: بِأَجَبْتُكَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا خَوْفًا مِنْ إرْجَاعِ الضَّمِيرِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ لَهُ كُتُبًا كَثِيرَةً، وَبَيْنَ عُمُومِ مَا بِقَوْلِهِ: (مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) وَفَاعِلُ يَنْتَفِعُ (مَنْ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِهِ) أَيْ تَعَلُّمِهِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفَسَّرَ عُمُومَ مَنْ بِقَوْلِهِ: (مِنْ الصِّغَارِ وَ) كَذَا كُلُّ (مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْكِبَارِ) .
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا أَوَّلْنَا تَعْلِيمَ بِتَعَلُّمٍ لِأَجْلِ قَوْلِهِ مِنْ الصِّغَارِ إذْ الْوَاقِعُ مِنْهُمْ التَّعَلُّمُ لَا التَّعْلِيمُ، فَالْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ، هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ فِي فَهْمِ كَلَامِهِ، وَرَغْبَةِ الصِّغَارِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ مِنْ الْكِبَارِ فِي التَّعَلُّمِ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمُعَلِّمَ هُوَ مُحْرِزٌ وَأَنَّهُ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِهَا لِأَنَّهُ السَّائِلُ فِي كُتُبِ الْجُمْلَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَى تَعْلِيمٍ عَائِدٌ عَلَى مَا هَذَا هُوَ الْمُطَابِقُ لِكَلَامِهِ، وَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهُ، فَإِنَّ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ نِسْبَةِ الرَّغْبَةِ فِي التَّعَلُّمِ لِلصِّغَارِ وَالْحَاجَةِ لِلْكِبَارِ لِأَنَّ الصِّغَارَ لِخُلُوِّ أَذْهَانِهِمْ يَرْغَبُونَ وَقِلَّةُ رَغْبَةِ الْكِبَارِ تُدْرَكُ بِمَا قُلْنَاهُ بِالذَّوْقِ السَّلِيمِ وَالطَّبْعِ الْمُسْتَقِيمِ.
(وَفِيهِ) أَيْ الْكِتَابِ الَّذِي أَتَى بِهِ عَلَى مَا شَرَطَ (مَا يُؤَدِّي) أَيْ يُوَصِّلُ (الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ) أَمْرِ (دِينِهِ) مِنْ الْعَقَائِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْعَقِيدَةِ.
(وَ) فِيهِ أَيْضًا مَا يُوَصِّلُهُ إلَى عِلْمِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَعْمَلَ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ) كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَيُفْهَمُ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَفْهَمَ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْكِتَابِ وَمَفْعُولُهُ (كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُنُونِهِ، وَ) كَثِيرًا (مِنْ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ وَالْآدَابِ) الْمُتَعَلِّقَةِ بِالظَّاهِرِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَبِالْبَاطِنِ كَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ وَالصَّفْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِآفَاتِ النَّفْسِ.
(تَنْبِيهٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَفِيهِ مَا يُؤَدِّي الْجَاهِلَ إلَخْ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الصَّغِيرُ وَالْوَافِي بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَبِيرُ شَامِلٌ لِمَا يُؤَدِّي الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَقَدْ مَدَحَ النَّاسُ الرِّسَالَةَ وَاعْتَنَوْا بِشَرْحِهَا حَتَّى قِيلَ مُنْذُ وُضِعَتْ: مَا خَلَتْ سَنَةٌ مِنْ شَرْحٍ فَهِيَ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ جَلِيلَةُ الْأَمْرِ.
وَالْمُتَقَيِّدُ بِهَا مَعَ الْعَمَلِ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَمَّلَهُ دِينُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا مِنْ إخْلَاصِ مُؤَلِّفِهَا.
وَلَمَّا كَانَ حُسْنُ الْعِبَارَةِ وَكَثْرَةُ الْمَعْنَى لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ انْتِفَاعَ الْغَيْرِ بِهَا قَالَ: (وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ لَا غَيْرَهُ عَلَى مَا يُفِيدُهُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ.
(أَنْ يَنْفَعَنَا وَإِيَّاكَ) ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمُصَنِّفِ وَالْخِطَابِ لِلشَّيْخِ مُحْرِزٍ لِأَنَّهُ السَّائِلُ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ضَمِيرَ الْخِطَابِ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
(بِمَا عَلَّمَنَا) مِنْ التَّعْلِيمِ بِأَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْعَمَلِ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ لِلْمُصَنِّفِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ وَالسُّنَّةِ وَسَائِرُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَاَلَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ لِلشَّيْخِ مُحْرِزٍ الْقُرْآنُ وَنَحْوُهُ مِمَّا كَانَ يَعْرِفُهُ وَيُفِيدُهُ لِلْأَطْفَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مُعَلِّمًا لَهُمْ، وَالنَّفْعُ مَا أَحْسَنْت بِهِ لِغَيْرِك، وَالِانْتِفَاعُ مَا أَحْسَنْت بِهِ إلَى نَفْسِك، تَقُولُ: نَفَعْتُك بِكَذَا نَفْعًا وَانْتَفَعْت بِكَذَا انْتِفَاعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الْكِتَابِ، لِأَنَّهُ يَنَالُ الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَإِلَى غَيْرِهِ كَذَلِكَ.
(وَ) أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَيْضًا أَنْ (يُعِينَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى الْقِيَامِ) أَيْ الْوَفَاءِ (بِحَقِّهِ) تَعَالَى (فِيمَا كَلَّفَنَا) أَيْ أَلْزَمَنَا بِهِ مِنْ امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتِهِ، فَيُعِينُنَا مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْفَعُنَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الدُّعَاءِ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى مِثْلِهِ وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى رِعَايَةِ الْوَدَائِعِ وَحِفْظِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي كَلَامِهِ، وَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ نَفْسَهُ فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: إيَّاكَ إنْ كَانَ الْخِطَابُ لِمُحْرِزٍ يَكُونُ ارْتَكَبَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ كُلَّ وَاقِفٍ عَلَى كَلَامِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى الْأَوْلَى مِنْ التَّعْمِيمِ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الدُّعَاءِ لِخَبَرِ: «إذَا دَعَوْتُمْ اللَّهَ فَاجْمَعُوا فَلَعَلَّ فِيمَنْ تَجْمَعُونَ مَنْ تَنَالُونَ بَرَكَتَهُ» أَوْ كَمَا قَالَ: وَلَا يُشْكِلُ عَلَى مَا قُلْنَا إيثَارُ عَائِشَةَ لِعُمَرَ عَلَى نَفْسِهَا بِدَفْنِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ كَانَتْ أَعَدَّتْهُ لِنَفْسِهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لِجَزْمِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِخَاطِرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَيَكُونُ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ قُرْبَةٍ إلَى أَعْظَمَ مِنْهَا، وَنَدْبُ التَّقْدِيمِ لِنَفْسِ الدَّاعِي عَلَى غَيْرِهِ فِي الْقُرْبِ شَامِلٌ لِلدُّعَاءِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي يُرْسِلُهُ لِغَيْرِهِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: تَقْدِيمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لِزِيَادَةِ التَّحِيَّةِ، وَتَقْدِيمُ نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ، الثَّالِثُ التَّخْيِيرُ، وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْكَاتِبِ فِي السِّنِّ أَوْ الْعِلْمِ أَوْ النَّسَبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نَدْبِ الْبُدَاءَةِ بِالنَّفْسِ فِي الدُّعَاءِ جَهْلُ مَنْ قَالَ لَهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكُمْ وَبَدَأَ بِكُمْ، بَلْ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا إذَا دَعَا الشَّخْصُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ لَا إنْ خَصَّ غَيْرَهُ، فَلَا يَتَأَتَّى الدُّعَاءُ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِك لِمَنْ عَطَسَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُك اللَّهُ.
وَلَمَّا طَلَب الْمُصَنِّفُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّهِ تَعَالَى وَكَانَ ذَلِكَ لَا بِحَوْلِ الْعَبْدِ وَلَا قُوَّتِهِ قَالَ: (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) فَقَوْلُهُ: لَا حَوْلَ إلَخْ كَالْعِلَّةِ لِسُؤَالِهِ السَّابِقِ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ قَالَهَا أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ دَاءً أَدْنَاهَا اللَّمَمُ.
وَرُوِيَ بَدَلَ اللَّمَمِ الْفَقْرُ فَهِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَهَا لِقَصْدِ ثَوَابِهَا لَا لِلتَّعَجُّبِ، وَوَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ لَا تَحَوُّلَ لِي عَنْ مَعْصِيَتِك إلَّا بِعِصْمَتِك، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى طَاعَتِك إلَّا بِتَوْفِيقِك، وَقِيلَ مَعْنَاهَا لَا يُنَالُ مَا عِنْدَك بِالْحِيلَةِ وَالْقُوَّةِ كَمَا يُنَالُ مَا عِنْدَ غَيْرِك بِالْحِيلَةِ وَالْقُوَّةِ، وَوَرَدَ: «أَنَّ مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ وَضَاقَ عَلَيْهِ مَا يُحَاوِلُهُ مِنْ أَمْرِهِ فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّهَا مُذْهِبَةُ كُلَّ هَمٍّ عَنْهُ وَكُلَّ ضِيقٍ وَفَقْرٍ» . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا عَلِيُّ أَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ إذَا وَقَعْت فِي وَرْطَةٍ قُلْتهَا؟ قُلْت: بَلَى جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك.
قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْرِفُ بِهَا مَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ» وَالْعَلِيُّ مَعْنَاهُ التَّامُّ الْقُدْرَةِ وَنَفَاذِ الْأَمْرِ، وَالْعَظِيمُ الَّذِي يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُهَيِّئُ لِقَائِلِهَا كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ قَوْلِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَصْلَهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْبُولَةً غَيْرَ مَرْدُودَةٍ كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ لَا تَزَالُ تُصَلِّي عَلَى رَاقِمِهَا فِي كِتَابٍ مَا دَامَ اسْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَكَانَ حُسْنُ الظَّنِّ وَالرَّجَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَرِيمَ إذَا قَبِلَ صَفْقَةَ مُنْكَسِرٍ فَقِيرٍ مُقِلٍّ مُفْلِسٍ وَرَضِيَهَا وَأَثَابَ عَلَيْهَا وَخُلْدُ الْإِنْعَامِ بِإِزَائِهَا لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْهَا جَعَلَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ مُكْتَنِفَيْنِ لِمَا أَتَى بِهِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْآدَابِ تَوَسُّلًا إلَى ذَلِكَ.
(وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَآلِهِ) الْمُرَادُ أَتْقِيَاءُ أُمَّتِهِ.
(وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَقَبُولُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطْعِيٌّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَكَابِرِ، وَلَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ قَبُولُهَا قَطْعِيًّا لَقُطِعَ لِلْمُصَلِّي بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: تَبَعًا لِبَعْضٍ أَنَّ مَعْنَى الْقَطْعِ بِقَبُولِهَا إذَا خُتِمَ لِقَائِلِهَا بِالْإِيمَانِ يَجِدُ حَسَنَتَهَا مَقْبُولَةً مِنْ غَيْرِ شَكٍّ بِخِلَافِ حَسَنَةِ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَبُولَهَا عَلَى الْقَطْعِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ قَائِلِهَا عَلَى وَجْهِ مَحَبَّتِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُقْطَعُ بِانْتِفَاعِهِ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ إنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهِ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْخُلُودِ لِعِظَمِ مَحَبَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا طَالِبٍ وَكَذَا أَبُو لَهَبٍ كُلُّ مِنْهُمَا انْتَفَعَ بِمَحَبَّةِ الْمُصْطَفَى، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ يَشْرَبُ مِنْ نَقْرَةِ الْإِبْهَامِ وَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِعِتْقِهِ ثُوَيْبَةَ لِبِشَارَتِهَا بِوِلَادَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالتَّخْفِيفُ عَنْ أَبِي طَالِبٍ بِنَقْلِهِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ أَخَفَّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ عَنْ الْعَلَّامَةِ السَّنُوسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَكَرَ لَفْظَ السَّيِّدِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَاسْتِجْوَابِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاسْتِحْبَابُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» فَقَالَ الْجَلَالُ: لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ وَرَدَ لَأَمْكَنَ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تُسَيِّدُونِي سِيَادَةً تُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ النُّبُوَّةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّ الدُّعَاءَ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَوَرَدَ أَيْضًا: «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَسْأَلَ اللَّهَ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُنْتِجَ» أَيْ يُسْتَجَابُ لَهُ، لَكِنْ يَتَوَقَّى الشَّخْصُ الْأَمَاكِنَ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحْرُمُ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ وَمِثْلُهَا التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ كُلِّ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، وَتُكْرَهُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَالذَّبْحِ وَالْعُطَاسِ وَعِنْدَ الْبَيْعِ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ قَذِرٍ، مِمَّنْ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ سَحْنُونٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَطَلَبِ الثَّوَابِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُلُوكِ لِلْعَيْنِيِّ: وَيَحْرُمُ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ عَمَلٍ يَحْرُمُ أَوْ عَرْضِ سِلْعَةٍ، وَيَلْحَقُ بِالتَّعْجِيبِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْغَضَبِ كَأَنْ يُقَالَ لَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ: صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْمِلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْكُفْرِ، كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَأَقَرَّهُ، انْتَهَى رَاجِعِ التَّحْقِيقَ.
1 -
وَفِي اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ النَّجَاةُ وَهُمْ الْقُدْوَةُ فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ
وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.
[الفواكه الدواني]
(خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ) مِنْهَا: مَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا تَخْتَصُّ التَّرْضِيَةُ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمُ بِغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَصَحَّ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اسْتِقْلَالًا، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يَقَعْ فِي نُبُوَّتِهِ خِلَافٌ، فَالْمُخْتَلَفُ فِي نُبُوَّتِهِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
1 -
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنْ النَّارِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَنَالُهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ مُعَلِّلًا بِمَا يَطُولُ وَلَا يُفِيدُ ذِكْرُهُ.
1 -
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَوْرَدَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَقِبَ إتْمَامِ عَمَلٍ كَمَا هُنَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِمَا الْإِعْلَامَ بِإِتْمَامِهِ، بَلْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَقْصِدَ إلَّا تَحْصِيلَ فَضِيلَتِهِمَا وَإِلَّا دَخَلَ فِي الْكَرَاهَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ عِنْدَ التَّمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَوَاءٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِمَا الْآتِي بِهِمَا وَلَوْ لَمْ يَكُونَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَهُوَ الْحَقُّ، نَعَمْ الْإِتْيَانُ بِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ فِي الْأَجْرِ أَكْمَلُ.
وَمِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ صَدْرَ الْكِتَابِ مِنْ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ وَبَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَبَعْدَ تَمَامِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا أُحْدِثَ عِنْدَ وِلَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ
1 -
وَمِنْهَا: يَجُوزُ رُؤْيَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَرَى الرَّائِي ذَاتَه الشَّرِيفَةَ حَقِيقَةً أَوْ يَرَى مِثَالًا يَحْكِيهَا، فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي الْغَزَالِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَالْيَافِعِيُّ وَآخَرُونَ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ سِرَاجُ الْهِدَايَةِ وَنُورُ الْهُدَى وَشَمْسُ الْمَعَارِفِ كَمَا يَرَى النُّورَ وَالسِّرَاجَ وَالشَّمْسَ مِنْ بُعْدٍ، وَالْمَرْئِيُّ جُرْمُ الشَّمْسِ بِأَعْرَاضِهِ فَكَذَلِكَ الْبَدَنُ الشَّرِيفُ، فَلَا تُفَارِقُ ذَاتُهُ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، بَلْ يَخْرِقُ اللَّهُ الْحُجُبَ لِلرَّائِي وَيُزِيلُ الْمَوَانِعَ حَتَّى يَرَاهُ كُلُّ رَاءٍ وَلَوْ مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَوْ تُجْعَلُ الْحُجُبُ شَفَّافَةً لَا تَحْجُبُ مَا وَرَاءَهَا، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَرَافِيُّ أَنَّ رُؤْيَاهُ مَنَامًا إدْرَاكٌ بِجُزْءٍ لَمْ تَحِلَّهُ آفَةُ النَّوْمِ مِنْ الْقَلْبِ فَهُوَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ لَا بِعَيْنِ الْبَصَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ يَرَاهُ الْأَعْمَى.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقَظَةً.
وَرُوِيَ: «مَنْ رَآنِي مَنَامًا فَسَيَرَانِي يَقَظَةً» . وَمُنْكِرُ ذَلِكَ مَحْرُومٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَالْبَحْثُ مَعَهُ سَاقِطٌ لِتَكْذِيبِهِ مَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ أَشَارَ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ.
1 -
(وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ لَنَا ذِكْرُهُ) .
وَنَعُوذُ بِك يَا خَالِقَنَا مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، نَعُوذُ بِك اللَّهُمَّ مِنْ شَرِّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ، وَنَسْأَلُك يَا رَبِّ بِحَقِّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ أَوْ حَصَّلَهُ أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ.
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِهِ رَابِعَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمَسْبُوقَةِ بِالْأَلْفِ.
وَعَلَّقَهُ بِيَدِهِ جَامِعُهُ أَفْقَرُ عِبَادِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ غُنَيْمٍ، النَّفْرَاوِيُّ بَلَدًا، الْأَزْهَرِيُّ مَوْطِنًا، الْمَالِكِيُّ مَذْهَبًا، يَرْجُو مِنْ اللَّهِ قَبُولَهُ، وَإِلَى أَعَالِي الدَّرَجَاتِ وُصُولَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ