بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ إذَا خَافُوا الْعَدُوَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ وَيَدَعَ طَائِفَةً مُوَاجِهَةً الْعَدُوَّ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَثْبُتُ قَائِمًا وَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُونَ فَيَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ فَيُحْرِمُونَ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) كَيْفِيَّةِ فِعْلِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (الْخَوْفِ) ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَالْخَوْفُ وَالْخِيفَةُ ضِدُّ الْأَمْنِ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِهَا فِي بَابِ جُمَلٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِسُنِّيَّتِهَا ابْنُ يُونُسَ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ كَوْنِهَا سُنَّةً وَقَوْلُ خَلِيلٍ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً وَتَكُونُ سُنَّةً وَتَكُونُ مُبَاحَةً، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَمَكْرُوهَةٌ، فَالْوَاجِبَةُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالسُّنَّةُ كَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَالْمُبَاحَةُ كَمَسْحِ الْخُفِّ عِنْدَ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمَنْهَلِ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَالْمَكْرُوهَةُ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ، وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُ، وَقَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ شَيْخُ الْأُجْهُورِيِّ: وَيُمْكِنُ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا فِعْلُ فَرْضٍ مِنْ الْخَمْسِ وَلَوْ جُمُعَةً مَقْسُومًا فِيهِ الْمَأْمُومُونَ قِسْمَيْنِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَمَعَ عَدَمِهِ، لَا قَسْمَ فِي قِتَالِ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَدْخُلُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ وَكُلُّ قِتَالٍ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] الْآيَةَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ صَلَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ وَحُكْمُهَا بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ، وَدَعْوَى الْمُزَنِيّ نَسْخَهَا مَرْدُودَةٌ، وَعَلَى بَقَاءِ حُكْمِهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، خِلَافًا لِابْنِ الْقَصَّارِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَبِعَهُمَا الْمُزَنِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ حَضَرًا وَسَفَرًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي عَدَدِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي صَلَّاهَا فِيهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْقَبَسِ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي ثَلَاثِ غَزَوَاتٍ: ذَاتِ الرِّقَاعِ وَبَطْنِ النَّخِيلِ وَعُسْفَانَ، وَشَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا سَفَرًا بِقَوْلِهِ: (وَ) صِفَةُ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ حَالَ (الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ إذَا خَافُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ ضَرَرَ (الْعَدُوِّ) الْكَافِرِ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُحَارِبَ عِنْدَ صَلَاتِهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمْكَنَ قَسْمُهُمْ (أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ لِيُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ شَطْرَ صَلَاتِهِمْ.
(وَيَدَعُ) أَيْ يَتْرُكُ (طَائِفَةً مُوَاجِهَةً الْعَدُوَّ) قَالَ خَلِيلٌ: رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ أَمْكَنَ تَرْكُهُ لِبَعْضِهِمْ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ وَإِنْ وِجَاهَ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ صِفَةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وُجُوبًا عِنْدَ الْجَهْلِ وَنَدْبًا عِنْدَ عَدَمِهِ،؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِلنَّاسِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَّمَهُمْ وَصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ اسْتِنَانًا حَيْثُ طَلَبُوا غَيْرَهُمْ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَتُقَامُ هَذِهِ الصَّلَاةُ فِي كُلِّ قِتَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَشَمَلَ الْوَاجِبَ كَقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُبَاحَ كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ.
قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَمِثْلُ الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ فِي جَوَازِ الْقَسْمِ الْخَوْفُ عَلَى الْمَالِ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ عَلَى النَّفْسِ مِنْ السِّبَاعِ، وَأَمَّا الْقِتَالُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مُجَرَّدَ شَهْوَةِ النَّفْسِ كَمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقِتَالِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فَلَا يَجُوزُ قَسْمُهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: صَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَالِ قِتَالِ الْكُفَّارِ فَكَيْفَ أَجَزْتُمُوهَا فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ السَّبَبَ الْخَوْفُ وَهُوَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ سَوَاءٌ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ قَوْلُهُ: (فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) مِنْ غَيْرِ الثُّلَاثِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَيُصَلِّي بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلْإِضْمَارِ، لِظُهُورِ أَنَّ فَاعِلَ يُصَلِّي الْإِمَامُ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِلطَّائِفَةِ، إلَّا أَنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ وَنَكَّرَ طَائِفَةً، وَعَبَّرَ بِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ، بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ فِيهَا قُدْرَةٌ عَلَى رَدِّ الْعَدُوِّ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ بِقِيَامَةٍ (يَثْبُتُ) أَيْ الْإِمَامُ (قَائِمًا) سَاكِتًا أَوْ قَارِئًا أَوْ دَاعِيًا بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ.
(وَ) يُشِيرُ لَهُمْ (يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ
خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُمْ وَيَنْصَرِفُونَ هَكَذَا يَفْعَلُ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً
وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ فِي الْحَضَرِ لِشِدَّةِ خَوْفٍ صَلَّى فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ
وَلِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ
وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ صَلُّوا
[الفواكه الدواني]
رَكْعَةً)
وَهِيَ بَقِيَّةُ صَلَاتِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَأْمُومِيَّةِ فَلَا يُحْمَلُ سَهْوُهُمْ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بَعْدَ تَمَامِ قِيَامِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْهُ مُبْطِلٌ قَبْلَ تَمَامِ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْطِلُ حَدَثًا غَالِبًا أَوْ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ النِّسْيَانِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ أَوْ يَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمَّ بِهِمْ الْقِيَامَ، فَإِذَا قَامَ هَذَا الْمُسْتَخْلَفُ بِالْفَتْحِ يَثْبُتُ عَلَى حَالِهِ كَالْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى تُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتَدْخُلُ مَعَهُ وَيُصَلِّي بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى، فَإِنْ أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ.
قَالَهُ سَنَدٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافًا لِقَوْلِ التَّتَّائِيِّ: أَوْ بِإِمَامٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ صَلَاتِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ (يُسَلِّمُونَ) عَلَى الْيَمِينِ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْيَسَارِ إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِ الْمُسَلِّمِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَلِّمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ قَبْلَ سَلَامِهِ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَبَعْدَ سَلَامِهِمْ يَذْهَبُونَ إلَى الْعَدُوِّ (فَيَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ) قُبَالَةَ الْعَدُوِّ (ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ) الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا (فَيُحْرِمُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) الْبَاقِيَةَ مِنْ صَلَاتِهِ.
(ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) أَيْ الْإِمَامُ (وَيُسَلِّمُ) وَلَا يَنْتَظِرُهُمْ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي انْتِظَارِهِمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا مَعَهُ، وَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا يَدُلُّ لِلْمَذْهَبَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ انْتَظَرَهُمْ حَتَّى كَمَّلُوا صَلَاتَهُمْ وَسَلَّمَ بِهِمْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ مُرَاعَاةً لِلْقَائِلِ بِالِانْتِظَارِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ سَلَامِهِ تَقُومُ أَهْلُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ (يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُمْ) لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: يَقْضُونَ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِمْ وَسَلَامِهِمْ (يَنْصَرِفُونَ) جِهَةَ الْعَدُوِّ مَعَ أَصْحَابِهِمْ.
(هَكَذَا يَفْعَلُ) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ) كُلِّهَا فِي حَالِ السَّفَرِ (إلَّا) صَلَاةَ (الْمَغْرِبِ) (فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى) مِنْهَا (رَكْعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ وَتَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ (وَ) يُصَلِّي (بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى يَقْرَءُونَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا عَلَى قَوْلَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي قِيَامِهِ بِغَيْرِهَا تَرَدُّدٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْتَظِرُهَا قَائِمًا سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا، وَعَلَى الثَّانِي يَجْلِسُ دَاعِيًا وَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ.
[صفة صَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَر]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ شَرَعَ فِي صِفَةِ صَلَاتِهَا فِي الْحَضَرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ صَلَّى) أَيْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ (بِهِمْ فِي الْحَضَرِ) صَلَاةَ قَسْمٍ (لِشِدَّةِ خَوْفٍ) مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مُحَارِبٍ أَوْ لِصٍّ كَمَا مَرَّ (صَلَّى) بِهِمْ (فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ) عِنْدَ إمْكَانِ قَسْمِهِمْ (بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) سَوَاءٌ كَانُوا طَالِبِينَ أَوْ مَطْلُوبِينَ، فَإِذَا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ يُشِيرُ إلَيْهَا لِتَقُومَ تُكْمِلُ صَلَاتَهَا أَفْذَاذًا، وَيَسْتَمِرُّ جَالِسًا سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا، وَقِيلَ قَائِمًا عَلَى قَوْلَيْنِ قَدَّمْنَاهُمَا، فَإِذَا جَاءَتْ الثَّانِيَةُ صَلَّى بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ قَامُوا لِقَضَاءِ مَا صَلَّاهُ مَعَ الْأُولَى عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُ الْجَمَاعَةَ أَيْضًا، وَتُوُقِّفَ فِي صَلَاةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ هَلْ بِإِمَامٍ أَوْ أَفْذَاذًا؟ وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي، وَتُوُقِّفَ أَيْضًا فِي عَدَدِ الطَّائِفَتَيْنِ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ وَأَنْ يَحْضُرَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْخُطْبَةَ، هَذَا مُلَخَّصُ بَحْثِ الْأُجْهُورِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ طَلَبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ دَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ أُرِيدَ فِعْلُهَا وَلَوْ فِي زَمَانِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ (أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ) بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَهُوَ طَلَبُ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: مِنْ الْأَذَانِ لِجَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الْقَسْمِ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِمْكَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ إلَخْ، وَعِنْدَ إمْكَانِ الْقَسْمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ الْإِيمَاءِ وَلَوْ عَلَى خُيُولِهِمْ حَيْثُ احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، وَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُومِي بِالْمُومِي، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الثَّانِي: مَحَلُّ جَوَازِ الْقَسْمِ إذَا لَمْ يُرْجَ انْكِشَافُ الْعَدُوِّ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِلَّا انْتَظَرُوا مَا لَمْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ.
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْقَسْمَ رُخْصَةٌ عِنْدَ التَّمَكُّنِ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بِإِمَامَيْنِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ وَإِنَّمَا فَاتَهُمْ ثَوَابُ السُّنَّةِ، وَفُهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ قِسْمَيْنِ، فَإِنْ قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ أَكْثَرَ مِنْ قِسْمَيْنِ فَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ حَتَّى الْإِمَامِ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ فَارَقَ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ مُفَارَقَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلِّ رَكْعَةٍ بَطَلَتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى
وُحْدَانًا مُشَاةً أَوْ رُكْبَانًا مَاشِينَ أَوْ سَاعِينَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا.
[الفواكه الدواني]
الْأَرْجَحِ وَصُحِّحَ خِلَافُهُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الْقَائِلُ بِبُطْلَانِ الْأُولَى وَلَوْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَتَصِحُّ لِلثَّانِيَةِ وَلَوْ فِي الثُّلَاثِيَّةِ، كَمَا تَصِحُّ الرَّابِعَةُ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَلِلثَّالِثَةِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ الرَّابِعُ: لَوْ تَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ، فَإِنْ حَصَلَ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا تَسْجُدُ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاتِهَا الْقَبْلِيِّ قَبْلَ سَلَامِهَا وَالْبَعْدِيِّ بَعْدَهُ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهَا تُخَاطَبُ بِالسُّجُودِ لِسَهْوِ الْإِمَامِ وَلَوْ سَهَا قَبْلَ دُخُولِهَا مَعَهُ، لَكِنْ تَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ وَالْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ.
[صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الصَّلَاةِ مَعَ قَسْمِ الْمَأْمُومِينَ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَسْمِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا اشْتَدَّ) أَيْ زَادَ (الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ) الْخَوْفُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُمْكِنُ مَعَهُ الْقَسْمُ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ نَدْبًا لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ وَ (صَلَّوْا وُحْدَانًا بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ) وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ حَالَ كَوْنِهِمْ (مُشَاةً أَوْ رُكْبَانًا مَاشِينَ) عَلَى الْهِينَةِ (أَوْ سَاعِينَ) هَرْوَلَةً أَوْ جَرْيًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] حَالَةَ كَوْنِهِمْ (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَّ لِلضَّرُورَةِ مَشْيٌ وَرَكْضٌ وَطَعْنٌ وَعَدَمُ تَوَجُّهٍ وَكَلَامٌ وَإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْبُطْلَانِ بِالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَلَوْ سَهْوًا، وَتُسَمَّى صَلَاةَ الْمُسَايَفَةِ لِجَوَازِ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ حَالَ فِعْلِهَا، وَفِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ مَعَ تِلْكَ الْمُنَافَيَاتِ الْحَثُّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا عَلَى أَيِّ حَالَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي، وَلَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَلَوْ كَانَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ.
(تَتِمَّةٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا انْجَلَى عَنْهُمْ الْعَدُوُّ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ افْتِتَاحِهَا صَلَاةَ مُسَايَفَةٍ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمْ يُتِمُّونَهَا صَلَاةَ أَمْنٍ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَكِنْ فُرَادَى؛ لِأَنَّهُمْ افْتَتَحُوهَا هَكَذَا، وَإِنْ افْتَتَحُوهَا صَلَاةَ قَسْمٍ فَكَيْفِيَّةُ إتْمَامِهَا: إنْ حَصَلَ الْأَمْنُ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا لِلْإِمَامِ أَنْ تَدْخُلَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْإِمَامِ وَيُتِمُّ بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ حَصَلَ مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ لَكِنْ يَصْبِرُ حَتَّى يَفْعَلَ الْإِمَامُ مَا فَعَلَهُ، هَذَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ فَعَلَ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَبْلَ حُصُولِ الْأَمْنِ فَلَا يُطَالَبُ بِرُجُوعٍ لِتَمَامِ صَلَاتِهِ، هَذَا حُكْمُ مَنْ حَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسَايَفَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا لَوْ طَرَأَ الْخَوْفُ عَلَى صَلَاةِ الْأَمْنِ فَالْحُكْمُ أَنَّهُمْ يُكْمِلُونَهَا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِمْ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ مَعَ التَّفَرُّقِ وَلَا يَقْطَعُونَهَا، وَإِذَا تَمَكَّنَ الْإِمَامُ مِنْ قَسْمِهِمْ عَلَى تَفْصِيلِ بَيَانِهِ إنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ قَبْلَ فِعْلِ شَطْرِ الصَّلَاةِ أَشَارَ إلَى طَائِفَةٍ بِالْقَطْعِ تَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ وَيُكْمِلُ شَطْرَ الصَّلَاةِ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ أَشَارَ إلَيْهَا فَتَتِمُّ صَلَاتَهَا وَتَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الَّتِي قَطَعَتْ تُصَلِّي مَعَهُ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَإِنْ فَجَأَهُمْ بَعْدَ تَمَامِ شَطْرِهَا وَعُقِدَ رُكُوعٌ مِنْ الشَّطْرِ الثَّانِي قَطَعَتْ طَائِفَةٌ وَأَتَمَّ بِالْبَاقِيَةِ فَإِذَا سَلَّمَ وَسَلَّمَتْ مَعَهُ تَذْهَبُ مَكَانَ الَّتِي قَطَعَتْ وَتُصَلِّي الَّتِي قُبَالَةَ الْعَدُوِّ فُرَادَى أَوْ بِإِمَامٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْأَمَانُ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تُعَادُ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ وَبَعْدَهَا لَا إعَادَةَ كَسَوَادٍ ظُنَّ عَدُوًّا فَظَهَرَ نَفْيُهُ.
[بَاب فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَالتَّكْبِير أَيَّام منى]
وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مُشْبِهَةً بِصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السُّنِّيَّةِ نَاسَبَ ذِكْرُهَا عَقِبَهَا فَقَالَ:
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ
يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَانَتْ الصَّلَاةُ
وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) الْكَلَامِ عَلَى (صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) حُكْمًا وَصِفَةً وَمَنْ يُخَاطَبُ بِهَا وَبَيَانُ وَقْتِهَا وَمَحِلِّهَا الَّتِي تُفْعَلُ فِيهِ (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى) وَهِيَ أَيَّامُ الرَّمْيِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَقَعُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا أَكْثَرُ،؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ فِيهَا يَقَعُ عَقِبَ جَمِيعِهَا، وَأَمَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِيهِ مِنْ الظُّهْرِ، وَإِنْ أَرَادَ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِيهَا عَقِبَ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ عَقِبَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُرْمَى فِيهِ، وَالْعِيدَانِ هُمَا الْيَوْمَانِ الْمَعْرُوفَانِ أَوَّلُ شَوَّالٍ وَعَاشِرُ الْحِجَّةِ، وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ وَهُوَ الرُّجُوعُ خُصَّ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ نَحْوَ عَرَفَةَ وَالْجُمُعَةِ يَعُودَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ وَجْهِ التَّسْمِيَةِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعَوْدِهِ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ أَصْلُهُ عَوَدَ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا كَمِيزَانٍ وَإِنَّمَا جُمِعَ بِالْيَاءِ، وَقِيلَ: أَعْيَادٌ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَالْجَمْعُ كَالتَّصْغِيرِ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ لِأَصْلِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ جَمْعِ الْعِيدِ الْمَعْرُوفِ وَعُودِ الْخَشَبِ، وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَشَارَكَهَا فِي ذَلِكَ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ وَاسْتَمَرَّ مُوَاظِبًا عَلَيْهَا إلَى أَنْ مَاتَ.
ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ) الْفِطْرُ وَالْأَضْحَى كُلُّ وَاحِدَةٍ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى سُنِّيَّتِهَا مُوَاظَبَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا، وَخَبَرُ الْأَعْرَابِيِّ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَخَبَرُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْخَمْسِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا تُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ وُجُوبًا وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْمُتَوَطِّنُ، وَتُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ، كَمَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُصَلِّينَ أَفْذَاذًا إذَا لَمْ يَخْرُجْنَ، وَإِذَا خَرَجْنَ فَفِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَلَا يَتَطَيَّبْنَ، وَالْعَجُوزُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ فَيَشْمَلُ الْخَارِجَ عَنْ الْبَلَدِ الدَّاخِلِ فِي كَفَرْسَخِ، فَلَا تُسَنّ فِي حَقِّ الْخَارِجِ عَنْ تِلْكَ الْأَمْيَالِ، وَلَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ لَا اسْتِنَانًا وَلَا نَدْبًا لِوُقُوفِهِمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَكَذَا الْمُقِيمُ بِمِنًى وَلَوْ غَيْرَ حَاجٍّ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: صَلَاةُ الْعِيدِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ حَتَّى تَقَعَ سُنَّةً، وَأَمَّا مَنْ فَاتَتْهُ فَيُنْدَبُ لَهُ فَقَطْ، وَفِي أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ جَمَاعَتُهَا فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدَةِ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَيُؤْتَى لِلْعِيدَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَلَا تُصَلَّى الْعِيدَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي اشْتِرَاطِ الْجَامِعِ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ الْعِيدِ.
الثَّانِي: كَمَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِ الْفَرِيضَةِ كَوْنُهُ غَيْرَ مُعِيدٍ لَهَا كَذَلِكَ الْعِيدُ، فَلَا يَصِحُّ لِمَنْ صَلَّاهَا فِي مَحَلٍّ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا ثُمَّ جَاءَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ أَنْ يُصَلِّيَ إمَامًا بِأَهْلِهِ عَلَى مَا يَظْهَرُ، فَإِنْ اقْتَدُوا بِهِ أُعِيدَتْ مَا لَمْ يَحْصُلْ الزَّوَالُ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ مُسَاوَاةُ صَلَاتِهِ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ زَمَنًا وَشَخْصًا وَوَصْفًا.
الثَّالِثُ: إذَا تَرَكَ أَهْلُ الْبَلَدِ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ يُقَاتَلُونَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَذَانِ تَكَرُّرُهُ دُونَهَا، وَأَيْضًا الْأَذَانُ وَاجِبٌ فِي الْأَمْصَارِ.
[زَمَن صَلَاةِ الْعِيدِ]
ثُمَّ بَيَّنَ زَمَنَ صَلَاتِهَا بِقَوْلِهِ: (يَخْرُجُ لَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً) أَيْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَوْ قَبْلَ حِلِّ النَّافِلَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ) إلَى مَحَلِّ الصَّلَاةِ (حَانَتْ) أَيْ حَلَّتْ (الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ النَّافِلَةِ بِأَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ مِنْ أَرْمَاحِ الْعَرَبِ وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا بِالْأَشْبَارِ الْمُتَوَسِّطَةِ وَهَذَا لِمَنْ قَرُبَ مَكَانُهُ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ مَكَانُهُ عَنْ مُصَلَّى الْعِيدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَفَسَّرْنَا الضَّحْوَةَ بِبَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِقَوْلِ الصِّحَاحِ: " ضَحْوَةُ النَّهَارِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعْدَ الضَّحْوَةِ الضُّحَى بِالْقَصْرِ حِينً تَشْرُقُ الشَّمْسُ، ثُمَّ بَعْدَ الضَّحَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ الْأَعْلَى.
وَلَا إقَامَةٌ
فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالشَّمْسُ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهِمَا وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاتِهَا وَهُوَ حِلُّ النَّافِلَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ آخِرُهُ وَهُوَ الزَّوَالُ.
قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَلَكِنْ يُسَنُّ عِنْدَهُ تَأْخِيرُهَا لِحَلِّ النَّافِلَةِ، فَالْمَالِكِيُّ الْمُصَلِّي خَلْفَهُ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَقَبْلَ ارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحِ مُصَلٍّ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ يَنْبَغِي لَهُ التَّقْلِيدُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْكَرَاهَةِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَالْمَنْدُوبُ مِنْهُ الْمُصَلَّى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِيقَاعُهَا بِهِ أَيْ بِالْمُصَلَّى إلَّا بِمَكَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ إيقَاعُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَلَوْ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لِإِظْهَارِ شَعِيرَةِ الْإِسْلَامِ وَزِينَتِهِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَأَمَّا فِي مَكَّةَ فَأَفْضَلُ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهَا، وَلِخَبَرِ: «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً، سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ إلَيْهِ» .
(وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ) لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْفَرَائِضِ وَيُكْرَهَانِ فِي غَيْرِهَا، كَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِعَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا، فَقَدْ قَالَ جَابِرٌ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا قِيلَ: إذَا كَانَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا وَلَمْ يُقَمْ فَمَا الْمُحْوَجُ إلَى النَّصِّ مِنْ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ ذِكْرِهِمَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَحْدَثَهُمَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَالْمُحْدِثُ لَهُمَا أَوَّلًا مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ مَا لَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِعْلَامُ بِالدُّخُولِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي الْأَمْصَارِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا فُعِلَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ إلَخْ قَوْلَهُ: (فَيُصَلِّي) أَيْ الْإِمَامُ (بِالنَّاسِ) بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ الْمُصَلَّى أَوْ الْمَسْجِدَ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ (رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ خُطْبَةٍ لِلْوَعْظِ لَا لِلتَّعْلِيمِ كَخُطْبَةِ عَرَفَةَ (بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) فِي الْأُولَى (وَ) يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ (الشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوَهَا) مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَقِرَاءَتُهَا بِكَسَبِّحْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا.
(وَ) صِفَةُ افْتِتَاحِهَا أَنْ (يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا) وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ (قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَ) إذَا شَرَعَ (فِي) قِيَامِ الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) يُكَبِّرُ (خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَافْتَتَحَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ بِالْإِحْرَامِ ثُمَّ بِخَمْسٍ غَيْرِ الْقِيَامِ مُوَالِي إلَّا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ بِلَا قَوْلٍ وَتَحَرَّاهُ مُؤْتَمٌّ لَمْ يَسْمَعْ، فَالتَّكْبِيرُ الزَّائِدُ عَلَى تَكْبِيرِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْعِيدِ إحْدَى عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً فَتَصِيرُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالْأَصْحَابِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ كَثِيرَةٍ: «أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا» وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ نَافِعٍ: «شَهِدْت الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الْأَخِيرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» فَالزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ وَالنَّقْصُ عَنْهَا وَتَأْخِيرُهَا عَنْ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْمُخَالِفُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ سِوَى الْإِحْرَامِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْ مَالِكٍ اسْتِحْبَابُهُ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ التَّكْبِيرِ وَبَيَّنَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ بِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَسْجُدُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَلَوْ عَمْدًا حَيْثُ أَتَى بِهَا الْإِمَامُ أَوْ سَجَدَ لِتَرْكِهَا سَهْوًا وَتَبِعَهُ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ لِيَكُونَ مَذْهَبُهُ لَا يَرَى السُّجُودَ لِتَرْكِهَا كَالشَّافِعِيِّ، وَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقَبْلِيَّ يَسْجُدُهُ الْمَأْمُومُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ، كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ بَعْضُ شُيُوخِنَا حِينَ نَسِيَ إمَامُ الْأَزْهَرِ تَكْبِيرَةَ الْعِيدِ وَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ لِكَوْنِهِ شَافِعِيًّا وَتَرَكَهُ الْمَالِكِيُّ الْمُصَلِّي خَلْفَهُ، وَالْفَتْوَى ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَأْمُومِ بِالسُّجُودِ فَرْعُ طَلَبِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا حُكْمَ تَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَدِّمُ التَّكْبِيرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُوَالِيًا إلَّا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ الْمَأْمُومِ فَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يُكَبِّرَ الْمَأْمُومُ.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَقَدَّمَ الْقِرَاءَةَ عَلَى التَّكْبِيرِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ اسْتِنَانًا حَيْثُ لَمْ يَرْكَعْ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِهِ فِي السَّهْوِ، وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ عَمْدًا فِي الْإِمَامِ وَالْفَذِّ إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا قَالَهُ خَلِيلٌ، وَكَبَّرَ نَاسِيه إنْ لَمْ يَرْكَعْ وَسَجَدَ بَعْدَهُ وَإِلَّا تَمَادَى وَسَجَدَ غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ قَبْلَهُ، فَلَوْ رَجَعَ إلَى إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الِانْحِنَاءِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ رَجَعَ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ لِلْجُلُوسِ، وَكَذَا تَبْطُلُ عَلَى الظَّاهِرِ بِعَدَمِ إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ وَجَدَهُ
وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَانِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ
ثُمَّ يَرْقَى الْمِنْبَرَ وَيَخْطُبُ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَوَسَطِهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى مِنْهَا وَالنَّاسُ كَذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ فِي الْأَضْحَى خَرَجَ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى فَذَبَحَهَا أَوْ نَحَرَهَا لِيَعْلَمَ ذَلِكَ النَّاسُ فَيَذْبَحُونَ بَعْدَهُ
وَلْيَذْكُرْ اللَّهَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى
[الفواكه الدواني]
فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ يُكَبِّرُ سَبْعًا إنْ وَجَدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَخَمْسًا غَيْرَ الْإِحْرَامِ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَقُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ يَقْضِي الْأُولَى بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ بِالْقِيَامِ، وَلَا يُقَال: مُدْرِكُ رَكْعَةٍ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: خُولِفَتْ الْقَاعِدَةُ هُنَا لِتَحْصِيلِ عِدَّةِ تَكْبِيرِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي رَكْعَتَيْ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا إنَّمَا كَانَ لِمُوَافَقَةِ الْإِمَامِ، وَإِنْ وَجَدَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ.
قَالَ الْحَطَّابُ: لَا نَصَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا؛ لِأَنَّ نَقْصَ التَّكْبِيرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْتَضِي السُّجُودَ بِخِلَافِ زِيَادَتِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَيَجْلِسُ، وَبَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ يَقُومُ يَقْضِي الْأُولَى بِسِتٍّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ أَوْ لَا يُكَبِّرُ اسْتِغْنَاءً عَنْ تَكْبِيرِهِ؟ الْمَطْلُوبُ مِمَّنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ بِتَكْبِيرِ الْعِيدِ تَأْوِيلَانِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَ) يَسْجُدُ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ) وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَالْأَحْسَنُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ وَرَكْعَةً وَاحِدَةً " عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّكْعَةِ الرُّكُوعُ، وَيَكُونُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهَا بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ إتْمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ يَسْجُدُ فِي الْأَخِيرَةِ (يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) كَتَسْلِيمِ الْفَرِيضَةِ
[خُطْبَةَ الْعِيدِ]
(ثُمَّ) بَعْدَ السَّلَامِ (يَرْقَى الْمِنْبَرَ) أَيْ يَصْعَدُ عَلَيْهِ (وَيَخْطُبُ) نَدْبًا خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ فِي كَوْنِهِمَا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَجَهْرًا، لَكِنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَخُطْبَةَ الْجُمُعَةِ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ بَيَانِ مَنْ يُطْلَبُ بِإِخْرَاجِهَا وَالْقَدْرُ الْمُخْرَجُ وَالْمُخْرَجُ مِنْهُ وَزَمَنُ إخْرَاجِهَا، وَفِي عِيدِ النَّحْرِ عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّحِيَّةِ وَمَنْ يُؤْمَرُ بِهَا وَمَا تَكُونُ مِنْهُ وَالسِّنُّ الْمُجْزِي مِنْهَا وَزَمَنُ تَذْكِيَتِهَا.
(تَنْبِيهٌ) رَقِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ بِمَعْنَى صَعِدَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ، بِخِلَافِ رَقَى مِنْ الرُّقْيَةِ فَبِالْعَكْسِ (وَيَجْلِسُ) نَدْبًا (فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِتَأْخُذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ (وَ) كَذَا نُدِبَ أَنْ يَجْلِسَ فِي (وَسَطِهَا) اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلِلْفَصْلِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَلِلِاسْتِرَاحَةِ مِنْ تَعَبِ الْقِيَامِ، وَيَكُونُ قَدْرُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَخُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ وَسَمَاعِهَا وَاسْتِقْبَالِهِ وَبَعْدِيَّتِهِمَا وَأُعِيدَتَا إنْ قُدِّمَتَا وَاسْتِفْتَاحٌ بِتَكْبِيرٍ وَتَخَلُّلُهُمَا بِهِ بِلَا حَدٍّ، وَإِذَا أَحْدَثَ فِي الْخُطْبَةِ تَمَادَى؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ كَخُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْخُطْبَةِ وَلَوْ خُطْبَةَ جُمُعَةٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ (يَنْصَرِفُ) مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا إذَا فَعَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ لِمُصَلِّي الْعِيدِ تَنَفُّلٌ بِمُصَلَّى قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا لَا بِمَسْجِدٍ فِيهِمَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» وَأَمَّا إنْ أَوْقَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ لِإِمَامٍ وَلَا مَأْمُومٍ تَنَفُّلٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ إذَا انْصَرَفَ (أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى) إلَى الصَّلَاةِ (مِنْهَا وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) فِي نَدْبِ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الْأُولَى خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْإِمَامِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ غَيْرِهِ» وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، وَقِيلَ لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ.
(وَإِنْ كَانَ) خُرُوجُ الْإِمَامِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ (فِي الْأَضْحَى خَرَجَ) نَدْبًا (بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى) إنْ كَانَ بَلَدُهُ كَبِيرًا وَكَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ (فَذَبَحَهَا أَوْ نَحَرَهَا لِيُعْلِمَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ ذَبْحٍ وَنَحْرٍ (النَّاسَ) فَإِذَا عَلِمُوا (فَيَذْبَحُونَ) أَوْ يَنْحَرُونَ (بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُمْ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ غَيْرُ مُجْزٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّي أَقْرَبَ إمَامٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَكَذَا مُصَاحِبُهُ فَلَوْ نَصَّ عَلَى الْمُصَاحِبِ لَفُهِمَ حُكْمُ السَّابِقِ بِالْأَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى فَلْيَتَحَرَّ النَّاسُ ذَكَاتَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى مَنْزِلِهِ وَيَذْبَحُونَ وَيُجْزِيهِمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فِي تَحَرِّيهمْ بِأَنْ تَبَيَّنَ ذَبْحُهُمْ قَبْلَ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ تَوَانَى بِلَا عُذْرٍ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بَيْتِهِ مَنَعَهُ مِنْ الذَّبْحِ سُرْعَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ انْتِظَارُهُ لِقُرْبِ الزَّوَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ إجْزَاءِ الضَّحِيَّةِ إذَا تَبَيَّنَ الْخَطَأُ بَعْدَ التَّحَرِّي وَعَدَمُ إجْزَاءِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْخَطَأِ بَعْدَ التَّحَرِّي لِطُلُوعِ الْفَجْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ، وَلَا تُجْزِي إنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إحْرَامِهَا عَلَى الْفَجْرِ، وَإِنْ يَنْحَرُ.
مَشَقَّةُ إعَادَةِ الضَّحِيَّةِ دُونَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ كَانَ فِي الْأَضْحَى خَرَجَ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَخْ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَإِيقَاعُهَا بِهِ إلَّا بِمَكَّةَ أَنْ يُسْتَحَبَّ إيقَاعُ صَلَاةِ الْعِيدِ مُطْلَقًا فِي " الْمُصَلَّى وَلَوْ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى الصَّحْرَاءُ وَالْفَضَاءُ، وَصَلَاتُهَا بِالْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ بِدْعَةٌ
جَهْرًا حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى الْإِمَامُ وَالنَّاسُ كَذَلِكَ فَإِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ قَطَعُوا ذَلِكَ
وَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ وَيُنْصِتُونَ لَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ
فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَلْيُكَبِّرْ النَّاسُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ مِنًى يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ يَقْطَعُ
[الفواكه الدواني]
لَمْ يَفْعَلْهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَأَمَّا فِي مَكَّةَ فَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهَا لِخَبَرِ: «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً» الْحَدِيثَ، وَقَيَّدْنَا نَدْبَ خُرُوجِ الضَّحِيَّةِ إلَى الْمُصَلَّى بِالْبَلَدِ الْكَبِيرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ، فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إخْرَاجُ أُضْحِيَّتِهِ لِعِلْمِهِمْ غَالِبًا بِذَبْحِهِ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ أُضْحِيَّتَهُ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمَامِ فِي، كَلَامِهِ إمَامُ الصَّلَاةِ لَا الْإِمَامُ الْأَكْبَرُ فَيَكُونُ مُقْتَصَرًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَرْجَحِيَّتِهِ عِنْدَهُ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ إذَا تَعَدَّدَ إمَامُ الصَّلَاةِ فِي الْمِصْرِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمَامُ حَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ ذَبْحَهُ وَيُؤْمَرُ بِاتِّبَاعِهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَيَذْبَحُونَ وَتَجْزِيهِمْ وَلَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ قَالَ خَلِيلٌ وَأَعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّي أَقْرَبَ إمَامٍ كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا وَتَوَانَى بِلَا عُذْرٍ قَدَّرَهُ وَبِهِ انْتَظَرَ لِلزَّوَالِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ جَعْلِنَا قَوْلَهُ: فَيَذْبَحُونَ جَوَابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ غَيْرِ جَازِمٍ الْجَوَابَ عَنْ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَائِلًا: الصَّوَابُ إسْقَاطُ نُونِ يَذْبَحُونَ لِعَطْفِهِ عَلَى يَعْلَمُ الْمَنْصُوبَ بِأَنَّ الْمُضْمَرَةِ بَعْدَ لَامِ التَّعْلِيلِ.
[صِفَةِ خُرُوجِ الْإِمَامِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ خُرُوجِ الْإِمَامِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَذْكُرْ) الْإِمَامُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (اللَّهَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ) الْمُرَادُ مَحَلُّهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ لِلصَّلَاةِ (فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي عَدَمِ التَّكْبِيرِ فِي حَالِ خُرُوجِهِ لِصَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] وَالْعِدَّةُ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إلَى الْمُصَلَّى» وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَصِفَةُ هَذَا الذِّكْرِ كَصِفَتِهِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ بِالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ (جَهْرًا) بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ» وَحِكْمَةُ الْجَهْرِ بِهِ إيقَاظُ الْغَافِلِ وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَيَسْتَمِرُّ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ (حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى) أَيْ مَكَانَ الصَّلَاةِ (الْإِمَامُ وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْإِمَامِ فِي طَلَبِ الذِّكْرِ حَالَ الْخُرُوجِ، وَيُكَبِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْمُصَلَّى، وَلَا يُكَبِّرُونَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: افْتَرَقَ النَّاسُ بِالْقَيْرَوَانِ فِرْقَتَيْنِ بِمَحْضَرِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا فَرَغَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَسَكَتَتْ أَجَابَتْ الْأُخْرَى، فَسُئِلَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: إنَّهُ لَحَسَنٌ، ثُمَّ قَالَ: قُلْت وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ بِأَفْرِيقِيَّةِ بِمَحْضَرِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ اهـ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى اسْتِحْسَانِهِمَا فِعْلَهُ جَمَاعَةٌ كَوْنُ ذَلِكَ بِدْعَةً؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ حَسَنَةً.
(فَإِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَطَعُوا ذَلِكَ) التَّكْبِيرَ وَقِيلَ يَقْطَعُونَ بِمُجَرَّدِ مَجِيئِهِ إلَى الْمُصَلَّى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَهَرَ بِهِ وَهَلْ لِمَجِيءِ الْإِمَامِ أَوْ لِقِيَامِهِ لِلصَّلَاةِ تَأْوِيلَانِ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلْيَذْكُرْ اللَّهَ فِي خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يَدْخُلُ زَمَنُ التَّكْبِيرِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَعَلَيْهِ فِعْلُ أَهْلِ الْأَرْيَافِ فَإِنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْمَنَارِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا قَصَدُوا بِفِعْلِهِ الْإِعْلَامَ بِثُبُوتِ الْعِيدِ.
الثَّانِي: قَدْ صَرَّحَ فِيمَا تَقَدَّمَ زَمَنَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ ضَحْوَةٌ، وَالْمُرَادُ الْخُرُوجُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي إذَا خَرَجَ فِيهِ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَلَوْ قَبْلَ الشَّمْسِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَخُرُوجٌ بَعْدَ الشَّمْسِ وَتَكْبِيرٌ فِيهِ حِينَئِذٍ لَا قَبْلَهُ وَصَحَّ خِلَافُهُ
(وَيُكَبِّرُونَ) أَيْ النَّاسُ (بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي) خِلَالِ (خُطْبَتِهِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الْإِمَامِ يُكَبِّرُ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَتُكَبِّرُ النَّاسُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
(وَيُنْصِتُونَ) أَيْ يَسْتَمِعُونَ (لَهُ) اسْتِحْبَابًا (فِيمَا) أَيْ لَهُ فِي زَمَنٍ (سِوَى ذَلِكَ) وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِمَاعُ خُطْبَتَيْ الْعِيدِ إلَّا فِي حَالِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ أَوْ صَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ، أَوْ تَعَوُّذٍ مِنْ النَّارِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهَا، أَوْ تَأْمِينِهِ عِنْدَ دُعَائِهِ كَمَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ إثْرَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ دَخَلَتْ (أَيَّامُ النَّحْرِ فَلْيُكَبِّرْ) جَمِيعُ (النَّاسِ) الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ حَتَّى النِّسَاءُ وَالْفَذُّ وَالْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَاتِ الْوَقْتِيَّاتِ الَّتِي عِدَّتُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً أَوَّلُهَا (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ) لَا ظُهْرَ عَرَفَةَ وَانْتِهَاؤُهَا (إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّحْرِ (وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ مِنًى) وَالْغَايَةُ دَاخِلَةٌ فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُهُ صُبْحَ الرَّابِعِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِإِلَى خِلَافُ الْمُرَادِ قَالَ: (يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ يَقْطَعُ) .
وَالتَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَإِنْ جَمَعَ مَعَ التَّكْبِيرِ تَهْلِيلًا وَتَحْمِيدًا فَحَسَنٌ يَقُولُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا وَالْأَوَّلُ وَالْكُلُّ وَاسِعٌ وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ مِنًى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ
وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ
وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا الطِّيبُ وَالْحَسَنُ مِنْ الثِّيَابِ.
.
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ دُبُرَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ التَّسْبِيحِ وَقِيلَ قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَتَكْبِيرَةٌ إثْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَسُجُودُهَا الْبَعْدِيُّ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَا نَافِلَةَ وَلَا مَقْضِيَّةَ فِيهَا مُطْلَقًا.
الثَّانِي: إذَا سَلَّمَ الْمُصَلِّي مِنْ الْفَرِيضَةِ وَنَسِيَ التَّكْبِيرَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَعَ الْقُرْبِ، وَأُخْرَى لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَبَّرَ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَالْقُرْبُ هُنَا كَالْقُرْبِ فِي الْبِنَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ.
الثَّالِثُ: إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُنَبِّهُهُ وَلَوْ بِالْكَلَامِ، فَلَوْ لَمْ يُنَبِّهْهُ أَوْ لَمْ يَتَنَبَّهْ كَبَّرَ وَلَا يَتْرُكُهُ.
(وَ) عِدَّةُ (التَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) أَنْ يَقُولَ الْمُكَبِّرُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثًا بِالْإِعْرَابِ إلَّا أَنْ يَقِفَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ وَالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَفْظُهُ وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَإِنْ لَمْ يَزِدْ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَنَحْوَهَا مِمَّا يَذْكُرُونَهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ جَمَعَ مَعَ التَّكْبِيرِ تَهْلِيلًا) بِأَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَتَحْمِيدًا) بِأَنْ قَالَ: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (فَحَسَنٌ) أَيْ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَبَيَّنَ صِفَةَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ) أَيْ إنْ أَرَادَ الْجَمْعَ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مَرَّةً وَاحِدَةً (وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) وَإِلَى هَذَا أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ قَالَ بَعْدَ تَكْبِيرَتَيْنِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَكْبِيرَتَيْنِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَحَسَنٌ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى الْجَمْعِ (وَالْأَوَّلُ) أَيْضًا فَكُلٌّ مِنْ الْجَمْعِ وَعَدَمِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بَلَاغُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ، وَالثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ قَالَ: (وَالْكُلُّ وَاسِعٌ) وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَا حَرَجَ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ نَدْبًا فِي خُرُوجِهِ لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] نَاسَبَ بَيَانَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَةِ وَالْمَعْدُودَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ) فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهَا (أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ) الْأَوَّلُ وَتَالِيَاهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِلذَّبْحِ.
(وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ هِيَ (أَيَّامُ مِنًى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) أَيْضًا (بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ) ثَانِي النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ، وَسُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ؛ لِأَنَّ الْجِمَارَ تُعَدُّ فِيهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مَعْلُومٌ لِلنَّحْرِ غَيْرُ مَعْدُودٍ لِلرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرْمَى فِيهِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ مَعْدُودٌ لِلرَّمْيِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلنَّحْرِ لِفَوَاتِ زَمَنِ التَّضْحِيَةِ بِغُرُوبِ الثَّالِثِ كَمَا يَأْتِي، وَالْيَوْمَانِ الْمُتَوَسِّطَانِ مَعْلُومَانِ وَمَعْدُودَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لِلنَّحْرِ وَالرَّمْيِ.
[غُسْلَ الْعِيدِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ آدَابٍ تُطْلَبُ مِنْ الشَّخْصِ يَوْمَ الْعِيدِ فَقَالَ: (وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ حَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَيْسَ بِلَازِمٍ) وَصِفَةٌ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِهِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُطْلَبُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا وَلَا مُرِيدًا لِلصَّلَاةِ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ: يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ وَمَنْ لَا يُؤْمَرُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِأَوَّلِ السُّدُسِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ وَغُسْلٌ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَمَنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ السُّدُسِ الْأَخِيرِ لَمْ يُجِزْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ يُخَالِفُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ لِلْيَوْمِ فَإِنَّهُ لِلصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ.
وَثَالِثُهَا: لَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْعِيدِ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا) أَيْ فِي يَوْمَيْ الْعِيدِ اسْتِعْمَالُ (الطِّيبِ) وَلَوْ لَمْ يُرِدْ الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ (وَ) يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أَيْضًا لِبْسُ (الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْعِيدِ الْجَدِيدُ وَلَوْ أَسْوَدَ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ إنْ أَرَدْنَ الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ لَا يَقْرَبْنَ طِيبًا وَلَا زِينَةً وَإِنْ كُنَّ عَجَائِزَ، وَأَمَّا فِي مَنْزِلِهِنَّ فَلَا حَرَجَ، وَيَنْبَغِي فِي زَمَانِنَا أَوْ يَتَعَيَّنُ أَوْ يَلْحَقُ بِالنِّسَاءِ مَنْ تَتَشَوَّقُ النُّفُوسُ إلَى رُؤْيَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ، فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّغِيرِ الْجَمِيلِ وَسَيِّدِ الْمَمْلُوكِ أَنْ يُجَنِّبَهُ اللِّبَاسَ الْحَسَنَ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْعِيدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ مُعَاذٍ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا غَدَوْنَا إلَى الْمُصَلَّى أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ النِّعْمَةِ وَالْفَرَحِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
وَالسُّرُورِ» فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ يَوْمَ الْعِيدِ تَقَشُّفًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ.
1 -
(وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (الْأَكْلُ قَبْلَ الْغُدُوِّ) أَيْ الذَّهَابِ إلَى الْمُصَلَّى (يَوْمَ) عِيدِ (الْفِطْرِ) وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَلَى تَمَرَاتٍ وِتْرًا إنْ أَمْكَنَ لِيُقَارِنَ أَكْلُهُ إخْرَاجَ زَكَاةِ فِطْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَائِمًا، وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَالْأَفْضَلُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ لِيُفْطِرَ عَلَى كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفَطَرَ قَبْلَهُ فِي الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى جَمِيعِ الْمَنْدُوبَاتِ بِقَوْلِهِ: وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ وَغُسْلٌ بَعْدَ الصُّبْحِ وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ وَمَشْيٌ فِي ذَهَابِهِ وَفِطْرٌ قَبْلَهُ فِي الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» وَفِي حَدِيثٍ: «مَنْ أَحْيَا اللَّيَالِي الْأَرْبَعَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» وَهِيَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةُ عَرَفَةَ وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ وَلَيْلَةُ النَّحْرِ، وَمَعْنَى لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ لَمْ يَتَحَيَّرْ عِنْدَ النَّزْعِ وَلَا عَلَى الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ لَمْ يَمُتْ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَالْإِحْيَاءُ يَحْصُلُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَلَوْ فِي مُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْ الْإِحْيَاءِ هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ لِمُجَرَّدِ ابْتِغَاءِ الثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ أَوْ وَلَوْ خَالَطَهُ قَصْدُ الدُّنْيَا كَقِرَاءَةِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَنْسَبُ بِمَقَامِ الْكَرِيمِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ثَوَابُ الْأَوَّلِ أَعْظَمَ كَمَا قَالُوهُ فِي الْمُجَاهِدِ وَغَيْرِهِ.
1 -
(خَاتِمَةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ مِنْهَا: مَا سُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك، يُرِيدُ الصَّوْمَ وَفِعْلَ الْخَيْرِ الصَّادِرِ فِي رَمَضَانَ، غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَك فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ وَلَا أُنْكِرُهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَعْنَاهُ لَا يَعْرِفُهُ سُنَّةً وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَى مَنْ يَقُولُهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ الشَّبِيبِيُّ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ الْفِتَنِ وَالْمُقَاطَعَةِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي الْقِيَامِ لِمَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّاسِ لِبَعْضِهِمْ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ: عِيدٌ مُبَارَكٌ، وَأَحْيَاكُمْ اللَّهُ لِأَمْثَالِهِ، وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ كُلِّ ذَلِكَ، بَلْ وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لَمَا بَعُدَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِإِظْهَارِ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ لِبَعْضِهِمْ،
وَمِنْهَا: مَا سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ بِأَطْعِمَتِهِمْ عِنْدَ كَبِيرِهِمْ وَيَفْعَلُونَهُ كَثِيرًا فِي الْأَرْيَافِ عِنْدَ الْفِطْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَوْمَ الْعِيدِ فَقَالَ: مَكْرُوهٌ وَعَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ غَالِبًا مِنْ الْغِيبَةِ وَبِالرِّيَاءِ لِإِمْكَانِ أَكْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ طَعَامِ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْجَزْمُ بِهِ جَوَازُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ الْمَطْلُوبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا دَعْوَى الرِّيَاءِ فَلَا تَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَحَدٌ الْمُبَايَعَةَ وَالْمُعَارَضَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ الْجُزُولِيِّ: وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، وَأَمَّا الْغِيبَةُ فَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَلَا مَظْنُونَةٍ وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ مِنْهَا.
[بَاب فِي صَلَاة الْخُسُوف]
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُشْبِهُ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ:
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ
إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْمَسْجِدِ فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً سِرًّا بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) صِفَةِ وَحُكْمِ (صَلَاةِ الْخُسُوفِ) لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَيُقَالُ الْكُسُوفُ بَدَلُ الْخُسُوفِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَبَايِنَانِ، فَعَلَى التَّرَادُفِ مَعْنَاهُمَا ذَهَابُ الضَّوْءِ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَعَلَى التَّبَايُنِ قِيلَ وَهُوَ الْأَجْوَدُ الْكُسُوفُ التَّغَيُّرُ وَالْخُسُوفُ الذَّهَابُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْئِهِمَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ الذَّاهِبُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْحَاذِقُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَلَا يَصِلُ لَهُ لَتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ.
وَسَبَبُ خُسُوفِ الشَّمْسِ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ: مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ أَنْ يُخَوِّفَ عِبَادَهُ وَيُظْهِرَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ عَظَمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ فَتَقَعُ الشَّمْسُ فِي الْبَحْرِ الْمَكْفُوفِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَقَطَتْ كُلُّهَا غَابَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا غَابَ ذَلِكَ الْبَعْضُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَائِبَ مِنْ الضَّوْءِ بِقَدْرِ السَّاقِطِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْخُسُوفُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ وَلِذَلِكَ أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ ذَلِكَ رَجَاءً لِظُهُورِ الضَّوْءِ، وَبَدَأَ بِبَيَانِ حُكْمِ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ) لِلشَّمْسِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ يُخَاطَبُ بِهَا كُلُّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ نَدْبًا، فَتُخَاطَبُ بِهَا النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ وَالْمُسَافِرُ وَالْحَاضِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَتُصَلِّيهَا الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ شَرْطٍ فِيهَا بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ وَإِنْ لِعَمُودِيٍّ وَمُسَافِرٍ لَمْ يَجِدَّ سَيْرَهُ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ سِرًّا بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ، دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةَ خُسُوفِ الشَّمْسِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ دُونَ عِبَادَتِهِمَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا دُونَ صِفَتِهَا، وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: مَنْ جَحَدَهَا فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ اهـ، وَأَقُولُ: لِي فِي قَوْلِهِ مَنْ جَحَدَهَا يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ بَحْثٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ جَاحِدَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا يُقْتَلُ إلَّا إذَا عَرَفَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ.
قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ:
وَمَنْ لِمَعْلُومٍ ضَرُورَةٍ جَحَدْ ... مِنْ دِينِنَا يُقْتَلْ كُفْرًا لَيْسَ حَدْ
وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَعْرِفْهَا إلَّا الْعَالِمُ، فَلَعَلَّ كَلَامَ الْأَقْفَهْسِيِّ مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ،
[صفة صَلَاة الْكُسُوف وَالْخُسُوف]
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ) بِمَعْنَى ذَهَبَ ضَوْءُهَا وَلَوْ الْبَعْضُ إلَّا مَا قَلَّ جِدًّا كَمَا قَدَّمْنَا (خَرَجَ الْإِمَامُ) نَدْبًا (إلَى الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ خَرَجَ لِصَلَاتِهَا فِي الْمُصَلَّى بِمَعْنَى الصَّحْرَاءِ، بِخِلَافِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَالْمُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا فِي الصَّحْرَاءِ لِكَثْرَةِ الْحَاضِرِينَ لِفِعْلِهَا، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخُسُوفِ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ، فَلَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ مَكْسُوفَةً انْتَظَرَ بِفِعْلِهَا حِلَّ النَّافِلَةِ، وَلَوْ كَسَفَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّ لَهَا، كَمَا لَا يُصَلِّي الْعِيدَ وَالِاسْتِسْقَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْفَرَائِضِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ فَهُوَ لِلسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ.
(فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ) ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَنْوِي الْإِمَامُ وَالنَّاسُ سُنَّةَ الْكُسُوفِ، وَلَا حَدَّ فِي جَمَاعَةِ الْكُسُوفِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيَفْتَتِحُهَا الْإِمَامُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ حِلِّ النَّافِلَةِ (بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ، لَكِنْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
حَمِدَهُ ثُمَّ يَقْرَأُ دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ دُونَ قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ ثُمَّ يَرْفَعُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَقْرَأُ دُونَ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ يَرْفَعُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَسْجُدُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَلِمَنْ شَاءَ " أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ
وَلَيْسَ فِي صَلَاتِهِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ وَلِيُصَلِّ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْذَاذًا وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا كَسَائِرِ رُكُوعِ
[الفواكه الدواني]
نَادَى فِيهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَيُكَبِّرُ فِي افْتِتَاحِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً سِرًّا) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةٌ، هَكَذَا فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ تَتَضَرَّرْ النَّاسُ بِتَطْوِيلِهَا، وَإِلَّا تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَصَلَّاهَا بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ لَكِنْ غَيْرَ تَطْوِيلٍ، وَفَسَّرَ الْقِرَاءَةَ الطَّوِيلَةَ بِقَوْلِهِ (بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى زِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّدْبَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُّورَةِ، بَلْ الْمُرَادُ هِيَ أَوْ قَدْرُهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا يَقُومُ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الْقِرَاءَةِ (يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الطُّولِ لَا أَنَّهُ يُسَاوِيه وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ رُكُوعِهِ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ) حَالَةَ كَوْنِهِ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَتَقُولُ النَّاسُ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ يَسْتَمِرُّ قَائِمًا الْقِيَامَ الثَّانِي (يَقْرَأُ) فِيهِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قِرَاءَةً طَوِيلَةً لَكِنَّهَا (دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى) فِي الطُّولِ بِأَنْ يَقْرَأَ آلَ عِمْرَانَ أَوْ نَحْوَهَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ قِرَاءَةِ نَحْوِ آلِ عِمْرَانَ (يَرْكَعُ) الرُّكُوعَ الثَّانِي (نَحْوَ) أَيْ يُقَارِبُ (قِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ) فِي الْقِيَامِ الثَّانِي (ثُمَّ) بَعْدَ الرُّكُوعِ الثَّانِي (يَرْفَعُ رَأْسَهُ) حَالَةَ كَوْنِهِ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَالْمَأْمُومُ خَلْفَهُ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَلَا تَطْوِيلَ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي (يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ) يُطَوِّلُ فِيهِمَا تَطْوِيلًا قَرِيبًا مِنْ الرُّكُوعِ الْكَائِنِ قَبْلَهُمَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ، أَيْ يَفْعَلُ كُلَّ رُكُوعٍ كَالْقِرَاءَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي الطُّولِ وَلَا يُسَاوِيه، وَيَسْجُدُ كُلَّ سُجُودٍ قَرِيبًا مِنْ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّطْوِيلَ فِي السَّجْدَتَيْنِ مُسْتَوٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ أَقْصَرُ مِنْ الْأُولَى، كَمَا أَنَّ الرُّكُوعَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَنِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي قَبْلَهُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ (يَقُومُ) لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَيَقْرَأُ) بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ قِرَاءَةً (دُونَ) أَيْ أَقْصَرُ زَمَنًا مِنْ زَمَنِ (قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ) أَيْ زَمَنَ قِرَاءَتِهِ الْكَائِنِ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِ بِنَحْوِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَوْلَهُمْ يَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةَ النِّسَاءِ مَعَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنْ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقِرَاءَةُ النِّسَاءِ تُنَافِي ذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَقْرُوءِ طُولُ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ لِإِمْكَانِ الْإِسْرَاعِ مَعَ التَّرْتِيبِ حَتَّى يَصِيرَ زَمَنُ قِرَاءَةِ النِّسَاءِ أَقْصَرَ مِنْ زَمَنِ قِرَاءَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الْقِيَامِ الثَّالِثِ (يَرْكَعُ نَحْوَ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ (قِرَاءَتِهِ) فِي الْقِيَامِ الَّذِي قَبْلَهُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ كَمَا ذَكَرْنَا) فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِ مَا قَبْلَ هَذِهِ الرَّكْعَةِ مِنْ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَوْلُ الْمَأْمُومِ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ ذَلِكَ الرُّكُوعِ (دُونَ) أَيْ أَقْصَرَ مِنْ (قِرَاءَتِهِ هَذِهِ) الَّتِي فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ بِأَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقِيَامِ الرَّابِعِ (يَرْكَعُ نَحْوَ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ (ذَلِكَ) أَيْ مِنْ زَمَنِ الْقِيَامِ الرَّابِعِ (ثُمَّ يَرْفَعُ) رَأْسَهُ (كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ إنْ كَانَ إمَامًا، وَالْمَأْمُومُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ (يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ كَوْنِهِمَا تَامَّتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ كُلُّ سَجْدَةٍ قَرِيبَةٌ مِمَّا قَبْلَهَا فِي الطُّولِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ أَيْ الثَّانِي، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي الطُّولِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) وَحَصَلَتْ السُّنَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِالرُّكُوعِ وَلَا تُكَرَّرُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ الْمَنْعُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ فَلَا مُخَالَفَةَ إلَّا إذَا انْجَلَتْ ثُمَّ كَسَفَتْ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ صَلَاتِهَا وَقَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهَا تُكَرَّرُ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَأَمَّا لَوْ كَسَفَتْ فِي أَيَّامٍ لَطُلِبَتْ صَلَاتُهَا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَوَقْتُهَا كَالْعِيدِ وَلَا تُكَرَّرُ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: مَعْنَاهُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ عِنْدَ اتِّحَادِ السَّبَبِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ شَرْطِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا رَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ) صَلَاةَ الْكُسُوفِ (فِي بَيْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) الْوَصْفُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ زِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ مَعَ الطُّولِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَلْيَفْعَلْ) وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلسُّنَّةِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا بَلْ مَنْدُوبَةً فَيُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ فِعْلُهَا وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ ثَوَابَ فِعْلِهَا فِي الْجَمَاعَةِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ شَرْطُ وُقُوعِهَا سُنَّةً فِعْلُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَمَنْ فَاتَتْهُ مَعَ جَمَاعَتِهَا فِي الْبَلَدِ
النَّوَافِلِ
وَلَيْسَ فِي أَثَرِ صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ خُطْبَةٌ مُرَتَّبَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ وَيُذَكِّرَهُمْ.
.
[الفواكه الدواني]
نُدِبَتْ لَهُ فَقَطْ، وَإِنْ فَعَلَهَا مَعَ جَمَاعَةٍ لَمْ تَقَعْ لَهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِالْجَمَاعَةِ الْأُولَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ إلَّا إذَا كَانَتْ مِصْرًا.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَلَا السُّجُودِ وَلَا حُكْمُ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَلَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، وَمُلَخَّصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ فِي تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَوْلَيْنِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا النَّدْبُ وَمُقَابِلُهُ السُّنِّيَّةُ، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا سُجُودَ فِي تَرْكِهِ سَهْوًا وَلَا بُطْلَانَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا وَلَوْ مِنْ الثَّلَاثِ، بِأَنْ قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بِسَبِّحْ، وَفِي الثَّانِي بِهَلْ أَتَاك، وَفِي الثَّالِثِ بِأَلَمْ نَشْرَحْ.
وَفِي الرَّابِعِ بِإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ، وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ السُّجُودُ فِي السَّهْوِ وَالْبُطْلَانُ فِي الْعَمْدِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فَحُكْمُهُ السُّنِّيَّةُ، وَكَذَا الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ الزَّائِدَيْنِ، فَمَنْ صَلَّاهَا بِقِيَامٍ وَاحِدٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا أَجْرَى الْخِلَافَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَهَلْ يَتَعَمَّدُ تَرْكَ سُنَّةٍ أَوْ لَا؟ وَلَا سُجُودَ خِلَافٌ، وَتُدْرَكُ رَكْعَتُهَا بِالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، فَمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَقْضِي الثَّانِيَةَ بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ.
1 -
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تُكَرَّرُ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ انْجَلَتْ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ وَمُحَصِّلُهُ: إنْ انْجَلَتْ بَعْدَ تَمَامِ شَطْرِهَا فَقِيلَ يُتِمُّهَا بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعٍ عَلَى سُنِّيَّتِهَا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَقِيلَ يُتِمُّهَا كَالنَّافِلَةِ بِقِيَامٍ وَاحِدٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ انْجَلَتْ قَبْلَ تَمَامِ شَطْرِهَا فَقِيلَ يَقْطَعُهَا وَقِيلَ يُتِمُّهَا كَالنَّوَافِلِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ
1 -
الرَّابِعُ: لَمْ يُبَيِّنْ كَخَلِيلٍ حُكْمَ مَا لَوْ زَالَتْ فِي أَثْنَائِهَا وَتَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ وَأَقُولُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا كَالنَّافِلَةِ وَلَا يَقْطَعُهَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا اُفْتُتِحَتْ بِوَجْهٍ جَائِزٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ خُرُوجُ وَقْتِهَا أَوْ تَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهَا يُخَفَّفُ فِي فِعْلِهَا وَتُمِّمَتْ نَافِلَةً وَلَا تُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ إنَّمَا يَحْرُمُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ إذَا كَانَ مَدْخُولًا عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوَالِ قَبْلَ تَمَامِ شَطْرِهَا أَوْ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الزَّوَالُ كَالتَّجَلِّي لِوُجُودِ السَّبَبِ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ وَحَرِّرْ ذَلِكَ.
1 -
الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ صَلَاتِهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا تُفْعَلُ عَلَى مَا يُمْكِنُ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهَا؛ لِأَنَّ السُّنَنَ قَدْ تُتْرَكُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَالسُّورَةِ مَثَلًا لِمَنْ خَافَ بِقِرَاءَتِهَا خُرُوجَ الْوَقْتِ وَعَدَمَ إدْرَاكِهِ،
وَأَشَارَ إلَى صِفَةِ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ وَلْيُصَلِّ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْذَاذًا) ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَفِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ.
(وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ لَيْلِيَّةٌ فِيهَا الْجَهْرُ (كَسَائِرِ رُكُوعِ النَّوَافِلِ) اللَّيْلِيَّةِ وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَرَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ لِخُسُوفِ قَمَرٍ كَالنَّوَافِلِ جَهْرًا بِلَا جَمْعٍ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الِانْفِرَادُ وَتُكْرَهُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ وَيَجُوزُ تَكْرَارُهَا، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَالنَّوَافِلِ أَنَّهَا تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْقِيَامِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ سُنَّةً، وَمُقَابِلُ الْمُعْتَمَدِ قَوْلُ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ: أَنَّهَا سُنَّةٌ وَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ فَإِنْ طَلَعَ مَكْسُوفًا صَلُّوا الْمَغْرِبَ قَبْلَهَا، وَيَفُوتُ فِعْلُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهُ وَلَوْ تَعَمَّدُوا تَأْخِيرَهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي عَدَمِ صَلَاتِهَا لَوْ لَمْ يَخْسِفْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ لَوْ خَسَفَ لَيْلًا وَأَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى غَابَ فَعِنْدَنَا لَا تُصَلَّى وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُصَلَّى، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالنَّاسِ إلَّا فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ جَمَعَ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَلَكِنْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ.
(وَلَيْسَ فِي إثْرِ) أَيْ عَقِبِ (صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ خُطْبَةٌ مُرَتَّبَةٌ) بِحَيْثُ يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ نَقَلُوا صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَطَبَ فِيهَا، وَمَا صَدَرَ مِنْ تَسْمِيَةِ عَائِشَةَ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ خُطْبَةً فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِكَلَامٍ يُشْبِهُ الْخُطْبَةَ.
(وَ) لَكِنْ (لَا بَأْسَ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَعِظَ) الْإِمَامُ (النَّاسَ) بَعْدَهَا (وَيُذَكِّرَهُمْ) تَفْسِيرٌ لِلْوَعْظِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَوَعَظَ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْوَعْظَ إذَا وَرَدَ بَعْدَ الْآيَاتِ يُرْجَى تَأْثِيرُهُ، وَكَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَعْظُ النَّاسِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْرِيضُهُمْ وَحَثُّهُمْ عَلَى بَذْلِ الصَّدَقَاتِ وَالْعِتْقِ وَالصِّيَامِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» . وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ نَقْرِ النُّحَاسِ عِنْدَ الْخُسُوفِ فَهُوَ بِدْعَةٌ مِنْ عَمَلِ فِرْعَوْنَ
1 -
(خَاتِمَةٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الصَّلَاةِ أَوْ السُّجُودِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ الْآيَاتِ غَيْرَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الْخُسُوفِ مِنْ نَحْوِ الزَّلْزَلَةِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهِمَا، وَالنَّصُّ عَنْ مَالِكٍ: " لَا يُصَلِّي عِنْدَ الزَّلْزَلَةِ وَلَا عِنْدَ شِدَّةِ الرِّيحِ وَلَا شِدَّةِ الظُّلْمَةِ " وَالْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا: " وَلَا يَسْجُدُ عِنْدَ الْبُشْرَى " وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَسْجُدُ وَقَدْ سَجَدَ شُكْرًا حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ الْحَجَّاجِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ قَالَ خَلِيلٌ: شُكْرًا أَوْ زَلْزَلَةً نَعَمْ قَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا: " وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَفْزَعَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ الْأَمْرِ يَحْدُثُ مِمَّا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً كَالزَّلَازِلِ وَالظُّلُمَاتِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ " وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، فَتَخَلَّصَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ عِنْدَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ خُصُوصُ السُّجُودِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَتُطْلَبُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ قَوْلِهِ لِبِلَالٍ عِنْدَ حُصُولِ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ: «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ»
بَابٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ تُقَامُ
يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ ضَحْوَةً فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ يَقْرَأُ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالشَّمْسُ وَضُحَاهَا وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ
ثُمَّ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ (صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ لُغَةً طَلَبُ السَّقْيِ، وَشَرْعًا طَلَبُ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ أَوْ بِدَوَابِّهِمْ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: لَا تُصَلَّى؛ لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ وَحَمَلَ مَا وَرَدَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِهَا عَلَى الدُّعَاءِ وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: 60] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] الْآيَةَ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» .
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَتُشْرَعُ عِنْدَ تَأْخِيرِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ، وَقَدْ احْتَاجَ الزَّرْعُ أَوْ الْآدَمِيُّ أَوْ الْحَيَوَانُ الْبَهِيمِيُّ إلَى الْمَاءِ فَيَأْمُرُ الْإِمَامُ النَّاسَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِتْيَانِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْحَالِ إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا لِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ) عَلَى الْأَعْيَانِ يَتَأَكَّدُ أَنْ (تُقَامَ) أَيْ تُصَلَّى.
قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ الِاسْتِسْقَاءُ لِزَرْعٍ أَوْ شُرْبٍ بِنَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ بِسَفِينَةٍ رَكْعَتَانِ جَهْرًا وَكَرَّرَ إنْ تَأَخَّرَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّهَا إنَّمَا تُسَنُّ لِلْمَحَلِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَهُوَ احْتِيَاجُ الزَّرْعِ وَالْجَدْبُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ضِدُّ الْخِصْبِ بِكَسْرِ الْخَاءِ أَوْ لِشُرْبِ الْآدَمِيِّ أَوْ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ وَلَا جَدْبٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشُّرْبِ وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْ الْغَيْثِ الْكِفَايَةُ لَا مَعَ سَعَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَانٍ وَلَا نَدْبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتَرَتَّبُ عَلَى السَّعَةِ فِعْلُ خَيْرٍ فَيُنْدَبُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي خَصْبٍ وَرَخَاءٍ وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ بِهِ الرَّخَاءَ أَوْ الْخَصْبَ لِغَيْرِهِ فَيُنْدَبُ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْخَيْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ وَتُفْعَلُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ،
[وَقْت صَلَاة الِاسْتِسْقَاء]
ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَهَا بِقَوْلِهِ: (يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ) إلَى الْمُصَلَّى (كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ) وَذَلِكَ عِنْدَ (ضَحْوَةِ) النَّهَارِ وَهِيَ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَخَرَجُوا ضُحًى مُشَاةً بِبِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ مَشَايِخُ وَصِبْيَةٌ لَا مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْهُمْ وَلَا بَهِيمَةٌ وَلَا حَائِضٌ.
(فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) نَدْبًا كَمَا يُنْدَبُ أَنْ (يَقْرَأَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاتِهَا بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ) أَيْ رُكُوعٌ وَاحِدٌ فَلَيْسَتْ كَصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ.
(وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) وَتَحْصُلُ، السُّنَّةُ بِفِعْلِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ تُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ، وَأَمَّا الصِّبْيَانُ وَالْمُتَجَالَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ فَتُنْدَبُ فِي حَقِّهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْمُرَادُ مِنْ غَيْثٍ أَوْ نِيلٍ كُرِّرَتْ عَلَى تَوَالِي الْأَيَّامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَرَّرَ إنْ تَأَخَّرَ لَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ أَيَّامًا مُتَوَالِيَةً.
قَالَ أَصْبَغُ: اُسْتُقِيَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً عَلَى سُنَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَرِجَالٌ صَالِحُونَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّاسِ مَعَ أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْرُجُ اتِّفَاقًا وَهُمْ الرِّجَالُ وَالْمُتَجَالَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ وَمَنْ يَعْقِلُ فِي الْقَرْيَةِ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَقِسْمٌ لَا يَخْرُجُ اتِّفَاقًا وَهُنَّ الشَّابَّاتُ الْمَخْشِيَّاتُ الْفِتْنَةَ، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ مَنْ لَا يَعْقِلُ فِي الْقَرْيَةِ وَالشَّابَّاتُ غَيْرُ الْمَخْشِيَّاتِ وَالْبَهَائِمُ، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ عَدَمُ خُرُوجِهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْهُمْ وَبَهِيمَةٌ
يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ فَيَجْلِسُ جِلْسَةً فَإِذَا اطْمَأَنَّ النَّاسُ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا فَخَطَبَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ.
فَإِذَا فَرَغَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَمَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ وَلَا يَقْلِبُ ذَلِكَ وَلْيَفْعَلْ النَّاسُ مِثْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ وَهُمْ قُعُودٌ ثُمَّ يَدْعُو كَذَلِكَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيَنْصَرِفُونَ وَلَا يُكَبِّرُ فِيهَا وَلَا فِي الْخُسُوفِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَلَا أَذَانَ فِيهَا وَلَا إقَامَةَ.
[الفواكه الدواني]
وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَأَبَاحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ خُرُوجَهُمْ مَعَ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقِفُونَ عَلَى جِهَةٍ وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ آخَرَ، قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ وَانْفَرَدَ لَا بِيَوْمٍ آخَرَ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِبِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ أَيْ مُتَوَاضِعِينَ وَجِلِينَ لَابِسِينَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمُصَلَّى فِي غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ كَالْعَبْدِ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَيَسْتَسْقُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا يُصَلُّونَ فِيهِ الْعِيدَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ (ثُمَّ) إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ (يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ) نَدْبًا (بِوَجْهِهِ فَيَجْلِسُ) عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ خُطْبَتِهِ (جَلْسَةً) بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَرَّةً كَجَلْسَتِهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالنَّاسُ يَجْلِسُونَ كَذَلِكَ.
(فَإِذَا اطْمَأَنَّ النَّاسُ) جَالِسِينَ (قَامَ) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصَا) أَوْ سَيْفٍ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِلِحْيَتِهِ (فَخَطَبَ) بِالْأَرْضِ الْخُطْبَةَ الْأُولَى (ثُمَّ جَلَسَ) قَدْرَ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ) الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ لَكِنْ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ خَطَبَ كَالْعِيدِ لَكِنْ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ قَالَ: وَنُدِبَ خُطْبَةٌ بِالْأَرْضِ فَلَا يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُمْنَعُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يُطْلَبُ فِيهَا التَّوَاضُعُ، وَيَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ بِكَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ وَلَا يَدْعُو لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَتُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا بِأَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ وَيَأْتِي بِأَجْوَدِهِ وَهُوَ مَا كَانَ يَقُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اسْتِسْقَائِهِ وَهُوَ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهِيمَتَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» وَيَجْهَرُ بِالدُّعَاءِ وَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ بِخُطْبَتَيْنِ كَالْعِيدِ هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا وَالْمَطْلُوبُ تَوَسُّطُهَا.
1 -
الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَدَلِيلُهُ مَا خَرَّجَهُ أَصْحَابُ الصِّحَاحِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّمَ الِاسْتِسْقَاءَ؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ أَنْجَحُ فِي الدُّعَاءِ فَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ حَاجَةً تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ» ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُقَدَّمُ حَقُّ اللَّهِ، كَمَا قَدَّمَ الثَّنَاءَ فِي الْفَاتِحَةِ وَفِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَقِيَاسًا عَلَى الْعِيدَيْنِ وَاسْتِمَاعُهُمَا مَنْدُوبٌ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي وَبَعْدَ الْخُطْبَةِ يُخَيَّرُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَافِلَةً كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
(فَإِذَا فَرَغَ) الْإِمَامُ مِنْ الْخُطْبَةِ (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) نَدْبًا (فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) بِأَنْ (يَجْعَلَ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَ) يَجْعَلَ (مَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْمَنِ) وَالسِّرُّ فِي التَّحَوُّلِ الْمَذْكُورِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَوِّلُ سَاعَةَ الْجَدْبِ بِسَاعَةِ الْخَصْبِ وَسَاعَةَ الْعُسْرِ بِسَاعَةِ الْيُسْرِ (وَلَا يَقْلِبُ ذَلِكَ) الرِّدَاءَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَاشِيَةَ السُّفْلَى عُلْيَا وَالْعُلْيَا سُفْلَى.
(وَلْيَفْعَلْ النَّاسُ) أَيْ الرِّجَالُ بِأَرْدِيَتِهِمْ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يُحَوِّلْنَ، وَقَوْلُنَا بِأَرْدِيَتِهِمْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْبَرَانِسِ فَلَا تُحَوَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ زَمَنَ التَّحْوِيلِ مِنْ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ قَائِمٌ وَهُمْ قُعُودٌ ثُمَّ يَدْعُو كَذَلِكَ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ بِلَا تَنْكِيسٍ وَكَذَلِكَ الرِّجَالُ فَقَطْ قُعُودًا، وَمِنْ الْأَدْعِيَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهِيمَتَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلَّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ الْأَذَى وَالضَّنْكِ وَالْجَهْدِ مَا لَا يُشْكَى إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ وَاكْشِفْ عَنَّا مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك فَإِنَّك كُنْت غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي حَالِ الدُّعَاءِ وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ إلَى السَّمَاءِ، وَوَرَدَ أَنَّهُ بَعْدَ الدُّعَاءِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَمْسَحُهُ بِهِمَا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّعَاءَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّحْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَخْطُبُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ثُمَّ يُحَوِّلُ ثُمَّ يَدْعُو عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَالنَّاسُ مِثْلُ الْإِمَامِ إلَّا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَالدُّعَاءِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ قَائِمًا وَهُمْ جُلُوسٌ.
(ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ الدُّعَاءِ (يَنْصَرِفُ) أَيْ الْإِمَامُ (وَيَنْصَرِفُونَ وَلَا يُكَبِّرُ) أَحَدٌ (فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ.
(وَلَا فِي) صَلَاةِ (الْخُسُوفِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) وَتَكْبِيرَةِ (الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ) كَمَا أَنَّهُ لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ الْمَطْلُوبَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ فِيهَا بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا قَدَّمْنَا (وَلَا أَذَانَ فِيهَا وَلَا إقَامَةَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ.
1 -
(خَاتِمَةٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا لَوْ اسْتَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ وَأَنْزَلَ الْغَيْثَ وَتَوَقَّعْنَا مِنْهُ الضَّرَرَ لِكَثْرَتِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي بِرَفْعِهِ وَإِنَّمَا يَدَّعِي بِرَفْعِ ضَرَرِهِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ لِرَفْعِ ضَرَرِهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى مَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَطَهُورِ الْآكَامِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ» ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ حَوَالَيْنَا وَلَا تُنْزِلْهُ عَلَيْنَا، وَالْآكَامُ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَهِيَ التَّلُّ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْآجَامُ مِثْلُهَا وَالْأَجَمَةُ مِنْ الْقَصَبِ، وَالظِّرَابُ بِكَسْرِ الظَّاءِ هِيَ الْبَوَادِي الْكِبَارُ وَالْجِبَالُ الصِّغَارُ، وَلَا يَقُولُ ارْفَعْهُ عَنَّا؛ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَنِعْمَةٌ لَا يُطْلَبُ رَفْعُهَا، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ.
قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: شَيْخُ شَيْخِ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَأَفْتَى عُلَمَاءُ عَصْرِهِ بِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا يُسْأَلُ رَفْعُهَا إلَّا الْبَكْرِيَّ، لَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَالْقَلْشَانِيَّ اسْتَعْمَلَا أَدْعِيَةً لِلْحِفْظِ مِنْهُ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْحَوَازَةِ، دَعَوَاتُ سَيِّدِي، أَحْمَدَ زَرُّوقٍ: تَحَصَّنْت بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْت بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَتَوَكَّلْت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، اصْرِفْ عَنَّا الْأَذَى إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
وَدَعَوَاتُ الْقَلْشَانِيِّ: اللَّهُمَّ سَكِّنْ فِتْنَةً صَدَمَتْ قَهْرَمَانَ الْجَبَرُوتَ، بِأَلْطَافِك الْخَفِيَّةِ الْوَارِدَةِ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِ، حَتَّى نَتَشَبَّثَ بِأَلْطَافِك وَنَعْتَصِمَ بِك عَنْ إنْزَالِ قُدْرَتِك، يَا ذَا الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ» مَعَ أَنَّ لِقَاءَهُ يَسْتَلْزِمَ الشَّهَادَةُ.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: تَمَّ ثُلُثُ الرِّسَالَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ الْإِقْدَارَ عَلَى تَمَامِ شَرْحِ الْبَقِيَّةِ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ بِحَقِّ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْبَرِّيَّةِ.
[بَاب مَا يَفْعَل بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غَسَلَ الْمَيِّت]
وَلَمَّا كَانَ سَبَبُ الِاسْتِسْقَاءِ رُبَّمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْمَوْتُ نَاسَبَ ذِكْرَ بَابِ الْجَنَائِزِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:
بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَكَفْنِهِ وَتَحْنِيطِهِ وَحَمْلِهِ وَدَفْنِهِ وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ وَإِغْمَاضُهُ إذَا قَضَى وَيُلَقَّنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَنْ
[الفواكه الدواني]
(بَابُ) بَيَانِ (مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ الَّذِي حَضَرَ أَجَلُهُ.
(وَفِي) بَيَانِ حُكْمِ (غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَلَمْ يُضْمَرْ بِأَنْ يَقُولَ وَفِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى مُحْتَضَرًا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ نَحْوَ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 2] أَيْ الَّذِينَ كَانُوا يَتَامَى.
(وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (كَفْنِهِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ.
(وَ) فِي بَيَانِ (تَحْنِيطِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَفَنِ وَالْمَيِّتِ.
(وَ) فِي بَيَانِ (حَمْلِهِ) إلَى الْمُصَلَّى أَوْ إلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَدَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَسَتْرِهِ.
وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلَامَاتُ قُرْبِ الْمَوْتِ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ) أَيْ تَقْبِيلُهُ فَالسِّينُ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ أَفْضَلُ الْجِهَاتِ وَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: إذَا حَضَرَتْنِي الْوَفَاةُ فَاصْرِفْنِي إلَى الْقِبْلَةِ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يُجْعَل عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا، وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِهِ لِلْغُسْلِ فَيُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ، وَمُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ إحْدَادُ بَصَرِهِ وَشُخُوصُهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إحْدَادِهِ عَلَى أَيْمَنَ ثُمَّ ظَهْرٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ قَبْلَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْمَرِيضَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَهُ (إغْمَاضُهُ) أَيْ إغْلَاقُ عَيْنَيْهِ (إذَا قَضَى) أَيْ مَاتَ بِالْفِعْلِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِإِذَا الْمُفِيدَةِ لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ وَيَرْبِطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ لِيَنْطَبِقَ فَاهُ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إغْمَاضُهُ؛ لِأَنَّ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقْبُحُ بِهِ مَنْظَرُهُ، كَمَا أَنَّ فَتْحَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ انْقِطَاعُ نَفَسِهِ وَإِحْدَادُ بَصَرِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ وَسُقُوطُ قَدَمَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّقَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ وَقَالَ: الرُّوحُ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى إغْمَاضَهُ مَنْ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُغْمَضْ وَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَشَفَتَاهُ يَجْذِبُ شَخْصٌ عَضُدَيْهِ وَآخَرُ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَنْغَلِقَانِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ عَقِبَ مَوْتِهِ تَسْهِيلًا عَلَى الْغَاسِلِ، وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ خَوْفَ الْهَوَامِّ، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ زَائِدٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهِ إلَّا الْغَرِيقَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ تَجْهِيزِ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلِلْأَمْنِ مِنْ تَغَيُّرِهِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِعَقْدِ الْخِلَافَةِ، وَلِذَلِكَ دُفِنَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَيْلًا، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَاتَ لَيْلًا، حَتَّى اُسْتُثْنِيَ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ مِنْ ذَمِّ الْعَجَلَةِ وَأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَمِثْلُهُ التَّوْبَةُ وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ، وَتَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ مِنْ السَّفَرِ، وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عِنْدَ حُلُولِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعَجَلَةُ، وَأَمَّا الْغَرِيقُ وَمَنْ بِهِ مَرَضُ السَّكْتَةِ وَمَنْ يَمُوتُ فَجْأَةً أَوْ تَحْتَ هَدْمٍ فَلَا يُسْرَعُ بِتَجْهِيزِهِمْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُلَقَّنَ) الْمُحْتَضَرُ بِأَنْ يَقُولَ الْجَالِسُ عِنْدَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إذْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا وَمَحَلُّ ذَلِكَ (عِنْدَ) ظُهُورِ عَلَامَاتِ (الْمَوْتِ) لِيَتَذَكَّرَهُمَا بِقَلْبِهِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا
يَكُونَ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ وَأَرْخَصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ بِسُورَةِ يَس ~ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ
وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ وَحَسُنَ التَّعَزِّي
[الفواكه الدواني]
مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِيَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ غَيْرُ وَارِثِهِ مِمَّنْ لَهُ بِهِ مَحَبَّةٌ وَإِلَّا فَأَرْأَفُهُمْ بِهِ، وَلَا يُلِحُّ عَلَيْهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ قُلْ لِئَلَّا يُوَافِقَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لَا لِرَدِّ فِتْنَةِ الْفَتَّانِينَ أَوْ إبْلِيسَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْضُرُونَ لِلْمُحْتَضَرِ عَلَى صِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتًا مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ: مُتْ عَلَى دِينِ كَذَا فَإِنَّهُ خَيْرُ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهَا، وَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَتُعَادُ عَلَيْهِ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَضْجَرُ الْمُلَقِّنُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الْمُحْتَضَرِ لِمَا يُلَقِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ مِنْ عَظَائِمِ الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَسَ لِسَانُهُ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَخْطُرْ الْإِيمَانُ بِقَلْبِهِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا مَاتَ كَذَلِكَ يُحْكَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ قَبْلَ مَوْتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَالِ كَمَالِ عَقْلِهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُؤْمِنَ إيمَانُهُ بَاقٍ حُكْمًا بَعْدَ مَوْتِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا يُلَقَّنُ إلَّا الْبَالِغُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ بَعْدَ دَفْنِهِ.
قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِنَدْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَكِنْ اُعْتُضِدَ بِالْقَوَاعِدِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَمِمَّنْ وَافَقَ عَلَى نَدْبِهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، حَتَّى قَالَ الْأَبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ» عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ الْبُعْدِ صَرِيحُ لَفْظِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: مَوْتَاكُمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّأْوِيلِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ التَّعْلِيلُ بِصَيْرُورَتِهَا آخِرَ كَلَامِهِ فَافْهَمْ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مُلَازَمَةِ الْمُحْتَضَرِ وَلَا عَلَى مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى أَصْحَابِهِ مُلَازَمَتُهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، فَقَدْ تَرَكَ ابْنُ عُمَرَ حُضُورَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ دُعِيَ لِحُضُورِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَحَلُّ طَلَبِ الْحُضُورِ عِنْدَ الْمَرِيضِ عِنْدَ اشْتِدَادِ مَرَضِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ صَارَ عَلَى حَالَةٍ لَا يُحِبُّ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ عَلَيْهَا فَيَسْقُطُ طَلَبُ حُضُورِهِ بِمَنْعِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمُحْتَضَرِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُدِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى أَنْ يَكُونَ) جِسْمُ الْمُحْتَضَرِ (طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ كَمَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ عِنْدَهُ (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (أَنْ لَا يَقْرَبَهُ) أَيْ الْمُحْتَضَرَ (حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ) وَلَا صَبِيٌّ يَعْبَثُ، وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ، وَلَا كَلْبٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَلَا تِمْثَالٌ وَلَا آلَةُ لَهْوٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْمُرَادُ بِتَجَنُّبِ مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْمُحْتَضَرِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
(وَأَرْخَصَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ اسْتَحَبَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ وَالضَّمِيرُ لِلْمُحْتَضَرِ (بِسُورَةِ يَس) لِخَبَرِ: «إذَا قُرِئَتْ، عَلَيْهِ سُورَةُ يَس بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ» وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةُ يَس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
وَقَالَ أَيْضًا: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يَس» .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ.
(وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ (عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ) بَلْ تُكْرَهُ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ يَس ~ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى قَبْرِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إذَا فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَرَجَاءَ حُصُولِ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ فَلَا، وَأَقُولُ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ حُصُولُ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْأَمْوَاتِ كَحُصُولِهَا بِمُجَاوَرَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُ أَمْرِ الْمَوْتَى مِنْ الْقِرَاءَةِ وَلَا مِنْ التَّهْلِيلِ الَّذِي يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْنِ، وَالِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ حُصُولَ بَرَكَةِ قِرَاءَتِهِ وَثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ بِلَا خِلَافٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ لِفُلَانٍ أَوْ مَا قَرَأْته، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ
[الْبُكَاء عِنْدَ مَوْتِ الْمَيِّت]
وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْبُكَاءُ وَالتَّفَجُّعُ بَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَا كَانَ (بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ، وَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ حَيْثُ لَمْ يَصْحَبْهُ رَفْعُ صَوْتٍ وَلَا قَوْلٌ قَبِيحٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَبُكَاءٌ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَعْدَهُ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَقَوْلٍ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَقَدْ
وَالتَّصَبُّرُ أَجْمَلُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ وَيُنْهَى عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ
وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ وَلَكِنْ يُنْقَى وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِمَاءٍ
[الفواكه الدواني]
بَكَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» فَالْمُرَادُ بِلَا بَأْسٍ الْجَوَازُ الْمَرْجُوحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَ) لَكِنْ (حُسْنُ التَّعَزِّي وَ) هُوَ (التَّصَبُّرُ) وَالتَّجَلُّدُ وَالرِّضَى بِمَا حَكَمَ الْجَبَّارُ (أَجْمَلُ) أَيْ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ مِنْ الْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ (لِمَنْ اسْتَطَاعَ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ مَعَهُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْت ذَلِكَ حِينَ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقُلْت: مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَزَوَّجْته» ، وَالصَّبْرُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّصَبُّرُ أَحْسَنَ مِنْ الْبُكَاءِ فَلِمَ أَهْمَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَبَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ، وَأَمَّا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيُؤْمَرُ بِفِعْلِ خِلَافِ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا لِلتَّشْرِيعِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْبُكَاءَ الْمَحْدُودَ وَهُوَ مُجَرَّدُ إرْسَالِ الدُّمُوعِ جَائِزٌ صَرَّحَ بِمُحْتَرَزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) قَرِيبُ الْمُحْتَضَرِ وَكُلُّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ (عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ) وَسَائِرِ الْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، فَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ أَمْرًا مُحَرَّمًا لِخَبَرِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَلَا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ» وَرُوِيَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ» وَالصَّلْقُ الصِّيَاحُ فِي الْبُكَاءِ وَقُبْحُ الْقَوْلِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا إذَا أَوْصَاهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُكَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا كَانَ بِمُجَرَّدِ إرْسَالِ الدُّمُوعِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ وَالْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ قَبِيحٍ مَعَهُ.
1 -
(خَاتِمَةٌ) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يُنْدَبُ فِعْلُهُ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِنْهَا: تَعْزِيَتُهُمْ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَعَلَى الرِّضَى بِمُصِيبَتِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ حَتَّى قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ التَّعْزِيَةَ سُنَّةٌ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا ثَوَابٌ كَثِيرٌ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ الَّذِي عَزَّى مُصَابًا لِبَاسَ التَّقْوَى» وَجَاءَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْمُعَزِّي لِلْمُصَابِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَعَزَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً فِي أَبِيهَا فَقَالَ: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَلِكُلِّ أَجَلٍ مُسَمًّى وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاحْتَسِبِي وَاصْبِرِي فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ» وَتَكُونُ التَّعْزِيَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ الْقَبْرِ وَكَوْنُهَا فِي الْمَنْزِلِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ أَحْسَنَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا فِي الْمُعَزَّى بِفَتْحِ الزَّايِ بَيْنَ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حَيْثُ كَانَ جَارًا فَيُعَزَّى الْكَافِرُ بِالْكَافِرِ لِحَقِّ الْجِوَارِ وَيُقَالُ لَهُ: أَلْهَمَك اللَّهُ الصَّبْرَ وَعَوَّضَك خَيْرًا مِنْهُ، إلَّا الشَّابَّةَ وَاَلَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَلَا يُعْزَيَانِ، وَيُعَزَّى الشَّخْصُ فِي كُلِّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَنْتَهِي التَّعْزِيَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْنَعَ لَهُمْ طَعَامٌ أَوْ يُبْعَثَ إلَى مَحَلِّهِمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَهْلِهِ حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا وَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِمْ فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِنَاءِ، وَأَمَّا مَا يَصْنَعُهُ أَقَارِبُ الْمَيِّتِ مِنْ الطَّعَامِ وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُرْجَى خَيْرُهُ لِلْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَنَعَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بَالِغًا رَشِيدًا فَلَا حَرَجَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِفِعْلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثُلُثِهِ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهُ عَمَلًا بِفَرْضِهِ، وَأَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهُمْ عَلَى الْقَبْرِ وَحَمْلُ الْخُبْزِ وَيُسَمُّونَهُ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ وَمِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» وَلِأَدَائِهِ إلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي فِعْلِ الْقُرَبِ الْإِخْفَاءُ، وَالصَّوَابُ فِي فِعْلِ هَذَا التَّصَدُّقُ بِهِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ سَلِمَ مِنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَطَّابِ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحْتَضَرِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ (حَدٌّ) وَاجِبٌ بِحَيْثُ يُمْنَعُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَنْهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ) الْمَطْلُوبُ أَنْ (يُنَقَّى) مِنْ الْقَذَرِ وَيُعَمَّ جَسَدُهُ بِالْمَاءِ، وَنَفْيُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لَا يُنَافِي نَدْبَ التَّحْدِيدِ بِالْوِتْرِ كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُنَا: الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ احْتِرَازًا عَنْ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ وَعَنْ الْكَافِرِ وَعَنْ السِّقْطِ وَعَنْ مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُ الْكَافِرِ وَشَهِيدِ الْحَرْبِ، وَيُكْرَهُ تَغْسِيلُ السِّقْطِ وَمَنْ غَابَ أَكْثَرُهُ، وَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ فَيَدْخُلُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ صَاحِبِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْغُسْلِ
وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ شَعْرُهُ وَيُعْصَرُ بَطْنُهُ عَصْرًا رَقِيقًا وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيُقْلَبُ لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ وَإِنْ أُجْلِسَ فَذَلِكَ وَاسِعٌ
وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ
[الفواكه الدواني]
شُرُوطًا: اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَرْبِ وَوُجُودُ كُلِّ الْمَيِّتِ أَوْ جُلِّهِ وَإِسْلَامُهُ وَلَوْ حُكْمًا كَنِيَّةِ إسْلَامِ سَيِّدَيْ الْمَجُوسِيِّ أَيْ الْمَجُوسِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَإِنْ كَانَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْجَبْرِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِالْفِعْلِ، هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ عبق عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ جَارٍ فِي سَيِّدِي، الْمَجُوسِيِّ وَأَبِيهِ مَعًا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُغَسَّلَ وِتْرًا) ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعَ غَسَلَاتٍ (بِمَاءٍ) مُطْلَقٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْقَاءُ بِالسَّابِعَةِ فَلَا إيتَارَ لِانْتِهَاءِ نَدْبِ الْإِيتَارِ بِالسَّبْعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْإِنْقَاءُ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَنْفِي التَّحْدِيدَ ثُمَّ يَقُولُ: وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ التَّحْدِيدِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى تَعْمِيمِ الْجَسَدِ وَهُوَ الْوَاجِبُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَتَجَاوَزُ السَّبْعَ، أَوْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوِتْرُ لَا يُحَدُّ بِثَلَاثٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ حُكْمُ الْغُسْلِ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ السُّنِّيَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى صِفَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ فَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ التَّكْرَارِ، وَلَا يُكَرِّرُ وُضُوءَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ ثُمَّ يُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً، وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَيْرِ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ.
إلَى صِفَةِ وُضُوئِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ وَعَلَى الْوُجُوبِ الْأَكْثَرُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ يَجِبُ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَلَازَمَا أَيْ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ بَعْدَ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ أَنْ يُغَسَّلَ مَرَّةً أُخْرَى بِمَاءٍ مَعَ (سِدْرٍ) وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ وَصِفَتُهُ أَنْ يُطْحَنَ وَيُذَابَ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكَ بِهِ بَدَنُ الْمَيِّتِ وَيُدَلَّكُ بِهِ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى إذَابَتِهِ فِي الْمَاءِ إضَافَتُهُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ حَصَلَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهَذِهِ الْغَسْلَةُ لِلنَّظَافَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ السِّدْرُ فَالصَّابُونُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلنَّظَافَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَجْعَلَ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَسْلَةَ الْأُولَى تَكُونُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطْيِيبِ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ جَسَدَ الْمَيِّتِ وَيَحْفَظُهُ عَنْ مُسَارَعَةِ الْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُهُ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ، وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِالِاسْتِعْدَادِ لِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَأَيْضًا وَرَدَ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا تُوُفِّيَ أُتِيَ بِحَنُوطٍ وَكُفِّنَ مِنْ الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ وَحَنَّطُوهُ وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ وَدَفَنُوهُ فِي لَحْدٍ وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ وَابْنُهُ شِيثٌ حَاضِرٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لَهُ: اصْنَعْ هَكَذَا بِوَالِدِك وَإِخْوَتِك فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (تُسْتَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَوْرَتُهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَسِتْرُ الْغَاسِلِ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتِهِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ عِنْدَ تَجْرِيدِهِ لِلتَّغْسِيلِ، وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ إذَا كَانَ الْغَاسِلُ غَيْرَ سَيِّدٍ وَغَيْرَ زَوْجٍ وَإِلَّا نُدِبَ فَقَطْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُنْظَرُ لِفَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَصِفَةُ سِتْرِهَا أَنْ تُلَفَّ خِرْقَةٌ وَيَضَعَهَا عَلَى قُبُلِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ ثَوْبًا آخَرَ بِدُبُرِهِ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى الْمَغْسُولِ غَيْرُ غَاسِلِهِ وَالْمُعِينِ لَهُ.
(وَلَا تُقَلَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ لَهُ شَعْرٌ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ قَلْمُ أَظَافِرِ الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا قُصِدَ بِهِ الْمَوْتُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، لَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِرَاحَةَ بِإِزَالَةِ نَحْوِ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ كَرَاهَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ حَلْقُ شَعْرِهِ وَقَلْمُ ظُفُرِهِ وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَمَّ مَعَهُ إنْ فَعَلَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ تُنَقَّى قُرُوحُهُ وَإِنَّمَا يُزَالُ مَا سَالَ مِنْهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ دُونَ دِرْهَمٍ قَصْدًا لِلنَّظَافَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَعْصِرَ بَطْنَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ غُسْلِهِ (عَصْرًا رَفِيقًا) مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ حَالَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ مِمَّا لَيْسَ بِصَدَدِ الْخُرُوجِ وَفِيهِ أَذِيَّةٌ لِلْمَيِّتِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْغُسْلِ الْمَطْلُوبَةِ لِلْمَيِّتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ وُضِّئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَيِّتِ (وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) غَيْرُ ضَرُورِيٍّ الذِّكْرُ مَعَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْغَاسِلِ تَوْضِئَةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى مِثْلَ مَا يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ إرَادَةِ غُسْلِهِ لِلْجَنَابَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَنُدِبَ نَدْبًا بِإِزَالَةِ الْأَذَى، ثُمَّ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وَيَتَفَقَّدُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ وَيُمَيِّلُ
أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ مِنْ الرِّجَالِ فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا يَمَّمَ النِّسَاءُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ ذُو مَحْرَمٍ غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ
[الفواكه الدواني]
رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: تَوْضِئَةُ وَتَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ وَأَنْفِهِ بِخِرْقَةٍ وَإِمَالَةُ رَأْسِهِ لِمَضْمَضَةٍ.
(وَ) أَنْ (يُقْلَبَ) الْمَيِّتُ (لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ) أَيْ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ حَالَ التَّغْسِيلِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ، وَلَا يَقْلِبُهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَلَا بَطْنِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَشْوِيهًا لَهُ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِ الْأَحْسَنِ، بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أُجْلِسَ) أَيْ الْمَيِّتُ حَالَ غُسْلِهِ (فَذَلِكَ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ، فَقَوْلُهُ أَحْسَنُ أَيْ مِنْ إجْلَاسِهِ أَوْ قَلْبِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْغَاسِلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى الدِّكَّةِ وَيَجْعَلُ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، بَلْ الْمَطْلُوبُ وُقُوفُهُ بِالْأَرْضِ وَيُضْجَعُ الْمَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يُقَلِّبُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْغُسْلِ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ مِنْ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا إلَّا سَاتِرَ عَوْرَتِهِ وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِلْغَاسِلِ، وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَضْعُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ عِنْدَهُ حَالَ التَّغْسِيلِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ اشْتِغَالُ الْغَاسِلِ حَالَ التَّغْسِيلِ بِالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَإِذَا حَصَلَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْحَيِّ لَأَبْطَلَ غُسْلَهُ لَمْ يُبْطِلْهُ وَإِنَّمَا يُنَظَّفُ دُونَ إعَادَةِ غُسْلِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يُعِدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ وَغُسِلَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
[تَغْسِيلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالتَّغْسِيلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ) أَيْ تَغْسِيلِ (أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَيَّ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ يُقَدَّمُ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى أَقَارِبِ الْمَيِّتِ وَعَلَى مَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ أَيْضًا، وَيُنْدَبُ لَهُ الْقِيَامُ بِأَخْذِ حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ مُحْرِمًا فَيُنْهَى عَنْ التَّغْسِيلِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى إنْ أَمَذَى، وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجَيْنِ الصَّحِيحَيْ النِّكَاحِ وَلَوْ بِفَوَاتِ الْفَاسِدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ الزَّوْجَانِ إنْ صَحَّ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَاسِدُهُ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ رَقِيقًا أَذِنَ سَيِّدُهُ أَوْ قَبْلَ بِنَاءٍ أَوْ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ أَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْأَحَبُّ نَفْيُهُ إنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لَا مُطَلَّقَةً وَلَوْ رَجْعِيًّا، بِخِلَافِ الْمُولَى مِنْهَا وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا فَلَهُمَا التَّغَسُّلُ بِالْقَضَاءِ لِقِيَامِ السَّبَبِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ زَوْجَهَا أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ، وَأَوْصَتْ فَاطِمَةُ عَلِيًّا أَنْ يُغَسِّلَهَا، فَكَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى أَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ تُغَسِّلُهَا، وَمَا هَذَا إلَّا لِثُبُوتِ حَقِّ الْحَيِّ فِي التَّغْسِيلِ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَتَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ وَطَلَبْنَ التَّغْسِيلَ لَا نَصَّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُنَّ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: الظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ وَأَوَّلُ الظَّاهِرِ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْزِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمُسْتَحَقُّ الْمُسْتَوِي فِي الْمَرْتَبَةِ لِغَيْرِهِ وَحَرِّرْهُ.
1 -
الثَّانِي: نَصَّ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ وَسَكَتَا عَمَّا لَوْ طَلَبَا الْحَيُّ إنْزَالَ صَاحِبِهِ الْقَبْرَ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُمَا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْحَيُّ الزَّوْجَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا عَلَى أَوْلِيَائِهَا بِالْقَضَاءِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا تُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجِهَا بَلْ الْحَقُّ لِأَوْلِيَائِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالزَّوْجُ أَحَقُّ بِإِدْخَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَقْرَبُ مَحَارِمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَقِيلَ النِّسَاءُ، وَقِيلَ أَهْلُ الْفَضْلِ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِبَاحَةُ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرَكَةِ فَلَا يَحِلُّ لِلْحَيِّ مِنْهَا تَغْسِيلُهُ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَتَقْدِيمُ السَّيِّدِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأَمَةِ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِالتَّقْدِيمِ عَلَى أَوْلِيَاءِ سَيِّدِهَا اتِّفَاقًا
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا سَيِّدَ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (تَمُوتُ فِي السَّفَرِ) أَوْ فِي الْحَضَرِ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَ (لَا نِسَاءَ مَعَهَا) لَا أَقَارِبَ وَلَا أَجَانِبَ (وَلَا ذُو مَحْرَمٍ) لَهَا (مِنْ الرِّجَالِ) لَا بِالنَّسَبِ وَلَا بِالرَّضَاعِ وَلَا بِالصِّهْرِ (فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ) أَجْنَبِيٌّ (وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) أَيْ كُوعَيْهَا وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْكَفَّيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ يُبَاحُ النَّظَرُ لَهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ، مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ فَضْلًا عَنْ لَمْسِهِ.
(وَ) أَمَّا (لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا) فِي حَالِ سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لَوَجَبَ أَنْ (يُيَمِّمَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ) وَلَوْ أَجْنَبِيًّا (وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ حَضَرَتْ (امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ) مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْظُرُ
يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ فِي وِتْرٍ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ أُزْرَةٍ وَقَمِيصٍ
[الفواكه الدواني]
مِنْهُ مَا يَنْظُرُهُ الرَّجُلُ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَة، وَقِيلَ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ، قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُقَدَّمُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ، وَهَلْ يَسْتُرُهُ أَوْ عَوْرَتَهُ تَأْوِيلَانِ فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْمَيِّتِ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ أَبُوهُ ثُمَّ أَخُوهُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ جَدُّهُ ثُمَّ عَمُّهُ ثُمَّ ابْنُهُ وَالشَّقِيقُ وَعَاصِبُ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي عِنْدَ مُشَاحَّةِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَرْتَبَةِ الِاجْتِمَاعُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَرِيبٌ فَالرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ لَكِنْ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِالتَّغْسِيلِ أَوْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ فَالْمَرْأَةُ الْمَحْرَمُ وَلَوْ بِالصِّهَارَةِ كَأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ، وَيُقَدَّمُ مَحْرَمُ الرَّضَاعِ عَلَى مَحْرَمِ الصِّهَارَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ جَازَ لَهَا أَنْ تُيُمِّمَ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ إلَى مِرْفَقَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُيَمِّمَهَا إلَّا لِكُوعَيْهَا مَعَ شِدَّةِ مَيْلِ النِّسَاءِ إلَى الرِّجَالِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَبْحَثِ الْعَوْرَةِ، وَأَيْضًا شِدَّةُ حَيَاءِ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ وَلَا سِيَّمَا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ يُضْعِفُ الْأُنْثَى إلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ كَمَا يَجْرِي فِي الْغُسْلِ يَجْرِي فِي الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ، وَيُقْضَى بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ بَيْنَ مَنْ يَتَقَدَّمُ وَمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لِمَا عَرَفْت بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا لَا تُبَاشِرُ بِيَدِهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ عَوْرَتُهُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ بَلْ تَجْعَلُ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً، بِخِلَافِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْجَسَدِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِي مُبَاشَرَتِهِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ) الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الَّتِي لَا نِسَاءَ مَعَهَا رَجُلٌ (ذُو مَحْرَمٍ) وَلَوْ بِالصِّهْرِ (غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا) بِأَنْ يَجْعَلَهُ الْغَاسِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ السَّقْفِ إلَى أَسْفَلَ بِحَيْثُ يَصِيرُ نَظَرُهُ إلَى الثَّوْبِ لَا إلَى جَسَدِهَا، وَيَصِلُ الْمَاءُ مِنْ خَلْفِ الثَّوْبِ وَيَجْعَلُ خِرْقَةً عَلَى يَدِهِ غَلِيظَةً، فَكَمَا لَا يَنْظُرُ إلَى جَسَدِهَا لَا يُبَاشِرُهُ بِيَدِهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّ مَعْنَى سَتْرِ جَسَدِهَا جَعْلُ الثَّوْبِ عَلَى جَسَدِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ بَعْدَ تَعْلِيقِ الثَّوْبِ الْمَانِعِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى جَسَدِهَا، وَبَعْدَ جَعْلِ خِرْقَةٍ غَلِيظَةٍ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا الذَّكَرَ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهِ حَيْثُ لَفَّتْ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خِرْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ الْعَوْرَةُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ.
وَأَمَّا لَوْ غَسَّلَتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً لَجَازَ لَهَا مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا أَوْ الرَّجُلُ مَعَ النِّسَاءِ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَإِنَّهُمَا يُيَمَّمَانِ وَيُدْفَنَانِ» . وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُيَمِّمُ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ لِلْمِرْفَقَيْنِ وَالرَّجُلُ إنَّمَا يُيَمِّمُهَا إلَى كُوعَيْهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلًّا إذَا يَمَّمَ غَيْرَهُ يَمَسُّ وَجْهَهُ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَانْظُرْ كَيْفَ جَازَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَمْسُ وَجْهِ الْآخَرِ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، فَإِنْ قُلْت: يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَضَعَهَا عَلَى التُّرَابِ، قُلْت: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا اقْتَصَرَ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْكُوعَيْنِ اهـ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْخِرْقَةِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا جَازَ مَا ذُكِرَ مَعَ الْخِرْقَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا مُحْوِجَ إلَى مُجَاوَزَةِ كُوعَيْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُمَا سُنَّةٌ، وَلَا يُسْتَبَاحُ الْمُحَرَّمُ بِفِعْلِ سُنَّةٍ وَتَأَمَّلْهُ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْأُنْثَى الْمُحَقَّقَةِ وَعَلَى الذَّكَرِ الْمُحَقَّقِ وَسَكَتَ عَنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ يَمُوتُ وَلَا مَحْرَمَ لَهُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إلَّا سَيِّدٌ ذَكَرٌ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً مِنْ مَالِهِ تُغَسِّلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تُورَثُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَا وُصُولَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ وَيُدْفَنُ، وَيَنْبَغِي إذَا يَمَّمَهُ رَجُلٌ أَنْ يُيَمِّمَهُ إلَى كُوعَيْهِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ يَمَّمَتْهُ امْرَأَةٌ يَمَّمَتْهُ إلَى مِرْفَقَيْهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الرَّجُلِ الْمُحَقَّقِ.
1 -
الثَّانِي: لَوْ يَمَّمْنَ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ غَسَّلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَالنِّسَاءُ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، هَذَا مَا ارْتَضَاهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ
. الثَّالِثُ: لَوْ يُمِّمَ الْمَيِّتُ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ قَالَ الطِّخِّيخِيُّ: إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ غُسِّلَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِلَّا فَلَا اهـ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ: وَبِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا فِيهَا إلَّا نَاسِيه إلَّا أَنْ يَفْرُقَ بِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ أَمْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ طَلَبِ الْإِسْرَاعِ بِدَفْنِ الْأَمْوَاتِ وَحَرِّرْهُ.
1 -
الرَّابِعُ: لَوْ تَعَذَّرَ التَّغْسِيلُ وَالتَّيَمُّمُ يُدْفَنُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلَازُمًا وَارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا اللَّقَانِيُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ عَنْ خَلِيلٍ بِأَنَّ مُرَادَهُ تَلَازُمًا أَيْ غَالِبًا، وَأَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغْسِيلٍ مَعَ تَيَسُّرِ الْغُسْلِ بَلْ لِسَهْوٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ فَفِيهِ
وَعِمَامَةٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ «وَقَدْ كُفِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُعَمَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَنَّطَ وَيُجْعَلَ الْحُنُوطُ بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي جَسَدِهِ وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ
وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ فِي الْمُعْتَرِكِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ بِثِيَابِهِ
وَيُصَلَّى عَلَى
[الفواكه الدواني]
قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي عبق، وَالثَّانِي يَفُوتُ تَغْسِيلُهُ بِتَمَامِ دَفْنِهِ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا.
[التَّكْفِينِ وَمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ وَعَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّكْفِينِ وَمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ) الَّذِي يَجِبُ تَغْسِيلُهُ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ (فِي وِتْرٍ) مِنْ الثِّيَابِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ (ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ) وَهِيَ: الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ لِلرَّجُلِ وَالْخِمَارُ لِلْمَرْأَةِ وَالْأُزْرَةُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَالْأَفْضَلُ فِي الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْوِتْرِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَا شَفْعًا لِزِيَادَةِ السِّتْرِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِمَا فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ السِّتْرِ وَالْوِتْرِيَّةِ.
(أَوْ خَمْسَةٌ) وَهِيَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ وَالْخِمَارُ وَالْأُزْرَةُ وَلِفَافَتَانِ يُدْرَجُ فِيهِمَا الْمَيِّتُ وَتُجْعَلُ الْعُلْيَا أَوْسَعَ مِنْ السُّفْلَى، وَالْخَمْسَةُ أَفْضَلُ مِنْ السِّتَّةِ وَلَا يُزَادُ الرَّجُلُ عَلَى خَمْسٍ فَقَوْلُهُ: (أَوْ سَبْعَةٌ) بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَيُزَادُ لَهَا عَلَى الْخَمْسِ السَّابِقَةِ لِفَافَتَانِ.
(وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ أُزْرِهِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَا يُتَّزَرُ بِهِ.
(وَ) مِنْ (قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ) لِلرَّجُلِ (فَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الثَّلَاثَةِ (مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ) وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَا جُعِلَ لَهُ إلَخْ أَنَّ نَحْوَ الْخِرَقِ وَالْعَصَائِبِ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْوَجْهِ وَالْوَسَطِ وَغَيْرِهِمَا لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ السَّبْعِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ إيتَارِ الْكَفَنِ بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ كُفِّنَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ أُدْرِجَ» أَيْ لُفَّ (فِيهَا إدْرَاجًا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِعَامِلِهِ (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَصِفَةُ الْإِدْرَاجِ أَنْ تُبْسَطَ الْوَافِيَةُ أَوَّلًا وَيُجْعَلَ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ تُجْعَلُ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْقَصْرِ عَلَيْهَا وَيُجْعَلُ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا بَعْدَمَا يُجَفَّفُ بِخِرْقَةٍ، فَإِذَا وُضِعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْلَبُ عَلَيْهِ الَّذِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيُمْنَى، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْلَبُ أَوَّلًا الَّذِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيَسَارِ وَيُخَاطُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كُفِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهَا: لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ فَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْكَفَنِ وَقَالَ: فَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ خَاصَّةً لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ أَثْوَابٍ زِيَادَةً عَلَى الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ فَنَقَلَ عَنْهُمَا اسْتِحْبَابَ زِيَادَةِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَسَحُولِيَّةٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا فَعَلَى الْفَتْحِ النِّسْبَةُ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقَصَّارُ الَّذِي يَسْحَلُهَا أَيْ يُقَصِّرُهَا وَيَغْسِلُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ إلَى سَحُولَةَ الْقَرْيَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْيَمَنِ، وَعَلَى الضَّمِّ فَهُوَ جَمْعُ سُحُلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَضْمُومُ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَفْضَلُ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ) أَيْ يَلْبَسَ قَمِيصًا (وَيُعَمَّمَ) أَيْ يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ، كَمَا يُنْدَبُ تَخْمِيرُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ كَمَا قَدَّمْنَا (وَيَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يُحَنَّطَ) أَيْ يُطَيَّبَ الْمَيِّتُ بِمِسْكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ مُحْرِمًا وَمُعْتَدَّةً وَلَا يَتَوَلَّيَاهُ.
(وَ) أَنْ (يُحْمَلَ الْحَنُوطُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا يَتَطَيَّبُ بِهِ (بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي) مَنَافِذِ (جَسَدِهِ) كَعَيْنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ بِأَنْ يُدِرُّ مِنْهُ عَلَى قُطْنٍ وَيُلْصَقُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِي أُذُنَيْهِ وَعَلَى مَخْرَجِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ.
(وَ) يُجْعَلُ (فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ) كَالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ يُلَفُّ الْكَفَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَبْخِيرِهِ بِنَحْوِ الْعُودِ وَيُرْبَطُ الْكَفَنُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقِيلَ يُخَاطُ وَيُحَلُّ عِنْدَ الدَّفْنِ.
1 -
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ التَّكْفِينِ وَلَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَإِنْ نَصَّ عَلَى نَدْبِ إيتَارِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَالْخِلَافُ فِي الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا التَّكْفِينُ وَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمُوَارَاتِهِ فِي التُّرَابِ.
1 -
الثَّالِثَةُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَنْ يَلْزَمُهُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ مَالِهِ وَلَوْ صَغِيرًا.
الثَّالِثَةُ: الْأَفْضَلُ فِي الْكَفَنِ الْبَيَاضُ لِمُوَافَقَةِ كَفَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَجُوزُ بِالْمَلْبُوسِ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا
قَاتِلِ نَفْسِهِ وَيُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ
وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ
وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ وَيَقُولُ حِينَئِذٍ اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ نَزَلَ
[الفواكه الدواني]
سَاتِرًا لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْحَيُّ أَوْلَى بِالْجَدِيدِ إنَّهُ لِلْمِهْنَةِ وَالصَّدِيدِ، وَيُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْحَرِيرِ وَلَوْ لِلرِّجَالِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، كَمَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ بِالنَّجَسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ أَوْ الْأَسْوَدِ أَوْ الْأَزْرَقِ، بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِمَا فِيهِ طِيبٌ كَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُوَرَّسِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهَا فَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي كُلِّ سَاتِرٍ وَلَوْ نَجِسًا أَوْ حَشِيشًا.
[غُسْلِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ]
ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ التَّغْسِيلِ بِذِكْرِ ضِدِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ) بِقَتْلِهِ (فِي الْمُعْتَرَكِ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ شَرْطَ التَّغْسِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَيِّتُ شَهِيدَ حَرْبٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ وَإِنْ أَجْنَبَ عَلَى الْأَحْسَنِ.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ سَوَاءٌ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ لِلْغَنِيمَةِ، سَوَاءٌ غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ أَوْ عَكْسُهُ، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ بِأَنْ كَانَ غَافِلًا حَتَّى قَتَلَهُ الْعَدُوُّ، أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ بِظَنِّهِ كَافِرًا، أَوْ دَاسَتْهُ الْخَيْلُ، أَوْ رَجَعَ بِسَيْفِهِ عَلَيْهِ، أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
(وَ) كَمَا لَا يُغَسَّلُ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلَازُمًا؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّهِيدُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا لِرَفْعِ دَرَجَتِهِ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ طَلَبِ تَغْسِيلِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ فَإِنِّي قَدْ شَهِدْت عَلَيْهِمْ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْ كَلْمٍ وَيُكْلَمُ فِي اللَّهِ إلَّا هُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ» . فَإِنْ قِيلَ: لِمَ غُسِّلَتْ الْأَنْبِيَاءُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ حُرْمَةَ غُسْلِ الشُّهَدَاءِ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ، وَإِذَا شَرَعَ الشَّخْصُ فِي الصَّلَاةِ يُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيُوَسْوِسُ لَهُ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ مِنْ الْأَذَانِ، وَأَيْضًا الشَّهِيدُ إنَّمَا حُذِّرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ اسْتِبْقَاءً لِلدَّمِ لِيَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى حُرْمَةِ تَغْسِيلِ الشُّهَدَاءِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَهُ كَافِرٌ مَعَ أَنَّهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غَيْرُ حَرْبِيٍّ بَلْ رَقِيقٌ نَصْرَانِيٌّ يَلْزَمُ قَاتِلَهُ قِيمَتُهُ.
وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: فِي الْمُعْتَرَكِ عَنْ شَهِيدِ الْآخِرَةِ كَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيبِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَسُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ رُوحَهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَدَخَلَتْهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ رُوحِ غَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ صَاحِبِهَا وَهُوَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ وَالصِّرَاطِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ شَهِيدِ الْحَرْبِ وَالْآخِرَةِ لَا يُسْأَلُ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يُدْفَنَ بِثِيَابِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَدُفِنَ بِثِيَابِهِ إنْ سَتَرَتْهُ وَإِلَّا زِيدَ بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا وَخَاتَمٍ قَلَّ فَصُّهُ لَا دِرْعٍ وَسِلَاحٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ» .
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ عِصْيَانَهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لَا يُسْقِطُ طَلَبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُسْلِمًا.
(وَ) كَذَا يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ) مُوجِبٍ لِلْقَتْلِ كَرَجْمٍ أَوْ حِرَابَةٍ أَوْ تَرْكِ صَلَاةٍ كَسَلًا.
(أَوْ) قَتَلَهُ فِي (قَوَدٍ) لِقَتْلِهِ مُكَافِئًا لَهُ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَيْ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الَّذِي يُبَاشِرُ الصَّلَاةَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَعَاصِي غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ قَاتِلِ نَفْسِهِ وَمَا بَعْدَهُ (الْإِمَامُ) وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْمُرَادُ يُكْرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَصَلَاةُ فَاضِلٍ عَلَى بِدْعِيٍّ أَوْ مُظْهِرِ كَبِيرَةٍ، وَالْإِمَامِ عَلَى مَنْ حَدُّهُ الْقَتْلُ بِحَدٍّ أَوْ قَتْلٍ وَإِنْ تَوَلَّاهُ النَّاسُ دُونَهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَتَرَدَّدَ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَلَا تُعَادُ مَرْضَاهُمْ وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ أَدَبًا لَهُمْ، فَإِنْ خِيفَ ضَيْعَتُهُمْ غُسِّلُوا وَكُفِّنُوا وَصَلَّى عَلَيْهِمْ غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ الْإِمَامُ بِالذِّكْرِ مَعَ عَدَمِ قَصْرِ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهِ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ بِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالرَّجْمِ مُحْتَجًّا «بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ» ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي تَعْزِيرٍ أَوْ فِي حَدٍّ غَيْرِ الْقَتْلِ لَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَا مَنْ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ صَلَاتِهِمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ جُمْلَةً عَلَى مَنْ ذُكِرَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ صَلَاتُهُ حَتَّى الْفَاضِلُ لِوُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى كُلِّ مَحْكُومٍ لَهُ بِالْإِسْلَامِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ الْمَكْرُوهَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا بِالْمِبْخَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِتْبَاعُهُ بِنَارٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ: «لَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ» قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَكَرَاهَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ زَائِدَةٌ عَنْ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ) فِي حَالِ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ»
بِك وَخَلَّفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَك اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ وَتَجْصِيصُهَا
وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ وَلَا
[الفواكه الدواني]
وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَافِعٌ وَحَقُّ الشَّافِعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، فَالْمَاشِي أَمَامَهَا مُحَصِّلٌ لِفَضِيلَتَيْنِ الْمَشْيِ وَالتَّقَدُّمِ، وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ إلَّا بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ الْمَاشِينَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالرَّاكِبُونَ فَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّهِمْ التَّأَخُّرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَشْيُ مُشَيِّعٍ وَإِسْرَاعُهُ وَتَقَدُّمُهُ وَتَأَخُّرُ، رَاكِبٍ وَامْرَأَةٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ لِخَبَرِ: «أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُمْ إلَيْهِ وَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَنَدْبُ الْإِسْرَاعِ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ بِجَنَائِزِكُمْ» ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْرَاعِ مَا فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ دُونَ الْخَبَبِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْقَصْدِ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) : الَّذِي يُطْلَبُ مِنْهُ الْخُرُوجُ لِتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا هُمْ الرِّجَالُ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَأَمَّا النِّسَاءُ الْمَخْشِيَّاتُ الْفِتْنَةَ فَلَا يَحِلُّ خُرُوجُهُنَّ وَلَوْ لِجِنَازَةِ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ غَيْرُ الْمَخْشِيَّةِ فَتَخْرُجُ لِجِنَازَةِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهَا فَقْدُهُ كَابْنِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ.
[صِفَةِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُجْعَلَ الْمَيِّتُ) أَيْ يُضْجَعَ (فِي قَبْرِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَتُحَلُّ عُقَدُ كَفَنِهِ، وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ، وَيُعْدَلُ رَأْسُهُ بِالتُّرَابِ وَرِجْلَاهُ بِرِفْقٍ، وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَضُجِعَ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا وَتُدُورِكَ إنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي قَبْرِهِ بَلْ مَيِّتُ الْبَحْرِ إنْ لَمْ يُرْجَ الْبُرْءُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُثَقَّلُ بِشَيْءٍ فِي رِجْلَيْهِ أَوْ لَا قَوْلَانِ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ يَمُوتُ وَخِفْنَا عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ لِعَدَمِ كَافِرٍ يُوَارِيه فَيَجِبُ عَلَيْنَا مُوَارَاتُهُ وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ قِبْلَتَنَا وَلَا قِبْلَتَهُ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُنْصَبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الطُّوبُ النِّيءُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَدُّهُ بِلَبِنٍ ثُمَّ لَوْحٍ ثُمَّ قُرْمُودٍ ثُمَّ آجُرٍّ ثُمَّ قَصَبٍ، وَسَتْرُهُ بِالتُّرَابِ أَوْلَى مِنْ التَّابُوتِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ " مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَدَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَنَصَبَ اللَّبِنَ عَلَى لَحْدِهِ» وَفَعَلَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَهُوَ أَفْضَلُ مَا يَسُدُّهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خَلَا التُّرَابَ فَالسَّدُّ بِهِ وَصَبُّهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ وَضْعِهِ فِي التَّابُوتِ وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُوضَعُ كَالصُّنْدُوقِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْوَاضِعِ لِلْمَيِّتِ فِي حَالِ إضْجَاعِهِ لَهُ أَنْ (يَقُولَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ سَدِّ الْقَبْرِ عَلَيْهِ (اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ نَزَلَ بِك) ضَيْفًا (وَخَلَّفَ) بِشَدِّ اللَّامِ أَيْ تَرَكَ (الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَك) مِنْ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ وَحِيدًا فَرِيدًا وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُتَعَزِّزًا بِقَوْمِهِ وَمَالِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا أَوْ أَبًا (اللَّهُمَّ ثَبِّتْ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّهَا (عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ نُطْقَهُ وَالْمَعْنَى: أَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُعْطِيَ هَذَا الْمَيِّتَ قُوَّةً عَلَى فَهْمِ وَرَدِّ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْأَلَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَعْدَ إقْعَادِهِ وَرَدِّ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِهِ وَقِيلَ نِصْفِهِ الْأَعْلَى وَإِعْطَائِهِ مِنْ الْعَقْلِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الْحَاضِرِينَ لِلدَّفْنِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27] وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآخِرَةِ وَقْتُ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الْعَقِيدَةِ.
(وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ) أَيْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى رَدِّ جَوَابِهِ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ صِفَةَ السُّؤَالِ مُخْتَلِفَةٌ بِالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ.
(وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِهِ وَمَشْمُولًا بِشَفَاعَتِهِ، وَاخْتَارَ هَذَا الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ» .
قَالَ الْإِمَامُ أَشْهَبُ: عَقِبَ هَذَا الدُّعَاءِ إنْ دَعَا بِغَيْرِهِ فَحَسَنٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الدُّعَاءِ مِمَّا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى خَلِيلٍ فَرَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دَفْنِ الْمَيِّتِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ إظْهَارِ قَبْرِهِ فَقَالَ: (وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ) وَكَذَا تَحْوِيزُ مَوَاضِعِهَا بِالْبِنَاءِ حَوْلَهَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَإِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «وَضَعَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ حَجَرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ» وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ لِلْبِنَاءِ إذَا عَرَى قَصْدُ الْمُبَاهَاةِ وَإِلَّا حَرُمَ، كَمَا إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ كَصَيْرُورَتِهِ مَأْوًى لِلُّصُوصِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَمَحِلُّهَا أَيْضًا إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي أَوْ مُبَاحَةٍ كَمَوَاتٍ، وَأَمَّا فِي أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ فَحَرَامٌ كَالْقَرَافَةِ بِمِصْرَ، وَمَحَلُّهَا أَيْضًا مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُجَرَّدَ تَمْيِيزِ الْقَبْرِ وَإِلَّا جَازَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ الْبِنَاءُ أَوْ التَّجْوِيزُ، كَمَا يَجُوزُ وَضْعُ خَشَبَةٍ أَوْ
يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ فَلْيُوَارِهِ
وَاللَّحْدُ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّقِّ وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجَرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ تُرْبَةً صَلْبَةً لَا تَتَهَيَّلُ وَلَا تَتَقَطَّعُ وَكَذَلِكَ فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[الفواكه الدواني]
حَجَرٍ عَلَيْهِ بِلَا نَقْشٍ وَإِلَّا كُرِهَ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْشُ بِقُرْآنٍ فَتَظْهَرُ الْحُرْمَةُ خَوْفَ الِامْتِهَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، وَهِيَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى خُصُوصِ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسٌ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْقُبَبُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى دَفْنِ الْأَمْوَاتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّحْجِيرِ عَلَى مَا هُوَ حَقٌّ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَ) كَمَا يُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يُكْرَهُ (تَجْصِيصُهَا) أَيْ تَبْيِيضُهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لَنَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ «نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ» ، وَمَا وَرَدَ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ عَلَى الْقَبْرِ تَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهِ مَا لَمْ يُجَصَّصْ فَإِنْ جُصِّصَ تَرَكُوا الِاسْتِغْفَارَ، وَعَلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَتَطْيِينُ قَبْرٍ وَتَبْيِيضُهُ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ وَتَحْوِيزٌ فَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ، وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ إلَّا كُرِهَ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ حُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وُجُوبُ مُوَارَاةِ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا وَتَغْسِيلُهُ قَالَ: (وَلَا يُغَسِّلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ (الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ) وَأَوْلَى غَيْرُ الْأَبِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ (وَلَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْبِرِّ سَقَطَ بِمَوْتِهِ وَقَبْرُهُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ بَلْ يَتْرُكُهُ إلَى أَهْلِ دِينِهِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ) عَلَيْهِ (أَنْ يَضِيعَ) بِتَرْكِ مُوَارَاتِهِ (فَلْيُوَارِهِ) وُجُوبًا بِكَفْنِهِ وَدَفْنِهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَعَرَّةِ وَلَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ قِبْلَتَنَا وَلَا قِبْلَتَهُ، وَالنَّهْيُ عَمَّا ذُكِرَ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْكَافِرُ يَتَنَاوَلُ الْحَرْبِيَّ خِلَافًا لِبَعْضٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ «أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا مَاتَ جَاءَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ» ، وَالْمَقَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُوَارَاتِهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَافِرَ غَيْرَ الْقَرِيبِ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهُ عِنْدَ خَوْفِ ضَيْعَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وُجُوبُ مُوَارَاتِهِ عِنْدَ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهِ عَامٌّ حَتَّى فِي الْأَجْنَبِيِّ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَغَيْرَهُ كَخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ أَبًا كَافِرًا وَلَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ إلَّا أَنْ يَضِيعَ فَلْيُوَارِهِ إنَّمَا نَصَّ الْمُتَوَهِّمُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَتْ مُوَارَاتُهُ لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الضَّيْعَةِ فَالْأَجْنَبِيُّ أَحْرَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مُوَارَاةِ الْآدَمِيِّ فَافْهَمْ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ فِي مَحَلِّ الدَّفْنِ فَقَالَ (وَاللَّحْدُ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّقِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ، وَإِنَّمَا كَانَ اللَّحْدُ أَحَبَّ لِخَبَرِ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» وَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخَرُ يَشُقُّ فَقَالَتْ الصَّحَابَةُ: أَيُّهُمَا جَاءَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ فَلَحَدَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَأَفْعَلُ التَّفْضِيل لَيْسَ عَلَى بَابِهِ كَمَا تَقْتَضِيه الْأَدِلَّةُ، وَفَسَّرَ اللَّحْدَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجُرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ) أَيْ فِي جَانِبِ الْحَائِطِ الْكَائِنِ فِي الْقِبْلَةِ.
(وَذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحَبِّيَّةِ اللَّحْدِ عَلَى الشَّقِّ (إذَا كَانَتْ) الْمَقْبَرَةُ (تُرْبَةً صَلْبَةً) أَيْ (تَتَهَيَّلُ) كَالرَّمْلِ (وَ) لَا (تَتَقَطَّعُ) أَيْ تَسْقُطُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَإِلَّا كَانَ الشَّقُّ أَفْضَلَ، وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَحْفِرَ حُفْرَةً فِي وَسَطِ الْقَبْرِ وَيَبْنِيَ جَانِبَاهَا بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهَا وَيُسَدُّ عَلَيْهِ بِاللَّبِنِ فَوْقَ الْجَانِبَيْنِ كَالسَّقْفِ بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَلِأَجْلِ فَضْلِ اللَّحْدِ (فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . (خَاتِمَةٌ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ غَايَةَ الْقَبْرِ وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَقَلُّهُ مَا مَنَعَ رَائِحَتَهُ وَحَرَسَهُ، وَيُسْتَحَبُّ عَدَمُ عُمْقِهِ وَكَوْنُهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ سَبْخَةٍ لِسُرْعَةِ الْبَلَاءِ فِيهَا، وَاَلَّتِي لَا تُبْلَى أَفْضَلُ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
[بَاب فِي الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز وَالدُّعَاء لِلْمَيِّتِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ شَرَعَ فِيمَا يَكُونُ بَعْدَهُمَا وَهُوَ الصَّلَاةُ بِقَوْلِهِ:
بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ
وَالتَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ
وَإِنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) كَيْفِيَّةِ (الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ اتِّفَاقًا وَهُوَ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِكَسْرِهَا عَلَى الْأَفْصَحِ؛ لِأَنَّ فَعَالَةَ بِالْفَتْحِ أَوْ الْكَسْرِ أَوْ الضَّمِّ تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَبِفَعَائِلَ اجْمَعْنَ فَعَاله وَشِبْهُهُ ذَا تَاءٍ أَوْ مُزَالَهُ كَسَحَابَةٍ وَرِسَالَةٍ وَكُنَاسَةٍ وَعَجُوزٍ وَصَحِيفَةٍ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَحْدَهُ وَعَلَى النَّعْشِ وَعَلَى الْمَيِّتِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا خُصُوصُ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(وَ) فِي ذِكْرِ (الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) وَاسْتَشْكَلَ ذِكْرُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نِيَّةٍ وَتَكْبِيرٍ وَدُعَاءٍ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ وَسَلَامٍ وَقِيلَ وَقِيَامٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يُقَالُ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالدُّعَاءُ لَهَا بَدَلُ قَوْلِهِ لِلْمَيِّتِ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ مُطَابِقًا لِلْجَنَائِزِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا جَمْعًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَتْ الْجَنَائِزُ تُطْلَقُ عَلَى الْأَمْوَاتِ فَقَطْ وَعَلَى النُّعُوشِ وَالْأَمْوَاتِ عَلَيْهَا رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَلَى بُعْدِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى النُّعُوشِ مَعَ الْأَمْوَاتِ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَى نُعُوشٍ، وَأَفْرَدَ الْمَيِّتَ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْجَنَائِزِ لِلْجِنْسِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ أَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَدَلِيلُ الْفَرِيضَةِ مَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ضِدُّ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إمَامًا، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُهُ، ثُمَّ الْخَلِيفَةُ لَا فَرْعُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ خُطْبَةٍ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ كَالنِّكَاحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالثَّانِي: شُرُوطُهَا كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ، وَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ غُسِّلَ أَوْ يُمِّمَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَتَجِبُ قَبْلَ دَفْنِهِ فَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ حَيْثُ لَمْ يُتَيَقَّنْ ذَهَابُهُ وَلَوْ بِأَكْلِ السَّبُعِ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلَا تُشْتَرَطُ فِيهَا جَمَاعَةٌ بَلْ تُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَإِذَا حَصَلَ لِلْإِمَامِ مُوجِبُ الِاسْتِخْلَافِ اسْتَخْلَفَ، وَإِذَا ذَكَرَ فَائِتَةً تَمَادَى عَلَيْهَا لِسُهُولَةِ أَمْرِهَا، وَطَلَبُ الْإِسْرَاعِ بِالْجَنَائِزِ وَأَرْكَانِهَا الْمُتَّفِقِ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ: النِّيَّةُ وَالتَّكْبِيرُ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ الْقِيَامُ إلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا مِنْ جُلُوسٍ أَوْ رُكُوبٍ اخْتِيَارًا أُعِيدَتْ، هَكَذَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَابْنُ الْحَاجِّ وَزَرُّوقٌ وَالْقَرَافِيُّ وَسَنَدٌ بِنَاءً عَلَى فَرْضِيَّتِهَا،
وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْكَانِ إلَّا التَّكْبِيرَ وَالدُّعَاءَ وَالسَّلَامَ حَيْثُ قَالَ: (وَ) عَدَدُ (التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا، وَتُمْنَعُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى أَرْبَعٍ، وَاسْتَقَرَّ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الْأَرْبَعِ، وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ زَادَ الْإِمَامُ عَلَى الْأَرْبَعِ لَمْ يَنْظُرْهُ مَأْمُومُهُ بَلْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ سَوَاءٌ زَادَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَسَوَاءٌ كَانَ يَرَى الزِّيَادَةَ مَذْهَبًا أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ الْإِمَامُ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ تَبَعًا لِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَلَوْ أَتَى الْمَأْمُومُ بِالرَّابِعَةِ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ الْإِمَامُ سَاهِيًا سَبَّحَ لَهُ الْمَأْمُومُ فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ كَمَّلَ صَلَاتَهُ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إذَا سَلَّمَ وَطَالَ إلَّا أَنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ فَيَبْنِي بِأَنْ يَرْجِعَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ يُكْمِلُهَا بِتَكْبِيرِ الرَّابِعَةِ إنْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ يُسَلِّمُ بَعْدَ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا سُجُودُ سَهْوٍ فِي زِيَادَةِ كَلَامٍ أَوْ سَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ فِي ذَاتِ
الْأَرْبَعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ
وَيَقِفُ الْإِمَامُ فِي الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ وَفِي الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا
وَالسَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ خَفِيَّةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ
وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ وَذَلِكَ التَّمَثُّلُ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدِ ثَوَابًا
وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاسِعٌ وَمِنْ
[الفواكه الدواني]
الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ) أَيْ التَّكْبِيرَاتِ (وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ) بِهِ إذْ غَايَةُ مَا حَصَلَ مِنْهُ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الرَّفْعُ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ لِمَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى إحْرَامٌ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ لَا إحْرَامَ لَهَا؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى لَمْ يَجُزْ إدْخَالُهَا فِي الصَّلَاةِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ لَهَا صَلَاةً بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الْأُولَى، فَقَدْ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: لَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ ثَانِيَةٌ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَالشُّرُوعِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يُشْرِكُ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى فِي الدُّعَاءِ، وَقِيلَ يَجُوزُ إدْخَالُهَا فِي الدُّعَاءِ مَعَ الْأُولَى، وَنَقَلَهُ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ، وَلَعَلَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ جَوَازِ إدْخَالِهَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهَا صَلَاةً مُسْتَقِلَّةً وَهُوَ كَلَامُ التَّهْذِيبِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ النِّيَّةَ وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِهَا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ رُكْنِيَّتَهَا ضَرُورِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ وَصِحَّتُهَا بِالنِّيَّةِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَرُكْنُهَا النِّيَّةُ وَأَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ وَالدُّعَاءُ وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ وَسَمْعُ الْإِمَامِ مَنْ يَلِيه وَصَبْرُ الْمَسْبُوقِ لِلتَّكْبِيرِ، وَدَعَا إنْ تُرِكَتْ وَإِلَّا وَالَى، وَالْمُصَنِّفُ أَشَارَ إلَى الدُّعَاءِ فِيمَا يَأْتِي عِنْدَ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ شَيْءٍ مَحْدُودٍ، وَصِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ لَمْ يَضُرَّ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ كَمَا تَصِحُّ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا أُنْثَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا ذَكَرٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ أَنَّهَا فُلَانٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الشَّخْصُ الْحَاضِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي النَّعْشِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ وَاحِدٌ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانَ الْوَاحِدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَإِلَّا أُعِيدَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَوَاهُ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَيْسَ فِيهِمَا أَوْ فِيهِمْ مَنْ عَيَّنَهُ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي النَّعْشِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَمَاعَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الدُّعَاءَ وَاجِبٌ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ فَلَيْسَ كَقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ خَلْفَ الْإِمَامِ بَلْ تُعَادُ الصَّلَاةُ لِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ شَافِعٌ مَطْلُوبٌ بِالدُّعَاءِ،
وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ) الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ (دَعَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ) تَكْبِيرَاتٍ بِمَا كَانَ يَدْعُو بِهِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بِغَيْرِهِ (ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ) مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَكَمَا لَا قِرَاءَةَ بَعْدَ رُكُوعِ الرَّابِعَةِ مَثَلًا لَا دُعَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ هُنَا وَمُقَابِلُهُ يَدْعُو وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، قَالَ خَلِيلٌ: وَدَعَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ.
(وَ) صِفَةُ الْوُقُوفِ الْمَنْدُوبِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ (يَقِفَ الْإِمَامُ) وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ وَفِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا) قَالَهُ خَلِيلٌ: وَوُقُوفُ إمَامٍ بِالْوَسَطِ وَمَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقِفُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاتِهَا عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَذَكَّرَ كُلٌّ إنْ وَقَفَ عِنْدَ وَسَطِ الْمَيِّتِ مَا يَشْغَلُهُ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ وَوَقَفَ عِنْدَ وَسَطِهَا» لِعِصْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَصْدِ مَا يَشْغَلُهُ، وَأَمَّا وُقُوفُ الْمَأْمُومِ فَعَلَى صِفَةِ وُقُوفِهِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّجُلِ، وَكَذَا وُقُوفُهُ عِنْدَ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا عَلَى جِنَازَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ عَلَى امْرَأَةٍ فَتَقِفُ حَيْثُ شَاءَتْ، وَيُسْتَحَبُّ جَعْلُ رَأْسِ الْمَيِّتِ عَلَى يَمِينِ الْمُصَلِّي إلَّا فِيمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ رَأْسُ الْمَيِّتِ عَلَى يَسَارِهِ لِتَكُونَ رِجْلَاهُ لِغَيْرِ جِهَةِ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي فِي الرَّوْضَةِ يَصِيرُ قَبْرُ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ عَلَى يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ قَبْرِ الْخُلَفَاءِ وَالزَّوْجَاتِ فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِ الْمُصَلَّى فِيهَا أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَهُ لِمَنْ لَمْ يَرَهُ.
(وَ) عِدَّةُ (السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ خَفِيفَةٌ) وَرُوِيَ خَفِيَّةٌ (لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ) لَكِنَّ الْإِمَامَ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيه.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ وَسَمْعُ الْإِمَامِ مَنْ يَلِيه، وَمَعْنَى، خَفِيفَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ عَدَمُ الْجَهْرِ بِهَا مِنْ الْمَأْمُومِ، وَلَيْسَ هُنَا رَدٌّ عَلَى الْإِمَامِ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُسَارَعَةُ لِلدَّفْنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَرْكَانِهَا وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ سَلَامِ الصَّلَاةِ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ) لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهَا
مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّنَاءُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ
[الفواكه الدواني]
حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي الْقِيرَاطَيْنِ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ مِنْ لَفْظِ مُسْلِمٍ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَنَّ أَحَدَ الْقِيرَاطَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْآخَرِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ حُصُولُ ثَوَابِ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ وَلَوْ لَمْ يَتْبَعْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَوَقُّفَهُ.
عَلَى اتِّبَاعِهَا وَعَلَى الْبَقَاءِ مَعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَثَوَابُ مَنْ اتَّبَعَهَا وَلَازَمَهَا لِلدَّفْنِ أَعْظَمُ (وَذَلِكَ) الْقِيرَاطُ (فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَابًا) تَمْيِيزٌ لِمِثْلِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَبَلُ أُحُدٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ لَكَانَ ثَوَابُ هَذَا الْقِيرَاطِ كَثَوَابِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ لَوْ جُعِلَ هَذَا الْجَبَلُ فِي كِفَّةٍ وَجُعِلَ الْقِيرَاطُ فِي كِفَّةٍ مُقَابِلَةٍ لَهَا لَسَاوَاهَا، وَأُحُدُ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ قَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ هَذَا الْجَبَلَ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» وَخَصَّهُ بِالتَّمْثِيلِ إمَّا لِذَلِكَ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْجِبَالِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَمُتَّصِلٌ بِجَمِيعِ الْجِبَالِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْقِيرَاطُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ الدَّفْنِ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ ثَوَابُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ.
الثَّانِي: لَوْ تَعَدَّدَتْ الْأَمْوَاتُ لَتَعَدَّدَ قِيرَاطُ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِتَعَدُّدِهِمْ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ وَسَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: يَحْصُلُ لَهُ بِكُلِّ مَيِّتٍ قِيرَاطٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ انْتَفَعَ بِدُعَائِهِ وَحُضُورِهِ.
الثَّالِثُ: الْمُقَسَّمُ إلَى هَذِهِ الْقَرَارِيطِ هُوَ الْأَجْرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَيِّتِ مِنْ تَغْمِيضِهِ وَتَقْبِيلِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ وَنَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَوَضْعِهِ عَلَى مُرْتَفَعٍ وَتَغْسِيلِهِ وَحَمْلِهِ وَالْمَشْيِ مَعَهُ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَحُضُورِهِ وَدَفْنِهِ وَحَفْرِ قَبْرِهِ وَسَدِّهِ عَلَيْهِ وَإِهَالَةِ التُّرَابِ، فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَمْرًا بَلْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، وَلَعَلَّهُ بَقِيَ مِنْهَا تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ، فَمَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ هِيَ جُمْلَةُ الْأَجْرِ، وَمَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ مَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْقِيرَاطُ مَنْسُوبًا إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا، نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعِمَادِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
الرَّابِعُ: حُضُورُ الْجِنَازَةِ إمَّا رَغْبَةً فِي أَهْلِهَا أَوْ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَإِمَّا رَغْبَةً فِي الْأَجْرِ وَإِمَّا مُكَافَأَةً، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَحْصُلُ بِهِ الْقِيرَاطُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ، وَقَصْدُ أَهْلِهَا وَالْمُكَافَأَةُ لَا يَضُرُّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا» إلَخْ الْإِمْكَانُ حَمْلُهُ عَلَى حُصُولِ الْأَجْرِ الْكَامِلِ،
وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ وَلَوْ بِعَفَا اللَّهُ عَنْهُ أَوْ رَحِمَهُ اللَّهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُجْزِي أَنْ (يُقَالَ فِي الدُّعَاءِ) فِي الصَّلَاةِ (عَلَى الْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ) أَيْ أَوْ مُعَيَّنٍ، فَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، أَوْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَصَلَ الْوَاجِبُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِلَفْظٍ أَوْ قَدْرٍ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاسِعٌ) فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ (وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ (أَنْ يُكَبِّرَ) عِنْدَ شُرُوعِهِ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ رُكْنٌ كَمَا بَيَّنَّا.
(ثُمَّ) الْأَوْلَى الْفَاءُ بَدَلُ ثُمَّ عَدَمُ التَّرَاخِي (يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى) وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28] فَأَطْلَقَ الْمَوْتَ عَلَى عَدَمِهِ قَبْلَ إنْشَائِهِمْ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ مَنْ أَرَادَ إمَاتَتَهُ، وَأَحْيَا مَنْ أَرَادَ حَيَاتَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ بِالْكُفْرِ وَأَحْيَا بِالْإِيمَانِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ) مُتَرَادِفَانِ (وَ) لَهُ (الْمُلْكُ) بِضَمِّ الْمِيمِ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ بَاعِثٍ بَلْ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ.
(وَ) لَهُ (الْقُدْرَةُ) التَّامَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ.
(وَ) لَهُ (السَّنَاءُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ فِي الشَّرَفِ وَالْمَنْزِلَةِ لَا فِي الْمَكَانِ، وَأَمَّا بِالْقَصْرِ فَهُوَ الضَّوْءُ فَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا.
(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ الْمُمْكِنَاتِ (قَدِيرٌ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت) الْبَرَكَةُ الْخَيْرُ وَالْمَنْفَعَةُ (عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ) أَيْ مَحْمُودٌ (مَجِيدٌ) أَيْ مُعَظَّمٌ وَمُشَرَّفٌ وَكَرِيمٌ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ صِيغَةُ الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي التَّشَهُّدِ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلَمْ تَأْتِ فِي طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ فِيهَا هُنَا لَفْظُ فِي الْعَالَمِينَ وَزَادَ هُنَاكَ، وَحَذَفَ.
أَيْضًا لَفْظَ: وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ
أَمَتِك أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيه وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ بِحَبْلِ جِوَارِك لَهُ إنَّك ذُو وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ اللَّهُمَّ قِه مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ وَنَقِهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ تَقُولُ هَذَا بِأَثَرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ
[الفواكه الدواني]
وَإِنْ كَانَ الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا هُوَ فِي زِيَادَةِ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا فَقَطْ، وَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَارِدِ وَتَرْكُ مَا لَمْ يَثْبُتْ وُرُودُهُ، وَتَقَدَّمَتْ الْمُنَاقَشَةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ فَرَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إمَامٌ عَظِيمٌ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ.
(اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنَا، وَقِيلَ: يَقْتَصِرُ فِي وَلَدِ الزِّنَا عَلَى قَوْلِهِ: إنَّهُ عَبْدُك، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي نِدَائِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقِيلَ: يُنَادَى بِاسْمِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بِاسْمِ أَبِيهِ.
(أَنْتَ خَلَقْته وَ) أَنْتَ (رَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتّه) فِي الدُّنْيَا (وَأَنْتَ تُحْيِيه) فِي الْآخِرَةِ (وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ) أَيْ اقْبَلْ دُعَاءَنَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا قَبِلَ اللَّهُ شَفَاعَتَهُمْ " وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ الِاجْتِهَادُ فِي إحْضَارِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَدْنَى مِنْ الْمَيِّتِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّمَا يَقُولُ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُسَاوِيًا أَوْ أَرْفَعَ رُتْبَةً، وَأَمَّا الْأَدْنَى فَإِنَّمَا يَقُولُ: جِئْنَا مَعَ الشُّفَعَاءِ لَهُ.
(اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ) أَيْ نَطْلُبُ الْإِجَارَةَ وَالْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَالَ كَوْنِنَا مُتَمَسِّكِينَ (بِحَبْلِ جِوَارِك) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ أَمَانِك (لَهُ) وَفِي كَلَامِهِ اسْتِعَارَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ لَا يُجْمَعُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ إلَّا بِالْحَبْلِ، وَبَيَانُ الِاسْتِعَارَةِ هُنَا أَنَّ الْعَبْدَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ بِإِسَاءَتِهِ مَحْجُوبٌ عَنْهُ فَلَا يَنْضَافُ إلَى رَحْمَتِهِ إلَّا بِحَبْلِ عَفْوِهِ وَفَضْلِهِ فَالِاسْتِعَارَةُ تَصْرِيحِيَّةٌ، فَإِضَافَةُ حَبْلٍ إلَى جِوَارٍ بَيَانِيَّةٌ.
(إنَّك ذُو) أَيْ صَاحِبُ (وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ) أَيْ عَهْدٍ، وَقَدْ وَعَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمَغْفِرَةِ.
(اللَّهُمَّ قِه) أَيْ نَجِّهِ (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) بِأَنْ تُثَبِّتَهُ لِجَوَابِ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْقَبْرِ، أَوْ تَجْعَلَهُ مِمَّنْ لَا يُسْأَلُ كَالشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا ضَمَّةُ الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّرَجَاتِ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْهَا سِوَى الْأَنْبِيَاءِ لَنَجَى مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ أَفْلَتَ مِنْهَا أَحَدٌ لَأَفْلَتَ مِنْهَا هَذَا الصَّبِيُّ» وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ ضَمَّةً وَلَا سُؤَالٌ لِعِصْمَتِهِمْ.
(وَ) قِه (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) بِسَتْرِ ذُنُوبِهِ (وَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ وَأَكْرِمْ نُزْلَهُ) بِسُكُونِ الزَّايِ أَيْ اُلْطُفْ بِهِ حِينَ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَحِيدًا فَرِيدًا بِأَنْ تُرِيَهُ فِيهِ مَا يُؤْنِسُهُ،؛ لِأَنَّ النُّزُلَ يُطْلَقُ عَلَى حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ وَإِكْرَامِهِ فِيهِ بِرُؤْيَةِ مَا يَسُرُّهُ مِنْ الْعَمَلِ، وَيُطْلَقُ النُّزُلُ عَلَى مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ (وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ) أَيْ قَبْرَهُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ (وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ مَاءَانِ مُنْعَقِدَانِ يَنْزِلَانِ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ يَذُوبَانِ، وَالْمَعْنَى: اُمْحُ ذُنُوبَهُ وَلَا تُبْقِي مِنْهَا شَيْئًا بِقَرِينَةٍ.
(وَنَقِّهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ) الْوَسِخُ (مِنْ الدَّنَسِ) وَإِنَّمَا مَثَّلَ بِالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الْغَسْلِ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِلْمَخْلُوقِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الزَّنَاتِيُّ: اللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ، وَلَوْلَا وُرُودُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ مِنْ الشَّارِعِ لَمَا جَازَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى: حَتَّى يَصِيرَ فِي نَظَرِنَا كَالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ الَّذِي نُشَاهِدُهُ خَالِصًا مِنْ كُلِّ مُنَافٍ لِلْبَيَاضِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْخُلُوصِ مِنْ الذُّنُوبِ.
(وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) بِأَنْ تَجْعَلَ دَارِهِ الْجَنَّةَ (وَ) أَبْدِلْهُ (أَهْلًا) أَيْ قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ (خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) فِي الدُّنْيَا (وَ) أَبْدِلْهُ (زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ زَوْجَتَهُ فِي الدُّنْيَا قَدْ تَكُونُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِثْلَهُ، وَإِلَّا عُوِّضَ خَيْرًا مِنْهَا، أَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا ذَاتَ أَزْوَاجٍ وَصَحَّتْ لِغَيْرِهِ فَيُبْدِلُهُ خَيْرًا مِنْهَا، أَوْ لَمْ يُزَوَّجْ فِي الدُّنْيَا فَيُعَوِّضُهُ خَيْرًا مِنْ الَّتِي كَانَ يُرِيدُ زَوَاجَهَا.
(اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا) فِي الدُّنْيَا لِغَيْرِهِ (فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ) أَيْ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.
(وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك) ضَيْفًا (وَأَنْتَ خَيْرُ) جَوَّادٍ (مَنْزُولٍ بِهِ) فَالضَّمِيرُ لَيْسَ لِلَّهِ (فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَزَلَ (وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ) لِاسْتِغْنَائِك عَنْ كُلِّ مَا سِوَاك.
(اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَأَجْرَ مُصِيبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مُصَابٌ فِي أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ (وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) بِسَبَبِ مُصِيبَتِهِ (تَقُولُ هَذَا) الدُّعَاءَ وُجُوبًا (بِأَثَرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا الْحَمْدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْدُوبَانِ وَالْوَاجِبُ الدُّعَاءُ وَلَوْ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَسْعِدْنَا بِلِقَائِك وَطَيِّبِنَا لِلْمَوْتِ وَطَيِّبِهِ لَنَا وَاجْعَلْ فِيهِ رَاحَتَنَا وَمَسَرَّتَنَا ثُمَّ تُسَلِّمُ
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً قُلْت اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك ثُمَّ تَتَمَادَى بِذِكْرِهَا عَلَى التَّأْنِيثِ غَيْرَ أَنَّك لَا تَقُولُ وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ زَوْجًا فِي الْجَنَّةِ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا
وَنِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ
[الفواكه الدواني]
(وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) وُجُوبًا عَلَى مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَ) اغْفِرْ (لِوَالِدِينَا) بِكَسْرِ الدَّالِ (وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ) مُوَاظِبًا (عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ) بِضَمِّ الْهَاءِ مِنْ تَوَفَّهُ وَبِكَسْرِهَا مِنْ أَحْيِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْيَاءُ مِنْ أَحْيِهِ وَالْأَلِفُ مِنْ تَوَفَّهُ.
(عَلَى الْإِسْلَامِ) وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا تَفَنُّنًا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ شَرْعًا أَوْ لِاتِّحَادِ مَا يُرَامُ مِنْهُمَا.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَمُوتَ وَلِسَانُهُ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ فَيَلْزَمُ سِتَّةَ أَشْيَاءَ أَوْ سَبْعَةً، أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ عَمَلٍ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ أَمْرٍ فِي غَدٍ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
(وَ) تَقُولُ (أَسْعِدْنَا بِلِقَائِك) أَيْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ (وَطَيِّبِنَا لِلْمَوْتِ) بِأَنْ تُوَفِّقَنَا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَتَّى نَمُوتَ عَلَيْهَا.
(وَطَيِّبْهُ لَنَا) بِأَنْ يَنْزِلَ بِنَا وَأَنْفُسُنَا رَاضِيَةٌ بِهِ.
(وَاجْعَلْ فِيهِ رَاحَتَنَا وَمَسَرَّتَنَا) بِحَيْثُ تُوَسِّعُ لَنَا الْقَبْرَ وَتُنَعِّمُنَا فِيهِ وَتُدْخِلُنَا بَعْدَ خُرُوجِنَا مِنْهُ الْجَنَّةَ وَتَرْزُقُنَا فِيهَا النَّظَرَ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ، وَلَا يُقَالُ: فِي هَذَا تَمَّنِي الْمَوْتِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلَكِنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ الدُّعَاءِ بِمَا ذُكِرَ التَّمَنِّي؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ حُصُولِهِ،؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَوْتِ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ يُجَوِّزُ تَمَّنِي الْمَوْتِ إذَا بُشِّرَ بِالْجَنَّةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ إلَى دَارِ الرَّاحَةِ، أَوْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُلَابِسًا لِلْمَعَاصِي وَلَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهُ عَنْهَا أَوْ يَنْدَرِسُ الْحَقُّ وَيَنْتَشِرُ الْبَاطِلُ كَزَمَانِنَا هَذَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدُّعَاءِ (تُسَلِّمُ) عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَرْكَانِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ لِطُولِهِ، بَلْ الْعَمَلُ وَالْأَحْسَنُ مَا اسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ مِنْ دُعَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مِنْ حَمْلِ أَهْلِهَا، فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْته مِنْ الدُّعَاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَالْوَاجِبِ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ حَتَّى عَلَى الْمَأْمُومِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ: وَابْتَدَأَ بِحَمْدٍ وَصَلَاةٍ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِسْرَارِ دُعَاءٍ.
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ إلَّا إذَا قَصَدَ الْمُصَلِّي مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ حَتَّى تَصِحَّ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْعِبَادَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا خَيْرٌ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَمِنْ الْوَرَعِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، وَمِنْ فَوَائِدِ الْمُرَاعَاةِ صِحَّةُ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ خَلْفَ الْمَالِكِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ تَكُونُ الصَّلَاةُ بَاطِلَةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْمَالِكِيِّ فِيهَا، وَقَوْلُنَا بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا كَوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا حَتَّى تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ،
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّذْكِيرِ فِي الدُّعَاءِ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَازَةُ (امْرَأَةً قُلْت) بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك ثُمَّ تَتَمَادَى بِذِكْرِهَا عَلَى التَّأْنِيثِ) فَتَقُولُ: وَبِنْتُ أَمَتِك وَبِنْتُ عَبْدِك أَنْتَ خَلَقْتهَا وَرَزَقْتهَا إلَخْ (غَيْرَ أَنَّك لَا تَقُولُ وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ زَوْجًا فِي الْجَنَّةِ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا) وَعَبَّرَ بِقَدْ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَقُّعِ لِدُخُولِهَا عَلَى الْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ مُتَوَقَّعٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بِمُتَعَدِّدِ فِي الدُّنْيَا لَدَخَلَهَا الْخِلَافُ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ تَكُونُ لَهُ، إلَّا أَنْ تَمُوتَ فِي عِصْمَةِ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
1 -
عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْتَغِينَ بِهِمْ بَدَلًا وَالرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ أَزْوَاجٌ
وَلَا بَأْسَ أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَيَلِي الْإِمَامَ الرِّجَالُ إنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا جُعِلَ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجُعِلَ مِنْ دُونِهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلُوا صَفًّا وَاحِدًا وَيُقَرِّبُوا إلَى الْإِمَامِ
[الفواكه الدواني]
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْمَيِّتُ هَلْ هُوَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ وَيَقْطَعَ النَّظَرَ عَنْ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي هَذَا النَّعْشِ، وَيَتَمَادَى فِي الدُّعَاءِ عَلَى التَّذْكِيرِ فِي تَحَقُّقِ الْإِفْرَادِ، وَيَجْمَعُ عِنْدَ اعْتِقَادِ الْجَمْعِ، وَيُفْرِدُ عِنْدَ الشَّكِّ عَلَى مَعْنَى مَنْ حَضَرَ فِي هَذَا النَّعْشِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَعَلَى الْمُتَعَدِّدِ الْمُحَقَّقِ وَالْمُشْكِلِ فَتَقُولُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمُثَنَّى: اللَّهُمَّ إنَّهُمَا عَبْدَاك أَوْ أَمَتَاك، وَفِي الْجَمْعِ: اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبِيدُك وَأَبْنَاءُ عَبِيدِك، وَفِي الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ: اللَّهُمَّ إنَّهُنَّ إمَاؤُك وَبَنَاتُ إمَائِك وَبَنَاتُ عَبِيدِك، وَإِنْ اجْتَمَعَ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ غَلَّبَ الْمُذَكَّرَ عَلَى الْمُؤَنَّثِ.
1 -
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَنْ مَا لَوْ ظَنَّ الْإِمَامُ وَحِدَةَ الْجِنَازَةِ وَظَنَّ الْمَأْمُومُونَ التَّعَدُّدَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ عَلَى اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِينَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أُعِيدَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا أُعِيدَتْ عَلَى مَنْ عَدَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا ظَنَّهُ الْإِمَامُ، وَلِذَلِكَ لَوْ اعْتَقَدَ الْإِمَامُ أَنَّ الَّذِي فِي النَّعْشِ جَمَاعَةٌ وَاعْتَقَدَ الْمَأْمُومُونَ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ وَتَبَيَّنَ مُطَابَقَةُ اعْتِقَادِ الْإِمَامِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَلَا تُعَادُ، كَمَا لَا تُعَادُ إذَا ظَنَّ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ أَنَّ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِمَّا نَوَى، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ مَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ فَرَاجِعْهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ تَعْلِيلَ النَّهْيِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ: (وَنِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ) أَيْ مَحْبُوسَاتٌ (عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْغِينَ) أَيْ لَا يَرْضِينَ (بِهِمْ بَدَلًا) ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا إكْرَاهَ فِيهَا وَلَا حُزْنَ، وَإِنَّمَا الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَنَيْلُ مَا تَشْتَهِيه الْأَنْفُسُ، وَأَفْضَلُ خِصَالِ الْمَرْأَةِ حُبُّهَا لِزَوْجِهَا وَهِيَ صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ قَلْبُهَا فِيهَا بِغَيْرِ حُبِّ زَوْجِهَا، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ كَانَ مَظِنَّةَ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا الرَّجُلُ فَهَلْ كَذَلِكَ؟ قَالَ فِي الْجَوَابِ: (وَالرَّجُلُ) لَيْسَ كَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ (قَدْ يَكُونُ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ) زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا كَثْرَةُ النِّسَاءِ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ: «اطَّلَعْت عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الرِّجَالَ، وَاطَّلَعْت عَلَى النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْأَزْوَاجِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَشْمَلُ الْحُورَ الْعِينَ، وَلَا يَضُرُّ فِي هَذَا خَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ أَنَّهُ يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ أَيِّمٍ وَمِائَةَ حَوْرَاءَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ كُلِّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ لَا الْجَمِيعِيِّ، وَإِنْ جُعِلَتْ قَدْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلتَّقْلِيلِ فَلَا يَتَأَتَّى الْإِشْكَالُ.
(وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ) (فِي الْجَنَّةِ أَزْوَاجٌ) بَلْ وَلَا اثْنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَنْفِرُ مِنْهُ الطَّبْعُ لَا لِحُرْمَةِ ذَلِكَ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمَوْتِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَزَوَّجُ الْإِنْسَانُ بِنَحْوِ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ لِكَرَاهَةِ النَّفْسِ ذَلِكَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْأَمْوَاتِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُسْتَحَبُّ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) لِفِعْلِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَوَلَدُهَا زَيْدُ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا صَلَاةً وَاحِدَةً، وَكَانَ الْمُوَالِي لِلْإِمَامِ زَيْدٌ وَالْمُتَوَلِّي لِلصَّلَاةِ إمَامًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ أَخُو زَيْدٍ لِأَبِيهِ، وَكَانَ هُنَاكَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَهُمْ أَخَوَا أُمِّ كُلْثُومٍ وَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ مِنْهُمَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَلِيُّ الذَّكَرِ، هَكَذَا قَالَ بَعْدَ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَةَ الْأَفْضَلُ وَلَوْ كَانَ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَأَفْضَلُ وَلِيٍّ وَلَوْ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ، قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَبَالَغَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ وَلِيِّ الرَّجُلِ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ وَلَوْ مَفْضُولًا، مُتَمَسِّكًا بِقَضِيَّةِ أُمِّ كُلْثُومٍ وَوَلَدِهَا زَيْدٍ لَمَّا مَاتَا وَصَلَّى وَلِيُّ زَيْدٍ إمَامًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا حُجَّةَ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحُسَيْنَ إنَّمَا قَدَّمَ ابْنَ عُمَرَ لِسِنِّهِ وَلِإِقْرَارِهِ بِفَضْلِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ قَالَهُ الْمَوَّاقُ، وَلَمَّا قَدَّمَ هُوَ الْأَفْضَلَ جَمْعَ الْجَنَائِزِ فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَ هُنَا كَيْفِيَّةَ وَضْعِهِمْ أَمَامَ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُنْدَبُ أَنْ (يَلِيَ الْإِمَامَ) فِي حَالِ الصَّلَاةِ (لِرِجَالٍ) فَاعِلُ يَلِي وَظَاهِرُهُ غَيْرُ صَالِحِينَ (إنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْجَنَائِزِ (نِسَاءٌ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا) وَنِسَاءً وَمَعَهُمْ أَطْفَالٌ (جُعِلَ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجُعِلَ مَنْ دُونَهُ) فِي الْفَضْلِ مِنْ (النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ) الْفَاضِلُ مُتَرَتِّبِينَ صَفًّا وَاحِدًا (إلَى الْقِبْلَةِ) بِحَيْثُ يَصِيرُ الْجَمِيعُ أَمَامَ الْإِمَامِ، يَلِي الْإِمَامَ الرَّجُلُ، وَالطِّفْلُ خَلْفَهُ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْجَمِيعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَلِي الْإِمَامَ رَجُلٌ فَطِفْلٌ فَعَبْدٌ فَخَصِيٌّ فَخُنْثَى كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلُوا صَفًّا وَاحِدًا) مُمْتَدًّا مِنْ الشَّرْقِ إلَى الْغَرْبِ.
(وَيُقَرَّبُ إلَى الْإِمَامِ
أَفْضَلَهُمْ
وَأَمَّا دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيُجْعَلُ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ
وَمَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَوُرِيَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ
وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَيُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِ الْجَسَدِ وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ.
[الفواكه الدواني]
أَفْضَلُهُمْ) وَعَنْ يَمِينِهِ مَنْ يَلِيه فِي الْفَضْلِ، وَعَنْ يَسَارِهِ مَنْ يَلِيه رَجُلًا الْمَفْضُولُ عِنْدَ رَأْسِ الْفَاضِلِ، وَمَنْ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ كَذَلِكَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ جَعْلِ الْجَنَائِزِ صَفًّا مِنْ الْإِمَامِ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ صَفًّا مِنْ الْمَشْرِقِ، إلَى الْمَغْرِبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ الصِّفَةُ الْأُولَى وَقَالَهَا مَالِكٌ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَرْجِيحُ الصِّفَةِ الْأُولَى لِتَقْدِيمِهِ لَهَا؛ وَلِقَوْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ: وَلَا بَأْسَ الْمُشْعِرَةُ غَالِبًا بِالتَّمْرِيضِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا إذَا كَانَتْ الْجَنَائِزُ صِنْفًا وَاحِدًا، فَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ يَلِي الْإِمَامَ الْأَعْلَمُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ ثُمَّ الْأَسَنُّ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيُقَدَّمُ بِالْخِصَالِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تُرَغِّبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ رُجِّحَ بِالسِّنِّ، فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، إلَّا أَنْ تَتَرَاضَى الْأَوْلِيَاءُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقَرَارِيطَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِمْ، وَانْظُرْ هَلْ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهِمْ فِي الْفَضْلِ أَمْ لَا؟ وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ وَحَرِّرْهُ.
[دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ]
(وَأَمَّا) كَيْفِيَّةُ (دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) عِنْدَ الضَّرُورَةِ الْحَامِلَةِ عَلَى ذَلِكَ كَضِيقِ الْمَحَلِّ أَوْ عَدَمِ الْحَافِرِ.
(فَيُجْعَلُ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَجَمْعُ أَمْوَاتٍ بِقَبْرٍ لِضَرُورَةٍ وَوَلَّى الْقِبْلَةَ الْأَفْضَلَ، وَأَمَّا جَمْعُهُمْ فِي قَبْرٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَمَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانُوا مَحَارِمَ، وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُ جَعْلِ شَيْءٍ مِنْ التُّرَابِ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَكْفِي الْكَفَنُ، وَكَمَا يَجُوزُ جَمْعُ الْأَمْوَاتِ فِي الْقَبْرِ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ أَجَانِبَ، يَجُوزُ جَمْعُهُمْ فِي كَفَنٍ لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِير إلَى وَاحِدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ» .
(تَنْبِيهٌ) : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ جَمْعِ الْأَمْوَاتِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا مَحَلُّهُ إذَا كَانَ حَصَلَ دَفْنُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ أَرَدْنَا دَفْنَ مَيِّتٍ عَلَى آخَرَ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ حَبْسٌ.
لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَلَا يَحْرُمُ.
[مَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ]
(وَمَنْ دُفِنَ) بَعْدَ الْغُسْلِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَوُرِيَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا فَيُصَلِّي عَلَى الْقَبْرِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَدَمُ الصَّلَاةِ عَمْدًا، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ تَمَامِ الدَّفْنِ مُجَوِّزٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَلَوْ تَمَّ دَفْنُهُ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَوَاتُ يَمْنَعُ إخْرَاجَ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ تَغَيُّرِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَعِيسَى، وَمَحَلُّ طَلَبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ خَشْيَةِ تَغَيُّرِهِ إذَا ظُنَّ بَقَاؤُهُ أَوْ شُكَّ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ تُيُقِّنَ ذَهَابُهُ وَلَوْ بِأَكْلِ سَبُعٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا بَعْدَ الْغُسْلِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ دُفِنَ قَبْلَ غُسْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ لِلْغُسْلِ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ فَيَسْقُطَانِ لِتَلَازُمِهِمَا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَدْفُونَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ يُخْرَجُ مَا لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ.
(وَلَا يُصَلَّى) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (عَلَى مَنْ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ) جَمَاعَةٌ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تُكَرَّرُ وَأَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ مُنْفَرِدٌ لَنُدِبَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ (وَ) مَنْ ذَهَبَ بَعْضُهُ يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِ الْجَسَدِ) مِنْهُ كَالثُّلُثَيْنِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ وَيَنْوِي الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ.
(وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) وَأَمَّا دُونَ الْجُلِّ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الصَّلَاةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا مَا دُونَ الْجُلِّ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ الرَّأْسُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلَّ عَلَى مَا دُونَ الثُّلُثَيْنِ لِأَدَائِهِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَصْحَابِهِ، وَاغْتُفِرَ غَيْبَةُ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَبِهَذَا التَّوْجِيهِ انْدَفَعَ اسْتِشْكَالُ التُّونُسِيِّ بِأَنَّ عَدَمَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا دُونَ الْجُلِّ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى مَا دُونَ الْجُلِّ تُؤَدِّي إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَالصَّلَاةُ قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ وَلَا يُرْتَكَبُ غَيْرُ الْجَائِزِ لِسُنَّةٍ، وَبَحَثَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ قَائِلًا: إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الْكَلَامُ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ مُحَرَّمَةً، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهَا فَلَا كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَتِهَا وَفِيهِ شَيْءٌ لِاحْتِجَاجِ الْمُخَالِفِ بِصَلَاةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رَفَعَتْهُ لَهُ وَرَآهُ وَنَعَاهُ لِأَصْحَابِهِ فَأَمَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوَارَى، وَيَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا صَلَّى أَحَدٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ وُورِيَ، الْحَالُ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمَ رَغْبَةً.
بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغُسْلِهِ تُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَقُولُ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيه اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ سَلَفًا وَذُخْرًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمْ وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ تَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الدُّعَاء لِلطِّفْلِ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَغَسَلَهُ]
(بَابٌ فِي) صِفَةِ (الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ.
(وَ) فِي حُكْمِ (الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغُسْلِهِ) وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ عَمَّا قَبْلَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا، وَرَدَّ كَلَامَهُ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ قَدْ تَكُونُ لِمَحْضِ رَفْعِ دَرَجَاتٍ فَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْمُذْنِبِينَ وَصِفَتُهَا أَنْ (تُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) بِأَنْ تَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَدْبًا (وَتُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَذَلِكَ (ثُمَّ) بَعْدَهُمَا (تَقُولُ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك) وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ، وَقِيلَ تَقُولُ فِي وَلَدِ الزِّنَا (وَابْنُ أَمَتِك) بَدَلٌ، وَابْنُ عَبْدِك (أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته) وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
(وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيه) فِي الْآخِرَةِ (اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِوَالِدِيهِ) بِكَسْرِ الدَّالِ (سَلَفًا) أَيْ مُقَدَّمًا بَيْنَ أَيْدِيهمْ (وَذُخْرًا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِهِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَإِنَّهُ فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ بِالْإِهْمَالِ مُطْلَقًا.
(وَفَرَطًا) ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِسَلَفًا لِمُرَادَفَتِهِ لَهُ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» أَيْ مُتَقَدِّمُكُمْ.
(وَأَجْرًا) أَيْ جَزَاءً عَظِيمًا لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنْ النَّارِ، قَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ وَوَرَدَ: لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» وَهَذَا مَعَ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ مِنْ الثَّوَابِ مَا لَيْسَ فِي الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ.
(وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمْ وَأَعْظِمْ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ أَكْثِرْ (بِهِ أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَ الْمُصِيبَةِ.
(وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُ) قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الدُّعَاءَ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَبًا أَوْ أُمًّا لِلطِّفْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْمَأْثُورُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أَذَانِهِ: «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاجْعَلْهُ لِوَالِدِيهِ سَلَفًا يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ أَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي فَلَا يَقُولُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ وَيَسْقُطُ وَإِيَّاهُمْ.
(اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ) أَوْلَادِ (الْمُؤْمِنِينَ فِي كَفَالَةِ) أَيْ حَضَانَةِ أَبِينَا (إبْرَاهِيمَ) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ «؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ شَيْخًا فِي السَّمَاءِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وَحَوْلَهُ صِبْيَانُ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُوك إبْرَاهِيمُ وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ» .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَالتَّقْيِيدُ بِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُمْ فِي كَفَالَتِهِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ غَيْرِهِمْ الْجَنَّةَ.
(وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) بِأَنْ تَجْعَلَهُ مُجَاوِرًا لِنَحْوِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ (وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَطْفَالَ تُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ.
(وَ) عَافِهِ (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَطْفَالَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، بَلْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ الْخِلَافِ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَالْأَوْلَى فِي تَوْجِيهِ الدُّعَاءِ بِالْمُعَافَاةِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لَهُ تَعْذِيبُ الطَّائِعِ.
(تَقُولُ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ (فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ حَتَّى الرَّابِعَةَ.
(وَ) قِيلَ (تَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَدْعُو بَعْدَهَا: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ) بِكَسْرِ الْهَاءِ
وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ تُسَلِّمُ
وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ السِّقْطُ فِي الدُّورِ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ النِّسَاءُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ وَلَا يُغَسِّلُ الرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ وَاخْتُلِفَ فِيهَا إنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُشْتَهَى وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيْنَا.
[الفواكه الدواني]
(عَلَى الْإِيمَانِ) الْكَامِلِ (وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ) بِضَمِّ الْهَاءِ (عَلَى الْإِسْلَامِ) وَهُوَ السَّعَادَةُ الْعُظْمَى.
(وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ تُسَلِّمُ) تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً وَيُسْمِعُ الْإِمَامُ جَمِيعَ مَنْ يَلِيه، وَهَذَا الدُّعَاءُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ لِمَا قِيلَ أَنَّ بَعْضَهُ مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضَهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بَلْ الْأَفْضَلُ دُعَاءُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَ يَكْفِي مُطْلَقُ دُعَاءٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ، بَلْ لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اُعْفُ عَنْهُ كَفَى وَإِنْ صَغِيرًا.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ اجْتِمَاعِ كِبَارٍ وَأَطْفَالٍ، وَالْمَطْلُوبُ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْكِبَارِ عَلَى الْأَطْفَالِ أَوْ يَجْمَعُهُمْ فِي دُعَاءٍ وَاحِدٍ، وَيَقُولُ عَقِبَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَوْلَادَ سَلَفًا لِوَالِدِيهِمْ وَفَرَطًا وَأَجْرًا، وَهَكَذَا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ الْجَمِيعَ فِي دُعَاءٍ أَجْزَأَ، كَمَا لَوْ جَهِلَ كَوْنَ الْمَيِّتِ كَبِيرًا أَوْ طِفْلًا فَيَدْعُو بِنَحْوِ دُعَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا يُصَلَّى) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا) بِأَنْ نَزَلَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَيِّتًا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَلَا سِقْطٍ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَا تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَالَ أَوْ رَضَعَ إلَّا أَنْ تَتَحَقَّقَ الْحَيَاةُ وَغُسِلَ دَمُهُ وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ وَوُرِيَ، وَحُكْمُ غَسْلِ الدَّمِ النَّدْبُ، وَحُكْمُ الْمُوَارَاةِ وَاللَّفِّ بِخِرْقَةٍ الْوُجُوبُ، وَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُبْعَثُ وَلَا يُشَفَّعُ إنْ لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ.
(وَ) كَمَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِهْلَالِهِ (لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِرْثِ تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَاسْتِهْلَالِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إلَّا الْغُرَّةَ فَتُورَثُ عَنْهُ وَإِنْ نَزَلَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ ذَاتِهِ، وَالشَّرْطُ لِمَا يُورَثُ عَنْهُ مِمَّا فِي يَدِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ السِّقْطُ فِي الدُّورِ) وَحَقِيقَتُهُ مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَهُوَ مُثَلَّثُ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ دَفْنُهُ فِي الدُّورِ خَوْفَ امْتِهَانِهِ عِنْدَ سُقُوطِ الْحَائِطِ، وَإِنْ اشْتَرَى شَخْصٌ دَارًا فَوَجَدَ فِيهَا قَبْرَ سِقْطٍ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ قَبْرَهُ لَيْسَ حَبْسًا بِخِلَافِ قَبْرِ الْمُسْتَهِلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَبْرُ غَيْرِ السِّقْطِ حَبْسٌ عَلَى الدَّفْنِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِيهِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْمُبَاشِرِ لِلتَّغْسِيلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يَجُوزُ (أَنْ يُغَسِّلَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ غُسْلُ امْرَأَةٍ ابْنَ سَبْعٍ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَابْنَ ثَمَانٍ، وَرَوَى ابْنَ وَهْبٍ: وَابْنَ تِسْعٍ وَلَوْ مَعَ حُضُورِ الرِّجَالِ، وَلَا تُكَلَّفُ الْغَاسِلَةُ بِسَتْرِ عَوْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ نَظَرُهُنَّ إلَى بَدَنِهِ حَيْثُ لَمْ يُنَاهِزْ الْحُلُمَ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالْمُنَاهِزُ كَكَبِيرٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَا دُونَ الْمُنَاهِزِ لِلْحُلُمِ لَهَا نَظَرُ عَوْرَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا وَهُوَ يَصْدُقُ بِابْنِ عَشَرٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاهِزٍ، وَجَوَازُ النَّظَرِ لَا يُنَافِي حُرْمَةَ التَّغْسِيلِ؛ لِأَنَّ التَّغْسِيلَ فِيهِ جَسٌّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ النَّظَرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ عَوْرَتَهُ وَتُغَسِّلُهُ، وَقَيَّدْنَا النِّسَاءَ بِالْأَجَانِبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ، فَإِنَّ لَهَا تَغْسِيلَ الرَّجُلِ مِنْ مَحَارِمِهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ، وَهَلْ تَسْتُرُهُ أَوْ عَوْرَتَهُ تَأْوِيلَانِ، ثُمَّ يُيَمَّمُ لِمِرْفَقَيْهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَغْسِيلِ الذَّكَرِ لِلْأُنْثَى بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الصَّبِيَّةَ) الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ كَبِنْتِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ لِحُرْمَةِ نَظَرِهِمْ لَهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ، وَأَمَّا الرَّضِيعَةُ وَمَا قَارَبَهَا مِمَّنْ لَا تَمِيلُ لَهَا النَّفْسُ فَيَجُوزُ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَرَجُلٌ كَرَضِيعَةٍ.
(وَاخْتُلِفَ فِيهَا) أَيْ الصَّبِيَّةِ (إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُشْتَهَى) كَبِنْتِ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ فَقِيلَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَغْسِيلُهَا وَقِيلَ يَجُوزُ (وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ حُرْمَةُ تَغْسِيلِهَا (أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَبُّ لِلْوُجُوبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّضِيعَةَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَغْسِيلُهَا، وَاَلَّتِي بَلَغَتْ أَنْ تُشْتَهَى يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَغْسِيلُهَا، وَالْخِلَافُ فِيمَا فَوْقَ الرَّضِيعَةِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، الْمَنْعُ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِلصَّبِيَّةِ أَمْ لَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَقِيلَ: إنَّمَا هَذَا فِي الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمَحْرَمُ فَلَهُ تَغْسِيلُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَحَارِمِهِ إنْ لَمْ تُوجَدْ امْرَأَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَرْأَةُ أَقْرَبُ امْرَأَةٍ ثُمَّ أَجْنَبِيَّةٌ ثُمَّ مَحْرَمٌ فَوْقَ ثَوْبٍ يُمِّمَتْ لِكُوعَيْهَا.
1 -
(خَاتِمَةٌ) لَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَجَنِينُهَا يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِهَا فَإِنْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ مِنْ مَحِلِّهِ فُعِلَ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا تُدْفَنُ مَا دَامَ حَيًّا، وَاخْتُلِفَ هَلْ تُبْقَرُ بَطْنُهَا لِإِخْرَاجِهِ حَيْثُ رُجِيَ خُرُوجُهُ حَيًّا؟ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَعُزِيَ لِأَشْهَبَ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا تُبْقَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَقَعَتْ فِي زَمَنِهِمَا وَسُئِلَا عَنْهَا فَأَفْتَى أَشْهَبُ بِالْبَقْرِ، وَافَتَى ابْنُ الْقَاسِمِ بِعَدَمِهِ، فَعَمِلُوا فِيهَا بِكَلَامِ أَشْهَبَ فَخَرَجَ الْجَنِينُ حَيًّا وَكَبُرَ وَصَارَ عَالِمًا يُعَلِّمُ الْعِلْمَ وَيَتَّبِعُ قَوْلَ أَشْهَبَ وَيَدَعُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ ابْتَلَعَ مَالًا وَلَوْ مَمْلُوكًا لَهُ فَإِنَّ بَطْنَهُ تُبْقَرُ حَيْثُ كَانَ بَال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
لَهُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَبَقْرٌ عَنْ مَالٍ كَثُرَ وَلَوْ بِشَاهِدٍ لَا عَنْ جَنِينٍ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْبَقْرِ إنْ رُجِيَ وَإِنْ قُدِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ مَحَلٍّ فُعِلَ، وَمِثْلُ الْمَالِ الْجَوَاهِرُ النَّفِيسَةُ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْحَيَوَانُ الْبَهِيمِيُّ يَمُوتُ بِلَا ذَكَاةٍ وَوَلَدُهُ يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِهِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ بَقْرِ بَطْنِ أُمِّهِ حَيْثُ رُجِيَ خُرُوجُهُ حَيًّا، وَانْظُرْ كَيْفَ تُبْقَرُ بَطْنُ الْمَيِّتِ لِإِخْرَاجِ الْمَالِ إنْفَاقًا وَيُخْتَلَفُ فِي بَقْرِهَا لِإِخْرَاجِ الْجَنِينِ مَعَ عَظَمَةِ النَّفْسِ وَشَرَفِهَا عَلَى الْمَالِ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ لُيُونَةٌ بِأَنَّ نَفْعَ الْمَالِ مُحَقَّقٌ دُونَ الْجَنِينِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَوْ بَعْدَهُ بِسُرْعَةٍ مَعَ أَذِيَّةِ الْأُمِّ بِبَقْرِ بَطْنِهَا وَيُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى رُكْنَيْ الْإِسْلَامِ وَهُمَا شَهَادَتَا الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةُ شَرَعَ فِي الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ:
بَابٌ فِي الصِّيَامِ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ
يُصَامُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الصِّيَام]
ِ) وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَالتَّرْكُ وَالصَّمْتُ وَلِوُقُوفِ الْفَرَسِ، وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتِي الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَكَسْرُهَا وَتَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَتَنْبِيهُ الْعَبْدِ عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَائِعِ وَبَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُطِيقٍ لَهُ غَيْرِ مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ، إلَى قَوْلِهِ: «وَصَوْمِ رَمَضَانَ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، فَمَنْ جَحَدَهُ قُتِلَ كُفْرًا إلَّا أَنْ يَتُوبَ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، وَمَنْ اعْتَرَفَ بِوُجُوبِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ عِنَادًا أَوْ كَسَلًا فَنَقَلَ ابْنُ نَاجِي أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ بَعْدَ تَأْخِيرِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا يُوقِعُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَحِين فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ الشَّخْصُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ، ثُمَّ نُسِخَ التَّخْيِيرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وَوَجَبَ الصَّوْمُ إلَى اللَّيْلِ، وَأُبِيحَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ نَوْمُ أَحَدِهِمَا فَيَحْرُمُ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَاخْتَارَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - زَوْجَتَهُ وَكَذَّبَهَا فِي أَنَّهَا نَامَتْ وَوَطِئَهَا فَنَزَلَ " عَلِمَ اللَّهُ " إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] وَفِي الذَّخِيرَةِ: اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ فِي الْإِسْلَامِ فَقِيلَ عَاشُورَاءُ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ» كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ غَيْرِ مُضَافٍ لِلشَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ عَلَى الشَّهْرِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لَمْ يَصِحَّ، وَسُمِّيَ هَذَا الشَّهْرُ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَرْمَدُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرُقُهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ صَوْمِ رَمَضَانَ شَرَعَ فِي بَيَانِ
[مَا يَثْبُتُ بِهِ شَهْر رَمَضَان]
مَا يَثْبُتُ بِهِ بِقَوْلِهِ: (يُصَامُ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ (لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) حَيْثُ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ أَيْ الْكَثِيرَةُ الَّذِينَ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّ خَبَرَهُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ الْقَرِيبَ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ زَمَنِ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، وَلَا بَيْنَ الْمِصْرِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْوَاحِدُ الْمَوْثُوقُ بِخَبَرِهِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْمَحَلُّ لَا يَعْتَنِي فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فِي حَقِّ أَهْلِ الرَّأْيِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فَلَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ فِي حَقِّ أَهْلِهِ وَلَوْ صَدَّقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ وَلَوْ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بَعِيدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتِهِ، وَالْمُخْتَارُ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ وَالرَّاجِحُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَبُولِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ وَعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَبِّرٌ بِدُخُولِ وَقْتٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَسْتَنِدُ فِي إخْبَارِهِ إلَى أَمْرٍ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَوْ أَخْطَأَ لَنَبَّهَهُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْهِلَالِ وَلَا سِيَّمَا جَمِيعُ النَّاسِ حَرَصَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَهُمْ كَالْمُعَارِضِينَ لِمُدَّعِي الرُّؤْيَةِ، وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِرُؤْيَةٍ أَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ مَوْجُودٌ وَلَكِنْ لَا يُرَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا يُعَوِّلُ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْوُجُودِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : سُمِّيَ الْهِلَالُ هِلَالًا لِرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَيُسَمَّى بِذَلِكَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ بَعْدُ يُسَمَّى قَمَرًا، وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ.
(وَ) كَمَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (يُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ) أَيْ هِلَالِ شَوَّالٍ فَالضَّمِيرُ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هِلَالُ رَمَضَانَ وَالثَّانِي هِلَالُ شَوَّالٍ وَسَوَاءٌ (كَانَ) رَمَضَانُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا) لِأَنَّ الشَّهْرَ يَأْتِي كَامِلًا
فَيُعَدُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ثُمَّ يُصَامُ وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ
وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ فِي أَوَّلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ فِي بَقِيَّتِهِ، وَيُتِمُّ الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ
وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَإِنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلْ
وَلَا يُصَامُ يَوْمُ
[الفواكه الدواني]
وَنَاقِصًا.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مَا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ» ، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ يُصَامُ لِرُؤْيَتِهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ) أَيْ هِلَالُ رَمَضَانَ بِأَنْ كَثُرَ الْغَيْمُ مَكَانَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مَعَ رُؤْيَةِ هِلَالِ شَعْبَانَ (فَيَعُدُّ) الْمُكَلَّفُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ) أَيْ أَوَّلِ الشَّهْرِ (الَّذِي قَبْلَهُ) وَهُوَ شَعْبَانُ (ثُمَّ) بَعْدَ إتْمَامِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، يَوْمًا (يَصُومُ) أَيْ يَثْبُتُ صَوْمُ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ غُرَّةِ شَعْبَانَ، وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا فَفِي الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِحَدِيثِ: «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَلَوْ تَوَالَى ثَلَاثَةٌ عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَمَالُ الشُّهُورِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ وَلَا لِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ لَا يَتَوَالَى أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ عَلَى التَّمَامِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ عَلَى النُّقْصَانِ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كُذِّبَا أَوْ مُسْتَفِيضَةً وَعَمَّ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْهُمَا لَا بِمُنْفَرِدٍ إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي كُذِّبَا لِلْعَدْلَيْنِ، وَمِثْلُهُمَا مَا زَادَ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُرَ أَيْ بِغَيْرِ الْعَدْلَيْنِ الَّذِينَ ادَّعَيَا رُؤْيَتَهُ وَصَامَتْ النَّاسُ بِشَهَادَتِهِمَا وَمَعَ تَكْذِيبِهِمَا صَوْمُ النَّاسِ بِرُؤْيَتِهِمَا مُعْتَدٌّ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِيمَا إذَا رَأَى شَخْصٌ الْهِلَالَ وَصَامَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُرَ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ صَحْوًا فَهَلْ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ أَوْ يَعْمَلُ عَلَى اعْتِقَادِهِ؟ وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ وَهُمْ الَّذِينَ يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ الْقَرِيبَ مِنْهُ فَلَا يُحْكَمُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِإِسْلَامِ جَمِيعِهِمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ بِرُؤْيَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ بِكَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ بِمَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ يَثْبُتُ بِنَقْلِ عَدْلَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ عَنْ عَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ عَنْ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فَيُكْتَفَى وَلَوْ بِوَاحِدٍ وَلَوْ فِي مَحَلٍّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، وَكَذَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْمَنَائِرِ مَوْقُودَةً حَيْثُ كَانَتْ لَا تُوقَدُ إلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ الشَّرْعِيِّ كَمَا عِنْدَنَا بِمِصْرَ، وَمِثْلُهَا سَمَاعُ الْمَدَافِعِ فَإِنَّهَا لَا تُضْرَبُ عِنْدَ الْغُرُوبِ إلَّا لِثُبُوتِ الشَّهْرِ.
الثَّانِي: وُجُوبُ الصَّوْمِ عِنْدَنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَوْ حَكَمَ مُخَالِفٌ بِثُبُوتِهِ بِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ يَعْتَنِي أَهْلُهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَفِي لُزُومِهِ لِلْمَالِكِيِّ وَعَدَمِ لُزُومِهِ تَرَدُّدٌ، وَلَوْ أَخْبَرَ الْحَاكِمُ شَخْصًا بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمَنْ أَخْبَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فِي الْمَذْهَبِ لِمَنْ أَخْبَرَهُ فَإِنَّهُ يَسْأَلُهُ، فَإِنْ وُجِدَ الثُّبُوتُ بِشَاهِدَيْنِ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَبِوَاحِدٍ جَرَى الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلَوْ ادَّعَى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي الرُّؤْيَةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ رُؤْيَةِ الْوَاحِدِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَلَوْ صَدَّقْنَاهُ لَا يَلْزَمُنَا الصَّوْمُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ.
الثَّالِثُ: لَوْ رَأَى شَخْصٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِالصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ الرَّائِيَ وَلَا غَيْرَهُ إجْمَاعًا لِاخْتِلَالِ ضَبْطِ النَّائِمِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ لِإِتْمَامِ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَفْعَلُ (فِي الْفِطْرِ) فَيَجِبُ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ لِهِلَالِ شَوَّالٍ أَوْ لِإِتْمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَا بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إلَّا بِمُبِيحٍ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، وَلَكِنْ يُفْطِرُ بِالنِّيَّةِ لِحُرْمَةِ الْإِمْسَاكِ بِالنِّيَّةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ، وَلَا فِي مَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[شُرُوطِ الصَّوْمِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ شُرُوطِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ) أَيْ يَنْوِي الصَّوْمَ وُجُوبًا (فِي أَوَّلِهِ) بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ أَوْ مَعَ الْفَجْرِ، وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ لَا مَسْرُودٌ وَيَوْمٌ مُعَيَّنٌ، وَرُؤْيَةٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِمَا بِنِيَّةٍ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِغْرَاقِ النَّهَارِ فِي كُلِّ أَيَّامِهِ بِالْإِمْسَاكِ عَمَّا يُفْطِرُ، وَلَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ سَنَةِ رَمَضَانَ كَالْيَوْمِ لِلصَّلَاةِ، فَالْمُرَادُ بِالتَّبْيِيتِ نِيَّةُ الصَّوْمِ لَيْلًا الَّذِي أَوَّلُهُ الْغُرُوبُ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّبْيِيتِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصَّوْمَ» إنَّمَا صَحَّتْ مَعَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ مُقَارَنَتُهَا لِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ تَقَدُّمُهَا فِي الصَّوْمِ لِمَشَقَّةِ تَحَرِّي الْفَجْرِ.
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ) كُلَّ لَيْلَةٍ (فِي بَقِيَّتِهِ) وَكَذَلِكَ كُلُّ صَوْمٍ يَجِبُ تَتَابُعُهُ يَكْفِي النِّيَّةُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الْوَاحِدَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَتْ نِيَّةُ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ لَا مَسْرُودٌ وَيَوْمٌ مُعَيَّنٌ، وَالْمَنْفِيُّ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَبْيِيتُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَقُولَانِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ صَوْمُ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ إنْ تَمَادَيَا عَلَى الصَّوْمِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِعَدَمِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي حَقِّهِمَا وَعِنْدَ صِحَّةِ الْمَرِيضِ، وَقُدُومِ الْمُسَافِرِ يَكْفِيهِمَا نِيَّةٌ لِمَا بَقِيَ كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَامَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَنْ (يُتِمَّ الصِّيَامَ إلَى) تَحَقُّقِ دُخُولِ (اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» أَيْ انْقَضَى صَوْمُهُ، وَقَوْلُهُ: إلَى تَحَقُّقِ دُخُولِ اللَّيْلِ إشَارَةٌ إلَى خُرُوجِ الْغَايَةِ، وَإِلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْطِرِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَكْلَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا قَضَاءَ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: إلَى اللَّيْلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الْوِصَالُ لِخَبَرِ: «لَا تُوَاصِلُوا» وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوِصَالُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شُرُوطَ الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ وَهُوَ اثْنَانِ: الْبُلُوغُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ.
وَثَانِيهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ وَهُوَ أَرْبَعٌ: الْإِسْلَامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ وَالنِّيَّةُ الْمُبَيَّتَةُ وَالزَّمَنُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ.
ثَالِثُهَا فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّوْمِ فِيمَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَرَمَضَانَ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الصَّائِمِ أَوْ مَرِيدِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) بَعْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ بِغُرُوبِ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ لِمَنْ يَنْظُرُهُ أَوْ دُخُولِ الظُّلْمَةِ، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْغُرُوبِ لِمَنْ لَمْ يَنْظُرْ قُرْصَ الشَّمْسِ، كَمَحْبُوسٍ بِحُفْرَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَا مُخْبِرَ لَهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّشْدِيدِ، وَأَمَّا مَنْ يُؤَخِّرُهُ لِعَارِضٍ أَوْ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الصَّوْمَ قَدْ انْتَهَى بِالْغُرُوبِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فِعْلِهِ، وَيُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ عَلَى شَيْءٍ حُلْوٍ فَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَثَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» وَالْحَسَوَاتُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ، وَإِنَّمَا نُدِبَ الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحَلْوَيَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَا زَاغَ مِنْ الْبَصَرِ بِالصَّوْمِ، وَيَقُولُ نَدْبًا عِنْدَ الْفِطْرِ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، أَوْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت، ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً قِيلَ هِيَ بَيْنَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ وَوَضْعِهَا فِي فِيهِ.
(وَ) مِنْ السُّنَّةِ أَيْضًا (تَأْخِيرُ السُّحُورِ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ لِلْفِعْلِ، وَبِفَتْحِهَا الْمَأْكُولُ فِي السَّحَرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ» وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ سُنَّةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ مِثْلُهُ فِي الْقُرْطِيَّةِ وَالْجَوَاهِرِ لَكِنْ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَاَلَّذِي فِي خَلِيلٍ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ وَلَفْظُهُ: وَنُدِبَ تَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: وَقَدْرُ التَّأْخِيرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إلَى الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْقَارِئُ الْمُتَمَهِّلُ فِي قِرَاءَتِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ فِعْلِهِ، وَهَذَا النَّدْبُ لِخَبَرِ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ السُّحُورَ بَرَكَةٌ» ؛ لِأَنَّهُ يُقَوِّي عَلَى الصِّيَامِ وَيُنَشِّطُ ". الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ نَدْبِ أَوْ سُنَّةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ تَقْدِيمُهُ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ رُطَبَاتٍ مِنْ كُلِّ مَا خَفَّ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ، هَذَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا قَالَاهُ عَلَى الْفِطْرِ بِغَيْرِ الْفِطْرِ عَلَى الرُّطَبِ أَوْ الْمَاءِ فَلَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَاهُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ جَوَازُ فِعْلِهِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْوَقْتِ قَالَ: (وَإِنْ شَكَّ) مَرِيدُ السُّحُورِ (فِي الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلْ) وَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ الْمُفْطِرَاتِ، وَمِثْلُ الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ الشَّكُّ فِي الْغُرُوبِ، وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ وَاتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ وَفِي الثَّانِي بَقَاءُ النَّهَارِ، وَأَيْضًا اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ غَايَةَ الصَّوْمِ اللَّيْلَ لَا الشَّكَّ فِيهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَعَ الشَّكِّ وَهُوَ الْقَضَاءُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَكْلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ
الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ وَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ
وَمَنْ أَصْبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّتِهِ وَيَقْضِيهِ
وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ نَهَارًا فَلَهُمَا الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا
وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا أَوْ سَافَرَ
[الفواكه الدواني]
بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ الْمُنْتَهِكَ لِلْحُرْمَةِ، وَمِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ مَنْ أَكَلَ عَلَى يَقِينٍ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي الْفَجْرِ أَوْ الْغُرُوبِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ.
الثَّانِي: لَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِطْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إلْقَاءُ مَا فِي فَمِهِ وَنَزْعُ فَرْجِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا مُتَعَمِّدًا لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا قَضَاءَ فِي نَزْعِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ طُلُوعَ الْفَجْرِ.
الثَّالِثُ: لَوْ غَرَّهُ شَخْصٌ وَقَالَ لَهُ كُلْ مَثَلًا فَإِنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَأَكَلَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَعَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ، وَفِي لُزُومِهَا لِلْغَارِّ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَهَ شَخْصٌ شَخْصًا عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ لَلَزِمَ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ الْقَضَاءُ وَيَلْزَمُ الْمُكْرِهَ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ مَنْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى جِمَاعِ امْرَأَةٍ لَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِانْتِشَارَ مَعَهُ نَوْعُ اخْتِيَارٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى الْجِمَاعِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، لِأَنَّ لُزُومَ الْكَفَّارَةِ مَشْرُوطٌ بِالتَّعَمُّدِ.
(وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ) أَيْ يُكْرَهُ إذَا صَامَهُ (لِيَحْتَاطَ) أَيْ يَحْتَسِبَ (بِهِ مِنْ رَمَضَانَ) وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَزْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِخَبَرِ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الشَّكِّ صَبِيحَةُ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ حَيْثُ تَكُونُ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَيَشِيعُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ رَأَوْا الْهِلَالَ لَا صَبِيحَةَ الْغَيْمِ، وَمَالَ إلَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَئِمَّتِنَا قَائِلًا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّنَا لَيْلَةَ الْغَيْمِ مَأْمُورُونَ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِخَبَرِ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ أَوْ فَاقْدُرُوا لَهُ» فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّ تَفْسِيرَ يَوْمِ الشَّكِّ بِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَى النَّفْسِ أَمْيَلُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِيَحْتَاطَ بِهِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِيهِ لِيَتَحَقَّقَ لَا يُنْهَى عَنْهُ بَلْ مَنْدُوبٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إمْسَاكٌ لِيَتَحَقَّقَ.
(وَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ) أَيْ لِلِاحْتِيَاطِ (لَمْ يُجْزِهِ) لِعَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الشَّهْرِ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ.
(وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ رَمَضَانَ) خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ فَتَحَرَّى شَهْرًا وَصَامَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَمَضَانُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ قَوْلِ شَيْخِهِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ وَجَازِمٌ بِنِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الصَّائِمِ احْتِيَاطًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَّمَ شَاكًّا فِي إتْمَامِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ الْكَمَالُ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي حَالِ شَكِّهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعَهَا فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مُخْتَصًّا بِالِاحْتِيَاطِ قَالَ (وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ) أَيْ لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا وَقَضَاءً وَلِنَذْرٍ صَادَفَ لَا احْتِيَاطًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ صَادَفَ لِمَا عَرَفْت مِنْ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ صَامَهُ احْتِيَاطًا.
(وَمَنْ أَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ يَوْمَ الشَّكِّ (فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ) فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ (أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ) لِعَدَمِ تَبْيِيتِهِ النِّيَّةَ الصَّحِيحَةَ.
(وَلْيُمْسِكْ) وُجُوبًا (عَنْ الْأَكْلِ) وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ (فِي بَقِيَّتِهِ وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَقْضِيَهُ) لِفَسَادِ صَوْمِهِ وَالتَّمَادِي فِيهِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ وَإِلَّا كَفَّرَ إنْ انْتَهَكَ بِأَنْ أَفْطَرَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ وَحُرْمَةِ الْفِطْرِ، وَمِثْلُهُ الْمُفْطِرُ نِسْيَانًا أَوْ مُكْرَهًا فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ إنْ انْتَهَكَ كُلَّ بِأَنْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ زَوَالِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، بِخِلَافِ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ كَالْمُضْطَرِّ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ التَّادَلِيُّ: عِبَادَتَانِ يَلْزَمُ التَّمَادِي فِيهِمَا بَعْدَ فَسَادِهِمَا كَمَا يَجِبُ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَهُمَا: الصَّوْمُ وَالْحَجُّ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ قَطْعُ الْفَاسِدِ مِنْهَا وَيَحْرُمُ التَّمَادِي عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ فَسَادُهُمَا فِي الْغَالِبِ بِشَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَشِدَّةِ مَيْلِ النَّفْسِ، فَأَمَرَ الشَّخْصَ بِالتَّمَادِي فِيهِمَا زَجْرًا لِلنَّفْسِ وَإِنْ وَجَبَ قَضَاؤُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ مُخْتَصًّا بِمَنْ أَفْطَرَ نِسْيَانًا أَوْ مُكْرَهًا لَا مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ
قَالَ: (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ) مِنْ سَفَرِهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْفِطْرُ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ) أَوْ النُّفَسَاءُ (نَهَارًا) ظَرْفٌ لَقَدِمَ وَطَهُرَتْ (فَلَهُمَا) أَيْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّمَادِي عَلَى نَحْوٍ (الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا) وَكَالْمُفْطِرِ لِضَرُورَةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، وَالْمُرْضِعِ يَمُوتُ وَلَدُهَا نَهَارًا، وَالْمَرِيضِ يَقْوَى، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَلَمْ يَكُنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ أَوْ بَيَّتَهُ وَأَفْطَرَ عَمْدًا قَبْلَ بُلُوغِهِ