صَلَّاهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَكَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ
وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً أَقَلَّ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَدَأَ بِهِنَّ، وَإِلَّا فَاتَ وَقْتُ مَا هُوَ فِي وَقْتِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ بَدَأَ بِمَا تَخَافُ فَوَاتَ وَقْتِهِ
وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ هَذِهِ عَلَيْهِ
وَمَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَهَا وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ وَإِنْ كَانَ مَعَ إمَامٍ تَمَادَى وَأَعَادَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي
[الفواكه الدواني]
بِوَقْتِ الضَّرُورِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاتِهَا بِثَوْبٍ نَجَسٍ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ أَوْ الْعَجْزِ، فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تُعَادُ فِيهِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِعَادَةِ لِلنَّجَاسَةِ وَبَيْنَ الْإِعَادَةِ لِلتَّرْتِيبِ بِتَأَكُّدِ التَّرْتِيبِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ، وَبِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ.
(وَمَنْ) تَرَتَّبَ (عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ) وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَقِيلَ أَوْ سَاوَاهُمَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْسِيَّةً أَوْ مَتْرُوكَةً عَمْدًا.
(صَلَّاهَا) وُجُوبًا فَوْرًا (بِكُلِّ) أَيْ فِي كُلٍّ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا) أَوْ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ، وَهَذَا حَيْثُ كَانَتْ مُحَقَّقَةَ التَّرْكِ أَوْ مَظْنُونَتَهُ، وَأَمَّا لَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ، فَيَتَوَقَّى أَوْقَاتَ النَّهْيِ وُجُوبًا فِي نَهْيِ الْحُرْمَةِ وَنَدْبًا فِي نَهْيِ الْكَرَاهَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا وَإِنْ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ سَابِقًا: مَنْ ذَكَرَ إلَخْ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْوَاحِدَةَ وَالْأَكْثَرَ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا صُبْحَ يَوْمِهِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ، وَدَلِيلُنَا عُمُومُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا إلَى أَنْ قَالَ: فَذَلِكَ وَقْتُهَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ (كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ) وَلَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ مِنْ جُلُوسٍ، وَلَوْ فَاتَتْهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرِ: حَالَ الْفِعْلِ لَا حَالَ الْوُجُوبِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَغْلُ زَمَانِهِ بِالْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا يُوَسِّعُ لَهُ فِي الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا غِنًى لَهُ عَنْهَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَتَى قَدَرَ وَوَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ دُونَ أَنْ يُضَيِّعَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ مِنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَصِغَارِ أَوْلَادِهِ الْفُقَرَاءِ أَوْ أَبَوَيْهِ الْفُقَرَاءِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ دَرْسُ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَالتَّمْرِيضُ وَإِشْرَافُ الْقَرِيبِ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ صَلَوَاتُ النَّفْلِ قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إلَّا الصَّلَاةَ الْمَسْنُونَةَ كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَمَا خَفَّ مِنْ النَّوَافِلِ دُونَهَا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالشَّفْعِ لِاتِّصَالِهِمَا بِالْوِتْرِ لَا مَا كَثُرَ كَقِيَامِ رَمَضَانَ فَلَا يَفْعَلُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ أَثِمَ مِنْ وَجْهٍ وَأُجِرَ مِنْ وَجْهٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ إثْمِ التَّأْخِيرِ إلَّا بِفِعْلِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا بِصَلَاةِ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ضَعِيفٍ.
1 -
(فَرْعٌ) لَوْ أَجَّرَ شَخْصٌ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ إجَارَةٍ لَازِمَةٍ وَهِيَ الْوَجِيبَةُ أَوْ الْمُشَاهَرَةُ مَعَ نَقْدِ الْأُجْرَةِ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ مَنْسِيَّاتٍ يَمْنَعُهُ قَضَاؤُهَا عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ كَإِقْرَارِ مَنْ رَهَنَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ رَهْنِهِ لِلتُّهْمَةِ فِي الْجَمِيعِ.
وَلِمَا بَيَّنَ أَنَّ الْفَائِتَةَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا عَلَى مَا بَيَّنَّا
[تَرْتِيبِ الْفَائِتَةِ]
شَرَعَ فِي حُكْمِ تَرْتِيبِ الْفَائِتَةِ مَعَ الْحَاضِرَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْفَوَائِتُ (يَسِيرَةً) وَهِيَ مَا كَانَتْ (أَقَلَّ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) أَوْ قَدْرَ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (بَدَأَ بِهِنَّ) وُجُوبًا قَبْلَ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَمْ لَا بَلْ.
(وَإِنْ فَاتَ) أَيْ خَافَ فَوَاتَ (وَقْتُ مَا هُوَ فِي وَقْتِهِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْوَاجِبِ: وَيَسِيرُهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ خِلَافٌ؟ فَإِذَا خَالَفَ وَقَدَّمَ الْحَاضِرَةَ عَلَى يَسِيرِ الْفَوَائِتِ وَلَوْ عَامِدًا صَحَّتْ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ فِعْلِ الْفَائِتَةِ وَلَوْ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ خَالَفَ وَلَوْ عَمْدًا أَعَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِيهِ خِلَافٌ، وَقَدَّمْنَا بَيَانَ الرَّاجِحِ وَأَشْعَرَ التَّقْيِيدُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْحَاضِرَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنْ وَجَبَ مَعَ الذِّكْرِ، وَيَدْخُلُ فِي الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةُ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ أَوْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُ الْأَخِيرَةَ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، فَإِنْ خَالَفَ وَقَدَّمَ الْحَاضِرَةَ صَحَّتْ مَعَ الْإِثْمِ فِي الْعَمْدِ دُونَ النِّسْيَانِ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا إعَادَةٌ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ.
(وَ) مَفْهُومُ الْيَسِيرَةِ أَنَّ الْفَوَائِتَ (إنْ كَثُرَتْ) بِأَنْ زَادَتْ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سَاوَتْ عَلَى الْخِلَافِ فِي يَسِيرِهَا (بَدَأَ بِمَا يَخَافُ فَوَاتُ وَقْتِهِ) مِنْ الْحَاضِرَةِ، فَإِنْ اتَّسَعَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ، وَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ عَنْ فِعْلِ الْفَائِتَةِ وَالْحَاضِرَةِ قَدَّمَ الْحَاضِرَةَ، هَذَا مَا ارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَنَّ الْحَاضِرَةَ تُقَدَّمُ عَلَى كَثِيرِ الْفَوَائِتِ مُطْلَقًا وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، لَكِنْ وُجُوبًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَنَدْبًا عِنْدَ اتِّسَاعِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ حُكْمَ مَنْ ذَكَرَ الْفَوَائِتَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ
[ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاةٍ حَاضِرَةٍ]
شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاةٍ حَاضِرَةٍ فَقَالَ: (وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ هَذِهِ) الْمَذْكُورَةُ فِيهَا (عَلَيْهِ) بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهَا إنْ كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْمَذْكُورَةُ فَائِتَةً بِأَنْ خَرَجَ وَقْتُهَا لَمْ تُفْسِدْ الْمَذْكُورَ فِيهَا إلَّا إنْ أَفْسَدَهَا، وَلَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِفْسَادِهِ، أَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ حَاضِرَةٍ فِي حَاضِرَةٍ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْحَاضِرَتَيْنِ وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ
التَّبَسُّمِ
، وَالنَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ وَالْعَامِدُ لِذَلِكَ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ
وَمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ
وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى
[الفواكه الدواني]
الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْحَاضِرَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ، بَلْ يَجِبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ يَسِيرَةً أَوْ كَثِيرَةً، وَأَمَّا تَرْتِيبُهَا مَعَ الْحَاضِرَةِ فَيَجِبُ فِي الْيَسِيرَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ، وَأَمَّا مَعَ الْكَثِيرَةِ فَعِنْدَ خَلِيلٍ يُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ مُطْلَقًا، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَتُقَدَّمُ الْحَاضِرَةُ وَاتِّسَاعِهِ فَتُقَدَّمُ الْفَائِتَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ: وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقًا، وَمَعَ ذِكْرِ تَرْتِيبِ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطًا، وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا وَيَسِيرُهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ خِلَافٌ؟ فَإِنْ خَالَفَ وَلَوْ عَمْدًا أَعَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوُجُوبِ الشَّرْطِيِّ وَغَيْرِ الشَّرْطِيِّ أَنَّ الشَّرْطِيَّ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَقَيَّدْنَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ ثَانِيَةَ الْحَاضِرَةِ عَلَى الْأُولَى نَاسِيًا، وَاسْتَمَرَّ نَاسِيًا حَتَّى سَلَّمَ صَحَّتْ وَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فَقَطْ، وَإِنْ قَدَّمَهَا مَعَ الْعَمْدِ بَطَلَتْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ ذَكَرْت الْأُولَى فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الذِّكْرُ ابْتِدَاءً أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَسَادِ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ.
[مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَبْحَثِ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَمَنْ ضَحِكَ) أَيْ قَهْقَهَ (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَهَا) لِبُطْلَانِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً لِمُنَافَاتِهَا لِلصَّلَاةِ لِطَلَبِ الْخُشُوعِ فِيهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ وَلَوْ كَانَ ضَحِكُهُ فَرَحًا بِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَهْلِ تُونُسَ وَالْقَرَوِيِّينَ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَصَوَّبَ ابْنُ نَاجِي صِحَّةَ صَلَاتِهِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِعَدَمِ قَصْدِ اللَّعِبِ، وَأَقُولُ بِرَدِّ تَعْلِيلِ بُطْلَانِ صَلَاةِ النَّاسِي وَالْمَغْلُوبِ، فَلَعَلَّ الصَّوَابَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ وَالْمُدَوَّنَةِ، نَعَمْ يَظْهَرُ صِحَّةُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْقَهْقَهَةِ كُلَّمَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَرْكُهَا بِوَجْهٍ، كَمَا قَالُوهُ فِي مُعْتَادِ سَلَسِ الْحَدْسِ كُلَّمَا تَوَضَّأَ، بِخِلَافِ مَنْ عَادَتُهُ كُلَّمَا صَامَ يَشْتَدُّ عَطَشُهُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِمْسَاكَ بِوَجْهٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ الْإِطَاقَةُ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلَسِ الْقَهْقَهَةِ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مُنَافٍ لِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ، وَالْحَدَثُ شَرَطُوا فِيهِ الْخُرُوجَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لَا مَا خَرَجَ بِالْمَرَضِ كَالسَّلَسِ فَلَا يُنْتَقَضُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَعَادَهَا إمَامًا أَوْ فَذًّا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيَقْطَعُ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ، وَوَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَخْلِفُ فِي الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ، وَيَرْجِعُ مَأْمُومًا عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ رُجُوعِهِ مَأْمُومًا مَعَ الْإِعَادَةِ أَبَدًا مُرَاعَاةُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ مِنْ الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ نِسْيَانًا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ دُونَ الْكَلَامِ النِّسْيَانِ؟ فَالْجَوَابُ: شِدَّةُ مُنَافَاتِهَا لِلْخُشُوعِ بِخِلَافِ الْكَلَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَهْدٌ عَمَدَهُ فِي الصَّلَاةِ لِإِصْلَاحِهَا حَتَّى مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمَّا كَانَتْ الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لَا عِنْدَ إمَامِنَا قَالَ: (وَلَمْ يُعِدْ) مِنْ قَهْقَهَةٍ فِي صَلَاتِهِ (الْوُضُوءَ) ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ عِنْدَنَا إمَّا حَدَثٌ أَوْ سَبَبٌ أَوْ رِدَّةٌ أَوْ شَكٌّ فِي حَدَثٍ، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ) الضَّاحِكُ بِالْقَهْقَهَةِ (مَعَ إمَامٍ تَمَادَى) وُجُوبًا لَحِقَ إمَامَهُ، وَقِيلَ: نَدْبًا عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ.
(وَأَعَادَ) صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ أَبَدًا لِبُطْلَانِهَا، وَمَحَلُّ التَّمَادِي عَلَى الْمَأْمُومِ فِي ضَحِكِهِ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ وَتَمَادَى الْمَأْمُومُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ بِشَرْعِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةُ جُمُعَةٍ، وَلَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَمَادِيهِ ضَحِكُ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، وَإِلَّا قُطِعَتْ فِي الْجَمِيعِ، وَهَذِهِ إحْدَى مَسَاجِينِ الْإِمَامِ نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي وَلَوْ فَذًّا (فِي التَّبَسُّمِ) وَهُوَ تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ، وَمَعْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي السَّهْوِ، وَلَا بُطْلَانَ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلُ غَيْرُ الْعَمْدِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَهَا وَلَوْ سَهْوًا، وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : حُكْمُ التَّبَسُّمِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْجَوَازُ وَفِيهَا الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ فَيَحْرُمَ، وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فَلَا نِزَاعَ فِي حُرْمَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ضَحِكَ فِي الدُّنْيَا بَكَى فِي الْآخِرَةِ» ؛ وَلِأَنَّ الضَّحِكَ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَجِبْت مِنْ ضَاحِكٍ وَالنَّارُ وَرَاءَهُ، وَعَجِبْت مِنْ مَسْرُورٍ وَالْمَوْتُ وَرَاءَهُ، وَلَعَلَّ قَوْلَ الصُّوفِيَّةِ بِحُرْمَتِهَا لِأَمْرٍ يُدْرِكُونَهُ مِنْهَا: لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ لَحَرَّمَهَا، وَإِلَّا فَالصُّوفِيَّةُ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الشَّرْعِ.
(وَالنَّفْخُ) مِنْ الْفَمِ (فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ) فَإِنْ وَقَعَ سَهْوًا وَلَمْ يَكْثُرْ سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ.
(وَالْعَامِدُ لِذَلِكَ) وَالْجَاهِلُ لِحُكْمِهِ (مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ) وَلَوْ قَلَّ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ حَرْفٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا النَّفْخُ مِنْ الْأَنْفِ فَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَلَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِعْلُهُ عَبَثًا، وَإِلَّا جَرَى عَلَى الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ قَوْلِهِ: «النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ» وَالظَّاهِرُ رَفْعُهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
وَأَيْضًا قَدْ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَبَاحٍ وَهُوَ يَنْفُخُ فِي التُّرَابِ: مَنْ نَفَخَ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ، وَمَفْهُومٌ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ النَّفْخَ فِي غَيْرِهَا لَيْسَ بِكَلَامٍ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ لَا يَحْنَثُ بِنَفْخِهِ، أَوْ حَلَفَ لَيَتَكَلَّمَنَّ لَا يَبِرُّ بِنَفْخِهِ.
1 -
(فُرُوعٌ تَشْتَدُّ حَاجَةُ الطَّالِبِ لِمَعْرِفَتِهَا) مِنْهَا: التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ لِضَرُورَةٍ لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَلَا سُجُودَ يَسْجُدُ، وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلَانِ الْمُخْتَارُ مِنْهُمَا عِنْدَ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْإِبْطَالِ بِهِ لِغَيْرِهَا، وَلَكِنْ قَيَّدَهُ السَّنْهُورِيُّ بِمَا إذَا فَعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَبَثًا، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ تَبَعًا لِلَّخْمِيِّ لِغَيْرِهَا أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقَةٍ بِهَا كَإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ تَنَحْنَحَ عَبَثًا عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ لَبَطَلَتْ وَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: ظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَلَوْ فَعَلَهُ عَبَثًا حَيْثُ قَلَّ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ السَّنْهُورِيِّ أَوْجَهُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنَّ الْجُشَاءَ وَالتَّنَخُّمَ كَالتَّنَحْنُحِ فِي أَحْكَامِهِ.
1 -
(الْفَرْعُ الثَّانِي) التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: إنْ فَعَلَهُ غَلَبَةً فَمُغْتَفَرٌ، وَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا سَجَدَ غَيْرُ الْمَأْمُومِ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ.
(الْفَرْعُ الثَّالِثُ) الْأَنِينُ لِلْوَجَعِ فِي الصَّلَاةِ، الْمَذْهَبُ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ، وَمِثْلُهُ الْبُكَاءُ إذَا كَانَ بِلَا صَوْتٍ حَصَلَ اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةً كَانَ لِتَخَشُّعٍ أَوْ لَا، إلَّا أَنْ يَكْثُرَ اخْتِيَارًا، وَإِلَّا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِصَوْتٍ فَإِنْ كَانَ اخْتِيَارًا أَبْطَلَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَلَبَةً فَإِنْ كَانَ لِخُشُوعٍ لَمْ يُبْطِلْ وَلِغَيْرِ خُشُوعٍ يُبْطِلُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَيْثُ لَمْ يَكْثُرْ وَإِلَّا أَبْطَلَ، هَذَا مُلَخَّصُ قَوْلِ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ: الْبُكَاءُ الْمَسْمُوعُ إذَا كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُشُوعِ يَلْحَقُ بِالْكَلَامِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ إذَا قَامَ فِي مَقَامِك لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ هَلْ هُوَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ مِنْ النَّاسِ؟ لَمَا رَأَوْا أَبَا بَكْرٍ قَامَ مَقَامَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَفِي مُسْلِمٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ.
وَالْمُرَادُ بِبُكَاءِ التَّخَشُّعِ الْبُكَاءُ لِخَوْفِ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ فِي الْبُكَاءِ سُرُورًا لِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ هَلْ هُوَ كَالضَّحِكِ قَهْقَهَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ الصَّوَابُ فِيهِ الْبُطْلَانُ بِهِ أَمْ لَا؟ اُنْظُرْ النَّصَّ الصَّرِيحَ فِي ذَلِكَ وَيَظْهَرُ الْبُطْلَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَلَبَةً فَيَكُونُ عَبَثًا فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ وَالْكَلَامِ فِيمَا مَرَّ.
[مَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فِي الصَّلَاة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: (وَمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى مُجْتَهِدًا فِي جِهَتِهَا أَوْ مُقَلِّدًا غَيْرَهُ عَدْلًا عَارِفًا أَوْ مِحْرَابًا لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ وَكَانَ الْخَطَأُ بِغَيْرِ نِسْيَانٍ.
(أَعَادَ فِي الْوَقْتِ) أَيْ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ فِي وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَاحْتُرِزَ بِالْخَطَأِ عَمَّنْ خَالَفَ الْقِبْلَةَ عَمْدًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ إنْ خَالَفَهَا وَإِنْ صَادَفَ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْعَمْدِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ كَالتَّتَائِيِّ وَالزَّرْقَانِيِّ، وَقَوْلُنَا فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا اجْتَهَدَ أَوْ قَلَّدَ غَيْرَهُ عَدْلًا عَارِفًا احْتِرَازٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي تَحَيَّرَ وَاخْتَارَ جِهَةً وَصَلَّى لَهَا، وَالْمُقَلِّدِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَتَخَيَّرَ جِهَةً وَصَلَّى لَهَا فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَوْلُنَا: وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ كَانَ يُصَلِّي لِهَؤُلَاءِ وَأَخْطَأَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَيُعِيدُهَا أَبَدًا حَيْثُ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ، سَوَاءٌ كَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، هَذَا هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ إنَّمَا يَسْتَقْبِلُ عَيْنَ الْكَعْبَةِ وَإِنْ بِمَشَقَّةٍ، وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ يُصَلِّي إلَى مِحْرَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِثْلُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنَّ قِبْلَتَهَا مُسَامِتَةٌ لِلْكَعْبَةِ فَلَا يُصَلِّي إلَّا إلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِقِبْلَتِهَا، وَلَا يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، وَقِبْلَةُ جَامِعِ عَمْرٍو مُجْمَعٌ عَلَى مُسَامَتَتِهَا لِلْكَعْبَةِ أَيْضًا، وَقَوْلُنَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى يُشْعِرُ بِأَنَّ الْخَطَأَ تَبَيَّنَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ فِي أَثْنَائِهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ بِصَلَاةٍ قَطَعَ غَيْرُ أَعْمَى وَمُنْحَرِفٍ يَسِيرًا، وَهُوَ الْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ كَثِيرًا بِأَنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ، وَأَمَّا الْأَعْمَى مُطْلَقًا، وَالْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ يَسِيرًا فَيَسْتَقْبِلَانِهِ اوَلَا يَقْطَعَانِ، فَإِنْ تَرَكَا الِاسْتِقْبَالَ عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمَا بِخِلَافِ الْبَصِيرِ الْمُنْحَرِفِ كَثِيرًا، وَلَفْظُ الْأُجْهُورِيِّ: أَمَّا لَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلَانِهَا فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ فِيهِمَا فِي الْيَسِيرِ بَاطِلَةٌ لِغَيْرِ الْأَعْمَى فِي الْكَثِيرِ، وَأَقُولُ: جَعْلُهُ الْبُطْلَانَ لِغَيْرِ الْأَعْمَى فِي الْكَثِيرِ مُرَتَّبًا عَلَى عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْخَطَأِ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ خَلِيلٍ: قَطَعَ غَيْرُ أَعْمَى، دُونَ أَنْ يَقُولَ بَطَلَتْ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ عُذْرُهُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ عَلَى الْخَطَأِ وَتَلَبُّسُهُ بِالصَّلَاةِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
وَقَوْلُنَا: بِأَنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَطَأِ الْيَسِيرِ، فَإِنَّهُ لَا تَنْدُبُ لِأَجْلِهِ إعَادَةٌ فِي حَقِّ الْأَعْمَى مُطْلَقًا وَلَا الْبَصِيرِ فِي الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا تَنْدُبُ فِي حَقِّ الْبَصِيرِ الْمُنْحَرِفِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ عِنْد تَبَيُّنِ الْخَطَأِ فِي الْأَثْنَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ بَلْ بِالِاسْتِقْبَالِ وَهُوَ الْأَعْمَى مُطْلَقًا أَوْ
بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَى مَكَان نَجِسٍ
وَكَذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ مُخْتَلِفٍ فِي نَجَاسَتِهِ
وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ
[الفواكه الدواني]
غَيْرُهُ فِي الْيَسِيرِ، وَفَرَضْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ الْخَطَأُ بِغَيْرِ النِّسْيَانِ، وَأَمَّا مَنْ أَخْطَأَ نَاسِيًا فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ يُعِيدُ النَّاسِي أَبَدًا بِلَا خِلَافٍ، وَالْمُرَادُ نَسِيَ إمَّا مَطْلُوبِيَّةَ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ نَسِيَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقِيلَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَالْخِلَافُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا جَاهِلُ حُكْمِ الِاسْتِقْبَالِ فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ أَخْطَأَ لِغَيْرِ نِسْيَانٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَمَنْ أَخْطَأَ لِنِسْيَانٍ؟ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْإِعَادَةِ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّاسِيَ عِنْدَهُ تَفْرِيطٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ قَدْ فَعَلَ مَقْدُورَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ أَوْ التَّقْلِيدِ لِلْعَدْلِ الْعَارِفِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي قِبْلَةِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّخْيِيرِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: مَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو بِالْفُسْطَاطِ فَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ، وَلَوْ كَانَ أَعْمَى مُنْحَرِفًا يَسِيرًا، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَائِرَ الْمَحَارِيبِ الْكَائِنَةِ بِالْمَدِينَةِ لَوْ صَلَّى إلَيْهَا كَمِحْرَابِ قُبَاءَ حُكْمُهُ حُكْمُ مِحْرَابِ مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمِمَّا ذَكَرْنَا وُجُوبُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لَكِنْ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ.
وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ مَعَ ظُهُورِ الْعَلَامَاتِ لَهُ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَابْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ: مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَافِرٌ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَإِنْ رَجَعَ تَرَكَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَدِلَّتِهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: دَلِيلُ الْقِبْلَةِ بِالنَّهَارِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ ظِلَّكَ عِنْدَ وُقُوفِكَ قَبْلَ الْأَخْذِ فِي الزِّيَادَةِ فَذَلِكَ قِبْلَتُكَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجْرِي فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَاَلَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ وَلَوْ مِحْرَابًا صَحِيحًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَغْرِبَ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، أَوْ يَجْعَلَ الْمَشْرِقَ أَمَامَ وَجْهِهِ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي أَيِّ زَمَنٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ انْحِرَافٌ يَكُونُ يَسِيرًا، وَهُوَ لَا يَضُرُّ عِنْدَنَا، فِيمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْعَلَامَاتِ لِمَنْ كَانَ مِصْرِيًّا أَنْ يَجْعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى، وَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَإِنْ كَانَ بِالشَّامِ يَجْعَلُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ يَجْعَلُهُ أَمَامَهُ، فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقْبِلًا، فَإِنَّ الْعِرَاقَ مُقَابِلٌ لِمِصْرِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَالشَّامَ مِنْ جِهَةِ شِمَالِ مُسْتَقْبِلِ قِبْلَةِ مِصْرَ، وَالْيَمَنَ فِي جَنُوبِهِ، وَقَوْلُنَا إنْ كَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَلَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ غَيْرَهُ وَلَا مِحْرَابًا إلَّا لِمِصْرِ وَإِنْ أَعْمَى، وَسَأَلَ عَنْ الْأَدِلَّةِ، وَقَلَّدَ غَيْرَهُ مُكَلَّفًا عَارِفًا أَوْ مِحْرَابًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُقَلِّدُ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ تَخَيَّرَ الْمُجْتَهِدُ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً تَرْكَنُ إلَيْهَا نَفْسُهُ وَيُصَلِّي، وَإِنْ صَلَّى لِلْأَرْبَعِ جِهَاتٍ لَكَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا لِاخْتِيَارِ بَعْضِ الشُّيُوخِ لَهُ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ بِكُلِّ وَجْهٍ كَالْمُصَلِّي فِي حَالَةِ الِالْتِحَامِ أَوْ مِنْ تَحْتِ هَدْمٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ كَمَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ سَفَرَ قَصْرٍ عَلَى دَابَّةِ النَّافِلَةِ لِجِهَةِ سَيْرِهَا وَلَوْ كَانَتْ وِتْرًا، وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ وَإِجْحَافِ الْمُصَنِّفِ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ (مَنْ صَلَّى) فَرِيضَةً (بِثَوْبٍ نَجِسٍ) أَوْ مُتَنَجِّسٍ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا وَاتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَكَانَتْ تِلْكَ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا، لَكِنْ صَلَّى نَاسِيًا لَهَا حَتَّى أَتَمَّ صَلَاتَهُ.
(أَوْ) صَلَّى (عَلَى مَكَان نَجِسٍ) فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَيْضًا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَأَمَّا مَعَ الْعَمْدِ وَالْقُدْرَةِ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ وَتُعَادُ أَبَدًا، وَقِيلَ: إنَّهَا سُنَّةٌ فَتُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ مَعَ الْعَمْدِ وَالْقُدْرَةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُ جَرْيَهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ صَلَاتِهِ عَاجِزًا عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوْ نَاسِيًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ بِهَا عَامِدًا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ إنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالصُّبْحِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا ضَرُورِيَّ لَهَا وَلِلْأَسْفَارِ الْأَعْلَى عَلَى مُقَابِلِهِ.
(تَنْبِيهٌ) أَشْعَرَ قَوْلُهُ صَلَّى أَنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْ النَّجَاسَةَ فِي الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا لَبَطَلَتْ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهَا كَمَا لَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ فِيهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسُقُوطُهَا فِي صَلَاةِ مُبْطِلٍ كَذِكْرِهَا فِيهَا لَا قَبْلَهَا، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ الْبُطْلَانُ بِمَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا بِوُجُودِ الْمُطْلَقِ وَاتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَمِثْلُ وُجُودِ الْمُطْلَقِ الثَّوْبُ أَوْ الْمَكَانُ الطَّاهِرُ فَيُصَلِّي فِي غَيْرِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يُكْمِلُ، وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِ مَا عَلَيْهِ أَوْ تَحَوُّلِهِ إلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ لِبُطْلَانِهَا بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إزَالَتِهَا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا، وَلَا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إزَالَتِهَا أَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا، وَأَمَّا لَوْ رَآهَا فِي ثَوْبِهِ، وَهَمَّ بِقَطْعِهَا فَنَسِيَهَا وَتَمَادَى فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَنَسِيَهَا وَصَلَّى فَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا لَوْ رَآهَا فِي ثَوْبِ إمَامِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ إنْ قَرُبَ مِنْهُ، وَإِذَا بَعُدَ أَعْلَمَهُ بِالْكَلَامِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ تَبَعِيَّتُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ أَوْ مَكَانِهِ بَلْ يَسْتَخْلِفُ
أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ
وَرُخِّصَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَكَذَلِكَ فِي طِينٍ وَظُلْمَةٍ
يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلَ الْوَقْتِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يُؤَخِّرُ قَلِيلًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ثُمَّ يُقِيمُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّيهَا
[الفواكه الدواني]
الْإِمَامُ، وَلَوْ الَّذِي أَعْلَمَهُ بِالنَّجَاسَةِ حَيْثُ لَمْ يَتْبَعْهُ بَعْدَ الْعِلْمِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِبُطْلَانِهَا عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَأَمَّا مَنْ سَجَدَ أَوْ جَلَسَ عَلَى نَجَاسَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا فَقِيلَ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ عَلِمَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ قَطَعَ وَابْتَدَأَ صَلَاتَهُ بِإِقَامَتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَرَفَةَ: يُتِمُّ صَلَاتَهُ مُتَنَحِّيًا عَنْهَا، وَأَمَّا مَنْ رَأَى فِي صَلَاتِهِ نَجَاسَةً بِعِمَامَتِهِ بَعْدَ سُقُوطِهَا يَقْطَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إلَى أَنَّهُ يَتَمَادَى وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَهَذِهِ فُرُوعٌ حِسَانٌ قَلَّ أَنْ تَجِدَهَا مَجْمُوعَةً هَكَذَا فَاحْرِصْ عَلَيْهَا.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ (مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجَسٍ) الْأُولَى مُتَنَجِّسٌ لِقَوْلِهِ: (مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ) كَالْقَلِيلِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، سَوَاءٌ تَوَضَّأَ بِهِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، وَبَعْدَ الْوُضُوءِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمُصَنِّفِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لِابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ، وَمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالنَّجَاسَةِ يَكْتَفِي بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ، وَالْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ يَقُولُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالنَّجَاسَةِ، وَاَلَّذِي فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ بِهَذَا الْمَاءِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَأَقُولُ: قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ بِعَدَمِ إعَادَةِ مُسْتَعْمِلِهِ إنْ كَانَ لِنَصٍّ صَرِيحٍ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فَلَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ لَا يُنَافِي نَدْبَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ، فَلَعَلَّ الْأَحْوَطَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ مِنْ نَدْبِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ.
(وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ) أَوْ اغْتَسَلَ (بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ) وَلَوْ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ (لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ) بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ كَلَبَنٍ أَوْ نَجَسٍ كَبَوْلٍ (أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ) وَاسْتِنْجَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخُبْثِ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ غَيْرَ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِعَادَةِ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ أَوْ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ هُوَ مَعَهُ التَّيَمُّمُ،
وَلَمَّا كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الصَّلَاةِ جَمْعُهَا فَتُصَلَّى إحْدَاهُمَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا إمَّا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَسْبَابُهُ سِتَّةٌ: الْمَطَرُ وَحْدَهُ وَالطِّينُ وَالظُّلْمَةُ وَعَرَفَةُ وَالْمُزْدَلِفَةُ وَالسَّفَرُ وَالْمَرَضُ وَحُكْمُهُ مُخْتَلِفٌ، وَبَيَّنَ كُلًّا فِي مَحَلِّهِ، فَأَشَارَ إلَى الْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ بِقَوْلِهِ: (وَرُخِّصَ) أَيْ سُهِّلَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ أَوْ السُّنِّيَّةِ (فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ) الْغَزِيرِ الَّذِي يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى تَغْطِيَةِ رُءُوسِهِمْ بِحَيْثُ يَشُقُّ مَعَهُ الْوُصُولُ إلَى الْمَنَازِلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاقِعِ أَوْ الْمُتَوَقَّعِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَاخْتَصَّ الْجَمْعُ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْمَطَرِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا الْخَبَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ السُّنَّةِ: إذَا كَانَ يَوْمَ مَطَرٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَيْضًا إنَّمَا يَفْعَلَانِ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ مَحَلُّ الظُّلْمَةِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ لَفْظِ الرُّخْصَةِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ سُنَّةً وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: الْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ سُنَّةٌ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: الْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَقَدْ فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَفِعْلُهُمْ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَأُلْحِقَ بِالْمَطَرِ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ رَخَّصَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (فِي) كُلِّ لَيْلَةٍ ذَاتِ (طِينٍ وَظُلْمَةٍ) لِكَوْنِهَا مِنْ لَيَالِيِ آخِرِ الشَّهْرِ لَا ظُلْمَةَ الْغَيْمِ نَهَارًا، فَلَا يُجْمَحُ لِأَجْلِهَا وَلَوْ انْضَمَّ لَهَا طِينٌ أَوْ رِيحٌ شَدِيدٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ ذَلِكَ الْجَمْعُ فِي حَقِّ أَرْبَابِ الْمَسَاجِدِ السَّاكِنَةِ بِغَيْرِهَا رِفْقًا بِهِمْ فِي تَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ زَائِدَةٍ بِسَبَبِ ذَهَابِهِمْ قَبْلَ شِدَّةِ الظَّلَّامِ اللَّاحِقَةِ لَهُمْ إنْ صَبَرُوا لِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجْمَعُ أَرْبَابُ الْمَسَاجِدِ الْمُعْتَكِفَةِ بِهَا إلَّا تَبَعًا لِمَنْ مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ كَالْمُجَاوِرِينَ بِالْأَزْهَرِ الْمُنْقَطِعِينَ بِهِ لَا يَجْمَعُونَ إلَّا تَبَعًا لِلْإِمَامِ الَّذِي مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِخْلَافٌ مِنْ مَنْزِلِهِ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُعْتَكِفُ يُصَلِّي مَأْمُومًا تَبَعًا.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) . الْأَوَّلُ: لَوْ صَلَّى شَخْصٌ الْمَغْرِبَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْجَمَاعَةَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ مَعَهُمْ حَيْثُ يَطْمَعُ فِي إدْرَاكِ رَكْعَةٍ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، وَنِيَّةُ الْإِمَامِ الْجَمْعُ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُمْ فَرَغُوا أَوْ فِي التَّشَهُّدِ فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ وَيُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ لِلشَّفَقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ الَّذِي دَخَلَهُ وَوَجَدَ أَهْلَهُ قَدْ جَمَعُوا أَحَدَ الْمَسَاجِدِ مَكَّةَ أَوْ
ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُقِيمُ ثُمَّ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ إسْفَارٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ
وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ
، وَكَذَلِكَ فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا
[الفواكه الدواني]
الْمَدِينَةَ أَوْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ لِعِظَمِ فَضْلِهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا.
الثَّانِي: الَّذِي مَنْزِلُهُ مُتَّصِلٌ بِالْجَامِعِ وَلَمْ يَأْتِ الْجَامِعُ لَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ تَبَعًا لِأَهْلِ الْجَامِعِ، فَلَوْ خَالَفَ وَجَمَعَ مَعَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ جَمْعِهِمْ تَبَعًا لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ.
[أَسْبَاب الْجَمْع وَصِفَته]
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ الْجَمْعِ لِلْمَطَرِ أَوْ الطِّينِ مَعَ الظُّلْمَةِ بِقَوْلِهِ: (يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلَ الْوَقْتِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) عَلَى الْمَنَابِرِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ حُكْمُ الْمُعْتَادِ.
(ثُمَّ يُؤَخِّرُ) الْمَغْرِبَ نَدْبًا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ (قَلِيلًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ) بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ لِاخْتِصَاصِ الْأُولَى بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَقِيلَ قَدْرَ حَلْبِهِ شَاةً، وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعِلَّةُ التَّأْخِيرِ لِيَأْتِيَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ، وَلَا يُقَالُ: وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَضِيقٌ فَتَأْخِيرُهَا مُنَافٍ لِذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ: تَأْخِيرُهَا مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِامْتِدَادِ اخْتِيَارَيْهَا لِلشَّفَقِ، فَإِنَّ لَهُ قُوَّةً فِي بَابِ الْجَمْعِ رِفْقًا بِالنَّاسِ فِي حُصُولِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ، وَأَيْضًا نَصُّوا عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا لِمُحَصِّلِي الشُّرُوطِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا (يُقِيمُ) الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ (فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّيهَا) أَيْ الْمَغْرِبَ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَهَا مَطْلُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا فَهَذَا أَوْلَى.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَانْصِرَافِ الْإِمَامِ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ (يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ) إثْرَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ وَلَا تَحْمِيدٍ مِنْ الْمُؤَذِّنِ (فِي دَاخِلِ) صَحْنِ (الْمَسْجِدِ) بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْدُوبًا، وَعِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ يُسَنُّ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ لِيُعْلِمَ أَهْلَ الْبُيُوتِ.
(وَيُقِيمُ) لِلْعِشَاءِ (ثُمَّ يُصَلِّيهَا) سَرِيعًا (ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ) إلَى مَنَازِلِهِمْ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (عَلَيْهِمْ الْإِسْفَارُ) أَيْ بَقِيَّةً مِنْ نُورِ النَّهَارِ بِحَيْثُ يَصِلُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ) .
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا: ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَانْصِرَافِهِ إلَخْ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَبْقَى فِي مَحَلِّهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْجُزُولِيَّ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ يَنْصَرِفُ مِنْ مَحَلِّهِ أَوْ يَسْتَمِرُّ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَعُودُ اهـ.
وَأَقُولُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ: وَلْيَنْصَرِفْ الْإِمَامُ إلَخْ يَشْمَلُ هَذَا.
الثَّانِي: قَوْلُهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلَخْ لَوْ جَمَعُوا وَلَمْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ أَعَادُوا الْعِشَاءَ وَقِيلَ لَا إعَادَةَ.
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ الْإِسْفَارُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ الْوِتْرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ كَتَرَاوِيحِ رَمَضَانَ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ طَلَبِ انْصِرَافِهِمْ بَعْدَ الْعِشَاءِ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَغِلُونَ بِنَفْلٍ وَلَا غَيْرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَنَفُّلَ بَيْنَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَنَفَّلَ بَيْنَهُمَا لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ إلَّا أَنْ تَكْثُرَ النَّوَافِلُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ وَقْتُ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ فَيَفُوتُ الْجَمْعُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ التَّنَفُّلِ الْكَرَاهَةُ، وَلَا وَجْهَ لِحُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَاتُ وَاجِبٍ إذْ الْجَمْعُ مَنْدُوبٌ أَوْ مَسْنُونٌ وَالْمُفَوِّتُ لِأَحَدِهِمَا لَا يُحَرَّمُ فِعْلُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ نِيَّةِ الْجَمْعِ وَلَا مَحَلَّهَا، وَمَحِلُّهَا عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَتُطْلَبُ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فَقِيلَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَظْهَرُ أَثَرُ الْجَمْعِ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِمَا وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي، فَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبَطَلَتْ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ تَرَكَهَا فِيهِمَا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَى بِهَا فِي الْأُولَى فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهَا وَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا عِنْدَ الْأُولَى وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا مَشْرُوطَةٌ بِنِيَّةِ الْإِمَامَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَتَرْكِ الْإِمَامِ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمْعِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ثَالِثِ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ) يَوْمَ الْوُقُوفِ وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْعِيدِ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) جَمْعُ تَقْدِيمٍ (عِنْدَ الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَخْطُبَ لِلنَّاسِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَجْلِسَ فِي وَسَطِهَا، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا خَلِيلٌ خُطْبَتَيْنِ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لَهَا، وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ يَنْزِلُ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ بَعْدَ صَلَاتِهَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْعَصْرِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بِأَذَانٍ) لِكُلِّ صَلَاةٍ (وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَلَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَجْمُوعَةِ.
قَالَ زَرُّوقٌ: وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ فِي جَمْعِ الظُّهْرَيْنِ وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ صَلَّى فِي رَحْلِهِ كَفَتْهُ الْإِقَامَةُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَذَانٍ، وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي رَحْلِهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَيَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ السُّنَّةَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَالصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ سِرِّيَّةٌ وَتُصَلَّى الظُّهْرُ فِي عَرَفَةَ، وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: جَمَعَ الرَّشِيدُ مَالِكًا وَأَبَا يُوسُفَ فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُفَ
وَصَلَ إلَيْهَا
وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ بِالْمُسَافِرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَإِذَا ارْتَحَلَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى جَمَعَ حِينَئِذٍ
وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى
[الفواكه الدواني]
عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُصَلِّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَصَلَّى بَعْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ جُمُعَةٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا يَجْهَرُ بِالْجُمُعَةِ، فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ وَسَلَّمَ.
وَأَشَارَ إلَى رَابِعِ الْأَسْبَابِ لِلْجَمْعِ وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ (بِالْمُزْدَلِفَةِ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ وَمَحَلُّهُ (إذَا وَصَلَ إلَيْهَا) بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلَّا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ الْخَفِيفَةِ، بِأَنْ يُؤَذِّنَ لِلْمَغْرِبِ بَعْدَ الشَّفَقِ وَيُقِيمَ لَهَا فَإِذَا صَلُّوهَا وَفَرَغُوا مِنْهَا يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ وَيُقِيمُ لَهَا وَيُصَلُّونَهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِتَسْبِيحٍ وَلَا تَنَفُّلٍ كَسَائِرِ الْجُمُوعِ، لَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا.
قَالَهُ زَرُّوقٌ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لَمْ يَصِحَّ جَمْعُهُ قَبْلَهُ، فَلَوْ جَمَعَ أَعَادَ الْمَغْرِبَ نَدْبًا وَالْعِشَاءَ بَعْدَ الشَّفَقِ وُجُوبًا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إذَا وَصَلَ عَمَّا إذَا لَمْ يَصِلْ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ فَهَذَا يَجْمَعُ إذَا غَابَ الشَّفَقُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ، وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ عَرَفَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَلْ لِكُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْإِمَامُ الْجَمْعُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ سُنِّيَّةِ الْجَمْعِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا الْجَمْعَ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لِعَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَنَفَرَ مِنْهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ اخْتِيَارًا لَا يَجْمَعُ إلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الشَّفَقِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِعَجْزٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وَلَوْ غَيْرَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ وَقَفَ بَعْدَهُ لَا يَجْمَعُ وَلَا بِالْمُزْدَلِفَةِ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَذَانِ لِلْمَغْرِبِ بَعْدَ الشَّفَقِ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ يُكْرَهُ فِي الضَّرُورِيِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَذَانُ لِلظُّهْرِ حَيْثُ يُجْمَعُ مَعَ الْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ بَابَ الْجَمْعِ بَابُ ضَرُورَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ تُفْعَلُ بَعْدَ أَوْ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى فَيُقَيَّدُ مَا فِي الْأَذَانِ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ الْمَجْمُوعَةِ،
وَأَشَارَ إلَى خَامِسِ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ) أَيْ اشْتَدَّ (بِالْمُسَافِرِ) فِي الْبَرِّ سَفَرًا مُبَاحًا، وَإِنْ قَصُرَ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يُدْرِكَ الزَّوَالَ سَائِرًا وَفِي هَذَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ (فَلَهُ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَ) فِي (أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ) فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهَذَا يُسَمَّى جَمْعًا صُورِيًّا وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ أَوْ تُؤَخِّرُهُ عَنْهُ، وَلِهَذَا صُلِّيَتْ فِيهِ كُلُّ صَلَاةٍ فِي وَجْهِهَا، وَثَانِي الْوَجْهَيْنِ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ وَقَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا، وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَفِي وَقْتِهِمَا، وَحُكْمُ التَّأْخِيرِ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاتَيْنِ فِي نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ، وَفِي النُّزُولِ قَبْلَهُ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ وَالْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَسَوَاءٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ (وَ) الْحُكْمُ (كَذَلِكَ) فِي الْعِشَاءَيْنِ إذَا أَشْرَكَهُ الْغُرُوبُ سَائِرًا فَلَهُ وَجْهَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ (الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جَمْعًا صُورِيًّا بِأَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ وَيُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُنْزِلُ طُلُوعَ الْفَجْرِ هَذَا مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ، وَالثُّلُثَ الْأَوَّلَ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا بَعْدَهُ لِلْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ، وَثَانِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَوْ قَبْلَهُمَا فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا كَمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَيْنِ عِنْدَ نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَثَانِي الْحَالَتَيْنِ أَنْ يُدْرِكَهُ الزَّوَالُ أَوْ الْغُرُوبُ بَازِلًا بِالْمَنْهَلِ وَفِيهِ ثَلَاثُ أَوْجُهٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَجْهًا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا ارْتَحَلَ) الْمُسَافِرُ أَيْ أَرَادَ الِارْتِحَالَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ وَزَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهِ (فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى) وَهِيَ الظُّهْرُ مِنْ الظُّهْرَيْنِ أَوْ الْمَغْرِبُ مِنْ الْعِشَاءَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لَهُمَا، وَنَوَى أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ (جَمَعَ حِينَئِذٍ) بِأَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ عِنْدَ الظُّهْرِ وَالْعِشَاءَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، وَيُسَمَّى جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَالْأَوَّلُ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَثَانِيهَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ قَبْلَ الِاصْفِرَارِ فِي الظُّهْرَيْنِ أَوْ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعِشَاءَيْنِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ فَقَطْ، وَثَالِثُهَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرَيْنِ أَوْ بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعِشَاءَيْنِ.
فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ
عَقْلِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقُ بِهِ لِبَطْنٍ بِهِ وَنَحْوِهِ جَمَعَ وَسْطَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَعِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ
[الفواكه الدواني]
رَاكِبًا لَهُ حَالَتَانِ، وَمَنْ زَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ لَهُ ثَلَاثُ أَحْوَالٍ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى، قَبْلَ الِارْتِحَالِ فِي الثَّلَاثِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى قِسْمَيْ الرَّاكِبِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَفِي وَقْتَيْهَا كَمَنْ لَا يَضْبِطُ نُزُولَهُ، وَأَشَارَ إلَى أَحْوَالِ النَّازِلِ بِقَوْلِهِ: وَرَخَّصَ لَهُ الظُّهْرَيْنِ بِالْمَنْهَلِ إذَا زَالَتْ بِهِ، وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ وَفِي الِاصْفِرَارِ خَيْرٌ فِيهَا، وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثِ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَبَاقِي اللَّيْلِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّازِلَ وَقْتَ الزَّوَالِ أَوْ الْغُرُوبِ مُخَالِفٌ لِلسَّائِرِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّازِلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ وَيَنْزِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَجْمَعُ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَالسَّائِرَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ، وَنَظِيرهُ مَنْ لَا يَضْبِطُ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْمَبْطُونُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ تَأْخِيرُ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا بِحَيْثُ إذَا فَرَغَ مِنْهَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَيَشْرَعُ فِي الثَّانِيَةِ لِدُخُولٍ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ جَدَّ الْيَسِيرُ فِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا إسْنَادُ الْجِدِّ إلَى السَّيْرِ، وَهُوَ إنَّمَا يُسْنَدُ إلَى الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الِاجْتِهَادُ وَالسَّيْرُ لَا يُجْتَهَدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا جَوَابَ هَذَا بِتَضْمِينِ جَدَّ بِمَعْنَى اشْتَدَّ أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ إسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عَلَى حَدِّ: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ صَاحِبُهَا، وَالْمَعْنَى هُنَا جَدَّ السَّيْرَ أَيْ صَاحِبُهُ، وَثَانِي الْأَمْرَيْنِ أَنَّ تَعْبِيرَهُ بِ جَدَّ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ الْجِدِّ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ كَمَا صَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ قَصُرَ وَلَمْ يَجِدَّ إلَخْ.
الثَّالِثُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ صُورِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تُؤَخَّرُ، وَالْمُرَادُ وَقْتُهَا الْمُعْتَادُ لَهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَا صَلَّيْت فِيهِ وَقْتٌ لَهَا ضَرُورِيٌّ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الضَّرُورِيَّ بَعْدَ الْمُخْتَارِ أَمْرٌ أَغْلَبِيٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي الصُّورِيِّ هَلْ هُوَ رُخْصَةٌ أَوْ غَيْرُ رُخْصَةٍ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَخَالَفَ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً، وَلَعَلَّ وَجْهَ كَوْنِهِ رُخْصَةً أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُلَامُ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَرِيضِ وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَلَا يُلَامُ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهَا، لِأَنَّهُ يُرَخَّصُ لِصَاحِبِ الضَّرُورَةِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلصَّحِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ إلَى سَادِسِ الْأَسْبَابِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ (لِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ) بَيْنَ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ (إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَلَى عَقْلِهِ) فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ أَوْ حُمَّى أَوْ دَوْخَةٍ (عِنْدَ الزَّوَالِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَجْمَعُ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرَيْنِ (وَعِنْدَ الْغُرُوبِ) بِالنِّسْبَةِ لِلْعِشَاءَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَدَّمَ خَائِفُ الْإِغْمَاءِ وَالنَّافِضُ وَالْمَيْدُ، وَاسْتَشْكَلَ الْقَرَافِيُّ طَلَبَ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَجْمَعُ مَا لَمْ يَجِبْ بَلْ يَحْرُمُ التَّقَرُّبُ بِصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ لَمْ تَجِبْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ حُصُولِ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ لَوْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهَا وَهُوَ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ فَيُطْلَبُ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهَا تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْأُولَى، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَيْضِ اسْتِغْرَاقُهُ الْوَقْتَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ خَافَ السَّلِيمُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَكْسَهُ وَهُوَ مَا إذَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَقْتَ الْأُولَى مِنْ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا عَكْسُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ كَصَاحِبِ السَّلَسِ الَّذِي يُلَازِمُهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَيَنْقَطِعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَدْبِ التَّقْدِيمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَنَدْبُ التَّأْخِيرِ فِي عَكْسِهِ وَاضِحٌ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ فِي آخِرِهِ لَطَلَبَ مِنْهُ التَّأْخِيرَ، لَكِنْ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ اسْتِغْرَاقَهُ لِوَقْتِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ فَمَا وَجْهُ طَلَبِهِ بِهَا وَيُقَدِّمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَجَوَابُهُ احْتِمَالُ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
الثَّالِثُ: لَوْ جَمَعَ الْمَرِيضُ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُولَى لِخَوْفِ زَوَالِ عَقْلِهِ أَوْ لِحُمَّى عِنْدَ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ سَنَدٌ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ سَلَّمَ أَوْ قَدَّمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ أَوْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ أَعَادَ الثَّانِيَةَ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، وَمَحَلُّ الْإِعَادَةِ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ إذَا جَمَعَ غَيْرَ نَاوٍ الِارْتِحَالَ، وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ، وَأَشَارَ إلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ حَالَتَيْ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ) كَانَ
وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي إغْمَائِهِ وَيَقْضِي مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تَطْهُرُ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ طُهْرِهَا بِغَيْرِ تَوَانٍ خَمْسُ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي
[الفواكه الدواني]
الْمَرِيضُ لَا يَخَافُ عَلَى عَقْلِهِ عِنْدَ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ (كَانَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَرْفَقَ) أَيْ أَيْسَرَ (بِهِ لِبَطْنٍ بِهِ وَنَحْوِهِ) كَشِدَّةِ بَرْدٍ (جَمَعَ) جَوَازًا فِي (وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهُوَ آخِرُ الْقَامَةِ الْأُولَى بِحَيْثُ إذَا سَلَّمَ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَيُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ وَيُسَمَّى الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ صُورِيًّا.
(وَ) جَمَعَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ) الْأَحْمَرِ فَيُوقِعُ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ بِنَاءً عَلَى امْتِدَادِهِ، وَالْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ اخْتِيَارٍ بِهَا، وَالصَّحِيحُ فِعْلُ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَمْعًا حَقِيقِيًّا لِفِعْلِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَالْحَقِيقِيُّ مَا تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ أَوْ تُؤَخَّرُ كَمَا قَدَّمْنَا.
[الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ وَبِالْأَوْلَى الْمَجْنُونُ (لَا يَقْضِي) وَاحِدٌ مِنْهُمْ (مَا خَرَجَ وَقْتُهُ) الضَّرُورِيُّ (فِي) زَمَنِ (إغْمَائِهِ) أَوْ جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ الْحَلَالِ، كَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ عَسَلًا أَوْ لَبَنًا لِعَدَمِ خِطَابِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
(وَ) إنَّمَا (يَقْضِي) أَيْ يُؤَدِّي الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ (مَا) أَيْ الْفَرْضَ الَّذِي (أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ) وَفَسَّرْنَا يَقْضِي بِيُؤَدِّي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ، وَمَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ لَا يُقَالُ لَهُ قَضَاءً، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ الْمُشَاكَلَةَ فَعَبَّرَ بِيَقْضِي لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَةِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْمُشَاكَلَةِ، نَظِيرُهُ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ أَوْ الضَّمِيرُ فِي وَقْتِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا الْمُفَسَّرَةِ بِالْفَرْضِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الضَّمِيرَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَقَلَّ الْقُدْرَةِ الَّذِي إذَا أَفَاقَ فِيهِ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ بِقَوْلِهِ: (مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ (رَكْعَةً) بِسَجْدَتَيْهَا (فَأَكْثَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ) وَحَاصِلُ الْمَعْنَى بِإِيضَاحٍ: أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ إلَّا إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فَأَكْثَرَ بَعْدَ تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ الْإِغْمَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَعْذُورُ غَيْرُ الْكَافِرِ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، فَقَوْلُهُ: مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً يَعْنِي فِي جَانِبِ السُّقُوطِ وَالْإِدْرَاكِ مَعًا، فَالتَّقْدِيرُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي إغْمَائِهِ مِمَّا لَا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَيَقْضِي مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ لِأَدَائِهِ، فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ وَمِقْدَارُ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ لَمْ يَقْضِهِمَا لِإِغْمَائِهِ فِي وَقْتِهِمَا، وَإِنْ أَفَاقَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ هَذَا الْقَدْرُ قَضَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَفَاقَ فِي وَقْتِهِمَا، وَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِقْدَارُ الطُّهْرِ وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْضِهِمَا، وَإِذَا أَفَاقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَضَاهُمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بِهِ الْإِدْرَاكُ بِهِ السُّقُوطُ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الضَّرُورِيُّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتُدْرِكُ فِيهِ الصُّبْحَ بِرَكْعَةٍ لَا أَقَلَّ، وَالظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ إنْ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى لَا الْأَخِيرَةِ، وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ الْحَيْضَ وَمِثْلُهُ النِّفَاسُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ) وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ (تَطْهُرُ) أَيْ تَرَى كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَامَةَ الطُّهْرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَا تَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِمَّا لَا تُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَتُؤَدِّي مَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِهِ مِمَّا تُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ التَّشْبِيهِ قَوْلَهُ: (فَإِذَا) رَأَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ عَلَامَةَ الطُّهْرِ نَهَارًا وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ طُهْرِهَا) بِالْمَاءِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا قُدِّرَ لَهَا الطُّهْرُ بِالتُّرَابِ (بِغَيْرِ تَوَانٍ) أَيْ تَرَاخٍ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ يُعْتَبَرُ زَمَنُ طُهْرِهَا عَلَى الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهَا لَا مَعَ سُرْعَةِ الْعَجَلَةِ وَلَا مَعَ التَّسَاهُلِ فِي الْفِعْلِ وَالْهَيْئَةِ وَفَاعِلُ بَقِيَ (خَمْسُ رَكَعَاتٍ) فِي الْحَضَرِ أَوْ ثَلَاثٌ فِي السَّفَرِ (صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهَا صَلَاتُهَا لِطُهْرِهَا فِي وَقْتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا تُدْرِكُ الْأُولَى بِقَدْرِهَا وَيَبْقَى لِلثَّانِيَةِ رَكْعَةٌ، فَلَوْ شَرَعَتْ فِي الطُّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ تَظُنُّ إدْرَاكَ الصَّلَاتَيْنِ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ صَلَّتْ الْعَصْرَ وَسَقَطَتْ الظُّهْرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ ظَنَّ إدْرَاكَهُمَا فَرَكَعَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ قَضَى الْأَخِيرَةَ، وَإِنْ تَطَهَّرَ فَأَحْدَثَ أَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ، أَوْ ذَكَرَ مَا تَرَتَّبَ فَالْقَضَاءُ، وَيُتِمُّ مَا شَرَعَ فِيهِ نَافِلَةً بِحَيْثُ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بَعْدَ طُهْرِهَا أَنَّهُ يُقَدَّرُ لَهَا الطُّهْرُ زِيَادَةً عَلَى مَا تُدْرِكُ فِيهَا الرَّكْعَةَ، وَمِثْلُهَا سَائِرُ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ غَيْرَ الْكَافِرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَعْذُورُ غَيْرَ كَافِرٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ يُسْلِمُ فِي آخَرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَلَا يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى زَوَالِ مَانِعِهِ، وَفَائِدَةُ التَّقْدِيرِ السُّقُوطُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لِلطُّهْرِ وَالرَّكْعَةِ وَعَدَمُهُ عِنْدَ اتِّسَاعِهِ لَهُمَا، وَكَمَا يُعْتَبَرُ مِقْدَارُ الطُّهْرِ فِي جَانِبِ الْإِدْرَاكِ يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي جَانِبِ السُّقُوطِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَالْمُرَادُ الطُّهْرُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَخَشْيَةِ فَوَاتِهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَا يَنْتَقِلُ الشَّخْصُ لِلتَّيَمُّمِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخِطَابِ بِالصَّلَاةِ هُنَا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ، وَأَخَّرَ فِعْلَهَا حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا، وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ تَيَمَّمَ أَدْرَكَ الْوَقْتَ بِرَكْعَةٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ
مِنْ اللَّيْلِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّتْ الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ، وَإِنْ حَاضَتْ لِهَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ تَقْضِ مَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ أَوْ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ إلَى رَكْعَةٍ قَضَتْ الصَّلَاةَ الْأُولَى فَقَطْ وَاخْتُلِفَ فِي حَيْضِهَا لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فَقِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقِيلَ إنَّهَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا تَقْضِيهِمَا
وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ
وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ
[الفواكه الدواني]
خَرَجَ وَقْتُهَا فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ نَوْعُ تَفْرِيطٍ فَشَدَّدَ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِ الْعُذْرِ فَخَفَّفَ عَنْهُ بِسُقُوطِهَا إنْ لَمْ يَبْقَ زَمَنٌ لِلطُّهْرِ بِالْمَاءِ، هَذَا إيضَاحُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَيْضًا: وَأَفْهَمُ اقْتِصَارَهُ عَلَى الطُّهْرِ أَيْ طُهْرِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَيْضًا طُهْرُ الْخُبْثِ إنَّمَا يُطْلَبُ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ لَهُ سَتْرَ عَوْرَةٍ وَلَا اسْتِقْبَالَ قِبْلَةٍ وَلَا اسْتِبْرَاءَ وَاجِبٍ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الشَّاذِلِيِّ مَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ الشَّيْخِ، وَمَفْهُومٌ بِغَيْرِ تَوَانٍ أَنَّهَا لَوْ تَرَاخَتْ فِي الْفِعْلِ، أَوْ كَانَتْ مُوَسْوِسَةً حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الَّذِي يَسَعُ الطُّهْرَ الْمُعْتَادَ وَالرَّكْعَةَ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
(وَإِنْ) رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ) بَعْدَ طُهْرِهَا بِالْمَاءِ بِغَيْرِ تَوَانٍ مَا يَسَعُ (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) وَلَوْ فِي السَّفَرِ (صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) لِإِدْرَاكِ الْمَغْرِبِ بِثَلَاثٍ وَتُبْقِي رَكْعَةً لِلْعِشَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ أَنَّ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ يُدْرَكَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْبَاقِي (مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ) بَعْدَ طُهْرِهَا إنَّمَا يَسَعُ (أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْخَمْسِ فِي النَّهَارِ وَالْأَرْبَعِ فِي اللَّيْلِ (صَلَّتْ الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ) ، وَسَقَطَتْ الْأُولَى لِأَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ، وَلَمَّا كَانَ مَا بِهِ الْإِدْرَاكُ يَحْصُلُ بِهِ السُّقُوطُ قَالَ: (وَإِذَا حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (لِهَذَا التَّقْدِيرِ) وَهُوَ الْخَمْسُ فِي النَّهَارِ بِعُذْرٍ مِنْ الطُّهْرِ أَوْ الْأَرْبَعُ فِي اللَّيْلِ مَعَ زَمَنِ الطُّهْرِ (لَمْ تَقْضِ مَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِ) بَلْ يَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاتَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُسْقِطَ عُذْرٌ حَصَلَ غَيْرَ نَوْمٍ وَنِسْيَانِ الْمُدْرِكِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَ زَمَنِ الطُّهْرِ لِمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يُقَدِّرُ الطُّهْرَ فِي جَانِبِ السُّقُوطِ كَمَا يُقَدِّرُ فِي جَانِبِ الْإِدْرَاكِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: وَسَوَاءٌ أَخَّرَتْ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ رَجَاءَ أَنْ تَحِيضَ فِي وَقْتِهِمَا حَتَّى لَا تَقْضِيَهُمَا إلَّا أَنَّهَا تَأْثَمُ فِي الْعَمْدِ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ مِنْهَا: الْمُقِيمُ الْمُرِيدُ لِلسَّفَرِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاتَيْنِ لِآخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى يَقْصُرْهُمَا فَلَهُ قَصْرُهُمَا، وَمِنْهَا: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي زَمَنِ الْحَرِّ فَأَرَادَ السَّفَرَ فِيهِ لِأَجْلِ الْفِطْرِ وَيَقْضِيهِ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ، وَمِنْهَا: مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ يَصِيرُ بِهِ مُسْتَطِيعًا فَتَصَدَّقَ بِهِ لَيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَأْثُومٌ، وَلَمْ يُعَامَلْ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، بِخِلَافِ الْخَلِيطَيْنِ يَقْصِدَانِ بِالْخَلْطَةِ أَوْ بِالِافْتِرَاقِ الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُمَا يُؤَاخَذَانِ بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْخَلْطَةِ، وَمِثْلُهُمَا مَنْ أَبْدَلَ إبِلَهُ بِذَهَبٍ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، وَفَرَّقَ شَيْخُنَا مُحَمَّدٌ بَيْنَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الزَّكَاةِ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُتَقَدِّمَةِ لِلَّهِ وَفِي مَسَائِلِ الزَّكَاةِ لِلْفُقَرَاءِ فَعُومِلَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.
(وَإِنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ فِي آخِرِ الصَّلَاتَيْنِ (لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ) فِي الْحَضَرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ (فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ) بَعْدَ مِقْدَارِ زَمَنِ الطُّهْرِ (أَوْ) حَاضَتْ (لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ إلَى رَكْعَةٍ قَضَتْ الصَّلَاةَ الْأُولَى فَقَطْ) وَتَسْقُطُ الثَّانِيَةُ لِحَيْضِهَا فِي وَقْتِهَا، وَالْوَقْتُ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ إدْرَاكًا وَسُقُوطًا، وَتَقْضِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا تَرْتِيبٌ فِي ذِمَّتِهَا لِخُرُوجِ وَقْتِهَا قَبْلَ الْمُسْقِطِ، فَهِيَ كَدَيْنٍ أُعْسِرَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بَلْ يَقْضِيهِ فِي يَسَارِهِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تَقْضِي الْأُولَى بَعْدَ الطُّهْرِ.
(وَاخْتُلِفَ فِي حَيْضِهَا) أَيْ فِيمَا إذَا حَاضَتْ (لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ) مَعَ مَا يَسَعُ الطُّهْرَ (فَقِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ تَقْضِي الْأُولَى وَتَسْقُطُ الثَّانِيَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ.
(وَقِيلَ إنَّهَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا تَقْضِيهِمَا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ يُدْرَكَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأُولَى يَجِبُ تَقْدِيمُهَا فِعْلًا فَيُقَدَّرُ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَتُدْرَكُ الصُّبْحُ بِرَكْعَةٍ فِي الضَّرُورِيِّ، وَالظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى لَا الْأَخِيرَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ اعْتِبَارِ زَمَنِ الطُّهْرِ فِي جَانِبِ الْإِدْرَاكِ وَالسُّقُوطِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَحَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا بِحَيْثُ بَقِيَ خَمْسُ رَكَعَاتٍ إنَّمَا يَسْقُطَانِ عَنْهَا حَيْثُ كَانَتْ طَاهِرًا حِينَ حُصُولِ الْحَيْضِ لَا إنْ كَانَ عَلَيْهَا جَنَابَةٌ، بِحَيْثُ لَوْ أَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ لَمْ تُدْرِكْ سِوَى أَرْبَعٍ أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّمَا تَسْقُطُ الثَّانِيَةُ وَتَقْضِي الْأُولَى، وَلَوْ كَانَتْ أَخَّرَتْهُمَا عَمْدًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهْرِ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ التَّيَمُّمُ لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ مَحَلُّهَا بَابَ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَيْقَنَ) أَيْ جَزَمَ (بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي) طَرَيَانِ (الْحَدَثِ) الْمُرَادُ النَّاقِضُ وَلَوْ سَبَبًا سِوَى الرِّدَّةِ فَيَشْمَلُ الشَّكَّ فِي نَوْمِهِ أَوْ إغْمَائِهِ أَوْ مَسِّ ذَكَرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّوَاقِضِ.
وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ أَعَادَ ذَلِكَ وَمَا يَلِيهِ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ أَعَادَهُ فَقَطْ
وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَبْتَدَأَ
[الفواكه الدواني]
(ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَشُكُّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلَّا الْمُسْتَنْكَحَ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّرَدُّدُ عَلَى حَدٍّ سِوَى فَلَا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ بِتَوَهُّمِ الْحَدَثِ مَعَ ظَنِّ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ ظَنَّ الْحَدَثَ أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ وَفِي عَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَكَذَا لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ فِي الرِّدَّةِ لِعَدَمِ حُصُولِهَا بِالشَّكِّ، وَفُهِمَ مِنْ إيجَابِ الْوُضُوءِ فِي صُورَةِ الْمُصَنِّفِ إيجَابُهُ فِي عَكْسِهَا، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي حُصُولِ الطَّهَارَةِ أَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا أَوْ شَكَّ فِيهِمَا، أَوْ تَيَقَّنَ الْوُضُوءَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَشَكَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ؟ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ، وَشَكَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ بَابِ أَحْرَى؟ وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّكَّ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةَ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مُتَيَقِّنًا الطَّهَارَةَ، ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي النَّاقِضِ فِيهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّمَادِي فِيهَا، وَبَعْدَ تَمَامِهَا إنْ بَانَ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ يُعِدْهَا، وَإِنْ بَانَ حَدَثُهُ أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ أَعَادَهَا وُجُوبًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ مُؤَثِّرٌ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَوْ عِتْقِ أَمَتِهِ أَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ الرَّضَاعِ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْمَانِعِ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ.
قَالَهُ الْوَانْشَرِيسِيُّ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ فِي الشَّرْطِ دُونَ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مُحَقَّقَةٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وَالْمَانِعُ يَطْرَأُ عَلَى أَمْرٍ مُحَقَّقٍ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْمِلْكُ مِنْ الرَّقِيقِ فَلَا تَنْقَطِعُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ.
الثَّانِي: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا صَلَّى شَاكًّا فِي الطَّهَارَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَهَا قَالَ مَالِكٌ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ الطَّهَارَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلِمْت أَمْ لَا؟ وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: بَاطِلَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَامِلٍ عَلَى قَصْدِ الصِّحَّةِ.
الثَّالِثُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ إشْكَالٌ بَيَانُهُ إيهَامُ أَنَّ جُمْلَةَ وَشَكَّ فِيهِ حَالِيَّةٌ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِثُمَّ بَدَلِ الْوَاوِ، وَلِيُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ الشَّكَّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْيَقِينِ، وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي الْمُصَنِّفِ، وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ خَالِيَةٌ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ وَلَفْظُهَا: وَيَشُكُّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى مَا يَدْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ فِي الْمَزْجِ بِقَوْلِنَا: فِي حُصُولِ الْحَدَثِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ طَرَأَ بَعْدَ الْيَقِينِ فَتَصِيرُ عِبَارَتُهُ كَعِبَارَةِ خَلِيلٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ) نَسِيَهُ حَالَ الْوُضُوءِ، أَوْ شَكَّ فِي نِسْيَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا (فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ التَّذَكُّرُ (بِالْقُرْبِ) مِنْ وُضُوئِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تَجِفَّ أَعْضَاؤُهُ الْمُعْتَدِلَةُ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ وَالْمُعْتَبَرُ آخِرُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا (أَعَادَ ذَلِكَ) وُجُوبًا وَمَعْنَى الْإِعَادَةِ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُ، وَيَأْتِي بِهِ بِنِيَّةِ إتْمَامِ وُضُوئِهِ، وَيَفْعَلُهُ ثَلَاثًا إنْ كَانَ مَغْسُولًا، سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا كَامِلًا أَوْ بَعْضَ عُضْوٍ.
(وَ) أَعَادَ (مَا يَلِيهِ) اسْتِنَانًا لِأَجَلِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ سُنَّةٌ بَيْنَ الْفَرَائِضِ، وَيَغْسِلُهُ مَرَّةً إنْ كَانَ غَسَلَهُ أَوَّلًا ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ غَسَلَهُ مَرَّةً بِغَسْلِهِ مَرَّتَيْنِ.
(وَ) مَفْهُومُ بِالْقُرْبِ (إنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ جَفَافِ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ آخِرًا (أَعَادَهُ) أَيْ اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ الْمَتْرُوكِ (فَقَطْ) ، وَلَا يَغْسِلُ مَا يَلِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ حَالَةِ الْقُرْبِ، وَقَيَّدْنَا هَذَا بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ فَإِنَّهُ إنْ شَكَّ فِي تَرْكِ عُضْوٍ يَطْرَحُ الشَّكَّ وَلَا يَغْسِلُهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُطْلَبُ مِنْ النَّاسِي أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ الْمَنْسِيَّ فَوْرًا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَفْعَلُهُ حِينَ يَذْكُرُهُ فَلَوْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الذِّكْرِ حَتَّى طَالَ فَسَدَ وُضُوءُهُ تَعَمَّدَ التَّأْخِيرَ أَوْ كَانَ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الْمُتَكَرِّرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ يُعْذَرُ بِهِ فَيَفْعَلُ الْمَنْسِيَّ وَحْدَهُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ فَرْعُ سَحْنُونٍ الْمَشْهُورِ بَيْنَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ: مَنْ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَجَبَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ وُضُوءِ أَحَدِهَا مَسَحَهُ وَأَعَادَ الْخَمْسَ، فَلَوْ أَعَادَهَا نَاسِيًا مَسَحَهُ مَسْحَةً وَأَعَادَ الْعِشَاءَ فَقَطْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَسْحَ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ مِنْ إحْدَى الْأَرْبَعِ فَقَدْ أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْكَامِلِ وَبَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ الْمَتْرُوكُ مِنْ وُضُوءِ الْعِشَاءِ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِالْمَسْحِ الثَّانِي اهـ.
وَاعْتَرَضَ هَذَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يُعْذَرْ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّ مَعَهُ نَوْعًا مِنْ التَّفْرِيطِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي جَوَابِهِ: لَا مَانِعَ مِنْ بِنَاءِ مَشْهُورٍ عَلَى ضَعِيفٍ، وَمِثْلُ فَرْعِ سَحْنُونٍ: لَوْ صَلَّى الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ لِلْعِشَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ صَلَاتِهَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ وَأَعَادَ الْخَمْسَ نَاسِيًا مَسْحَ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ فَقَطْ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ فُعِلَتْ مَرَّتَيْنِ بِوُضُوءَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ قَطْعًا.
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ
الْوُضُوءَ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ مِثْلَ الْمَضْمَضَةِ
[الفواكه الدواني]
بِالشَّيْءِ أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا يَلِي الْمَتْرُوكَ يُعَادُ مَعَ الْقُرْبِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فِيمَا يَلِي اللُّمْعَةَ هَلْ هُوَ بَقِيَّةُ الْعُضْوِ الْمَتْرُوكِ مِنْهُ، أَوْ الْعُضْوُ الَّذِي يَلِي الْعُضْوَ الْمَتْرُوكَ مِنْهُ اللُّمْعَةُ؟ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، فَتُغْسَلُ اللُّمْعَةُ ثَلَاثًا بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ، وَيُعِيدُ الْعُضْوَ الْمَوَالِيَ لِعُضْوِ اللُّمْعَةِ، وَلَا يَغْسِلُ بَقِيَّةَ مَا تَرَكَ مِنْهُ اللُّمْعَةُ، فَلَوْ نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ يَدٍ مَثَلًا، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هِيَ مِنْ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى غَسَلَهَا مِنْ الْيَدَيْنِ جَمِيعًا، وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُمَا لِآخِرِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ نَسِيَهَا مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَلَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا غَسَلَ الْعُضْوَ كُلَّهُ.
(وَ) مَفْهُومُ إنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ (إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ) أَيْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ (ابْتَدَأَ) وُجُوبًا (الْوُضُوءَ إنْ طَالَ ذَلِكَ) أَيْ زَمَنُ التَّرْكِ فَتَخَلَّصَ أَنَّ التَّارِكَ لِشَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً يَبْنِي مَا فَعَلَ مَعَ النِّسْيَانِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْعَجْزِ فَإِنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يَطُلْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا، وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنِ اعْتَدِلْ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ مَعَ الطُّولِ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ وُجُوبِهَا مَعَ الذِّكْرِ، وَأَمَّا مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا تَجِبُ، فَلِذَا بَنَى مَعَ النِّسْيَانِ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ التَّرْكِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَتْرُوكِ مَغْسُولًا أَوْ مَمْسُوحًا، وَمَفْهُومُ إنْ طَالَ إنْ لَمْ يَطُلْ لَا يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ، وَيَأْتِي بِالْمَتْرُوكِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِوُجُودِهَا، وَتُسَنُّ إعَادَةُ مَا بَعْدَهُ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، فَصَارَ الْعَمْدُ كَالنِّسْيَانِ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَتْرُوكِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ مَعَ الطُّولِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَرِيضَةَ الْمُوَالَاةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِالْوُضُوءِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ مُتَفَاحِشٍ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهَلْ الْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَّرَ إلَخْ، وَوَجَبَ الْأَخْذُ أَنَّهُ أَوْجَبَ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ مَعَ الْعَمْدِ فِي حَالِ الطُّولِ وَالْبِنَاءَ فِي حَالِ النِّسْيَانِ مُطْلَقًا، وَحَمَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ أَيْضًا عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُصَنِّفُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ ابْتِدَاءٌ فِي كَلَامِهِ الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ، خِلَافًا لِسَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَسَيِّدِي يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِمَا: يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ فِي حَالِ الْعَمْدِ مَعَ الطُّولِ، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّةِ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ التَّهَاوُنَ بِالسُّنَنِ كَالتَّهَاوُنِ بِالْفَرَائِضِ، وَتَبِعَا فِي كَلَامِهِمَا ابْنَ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَعَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يَبْتَدِيهِ وَلَوْ فَرَّقَهُ عَامِدًا، وَإِنَّمَا يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ كَمَا لَوْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ جَمِيعِ سُنَنِ الْوُضُوءِ لَمْ يَبْطُلْ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُوَالَاةُ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا فَعَظُمَ أَمْرُهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَابَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْكَ نِسْيَانًا الْمَفْهُومُ مَنْ ذَكَرَ بِالْمُتَعَمِّدِ، وَخَلِيلٌ قَابَلَهُ بِالْعَاجِزِ، وَأَمَّا الْأَوْلَى مِنْهُمَا مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمَنْقُولِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ فَأَقُولُ: الْأَوْلَى مُقَابَلَةُ النَّاسِي بِالْعَاجِزِ لِيَكُونَ نَصًّا عَلَى الْمُتَوَهَّمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَابَلَهُ بِالْعَامِدِ كَ الْمُصَنِّفِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْعَاجِزَ كَالنَّاسِي يَبْنِي مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا قَابَلَهُ بِالْعَاجِزِ عُلِمَ بِالْأَوْلَى بِنَاءَ الْمُتَعَمَّدِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُقَابَلَةُ بِالْعَاجِزِ تُوهِمُ أَيْضًا أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا، وَلَوْ مَعَ الْقُرْبِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ اُشْتُهِرَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ سَائِرَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الْفَوْرِيَّةُ يُغْتَفَرُ فِيهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ فَافْهَمْ، نَعَمْ أَلْحَقُوا الْمَكْرُوهَ عَلَى التَّرْكِ بِالنَّاسِي، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ بِمُطْلَقِ التَّخْوِيفِ بِالْأَمْرِ الْمُؤْلِمِ مِنْ ضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، وَصَوَّرُوا التَّفَرُّقَ بَيْنَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ عَجْزًا بِأَنْ يُعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فَيُغْصَبُ مِنْهُ أَوْ يُرَاقُ أَوْ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ مَا يَكْفِيهِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ لِلتَّفْرِيقِ كَالْعَاجِزِ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا مَعَ الْقُرْبِ، وَيَجِبُ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ مَعَ الطُّولِ، بِخِلَافِ مَنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَقْطَعُ بِكِفَايَتِهِ فَيُرَاقُ عَلَيْهِ أَوْ يُغْضَبُ مِنْهُ فَهَذَا كَالنَّاسِي كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ، فَإِنْ قِيلَ.
وُجُوبُ الْمُوَالَاةِ مَشْرُوطٌ بِالذِّكْرِ وَمَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ افْتَرَقَا عِنْدَ التَّخَلُّفِ إذْ يُبْنَى مُطْلَقًا عِنْدَ عَدَمِ الذِّكْرِ وَهُوَ النِّسْيَانُ، وَأَمَّا عِنْدَ فَقْدِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْعَجْزُ إنَّمَا يُبْنَى عِنْدَ الْقُرْبِ، وَكَانَ مُقْتَضَى شَرْطِيَّةِ الْقُدْرَةِ كَالذِّكْرِ الْبِنَاءَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْعَجْزِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَاجِزَ عِنْدَهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ بِعَدَمِ احْتِيَاطِهِ بِتَكْثِيرِ الْمَاءِ أَوْ بِالتَّحَفُّظِ مِمَّنْ يُرِيقُهُ أَوْ يَغْصِبُهُ، فَشَابَهُ الْمُتَعَمِّدَ لَتَرْكِ الْمُوَالَاةِ فَافْهَمْ.
الثَّانِي: التَّارِكُ لِبَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَمْدًا أَوْ عَجْزًا إنَّمَا أُمِرَ بِابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الطُّولِ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ، وَذَلِكَ التَّرْكُ يَشْمَلُ تَرْكَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، وَغَسْلُ مَا بَعْدَهُ لَكِنْ بَعْدَ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ، وَيَشْمَلُ مَا إذَا غَسَلَ أَوَّلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيمَا بَعْدَهُ حَتَّى جَفَّ الْأَوَّلُ، فَهَذَا أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ جُمْلَةً فَيَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ كَالْأَوَّلِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْوُضُوءِ بَلْ مِثْلُهُ الْغُسْلُ فِي التَّفْصِيلِ، فَإِنْ تَرَكَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ فَإِنَّهُ مَعَ التَّرْكِ نِسْيَانًا أَوْ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ يَبْنِي بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْغُسْلِ، وَلَوْ مَعَ الطُّولِ وَيَبْتَدِيهِ مَعَ التَّفْرِيقِ عَمْدًا، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى فِعْلِ الْمَتْرُوكِ وَلَوْ مَعَ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْغُسْلِ لَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ، وَيُغْسَلُ الْمَتْرُوكُ مَرَّةً وَاحِدَةً إلَّا الرَّأْسَ فَتُثَلَّثُ لِطَلَبِ التَّثْلِيثِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَمِثْلُ أَعْضَاءِ الْغُسْلِ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ
وَالِاسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ تَطَاوَلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ
وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ حَصِيرٍ وَبِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَالْمَرِيضُ
[الفواكه الدواني]
الْمُنْدَرِجَةُ فِي الْغُسْلِ تُفْعَلُ مَرَّةً، وَأَمَّا الْوُضُوءُ السَّابِقُ عَلَى الْغُسْلِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْوُضُوءِ.
الثَّالِثُ: قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: اعْلَمْ أَنَّ تَارِكَ الْمُوَالَاةِ وَتَارِكَ بَعْضِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَالْمُنَكِّسَ سَوَاءٌ فِي إعَادَةِ مَا حَصَلَ فِيهِ الْخَلَلُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ وَحْدَهُ إنْ حَصَلَ الْبُعْدُ، وَفِي إعَادَتِهِ مَعَ مَا بَعْدَهُ عِنْدَ الْقُرْبِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ.
الرَّابِعُ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا النِّيَّةَ فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَهَا أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ طُولٌ وَلَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمَّا فَعَلَهُ دُونَ تَحَقُّقِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا إذَا كَانَ صَلَّى قَبْلَ فِعْلِ الْمَتْرُوكِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ تَرْكِ بَعْضِ مَفْرُوضَاتِ الْوُضُوءِ مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَقَبْلَ فِعْلِهِ (أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا) إنْ كَانَتْ مَفْرُوضَةً لِفِعْلِهَا قَبْلَ تَمَامِ طَهَارَتِهِ.
(وَ) أَعَادَ (وُضُوءَهُ) إنْ كَانَ طَوَّلَ مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْعَجْزِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّرْكُ نِسْيَانًا أَوْ إكْرَاهًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ بَعْدَ بِنَائِهِ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ، وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ تَرْكِ غَيْرِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ سَابِقًا: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ فَقَالَ: (وَإِنْ ذَكَرَ) مِنْ وُضُوئِهِ بَعْدَ تَمَامِهِ شَيْئًا مِمَّا لَيْسَ فَرِيضَةً بَلْ (مِثْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) بَلْ (وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ) وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ سُنَّةٌ، وَلَمْ يُنِبْ عَنْهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُوجِبًا لِتَكْرِيرِ الْمَسْحِ (فَإِنْ كَانَ) التَّذَكُّرُ (قَرِيبًا فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَنْسِيَّ اسْتِنَانًا حَيْثُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَ قُرْبَةٍ، لَا إنْ كَانَ مُرَادُهُ نَقْضَ طَهَارَتِهِ.
(وَلَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ) سَوَاءٌ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَسَوَاءٌ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ السُّنَنِ فِيمَا بَيْنَهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ مَنْدُوبٌ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ تَمَضْمَضَ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ، وَمِثْلُ تَحَقُّقِ النِّسْيَانِ الشَّكُّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا (وَإِنْ تَطَاوَلَ) أَيْ بَعُدَ مَا بَيْنَ وُضُوئِهِ وَتَذَكُّرِهِ (فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَنْسِيَّ وَحْدَهُ (لِمَا يُسْتَقْبَلُ) مِنْ الصَّلَوَاتِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ وَسُنَّةً فَعَلَهَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، كَأَنْ يُذْكَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَنَّهُ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ السُّنَنِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَذَا الْوُضُوءِ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ فِعْلُ السُّنَّةِ الْمَتْرُوكَةِ، وَمِثْلُ الصَّلَاةِ الطَّوَافُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ مَعَ الْقُرْبِ يَفْعَلُ الْمَتْرُوكَ مِنْ السُّنَنِ حَيْثُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ وَلَا غَيْرَهَا، وَأَمَّا مَعَ الطُّولِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ أَوْ الطَّوَافَ، وَقَيَّدْنَا بِاَلَّتِي لَمْ يُنِبْ عَنْهَا غَيْرَهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاسْتِنْثَارِ، وَمِثْلُهُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُمَا غَيْرُهُمَا، وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ رَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَطَّابُ خِلَافًا لِلزَّرْقَانِيِّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ وَذَكَرَهُمَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي غَسْلِ وَجْهِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ فِيهِ، وَالرَّاجِحُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَفْعَلُ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ، وَلَا يُؤَخِّرُ إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَإِذَا كَانَ التَّذَكُّرُ بَعْدَ تَمَامِ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا يُعِيدُهُ، وَإِذَا كَانَ فِي أَثْنَائِهِ كَمَّلَهُ وَيَتَمَضْمَضُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مِنْ فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ، وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فَقَالَ: يُكَمِّلُ الْوُضُوءَ وَيَفْعَلُ السُّنَّةَ الْمَتْرُوكَةَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَكُلٌّ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ وَالذَّخِيرَةِ مَفْرُوضٌ فِي النَّاسِي، وَأَمَّا الْعَامِدُ فَيَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ السُّنَّةَ الْمَتْرُوكَةَ سَرِيعًا وَلَا يُؤَخِّرُهَا إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ: وَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَمَفْرُوضٌ فِي حَالِ الطُّولِ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ كَمَا عَلِمْت.
(وَ) إذَا كَانَ قَدْ صَلَّى بِهَذَا الْوُضُوءِ الْمَتْرُوكِ بَعْضَ سُنَنِهِ (لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ) الْمَتْرُوكَ مِنْ السُّنَنِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا حَيْثُ كَانَ تَرْكُهَا نِسْيَانًا، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا وَلَوْ جَمِيعَ السُّنَنِ، وَصَلَّى فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ، لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ سُنَنِ الْوَسِيلَةِ عَنْ سُنَنِ الْمَقْصِدِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقَالَ فِي الْوُضُوءِ: «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ» وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا يُعِيدُ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ فِي تَرْكِ السُّنَنِ: لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ حَيْثُ فُعِلَتْ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَأَمَّا لَوْ انْدَرَجَتْ فِي الْغُسْلِ فَلَا يَفْعَلُ مَا تَرَكَهُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، كَذَا يَنْبَغِي فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ حُصُولُ
إذَا كَانَ عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا طَاهِرًا كَثِيفًا وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ
وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ صَلَّى جَالِسًا إنْ قَدَرَ عَلَى التَّرَبُّعِ، وَإِلَّا فَبِقَدْرِ طَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ فَلْيُومِئْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
[الفواكه الدواني]
الْمَشَقَّةِ فِي الْغُسْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى غَسْلِ جَمِيعِ الْجَسَدِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ تَطَاوَلَ فِعْلُ ذَلِكَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ إلَخْ: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمُ الْفِعْلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ حُكْمَهُ السُّنِّيَّةُ وَتَبِعْنَا فِي ذَلِكَ النَّاصِرَ اللَّقَانِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْحَطُّ رُتْبَتُهَا بِتَرْكِهَا إلَّا إنْ نَابَ عَنْهَا غَيْرُهَا.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ تَرَكَ فَضِيلَةً كَشَفْعِ غَسْلِهِ وَتَثْلِيثِهِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ إعَادَتُهَا لَا حَالًا وَلَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُ تَنْكِيسِ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَلَا يُعَادُ الْمُنَكَّسُ مِنْهَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، إلَّا مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَنْدُبُ لَهُ الِاسْتِنْجَاءُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَاةِ.
(وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ حَصِيرٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَسْدُلُهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ كَحِرَامِهِ الَّذِي طَرَحَهُ فِي الْأَرْضِ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (بِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ نَجَاسَةً) وَلَكِنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ لَمَسَتْهَا ثِيَابُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ طَهَارَةُ مَا تَمَسُّهُ أَعْضَاؤُهُ، وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَرْوَةِ الَّتِي بِبَاطِنِهَا نَجَاسَةٌ وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ شَاةٍ مَاتَتْ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ حَيْثُ كَانَ الشَّعْرُ سَاتِرًا لِلْجِلْدِ وَلَا نَجَاسَةَ بِهِ، وَلَا يُقَالُ: الشَّعْرُ يَتَّصِلُ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُتَنَجِّسُ الْمَنْبَتُ فِي الْجِلْدِ الْخَارِجُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْحَصِيرِ الَّذِي بِبَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ وَلَوْ مُتَّصِلَةً بِهِ، فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَحِيحَةٌ لِعَدَمِ حَمْلِهِ لَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِطَرَفِ عِمَامَتِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الْمَحْمُولِ لَهُ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا وَقَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ نَحْوِ الْعِمَامَةِ وَالْحَصِيرِ أَنَّ نَحْوَ الْحَصِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ، فَالشَّرْطُ طَهَارَةُ مَا تَمَاسُّهُ أَعْضَاءُ الْمُصَلِّي، بِخِلَافِ نَحْوِ الْعِمَامَةِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُضِرَّ إنَّمَا هُوَ الْجُلُوسُ عَلَى الْمَحَلِّ أَوْ حَمْلُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ حَبْلٍ مُتَنَجِّسٍ أَوْ مَرْبُوطٍ بِهِ نَجَاسَةٌ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ طَاهِرٌ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ وَقَفَ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ، وَأَمَّا إنْ وَقَفَ عَلَى الطَّرَفِ الطَّاهِرِ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ عَلَى الْحَصِيرِ الَّذِي بِبَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تَتَّصِلْ بِأَعْلَاهُ.
(وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ) جَالِسًا (عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ) وَأَوْلَى مُتَنَجِّسٍ (فَلَا بَأْسَ) إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا طَاهِرًا كَثِيفًا) غَيْرَ حَرِيرٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ (وَيُصَلِّي عَلَيْهِ) وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَرِيضٍ سَتْرُ نَجِسٍ بِطَاهِرٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَالصَّحِيحِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَرِيضِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الصَّحِيحَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: لَا بَأْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي أَوْ الْمَرْجُوحُ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَإِلَّا وَجَبَ، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ النَّجَاسَةَ إلَّا الْحَرِيرَ فَلَهُ سَتْرُهَا بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنَّمَا تَحْرُمُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَعَصَى وَصَحَّتْ إنْ لَبِسَ حَرِيرًا كَمَا يُعْصَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ اخْتِيَارًا، وَلَوْ فَرَشَ عَلَيْهِ ثَوْبًا غَيْرَ حَرِيرٍ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرِيرِ أَشَدُّ مِنْ حُرْمَةِ النَّجَاسَةِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي تَجْوِيزِ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَتْرِهِ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْك بِمَحَلٍّ مَفْرُوشٍ بِحَرِيرٍ فَيَجِبُ عَلَيْك رَفْعُ الْفُرُشِ وَتُصَلِّي عَلَى مَا تَحْتَهُ، إلَّا أَنْ لَا تَسْتَطِيعَ فَلَا بَأْسَ بِفَرْشِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَتُصَلِّي بَعْدَ تَقْلِيدِ الْقَائِلِ بِزَوَالِ الْحُرْمَةِ بِفَرْشِ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) : يُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُفْرَشُ عَلَى النَّجَاسَةِ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمُصَلِّي، وَأَمَّا لَوْ فَرَشَ كُمَّ ثَوْبِهِ الْمُلَابِسِ لَهُ عَلَى نَجَاسَةٍ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ طَرَفِ حِرَامِهِ الْمُلْتَحِفِ بِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَلَوْ الْجَافَّةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: وَسُقُوطُ طَرَفِ ثَوْبِهِ عَلَى جَافِّ نَجَاسَةٍ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ اهـ مَوَّاقٌ، فَإِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ مَحَلِّهِ أَنَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ السَّاقِطِ عَلَى النَّجَاسَةِ لَوْ كَانَ مَفْرُوشًا عَلَى نَجَاسَةٍ تَحْتَ جَبْهَتِهِ أَوْ قَدَمِهِ أَوْ رُكْبَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَغْوًا فَلَا يَصِحُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْرِشَ كُمَّهُ عَلَى نَجَاسَةٍ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ.
[صِفَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ) الْفَرِيضَةُ (إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ) فِيهَا مُسْتَقِلًّا بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ تَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ (صَلَّى جَالِسًا) مُسْتَقِلًّا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَبَّعَ (إنْ قَدَرَ عَلَى التَّرَبُّعِ) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَتَرَبَّعُ فِي صَلَاتِهِ جَالِسًا» كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ؛ وَلِأَنَّهُ الْأَلْيَقُ بِالْأَدَبِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَتَرَبَّعَ كَالْمُتَنَفِّلِ، وَغَيَّرَ جِلْسَتُهُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَكَذَا فِي سُجُودِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي الْفَرْضَ جَالِسًا هُوَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ جُمْلَةً أَوْ يَخَافُ بِالْقِيَامِ الْمَرَضَ أَوْ زِيَادَتَهُ كَالتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمَشَفَّةُ الْفَادِحَةُ دُونَ الْمَرَضِ فَالرَّاجِحُ التَّفْصِيلُ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ صَحِيحًا فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْجُلُوسُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يَصِحُّ جُلُوسُهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، خِلَافًا لِتِلْمِيذِهِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاتِهِ جَالِسًا، وَالْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ الِاسْتِقْلَالِ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ عَجَزَ مَعَهُ عَنْ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِنَادِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَادُ لِغَيْرِ جُنُبٍ
وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إيمَاءً، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ظَهْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ
[الفواكه الدواني]
وَحَائِضٍ وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ حَيْثُ اسْتَنَدَ لَهُمَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، وَقَيَّدْنَا الصَّلَاةَ بِالْفَرِيضَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلسُّنَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهَا النَّفَلُ الْمَنْذُورُ فِيهِ الْقِيَامُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمُتَنَفِّلٍ جُلُوسٌ وَلَوْ فِي أَثْنَائِهَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْإِتْمَامِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْجُلُوسُ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ بِفَرْضٍ قِيَامٌ إلَّا لِمَشَقَّةٍ أَوْ لِخَوْفِهِ بِهِ فِيهَا أَوْ قَبْلَ ضَرَرٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ كَخَلِيلٍ لَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِي حَالِ فِعْلِ الْفَرْضِ كَالرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ أَوْ زَمَنِ قِرَاءَتِهَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا السُّورَةُ فَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهَا إلَّا عَلَى مَأْمُومٍ لِئَلَّا تَحْصُلَ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَأَمَّا اسْتِنَادُ غَيْرِ الْمَأْمُومِ فِي حَالِ قِرَاءَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا لِصَلَاتِهِ بِخِلَافِ اسْتِنَادِهِ فِي نَحْوِ الرُّكُوعِ أَوْ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُبْطِلًا حَيْثُ كَانَ اسْتِنَادُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ لَا إنْ كَانَ سَهْوًا، فَإِنَّمَا تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَوْ سَقَطَ قَادِرٌ بِزَوَالِ عِمَادٍ بَطَلَتْ عَلَى الْمُسْتَنَدِ عَمْدًا فِي حَالِ فِعْلِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَا يَسْقُطُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فَقَطْ وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ.
الثَّانِي: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّرَبُّعِ لِلْمُصَلِّي جَالِسًا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ تَغَيُّرَ جِلْسَتِهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ أَوْ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَحُكْمُ التَّغْيِيرِ السُّنِّيَّةُ حَالَ السُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ، وَالنَّدْبُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ الْمَرِيضُ عَلَى الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ مُتَرَبِّعًا بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ يَلْحَقُهُ بِالتَّرَبُّعِ الْمَشَقَّةُ الْفَادِحَةُ (صَلَّى) جَالِسًا (بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) وَلَوْ غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ، وَاسْتَنَدَ لِغَيْرِ جَنْبٍ وَحَائِضٍ، وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ إنْ كَانَ الِاسْتِنَادُ لَهُمَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: الْقِيَامُ مَعَ الِاسْتِقْلَالِ، الْقِيَامُ مَعَ الِاسْتِنَادِ، الْجُلُوسُ اسْتِقْلَالًا، الْجُلُوسُ مَعَ الِاسْتِنَادِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ الْقَادِرِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ جُلُوسِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُمَا مِنْ جُلُوسٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) أَيْ الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِحَالَتَيْهِ (عَلَى السُّجُودِ) وَالرُّكُوعِ مِنْ جُلُوسٍ بَلْ عَجَزَ عَنْهُمَا جُمْلَةً أَوْ تَلْحَقُهُ بِهِمَا الْمَشَقَّةُ الْفَادِحَةُ (فَلْيُومِئْ) أَيْ يُشِيرْ بِرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ (بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أَيْ إلَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِهِمَا أَوْمَأَ إلَيْهِمَا بِرَأْسِهِ فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بِرَأْسِهِ فِيمَا يَسْتَطِيعُ أَوْمَأَ وَلَوْ بِيَدِهِ أَوْ طَرَفِهِ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يَكُونُ) إيمَاؤُهُ لِ (سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) أَيْ مِنْ إيمَائِهِ لِرُكُوعِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَلَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ بِأَنَّهُ يُومِئُ لَهُمَا مِنْ جُلُوسٍ، وَتَرْكُ حُكْمٍ عَكْسُ كَلَامِهِ وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَوْمَأَ عَاجِزٌ إلَّا عَنْ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِصَلَاتِهِ كُلِّهَا مِنْ قِيَامٍ بِأَنْ يُومِئَ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ أَوْ بِمَا قَدَرَ مِنْ أَعْضَائِهِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى النِّيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْأَقْوَالِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا نَوَى الْجَمِيعَ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ زِيَادَةً عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُومِئُ لَهُمَا مِنْ قِيَامٍ إنْ عَجَزَ عَنْ الْجُلُوسِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْجُلُوسِ أَوْمَأَ إلَى الرُّكُوعِ مِنْ قِيَامٍ وَإِلَى السُّجُودِ مِنْ جُلُوسٍ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَيْفَ يَفْعَلُ بِيَدَيْهِ حَالَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْمُومِئَ لِلرُّكُوعِ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ إنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ مِنْ قِيَامٍ أَنْ يَمُدَّ يَدَيْهِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَنْ يَضَعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ إنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ مِنْ جُلُوسٍ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الْمَدِّ فِي الْأَوَّلِ وَالْوَضْعِ فِي الثَّانِي الْوُجُوبُ، وَأَمَّا الْمُومِئُ لِلسُّجُودِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يُومِئُ بِيَدَيْهِ أَوْ يَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ؟ أَيْ هَلْ يُومِئُ بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ إنْ أَوْمَأَ إلَى السُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ، وَيَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ إنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ مِنْ جُلُوسٍ وَالْمُقَابِلُ مَطْوِيٌّ؟ أَيْ أَوْ لَا يَفْعَلُ بِهِمَا شَيْئًا تَأْوِيلَانِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْإِيمَاءِ، وَحَكَى فِيهِ خَلِيلٌ تَأْوِيلَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ الْوُسْعُ أَيْ بَذْلُ الْجُهْدِ بِحَيْثُ لَوْ قَصَّرَ عَنْ وُسْعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ يَكْتَفِي بِمَا يُعَدُّ إيمَاءً؟ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ مِنْ السُّجُودِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إيمَاؤُهُ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ إلَخْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ، وَفِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ.
وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْحَالَاتِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ: حَالَةُ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا وَمُسْتَنِدًا، وَالْجُلُوسُ كَذَلِكَ شُرِعَ فِي حَالَاتِ الِاسْتِلْقَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمَرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ جُلُوسٍ وَلَوْ مَعَ الِاسْتِنَادِ (صَلَّى) مُضْطَجِعًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ (عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ
وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ وَلْيُصَلِّهَا بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجُدْ مَنْ
[الفواكه الدواني]
إيمَاءً) بِرَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ كَمَا يُفْعَلُ بِهِ فِي لَحْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا مُضْطَجِعًا (عَلَى ظَهْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ) بِأَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الظَّهْرِ صَلَّى مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَرِجْلَاهُ إلَى دُبُرِهَا، وَحُكْمُ الِاسْتِقْبَالِ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ الْوُجُوبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ بَطَلَتْ، وَالْقُدْرَةُ تَكُونُ بِوُجُودِ مَنْ يُحَوِّلُهُ وَإِلَّا سَقَطَ، ثُمَّ وَجَدَ مَنْ يُحَوِّلُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ حَالَاتِ الِاسْتِلْقَاءِ الثَّلَاثِ وَهِيَ: الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ وَالظَّهْرُ مُسْتَحَبٌّ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْبَطْنِ فَهُوَ وَاجِبٌ، كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ وَالْقِيَامِ بِحَالَتَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا وَالْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ فَرْضٌ، وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ وَعَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ: أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ فَقَطْ، وَكَذَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ وَالِاضْطِجَاعِ فَرْضٌ، كَمَا بَيْنَ حَالَاتِ الِاسْتِلْقَاءِ الثَّلَاثِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْبَطْنِ كَمَا قَدَّمْنَا خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
الثَّانِي: الْمُصَلِّي مِنْ اضْطِجَاعٍ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ يُومِئُ بِكُلِّ أَعْضَائِهِ أَوْ بِبَعْضِهَا، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَوْمَأَ بِعَيْنَيْهِ وَقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِأُصْبُعِهِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَرْتِيبَ الْإِيمَاءِ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَاجِبٌ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ يُسْرِ الدِّينِ سُقُوطُ الصَّلَاةِ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِتْيَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا سِوَى النِّيَّةِ قَالَ: (وَلَا يُؤَخِّرُ) الْمُكَلَّفُ (الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ) الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِوَجْهٍ (وَلْيُصَلِّهَا بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) ، وَلَوْ بِنِيَّةِ أَفْعَالِهَا: قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ بِهَا أَنْ يَقْصِدَ أَرْكَانَهَا بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ وَالْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالرَّفْعَ وَالسُّجُودَ، وَهَكَذَا إلَى السَّلَامِ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى الْإِيمَاءِ بِطَرَفِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا أَوْمَأَ بِمَا قَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِهِ، وَلَوْ بِحَاجِبٍ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْمَرِيضُ أَنْ يُومِئَ إلَّا بِطَرَفِهِ وَحَاجِبِهِ فَلْيُومِئْ بِهِمَا، وَيَكُونُ مُصَلِّيًا بِهَذَا مَعَ النِّيَّةِ وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الطَّهَارَةِ لِلْعِلْمِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَوْ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ وَلَوْ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا بِكُلِّ وَجْهٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَدَاءً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْهَا بِقِسْمَيْهَا الْمَائِيَّةِ وَالتُّرَابِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَتَسْقُطُ صَلَاةٌ وَقَضَاؤُهَا بِعَدَمِ مَاءٍ وَصَعِيدٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالْإِكْرَاهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الطَّهَارَةِ، بَلْ إنْ أَخَّرَهَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ بِالْقَصْدِ.
1 -
الثَّانِي: الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] أَيْ مَا فِي طَاقَتِهَا، وَآيَةُ.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِسًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ» زَادَ ابْنُ صَخْرٍ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» .
الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَطَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حَالَتَهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا أَوْ جَالِسًا وَطَرَأَ لَهُ الصِّحَّةُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ زِيَادَةً عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الِانْتِقَالُ إلَى الْأَعْلَى زِيَادَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ خَفَّ مَعْذُورٌ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَعْلَى وُجُوبًا إنْ كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَاجِبًا، وَنَدْبًا إنْ كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا مَنْدُوبًا، وَمَفْهُومُ خَفَّ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ بِحَيْثُ صَارَ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَالَةَ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا صَلَاةً عَجَزَ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ جُلُوسٍ مَعَ الِاسْتِقْلَالِ أَوْ الِاسْتِنَادِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ.
1 -
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ يَسْتَطِيعُ الْإِتْيَانَ بِالصَّلَاةِ عَلَى حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ، لَكِنْ نَسِيَ بَعْضَ أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا وَلَكِنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا بِالتَّلْقِينِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّخَاذُ مَنْ يُلَقِّنُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْمُنِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّخَاذُ مَنْ يُلَقِّنُهُ نَحْوَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ فَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهَكَذَا إلَى
يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ تَيَمَّمَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ تُرَابًا تَيَمَّمَ بِالْحَائِطِ إلَى جَانِبِهِ إنْ كَانَ طِينًا أَوْ عَلَيْهِ طِينٌ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جِصٌّ أَوْ جِيرٌ فَلَا يَتَيَمَّمُ بِهِ
وَالْمُسَافِرُ يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ فِي طِينٍ خِضْخَاضٍ لَا يَجِدُ أَيْنَ يُصَلِّي فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَابَّتِهِ، وَيُصَلِّي فِيهِ قَائِمًا يُومِئُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَفَرِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ إنْ كَانَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةِ، وَلْيُوتِرْ عَلَى دَابَّتِهِ إنْ شَاءَ وَلَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ وَإِنْ كَانَ
[الفواكه الدواني]
السَّلَامِ، وَيَقُولُ لَهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ: افْعَلْ هَكَذَا إشَارَةً إلَى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ عِنْدَ نِسْيَانِهِمَا.
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً وَعَدَ بِهَا فِي التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) مَرِيدُ الصَّلَاةِ (عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ) مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَسِّهِ (تَيَمَّمَ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمَرِيضُ (مَنْ يُنَاوِلُهُ تُرَابًا) يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ (تَيَمَّمَ بِالْحَائِطِ) الْقَرِيبِ (إلَى جَانِبِهِ إنْ كَانَ طِينًا أَوْ عَلَيْهِ طِينٌ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَرِيضٍ حَائِطُ لَبِنٍ أَوْ حَجَرٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَرِيضِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الصَّحِيحِ، إذْ الصَّحِيحُ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ بِالْحَائِطِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَرِيضِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ (فَإِنْ كَانَ فِي جَصٍّ أَوْ جِيرٍ) أَوْ تِبْنٍ (فَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يَتَيَمَّمَ عَلَيْهِ) صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِشَيْءٍ نَجِسٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَا الصَّعِيدِ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنِيَابَةٍ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ وَقَضَاؤُهَا، كَمَا تَسْقُطُ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ لَا مَاءً وَلَا صَعِيدًا فَرَاجِعْهُ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ مُنَاسِبَةٍ لِمَا قَبْلَهَا فِي الْعَجْزِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُسَافِرُ) الْمُرَادُ الرَّاكِبُ مُطْلَقًا (يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ) أَيْ يَضِيقُ عَلَيْهِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ وَهُوَ سَائِرٌ (فِي طِينٍ خَضْخَاضٍ) وَهُوَ الطِّينُ الرَّقِيقُ وَمِثْلُهُ الْمَاءُ الْخَالِصُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ (لَا يَجِدُ أَيْنَ يُصَلِّي فِيهِ) خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ أَوْ مِنْ تَلْطِيخِ ثِيَابِهِ (فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَابَّتِهِ وَيُصَلِّي فِيهِ) حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا يُومِئُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ) وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، خَلَا أَشْهَبَ فِي إيجَابِهِ: الْجُلُوسَ وَالسُّجُودَ مَعَ التَّخْفِيفِ وَإِنْ تَلَطَّخَتْ ثِيَابُهُ النَّفِيسَةُ، وَإِذَا أَوْمَأَ إلَى الرُّكُوعِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ يَرْفَعُهُمَا، وَإِذَا أَوْمَأَ إلَى السُّجُودِ يُومِئُ بِيَدَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَيَنْوِي الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَائِمًا، وَكَذَلِكَ جُلُوسُ التَّشَهُّدِ إنَّمَا يَكُونُ قَائِمًا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَاحْتُرِزَ بِالْخَضْخَاضِ مِنْ الْيَابِسِ الَّذِي يُمْكِنُ السُّجُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ النُّزُولُ وَيُصَلِّي فِيهِ بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: الْمُسَافِرُ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَمَا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلرَّاكِبِ، الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَنْزِلْ بَلْ أَوْلَى مِنْ الْمَاشِي فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْخَضْخَاضِ بِالْإِيمَاءِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْخَائِفُ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ طِينٍ أَوْ مَاءٍ (أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ) خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ (صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُوقِفَهَا وَيُصَلِّيَ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَقَوْلُنَا: خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ احْتِرَازٌ مِنْ خَوْفِ تَلْطِيخِ الثِّيَابِ فَقَطْ، فَلَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: خَشْيَةَ تَلْطِيخِ الثِّيَابِ لَا تُوجِبُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ إيمَاءً بِالْأَرْضِ، وَهَلْ يُقَيَّدُ بِكَوْنِ الْغَسْلِ يُفْسِدُهَا أَوْ مُطْلَقًا خِلَافٌ، وَسَيَأْتِي فِي الرُّعَافِ مَا يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِكَوْنِ الْغَسْلِ يُفْسِدُهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ عَلَى الدَّابَّةِ إنَّمَا تَكُونُ بِالْإِيمَاءِ إلَى الْأَرْضِ لَا إلَى رَحْلِ الدَّابَّةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا، فَإِنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ، وَأَمَّا لِلرُّكُوعِ فَيَكُونُ حَيْثُ الْقُدْرَةُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ.
وَفِي التَّتَّائِيِّ عَنْ سَيِّدٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، سَحْنُونٌ: لَا يُجْزِئُهُ لِدُخُولِهِ عَلَى الضَّرَرِ، وَلَا يُقَالُ يُعَارِضُهُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهَا قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا، أَوْ كَلَامُ سَنَدٍ فِي الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ، وَلَكِنَّ كَلَامَ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّحِيحِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فِي غَيْرِ الِالْتِحَامِ وَالْخَوْفِ مِنْ كَسَبُعٍ، أَوْ فِي خَضْخَاضٍ لَا يُطِيقُ النُّزُولَ بِهِ، أَوْ لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ) : مِثْلُ مَنْ يَأْخُذَهُ الْوَقْتُ فِي الْمَاءِ أَوْ الطِّينِ فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ الْفَرْضَ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ الْخَائِفِ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ عِنْدَ الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا أَيْ الْكَعْبَةِ كَالرَّاكِبِ إلَّا لِالْتِحَامٍ أَوْ لِخَوْفٍ مِنْ كَسَبُعٍ وَإِنْ لِغَيْرِهَا، وَإِلَّا لِخَضْخَاضٍ لَا يُطِقْ النُّزُولَ بِهِ أَوْ لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فَقَالَ: (وَ) يَجُوزُ (لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ) وَالْمُرَادُ بِهَا مَا عَدَا السَّفِينَةَ، فَيَشْمَلُ الْفَرَسَ وَالْحِمَارَ وَالْآدَمِيَّ لِمُقَابَلَتِهَا بِالسَّفِينَةِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ فِي شُقْدُفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي رَاكِبٍ نَحْوِ السَّبُعِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ (فِي) مُدَّةِ (سَفَرِهِ) وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ بَلْ (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وَلَوْ سَهُلَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّافِلَةِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَكِنْ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) سَفَرُهُ (سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) بِأَنْ كَانَ مُبَاحًا وَأَرْبَعَةُ بُرْدٍ، فَلَا يَتَنَفَّلُ الْعَاصِي وَلَا مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرْدٍ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ مَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلْيُوتِرْ) الْمُسَافِرُ (عَلَى دَابَّتِهِ إنْ شَاءَ) وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ النُّزُولِ
مَرِيضًا إلَّا بِالْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً لِمَرَضِهِ فَلْيُصَلِّ عَلَى الدَّابَّةِ بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ
وَمَنْ رَعَفَ مَعَ الْإِمَامِ خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ، ثُمَّ بَنَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَمْشِ عَلَى نَجَاسَةٍ
وَلَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ لَمْ تَتِمَّ
[الفواكه الدواني]
بِالْأَرْضِ، وَالتَّخْيِيرُ إنَّمَا هُوَ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ التَّنَفُّلَ بِالْأَرْضِ أَفْضَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَوْبَ سَفَرِ قَصْرٍ لِرَاكِبٍ دَابَّةً فَقَطْ، وَإِنْ بِمَحَلِّ بَدَلٍ فِي نَفْلٍ وَإِنْ وِتْرًا وَإِنْ سَهُلَ لِابْتِدَاءٍ لَهَا لَا السَّفِينَةُ فَيَدُورُ مَعَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَهَلْ إنْ أَوْمَأَ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ السُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَيَكُونُ فِي سُجُودِهِ مُتَرَبِّعًا عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَيَرْفَعُ عِمَامَتَهُ عِنْدَ إيمَائِهِ لِلسُّجُودِ، وَلَهُ ضَرْبُ الدَّابَّةِ وَرَكْضِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَهُ ضَرْبُ غَيْرِهَا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَلْتَفِتُ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي طَهَارَةِ السَّرْجِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ اشْتِرَاطُ طَهَارَتِهِ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ تَرْكَ الْفَرْضِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَكَيْفَ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّافِلَةِ مِنْ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ يُفِيدُ صِحَّةَ الْإِيمَاءِ إلَيْهِ، فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: وَيُومِئُ إلَى الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْفَرِيضَةُ عَلَى ظَهْرِهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلْأَرْضِ، فَلَا يَصِحُّ فِي سَرْجِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُسَافِرِ عَلَى الْحَاضِرِ فَلَا يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَلَا الْفَرِيضَةِ إلَّا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَا يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ فِي السَّفِينَةِ أَيْضًا حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ، بَلْ لَا يُصَلِّي فِيهَا إلَّا لِلْقِبْلَةِ وَيَدُورُ مَعَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: مَحَلُّ مَنْعِ بَعْضِ النَّفْلِ فِي السَّفِينَةِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ إذَا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ لِعُذْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا مَنْعَ يُصَلِّي حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ، وَلَوْ تَرَكَ الدَّوَرَانَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ قِبْلَةَ الْمُسَافِرِ فِي النَّفْلِ جِهَةَ سَفَرِهِ، فَلَوْ انْحَرَفَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا انْحَرَفَ الْمُسَافِرُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا سَهْوٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِبْلَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ طَرِيقُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ الدَّابَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِغَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ إلَى جِهَةِ دُبُرِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
1 -
الثَّالِثُ: إذَا وَصَلَ مَنْزِلًا وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْزِلَ إقَامَةٍ نَزَلَ وَكَمَّلَهَا بِالْأَرْضِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلَ إقَامَةٍ خَفَّفَ وَأَتَمَّهَا عَلَى الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ عَزْمَهُ السَّفَرُ، وَهَكَذَا كُلُّهُ حَيْثُ بَقِيَ مِنْهَا مَا لَهُ بَالٌ، وَأَمَّا نَحْوُ التَّشَهُّدِ فَيَفْعَلُهُ عَلَى ظَهْرِهَا مُطْلَقًا،
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ يَتَنَفَّلُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَصِحُّ لِلْمُسَافِرِ وَأَوْلَى غَيْرُهُ أَنْ (يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ) وَلَوْ بِالنَّذْرِ لِقِيَامِهَا (وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا إلَّا بِالْأَرْضِ) فَلَوْ صَلَّاهَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَعَادَهَا أَبَدًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّيهَا عَلَيْهَا قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصِ شَيْءٍ عِنْدَ سَحْنُونٍ لِدُخُولِهِ عَلَى الضَّرَرِ، وَقَالَ سَنَدٌ: تَجْزِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَسَيَأْتِي مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ.
(إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ) عَنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ (صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً لِمَرَضِهِ فَلْيُصَلِّ) الْفَرْضَ (عَلَى الدَّابَّةِ) حِينَئِذٍ إنْ كَانَ يَفْعَلُهَا عَلَى ظَهْرِهَا كَفِعْلِهِ لَهَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَيُومِئُ إلَى الْأَرْضِ بَعْدَ رَفْعِ الْعِمَامَةِ عَنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَذَلِكَ الْفِعْلُ (بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ) وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْفَرِيضَةُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ: وَهِيَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ قَدَّمْنَاهَا سِوَى هَذِهِ، وَإِلَّا لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ فَعَلَهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُؤَدِّيهَا عَلَى الْأَرْضِ أَتَمَّ مِنْ صَلَاتِهَا عَلَى ظَهْرِهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاتُهَا بِالْأَرْضِ اتِّفَاقًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ عَلَى الْأَرْضِ بِقَدْرٍ يَسْجُدُ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَتَمِّيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُوبِ فِعْلِهَا بِالْأَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ عَلَى ظَهْرِهَا وَبِالْأَرْضِ لَكِنْ يَزِيدُ إنْ نَزَلَ عَلَى الْأَرْضِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّرَبُّعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَلَا يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهَا بِالْأَرْضِ بَلْ النَّدْبُ فَقَطْ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَبِتَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَرِيضِ الَّذِي فَرْضُهُ الْإِيمَاءُ عُلِمَ الرَّدُّ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ الْفَخَارِ لِلْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ، إذْ لَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُهُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُصَلِّي جَالِسًا، وَيَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِالْأَرْضِ وَغَفَلَ عَنْ تَقْيِيدٍ بِحَالِ الْإِيمَاءِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا ذَكَرَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الْمُؤَلِّفُ لَا يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْكَرَاهَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْجَوَازَ قَدْ يَكُونُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْأَخِيرِ حَيْثُ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ لَكِنَّ فَرْضَهُ الْإِيمَاءُ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ فَلَا تَتَأَتَّى الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهِ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا عَلَى ظَهْرِهَا، كَمَنْ أَخَذَهُ الْوَقْتُ فِي خَضْخَاضٍ أَوْ فِي حَالِ الِالْتِحَامِ، وَيَقُولُ ابْنُ الْفَخَّارِ: لَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُصَلِّي جَالِسًا، وَيَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِالْأَرْضِ، ضَعُفَ كَلَامُ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمُ فَافْهَمْ، وَأَيْضًا خَلِيلٌ لَمْ يَصْحِحْ الْفَرِيضَةَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ وَالْخَائِفِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سِبَاعٍ وَمَنْ فِي حَالِ الِالْتِحَامِ، وَمَنْ يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ فِي مَاءٍ أَوْ خَضْخَاضٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْإِيمَاءَ لِلْأَرْضِ فِي الْأَرْبَعِ وَمَعَ الِاسْتِقْبَالِ إلَّا فِي حَالِ الِالْتِحَامِ وَعِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ اللُّصُوصِ وَالسِّبَاعِ فَقَدْ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إنَّمَا تَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) : كَمَا اُغْتُفِرَ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ إيقَاعُ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، اُغْتُفِرَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى السَّرِيرِ الْمَفْعُولِ مِنْ الشَّرِيطِ، وَشَبَهِهِ مِمَّا لَيْسَ بِخَشَبٍ وَلَا حَجَرٍ حَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ بِالْأَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ قُدْرَةُ النُّزُولِ إلَى الْأَرْضِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِيمَاءَ حَيْثُ أَوْمَأَ إلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْمَأَ إلَى الْأَرْضِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ كَمَا صَحَّتْ عَلَى الدَّابَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى السَّرِيرِ الْمَصْنُوعِ مِنْ الْخَشَبِ فَقَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالسَّطْحِ.
[الرُّعَاف فِي الصَّلَاة]
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَنْ مَسَائِلِ الرُّعَافِ وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْأَنْفِ وَمِثْلُهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ فَقَالَ: (وَمَنْ رَعَفَ) بِفَتْحِ عَيْنِهِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ عَلَى الْأَفْصَحِ فِي حَالِ صَلَاتِهِ (مَعَ الْإِمَامِ) وَكَثُرَ رُعَافُهُ بِحَيْثُ سَالَ أَوْ قَطَرَ، وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ وَلَمْ يَظُنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ.
(خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى صَلَاتِهِ إنْ شَاءَ (فَغَسَلَ الدَّمَ) وَصِفَةُ خُرُوجِهِ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكًا أَنْفَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ أَوْ أَعْلَاهُ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَحْتَبِسَ الدَّمُ إذَا مَسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّائِلِ أَوْ الْقَاطِرِ بِحَيْثُ لَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الرَّاشِحِ الَّذِي يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَنْصَرِفُ لِدَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَثِيرِ الَّذِي يُلَطِّخُهُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ حَيْثُ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِغَسْلِهِ، وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ ظَنِّ الدَّوَامِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا ظَنَّ الدَّوَامَ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَلَا يَخْرُجُ وَلَوْ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا حَيْثُ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ فِيهِ، وَفَرَشَ شَيْئًا يُلَاقِي بِهِ الدَّمَ أَوْ كَانَ مُحَصَّبًا أَوْ تُرَابًا لَا حَصِيرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وَيَغْسِلُ الدَّمَ بَعْدَ فَرَاغٍ، كَمَا تَرَكَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْأَعْرَابِيَّ يُتِمُّ بَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ فِيهَا وَإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً وَظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ أَتَمَّهَا إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ مَفْرُوشٍ أَوْ مُبَلَّطِ يُخْشَى تَلْوِيثُهُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ يَقَعُ وُجُوبًا عَلَى الْإِتْمَامِ يُتِمُّهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، إلَّا أَنْ يَخْشَى ضَرَرًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ تَلَطَّخَ ثِيَابُهُ الَّذِي يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ فَيُتِمُّهَا وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ، لَا إنْ خَشِيَ تَلَطُّخَ جَسَدِهِ أَوْ ثِيَابِهِ الَّتِي لَا يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْإِيمَاءُ، وَقَوْلُنَا: إنْ شَاءَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْقَطْعُ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْبَقَاءُ وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا فَعَلَ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) بَعْدَ خُرُوجِهِ وَغَسْلِ الدَّمِ (يَبْنِي) عَلَى مَا فَعَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّمِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ رَعَفَ مَعَ الْإِمَامِ يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْإِمَامُ كَالْمَأْمُومِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ جَمَاعَةٌ حَيْثُ كَانَ رَاتِبًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الرَّاتِبَ كَجَمَاعَةٍ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ.
وَأَمَّا الْفَذُّ فَفِي بِنَائِهِ خِلَافٌ هَلْ مُنْشَؤُهُ رُخْصَةُ الْبِنَاءِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ لِلْمَنْعِ مِنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ أَوْ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ؟ فَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ يَنْدُبُ لَهُ الْبِنَاءُ مُقَيَّدٌ بِالْعَامِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الرَّاعِفُ مِنْ الْعَوَامّ، أَوْ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ بِالْعِلْمِ فَالْقَطْعُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى، هَكَذَا قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ وَهُوَ حَسَنٌ.
وَشُرُوطُ الْبِنَاءِ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ إلَى أَحَدِهَا بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ) فِي زَمَنِ خُرُوجِهِ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا سَوَاءٌ تَكَلَّمَ فِي حَالِ الِانْصِرَافِ أَوْ الرُّجُوعِ وَالْفَرْقُ لَا يَظْهَرُ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِي الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) أَيْ وَمَا لَمْ (يَمْشِ عَلَى نَجَاسَةٍ) فَإِنْ مَشَى عَلَيْهَا فِي حَالَ انْصِرَافِهِ أَوْ رُجُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ يَابِسَةً حَيْثُ عُلِمَ بِهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ لَا بَعْدَهَا فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْوَاثَ الدَّوَابِّ أَوْ أَبْوَالَهَا حَيْثُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرُورَ عَلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ يَابِسَةً وَلَوْ أَرْوَاثَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا مَعَ الِاضْطِرَارِ فَلَا بُطْلَانَ، وَلَا إعَادَةَ أَيْضًا فِي الْمُرُورِ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَلَوْ رَطْبَةً، وَكَذَا فِي الْمُرُورِ عَلَى غَيْرِهَا لَا بُطْلَانَ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ هَذَا كُلِّهِ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْمُرُورُ مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا إعَادَةَ فِي أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ، إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِيهَا فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مَنْ سَجَدَ عَلَى نَجَاسَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ رَفْعِ
بِسَجْدَتَيْهَا وَلِيُلْغِهَا وَلَا يَنْصَرِفُ لِدَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ
وَلَا يَنْصَرِفُ لِدَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ بِأَصَابِعِهِ إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ
وَلَا يَبْنِي فِي قَيْءٍ وَلَا حَدَثٍ
، وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
جَبْهَتِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، فَابْنُ عَرَفَةَ يُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَغَيْرُهُ يَتَحَوَّلُ عَنْهَا وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَبَقِيَ شَرْطَانِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا وَهُمَا: أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ وَيَتَجَاوَزَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَأَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا اخْتِيَارًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمِنْ الْعُذْرِ اسْتِدْبَارُهَا لِطَلَبِ الْمَاءِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: فَيَخْرُجُ مُمْسِكٌ أَنْفَهُ لِغَسْلٍ إنْ لَمْ يُجَاوِزُ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ قَرُبَ، وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ وَيَطَأُ نَجِسًا وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا.
(فَرْعَانِ) أَحَدُهُمَا: إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الذَّهَابِ لِمَاءٍ قَرُبَ مَعَ الِاسْتِدْبَارِ وَمَاءٍ بَعُدَ الِاسْتِدْبَارُ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَى الْقَرِيبِ وَلَوْ مَعَ الِاسْتِدْبَارِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْبَارَ اُغْتُفِرَ جِنْسُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فَتَبْطُلُ بِهِ وَلَوْ سَهْوًا.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، وَرُبَّمَا يُبْحَثُ فِيهِ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْكَثِيرَ اُغْتُفِرَ جِنْسُهُ أَيْضًا، وَلَوْ عَمْدًا فِي صَلَاةِ الْمُسَابَقَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِنُدُورِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِعُذْرِ الِاسْتِدْبَارِ
(الْفَرْعُ الثَّانِي) : إذَا دَار الْأَمْرُ بَيْنَ الِاسْتِدْبَارِ وَوَطْءِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَبْطُلُ وَطْؤُهَا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِدْبَارَ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْبَارٌ لِعُذْرٍ، أَشَارَ إلَى هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(وَ) إذَا خَرَجَ الرَّاعِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ لَمْ تَتِمَّ بِسَجْدَتَيْهَا) قَبْلَ رُعَافِهِ (وَلْيُلْغِهَا) أَيْ لَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِنَّمَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ تَامَّةٍ، وَتَمَامُهَا يَكُونُ الْجُلُوسَ إنْ كَانَ يَقُومُ مِنْهَا لِلْجُلُوسِ، وَيَكُونُ بِالْقِيَامِ إنْ كَانَ يَقُومُ مِنْهَا لِلْقِيَامِ، فَلَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَبْلَ الْجُلُوسِ أَوْ الْقِيَامِ رَعَفَ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَيَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ مِنْ أَوَّلِهَا بَانِيًا عَلَى الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ الرُّعَافُ حَصَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَوْ عَلَى الرَّكْعَةِ الْكَامِلَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْمَلْغِيَّةِ إنْ كَانَ الرُّعَافُ فِي غَيْرِ الْأُولَى، فَالْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ الْبِنَاءَ عَلَى الِاعْتِدَادِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ لَمْ تَتِمُّ لَا يَعْتَدُّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَلْيُلْغِهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَبْنِي وَلَوْ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا بِهِ الْكَمَالُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ
، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا لِغَسْلِ الدَّمِ السَّائِلِ أَوْ الْقَاطِرِ، شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَنْصَرِفُ لِ) غَسْلِ (دَمٍ خَفِيفٍ) الْمُرَادُ لَا يَجُوزُ لِلرَّاعِفِ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ لِغَسْلِ دَمٍ رَاشِحٍ.
(وَلْيَفْتِلْهُ بِأَصَابِعِهِ) أَيْ رُءُوسِ أَنَامِلِ يُسْرَاهُ الْخَمْسِ الْعُلْيَا، قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ رَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاهُ وَالْمُرَادُ الْخَمْسُ الْعُلْيَا، وَصِفَةُ الْفَتْلِ أَنْ يَلْقَاهُ بِرَأْسِ الْخِنْصَرِ وَيَفْتِلُهُ بِرَأْسِ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ بَعْدَ الْخِنْصَرِ الْبِنْصِرُ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ السَّبَّابَةُ، وَلَا يُلْقِي الدَّمَ بِرَأْسِ الْإِبْهَامِ بَلْ يَفْتِلُ بِهَا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ وَتَلَطَّخَتْ الْأَنَامِلُ الْعُلْيَا انْتَقِلْ لِلْأَنَامِلِ الْوُسْطَى، فَإِنْ زَادَ مَا فِيهَا عَنْ دِرْهَمٍ تَحْقِيقًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَإِلَّا أَتَمَّهَا: كَمَا إذَا ظَنَّ الزِّيَادَةَ أَوْ شَكَّ فِيهَا، وَلَا يَنْظُرُ مَا فِي الْعُلْيَا، فَلَوْ انْتَقَلَ بَعْدَ تَلْطِيخِ الْعُلْيَا إلَى عُلْيَا الْيُمْنَى وَزَادَ مَا فِيهَا عَنْ دِرْهَمٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مُعَلِّلًا لَهُ بِقَوْلِهِ: مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِفَتْلِهِ بِيَدَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا لِكَلَامِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصَابِعِ رُءُوسُهَا، فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عِلَاقَتُهُ الْكُلِّيَّةُ وَالْجُزْئِيَّةُ نَظِيرُ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: 19] وَأَنَّ الْمُرَادَ الْعُلْيَا مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ، وَلَمَّا كَانَ فَتْلُ الدَّمِ الْخَفِيفِ مَشْرُوطًا بِاسْتِمْرَارِهِ خَفِيفًا قَالَ: (إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ) بِحَيْثُ لَا يَذْهَبُ بِالْفَتْلِ، فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ لِغَسْلِهِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَهُ الْقَطْعُ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ كَالسَّائِلِ ابْتِدَاءً، وَلَا يُقَالُ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا: وَمَنْ رَعَفَ خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ، لِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى السَّائِلِ أَوْ الْقَاطِرِ ابْتِدَاءً، وَهَذَا رَاشِحٌ ابْتِدَاءً وَطَرَأَ لَهُ الزِّيَادَةُ حَتَّى سَالَ أَوْ قَطَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِإِلَى مَوْضِعٍ إلَّا لِيَكُونَ ظَاهِرًا فِيمَا ذَكَرْنَا،
وَلَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا صَلَّاهُ قَبْلَ الرُّعَافِ رُخْصَةً لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا قَالَ: (وَلَا يَبْنِي) الْمُصَلِّي (فِي قَيْءٍ) مُتَنَجِّسٍ خَرَجَ مِنْهُ فِي حَالِ صَلَاتِهِ (وَلَا) يَبْنِي أَيْضًا فِي (حَدَثٍ) تَذَكَّرَهُ فِيهَا أَوْ خَرَجَ مِنْهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبِنَاءِ مَعَ الْحَدَثِ الْغَالِبِ، وَلِأَشْهَبَ فِي بِنَاءِ مَنْ رَأَى نَجَاسَةً فِي ثَوْبِهِ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا فِي صَلَاتِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَبْنِي فِي غَيْرِهِ كَظَنِّهِ فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ بِالْحَدَثِ وَلَوْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْقَيْءُ النَّجِسُ أَوْ سُقُوطُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّمَا تُبْطِلُ عِنْدَ اتِّسَاعِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْقَيْءِ النَّجِسِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: طَهَارَتُهُ وَيَسَارَتُهُ وَخُرُوجُهُ غَلَبَةً، لَا إنْ كَانَ نَجِسًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَهُ غَلَبَةً فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ عَلَى حَدِّ سِوَى، وَكَمَا لَا يَبْنِي فِي غَيْرِ الرُّعَافِ لَا يَبْنِي
رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَلَّمَ وَانْصَرَفَ
وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِهِ انْصَرَفَ وَغَسَلَ الدَّمَ، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ وَسَلَّمَ
وَلِلرَّاعِفِ أَنْ يَبْنِيَ فِي مَنْزِلِهِ إذَا يَئِسَ أَنْ يُدْرِكَ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ
إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يَبْنِي إلَّا فِي الْجَامِعِ
وَيُغْسَلُ قَلِيلُ الدَّمِ مِنْ
[الفواكه الدواني]
فِي الرُّعَافِ الْمُتَكَرِّرِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ بِالْبِنَاءِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ الرُّعَافُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُتَكَرِّرِ الْحَاصِلُ فِي حَالِ رُجُوعِهِ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي إكْمَالِ الصَّلَاةِ بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى صَلَاتِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الرُّعَافِ الْمُبْطِلِ عَلِمْت أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَعَلَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُطْلِقَ اتِّكَالًا عَلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حُصُولِ مَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَالْمُصَنِّفُ إمَامٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أُمُورُ الْفِقْهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ.
الثَّانِي قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَبْنِي فِي قَيْءٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ عَلَى جَعْلِ لَا نَافِيَةً، وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا عَلَى جَعْلِهَا نَاهِيَةً، وَفِي خَلِيلٍ كَذَلِكَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّعَافِ الْحَاصِلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، شَرَعَ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ بَعْدَ تَمَامِهَا وَقَبْلَ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ رَعَفَ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَلَّمَ وَانْصَرَفَ) ؛ لِأَنَّ سَلَامَهُ مَعَ النَّجَاسَةِ أَخَفُّ مِنْ خُرُوجِهِ لِغَسْلِهَا وَسَلَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: وَلَوْ رَعَفَ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ لَحَمَلَ الْإِمَامُ لَهُ، فَلَوْ خَالَفَ وَخَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ السَّلَامِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ.
(وَ) مَفْهُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ (إنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (انْصَرَفَ وَغَسَلَ الدَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَخْرُجْ يَصِيرُ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ عَمْدًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
(ثُمَّ رَجَعَ) بَعْدَ انْصِرَافِهِ لَغَسَلَ الدَّمِ (فَجَلَسَ) وَتَشَهَّدَ فَلَوْ كَانَ تَشَهَّدَ قَبْلَ الِانْصِرَافِ (وَسَلَّمَ) ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ السَّلَامِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ تَشَهُّدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَلَّمَ وَانْصَرَفَ إنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لَا قَبْلَهُ، وَمَحَلُّ انْصِرَافِ مَنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ إمَامُهُ قَبْلَ مُجَاوَزَتَيْنِ الصَّفَّ وَالصَّفَّيْنِ وَإِلَّا جَلَسَ وَسَلَّمَ:
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْمَأْمُومِ إنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ مِنْ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَلَا يَنْصَرِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَمَنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ يَخْرُجُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَسَكَتَ عَنْ نَفْسِ الْإِمَامِ يَرْعُفُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، وَمِثْلُهُ الْفَذُّ عَلَى الْقَوْلِ بِبِنَائِهِ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: لَمْ أَرَ فِيهِمَا نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ حَصَلَ الرُّعَافُ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِمِقْدَارِ السُّنَّةِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ، وَالْإِمَامُ وَالْفَذُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ التَّشَهُّدَ وَيَخْرُجُ هُوَ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَيُتِمُّ مَكَانَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يُتِمُّ فِيهِ الرَّاعِفُ صَلَاتَهُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلرَّاعِفِ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَى الرَّاعِفِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ (أَنْ يَبْنِيَ) أَيْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ بَانِيًا عَلَى مَا فَعَلَهُ (فِي مَنْزِلِهِ) الَّذِي غَسَلَ فِيهِ الدَّمَ.
(إذَا يَئِسَ أَنْ يُدْرِكَ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَأَتَمَّ مَكَانَهُ إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ وَأَمْكَنَ، وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَرَجَعَ إنْ ظَنَّ بَقَاءَهُ أَوْ شَكَّ وَلَوْ تَشَهَّدَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاعِفَ لَهُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَظُنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَظُنَّ بَقَاءَهُ أَوْ يَشُكَّ فِيهِ، فَفِي الْأُولَى يُتِمُّ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ مَكَان إلَيْهِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ سَلَامُهُ قَبْلَ إمَامِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَرْجِعُ لِمَكَانِهِ حَيْثُ يُوقِنُ إدْرَاكَ الْإِمَامِ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَهَذَا فِي الْمَأْمُومِ، وَمِثْلُهُ الْإِمَامُ بَعْدَ اسْتِخْلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ مَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيُتِمُّ مَكَانَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الرَّاعِفِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ،
وَأَمَّا الرَّاعِفُ فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يُتِمُّ مَكَانَهُ، وَلَوْ تَيَقَّنَ فَرَاغَ إمَامِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الرَّاعِفُ مِنْ إمَامٍ أَوْ مَأْمُومٍ (فِي الْجُمُعَةِ) وَحَصَلَ لَهُ الرُّعَافُ بَعْدَ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا (فَلَا يَبْنِي إلَّا فِي) أَوَّلِ (الْجَامِعِ) الَّذِي ابْتَدَأَهَا فِيهِ، وَلَوْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ شَرْطٌ مَعَ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُتِمُّهَا بِرِحَابِهِ وَلَوْ كَانَ ابْتَدَأَهَا بِهِ لِضِيقٍ أَوْ اتِّصَالِ صُفُوفٍ، كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْجَامِعِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَصِحُّ إتْمَامُهَا فِي الرِّحَابِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتَمَّهَا فِي غَيْرِ الْجَامِعِ الَّذِي ابْتَدَأَهَا فِيهِ فَتَبْطُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَوَجَدَهُ مَغْلُوقًا لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ وَيُضِيفُ رَكْعَةً إلَى رَكْعَتِهِ لِتَصِيرَ لَهُ نَافِلَةٌ وَيَبْتَدِئُهَا ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ الْجَامِعِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى مَكَانِهِ، الَّذِي افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِيهِ، بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَاوَزَتِهِ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ، وَكَمَا يَجِبُ الرُّجُوعُ لِأَوَّلِ الْجَامِعِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً قَبْلَ الرُّعَافِ وَلَا يَعْتَقِدُ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ بَعْدَ رُجُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَلْ يَقْطَعُ إحْرَامَهُ وَيَبْتَدِئُ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا لِأَوَّلِ الْجَامِعِ وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَلَوْ خَالَفَ وَبَنَى عَلَى إحْرَامِهِ وَصَلَّى أَرْبَعًا الظَّاهِرُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَمَحَلُّ ابْتِدَائِهَا ظُهْرًا حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا فَعَلَ بِأَنْ كَانَ الْبَلَدُ مِصْرًا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَيَذْهَبُ إلَى جَامِعٍ آخَرَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَظُنَّ سَلَامَ الْإِمَامِ قَبْلَ رُجُوعِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَمَنْ يَظُنُّ فَرَاغَهُ يُتِمُّ
الثَّوْبِ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ: إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ
وَقَلِيلُ كُلِّ نَجَاسَةٍ غَيْرِهِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ.
[الفواكه الدواني]
مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ كَانَ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الرُّعَافِ أَوْ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ يَطْلُبُ بِالرُّجُوعِ، وَلَوْ ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَنْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَخْطَأَ ظَنُّهُ.
1 -
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الرُّعَافِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَطْمَعَ فِي انْقِطَاعِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَسَعُ الطَّهَارَةَ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَةً بِنَاءً عَلَى مَا يُدْرَكُ بِهِ لِوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَفِي هَذَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَظُنَّ دَوَامَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَفِي هَذَا يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، كَمَا يُصَلِّي مَعَ نُزُولِ الدَّمِ آخِرَ الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ، بِأَنْ تَخَلَّفَ ظَنُّهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ وَهُوَ نَازِلٌ، وَيُصَلِّي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا لَوْ تَضَرَّرَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِضَرَرٍ بِجِسْمِهِ أَوْ لِلْخَوْفِ عَلَى تَلَطُّخِ ثِيَابِهِ الَّتِي يُفْسِدُهَا الْغُسْلُ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يُفْهَمَانِ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا وَدَامَ آخَرُ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ وَصَلَّى؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ آخِرَ أَنَّهُ يُرْجَى انْقِطَاعُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْجُ الِانْقِطَاعَ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّائِلِ وَالْقَاطِرِ وَالرَّاشِحِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْمَسْبُوقِ الَّذِي يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَيَحْصُلُ لَهُ الرُّعَافُ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يُوجِبُ فَوَاتَ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ بَعْدَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ فِي صَلَاتِهِ الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا اجْتَمَعَ قَضَاءٌ وَبِنَاءٌ لِرَاعِفٍ أَدْرَكَ الْوُسْطَيَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، أَوْ الْحَاضِرُ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلَاةِ مُسَافِرٍ أَوْ خَوْفٍ بِحَضَرٍ قَدَّمَ الْبِنَاءَ وَجَلَسَ فِي آخِرِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ،
وَلَمَّا كَانَ الرُّعَافُ مَظِنَّةً لِإِصَابَةِ الدَّمِ نَاسَبَ التَّعَرُّضُ لِحُكْمِ غَسْلِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُغْسَلُ) نَدْبًا (قَلِيلُ الدَّمِ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ رُعَافٍ، كَدَمِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَمِثْلُهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ (مِنْ الثَّوْبِ) أَوْ الْجَسَدِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَلِيلِ أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَفَا عَنْ دُونِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَهُوَ قَدْرُ الدَّائِرَةِ الَّتِي تَكُونُ بِبَاطِنِ ذِرَاعِ الْبَغْلِ، وَمَفْهُومُ مِنْ الثَّوْبِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمُصَلِّي أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ طَعَامًا لِنَجَسِهِ وَلَوْ قَلَّ، فَالْعَفْوُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ وَلَوْ قَلَّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا نَدْبًا لِقَوْلِهِ: (وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ) مَعَ مُلَابَسَةِ الدَّمِ (إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ) وَهُوَ مَا كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ مَسَّاحَةً لَا وَزْنًا، وَالْأَثَرُ وَالْعَيْنُ سَوَاءٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ فِي الْكَثِيرِ، فَإِنْ صَلَّى بِالْكَثِيرِ أَعَادَ مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ أَبَدًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَنَدْبًا فِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ أَوْ الْعَمْدِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَفِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ مَاءً وَهِيَ لَا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ رَشْحٍ، وَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَعُفِيَ عَمَّا يُعْسِرُ،
وَأَمَّا نَحْوُ الْبَوْلِ أَوْ الْمَنِيِّ فَيَجِبُ غَسْلُ قَلِيلِهِ كَكَثِيرِهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلُ كُلِّ نَجَاسَةٍ غَيْرِهِ) أَيْ الدَّمِ (وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ) فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَلَوْ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ.
(وَ) مِمَّا يُعْفَى عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (دَمُ الْبَرَاغِيثِ) أَيْ خَرْؤُهَا وَمِثْلُهَا الْقَمْلُ وَالْبَقُّ وَالْبَعُوضُ.
(لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ) لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا (إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ) بِحَيْثُ يَسْتَحْيِ أَنْ يَجْلِسَ بِهِ بَيْنَ أَقْرَانِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهُ، إلَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْدُبُ غَسْلُهُ إذْ لَا يُقْطَعُ الْفَرْضُ لِمَنْدُوبٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنَدَبَ غَسْلُ مَا يُعْفَى عَنْهُ عِنْدَ تَفَاحُشِهِ كَدَمِ بَرَاغِيثَ إلَّا فِي صَلَاةٍ، وَفَسَّرْنَا دَمَ الْبَرَاغِيثِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا بِخَرْئِهَا؛ لِأَنَّ دَمَهَا الْحَقِيقِيَّ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَيَجِبُ غَسْلُ الْكَثِيرِ وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ.
(خَاتِمَةٌ) ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ ضَابِطًا كُلِّيًّا لِمَا يُعْفَى عَنْهُ مِمَّا هُوَ مُحَقَّقُ النَّجَاسَةِ أَوْ مَظْنُونُهَا بِقَوْلِهِ: وَعُفِيَ عَمَّا يُعْسِرُ كَحَدَثٍ مُسْتَنْكَحٍ وَبَلَلِ بَاسُورٍ فِي يَدٍ أَوْ ثَوْبٍ إنْ كَثُرَ الدَّمُ، وَثَوْبِ مُرْضِعَةٍ تَجْتَهِدُ، وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا، وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَبَوْلِ فَرَسٍ لِفَارٍّ بِأَرْضِ حَرْبٍ وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ عُذْرَةٍ وَمَوْضِعِ حِجَامَةِ سَطْحٍ وَكَطِينِ مَطَرٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُذْرَةُ بِالْمُصِيبِ وَلَمْ تَغْلِبْ وَذَيْلِ امْرَأَةٍ مُطَالٍ لِلسِّتْرِ وَرِجْلٍ بُلَّتْ يَمُرَّانِ بِنَجِسٍ يَبِسٍ يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَابَّ وَأَبْوَالِهَا إنْ دُلِّكَا بِغَيْرِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ وَالْقَدَمَ وَالْمَخْرَجَانِ وَمَوْضِعَ الْحِجَامَةِ وَالسَّيْفَ الصَّقِيلَ يُجْزِي فِيهَا زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ.
[بَاب فِي سُجُود الْقُرْآن]
وَلَمَّا كَانَتْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ دَاخِلَةً فِي حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ: قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ.
ذَكَرَهَا فِي عَقِبِ الْبَابِ الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فَقَالَ
بَابٌ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُجُودُ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَ سَجْدَةً، وَهِيَ الْعَزَائِمُ لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ فِي النَّصِّ عِنْدَ قَوْلِهِ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ مَوَاضِعِ (سُجُودِ الْقُرْآنِ) وَيُتَرْجَمُ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ أَخَصُّ مِنْ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي كَلِمَةِ وَاحِدَةٍ، وَالْقِرَاءَةَ تَكُونُ فِيهَا، وَالسُّجُودُ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَا عِنْدَ مُجَرَّدِ قِرَاءَةِ كَلِمَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ السُّجُودِ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَضِيلَةٌ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ، وَأَمَّا السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَّرَهُ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ السُّجُودِ إيجَادُ مَاهِيَّةِ السُّجُودِ، وَهِيَ تُوجَدُ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] فِي مَعْرَضِ الذَّمِّ فَيَدُلُّ عَلَى طَلَبِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ فَسَجَدَهَا سَجَدْنَا مَعَهُ» وَثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «إذَا سَجَدَ الْإِنْسَانُ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي فَيَقُولُ: يَا وَيْلَتَاهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت أَنَا بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِي النَّارُ» وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَوْ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَدَمَ كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا عُلِمَ حُكْمُهُ بِالضَّرُورَةِ، إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ الْقَارِئُ وَالْمُسْتَمِعُ وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ، أَمَّا الْقَارِئُ فَيَسْجُدُ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ وَخُبْثٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ نِزَاعٌ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مُحَمَّدٍ: اسْتِحْبَابُ سُجُودِ الصَّبِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِخِطَابِهِ بِمَا دُونَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي سُجُودِ الْقَارِئِ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْإِمَامَةِ فَيَسْجُدُ الْفَاسِقُ وَالْمَرْأَةُ، وَأَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَيَسْجُدُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ جَلَسَ لِيَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَوْ أَحْكَامَهُ فَلَا يَسْجُدُ الْجَالِسُ لِابْتِغَاءِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، كَمَا أَنَّ السَّامِعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَسْجُدُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ الَّذِي جَلَسَ الْمُسْتَمِعُ لِيَسْمَعَ قُرْآنًا صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ بِالْفِعْلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ اللَّخْمِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ مِنْ الْعَاجِزِ يَسْجُدُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ قَادِرًا لِصَلَاحِيَّةِ الْعَاجِزِ عَنْ رُكْنٍ لِلْإِمَامَةِ لِمِثْلِهِ، وَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْتَمِعَ الْمَكْرُوهَ الْإِمَامَةُ يَسْجُدُ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقَارِئُ جَلَسَ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَيَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ وَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ السُّجُودَ، وَأَمَّا الْمُعَلِّمُ أَوْ الْمُتَعَلِّمُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا يَسْجُدَانِ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ كَالْقَارِئِ، وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمَا مَحَلُّ السُّجُودِ فَيَسْجُدَانِ أَوَّلَ مَرَّةٍ،
1 -
وَلَمَّا وَقَعَ خِلَافٌ فِي عَدَدِ السَّجَدَاتِ، بَيَّنَ الْمَشْهُورِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَسَجَدَاتُ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ) وَالْمُرَادُ بِالْمُفَصَّلِ مَا كَثُرَ تَفْصِيلُهُ بِالْبَسْمَلَةِ لِقِصَرِ سُوَرِهِ، وَأَوَّلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، فَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ.
قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا ثَانِيَةَ الْحَجِّ وَالنَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ.
(وَهِيَ) أَيْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً (الْعَزَائِمُ) أَيْ الْأَوَامِرُ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِالسُّجُودِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا، هَكَذَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَقَالَ زَرُّوقٌ: الْعَزَائِمُ جَمْعُ عَزِيمَةٍ وَهِيَ الْمُتَأَكِّدَةُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ فِي سُجُودِ غَيْرِهَا مِنْ ثَانِيَةِ الْحَجِّ وَالنَّجْمِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَسْجُدُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ، فَعَلَى تَفْسِيرِ الْأَقْفَهْسِيِّ: إنْ سَجَدَ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يَسْجُدُ لَهَا، وَعَلَى تَفْسِيرِ زَرُّوقٍ لَا تَبْطُلُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، بَلْ الظَّاهِرُ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ بُطْلَانُ سُجُودِ السَّاجِدِ عَمْدًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يَرَى السُّجُودَ عِنْدَهَا، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى الْعَزَائِمِ الْأُمُورُ الْمَطْلُوبَةُ لَا عَلَى وَجْهِ
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206] وَهُوَ آخِرُهَا فَمَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَإِذَا سَجَدَهَا قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْأَنْفَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَفِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] وَفِي النَّحْلِ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وَفِي مَرْيَمَ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] وَفِي الْحَجِّ أَوَّلُهَا ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] وَفِي الْفُرْقَانِ ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] وَفِي الْهُدْهُدِ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] وَفِي الم تَنْزِيلُ: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وَفِي ص ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] وَقِيلَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 25] وَفِي حم تَنْزِيلُ ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]
وَلَا يَسْجُدُ السَّجْدَةَ فِي التِّلَاوَةِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ
وَيُكَبِّرُ لَهَا
[الفواكه الدواني]
الرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّ الْعَزِيمَةَ مَا قَابَلَتْ الرُّخْصَةَ، كَقَصْرِ الصَّلَاةِ وَفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَمَسْحِ الْخُفِّ، فَهَذِهِ الْأَفْعَالُ لَا يُقَالُ لَهَا عَزَائِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ رُخَصٌ جَمْعُ رُخْصَةٍ، وَسُمِّيَتْ بِالْعَزَائِمِ لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِهَا خَشْيَةَ تَرْكِهَا وَهُوَ مَكْرُوهٌ أُولَاهَا سَجْدَةٌ (فِي المص) الْأَعْرَافِ (عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206] وَهُوَ آخِرُهَا، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ وَهُوَ آخِرُهَا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ فَمَا بَالُهُ نَصَّ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ: نَصَّ إمَّا لِتَنْبِيهِ الْجَاهِلِ بِأَنَّهُ آخِرُهَا أَوْ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَمَنْ كَانَ) فِي حَالِ قِرَاءَةِ تِلْكَ السُّورَةِ (فِي صَلَاةٍ) فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً أَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ، وَلَوْ مَعَ تَعَمُّدِ قِرَاءَتِهَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُهَا، وَإِنْ كُرِهَ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ، بَلْ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيِ حُرْمَةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ الْمُقْبِلِ (فَإِذَا سَجَدَهَا قَامَ فَقَرَأَ) نَدْبًا (مِنْ الْأَنْفَالِ أَوْ غَيْرِهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ لِسَاجِدِ الْأَعْرَافِ قِرَاءَةٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِبَ قِرَاءَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِمَنْ قَرَأَ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهَا عَدَمُ جَوَازِ قِرَاءَةِ الْأَنْفَالِ أَوْ غَيْرِهَا، لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَعَدُّدِ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي صَلَاةٍ: أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَالتَّالِي لِحِزْبِهِ مَثَلًا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْدَ السُّجُودِ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا بِقَصْدِ التِّلَاوَةِ (وَ) ثَانِيَتُهَا: (فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] وَفِي هَذِهِ مَدَحَ السَّاجِدِينَ (وَ) ثَالِثَتُهَا: (فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ [النحل: 50] أَيْ عَذَابَ رَبِّهِمْ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] فَالْفَوْقِيَّةُ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ لِاسْتِحَالَةِ الْحِسِّيَّةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى.
(وَ) رَابِعَتُهَا: (فِي بَنِي إسْرَائِيلَ) وَهِيَ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وَفِي هَذِهِ أَيْضًا الْمَدْحُ لِلسَّاجِدِينَ (وَ) خَامِسَتُهَا: (فِي مَرْيَمَ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] وَفِيهِ مَدْحٌ لِلسَّاجِدِينَ أَيْضًا.
(وَ) سَادِسَتُهَا: (فِي الْحَجِّ أَوَّلُهَا) بَدَلٌ مِنْ الْحَجِّ (عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] فَفِيهِ ذَمٌّ لِمَنْ لَمْ يَسْجُدْ وَيُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ أَوَّلُهَا بِذِكْرِ الْآيَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الَّتِي فِي آخِرِ السُّورَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَ) سَابِعَتُهَا: (فِي الْفُرْقَانِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] وَفِيهِ ذَمٌّ لِلتَّارِكِينَ.
(وَ) ثَامِنَتُهَا: (فِي) سُورَةِ (الْهُدْهُدِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] وَفِيهِ تَوْحِيدٌ لِلْبَارِّي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(وَ) تَاسِعَتُهَا: (فِي الم تَنْزِيلُ) السَّجْدَةِ (عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وَفِيهِ مَدْحٌ لِلسَّاجِدِينَ.
(وَ) عَاشِرَتُهَا: (فِي ص عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ [ص: 25] كَالْجَزَاءِ عَلَى السُّجُودِ، وَهَلْ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ السُّجُودِ لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؟ (وَقِيلَ) مَحَلُّهُ (عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 25] وَفِيهِ مَدْحٌ أَيْضًا.
(وَ) حَادِي عَشْرَتَهَا: (فِي حم تَنْزِيلُ) فُصِّلَتْ (عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37] عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي ارْتَضَاهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَصَادَ وَأَنَابَ وَفُصِّلَتْ تَعْبُدُونَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ السُّجُودِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّسْخِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْإِحْدَى عَشْرَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَجَدَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى فِي النَّجْمِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62] وَأَنَّهَا أَوَّلُ سَجْدَةٍ أَعْلَنَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَرَمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ سِوَى أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ رَفَعَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ إلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِي هَذَا، فَإِنَّهُ نُسِخَ بِدَلِيلِ إجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَقُرَّائِهَا عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ فِيهَا مَعَ تَكَرُّرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا لَيْلًا وَنَهَارًا أَوْ لَا يَجْمَعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةٍ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى شَرْطِ السُّجُودِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَسْجُدُ) مَنْ يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ (السَّجْدَةَ فِي
وَلَا يُسَلِّمُ مِنْهَا وَفِي التَّكْبِيرِ فِي الرَّفْعِ مِنْهَا سَعَةٌ، وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا
وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ
[الفواكه الدواني]
التِّلَاوَةِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ) أَوْ بَدَلِهِ مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَتَبْطُلُ بِدُونِهَا وَلَوْ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ، فَإِنْ قَرَأَ سُورَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتِ نَهْيٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَهَلْ يَحْذِفُ مَوْضِعَ السُّجُودِ خَاصَّةً كَ يَشَاءُ فِي الْحَجِّ، وَكَالْعَظِيمِ فِي النَّمْلِ، أَوْ يَحْذِفُ الْآيَةَ جُمْلَةً تَأْوِيلَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِالْعِطْفِ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا أَوْ الْآيَةَ تَأْوِيلَانِ.
(وَ) صِفَةُ فِعْلِ السَّجْدَةِ أَنْ (يُكَبِّرَ لَهَا) عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَبِّرْ لِخَفْضٍ وَرَفْعٍ وَلَوْ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا، وَهَذَا فِي الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، وَفِي غَيْرِهَا فِيهِ خِلَافٌ، وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ التَّكْبِيرُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ تَكْبِيرِهَا كَتَكْبِيرِ الصَّلَوَاتِ السُّنِّيَّةِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ إنَّهُ لَا إحْرَامَ لَهَا، وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ عِنْدَ خَفْضِهِ وَرَفْعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ بِلَا إحْرَامٍ، وَسَلَامُ قَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ فَقَطْ وَمُعَلِّمٍ وَمُتَعَلِّمٍ، وَمُرَادُ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: بِلَا إحْرَامٍ أَيْ زَائِدٍ مَعَ تَكْبِيرِ الْخَفْضِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَنْوِي فِعْلَ السَّجْدَةِ عِنْدَ خَفْضِهِ لِأَنَّهَا عَمَلٌ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمَنْ قَالَ بِلَا إحْرَامٍ وَلَا نِيَّةٍ لَا يَظْهَرُ كَلَامُهُ، بَلْ الْمَنْفِيُّ الْإِحْرَامُ الْمَعْرُوفُ بِالنِّيَّةِ مَعَ رَفْعِ يَدَيْنِ وَتَكْبِيرَةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ فِعْلِهَا.
(وَ) إذَا كَبَّرَ عِنْدَ فِعْلِ السَّجْدَةِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ (لَا يُسَلِّمُ مِنْهَا) بَلْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ فَلَا يُكْرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَفِي النَّفْسِ مِنْ عَدَمِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ شَيْءٌ، وَلَمَّا قَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ طَلَبُ التَّكْبِيرِ ذَكَرَ مُقَابِلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي التَّكْبِيرِ فِي) حَالِ (الرَّفْعِ مِنْهَا سَعَةٌ وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا) يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي التَّكْبِيرِ وَعَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْمَشْهُورِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَكْبِيرِهِ لِلْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَإِنْ نَسَبَ غَيْرَهُ مَالِكٌ أَيْضًا.
1 -
(تَتِمَّةٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا يَقُولُهُ السَّاجِدُ فِي حَالِ سُجُودِهِ، وَلْنَذْكُرْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ: وَيُسَبِّحُ السَّاجِدُ فِي سُجُودِهِ أَوْ يَدْعُو، فَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» وَالضَّمِيرُ فِي تَقَبَّلْتهَا رَاجِعٌ لِمُطْلَقِ السَّجْدَةِ لَا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ سَجْدَةَ دَاوُد لَمْ تَكُنْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.
وَلَمَّا كَانَ فِعْلُ السَّجْدَةِ مَطْلُوبًا حَتَّى فِي الصَّلَاةِ قَالَ: (وَيَسْجُدُهَا) أَيْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ كُلُّ (مَنْ قَرَأَهَا) وَلَوْ كَانَ (فِي الْفَرِيضَةِ) فَذًّا كَانَ أَوْ إمَامًا، لَكِنْ يُطْلَبُ مِنْهُ الْجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ لِيُعْلِمَ النَّاسَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَهَرَ إمَامُ السِّرِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ وَسَجَدَ تَبِعَهُ مَأْمُومُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّهْوِ، فَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ الْمَأْمُومُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِسُجُودِهَا وَإِنْ كُرِهَ لَهُ تَعَمُّدُ قِرَاءَتِهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَسْجُدُهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ لَا تَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(وَ) كَذَا يَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي صَلَاةِ (النَّافِلَةِ) بِالْأَوْلَى مِنْ سُجُودِهَا فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لِعَدَمِ كَرَاهَةِ تَعَمُّدِ قِرَاءَتِهَا فِي النَّافِلَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ يَدْخُلْ فِي الْوَعِيدِ، وَإِنْ سَجَدَ يَزِيدُ فِي سُجُودِ الْفَرِيضَةِ، عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى التَّخْلِيطِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَهَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لَا يَسْجُدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِنِظَامِ الْخُطْبَةِ، وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِيهَا الْكَرَاهَةُ كَمَا يُكْرَهُ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ، وَإِنْ وَقَعَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي الْخُطْبَةِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ نَهَى عَنْ السُّجُودِ فِيهَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ نُزُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَسُجُودِهِ فَلَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلٌ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ.
1 -
الثَّانِي: لَوْ سَهَا الْمُصَلِّي عَنْ السُّجُودِ عَقِبَ قِرَاءَتِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّجَاوُزُ يَسِيرًا كَالْآيَةِ وَنَحْوِهَا سَجَدَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ قِرَاءَتِهَا وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ، وَإِنْ جَاوَزَهَا بِكَثِيرٍ رَجَعَ إلَيْهَا فَقَرَأَهَا ثُمَّ سَجَدَ وَرَجَعَ إلَى حَيْثُ انْتَهَى مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَسَوَاءٌ مَنْ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَكِنْ مَنْ فِي صَلَاةٍ يَعُودُ لِقِرَاءَتِهَا وَلَوْ فِي الْفَرْضِ مَا لَمْ يَنْحَنِ، فَإِذَا انْحَنَى لِلرُّكُوعِ لَا يَرْجِعُ مِنْهُ وَتَفُوتُ السَّجْدَةُ فِي الْفَرْضِ وَلَا يَقْرَؤُهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِكَرَاهَةِ تَعَمُّدِهَا بِالْفَرِيضَةِ، وَيُسْتَحَبُّ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ فِعْلُهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَسْجُدُهَا قَبْلَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَتُقَدَّمُ بِسَبَبِهَا، أَوْ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ السُّجُودِ يَقْرَأُ السُّورَةَ قَوْلَانِ.
1 -
الثَّالِثُ: إذَا كَانَ الْقَارِئُ لِلسَّجْدَةِ إمَامًا وَتَرَكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَتْرُكُهَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّجُودِ، وَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ هَذَا فِي الْمُسْتَمِعِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَإِنْ سَجَدَهَا الْمَأْمُومُ دُونَ إمَامِهِ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَمَّا سَهْوًا فَلَا، لِحَمْلِ الْإِمَامِ لِسَهْوِهِ الْيَسِيرِ، كَمَا أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِتَرْكِ السُّجُودِ خَلْفَ إمَامِهِ السَّاجِدِ وَلَوْ عَمْدًا فِي الْإِحْدَى عَشْرَةَ الْمَشْهُورَةِ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ بِعَدَمِ تَبَعِيَّتِهِ الْإِمَامَ، وَلَمَّا كَانَ الْقَارِئُ يَسْجُدُهَا فِي
وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
[الفواكه الدواني]
الصَّلَاةِ، وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ.
شَرَعَ فِي وَقْتِ سُجُودِهَا لِغَيْرِ الْمُصَلِّي بِقَوْلِهِ: (وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَوْ (بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تُسْفِرْ الشَّمْسُ) أَيْ يَظْهَرُ الضَّوْءُ، وَتُسْفِرُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْفَارِ وَهُوَ الضَّوْءُ.
(وَ) سَجَدَهَا (بَعْدَ) أَدَاءِ فَرْضِ (الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) عَلَى الْجُدْرَانِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ جِنَازَةٌ وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: يَسْجُدُهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ مَا لَمْ يَحْصُلْ إسْفَارٌ وَاصْفِرَارٌ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَفَارَقَتْ النَّوَافِلَ الْمَحْضَةَ، وَمِثْلُهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَتُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ مَا عَدَا وَقْتَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى الْمَنْعِ فِيهِ، وَهُوَ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَبَعْدَ الْإِسْفَارِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْجَوَازِ قَبْلَ الِاصْفِرَارِ اهـ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ، وَفِي قَوْلِهِ: الْمُتَّفَقُ عَلَى الْمَنْعِ فِيهِ إلَخْ تَأَمَّلْ، إذْ الْمَمْنُوعُ عَلَى الْمَشْهُورِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْغُرُوبِ أَوْ الطُّلُوعِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاصْفِرَارِ أَوْ الْإِسْفَارِ فَالْحُكْمُ الْكَرَاهَةُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ خَلِيلٍ فَافْهَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْفَاكِهَانِيِّ الْمَنْعَ مَا قَابَلَ الْجَوَازَ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ فِي الْإِسْفَارِ.
1 -
(تَتِمَّةٌ) : قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ وَالْمُتَعَلِّمَ يُخَاطَبَانِ بِالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْرُجَانِ عَنْ الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَلَكِنْ قَدْ يَقْرَأُ الْقَارِئُ الْمُتَعَلِّمُ عَلَى الْمُعَلِّمِ سُوَرًا كَثِيرَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي سُجُودِهِ مَرَّةً أَوْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ السُّوَرِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهُ أَنَّهُمَا يَسْجُدَانِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَوْ كَرَّرَ الْمُتَعَلِّمُ سُوَرًا، وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّدَ الْمُتَعَلِّمُ وَالْمُعَلَّمُ وَاحِدٌ فَلَا إشْكَالَ فِي سُجُودِ جَمِيعِ الْمُتَعَلِّمِينَ كُلُّ وَاحِدٍ سَجْدَةً؛ لِأَنَّ سُجُودَ زَيْدٍ لَا يُغْنِي عَنْ سُجُودِ عَمْرٍو، وَأَمَّا الْمُعَلِّمُ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ مَعَ الْمُتَعَلِّمِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَرَأَ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ السُّورَةَ الَّتِي قَرَأَهَا الْأَوَّلُ، وَإِنْ قَرَأَ الثَّانِي غَيْرَ سُورَةِ الْمُتَعَلِّمِ الْأَوَّلِ فَفِي سُجُودِ الْمُعَلِّمِ مَعَ الثَّانِي خِلَافٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ مِمَّنْ لَهُ حِزْبٌ يَقْرَؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ مَثَلًا فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: فِيهِ أَصْلُ الْمَذْهَبِ تَكْرِيرُ السُّجُودِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحِزْبِ الْوَرْدُ الَّذِي اعْتَادَ قِرَاءَتَهُ لَا الْحِزْبُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي هُوَ مِنْ تَجْزِئَةِ سِتِّينَ.
بَابٌ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ وَمَنْ سَافَرَ مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ فَلَا يَقْصُرُهَا
وَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَ الْمِصْرِ وَتَصِيرَ خَلْفَهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا بِحِذَائِهِ مِنْهَا شَيْءٌ ثُمَّ لَا يُتِمُّ حَتَّى يَرْجِعَ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي صَلَاة السَّفَر]
(بَابٌ فِي) صِفَةِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (السَّفَرِ)
لِأَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا قَطْعُ مَسَافَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لِقَصْدٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ سَفَرًا مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ السَّفَرِ وَهُوَ الظُّهُورُ وَالْكَشْفُ، يُقَالُ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ وَيَكْشِفُهَا، قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَ رَجُلًا عِنْدَهُ: هَلْ سَافَرْت مَعَهُ؟ وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ الْمَسَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ سَافَرَ) أَيْ شَرَعَ فِي سَفَرٍ (مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) ذَهَابًا مَقْصُودًا قَطَعَهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَلَوْ قَطَعَهَا فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِنَحْوِ طَيَرَانٍ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الشَّرْعِ لِلْمَسَافَةِ، وَالْبُرُدُ بِضَمِّ الْبَاءِ جَمْعُ بَرِيدٍ وَقَدْرُهُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْبَعَةُ بُرُدٌ (ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا) هَاشِمِيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ بَعْضُهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ فِي الْبَحْرِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْبَرُّ أَوْ الْبَحْرُ، وَلِلْبَعْضِ تَفْصِيلٌ اُنْظُرْهُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ،
وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمِيلِ فَقِيلَ أَلْفًا ذِرَاع وَشَهَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالذِّرَاعُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الْمِرْفَقِ إلَى آخِرِ الْأُصْبُعِ الْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أُصْبُعًا كُلُّ أُصْبُعٍ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ بَطْنُ إحْدَاهُمَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى كُلُّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِأَقَلِّ الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَحَدُّهَا بِالزَّمَانِ سَفَرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ الْمُعْتَادَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْمَشْهُورُ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَيْضًا أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَقْصُرُ فِي أَرْبَعِينَ، وَجَوَابُ مَنْ سَافَرَ إلَخْ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصُرَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ (الصَّلَاةَ) الرُّبَاعِيَّةَ الْوَقْتِيَّةَ أَوْ الْفَائِتَةَ فِيهِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَعَلَيْهِ الْمُتَأَكَّدُ لَا الْوُجُوبُ الْحَقِيقِيُّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ أَنْكَرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ وَلَوْ بِبَحْرٍ ذَهَابًا قُصِدَتْ دَفْعَةً قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ وَقْتِيَّةٍ أَوْ فَائِتَةٍ فِيهِ أَوْ نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْقَصْرِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا سَافَرُوا قَصَرُوا» ثُمَّ فَسَّرَ الْقَصْرَ بِقَوْلِهِ: (فَيُصَلِّي) الرُّبَاعِيَّةَ الْحَاضِرَةَ أَوْ الْفَائِتَةَ فِي السَّفَرِ (رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ فَلَا يَقْصُرُهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُصِرَتْ صَارَتْ رَكْعَةً وَنِصْفًا وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ.
، وَإِنْ كَمُلَتْ كَتَكْمِيلِ طَلْقَةِ الْعَبْدِ صَارَتْ شَفْعًا فَيَفُوتُ غَرَضُ الشَّارِعِ مِنْ جَعْلِهَا وِتْرًا، وَمَفْهُومُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ أَنَّ مَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْهَا لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ الْقَصْرُ، وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ مُحَصِّلُهُ أَنَّ نَحْوَ الْمَكِّيِّ وَالْمَنْوِيِّ وَالْمُزْدَلِفِيِّ يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي حَالِ خُرُوجِهِمْ لِعَرَفَةَ لِلنُّسُكِ فَقَطْ وَرُجُوعِهِمْ مِنْهَا، وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ الْقَصْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَلَكِنْ إنْ قَصَرَ فِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا فَأَقَلَّ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَتُعَادُ أَبَدًا، وَإِنْ قَصَرَ فِي أَرْبَعِينَ مِيلًا فَصَحِيحَةٌ وَلَا تُعَادُ وَلَا فِي الْوَقْتِ، وَإِذَا قَصَرَ فِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسَةِ وَثَلَاثِينَ فَفِي إعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمِهَا قَوْلَانِ هَكَذَا فَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَفِي التَّوْضِيحِ: أَنَّ مَنْ قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ يُعِيدُ أَبَدًا وَلَعَلَّهُ طَرِيقَةٌ لِغَيْرِ ابْنِ رُشْدٍ وَتَفْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْ سَافَرَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَشَقَّةُ الصَّلَاةِ بِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
(تَنْبِيهٌ) : مَنْ سَافَرَ وَبِهِ مَانِعٌ كَحَيْضٍ أَوْ كُفْرٍ ثُمَّ زَالَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ انْتَظَرَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَغَيْرُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَبْدَأَ الْقَصْرِ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَقْصُرُ) أَيْ لَا يَصِحُّ قَصْرُ الْمُسَافِرِ (حَتَّى يُجَاوِزَ) أَيْ يَتَعَدَّى (الْبَلَدِيُّ بُيُوتَ الْمِصْرِ وَتَصِيرَ خَلْفَهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا بِحِذَائِهِ مِنْهَا شَيْءٌ) قَالَ خَلِيلٌ: إنْ عَدَّى الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ الْمُتَّصِلَةَ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالْبَسَاتِينِ الَّتِي يَرْتَفِقُ أَهْلُهَا وَمَسَاكِنُهَا بِمَرَافِقَ الْمُتَّصِلَةِ مِنْ أَخْذِ نَارٍ وَطَبْخٍ
إلَيْهَا أَوْ يُقَارِبَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ
وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ أَوْ مَا يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ
[الفواكه الدواني]
وَخُبْزٍ وَمَا يُحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْكُونَةِ مَا تُسْكَنُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ مُجَاوَزَتِهَا أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبِنَاءِ الْخَرَابِ الْخَالِي مِنْ السُّكَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهُ، وَمِثْلُ الْبَسَاتِينَ فِي اعْتِبَارِ الْمُجَاوَزَةِ الْقَرْيَتَانِ إذَا اتَّصَلَتَا أَوْ اشْتَدَّ قُرْبُهُمَا بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ أَهْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِأَهْلِ الْأُخْرَى فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُجَاوِزَ الْأُخْرَى وَيَنْفَصِلَ عَنْ الْقَرْيَتَيْنِ، لَا إنْ بَعُدَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِقُ أَهْلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَلَا يُعْتَبَرُ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ مِنْ إحْدَاهُمَا مُجَاوَزَةُ الْأُخْرَى، وَأَمَّا الْمَزَارِعُ وَالْبَسَاتِينُ الْمُنْفَصِلَةُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَانَتْ بَلَدَ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كَانَتْ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ مِنْ سُورِ الْبَلَدِ وَإِلَّا فَمِنْ آخِرِ بُنْيَانِهَا وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْجُمُعَةَ كَمَا تَلْزَمُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْبَسَاتِينِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبَسَاتِين، وَأَمَّا الْقَرْيَةُ الَّتِي لَا بَسَاتِينَ لَهَا فَيَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ بِنَائِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ غَيْطِهَا وَمَزَارِعِهَا، وَالْجَبَلِيُّ يَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَنْزِلِهِ، وَالْعَمُودِيُّ بِمُجَاوَزَتِهِ مَحَلَّتَهُ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَنْزِلُ إقَامَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْجَمِيعِ حَيْثُ جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ اسْمُ الدَّارِ فَقَطْ، أَوْ اسْمُ الْحَيِّ حَيْثُ كَانَ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِلَّا قَصَرَ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَنْزِلِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: بَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الْقَصْرِ قَصْدُ قَطْعِ الْمَسَافَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَزْحِ، لَا إنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي خِلَالِهِمَا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ بِقَطْعٍ وَلَا إقَامَةٍ فَلَا يَقْصُرُ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الرَّاعِي وَلَا التَّائِهُ وَلَا الْهَائِمُ، وَمِنْ الشُّرُوطِ كَوْنُ السَّفَرِ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ، فَلَا يَقْصُرُ الْعَاصِي وَلَا اللَّاهِي، فَإِنْ قَصَرَ فَعِنْدَ ابْنِ نَاجِي أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ اللَّقَانِيُّ.
إنْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ يُعِيدُ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ مَكْرُوهًا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ.
وَأَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ قَصْرِهِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ إلَى طَوِيلَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَيْضًا أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِمُقِيمٍ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَلَيْسَ مِنْ الشُّرُوطِ الْبُلُوغُ عَلَى مَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ عَلَى التَّصْرِيحِ بِاشْتِرَاطِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْبَحْثُ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُ الْقَصْرِ حَتَّى لِلصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ رُخْصَتَهُ شُرِعَتْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ الْمُسَافِرِ، وَالصَّبِيُّ الْمُسَافِرُ أَوْلَى بِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْبَالِغِ، وَأَيْضًا الرُّبَاعِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِ وَحُطَّ عَنْهُ شَطْرُهَا، وَمَنْدُوبَةٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، فَكَيْفَ يُحَطُّ شَطْرُ الْوَاجِبِ دُونَ الْمَنْدُوبِ؟ وَأَيْضًا قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَأُلْحِقَ خِطَابُ الصِّبْيَانِ بِغَيْرِ الْفَرَائِضِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَإِنْ قِيلَ: الرُّخْصَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَالِغِ، نَقُولُ: يَرُدُّهُ إبَاحَةُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا عَلَى الصَّغِيرِ الْمُضْطَرِّ وَحُرِّرَ الْحُكْمُ.
الثَّانِي: حُكْمُ السَّفَرِ الْإِبَاحَةُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَالسَّفَرِ لِحُجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْتَطِيعِ، وَكَسَفَرِ الْغَزْوِ فِي حَقِّ الذَّكَرِ الْقَادِرِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ النَّدْبُ كَالسَّفَرِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ الْحُرْمَةُ كَالسَّفَرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ تَعْرِضُ كَرَاهِيَةٌ كَالسَّفَرِ لِصَيْدِ اللَّهْوِ وَالْإِبَاحَةُ كَالسَّفَرِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ لِتَكْثِيرِ الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ قُرْبَةٍ بِهِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ فِي سَفَرِ الطَّلَبِ، وَأَمَّا سَفَرُ الْهَرَبِ كَالسَّفَرِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْحَرَامُ بِحَيْثُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ السَّاكِنُ، وَكَالسَّفَرِ مِنْ بَلَدٍ يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ الْإِهَانَةُ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ أَوْ تُسَبُّ فِيهِ الصَّحَابَةَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ.
وَلَمَّا بَيَّنَ مَحَلَّ بَدْءِ الْقَصْرِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُنْتَهَاهُ فِي الرُّجُوعِ فَقَالَ: (ثُمَّ) بَعْدَ مُجَاوَزَةِ مَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ مِنْ بَسَاتِينِ الْمِصْرِ وَمَا فِي حُكْمِهَا يَسْتَمِرُّ يَقْصُرُ وَ (لَا يُتِمُّ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا) أَيْ فِي بُيُوتِ الْمِصْرِ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا وَيَدْخُلُهَا بِالْفِعْلِ (أَوْ يُقَارِبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ) فَإِنْ دَخَلَهَا أَوْ قَارَبَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ،؛ لِأَنَّ دُخُولَ بَلَدِ الْمُسَافِرِ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَلَوْ غَلَبَةً.
قَالَ خَلِيلٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَقَطْعُهُ دُخُولَ بَلْدَةٍ وَإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ حَالُ ابْتِدَاءِ الْقَصْرِ مِنْ انْتِهَائِهِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِكَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ التَّابِعِ لِابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: مُنْتَهَاهُ فِي الدُّخُولِ كَابْتِدَائِهِ فِي الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ قَالَ: سُنَّ لِمُسَافِرٍ قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ إنْ عَدَّى الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ إلَخْ إلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْهُ بِدَعْوَى حَذْفٍ فِي الْكَلَامِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: إلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ أَيْ إلَى مِثْلِ مَحَلِّ الْبَدْءِ، وَيَكُونُ إشَارَةً إلَى بَيَانِ مُنْتَهَاهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ لَا الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بَلْ يَكُونُ سَاكِتًا عَنْهُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ يَسْتَمِرُّ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ بِالْفِعْلِ أَوْ يُقَارِبَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُدَوَّنَةُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُصَنِّفُ سَكَتَ عَمَّا بَيَّنَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٌ وَهُوَ مُنْتَهَاهُ
حَتَّى يَظْعَنَ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ
وَمَنْ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ صَلَّاهُمَا سَفَرِيَّتَيْنِ فَإِنْ بَقِيَ قَدْرُ مَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةً صَلَّى الظُّهْرَ حَضَرِيَّةً وَالْعَصْرَ سَفَرِيَّةً وَلَوْ دَخَلَ لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ نَاسِيًا لَهُمَا صَلَّاهُمَا حَضَرِيَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً وَالْعَصْرَ حَضَرِيَّةً وَإِنْ
[الفواكه الدواني]
بِالنِّسْبَةِ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ وَهُوَ الْبَسَاتِينُ إنْ كَانَ لِلْبَلْدَةِ الَّتِي يُرِيدُ دُخُولَهَا بَسَاتِينَ، أَوْ دُخُولَ بُيُوتِهَا إنْ كَانَتْ قَرْيَةً، أَوْ الْوُصُولَ إلَى الْحِلَّةِ فِي حَقِّ الْعَمُودِيِّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْتَهَى يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَحِلُّ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ وَاَلَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ، فَاَلَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى كَالْمُبْتَدَأِ، وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَمُنْتَهَاهُ دُخُولُ الْبَلْدَةِ أَوْ مُقَارَبَتُهَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ عُمَرَ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَحْمِلُ الدَّاخِلَ فِي أَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ مُسَافِرًا، وَآخِرَ الْكَلَامِ يَجْعَلُهُ فِيهِ مُقِيمًا، وَهَذَا لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ تَنَاقُضٌ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجَوَابِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلَيْنِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْمُصَنِّفِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ مِنْ إتْيَانِهِ بِأَوْ إشَارَةً إلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتِمْرَارُ الْقَصْرِ إلَى الدُّخُولِ فِي حَقِّ مَنْ اسْتَمَرَّ سَائِرًا وَلَمْ يَنْزِلْ، وَالْإِتْمَامُ فِي حَقِّ مَنْ نَزَلَ بِقُرْبِ الْبَلَدِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الدَّاخِلِ بِالْبَلَدِ، وَأَجَابَ ابْنُ عُمَرَ الْمُسْتَشْكِلُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ يُقَارِبُهَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: حَتَّى يَرْجِعَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَسْتَمِرُّ يَقْصُرُ حَتَّى يُقَارِبَ بُيُوتَ الْمِصْرِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ نَزَلَ خَارِجَ الْبَلَدِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ وَعَلَيْهِ الْعَصْرُ مَثَلًا وَلَمْ يَدْخُلْ الْبَلَدَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَأْتِي بِهَا سَفَرِيَّةً، وَعَلَى الثَّانِي يَأْتِي بِهَا حَضَرِيَّةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالدُّخُولِ فِي الْبَلَدِ، وَالْقُرْبُ مِنْهَا كَالْقُرْبِ مِنْ الْبَلَدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَسَافَةِ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ نَاجِي، خِلَافًا لِشَيْخِهِ فِي عَدِّهَا مِنْ الْمَسَافَةِ، وَكَانَ الْأُجْهُورِيُّ يُقَرِّرُ فِي دَرْسِهِ أَنَّ الصَّوَابَ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي قَائِلًا: لَا مَعْنَى لِعَدِّهَا مِنْ الْمَسَافَةِ مَعَ اشْتِرَاطِ مُجَاوَزَتِهَا لِجَوَازِ الْقَصْرِ، بَلْ اشْتِرَاطُ مُجَاوَزَتِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الْمَسَافَةِ وَجَعْلِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْبَلَدِ، وَأَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ) فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ (إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) صِحَاحٍ بِلَيَالِيِهَا (بِمَوْضِعٍ) لَيْسَ وَطَنًا لَهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَأَمَّا الْوَطَنُ فَيَجِبُ الْإِتْمَامُ بِدُخُولِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ إقَامَةٍ، وَمِثْلُهُ الْمَحِلُّ الْمُعْتَادُ لِإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِهِ فَأَكْثَرَ كَمَكَّةَ لِلْحَاجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِتْمَامُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهَا.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا إنْ نَوَى إقَامَةً (مَا يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ) جَوَابُ إنْ نَوَى، وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا يُصَلِّي إشَارَةً إلَى طَرِيقِ سَحْنُونٍ، وَقَوْلُهُ أَوَّلًا: وَإِنْ نَوَى إشَارَةً إلَى طَرِيقِ شَيْخِهِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَابْنُ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ مَا يُصَلِّي فِيهِ الْعِشْرِينَ صَلَاةً يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ.
(حَتَّى يَظْعَنَ) بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ يَرْتَحِلَ (مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ) الَّذِي نَوَى فِيهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ وَإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ أَوْ مَكَانِ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا فَقَطْ وَنِيَّةُ دُخُولِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَافَةِ وَنِيَّتِهِ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَلَوْ بِخِلَالِهِ إلَّا الْعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْعِلْمِ بِهَا عَادَةً لَا مُجَرَّدِ الْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ مُقَارَبَةِ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ اعْتِبَارِ الصِّحَّةِ فِي الْأَيَّامِ إلْغَاءُ الْمُكْثِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَائِهِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ مَعَ غَيْرِهِ عَدَمُ الْإِتْمَامِ بِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ كَلَامِهِ مِنْ وَقْتِ الْحَلِفِ حَتَّى تَمْضِيَ الْأَيَّامُ الصِّحَاحُ الزَّائِدَةُ عَلَى يَوْمِ الْحَلِفِ.
(فَرْعٌ) لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَشَكَّ هَلْ هِيَ أَرْبَعَةٌ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا؟ فَإِنْ كَانَ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ أَتَمَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ نِهَايَةَ السَّفَرِ مَحَلٌّ لِلْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ شَكُّهُ الْمَذْكُورُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْقَصْرِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ أَرْبَعَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ، وَبَيَانِ كَوْنِهِمَا أَرْبَعًا إنَّ مُرِيدَ السَّفَرِ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلسَّفَرِ نَهَارًا قَبْلَ فِعْلِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلْحَضَرِ نَهَارًا قَبْلَ فِعْلِهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ لَيْلًا قَبْلَ فِعْلِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، أَوْ يَدْخُلَ لَيْلًا قَبْلَ فِعْلِهِمَا فَقَالَ: (وَمَنْ خَرَجَ) مُسَافِرًا (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) فَأَكْثَرَ (صَلَّاهُمَا سَفَرِيَّتَيْنِ) وَلَوْ كَانَ أَخَّرَهُمَا عَمْدًا لِلْقَصْرِ لَكِنْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَمْدًا، وَإِنَّمَا قَصَرَهُمَا لِلسَّفَرِ فِي وَقْتِهِمَا، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ ثَلَاثٍ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ) لَمْ يُسَافِرْ حَتَّى (بَقِيَ قَدْرُ مَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةً صَلَّى الظُّهْرَ حَضَرِيَّةً) لِخُرُوجِ وَقْتِهَا (وَ) صَلَّى (الْعَصْرَ سَفَرِيَّةً) لِلسَّفَرِ فِي وَقْتِهَا، وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ عَلَى الْعَصْرِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُرُوجِ نَهَارًا، وَأَشَارَ إلَى مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ نَهَارًا بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ دَخَلَ) الْمُسَافِرُ وَطَنَهُ (لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ) فَأَكْثَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعَلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ حَالَةَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا لَهُمَا) أَوْ عَامِدًا (صَلَّاهُمَا حَضَرِيَّتَيْنِ) لِإِدْرَاكِ الْأُولَى بِأَرْبَعٍ وَيَفْضُلُ لِلثَّانِيَةِ رَكْعَةٌ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ نَاسِيًا وَصْفٌ طَرْدِيٌّ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الْخَمْسِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ) الدُّخُولُ إنَّمَا وَقَعَ (بِقَدْرِ) مَا يَسَعُ (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ) قَبْلَ الْغُرُوبِ (صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً)
قَدِمَ فِي لَيْلٍ وَقَدْ بَقِيَ لِلْفَجْرِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ حَضَرِيَّةً وَلَوْ خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ سَفَرِيَّةً.
[الفواكه الدواني]
لِأَنَّهَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ فَيَقْضِيهَا عَلَى صِفَةِ مَا فَاتَتْهُ.
(وَ) صَلَّى (الْعَصْرَ حَضَرِيَّةً) لِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا.
وَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ النَّهَارِيَّتَيْنِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ، وَعَلِمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْخُرُوجِ بِالسَّفَرِيَّتَيْنِ وَفِي الدُّخُولِ بِالْحَضَرِيَّتَيْنِ.
شَرَعَ فِي حُكْمِ اللَّيْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قَدِمَ) الْمُسَافِرُ لِوَطَنِهِ (فِي لَيْلٍ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ بَقِيَ لِلْفَجْرِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرَ فِيمَا يُقَدَّرُ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) وَلَوْ كَانَ أَخَّرَهُمَا عَمْدًا (صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا) لِعَدَمِ قَصْرِهَا (وَ) صَلَّى (الْعِشَاءَ حَضَرِيَّةً) لِقُدُومِهِ فِي وَقْتِهَا.
قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: اُخْتُلِفَ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ هَلْ يُرَاعِي قَبْلَهُ تَقْدِيرَ الطَّهَارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا أَمْ لَا؟ اهـ لَفْظُهُ.
وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقَدَّرُ الطُّهْرُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ إذَا سَافَرَ وَالْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ اهـ، وَأَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِبَارُ تَقْدِيرِ الطُّهْرِ عِنْدَ التَّأْخِيرِ نِسْيَانًا لَا عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ إنَّمَا يُقَدَّرُ لِذَوِي الْأَعْذَارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَعْذُورُ غَيْرُ كَافِرٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِالْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ فَقَالَ: (وَلَوْ خَرَجَ) لِلسَّفَرِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ) مَا يَسَعُ (رَكْعَةً فَأَكْثَرَ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَصَلَّى الْعِشَاءَ سَفَرِيَّةً) ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ فِي وَقْتِهَا وَالْوَقْتُ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، وَلَوْ رَاعَى الْمُصَنِّفُ الْمُنَاسَبَةَ لَقَدَّمَ مَسْأَلَةَ الْخُرُوجِ فِي اللَّيْلِيَّتَيْنِ عَلَى مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ كَمَا فَعَلَ فِي النَّهَارِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَكَسَ فِي اللَّيْلِيَّتَيْنِ.
(خَاتِمَةٌ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ مُسَافِرًا وَلَهُ أَهْلٌ أَنْ يُعَجِّلَ الْأَوْبَةَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ وَالدُّخُولِ ضُحًى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي السُّرُورِ، وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ لَيْلًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَشَرَابَهُ وَطَعَامَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ وَلَا يَطْرُقُهُمْ لَيْلًا كَيْ تَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ وَتُمَشَّطَ الشَّعِثَةُ وَلِئَلَّا يَجِدَ فِي بَيْتِهِ مَا يَكْرَهُ» وَقَدْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ رَجُلَانِ فَوَجَدَ كُلٌّ فِي بَيْتِهِ رَجُلًا، وَالنَّهْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بُلُوغُ الْمُرَادِ، وَالْوُجْهَةُ جِهَةُ سَفَرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِصْحَابُ هَدِيَّةٍ مَعَهُ وَتَكُونُ بِقَدْرِ حَالِهِ.
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ صَلَاةِ السَّفَرِ وَالْجُمُعَةِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ، نَاسَبَ ذِكْرُ الْجُمُعَةِ عَقِبَ صَلَاةِ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ.
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالسَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَذَلِكَ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ
وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي صَلَاة الْجُمُعَةَ]
(بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى أَشْهَرِ لُغَاتِهَا وَبِهِ قُرِئَ وَبِالسَّبْعِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ، وَلُغَةً رَابِعَةً بِكَسْرِ الْمِيمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِ أَجْزَاءِ آدَمَ فِي يَوْمِهَا، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي يَوْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا جُمُعَةً قُصَيٌّ فَإِنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا فِي يَوْمِهَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهَا فِي بَيَاضَةَ لَمَّا «أَنْفَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُ بِإِقَامَتِهَا فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ الْمَذْكُورَ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ وَيَوْمُهَا يَوْمٌ عَظِيمٌ» ، فَفِي الْمُوَطَّإِ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَالْأَكْثَرُ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ بَاقِيَةٌ مَا لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِهَا فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أَخْفَاهَا عَلَى الْعِبَادِ حَتَّى نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِيَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، كَمَا أَخْفَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ، وَكَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا إلَّا فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا أَخْفَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَغِيبَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَأَعْطَى النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ وَالْيَهُودَ يَوْمَ السَّبْتِ وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُصَلِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَكْعَتَانِ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ وَيُسْقِطَانِهَا عَلَى آخَرَ، فَقَوْلُهُ: يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْقُطَانِهَا عَلَى آخَرَ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ وَهُوَ شَاذٌّ، إذْ لَوْ كَانَتْ بَدَلًا مَا صَحَّ فِعْلُهَا مَعَ إمْكَانِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، وَجَمَعَ الْفَاكِهَانِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِيَزُولَ الْإِشْكَالُ الْحَاصِلُ مِنْ فِعْلِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَدَلِيَّةِ فَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا بَدَلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ أَنَّ الظُّهْرَ شُرِعَتْ فِي ابْتِدَاءٍ ثُمَّ شُرِعَتْ الْجُمُعَةُ بَدَلًا مِنْهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْفِعْلِ أَنَّهَا إذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهَا الظُّهْرُ، فَإِضَافَةُ صَلَاةٍ فِي كَلَامِهِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى الِاسْمِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالسَّعْيُ) أَيْ الذَّهَابُ (إلَى) الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِأَجْلِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهَا الْجَامِعُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وَالْأَذَانِ لَهَا، وَتَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُرْمَةِ الِانْفِضَاضِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَ الَّذِينَ انْفَضُّوا مِنْ خَلْفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11] وَذَلِكَ لَمَّا أَقْبَلَتْ الْقَافِلَةُ مِنْ الشَّامِ خَرَجُوا إلَيْهَا وَتَرَكُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَائِمًا يَخْطُبُ، قِيلَ: لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ وَهُمْ الصَّحَابَةُ الْعَشَرَةُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ بِلَالٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَ عَشَرَ فَقِيلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَاللَّهْوُ هُوَ النَّظَرُ إلَى صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَكَانَ أَقْبَلَ مَعَ الْقَافِلَةِ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى طَلَبِ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ
أَنْ يَصْعَدُوا حِينَئِذٍ عَلَى الْمَنَارِ فَيُؤَذِّنُونَ
وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي أَحْدَثَهُ
[الفواكه الدواني]
يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَبَيْنَ زَمَنِ السَّعْيِ لَهَا بِقَوْلِهِ (وَذَلِكَ) أَيْ السَّعْيُ يَكُونُ (عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (أَخَذَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي بِمَعْنَى شَرَعَ (الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ وَجَرِّ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " جُلُوسِ " بِحَيْثُ لَا يَفْرُغُ الْأَذَانُ إلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ جِدًّا بِحَيْثُ يَصِلُ السَّاعِي لَهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْأَذَانِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي إذَا سَعَى فِيهِ يُدْرِكُ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ وُجُوبِ حُضُورِ الْخُطْبَةِ مِنْ أَوَّلِهَا غَيْرُ مُسْلِمٍ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ بِحُضُورِهَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الزَّائِدِ عَلَى مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ كَمَا بَيَّنَّا، فَيَتَعَيَّنُ فَهْمُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ أَذَانِ الْجَمَاعَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلْخُلَفَاءِ وَجَائِزٌ لِغَيْرِهِمْ، وَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّ مَنْ يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ وُقُوفُهُ عَلَى يَسَارِ الْمِحْرَابِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضٌ الْوُقُوفَ عَلَى يَمِينِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.
وَلَمَّا كَانَ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَانِ وَأَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَعَ فِي بَيَانِ كُلٍّ بِقَوْلِهِ: (وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ) الَّتِي كَانَتْ تُفْعَلُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَنْ يَصْعَدُوا) أَيْ الْمُؤَذِّنُونَ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ (عَلَى الْمَنَارِ) فَإِذَا ارْتَقَوْا عَلَيْهِ (فَيُؤَذِّنُونَ) عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ الثَّالِثُ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، وَكَذَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ سَابِقٍ عَلَى الَّذِي كَانَ يُفْعَلُ عَلَى الْمَنَارِ، وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ بِالزَّوْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَرْتَفِعُوا مِنْ السُّوقِ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي زَمَنِ إمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَ بِنَقْلِ الْأَذَانِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ بِأَنْ يُفْعَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عِنْدَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَصَارَ الْأَمْرُ إذَا خَرَجَ هِشَامٌ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ كُلُّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَلَهَا أَذَانَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَالْآخَرُ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ وَعِنْدَهُ يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ.
وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْآذَانَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ فِي زَمَانِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاحِدًا، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ كَانَ عَلَى الْمَنَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَالْمُرَادُ بِالْمَنَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَوْضِعُ الْأَذَانِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَتِهِ الْآنَ.
قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مَا مَعْنَاهُ: مَحَلُّ تَأْخِيرِ صُعُودِ الْمُؤَذِّنِينَ لِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا كَانَ الْمَنَارُ قَرِيبًا مِنْ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بَعِيدًا فَإِنَّهُمْ يَصْعَدُونَ الْمَنَارَ أَوَّلًا ثُمَّ يَرْقَى الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ وَلَكِنْ لَا يُؤَذِّنُونَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ غَيْرُ جَازِمٍ، وَانْدَفَعَ بِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي ثُبُوتِهَا مِنْ تَوَهُّمِ عَطْفِ " يُؤَذِّنُونَ " عَلَى " يَصْعَدُوا " الْمَنْصُوبَ بِأَنْ، وَلَمَّا كَانَ الْأَذَانُ الْوَاقِعُ بَعْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ آكَدَ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ
[الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَقْتَ صَلَاة الْجُمُعَةَ]
قَالَ: (وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ وَقَعَ الْآذَانُ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى مَنَارٍ كَمَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْآنَ (الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ) عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مَعَ مِثْلِهِ، أَوْ مَعَ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْخَطَرِ، إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَمَنْ أَحْدَثَ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ أَوْ الصَّعِيدَ إلَّا بِالثَّمَنِ، فَيَجُوزُ كُلٌّ، مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إنْ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ كَعَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ إلَّا مَعَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ وُجُوبًا فَهَلْ تَتَعَدَّى إلَيْهِ الرُّخْصَةُ وَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ لِضَرُورَةِ الْمُشْتَرِي؟ أَوْ الرُّخْصَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ شُيُوخُ ابْنِ نَاجِي كَالْغُبْرِينِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَقُولُ: الْمَأْخُوذُ مِمَّا يَأْتِي فِي بَيْعِ نَحْوِ الْعَذِرَةِ مِنْ النَّجَاسَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ مَا يَقْتَضِي قَصْرَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَرَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ لِقَوْلِهِ لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ (وَ) لَا مَفْهُومَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَلْ يَحْرُمُ (كُلُّ مَا يُشْغِلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا) كَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْهِبَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ وَالسَّفَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] وَأَوْلَى غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْحَاجَاتِ، فَإِذَا نَهَى عَنْهُ نَهَى عَنْ غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى، وَإِذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ كُلُّ مَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ مَالِيَّةٌ كَالْبَيْعِ وَالتَّوْلِيَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسْخُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَتَوْلِيَةٍ وَشَرِكَةٍ وَإِقَالَةٍ وَشُفْعَةٍ بِأَذَانٍ ثَانٍ، لَا
بَنُو أُمَيَّةَ
وَالْجُمُعَةُ تَجِبُ بِالْمِصْرِ وَالْجَمَاعَةِ
وَالْخُطْبَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَيَتَوَكَّأُ الْإِمَامُ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا
[الفواكه الدواني]
نَحْوِ النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ النَّاجِزِ، وَكَذَا الْكِتَابَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ فَلَا يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ حَرُمَ، وَإِذَا فُسِخَ فَالْفَسْخُ بَعْدَ فَوَاتِهِ فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبْضِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَفَسْخُ بَيْعٍ إلَخْ فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا نِكَاحٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فِي حَالِ سَعْيِهِمَا لِلْجُمُعَةِ، فَقِيلَ يُفْسَخُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْغَلْهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الَّذِي يُفْسَخُ الْعَقْدَ الْمُحَرَّمُ.
وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ فَلَا سَبِيلَ لِفَسْخِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَشَخْصَيْنِ عَلَيْهِمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا قَدْرُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ أَوْ ثَلَاثٍ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَأَبُو عِمْرَانَ بِالْفَسْخِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ بِعَدَمِهِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَغَيْرُهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَقَيَّدْنَا السَّفَرَ بِوَقْتِ الْأَذَانِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ السَّفَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ فَمَكْرُوهٌ، فَالسَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى ثَلَاثِ أَقْسَامٍ مَحَلُّهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا فِي طَرِيقِهِ كَمُرُورِهِ بِمَحَلِّ جُمُعَةٍ، أَوْ يَكُونُ لَهُ رُفْقَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ التَّأْخِيرَ عَنْهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إلَّا جَازَ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرُّفْقَةَ لَا تَلْزَمُهُمْ جُمُعَةٌ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَى الْجَمِيعِ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
(وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي) يَعْنِي الثَّانِيَ فِي الْإِحْدَاثِ وَهُوَ الْأَوَّلُ الْيَوْمَ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعِيدُونَهُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ.
(أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ) بِالزَّوْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَذَانٌ وَاحِدٌ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ عَلَى الزَّوْرَاءِ لِيَرْتَفِعَ النَّاسُ مِنْ السُّوقِ وَيَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارِ، ثُمَّ لَمَّا تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ أَمَرَ بِنَقْلِ الَّذِي عَلَى الزَّوْرَاء إلَى الْمَنَارِ وَاَلَّذِي عَلَى الْمَنَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَوْ قَالَ بَدَلُ بَنِي أُمَيَّةَ عُثْمَانُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالِاقْتِدَاءِ، إنْ كَانَ كَانَ أُمَوِيًّا لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ لَا سِيَّمَا أَنَّهُ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَمَّاهُ مُحْدِثًا وَهُوَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُحْدِثَ الَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ وَقَوْلَ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْأَذَانُ الْوَاقِعُ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ الْآنَ فَهُوَ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ أَوَّلٌ فِي الْفِعْلِ وَثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالْوَاقِعُ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالنَّاقِلُ لَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَهُوَ غَيْرُ الْمُحْدِثِ لِلثَّانِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ احْتَرَزَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ السُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَهِيَ الْمَشْرُوعَةُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لِلْأَذَانِ الْأَوَّلِ الْيَوْمَ الَّذِي يُفْعَلُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَوْلُهُ: وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي إشَارَةٌ إلَى السُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِثَانَوِيَّتِهِ أَنَّهُ ثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالْإِحْدَاثُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي الْفِعْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي عَلَى الْمَنَارِ الْيَوْمَ هُوَ مَا كَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَاَلَّذِي بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ هُوَ مَا كَانَ عَلَى الْمَنَارِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِنَقْلِهِ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ صَادِرًا مِنْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُلُوكِ كَانَ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالْكَرَاهَةُ مِنْ حَيْثُ فِعْلِهِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ الْمَنَارُ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمُنْتَهَى وَقْتِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ فِي الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، وَهَلْ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ وَصَحَّحَ أَوَّلًا رِوَايَتَانِ، وَمِمَّنْ قَالَ إنَّ وَقْتَهَا كَوَقْتِ الظُّهْرِ الْأُجْهُورِيُّ، وَيُتَوَجَّهُ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ وَتَصِيرُ الْأُولَى فَائِتَةً يَجِبُ تَرْتِيبُهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ، وَلَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْعَصْرِ فَيَلْزَمُ عَلَى فِعْلِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِعْلُهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا فَائِتَةٌ يَسِيرَةٌ مَعَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ،
وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْصَارِ قَالَ: (وَ) صَلَاةُ (الْجُمُعَةِ تَجِبُ بِالْمِصْرِ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ الْعَيْنِيَّةِ، وَالْمِصْرُ هُوَ الْبَلَدُ الْكَبِيرُ الَّذِي بِهِ مَنْ يُقِيمُ الْأَحْكَامَ وَالْحُدُودَ.
(وَ) كَذَلِكَ تَجِبُ بِالْقُرَى الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ ذَاتِ (الْجَمَاعَةِ) وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
إمَامٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُرَى أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِالطُّوبِ وَالْأَحْجَارِ، بَلْ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَخْصَاصٍ مَصْنُوعَةٍ مِنْ خَشَبٍ أَوْ بُوصٍ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، إلَى أَنْ قَالَ: بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ لَا خِيَمٍ، وَبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ مُتَّحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً فَلَا تَصِحُّ فِي الْمَكَانِ الْمُحَجَّرِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ أَوْ مَبْنِيٍّ بِنَاءً خَفِيفًا أَيْ دُونَ الْمُعْتَادِ، وَحَقِيقَةُ الِاسْتِيطَانِ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ عَلَى التَّأْيِيدِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ تَتَقَرَّى بِهَا الْقَرْيَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْجُمُعَةِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةٍ وَيُقَالُ لَهَا شُرُوطُ أَدَاءٍ، وَحَقِيقَتُهَا كُلُّ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ وَهِيَ كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، فَشُرُوطُ الصِّحَّةِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَاسْتِيطَانِ بَلَدِهَا، وَوُجُوبُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ ذُكُورًا أَحْرَارًا مُسْتَوْطِنِينَ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى، وَكَوْنُ الْإِمَامِ هُوَ الْخَطِيبُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَوُقُوعُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فِي الْجَامِعِ الْمَبْنِيِّ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَأَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْبَلَدِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ حِينَ بِنَائِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا ابْتِدَاءً بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَاعَا وَالْبَاعُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ، وَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يَعْسُرُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَحَلٍّ وَلَا طَرِيقَ بِجِوَارِهِ تُمْكِنُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ تَعَدُّدُهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا لَوْ ارْتَضَاهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ، وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ حَاجَةُ مَنْ يَغْلِبُ حُضُورُهُ لِصَلَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ كَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَطْلُوبٌ بِالْحُضُورِ وَلَوْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ وُجُودُ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بَلْ لَوْ قِيلَ إنَّ هَذَا أَوْلَى لِجَوَازِ التَّعَدُّدِ لَمَا بَعْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اتِّحَادِ الْجَامِعِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةً وَاحِدَةً، وَ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَفْضَى إلَى، الْمَقْصُودِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ.
قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَمَذْهَبُنَا لَا يُخَالِفُهُ فِي هَذَا، وَشُرُوطُ الْوُجُوبِ الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالتَّكْلِيفُ وَالِاسْتِيطَانُ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى قَصْدِ التَّأْبِيدِ لَا الْإِقَامَةُ الْمُجَرَّدَةُ فَلَا تَجِبُ بِهَا إلَّا تَبَعًا، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْحُضُورِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَرِيضٍ لَا يَسْتَطِيعُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، وَقَوْلُنَا فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ إلَخْ لَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فِي مَحَلِّ الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ مَعَ الْأَمْنِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبِّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ مَشْرُوعِيَّتِهَا عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيُطَالَبُونَ بِحُضُورِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ صَحَّتْ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا بِشَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ جَمِيعِهِمْ، لَا إنْ أَحْدَثَ وَاحِدٌ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَافِعِيًّا لَمْ يُقَلِّدْ مَالِكًا فِي صَلَاتِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْبَلَدِ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ دَائِمًا مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهَا تَتَقَرَّى بِهَا الْقَرْيَةُ فِي أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِنَا وَالْعَادَةُ وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُجَوِّزُ تَخَلُّفَ ذَلِكَ فَافْهَمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِيطَانَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْجَمَاعَةِ لَا فِي الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْإِقَامَةُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْخَلِيفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ الَّذِي هُوَ السُّلْطَانُ تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا بَلْ وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَا يُقَالُ: إذَا كَانَ مَقِيسًا عَلَيْهِ تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: شَأْنُ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ أَحَطَّ مَرْتَبَةً مِنْ أَصْلِهِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةً حَسَنَةً وَهِيَ صِحَّةُ إمَامَةِ مُسَافِرٍ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي قَرْيَةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَطِيبًا فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِكَيْ تَصِحَّ خُطْبَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إلَّا الَّذِي لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الْإِقَامَةَ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَيْضًا صِحَّةَ إمَامَةِ مَنْ قَدِمَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى وَبَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ أَوْ قَدْرُ فَرْسَخٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ كَفَرْسَخٍ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ إمَامَتِهِ حَيْثُ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: إنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ رَاجِعْ شُرَّاحَهُ لِخَلِيلٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي، ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ.
(وَالْخُطْبَةُ فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَاجِبَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِلَا خُطْبَةٍ، فَإِذَا صَلَّوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ أَعَادُوهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَا دَامَ وَقْتُهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا مُشَجِّعًا مُخَالِفًا لِلنَّثْرِ وَالشِّعْرِ بِحَيْثُ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ خُطْبَةً، وَأَنْ تَكُونَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَلَوْ كَانُوا عَجَمًا، وَأَنْ تَكُونَ جَهْرًا وَلَوْ كَانُوا صُمًّا، وَأَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَحْرَارًا مُسْتَوْطِنِينَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا، وَأَنْ تَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ، دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهَا كَجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ مِنْ مَحْضِ قُرْآنٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَحْذِيرٍ وَتَبْشِيرٍ وَبَعْضِ مَوَاعِظَ كَسُورَةِ ق، وَيُسْتَحَبُّ اشْتِمَالُهَا عَلَى الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَلْ فِيهَا لِلْجِنْسِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فَلَوْ صَلَّى
وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا
وَتُقَامُ الصَّلَاةُ عِنْدَ فَرَاغِهَا
وَيُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى
[الفواكه الدواني]
قَبْلَ الْخُطْبَةِ لَمْ تَصِحَّ وَتَجِبُ إعَادَتُهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ خَطَبَ وَصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ بَطَلَتَا وَأُعِيدَتَا، هَذَا مُلَخَّصُ شُرُوطِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَنَظَمَهَا عَلَّامَةُ الزَّمَانِ سَيِّدِي عَلِيُّ أَبُو الْإِرْشَادِ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:
شَرْطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ الذُّكُورَةُ ... تَوَطُّنٌ كَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ
إقَامَةٌ أَيْ لِلْوُجُوبِ تَبِعَا ... وَفَقْدُ عُذْرِ مِثْلِهَا فَاسْتَمِعَا
كَذَا دُخُولُ الْوَقْتِ وَأَلْحِقْ السَّبَبَ ... وُجُوبُهَا كَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ
وَشَرْطُ صِحَّةِ وُقُوعِ الْخُطْبَتَيْنِ ... فِي وَقْتِ ظُهْرٍ لَا سِوَاهُ دُونَ بَيْنِ
كَمَسْجِدٍ مُتَّحِدٍ ذِي بِنْيَةِ ... وَقَرْيَةٍ بِأَهْلِهَا تَقَرَّتْ
وَأَنْ يُصَلِّيَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَا ... لَهَا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مِرَا
وَكَوْنُهُ بِلَا خَفَا مَنْ خَطَبَا ... إلَّا لِعُذْرٍ وَمُقِيمًا صُوِّبَا
وَخُطْبَتَيْنِ قَبْلَهَا وَيَحْضُرُوا ... جَمِيعَ هَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ عَبَّرُوا
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَتَوَكَّأَ الْإِمَامُ) أَيْ يَعْتَمِدُ حَالَ خُطْبَتِهِ (عَلَى عَصًا) أَوْ سَيْفٍ (أَوْ قَوْسٍ) قَالَهُ مَالِكٌ، وَالْمُرَادُ قَوْسُ الْعَرَبِ لَا قَوْسُ الْعَجَمِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِيَدِهِ فِي لِحْيَتِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ لِلْخُطْبَةِ، وَقِيلَ تَخْوِيفِ الْحَاضِرِينَ، وَيَضَعُهُ بِيَمِينِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى عُودِ الْمِنْبَرِ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَجْلِسَ) الْخَطِيبُ (فِي أَوَّلِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ حَتَّى يُفْرَغَ الْأَذَانُ (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يَجْلِسَ (فِي وَسَطِهَا) وَيَقُومُ لِلْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ قَدْرَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ» وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُنْذُ زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْآنَ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْخُطَبِ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَجْلِسُ أَنَّهُ يَخْطُبُ قَائِمًا، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْقِيَامِ فَقِيلَ وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا، وَقِيلَ سُنَّةٌ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا أَسَاءَ وَصَحَّتْ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا فِي عَزَّ وَابْنِ عَرَفَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ (فَائِدَةٌ) : حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ مَعَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ جَلَاءُ الْقُلُوبِ بِسَمَاعِ الْمَوَاعِظِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَمَّا كَانَتْ الْقُلُوبُ تَصْدَأُ بِالْغَفْلَةِ وَالْخَطِيئَةِ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ جَلَاءَهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ بِالْمَوَاعِظِ وَالِاجْتِمَاعِ لِيَتَّعِظَ الْغَنِيُّ بِالْفَقِيرِ وَالْقَوِيُّ بِالضَّعِيفِ وَالصَّالِحُ بِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي الْحَجِّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَبِالِاجْتِمَاعِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عِنْدَ فِعْلِهَا،
وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَأُولَتَيْ الرُّبَاعِيَّةِ فَتَتَّصِلُ بِهَا قَالَ: (وَتُقَامُ الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (عِنْدَ فَرَاغِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ دُونَ الْكَثِيرِ فَتُعَادُ لِأَجْلِهِ الْخُطْبَةُ، وَمِنْ الْفَصْلِ الْيَسِيرِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ خُطْبَتِهِ مَنْسِيَّةً فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْخَطِيبُ، فَإِنْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ إمَامَتَهُ كَحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ فَقَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَفْهُومُهُ لَوْ بَعُدَ لَوَجَبَ اسْتِخْلَافُهُ لِغَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِخْلَافُ حَاضِرِ الْخُطْبَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ وَلَوْ قَرُبَ زَوَالُ عُذْرِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ إلَّا مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْإِمَامَةِ.
(وَ) صِفَةُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْ (يُصَلِّيَ الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) فَتَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ زِيَادَةٍ كَسَجْدَةٍ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ مَعَ السَّهْوِ فَتَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَأَمَّا بِزِيَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ، وَحُكْمُ الْجَهْرِ فِيهَا كَجَهْرِ الْفَرَائِضِ السُّنِّيَّةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ صَلَاةٍ فِيهَا خُطْبَةٌ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ مَا عَدَا خُطْبَةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ، وَإِنْ قَرَأَ فِيهَا سِرًّا عَمْدًا كَانَ كَتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، فَقِيلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالنَّاسِي يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ أَسَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي السُّورَةِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَتَوَهَّمَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَلَّى الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ وَقْفَتَهَا وَقَعَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَحَاجَّهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ نَاظَرَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَا تَكُونُ جُمُعَةً إلَّا كَذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: أَجَهَرَ فِيهَا؟ فَانْقَطَعَ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ فِيهَا، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى الْجَهْرِ فِي الْجُمُعَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِالْجُمُعَةِ) لِمَا
بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وَنَحْوِهَا
وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ وَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ فَأَقَلَّ
وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى أَهْلِ مِنًى وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَإِنْ حَضَرَهَا عَبْدٌ أَوْ
[الفواكه الدواني]
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى قِرَاءَتِهَا فِيهَا.
(وَ) لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا (نَحْوَهَا) مِمَّا هُوَ مُقَارِبٌ لَهَا فِي الطُّولِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْرَأْ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا بِهَا، فَفِي مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى» فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي زِيَادَةِ قَوْلِهِ: أَوْ نَحْوَهَا، وَلَا يُقَالُ: سَبِّحْ لَيْسَتْ نَحْوَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَصْدُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ يَحْصُلُ بِوُرُودِهِ مُطْلَقَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَافْهَمْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ بِ " هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " وَنَحْوِهَا) مِنْ الْقِصَارِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى " أَوْ " هَلْ أَتَاك " أَوْ " إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ " كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ اسْتَحَبَّ فِي الثَّانِيَةِ قِرَاءَةَ: هَلْ أَتَاك فَقَطْ، وَبَعْضُهُمْ يُحَصِّلُ النَّدْبَ فِي الثَّانِيَةِ بِقِرَاءَةِ: سَبِّحْ، أَوْ: إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ، أَوْ: هَلْ أَتَاك، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الثَّانِيَةِ: بِهَلْ أَتَاك وَنَحْوِهَا اقْتِصَارٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَقَالَ: وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك أَوْ هِيَ وَسَبِّحْ أَوْ الْمُنَافِقُونَ.
(وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (عَلَى مَنْ) هُوَ مُسْتَوْطِنٌ (فِي الْمِصْرِ) وَهُوَ الْبَلَدُ الْكَبِيرُ.
قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ قَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْمَصْرِ بَلْ سَائِرُ الْقُرَى الْمُسْتَوْطَنَةِ يَجِبُ عَلَى أَهْلِهَا السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَوْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ لِدُخُولِهِمْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ السَّعْيُ عَلَى (مَنْ) مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ كَانَ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمِصْرِ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَنَارِهِ أَوْ سُورِهِ (فَأَقَلَّ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مَنْزِلُهُ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَرُبْعٍ أَوْ ثُلُثِ مِيلٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي نَفْيِهِ الْوُجُوبَ عَنْ الْخَارِجِ عَنْ الْمِصْرِ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنِّدَاءُ يُسْمَعُ مِنْ الصِّيتِ مِنْ ثَلَاثِ أَمْيَالٍ مَعَ هُدُوءِ الرِّيحِ، وَلَكِنْ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِمَنْ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَلَدِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْهَا وَدَاخِلُ الْفَرْسَخِ تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ خَطِيبًا.
[شُرُوطِ وُجُوبِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ يَذْكُرُ الضِّدَّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجِبُ) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (عَلَى مُسَافِرٍ) بِدَلِيلِ عَدَمِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ عَامَ حَجَّةِ سَنَةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ، وَلَوْ صَلَّاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُسْتَوْطَنَيْنِ بِعَرَفَةَ لَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامَتِهِ الِاسْتِيطَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُصْطَفَى خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ مَنْ أَتَى مِنْ مَحَلٍّ خَارِجٍ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا: مَنْ أَتَى إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ سَافَرَ مِنْ بَلَدٍ وَأَدْرَكَ النِّدَاءَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَهَذَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ لَهَا حَيْثُ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَهَا وَلَوْ بِرَكْعَةٍ، وَمِثْلُ إدْرَاكِ النِّدَاءِ تَحَقُّقُ الزَّوَالِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْفَرْسَخِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي مَحَلِّ إمَامِهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ (عَلَى أَهْلِ مِنًى) الْكَائِنِينَ بِهَا لِرَمْيِ الْجِمَارِ؛ لِأَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ، وَأَمَّا الْمُسْتَوْطِنُونَ بِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ أَتَى قَرْيَةً إلَى قَرْيَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ بِهَا تَصِحُّ خُطْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ الْقَاطِعَةَ لِحُكْمِ السَّفَرِ حَيْثُ كَانَتْ قَرْيَتُهُ عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَتُهُ خَارِجَةً عَنْ كَفَرْسَخٍ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُسَافِرِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ إنْ صَلَّاهَا نَابَتْ لَهُ عَنْ الظُّهْرِ.
(وَلَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَيْضًا (عَلَى عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا الْحُرِّيَّةُ (وَلَا امْرَأَةٍ) وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ (وَلَا صَبِيٍّ) لِحَدِيثِ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَدَمُ نَدْبِ فِعْلِهَا قَالَ: (إنْ حَضَرَهَا
امْرَأَةٌ فَلْيُصَلِّهَا وَتَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا الشَّابَّةُ
وَيُنْصَتُ لِلْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ
[الفواكه الدواني]
عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ) أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ يُبَاحُ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا (فَلْيُصَلِّهَا) وَتُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ حُضُورِهَا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ النَّدْبُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمُكَاتَبِ وَلَوْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا، وَأَمَّا الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ فَيُنْدَبُ لَهُمَا مَعَ الْإِذْنِ فِي حُضُورِهَا، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَفِي يَوْمِ سَيِّدِهِ يَتَوَقَّفُ النَّدْبُ عَلَى إذْنِهِ، وَفِي يَوْمِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ كَالْقِنِّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُنْدَبُ لَهَا حُضُورُهَا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ مُتَجَالَّةً، وَحُكْمُ حُضُورِهَا الْحُرْمَةُ فِي الشَّابَّةِ النَّاعِمَةِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ الشَّابَّةِ الَّتِي لَا تَمِيلُ إلَيْهَا النُّفُوسُ غَالِبًا، وَالْجَوَازُ فِي حَقِّ الْمُتَجَالَّةِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُنْدَبُ لَهُ الْحُضُورُ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا فَحُضُورُهُمْ جَائِزٌ، وَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، حُكْمُ دُخُولِهِ النَّدْبُ إلَّا النِّسَاءَ وَالْعَبِيدَ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ يُكْرَهُ لَهُمْ فِعْلُهَا أَوْ بِخِلَافِ الْأَوْلَى، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَضَرَتْ الْجُمُعَةُ تُصَلِّيهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَحَلِّ وُقُوفِهَا فَقَالَ: (وَتَكُونُ النِّسَاءُ) فِي حَالِ صَلَاتِهِنَّ (خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاتِهِنَّ غَيْرَ الْجُمُعَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ وُقُوفِهِنَّ جَوَازُ خُرُوجِهِنَّ لِصَلَاتِهَا وَإِنْ كُنَّ شَوَابَّ قَالَ كَالْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مَا سَبَقَ: (وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الشَّابَّةُ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا حَرُمَ حُضُورُهَا، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَيَجُوزُ حُضُورُهَا، فَحُضُورُهُنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا.
(تَتِمَّةٌ) : بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَشْيَاءُ يَسْقُطُ مِنْهَا وُجُوبُ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ أَشَارَ إلَيْهَا فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَالْمَانِعُ مِنْ حُضُورِهَا أَشْيَاءُ مِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ أَوْ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكُونُ مُقْعَدًا وَلَا يَجِدُ مَرْكُوبًا أَوْ أَعْمَى وَلَا يَجِدُ قَائِدًا عَنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَمِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ أَحَدَ وَالِدَيْهِ وَقَدْ اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ أَوْ اُحْتُضِرَ أَوْ مَاتَ وَخُشِيَ، عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ إنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ فَلَهُ التَّخَلُّفُ وَيَشْتَغِلُ بِجِنَازَتِهِ، بَلْ الِاشْتِغَالُ بِهَا أَوْلَى وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَلِقَرِيبِ الْمَرِيضِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ إذَا بَلَغَهُ عَنْهُ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَخَافُ عَلَى مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ سَارِقٍ أَوْ حَرْقٍ، وَمِنْهَا: الْمَطَرُ الشَّدِيدُ أَوْ الْوَحْلُ الْكَثِيرُ، وَمِنْهَا: كَوْنُهُ مُعْسِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَخَافُ أَنْ يَحْبِسَهُ الْغَرِيمُ عِنْدَ ظُهُورِهِ، وَمِنْهَا: أَكْلُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَكَوْنِهِ مَجْذُومًا، وَمِنْهَا: عَدَمُ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ بِغَيْرِ لَائِقٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ شُهُودُ صَلَاةِ الْعِيدِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَإِلَّا الْعُرْسُ بِمَعْنَى الزَّوْجَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ (يُنْصِتَ) أَيْ يَسْتَمِعَ (لِلْإِمَامِ) فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَفِي حَالِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ تَفْرُغَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ فِي حَالِ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ، وَقَوْلُهُ فِي خُطْبَتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ مِنْ كُلِّ مُشْغِلٍ إنَّمَا يَحْرُمُ بِالْخُطْبَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشْبِهًا فِي الْحُرْمَةِ كَكَلَامٍ فِي خُطْبَتِهِ بِقِيَامِهِ وَبَيْنَهُمَا وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ إلَّا أَنْ يَلْغُوَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَكَلَامٌ وَرَدُّهُ وَنَهْيٌ لَاغٍ وَحَصَبُهُ أَوْ إشَارَةٌ لَهُ، وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ جَالِسًا بِالْمَسْجِدِ أَوْ رِحَابِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْإِمَامِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِنْصَاتُ وَالْإِصْغَاءُ لَا السَّمَاعُ، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ الْجُلُوسُ بِقُرْبِ الْخَطِيبِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَجُزَ الْمَسْجِدِ اخْتِيَارًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْخَطِيبَ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] قِيلَ نَزَلَتْ فِي، الْخُطْبَةِ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» . وَرُوِيَ: «مَنْ لَغَى فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فِيهِ لَغْوًا، وَاللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَمَا نُفِيَ عَنْهُ الْخَيْرُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ نَصًّا أَوْ ظُهُورًا يَقْبَحُ التَّكَلُّمُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَوْلُنَا: جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رِحَابِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَالِسِ فِي غَيْرِهِمَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ إلَّا مَعَ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ لَا مَعَ غَيْرِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ عَلَى الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ بِمَا إذَا كَانَ الْخَطِيبُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ لَغْوٌ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْخُطْبَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَقِرَاءَةِ كِتَابٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ السَّامِعِ حُرْمَةُ كُلِّ مَا يُنَافِيه مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَتَحْرِيكُ شَيْءٍ
النَّاسُ
وَالْغُسْلُ لَهَا وَاجِبٌ وَالتَّهْجِيرُ حَسَنٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَلْيَتَطَيَّبْ لَهَا وَيَلْبَسْ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ
وَأَحَبُّ إلَيْنَا
[الفواكه الدواني]
يَحْصُلُ مِنْهُ تَصْوِيتٌ كَوَرَقٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ سُبْحَةٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ فِي كُرَّاسٍ، بَلْ يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ مَنْعَ الْإِشَارَةِ لِمَنْ لَغَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنَهْيُ لَاغٍ وَحَصْبُهُ أَوْ إشَارَةٌ لَهُ أَوْ لِرَدِّ سَلَامٍ وَإِنْ جَازَتْ فِي الصَّلَاةِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ التَّكَلُّمِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ بِشُرُوعِ الْخَطِيبِ فِيهَا عَدَمُ حُرْمَةِ مَا يَقُولُهُ الْمُرْقَى عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت» . وَقَوْلُهُ: " أَنْصِتْ رَحِمَكُمْ اللَّهُ "؛ لِأَنَّهُ يَقُولُهُ قَبْلَ شُرُوعِ الْخَطِيبِ، نَعَمْ فِعْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَعَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلِي فِي دَعْوَى الْكَرَاهَةِ بَحْثٌ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ ارْتِكَابِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ حَالَ الْخُطْبَةِ فَلَعَلَّهُ مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُونَ عِنْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذِكْرِ أَسْبَابِهَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إقْبَالٌ عَلَى ذِكْرٍ قَلَّ سِرًّا كَتَأْمِينٍ وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ وَكَتَحْمِيدِ عَاطِسٍ سِرًّا.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يَسْتَقْبِلَهُ) أَيْ الْخَطِيبَ (النَّاسُ) بِوُجُوهِهِمْ (فِي الْخُطْبَةِ) وَالنَّاسُ يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَسْمَعُهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ يُحَوِّلُونَ وُجُوهَهُمْ إلَى جِهَةِ ذَاتِهِ بِحَيْثُ يَنْظُرُونَهَا، وَأَمَّا أَهْلُ غَيْرِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَسْتَقْبِلُونَ جِهَتَهُ وَذَاتَه، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُرْمُقُوهُ بِأَبْصَارِكُمْ وَاصْغُوا إلَيْهِ بِآذَانِكُمْ.؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ» وَمَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوب الِاسْتِقْبَالِ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ لَا خُصُوصِ غَيْرِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِلْفَاكِهَانِيِّ، فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ سُنَّةٌ، وَلِخَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَفْظُهُ: وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ.
[آدَاب الْجُمُعَةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي آدَابِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْغُسْلُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ وَأَعَادَ إنْ تَغَدَّ أَوْ نَامَ اخْتِيَارًا لَا لِأَكْلٍ خَفَّ، فَيُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ مَنْ يَحْضُرُهَا وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنَّوْمِ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْعِيدِ وَهُوَ تَعَبُّدٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى مُطْلَقِ نِيَّةٍ وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيَصِحُّ انْدِرَاجُهُ فِيهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ، فَإِنْ اشْتَغَلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بَعْدَهُ بِغَدَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَعَادَهُ حَيْثُ طَالَ زَمَانُهُمَا، وَأَمَّا الْأَكْلُ وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُبْطِلُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَوْ كَثُرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ كَغَيْرِهِ وَلَوْ حَصَلَا فِيهِ مَعَ كَثْرَتِهِمَا لَا يُبْطِلَانِ ثَوَابَ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَدَثَ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَوْ جَنَابَةٌ فَيُبْطِلَانِ ثَوَابَهُ وَلَوْ حَصَلَا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَحِلُّ سُنِّيَّةِ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لِمُرِيدِ حُضُورِهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تَمْنَعُ مِنْ حُضُورِهَا وَإِلَّا وَجَبَ، وَلَيْسَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ إلَّا الْغُسْلَ، وَقَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: ثَلَاثُ سُنَنٍ قَلَّ الْعَمَلُ بِهَا: غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ وَفِعْلُ الْعَقِيقَةِ، وَزِيدَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَإِطْلَاقُ السُّنَّةِ عَلَى وُضُوءِ الْجُنُبِ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ السُّنَّةِ عَلَى كُلِّ مَطْلُوبٍ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ آدَابِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ لِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَالتَّهْجِيرُ) وَهُوَ الذَّهَابُ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَأْمُومٍ (حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّوَاحَ فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا يَخْتَلِفُ ثَوَابُهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» وَهَذِهِ السَّاعَاتُ الْخَمْسُ أَجْزَاءُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَهِيَ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي قَبْلَ الزَّوَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: " فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَخْ "؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُطْلَبُ خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَهُوَ عَقِبَ الزَّوَالِ وَعَقِبَ الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ السَّادِسَةِ الْمُقَسَّمَةِ لِلْخَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، وَبِخُرُوجِهِ تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، فَالسَّاعَةُ الْكَائِنَةُ فِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا فَلَكِيَّةٌ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَى حُضُورِ الطَّاعَةِ مَطْلُوبَةً فِي الْجُمْلَةِ كَانَتْ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ نَدْبِهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ السَّعْيُ الْمَفْهُومُ مِنْ التَّهْجِيرِ (فِي أَوَّلِ النَّهَارِ) ؛ لِأَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَرِهَ السَّعْيَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِخَوْفِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا اسْمَ الْإِشَارَةِ بِالسَّعْيِ؛ لِأَنَّ الْهَاجِرَةَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَهِيَ لَا تَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عِنْدَ طُلُوعِ
أَنْ يَنْصَرِفَ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ وَلْيَتَنَفَّلْ إنْ شَاءَ قَبْلَهَا وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ.
[الفواكه الدواني]
الشَّمْسِ، فَإِنْ قِيلَ: كَرَاهَةُ التَّبْكِيرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، يُنَافِيه قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ لِيَسْمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ، وَمَعْنَى ابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» وَقَوْلُهُ: " ابْتَكَرَ " تَأْكِيدٌ لِسَابِقِهِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَمَعْنَى غَسَّلَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ (وَالتَّطَيُّبُ لَهَا) حَسَنٌ أَيْضًا بِمَعْنَى: مَنْدُوبٌ، وَمَعْنَى التَّطَيُّبِ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ لِمُؤَنَّثٍ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ وَرِيحُهُ، وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ فَخْرًا وَلَا رِيَاءً» .
وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " لَهَا " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِبُ بِالتَّطَيُّبِ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ، بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ يَوْمَهُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاتَهُ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْ (يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِيَتَجَمَّلَ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِأَحْسَنِهَا الْأَبْيَضُ وَلَوْ عَتِيقًا لِحَدِيثِ: «أَحْسَنُ مَا زُرْتُمْ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ الْبَيَاضُ» .
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ الْحَسَنَ فِيهِ الثِّيَابُ الْجَدِيدَةُ وَلَوْ غَيْرَ بَيْضَاءَ.
(تَتِمَّتَانِ) الْأُولَى: بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ مِنْ قَصِّ شَارِبٍ وَظُفُرٍ وَنَتْفِ إبْطٍ وَحَلْقِ عَانَةٍ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْدَبُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْآدَابِ الْمُسْتَحَبَّةِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا حَلْقُهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَحْلِقْهُ إلَّا فِي الْحَجِّ، فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ أَوْ الْحَسَنَةِ لِمَنْ يَقْبُحُ مَنْظَرُهُ بِدُونِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ أَيْضًا الْمَشْيُ لَهَا فِي الْغُدُوِّ لِخَبَرِ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» .
الثَّانِيَةُ: الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالتَّهْجِيرِ وَالْمَشْيِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ كَتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ وَالتَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ بِخِلَافِهَا فِي الْعِيدِ فَإِنَّهَا لِلْيَوْمِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِيهِ: وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ.
وَلَمَّا كَانَ الشَّأْنُ التَّنَفُّلَ قَبْلَ الظُّهْرِ كَبَعْدِهَا، وَقِيلَ: إنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ عَنْهَا كَانَ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ طَلَبِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا قَالَ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ يَنْصَرِفَ) مُصَلِّي الْجُمُعَةِ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ وَقِرَاءَةِ نَحْوِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِمَّا يُطْلَبُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ إلَى بَيْتِهِ وَيَتَنَفَّلُ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ النَّوَافِلِ (وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ إثْرَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ» ، وَتَسْتَمِرُّ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْصَرِفَ الشَّخْصُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ حَتَّى يُحْدِثَ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَشَدُّ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَكْثَرُ الْمُصَلِّينَ لَا كُلُّهُمْ، أَوْ بِمَعْنَى زَمَنِ انْصِرَافِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفُوا، وَالْكَرَاهَةُ قَيَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يُخْشَى مِنْهُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا، وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِنَدْبِهَا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا مُقَلِّدًا فِي فِعْلِهَا الْقَائِلَ بِطَلَبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ يَقَعُ التَّنَفُّلُ مِنْ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ.
(وَلْيَتَنَفَّلْ) الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ (إنْ شَاءَ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَوْلُهُ إنْ شَاءَ يُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ نَدْبُ النَّفْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مِنْ الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ الْجَالِسِ وَقْتَ الْأَذَانِ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجَالِسِ عِنْدَ الْأَذَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَرْكُ طَهَارَةٍ فِيهَا وَالْعَمَلُ يَوْمَهَا وَبَيْعٌ كَعَبْدٍ بِسُوقٍ وَقْتَهَا وَتَنَفُّلُ إمَامٍ قَبْلَهَا أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ، وَأَمَّا التَّنَفُّلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ عَلَى الدَّاخِلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَنَفُّلَ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْأَذَانِ وَقَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مَنْدُوبٌ وَعِنْدَ الْأَذَانِ مَكْرُوهٌ لِلْجَالِسِ، وَأَمَّا بَعْدُ خُرُوجِهِ فَحَرَامٌ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْحَرَامِ: وَابْتَدَأَ صَلَاةً بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ، وَمِثْلُ خُرُوجِ الْخَطِيبِ دُخُولُهُ ذَاهِبًا لِلْمِنْبَرِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَوْ عِنْدَ دُخُولِهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمِنْبَرِ، فَإِنْ كَانَ جَالِسًا قَبْلَ ذَلِكَ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَلَوْ ابْتَدَأَهَا سَاهِيًا عَنْ خُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَ خُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ وَأَحْرَمَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِخُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ وَبِالْحُكْمِ قَطَعَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا خَفَّفَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُحْرِمًا قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ أَوْ دُخُولِهِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ قَطْعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَابْتَدَأَ صَلَاةً بِخُرُوجِهِ: وَلَا يَقْطَعُ إنْ دَخَلَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَلَوْ لِلدَّاخِلِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمُقَابِلُهُ جَوَازُ إحْرَامِهِ وَلَوْ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَيْهِ السُّيُورِيُّ مِنْ عُلَمَائِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قَائِلًا: الرُّكُوعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِمَا
فِي الصَّحِيحَيْنِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
«أَنَّ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَصَلَّيْت؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَلِخَبَرِ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ» . وَدَلِيلُنَا مَا فِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت» فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ دُونَ الرُّكُوعِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَخَبَرُ: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» نَهْيٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ وُجُوبِهِ، فَالْمَنْدُوبُ أَوْلَى، وَأَمَّا خَبَرُ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ وَأَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِالرُّكُوعِ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَيُحْتَمَلُ نَسْخُهُ بِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ مُعَارَضَتِهِ وَعَدَمِ نَسْخِهِ فَحَدِيثُنَا أَوْلَى كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِاتِّصَالِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِجَرْيِهِ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ وُجُوبِ الِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِمَاعِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ التَّحِيَّةِ الْمَنْدُوبَةِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ سُلَيْكًا كَانَ صُعْلُوكًا وَدَخَلَ يَطْلُبُ شَيْئًا فَأَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ لِيَتَفَطَّنَ لَهُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَدْفَعُ الْمُعَارَضَةَ، وَكَذَا الْجَوَابُ بِاحْتِمَالِ قَطْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُطْبَةَ لَهُ،؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِنْدَنَا تَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ تَوَجُّهِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا قَصَرْنَا الْكَلَامَ السَّابِقَ عَلَى الْمَأْمُومِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: (وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الْإِمَامُ) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِي حَقِّهِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ.
(وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ) أَيْ سَاعَةَ دُخُولِهِ وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
[بَاب فِي صَلَاة الْخَوْف]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ فَقَالَ: