فِي الْأَمَةِ يَطَؤُهَا وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ أَوْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ
[الفواكه الدواني]
كَانَ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَأْدِيبُهُ اسْتِصْلَاحًا لِحَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَالِغًا دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْبَالِغُ الْفَاعِلَ حُدَّ بِشَرْطِ إطَاقَةِ الْمَفْعُولِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ بِأَنْ بَلَغَ الْمَفْعُولُ دُونَ الْفَاعِلِ فَلَا حَدَّ، وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ الْمَفْعُولُ كَاَلَّذِي يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ،
وَلَمَّا اشْتَرَطَ فِي لُزُومِ الْحَدِّ عَدَمُ الشُّبْهَةِ لِلْفَاعِلِ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ قَالَ: (وَيُحَدُّ) الْوَلَدُ الْمُكَلَّفُ (الْوَاطِئُ أَمَةَ وَالِدِهِ) أَوْ وَالِدَتِهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مَالِ أَصْلِهِ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ، وَلَا تُحَرَّمُ عَلَى الْأَبِ بِوَطْءِ ابْنِهِ وَلَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِالزِّنَا حَلَالٌ، وَإِذَا وَلَدَتْ كَانَ وَلَدُهُ رَقِيقًا وَلَا يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِ الْأُمِّ، وَلَوْ قَالَ: وَيُحَدُّ الْفَرْعُ بِوَطْءِ أَمَةِ الْأَصْلِ لَكَانَ أَشْمَلَ،
وَأَمَّا عَكْسُ هَذَا فَلَا حَدَّ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُحَدُّ) الْأَصْلُ الـ (وَاطِئُ أَمَةَ وَلَدِهِ) الْمُرَادُ أَمَةُ فَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ، لِأَنَّ لِلْأَصْلِ شُبْهَةً فِي مَالِ الْفَرْعِ لِخَبَرِ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» (وَ) لَكِنْ (تُقَوَّمُ عَلَيْهِ) أَيْ الْأَصْلِ وَلَوْ جَدًّا لِأَبٍ أَوْ أُمٍّ لِأَنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ، وَفِي عَدَمِ قَتْلِهِ بِقَتْلِ فَرْعِهِ إلَّا إذَا ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ جَوْفَهُ أَوْ قَصَدَ إزْهَاقَ رُوحِهِ، وَفِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ بِالتَّثْلِيثِ فِي الْعَمْدِ الَّذِي لَمْ يُقْتَلْ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى تَقْوِيمِ جَارِيَةِ الْوَلَدِ عَلَى أَصْلِهِ بِوَطْئِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ) سَوَاءٌ كَانَ مَلِيًّا أَوْ مُعْدَمًا قَالَ خَلِيلٌ: وَمُلِّكَ أَبٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ بِالْقِيمَةِ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ بَعْدَ غُرْمِ قِيمَتِهَا أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا إنْ أَرَادَ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى وَطْئِهَا لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَاءِ الشُّبْهَةِ وَالْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِلْأَبِ وَطْؤُهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لِلِابْنِ وَطْءٌ وَإِلَّا حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَتْ عَلَيْهِمَا إنْ وَطِئَاهَا، وَلَكِنْ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِوَلَدِهِ وَلَوْ لَمْ تَحْمِلْ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَلَا تُبَاعُ، وَإِنَّمَا تُعْتَقُ عَلَى الِابْنِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهَا لَهُ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهَا الْحُرِّيَّةَ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَبُ وَالْوَلَدُ حُرَّيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنْ كَانَ الِابْنُ عَبْدًا وَالْأَبُ حُرًّا قُوِّمَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الرَّقِيقُ الْأَبَ لَكَانَتْ الْقِيمَةُ فِي رَقَبَتِهِ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ فِي إسْلَامِهِ أَوْ فِدَائِهِ، فَإِنْ فَدَاهُ تَعَيَّنَتْ الْأَمَةُ لَهُ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ الْوَلَدَ فِي قِيمَةِ الْأَبِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَتَبْقَى الْأَمَةُ لِلْأَبِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ لِأَنَّهُ أَخُو السَّيِّدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلسَّيِّدِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَهُ السَّيِّدُ نَقَلَ ذَلِكَ الْأَقْفَهْسِيُّ.
(وَيُؤَدَّبُ الشَّرِيكُ فِي الْأَمَةِ) حَالَةَ كَوْنِهِ (يَطَؤُهَا) عَالِمًا بِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُحَدَّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ الْأَدَبِ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ جَاهِلٍ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي وَطْئِهَا، لِأَنَّ فَرْجَهَا لَا يُبَاحُ لَهُ بِمُجَرَّدِ إذْنِ شَرِيكِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ.
(وَيَضْمَنُ) الشَّرِيكُ الْوَاطِئُ بَعْدَ الْأَدَبِ لِشَرِيكِهِ.
(قِيمَتَهَا) أَيْ قِيمَةَ حِصَّتِهِ (إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) وَقَدْ حَمَلَتْ مِنْهُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ إبْقَائِهَا لِلشَّرِكَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَيَتْبَعَ ذِمَّتَهُ أَوْ يُجْبِرَهُ عَلَى بَيْعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْهَا لَكِنْ بَعْدَ وَضْعِهَا، إذْ لَا تُبَاعُ وَهِيَ حَامِلٌ لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْهُ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ، فَإِنْ لَمْ يُوفِ ثَمَنَ النِّصْفِ اُتُّبِعَ بِالْبَاقِي كَمَا يَتْبَعُهُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الْوَلَدِ فِي قَسَمِ الْعُسْرِ، وَأَمَّا فِي قَسَمِ الْيُسْرِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
(فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ) بِحِصَّتِهِ وَيَبْقَى عَلَى الشَّرِكَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشٍ وَلَا صَدَاقٍ لِأَنَّ الْقِيمَةَ وَجَبَتْ لِشَرِيكِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا.
(أَوْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاطِئِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَلَهُ اتِّبَاعُهُ بِقِيمَتِهَا أَوْ جَبْرُهُ عَلَى بَيْعِهَا وَلَوْ كُلَّهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَحْمِلْ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشَّرِكَةِ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ وَإِلَّا فَلِلْآخَرِ إبْقَاؤُهَا أَوْ مُفَادَاتُهَا، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّرِيكَ إنْ أَذِنَ لِشَرِيكِهِ فِي الْوَطْءِ وَوَطِئَ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا حَمَلَتْ أَمْ لَا، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ سِوَى قِيمَةِ حِصَّتِهِ وَلَا قِيمَةِ الْوَلَدِ وَتَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تُبَاعُ إنْ حَمَلَتْ وَيُتَّبَعُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَتُبَاعُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْقِيمَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَإِنْ حَمَلَتْ فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ إلَّا قِيمَةُ حِصَّتِهِ إنْ أَيْسَرَ الْوَاطِئُ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ فِي هَذَا الْفَرْضِ، وَلَا يَجُوزُ لَلشَّرِيكِ التَّمَاسُكُ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ، وَأَمَّا إنْ أَعْدَمَ الْوَاطِئُ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إبْقَائِهَا لِلشَّرِكَةِ أَوْ إلْزَامِ الْوَاطِئِ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ مِنْهَا فَيَتَّبِعُهُ بِهَا فِي ذَمِّهِ أَوْ يُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْهَا لَكِنْ بَعْدَ وَضْعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوفِ ثَمَنَ نِصْفِهَا اُتُّبِعَ بِبَاقِي الْقِيمَةِ كَمَا يُتَّبَعُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ فِي الْوَلَدِ فِي قِسْمَيْ التَّخْيِيرِ، وَهَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةَ لَاحِقٌ بِأَبِيهِ فِي كُلِّ الصُّوَرِ وَهُوَ حُرٌّ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ وَإِنْ بِيعَتْ أُمُّهُ، لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تُبَاعُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا هَذِهِ وَوَلَدُهُ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ بَيْعِهَا بَعْدَ وَضْعِ حَمْلِهَا فَاَلَّذِي يُبَاعُ هُوَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يُوفِ ثَمَنَهُ وَيَلْزَمُهُ الْبَاقِي، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَحْمِلْ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَوْ كُلَّهَا.
الثَّانِي: لَوْ تَأَخَّرَ تَقْوِيمُ الْأَمَةِ عَلَى
قَالَتْ امْرَأَةٌ بِهَا حَمْلٌ اُسْتُكْرِهَتْ لَمْ تُصَدَّقْ وَحُدَّتْ إلَّا أَنْ تُعْرَفَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا احْتَمَلَتْ حَتَّى غَابَ عَلَيْهَا أَوْ جَاءَتْ مُسْتَغِيثَةً عِنْدَ النَّازِلَةِ أَوْ جَاءَتْ تُدْمِي.
وَالنَّصْرَانِيُّ إذَا غَصَبَ الْمُسْلِمَةَ فِي الزِّنَا قُتِلَ.
وَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا أُقِيلَ وَتُرِكَ.
[الفواكه الدواني]
الْوَاطِئِ حَتَّى مَاتَتْ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ قِيمَتُهَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَرَتَّبَتْ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ.
(وَإِنْ قَالَتْ امْرَأَةٌ) لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ حِينَ ظَهَرَ (بِهَا حَمْلٌ) وَأُرِيدَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا (اُسْتُكْرِهْت) أَيْ أَكْرَهَنِي مَنْ لَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ عَنِّي وَفَعَلَ بِي.
(لَمْ تُصَدَّقْ) فِي دَعْوَاهَا الْإِكْرَاهَ (وَحُدَّتْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّوْعُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِكْرَاهُ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ أَمْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِأَنَّ تَصْدِيقَهَا ذَرِيعَةٌ إلَى كَثْرَةِ الزِّنَا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ قِلَّةِ دِينِ النِّسَاءِ وَمَيْلِهِنَّ لِلْوَطْءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ تَصْدِيقِهَا مَا لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَةُ صِدْقِهَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ تَعْرِفَ) أَيْ تَشْهَدَ (بَيِّنَةٌ) عَادِلَةٌ قِيلَ اثْنَانِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَخَبَرُهُ يُورِثُ الشُّبْهَةَ الْمُسْقِطَةَ الْحَدِّ مِنْ بَابِ أَوْلَى مِنْ إسْقَاطِهِ بِاسْتِغَاثَتِهَا.
(أَنَّهَا اُحْتُمِلَتْ) أَيْ أُخِذَتْ قَهْرًا وَعَايَنَتْ الْبَيِّنَةُ غَصْبَهَا وَإِكْرَاهَهَا.
(حَتَّى غَابَ عَلَيْهَا) الْمُكْرِهُ لَهَا (أَوْ) إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ (جَاءَتْ مُسْتَغِيثَةً) أَيْ مُتَظَلِّمَةً (عِنْدَ) تِلْكَ (النَّازِلَةِ) أَيْ عِنْدَ وُقُوعِ الزِّنَا بِهَا لِأَنَّ مَجِيئَهَا صَائِحَةً قَرِينَةُ غَصْبِهَا.
(أَوْ) إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ (جَاءَتْ) إلَيْنَا حَالَةَ كَوْنِهَا (تُدْمِي) أَيْ يَسِيلُ دَمُهَا مِنْ قُبُلِهَا فَلَا تُحَدُّ فِي صُورَةٍ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ، هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَةِ فَعَدَمُ حَدِّهَا فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي عَدَمِ حَدِّهَا مُجَرَّدُ مَجِيئُهَا تُدْمِي، بَلْ لَا يَسْقُطُ حَدُّهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ بِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا، كَمَجِيئِهَا صَائِحَةً أَوْ مُتَعَلِّقَةً بِمَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ لَا إنْ ادَّعَتْ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ زَنَى بِهَا وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَدِّهَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَالَتْ امْرَأَةٌ: اُسْتُكْرِهْت لَمْ تُصَدَّقْ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ ادَّعَتْ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لَائِقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ حُدَّتْ لَهُ أَيْ لِلزِّنَا، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِلزِّنَا وَتُحَدُّ لَهُ لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا وَلَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَتْ عَلَى فَاسِقٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا لِلزِّنَا فَتَحُدُّ لَهُ بِشَرْطَيْنِ أَنْ تَحْمِلْ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَتْ عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ فَتَحُدُّ لِلزِّنَا إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ وَيَسْقُطُ عَنْهَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ كَدَعْوَاهَا عَلَى صَالِحٍ، وَأَمَّا حَدُّهَا لِلْقَذْفِ فِي دَعْوَاهَا عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ فَيَلْزَمُهَا إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ مُطْلَقًا، كَأَنْ تَعَلَّقَتْ إنْ كَانَتْ تَخْشَى فَضِيحَةَ نَفْسِهَا وَإِلَّا فَفِي حَدِّهَا خِلَافٌ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: صَالِحٌ وَفَاسِقٌ وَمَجْهُولُ الْحَالِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثِ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ أَوْ لَا، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا أَحْكَامَهَا مِنْ جِهَةِ الْحَدِّ وَعَدَمِهِ، وَسَكَتَ خَلِيلٌ عَنْ الصَّدَاقِ وَالْحُكْمُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ، إلَّا فِي صُورَةٍ مَنْصُوصَةٍ لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَغْصُوبَةِ: تَحْمِلُ بِمُعَايَنَةِ بَيِّنَةٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَقُولُ: وَطِئَنِي غَصْبًا وَهُوَ يُنْكِرُ فَلَهَا الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ ثَبَتَ وَطْؤُهُ الْحُرَّةَ بِإِقْرَارِهِ لِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَوْ بِمُعَايَنَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ لِلْوَطْءِ وَيُحَدُّ وَمَا دُونَهُمْ لَغْوٌ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَجِبُ بِهِمَا الْمَهْرُ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِاعْتِرَافِهِ حَلَفَتْ وَاسْتَحَقَّتْ وَفِيهِ خِلَافٌ.
وَلَمَّا كَانَ الزِّنَا شَرْعًا وَطْءُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ذَكَرَ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ: (وَالنَّصْرَانِيُّ) الْمُرَادُ الذِّمِّيُّ حَتَّى النَّازِلُ بِأَمَانٍ.
(إذَا غَصَبَ) الْحُرَّةَ (الْمُسْلِمَةَ فِي الزِّنَا) وَثَبَتَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ رَأَوْهُ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(قُتِلَ) لِنَقْضِهِ عَهْدَهُ وَالْوَلَدُ الْمُتَخَلِّقُ مِنْ وَطْئِهِ عَلَى دِينِ أُمِّهِ وَلَا يَلْحَقُ أَبَاهُ وَلَوْ أَسْلَمَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ مِثْلُهَا مِنْ مَالِهِ، وَمَفْهُومُ غَصَبَ أَنَّهَا لَوْ طَاوَعَتْهُ لَا يُقْتَلُ وَلَا يُحَدُّ فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ، وَأَمَّا هِيَ فَتُحَدُّ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ فَلَا يُقْتَلُ بِغَصْبِهَا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ وَمَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ أَنَّ الْأَمَةَ مَالٌ وَلَا قَتْلَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ، وَأَمَّا لَوْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَاخْتُلِفَ فِي قَتْلِهِ وَالظَّاهِرُ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالتَّطَلُّعِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَتْ بِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَتَزَوَّجَتْهُ فَإِنْ كَانَتْ تَجْهَلُ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُقْتَلُ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً، وَمَفْهُومُ الْمُسْلِمَةِ لَوْ غَصَبَ الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ وَهِيَ زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَعُقُوبَتُهُ قَوْلَانِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَكَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ لُزُومُ الْحَدِّ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَالَ: (وَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ) عَلَى نَفْسِهِ (بِالزِّنَا) طَائِعًا (أُقِيلَ وَتُرِكَ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ وَلَا أَدَبٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ فِي الْحَدِّ أَوْ قَبْلَهُ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، مِثَالُ الشُّبْهَةِ أَنْ يَقُولَ: إذَا وَطِئْت زَوْجَتِي فِي الْحَيْضِ أَوْ وَقَعَ عَقْدُهَا فَاسِدًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الْوَطْءَ الْمُسْتَنِدَ لِمِثْلِ ذَلِكَ يُسَمَّى زِنًا، وَأَمَّا الْهُرُوبُ فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ فَكَالرُّجُوعِ يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَدِّ فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهُرُوبَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ لِإِذَاقَتِهِ الْعَذَابَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهُ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ وَمِثْلُ رُجُوعِهِ مَا إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا وَالْحَالُ أَنَّهُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَإِنَّ إنْكَارَهُ يُعَدُّ رُجُوعًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاعْلَمْ أَنَّ رُجُوعَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ إنَّمَا يَنْفَعُهُ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ لَا فِي عَدَمِ لُزُومِ صَدَاقِ الْمَزْنِيِّ بِهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حَيْثُ كَانَتْ مُكْرَهَةً.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَبِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ بِرُجُوعِهِ
وَيُقِيمُ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا إذَا ظَهَرَ حَمْلٌ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةُ غَيْرِهِ أَرْبَعَةُ شُهَدَاءِ أَوْ كَانَ إقْرَارٌ وَلَكِنْ إنْ كَانَ لِلْأَمَةِ زَوْجٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إلَّا السُّلْطَانُ.
وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ بِذَكَرٍ بَالِغٍ أَطَاعَهُ رُجِمَا أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا.
وَعَلَى الْقَاذِفِ الْحُرِّ الْحَدُّ ثَمَانُونَ وَعَلَى الْعَبْدِ أَرْبَعُونَ فِي الْقَذْفِ وَخَمْسُونَ فِي الزِّنَا.
وَالْكَافِرُ
[الفواكه الدواني]
يَحْصُلُ الِاشْتِبَاهُ، وَمِثْلُ الزَّانِي فِي سُقُوطِ حَدِّهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ السَّارِقُ يُقِرُّ طَائِعًا ثُمَّ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ لَزِمَهُ الْمَالُ الَّذِي أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ سَوَاءٌ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ وَالْمُحَارِبُ وَمَنْ أَقَرَّتْ بِالْإِحْصَانِ ثُمَّ رَجَعَتْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا،
وَلَمَّا كَانَتْ التَّعَازِيرُ وَهِيَ كُلُّ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَالْحُدُودُ وَهِيَ كُلُّ مَا قَدَّرَ فِيهِ الشَّارِعُ شَيْئًا مَخْصُوصًا لَا يَتَوَلَّاهَا إلَّا الْإِمَامُ وَكَانَ الرَّقِيقُ خَارِجًا مِنْ ذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُقِيمَ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ وَ) عَلَى (أَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا) لَوْ قَالَ: وَيُقِيمُ الْمَالِكُ عَلَى رَقِيقِهِ حَدَّ الزِّنَا لَكَانَ أَنْسَبَ بِالِاخْتِصَارِ، وَمَحَلُّ جَوَائِزِ إقَامَةِ الْمَالِكِ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقِهِ وُجُودُ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ) شَهِدَتْ بِالزِّنَا حَالَةَ كَوْنِهَا (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ السَّيِّدِ وَالْبَيِّنَةُ هِيَ (أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ) عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مِنْ كَوْنِهَا بِوَقْتٍ وَرُؤْيَا اتَّحَدَا.
(أَوْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ مِنْهُمَا (إقْرَارٌ) بِالزِّنَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَلَمْ يَرْجِعَا فَيَجُوزُ لِسَيِّدِهِمَا حِينَئِذٍ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، وَمِثْلُ حَدِّ الزِّنَا حَدُّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، لَكِنْ يُطْلَبُ أَنْ يُحْضِرَ السَّيِّدُ لِجِلْدِهِ فِي الْخَمْرِ وَالْفِرْيَةِ رَجُلَيْنِ، وَفِي الزِّنَا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ عُدُولٍ.
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ الْعَبْدَ عَسَى أَنْ يُعْتَقَ يَوْمًا ثُمَّ يَشْهَدَ بَيْنَ النَّاسِ فَيَجِدَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَمَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، وَأَمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إقَامَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ السَّيِّدُ وَقَطَعَ يَدَهُ مَثَلًا وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ عَادِلَةً وَأَصَابَ وَجْهَ الْقَطْعِ عُوقِبَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: لِئَلَّا تُمَثِّلَ النَّاسُ بِعَبِيدِهَا وَتَدَّعِي السَّرِقَةَ مِنْهُمْ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ حَدِّ السَّيِّدِ لِرَقِيقِهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ الذَّكَرُ مُتَزَوِّجًا بِمِلْكِ غَيْرِ سَيِّدِهِ وَأَنْ لَا تَكُونَ الْأَمَةُ زَوْجَةً لِحُرٍّ أَوْ رَقِيقٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهَا قَالَ: (وَلَكِنْ إنْ كَانَ لِلْأَمَةِ زَوْجٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ فَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَيْهِمَا) حِينَئِذٍ (إلَّا السُّلْطَانُ) أَوْ نَائِبُهُ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ حَقًّا فِي الْفِرَاشِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ وَلَدٍ فَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ أَنْ يُفْسِدَهُ وَلَا يُدْخِلَ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرًا إلَّا بِحُكْمٍ، وَجَازَ لَهُ فِي عَبْدِهِ لِأَنَّ عَبْدَهُ لَيْسَ خَصْمًا لَهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّيِّدَ إنَّمَا يُقِيمُ حَدَّ الزِّنَا عَلَى عَبْدِهِ إذَا كَانَ خَالِيًا مِنْ زَوْجٍ أَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِمِلْكِ سَيِّدِهِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ خَلِيلٍ: وَإِقَامَةُ الْحَاكِمِ وَالسَّيِّدِ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَحِدَّهَا» .
وَخَبَرُ أَبِي دَاوُد عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي جَارِيَةٍ فَجَرَتْ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأُقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» .
[حَدّ اللِّوَاط]
وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى حَدِّ الزِّنَا قَسِيمِ اللِّوَاطِ شَرَعَ فِي حَدِّ اللِّوَاطِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ عَمِلَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَإِنْ عَبْدًا وَكَافِرًا (عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ) بِأَنْ فَعَلَ (بِذَكَرٍ بَالِغٍ) وَأَدْخَلَ حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي دُبُرِهِ حَالَةَ كَوْنِ الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْمَفْعُولِ بِهِ قَدْ (أَطَاعَهُ رُجِمَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ.
(أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا) كَانَا حُرَّيْنِ أَوْ رَقِيقَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمَفْعُولُ بِهِ مَمْلُوكًا لِلْفَاعِلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَا غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ فَإِنَّهُمَا يُؤَدَّبَانِ فَقَطْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَلَّفًا دُونَ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ الْمُكَلَّفُ هُوَ الْفَاعِلُ لَرُجِمَ وَحْدَهُ حَيْثُ كَانَ الْمَفْعُولُ بِهِ مُطِيقًا، وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ بُلُوغُ الْمَفْعُولِ بِهِ دُونَ الْفَاعِلِ فَلَا يُرْجَمُ، وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ الصَّغِيرُ وَيُعَزَّرُ الْبَالِغُ التَّعْزِيرَ الشَّدِيدَ الَّذِي لَا يَنْقُصُ عَدَدُهُ عَنْ مِائَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قَيَّدَ الذَّكَرَ الْمَفْعُولَ بِهِ بِالْبُلُوغِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ رَجْمًا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْفَاعِلَ الْبَالِغَ يُرْجَمُ وَلَوْ فَعَلَ بِصَبِيٍّ مُطِيقٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَطَاعَهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي رَجْمِ الْمَفْعُولِ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِعْلِ بِهِ لَمْ يُرْجَمْ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ بِغَيْرِهِ فَفِي حَدِّهِ خِلَافٌ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ أَيْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
قَالَ بَعْضِ شُرَّاحِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى رَجْمِ اللَّائِطِ وَالْمُلُوطِ بِهِ حَدِيثُ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» .
وَعَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ إتْيَانُ الذُّكُورِ فِي أَدْبَارِهِمْ، فَاللِّوَاطُ أَقْبَحُ مِنْ الزِّنَا بِالْأُنْثَى لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِذَكَرٍ عَمَّا لَوْ فَعَلَ بِالْأُنْثَى فِي دُبْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِوَاطًا، ثُمَّ إنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً حُدَّ لِلزِّنَى، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجًا أُدِّبَ، كَمَا تُؤَدَّبُ الْمَرْأَةُ فِي مُسَاحَقَتِهَا الْأُخْرَى، وَكَمَا يُؤَدَّبُ الذَّكَرُ فِي إتْيَانِهِ الْبَهِيمَةَ.
(تَتِمَّةٌ) شَرْطُ الرَّجْمِ بِاللِّوَاطِ كَشَرْطِ حَدِّ الزِّنَا مِنْ مَغِيبِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا، وَالثُّبُوتُ إمَّا بِالِاعْتِرَافِ الْمُسْتَمِرِّ أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعٍ مِنْ الْعُدُولِ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ.
وَانْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ حَدُّ اللِّوَاطِ بِالرُّجُوعِ أَوْ لَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى
يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ.
وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ.
وَيُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيَّةِ بِالزِّنَا إنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ.
وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيِّ.
وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي قَذْفٍ وَلَا وَطْءٍ.
وَمَنْ نَفَى رَجُلًا مِنْ نَسَبِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَفِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ.
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
الْأَشَدِّيَّةِ؟ .
[بَاب القذف]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى اللِّوَاطِ شَرَعَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ لُغَةً الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الرَّمْيِ بِالْمَكَارِهِ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] وَيُسَمَّى أَيْضًا فِرْيَةً لِأَنَّهُ مِنْ الِافْتِرَاءِ وَهُوَ الْكَذِبُ وَالْقَذْفُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالْمُوبِقَاتِ وَلِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ الْحَدَّ، وَأَمَّا اصْطِلَاحًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَذْفُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنًى، أَوْ قَطْعُ نَسَبٍ، أَوْ نِسْبَتُهُ لِزِنًى، وَشَرْطُ الْمَقْذُوفِ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ إنْ كَانَ الْقَذْفُ بِنَفْيِ النَّسَبِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْقَذْفُ بِرَمْيِهِ بِالزِّنَا فَشَرْطُهُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْعِفَّةُ وَالْآلَةُ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَقَالَ: (وَ) يَتَرَتَّبُ (عَلَى الْقَاذِفِ) الْعَاقِلِ الْبَالِغِ (الْحُرِّ) وَإِنْ سَكْرَانَ (ثَمَانُونَ) جَلْدَةً وَإِنْ كَرَّرَ الْقَذْفَ لِوَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ: يَا زُنَاةُ، لَا إنْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] فَأَغْنَى ذِكْرُ النِّسَاءِ عَنْ ذِكْرِ الرِّجَالِ، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ سَكْرَانَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ السَّكْرَانَ سُكْرًا حَرَامًا تَلْزَمُهُ جِنَايَاتُهُ.
(وَعَلَى الْعَبْدِ) وَمِثْلُهُ الْأَمَةُ (أَرْبَعُونَ) جَلْدَةً (فِي الْقَذْفِ وَ) يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْأَوْلَى وَعَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلضَّمِيرِ (خَمْسُونَ فِي الزِّنَا) وَهَذَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِيَجْمَعَهُ مَعَ نَظِيرِهِ فِي التَّشْطِيرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالْعَبْدُ مَقِيسٌ عَلَى الْأَمَةِ،
وَلَمَّا كَانَتْ الْمَعَرَّةُ اللَّاحِقَةُ بِالْقَذْفِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إسْلَامُ الْقَاذِفِ قَالَ: (وَالْكَافِرُ) الْحُرُّ كَالْمُسْلِمِ (يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ) وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا حَيْثُ وَقَعَ مِنْهُ الْقَذْفُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، هَكَذَا عُزِّيَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ، وَإِنْ قَذَفَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ يُلْغِي الْجَلْدَ السَّابِقَ وَيُبْتَدَأُ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي يَسِيرًا فَيُكَمَّلُ الْأَوَّلُ وَيُبْتَدَأُ لِلْقَذْفِ الثَّانِي.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ قَذَفَ فِي الْحَدِّ اُبْتُدِئَ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَبْقَى يَسِيرٌ فَيُكَمَّلُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْذُوفُ ثَانِيًا هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ.
ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى بَعْضِ شُرُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ بِذِكْرِ أَضْدَادِهَا كَمَا هُوَ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ: (وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ) حَيْثُ قَذَفَهُمَا بِنَفْيِ نَسَبِهِمَا عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ شَرْطَ حَدِّ الْقَاذِفِ بِهِ حُرِّيَّةُ الْمَقْذُوفِ وَإِسْلَامُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحَدِّ نَفْيِ الْأَدَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَإِلَّا حُدَّ، وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ: لَسْت لِأَبِيك ضُرِبَ سَيِّدُهُ الْحَدَّ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، فَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ قَدْ مَاتَا وَلَا وَارِثَ لَهُمَا أَوْ لَهُمَا وَارِثٌ فَإِنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحِدَّ سَيِّدَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ قَذَفَهُمَا بِالزِّنَا فَالْحَدُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَيُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيَّةِ بِالزِّنَا) كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: فُلَانٌ زَنَى بِك أَوْ يَا زَانِيَةُ.
(إنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ) لِلُّحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ لَا مَعَرَّةَ عَلَيْهَا لِلْقَطْعِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ.
(وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيِّ) بِأَنَّهُ زَانٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُرَاهِقًا بِخِلَافِ لَوْ قَذَفَهُ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إنْ كَانَ مُطِيقًا بِالْأَوْلَى مِنْ حَدِّهِ بِرَمْيِهِ الْأُنْثَى لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ،
[شُرُوط حَدّ القذف]
وَأَشَارَ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ حَدِّ الْقَاذِفِ بِذِكْرِ الضِّدِّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي قَذْفٍ) لِغَيْرِهِ بِزِنًى أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ.
(وَلَا) فِي شُرْبِ خَمْرٍ وَلَا (وَطْءٍ) لِأَنَّ وَطْأَهُ لَا يُسَمَّى زِنًا، وَكَمَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ لَا حَدَّ عَلَى مَوْطُوئِهِ وَلَوْ بَالِغًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ، كَمَا يَلْزَمُ وَلِيَّ الصَّبِيِّ تَأْدِيبُهُ اسْتِصْلَاحًا لِحَالِهِ لَا لِارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْ الصَّبِيِّ.
وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ شَرْطَ الْمَقْذُوفِ بِهِ إمَّا نَفْيُ النَّسَبِ أَوْ النِّسْبَةُ لِلزِّنَى قَالَ: (وَمَنْ نَفَى) مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا (رَجُلًا) حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ امْرَأَةً كَذَلِكَ وَلَوْ صَغِيرَيْنِ أَوْ مَجْنُونَيْنِ (مِنْ نَسَبِهِ) أَيْ قَطَعَ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ لَا عَنْ عَمِّهِ.
(فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) إذَا كَانَ نَسَبُهُ مَعْلُومًا وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ.
قَالَ الشَّاذِلِيُّ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَوَجُّهِ الْحَدِّ عَلَى النَّافِي أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ عَنْ أَبَوَيْهِ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُمَا، بَلْ وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ لَوَجَبَ الْحَدُّ لِلْمَنْفِيِّ لَا لَهُمَا.
نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا، وَأَمَّا لَوْ نَفَاهُ عَنْ أُمِّهِ أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفِ النَّسَبِ الْمَنْبُوذِ يَرْمِيهِ بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لِلْمَنْبُوذِ: يَا ابْنَ الزِّنَا أَوْ يَا مَنْفِيُّ أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ مِمَّا يَقْتَضِي، نَفْيَ نَسَبِهِ عَنْ مُطْلَقِ أَبٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَبْذِهِ كَوْنُهُ ابْنَ زِنًا، هَذَا مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، خِلَافًا لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّ مَنْ قَالَ لِلْمَنْبُوذِ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فَإِنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاخِ ضَعَّفَهُ،
وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَذْفِ صَرِيحُ اللَّفْظِ قَالَ: (وَفِي التَّعْرِيضِ) وَهُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ الشَّيْءِ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ
قَالَ لِرَجُلٍ يَا لُوطِيُّ حُدَّ.
وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً فَحَدٌّ وَاحِدٌ يَلْزَمُهُ لِمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُمْ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ
[الفواكه الدواني]
لِضِدِّهِ (الْحَدُّ) حَيْثُ كَانَ بِلَفْظٍ مُفْهِمٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ عَرَّضَ غَيْرُ أَبٍ إنْ أَفْهَمَ أَيْ أَفْهَمَ الرَّمْيَ بِالزِّنَا أَوْ يَنْفِي النَّسَبَ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ، مِثَالُ التَّعْرِيضِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ: كَلَسْت بِزَانٍ أَوْ زَنَتْ عَيْنُك أَوْ مُكْرَهَةٌ أَوْ عَفِيفُ الْفَرْجِ، أَوْ لِعَرَبِيٍّ: مَا أَنْتَ بِحُرٍّ، أَوْ يَا رُومِيُّ كَانَ نَسَبُهُ لِعَمِّهِ بِخِلَافِ جَدِّهِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ الْحَدُّ كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الْقَذْفِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ التَّعْرِيضِ بِالنَّثْرِ أَوْ الشِّعْرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّعْرِيضُ مِنْ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ وَلَا يُؤَدَّبُ أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ صَرَّحَ لِوَلَدِهِ لَحُدَّ هَكَذَا مُفَادُ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: الْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ يَرْمِي وَلَدَهُ وَلَوْ صَرَّحَ بِقَذْفِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا رُوِيَ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَسَابَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: وَاَللَّهِ لَيْسَ أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ قَائِلٌ: مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ مَدْحٌ غَيْرَ هَذَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
(وَمَنْ قَالَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (لِرَجُلٍ) عَفِيفٍ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَهُ آلَةٌ (يَا لُوطِيُّ) أَوْ يَا زَانِي (حُدَّ) ثَمَانِينَ جَلْدَةً إنْ كَانَ حُرًّا، وَأَمَّا لَوْ قَذَفَ غَيْرَ عَفِيفٍ وَهُوَ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ ثُبُوتُ زِنَاهُ قَبْلَ قَذْفِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَكِنْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ، وَالْعَفِيفُ صَادِقٌ بِمَنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ وَبِمَنْ حَصَلَ مِنْهُ، لَكِنْ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَوَطْءِ بَهِيمَةٍ، وَقَوْلُنَا بِآلَةٍ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ قَاذِفِ الْمَجْبُوبِ بِفِعْلِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهِ، وَمِثْلُهُ مَنْ لَهُ ذَكَرٌ صَغِيرٌ لَا يَتَأَتَّى بِهِ الْجِمَاعُ، وَعَدَمُ الْحَدِّ لِمَنْ ذُكِرَ لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُؤَدَّبُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ أَلْفَاظِ الْقَذْفِ قَوْلُ الْمُكَلَّفِ لِنَفْسِهِ: أَنَا نَعْلٌ أَوْ أَنَا وَلَدُ زِنًا، وَإِنَّمَا حُدَّ لِنِسْبَةِ أُمِّهِ لِلزِّنَا، أَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ يَا قَحْبَةُ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا قُرْبَانُ، أَوْ يَا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبَانِ، أَوْ ذَاتِ الرَّايَةِ، أَوْ يَا عَرْصُ، أَوْ يَا تَيْسُ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ مُطِيقٍ لِلِّوَاطِ وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ يَا عِلْقُ، أَوْ يَا بَقَرَةُ، أَوْ يَا حِمَارَةُ، أَوْ يَا مُخَنَّثُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ الِاشْتِهَارَاتُ الْعُرْفِيَّةُ وَالْقَرَائِنُ الْحَالِيَّةُ فَمَتَى فُقِدَ أُحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَذْفَ وَلَا يُحَدُّ، وَمَتَى وُجِدَ أَحَدُهُمَا حُدَّ، وَإِنْ انْتَقَلَ الْعُرْفُ وَبَطَلَ بَطَلَ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: يَا نَدْلُ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ زَوْجُ الزَّانِيَةِ، وَالْآنَ اُشْتُهِرَ فِي عَدَمِ الْكَرَمِ أَوْ عَدَمِ الشَّجَاعَةِ فَلَا حَدَّ بِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَثْبُتُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَذْفِ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي شَهَادَتِهِنَّ عَلَى جِرَاحِ الْعَمْدِ، وَفِي الْقِصَاصِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَأَقُولُ: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَجِرَاحِ الْعَمْدِ بِأَنَّ الْجِرَاحَ قَدْ تَئُولُ إلَى الْمَالِ وَهُوَ مَحَلٌّ لِشَهَادَتِهِنَّ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَتَأَمَّلْهُ.
الثَّانِي: إذَا تَابَ الْقَاذِفُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يُحَدَّ بِالْفِعْلِ أَخْذًا مِنْ آيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] إلَخْ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَدَمَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ أَبَدًا عَلَى عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِأَرْبَعِ شُهَدَاءَ.
الثَّالِثُ: إذَا قَامَ الْقَاذِفُ شَاهِدَيْنِ أَنَّ الْوَالِيَ ضَرَبَ الْمَقْذُوفَ فِي الْحَدِّ فِي الزِّنَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ وَحُدَّ الشَّاهِدَانِ مَعَهُ وَلَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعٍ عَلَى رُؤْيَةِ الزِّنَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ النَّوَادِرِ.
(فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا قَالَ: الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَبِيدٌ، أَيْ وَادَّعَتْ الشُّهُودُ الْحُرِّيَّةَ صُدِّقَتْ الشُّهُودُ وَحُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إذَا قَالَ الْقَاذِفُ: الْمَقْذُوفُ عَبْدٌ فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً قَرِيبَةً أُمْهِلَ وَإِلَّا جُلِدَ، فَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ الْجَلْدِ زَالَتْ عَنْهُ جُرْحَةُ الْحَدِّ وَلَا أَرْشَ لَهُ فِي الضَّرْبِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: إذَا مَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ حَدِّ الْقَاذِفِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ الْقِيَامُ بِهِ وَإِنْ عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَوَارِثِهِ وَإِنْ قُذِفَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ وَلَدٍ وَلَدَهُ، وَأَبٍ وَأَبِيهِ وَلِكُلٍّ الْقِيَامُ بِهِ، وَإِنْ حَصَلَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ قَوْلُهُ: مِنْ وَلَدِ.
. . إلَخْ بَيَانٌ لِلْوَارِثِ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: إذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ بِالْقَذْفِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مَثَلًا، وَآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَدُّهُ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ تُلَفَّقُ لِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
(وَمَنْ قَذَفَ) مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا (جَمَاعَةً) بِأَنْ قَالَ: أَنْتُمْ زُنَاةٌ مَثَلًا.
أَوْ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ (فَحَدُّ وَاحِدٍ يَلْزَمُهُ لِمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُمْ) قَالَ خَلِيلٌ مُبَالِغًا عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ: وَإِنْ كَرَّرَ لِوَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْعَجْلَانِيَّ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَدٌّ فِي ظَهْرِك أَوْ تَلْتَعِنُ» فَلَمْ يَقُلْ حَدَّانِ، وَجَلَدَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الشُّهُودَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا حَدًّا وَاحِدًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَذَفَ الْمُغِيرَةَ وَالْمَزْنِيَّ بِهَا.
«وَجَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَذَفَةَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ مِنْهُمْ حَسَّانُ مَعَ أَنَّهُمْ قَذَفُوا
أَوْ الزِّنَا فَحَدٌّ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً.
وَمَنْ لَزِمَتْهُ حُدُودٌ وَقَتْلٌ فَالْقَتْلُ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا فِي الْقَذْفِ فَلْيَحُدَّ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ.
وَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ نَبِيذًا مُسْكِرًا حُدَّ ثَمَانِينَ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ.
وَلَا سِجْنَ عَلَيْهِ.
وَيُجَرَّدُ
[الفواكه الدواني]
عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ» .
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: قَذَفَ جَمَاعَةً أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ بِأَنْ قَالَ: أَحَدُكُمْ زَانٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(ثُمَّ) إذَا قَامَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمَقْذُوفِينَ وَحُدَّ لَهُ الْقَاذِفُ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِلْبَاقِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى،
[كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ كَرَّرَ فِعْلَ الزِّنَا]
وَلَمَّا كَانَ الْقَذْفُ جِنَايَةً وَالْأَصْلُ تَعَدُّدُ وَاجِبِهَا وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (وَمَنْ كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ) قَبْلَ حَدِّهِ (أَوْ) كَرَّرَ فِعْلَ (الزِّنَا) وَلَوْ عَشْرَ مَرَّاتٍ قَبْلَ حَدِّهِ (فَحَدُّ وَاحِدٌ) وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً فِي الشُّرْبِ عَلَى الْحُرِّ وَأَرْبَعُونَ عَلَى الرَّقِيقِ وَمِائَةٌ فِي الزِّنَا أَوْ خَمْسُونَ كَذَلِكَ.
(فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ وَشَرِبَ أَوْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينٌ آخَرُ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي حَدٌّ وَاحِدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَدَاخَلَتْ إنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ كَقَذْفٍ وَشُرْبٍ وَإِلَّا تَكَرَّرَتْ.
(وَكَذَلِكَ مَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً) تَشْبِيهٌ فِي أَنَّهُ يُحَدُّ حَدًّا وَاحِدًا لِجَمَاعَةٍ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ وَإِنْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً فَحَدٌّ وَاحِدٌ إلَخْ جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ أَوْ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَلَى قَذْفِهِمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا هُنَا عَلَى مَا إذَا قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ.
(وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَشَرْطُهَا أَوْ صِلَتُهَا (لَزِمَهُ حُدُودٌ) لِشُرْبِهِ أَوْ زِنَاهُ أَوْ سَرِقَتِهِ (وَ) لَزِمَهُ أَيْضًا (قَتْلٌ) لِقَتْلِهِ مَنْ هُوَ مُكَافِئٌ لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَوْ لَاطَ أَوْ خَارَبَ.
(فَالْقَتْلُ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ كُلِّهِ مِنْ الْحُدُودِ وَقَتْلِ غَيْرِهِ.
(إلَّا فِي) حَدِّ (الْقَذْفِ فَلْيَحُدَّ) لَهُ (قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ) لِأَنَّ قَتْلَهُ لَا يَدْفَعُ عَنْ الْمَعْرُوفِ مَعَرَّةَ الْقَذْفِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ تَقْدِيمِ حَدِّ الْقَذْفِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ هُوَ الْمَقْتُولُ الْمُقْتَصُّ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِجْزَاءُ الْقَتْلِ عَنْ الْحُدُودِ الْمَسْقَطِ لَهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ تَقَدُّمِ سَبَبِهَا عَلَى الْقَتْلِ أَوْ تَأَخُّرِهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْقَذْفِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الشُّرْبِ وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: شُرْبُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مَا يُسْكَرُ مِنْ جِنْسِهِ مُخْتَارًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ فَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلَا ذِي غُصَّةٍ وَإِنْ حَرُمَتْ، كَمَا لَا حَدَّ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: وَإِنْ حَرُمَتْ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلْغُصَّةِ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرًا لَا لِغُصَّةٍ، نَعَمْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي الْجَوَازِ لِلْعَطَشِ وَالنُّصُوصُ عَدَمُ الْجَوَازِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْجُوعِ فَقَالَ: (وَمَنْ شَرِبَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ (خَمْرًا) وَهُوَ مَاءُ الْعِنَبِ الْمَغْلِيِّ عَلَى النَّارِ قَبْلَ وُصُولِهِ لِلطَّبْخِ الْمُزِيلِ لِلْإِسْكَارِ مِنْهُ.
(وَ) شَرِبَ (نَبِيذًا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُسْكِرًا وَهُوَ كُلُّ مَا يُنْبَذُ أَيْ يَطْرَحُ فِي الْمَاءِ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَحْلُوَ الْمَاءُ وَيَصِلَ إلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَنَبِيذًا: اسْمُ مَفْعُولٍ بِمَعْنَى مَنْبُوذٍ لِأَنَّ الْمَشْرُوبَ الْمَاءُ الْمَنْبُوذُ فِيهِ نَحْوُ الثَّمَرِ لَا نَفْسُ الْمَنْبُوذِ، وَالْمُرَادُ بِشُرْبِ مَا ذُكِرَ وُصُولُهُ لِلْحَلْقِ مِنْ الْفَمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُصُولُهُ إلَى الْجَوْفِ، فَلَا حَدَّ فِي الْوَاصِلِ مِنْ الْأَنْفِ وَلَا الْأُذُنِ وَلَا الْعَيْنِ وَلَوْ إلَى الْجَوْفِ لِعَدَمِ تَسْمِيَتِهِ شُرْبًا، وَلَوْ حَصَلَ الْإِسْكَارُ مِنْهُ بِالْفِعْلِ وَإِنْ حَرُمَ وَجَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ (حُدَّ) أَيْ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا، وَالرَّقِيقُ نِصْفُهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
(سَوَاءٌ سَكِرَ) بِالْفِعْلِ (أَوْ لَمْ يَسْكَرْ) سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا حَيْثُ شَرِبَهُ طَائِعًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ، فَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلَا مَنْ شَرِبَهُ لِضَرُورَةٍ كَغُصَّةٍ وَلَا ذِي عُذْرٍ كَمَنْ شَرِبَهُ يَظُنُّهُ عَسَلًا، وَيُحَدُّ الْمُخْتَارُ لِشُرْبِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ مُسْكِرٌ أَوْ جَاهِلًا لِاشْتِهَارِ حُرْمَةِ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ أَوْ ظَنَّهُ غَيْرَهُ وَإِنْ قَلَّ أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةِ لِقُرْبِ عَهْدٍ وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَصُحِّحَ نَفْيُهُ ثَمَانِينَ بَعْدَ صَحْوِهِ وَتُشْطَرُ بِالرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ، وَيُفْهَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالشُّرْبِ إنْ أَخَذَهُ عَلَى إبْرَةٍ ثُمَّ وَضَعَهَا فِي فِيهِ لَا يُحَدُّ بِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ لِمَا عَرَفَتْ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شُرْبًا وَلَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إسْكَارٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: بَعْدَ صَحْوِهِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِحَدِّهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ بَلْ يُعَادُ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ الْعَذَابَ، وَشَرْطُ حَدِّهِ ثُبُوتُ شُرْبِهِ إمَّا بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ صَحْوِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى الشُّرْبِ أَوْ عَلَى رَائِحَةِ الْخَمْرِ مِنْ فَمِهِ أَوْ عَلَى تَقَايُئِهِ خَمْرًا، وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الشُّرْبِ وَالْآخَرُ عَلَى الرَّائِحَةِ قَالَ خَلِيلٌ: إنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَ بِشُرْبٍ أَوْ شَمَّ وَإِنْ خُولِفَا، أَوْ يَدْخُلَ فِي الْمُخَالِفَةِ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِأَنَّ مَشْرُوبَهُ خَمْرٌ وَعَدْلَانِ أَنَّهُ عَسَلٌ مَثَلًا، أَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ رَائِحَةَ فَمِهِ خَمْرٌ وَآخَرَانِ أَنَّ رَائِحَتَهُ ثُومٌ مَثَلًا فَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُثَبِّتَةَ تُقَدَّمَ شَهَادَتُهَا عَلَى النَّافِيَةِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا وَقْتَ كَذَا، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ قَتْلُ فُلَانٍ الْمَذْكُورِ قَالَ سَحْنُونٌ: يُقْتَلُ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ حُكْمًا أَوْلَى مِمَّنْ نَفَاهُ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ أَنَّ الشَّارِبَ يُحَدُّ وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ السُّكْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَدَّ مُرَتَّبٌ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ جِنْسُهُ لَا عَلَى السُّكْرِ بِالْفِعْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَلَوْ مَصَّةً وَاحِدَةً» .
وَمَا
الْمَحْدُودُ وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا الضَّرْبَ وَيُجْلَدَانِ قَاعِدِينَ.
وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ.
وَلَا مَرِيضٌ مُثَقَّلٌ حَتَّى يَبْرَأَ.
وَلَا يُقْتَلُ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ وَلْيُعَاقَبْ.
وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ
[الفواكه الدواني]
فِي أَبِي دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» .
وَقَيَّدْنَا الشَّارِبَ بِالْمُسْلِمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِالْمُكَلَّفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَا حَدَّ عَلَى الْغَالِطِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ بِالشُّرْبِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْجَامِدَ الْمُسْكِرَ جِنْسُهُ لَا حَدَّ عَلَى مُسْتَعْمِلِهِ كَالتَّاتُورَةِ وَالْحَشِيشَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْحَدِّ بِهِ وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِهِ لِوُجُوبِ حِفْظِ الْعَقْلِ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، وَأَيْضًا لَا تَلْزَمُ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْحَدِّ.
وَلَمَّا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ حَبْسِ الشَّارِبِ بَعْدَ الْحَدِّ وَكَانَ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ سَجْنِهِ قَالَ: (وَلَا سِجْنَ) وَاجِبٌ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشَّارِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَدِّهِ وَلَوْ تُكَرَّرَ مِنْهُ الشُّرْبُ وَلَا يُطَافُ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا اُشْتُهِرَ بِالشُّرْبِ يُطَافُ بِهِ وَيُشَهَّرُ أَمْرُهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالتَّجْرِيسِ لِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ.
[صِفَةِ الْمَحْدُودِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْمَحْدُودِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُجَرَّدَ الْمَحْدُودُ) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُجَرَّدَ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا الضَّرْبَ) لِتُحِسَّ بِأَلَمِ الضَّرْبِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجَرَّدْ كَالرَّجُلِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، قَالَ: وَجُرِّدَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُجْعَلَ فِي قُفَّةٍ وَيُجْعَلَ تَحْتَهَا شَيْءٌ مِنْ تُرَابٍ وَيُبَلُّ بِالْمَاءِ لِأَجْلِ السَّتْرِ وَيُوَالَى الضَّرْبُ عَلَيْهَا وَلَا يُفَرَّقُ إلَّا أَنْ يُخْشَى مِنْ تَوَالِيهِ الْهَلَاكُ.
(وَ) مِنْ تَمَامِ الصِّفَةِ أَنَّهُمَا (يُجْلَدَانِ) حَالَةَ كَوْنِهِمَا (قَاعِدَيْنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَالْحُدُودُ بِسَوْطٍ وَضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ قَاعِدًا بِلَا رَبْطٍ وَلَا شَدِيدٍ بِظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: صِفَةُ الضَّرْبِ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالْفِرْيَةِ وَالتَّعْزِيرِ ضَرْبٌ وَاحِدٌ ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ لَيْسَ بِالْمُبَرِّحِ وَلَا بِالْخَفِيفِ، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ ضَمَّ الضَّارِبُ يَدَهُ إلَى جَنْبَيْهِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّرْبِ فِي الْحُدُودِ قَضِيبٌ وَشَرَاك وَلَا دِرَّةٌ وَلَكِنْ السَّوْطُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ دِرَّةً عُمَرَ لِلْأَدَبِ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَصِفَةُ السَّوْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِلْدٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَأْسَانِ وَأَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ لَيِّنًا، وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَلَا يَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ عَقْدَ التِّسْعِينَ، وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى، وَصِفَةُ عَقْدِ التِّسْعِينَ أَنْ يَعْطِفَ السَّبَّابَةَ حَتَّى تَلْقَى الْكَفَّ وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إلَيْهَا وَيَكُونَ الْمَضْرُوبُ قَاعِدًا فَلَا يُمَدُّ كَمَا يَفْعَلُهُ ظَلَمَةُ مِصْرَ، وَلَا يُرْبَطُ وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَضْطَرِبُ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ الضَّرْبُ مَوْقِعَهُ فَيَجُوزُ شَدَّهُ وَيَكُونُ الضَّرْبُ فِي ظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ، وَيَكُونُ الْمُتَوَلِّي لِلضَّرْبِ شَخْصًا مُتَوَسِّطًا لَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَلَا الضَّعْفِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُجْلَدَ) وَلَا تُرْجَمَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا تُحَدَّ (حَامِلٌ) ظَاهِرَةُ الْحَمْلُ (حَتَّى تَضَعَ) لِئَلَّا يُسْرِي إلَى مَا فِي بَطْنِهَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًا، وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْحَمْلَ بَلْ يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ فَإِنْ شَكَكْنَ فِي حَمْلِهَا أُخِّرَتْ لِتَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَطْئِهَا، وَهَذَا إذَا مَضَى لِزِنَاهَا نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ، وَإِلَّا جَازَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْحَمْلِ حِينَئِذٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ الْمُسْتَرْسِلِ عَلَى وَطْئِهَا وَإِلَّا أُخِّرَتْ لِحَيْضَةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِّرَتْ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ وَإِذَا وَضَعَتْ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ حَدُّهَا بِغَيْرِ الْقَتْلِ أُخِّرَتْ حَتَّى تُتِمَّ نِفَاسَهَا وَتَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا، وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْقَتْلَ فَبِمُجَرَّدِ وَضْعِهَا وَوُجُودِ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا وَيَقْبَلُهَا يُقَامُ عَلَيْهَا وَلَوْ فِي زَمَنِ نِفَاسِهَا.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ أَوْ يُعَزَّرَ (مَرِيضٌ مُثَقَّلٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ.
(حَتَّى يَبْرَأَ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ بِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهُ الْقَتْلَ وَلَوْ بِالرَّجْمِ لَا يُنْتَظَرُ،
وَلَمَّا كَانَ الزِّنَا وَطْءَ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ فَرْجَ الْآدَمِيِّ نَصَّ عَلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْتَلُ) وَلَا يُحَدُّ أَيْضًا (وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَانٍ شَرْعًا.
(وَلْيُعَاقَبْ) بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ ذَبْحًا وَأَكْلًا، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا» فَغَيْرُ ثَابِتٍ حَتَّى أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَكَذَا تُعَاقَبُ الْمَرْأَةُ إذَا سَاحَقَتْ غَيْرَهَا أَوْ أَدْخَلَتْ شَيْئًا بَيْنَ شَفْرَيْهَا حَتَّى يَخْرُجَ مَنِيُّهَا، كَمَا يُعَاقَبُ الرَّجُلُ بِاسْتِمْنَائِهِ بِيَدِهِ لِحُرْمَةِ كُلِّ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي مَا لَمْ يُضْطَرَّ الرَّجُلُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا جَازَ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ آذَى غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ أَذِيَّتُهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، كَمَنْ سَبَّ غَيْرَهُ أَوْ ضَرَبَهُ أَوْ فَعَلَ مَعَهُ مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْحُكْمُ فِيهِ التَّعْزِيرُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَعَزَّرَ الْإِمَامُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ بِمَا يَرَاهُ زَاجِرًا مِنْ صَفْعٍ أَوْ نَزْعِ عِمَامَةٍ وَإِقَامَةٍ مِنْ الْمَجْلِسِ أَوْ ضَرْبٍ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَيْثُ فَعَلَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ لَا مَعَ عَدَمِ ظَنِّهَا فَيَضْمَنُ مَا سَرَى إلَى النَّفْسِ أَوْ إتْلَافِ عُضْوٍ، وَلَا يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَالِ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
[بَاب السَّرِقَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الشُّرْبِ وَمَا مَعَهُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ السَّرِقَةِ وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ حُرًّا لَا يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ نِصَابًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدٍ وَاحِدٍ خُفْيَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ
وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ قُطِعَ.
إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ.
وَلَا قَطْعَ فِي الْخُلْسَةِ.
وَيُقْطَعُ فِي ذَلِكَ يَدُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ.
ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَيَدُهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَرِجْلُهُ.
ثُمَّ إنْ سَرَقَ جُلِدَ وَسُجِنَ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ.
وَإِنْ
[الفواكه الدواني]
وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ النِّصَابِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَخْرَجَ النِّصَابَ عَلَى مَرَّاتٍ، وَلَا عَلَى أَبٍ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ قَدْرَ نِصَابٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ خِفْيَةً عَمَّا لَوْ خَرَجَ جَهَارًا فَهَذَا يُسَمَّى مُخْتَلِسًا، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ الْخَائِنُ كَالضَّيْفِ وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ بِإِذْنٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّارِقَ مَنْ يَدْخُلُ خِفْيَةً وَيَخْرُجُ كَذَلِكَ، وَالْمُخْتَلِسُ مَنْ يَدْخُلُ خِفْيَةً وَيَخْرُجُ جَهْرَةً، وَالْخَائِنُ مَنْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ جَهْرَةً وَمَعَهُ إذْنٌ فَقَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ) سَرَقَ (مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ) سَرَقَ (وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ) خَالِصَةٍ (قُطِعَ) يَمِينُهُ مِنْ الْكُوعِ وَحُسِمَ بِالنَّارِ حَيْثُ كَانَتْ لَهُ يَمِينٌ سَالِمَةٌ مِنْ الشَّلَلِ وَمِنْ نَقْصِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ،
وَبَيَّنَ شَرْطَ الْقَطْعِ بِقَوْلِهِ: (إذَا سَرَقَ) مَا ذُكِرَ وَأَخْرَجَهُ (مِنْ حِرْزٍ) مِثْلِهِ، وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ هُوَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَطْعُ بِمَا ذُكِرَ وَلَوْ سَرَقَ النِّصَابَ عَلَى مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَيْثُ قَصَدَ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً وَإِلَّا فَلَا لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا إنْ تَكْمُلْ بِمِرَارٍ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَيْضًا كَوْنُ السَّارِقِ مُكَلَّفًا قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُعَاهِدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شُرُوطٍ بَعْضُهَا فِي السَّارِقِ وَبَعْضُهَا فِي الْمَسْرُوقِ، فَشَرْطُ السَّارِقِ التَّكْلِيفُ وَكَوْنُهُ غَيْرَ رَقِيقٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ أَصْلٍ لَهُ كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَإِنْ عَلَيَا، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إلَى الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ سَرَقَ مَالَ سَيِّدِهِ، وَلَا عَلَى أَصْلٍ سَرَقَ مَالَ فَرْعِهِ، وَلَا عَلَى مُضْطَرٍّ سَرَقَ طَعَامًا لِسَدِّ جَوْعَتِهِ، وَشَرْطُ الْمَسْرُوقِ إنْ كَانَ آدَمِيًّا أَنْ يَكُونَ طِفْلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لَا يَعْمَلُ لِصِغَرٍ أَوْ بَلَهٍ أَوْ بِكْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ حِينَ سَرِقَتِهِ فِي حِرْزٍ أَوْ مَعَ حَافِظٍ، وَإِنْ كَانَ مَالًا فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ وَمُحْتَرَمًا وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ رَهْنَهُ أَوْ وَدِيعَتَهُ، وَلَا عَلَى مَنْ مَلَكَ النِّصَابَ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْدِيدِ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِمَا ذُكِرَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . وَفِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَالْمِجَنُّ التُّرْسُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى الْقَطْعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ» وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ، وَعَلَى حَبْلٍ تُسَاوِي قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَاعْتُبِرَ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ سَاوَتْ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ الرُّبْعَ دِينَارٍ أَوْ نَقَصَتْ، وَلِذَا لَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ الرُّبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ تُسَاوِ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ وُجِدَتْ الدَّرَاهِمُ فِي بَلَدِ السَّرِقَةِ وَإِنْ لَمْ يُتَعَامَلْ بِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِ السَّرِقَةِ إلَّا الذَّهَبُ فَالتَّقْوِيمُ بِالذَّهَبِ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ السَّرِقَةِ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا قَطْعَ فِي الْخُلْسَةِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً وَالْخُرُوجُ بِهِ جَهْرَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ اخْتَلَسَ أَوْ كَابَرَ أَوْ هَرَبَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي الْحِرْزِ وَلَوْ لِيَأْتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَ دَابَّةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ وَلَا خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» وَالْمُنْتَهِبُ كَالْغَاصِبِ وَالْخَائِنُ الَّذِي يُؤْذَنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ كَالضَّيْفِ وَالْخُدَّامِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ،
وَلَمَّا كَانَتْ الْحُدُودُ لَا يَفْتَرِقُ فِيهَا ذَكَرٌ مِنْ أُنْثَى قَالَ: (وَيُقْطَعُ فِي) سَرِقَةِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ تُسَاوِيهَا.
(يَدُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ) الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَطْعِ ذُكُورَةٌ وَلَا حُرِّيَّةٌ وَلَا إسْلَامٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُعَاهِدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ مَنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ حَيْثُ سَرَقَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ لَكِنْ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُفِيقَ فَإِنْ قُطِعَ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَوْ جُنُونِهِ فَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ،
وَلَمَّا كَانَ قَطْعُ السَّارِقِ مِنْ خِلَافٍ قَالَ: (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) سَالِمُ الْأَعْضَاءِ مِنْ الشَّلَلِ وَنَقْصِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ مَرَّةً ثَانِيَةً.
(قُطِعَتْ رِجْلُهُ) الْيُسْرَى لِيَكُونَ الْقَطْعُ (مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ إنْ سَرَقَ) مَرَّةً ثَالِثَةً (فَيَدُهُ) الْيُسْرَى مُسْتَحِقَّةٌ لِلْقَطْعِ (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) مَرَّةً رَابِعَةً (فَرِجْلُهُ) الْيُمْنَى وَهَذَا كَمَا قَرَّرْنَا فِي سَالِمِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ أَعْسَرَ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَمِينَ لَهُ أَوْ لَهُ يَمِينٌ شَلَّاءُ أَوْ نَاقِصَةُ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ أَوَّلًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَمَرَ بِمَحْوِهِ وَإِثْبَاتِ قَطْعِ الْيَدِ الْيُسْرَى لِأَنَّ أَصْحَابَهُ ضَعَّفُوا الْمُثْبَتَ وَرَجَّحُوا الْمُمْحِقَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ الْقَطْعِ وَمَحَلُّهُ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا وَفِي الرِّجْلَيْنِ مِنْ مَفْصِلَيْ الْكَعْبَيْنِ، وَإِذَا قُطِعَ فَإِنَّهُ يُحْسَمُ بِالنَّارِ أَيْ يَكُونُ مَوْضِعُ الْقَطِيعِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» وَالْحَسْمُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْكَيُّ، هَكَذَا بَيَّنَتْ السُّنَّةُ فَقَدْ خَصَّصَتْ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]
رَجَعَ أُقِيلَ.
وَغَرِمَ السَّرِقَةَ إنْ كَانَتْ مَعَهُ وَإِلَّا اُتُّبِعَ بِهَا.
وَمَنْ أَخَذَ فِي الْحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَ السَّرِقَةَ مِنْ الْحِرْزِ وَكَذَلِكَ الْكَفَنُ مِنْ الْقَبْرِ.
وَمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَلَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ.
وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ
[الفواكه الدواني]
وَإِنَّمَا حُسِمَتْ بِالنَّارِ لِيَنْقَطِعَ جَرَيَانُ الدَّمِ بِحَرْقِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ، لِأَنَّ دَوَامَ جَرْيِهِ يُؤَدِّي إلَى مَوْتِ الْمَقْطُوعِ، وَالْحَسْمُ مِنْ حَقِّ الْمَقْطُوعِ لَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ: أَنَّ حُكْمَ الْحَسْمِ الْوُجُوبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمَقْطُوعِ فَيَأْثَمَانِ بِتَرْكِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ قُطِعَ لَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى مَا يُفِيدُ بَيَانُ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَعَمَّدَ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ يُسْرَاهُ أَوَّلًا فَالْقَوْدُ وَالْحَدُّ بَاقٍ، وَخَطَأٌ أَجْزَأَ حَيْثُ وَقَعَ الْخَطَأُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا حَيْثُ وَقَعَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا وَالْحَدُّ بَاقٍ وَعَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةُ.
(ثُمَّ إنْ سَرَقَ) السَّالِمُ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً خَامِسَةً أَوْ النَّاقِصُ الْيَمِينِ مَرَّةً رَابِعَةً.
(جُلِدَ وَسُجِنَ) بَعْدَ التَّعْزِيرِ، قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ عُزِّرَ وَحُبِسَ وَلَا يُقْتَلُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مُنْتَهَى الْحَبْسِ وَلَعَلَّهُ لِظُهُورِ تَوْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا نَفَقَتَهُ وَأُجْرَةَ حَبْسِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي نَفَقَةِ الْمُغَرَّبِ فِي الزِّنَا وَالْحِرَابَةِ.
[مَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَقَرَّ) طَائِعًا (بِسَرِقَةِ) طِفْلٍ أَوْ نِصَابٍ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ.
(قُطِعَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَثَبَتَ أَيْ الْقَطْعُ بِإِقْرَارٍ إنْ طَاعَةً وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ أَوْ أَخْرَجَ الْقَتِيلَ فَشَرْطٌ فِي الْقَطْعِ بِالْإِقْرَارِ وَالطَّوْعِ، فَإِنْ أَقَرَّ مُكْرَهًا لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُقِرَّ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُقِرُّ مُكْرَهًا مَعْرُوفًا بِالْعَدَاءِ أَمْ لَا.
وَفِي ابْنِ عَاصِمٍ مَا يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا حُبِسَ الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ بِهَا فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ وَعَزَّاهُ لِسَحْنُونٍ وَقَالَ فِي مَنْظُومَتِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مُطَالَبًا مَنْ يُتَّهَمْ ... فَمَالِكٌ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ حَكَمْ
وَحَكَمُوا بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ ... مِنْ ذَاعِرٍ يُحْبَسُ لِاخْتِيَارِ
فَإِنْ قِيلَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ مِنْ اعْتِبَارِ الطَّوْعِ فِي الْإِقْرَارِ فَمَا فَائِدَةُ حُكْمِ مَالِكٍ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ أَوْ تَظْهَرُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ إقْرَارِهِ، وَبَقِيَ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْقَطْعُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ وَيَسْتَفْسِرُهُمَا الْقَاضِي عَنْ الْمَسْرُوقِ مَا هُوَ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَإِلَى أَيْنَ أُخْرِجَ؟ فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا مَعَ الْيَمِينِ ثَبَتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَكُونُ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ إقْرَارِ السَّارِقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ فَحَلَفَ الطَّالِبُ أَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ وَاحِدٌ وَحَلَفَ أَوْ أَقَرَّ السَّيِّدُ فَالْغُرْمُ بِلَا قَطْعٍ وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ فَالْعَكْسُ.
وَلَمَّا كَانَ قَطْعُ الْمُقِرِّ مَشْرُوطًا بِالتَّمَادِي عَلَى الْإِقْرَارِ قَالَ: (وَإِنْ رَجَعَ) السَّارِقُ عَنْ إقْرَارِهِ (أُقِيلَ) أَيْ تُرِكَ قَطْعُهُ بِخِلَافِ الْمَالِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقِيلَ رُجُوعُهُ وَلَوْ بِلَا شُبْهَةٍ، وَمِثْلُهُ الزَّانِي وَالشَّارِبُ وَالْمُحَارِبُ وَمَنْ أَقَرَّتْ بِالْإِحْصَانِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَطْعِ السَّارِقِ عَدَمُ غُرْمِهِ الْمَالَ مُطْلَقًا لِئَلَّا تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ قَالَ: (وَغَرِمَ) السَّارِقُ (السَّرِقَةَ إنْ كَانَتْ مَعَهُ) بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِلسَّارِقِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ قَهْرًا عَلَى رَبِّهِ وَيَدْفَعَ لَهُ قِيمَتَهُ، وَإِلَّا فَرَّقَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تُوجَدْ السَّرِقَةُ مَعَهُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ (اُتُّبِعَ بِهَا) أَيْ لَمْ يُقْطَعْ مُطْلَقًا أَوْ يُقْطَعُ حَيْثُ اتَّصَلَ يَسَارُهُ لِأَنَّ الْيَسَارَ الْمُتَّصِلَ كَالْمَالِ الْقَائِمِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ مُطْلَقًا أَوْ قُطِعَ إنْ أَيْسَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا آخِرِ الْبَابِ.
وَلَمَّا كَانَ قَطْعُ السَّارِقِ مَشْرُوطًا بِإِخْرَاجِ النِّصَابِ مِنْ الْحِرْزِ قَالَ: (وَمَنْ أَخَذَ فِي الْحِرْزِ) قَبْلَ إخْرَاجِ النِّصَابِ (لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَ السَّرِقَةَ مِنْ الْحِرْزِ) وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَهَا لَقُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ هُوَ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي وَصْفِ النِّصَابِ: يُخْرَجُ مِنْ حِرْزٍ بِأَنْ لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ هُوَ أَوْ ابْتَلَعَ دُرَّا أَوْ ادَّهَنَ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ نِصَابٌ أَوْ أَشَارَ إلَى شَاةٍ بِالْعَلَفِ فَخَرَجَتْ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ سَوَاءٌ بَقِيَتْ أَوْ أُخِذَتْ، وَيَخْتَصُّ الْقَطْعُ بِمَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْحِرْزِ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَهَا لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ حِرْزِهَا.
(وَكَذَلِكَ الْكَفَنُ) لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ (مِنْ الْقَبْرِ) وَلِلْبَحْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ الْمَطْرُوحِ فِيهِ مُكَفَّنًا كَالْقَبْرِ فَهُوَ حِرْزٌ لِكَفَنِ الْمَيِّتِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ سَرِقَةِ الْكَفَنِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ سَرِقَةُ نَفْسِ اللَّحْدِ وَهُوَ غِشَاءُ الْقَبْرِ الَّذِي يُسَدُّ بِهِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ رُخَامٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَرَقَ الْخَيْمَةَ أَوْ مَا فِيهَا أَوْ مَا فِي الْحَانُوتِ أَوْ مِنْ فِنَائِهِمَا، أَوْ سَرَقَ الْمَحْمَلَ أَوْ مَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَإِنْ غَيَّبَ عَنْهُنَّ،
فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ وَمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا إقْرَارَ لَهُ.
وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي الْجُمَّارِ وَلَا فِي النَّخْلِ وَلَا فِي الْغَنَمِ الرَّاعِيَةِ حَتَّى تُسْرَقَ مِنْ مُرَاحِهَا وَكَذَلِكَ التَّمْرُ مِنْ الْأَنْدَرِ.
وَلَا يُشْفَعُ لِمَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ فِي السَّرِقَةِ وَالزِّنَا
[الفواكه الدواني]
أَوْ سَرَقَ مِنْ الْجَرِينِ أَوْ مِنْ سَاحَةِ الدَّارِ حَيْثُ كَانَ السَّارِقُ أَجْنَبِيًّا مَحْجُوزًا عَلَيْهِ فِي دُخُولِهَا، أَوْ مِنْ السَّفِينَةِ حَيْثُ سَرَقَ مِنْ خِنِّهَا أَوْ سَرَقَهُ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَتَاعِ وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ مِنْ رُكَّابِهَا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَتَاعِ حَيْثُ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّارِقَ مِنْ خِنِّهَا أَوْ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَتَاعِ يُقْطَعُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَنْ سَرَقَ مَا عَلَى ظَهْرِهَا وَفِي غِيبَةِ رَبِّهِ فَلَا يُقْطَعُ إلَّا إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا.
وَلَمَّا كَانَ السَّارِقُ هُوَ الدَّاخِلُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَتَاعِ وَيَأْخُذُ الشَّيْءَ خُفْيَةً وَيَخْرُجُ كَذَلِكَ ذَكَرَ مُحْتَرَزَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ) كَالضَّيْفِ وَالْخُدَّامِ (لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ خَائِنٌ وَهُوَ لَا يُقْطَعُ وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمَالُ وَيُتَّبَعُ بِهِ إنْ أَعْدَمَ (وَ) كَذَلِكَ (لَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ) وَهُوَ مَنْ يَخْرُجُ جَهْرَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِيَجْمَعَهُ مَعَ نَظِيرِهِ وَهُوَ الْخَائِنُ.
وَلَمَّا كَانَ إقْرَارُ الْعَبْدِ تَارَةً يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ وَتَارَةً يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ) الْعَاقِلِ الْبَالِغِ (فِيمَا يَلْزَمُهُ) أَيْ فِيمَا يَكُونُ بِعُقُوبَةٍ (فِي بَدَنِهِ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ) كَإِقْرَارِهِ بِشُرْبٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ سَرِقَةٍ.
(يَلْزَمُهُ) خَبَرُ الْإِقْرَارِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي إقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ عُقُوبَةَ بَدَنِهِ.
(وَمَا كَانَ) مِنْ إقْرَارِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِشَيْءٍ (فِي رَقَبَتِهِ) كَإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ أَخْذَ رَقَبَتِهِ فِيهِ.
(فَلَا إقْرَارَ لَهُ) صَحِيحٌ يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِجَلْبِ نَفْعٍ لِلْمُقِرِّ لَهُ، إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ الْمَحْضِ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ.
(وَلَا قَطْعَ فِي) سَرِقَةِ (ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ) عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ مِنْ أَصْل خِلْقَتِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ بَابٌ مَغْلُوقٌ، وَقِيلَ الْمَغْلُوقُ عَلَيْهِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا قَطْعَ فِيهِ: أَوْ ثَمَرٌ مُعَلَّقٌ إلَّا بِغَلْقٍ فَقَوْلَانِ، وَهَذَا فِي الْمُعَلَّقِ فِي الْبَسَاتِينِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرِ فِي الدُّورِ أَوْ الْبُيُوتِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ سَارِقُهُ لِأَنَّهُ فِي حِرْزٍ.
وَقَوْلُنَا: مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ قُطِعَ وَعُلِّقَ عَلَى الشَّجَرِ فَهَذَا لَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ وَلَوْ بِغَلْقٍ، وَأَمَّا لَوْ قُطِعَ وَوُضِعَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ لِوَضْعِهِ فِيهِ قِيلَ الْجَرِينُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَطْعُ مُطْلَقًا، عَدَمُ الْقَطْعِ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا إنْ كُدِّسَ، وَيُقْطَعُ لِشَبَهِهِ بِمَا فِي الْجَرِينِ وَإِلَّا فَلَا لِشَبَهِهِ بِمَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الثَّمَرَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: كَوْنُهُ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ وَعَلَيْهِ غَلْقٌ أَوْ لَا، أَوْ يَجُذُّ وَيُوضَعُ بِمَكَانٍ لِيُنْقَلَ مِنْهُ إلَى الْجَرِينِ أَوْ يُوضَعُ فِي الْجَرِينِ، فَفِي السَّرِقَةِ مِنْهَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ غَلْقٍ لَا قَطْعَ وَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَيُغْلَقُ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ قُطِعَتْ وَقَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْجَرِينِ فَفِيهَا الْأَقْوَالُ، وَأَمَّا سَرِقَتُهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي الْجَرِينِ فَالْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا يَأْتِي.
(وَلَا) قَطْعَ أَيْضًا (فِي الْجُمَّارِ) وَهُوَ الْقَلْبُ الْكَائِنُ (فِي النَّخْلِ) لِأَنَّهُ كَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ.
(وَلَا) قَطْعَ أَيْضًا (فِي الْغَنَمِ الرَّاعِيَةِ) حَالَ رَعْيِهَا كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهَا كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُعَدُّ حِرْزًا فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ جَالِسًا بِهِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهَا فِي حَالِ رَعْيِهَا تَكُونُ مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِرَبِّهَا.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (حَتَّى تُسْرَقَ مِنْ مُرَاحِهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ مَوْضِعِ مَقِيلِهَا وَمَوْضِعِ رُقَادِهَا عَقِبَ الرَّوَاحِ مِنْ الْمَرْعَى وَقَبْلَ الذَّهَابِ إلَى الرَّعْيِ، فَيُقْطَعُ السَّارِقُ لَهَا وَهِيَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رَاعٍ أَمْ لَا، وَمِثْلُ السَّرِقَةِ مِنْ الْمَرَاحِ السَّرِقَةُ مِنْهَا حَالَ سَيْرِهَا لِلْمَرْعَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهَا فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً، وَلِذَلِكَ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ الْإِبِلِ الْمَجْمُوعَةِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْجَامُوسِ فِي حَالِ سَيْرِهَا إلَى الْمَرْعَى، وَيُقْطَعُ السَّارِقُ لِشَيْءٍ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ إبَانَتِهِ عَنْ بَاقِيهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْإِبَانَةُ بَيِّنَةً، وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي الْقَطْعِ بِمُجَرَّدِ الْإِبَانَةِ سَرِقَةُ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ أَوْ قَنَادِيلِهَا أَوْ حُصُرِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ سُقُوطِهَا، وَلِذَلِكَ اعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَوْلَ خَلِيلٍ: أَوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ أَوْ بُسُطَهُ قَائِلًا: الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ الْقَطْعِ بِمُجَرَّدِ إزَالَتِهَا عَنْ مَحَلِّهَا فَرَاجِعْهُ.
(وَكَذَلِكَ) لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ (الثَّمَرِ) حَتَّى يُسْرَقَ (مِنْ الْأَنْدَرِ) وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْجُرْنِ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ أَوْ بَعِيدًا عَنْهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا جُمِعَ الْحَبُّ أَوْ التَّمْرُ فِي الْجَرِينِ وَغَابَ رَبُّهُ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلَا حَائِطٌ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَمِنْ غَيْرِ حَارِسٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ الشَّفَاعَةِ فِيمَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ (يَشْفَعَ لِمَنْ بَلَغَ) أَمْرُهُ (الْإِمَامَ) فِي عَدَمِ حَدِّهِ (فِي السَّرِقَةِ وَالزِّنَا) بَلْ يَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا وَلَوْ تَابَا وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُمَا، لِأَنَّ الْحَدَّ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ يَصِيرُ حَقًّا لِلَّهِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الشَّفَاعَةُ فِي إسْقَاطِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَرْكُهُ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ فِي مُوَطَّئِهِ: «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ طَارِقٌ
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فِي الْقَذْفِ.
[حُكْم الشَّفَاعَةِ فِيمَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ]
وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْكُمِّ قُطِعَ وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْهُرْيِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَالْمَغْنَمِ فَلْيُقْطَعْ وَقِيلَ إنْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ مِنْ الْمَغْنَمِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قُطِعَ.
وَيُتْبَعُ السَّارِقُ إذَا قُطِعَ بِقِيمَةِ مَا فَاتَ مِنْ السَّرِقَةِ فِي مَلَائِهِ وَلَا يُتْبَعُ فِي عُدْمِهِ وَيُتْبَعُ فِي عُدْمِهِ بِمَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ.
[الفواكه الدواني]
فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ فَقَالَ لَا حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ السُّلْطَانَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إذَا بَلَغَتْ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ.
وَوَرَدَ أَيْضًا: «تَشَفَّعُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ فِي الْحُدُودِ فَإِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّفِيعَ وَالْمَشْفُوعَ لَهُ» .
(تَنْبِيهٌ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ فِيمَا ذُكِرَ قَبْلَ عِلْمِ الْإِمَامِ وَلَوْ كَانَ الْمَشْفُوعُ لَهُ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَأَمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ فَلَا يَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِي حَدِّهَا لِلْمَعْرُوفِ بِالْفَسَادِ وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
(وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ (فِي الْقَذْفِ) عَلَى قَوْلَيْنِ: الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْمَقْذُوفِ، وَالْمَنْعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ إنْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ السَّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سَتْرًا، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِسُؤَالِ الْإِمَامِ خُفْيَةً عَنْ حَالِ الْمَقْذُوفِ، فَإِذَا بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ ظُهُورَ الْأَمْرِ جَازَ عَفْوُهُ، وَانْظُرْ لَوْ أَرَادَ بِعَفْوِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ يُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ مِنْ الْقَاذِفِ بَعْدَ حَدِّهِ هَلْ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاذِفُ أَبًا أَوْ أُمًّا وَإِلَّا جَازَ الْعَفْوُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا، وَهَذَا أَيْضًا فِي الْقَائِمِ بِحَقِّ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ هُوَ الْمَقْذُوفُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَائِمًا بِحَقِّ غَيْرِهِ كَالِابْنِ يَقُومُ بِحَقِّ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ الْمَقْذُوفَيْنِ وَقَدْ مَاتَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الَّذِي قَذَفَهُمَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ مَاتَ وَالْعَفْوُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ.
(تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْعَفْوِ عَنْ الَّذِي يُوجَبُ تَعْزِيرُهُ وَالشَّفَاعَةُ فِيهِ وَالْحُكْمُ الْجَوَازُ وَلَوْ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ قَالَهُ الْحَطَّابُ، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَقِبَ كَلَامِهِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّعْزِيرُ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ) نَحْوِ (الْكُمِّ) كَالْجَيْبِ وَالْعِمَامَةِ وَالْحِزَامِ (قُطِعَ) لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ لِأَنَّ صَاحِبَهُ حِرْزٌ لَهُ وَلَوْ كَانَ فِي فَلَاةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِهِ الْحَافِظُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: كَكُلِّ شَيْءٍ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْحِفْظُ وَلَوْ نَائِمًا لَهُ شُعُورٌ إلَّا الْمُصَاحِبَ لِلْغَنَمِ فِي الْمَرْعَى، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَنْ سَرَقَ شَيْئًا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُقْطَعُ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الشَّيْءَ وَصَاحِبَهُ لَا يُقْطَعُ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا لَوْ سَرَقَ الدَّابَّةَ مَعَ رَاكِبِهَا أَوْ سَفِينَةً مَعَ صَاحِبِهَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْهُرْيِ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَقِيلَ بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ مَعَ كَسْرِ الرَّاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيْتُ يَجْعَلُهُ نَحْوُ السُّلْطَانِ لِلْمَتَاعِ أَوْ الطَّعَامِ.
(وَ) مَنْ سَرَقَ مِنْ (بَيْتِ الْمَالِ) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْعَلُهُ السُّلْطَانُ لِلْمَالِ.
(وَ) مَنْ سَرَقَ مِنْ (الْمَغْنَمِ) بَعْدَ حَوْزِهِ (فَلْيُقْطَعْ) جَوَابُ مَنْ سَرَقَ لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَإِنَّمَا قُطِعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِضَعْفِ شُبْهَتِهِ فِيهِ وَيَدْخُلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الشُّوَنُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِالْهُرْيِ فِي كَلَامِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ مُنْتَظِمًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الْمَغْنَمِ مِمَّا يَخُصُّهُ أَوْ قَدْرَهُ عَلَى الرَّاجِحِ.
(وَقِيلَ إنْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ مِنْ الْمَغْنَمِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ) وَإِلَّا فَلَا يُقْطَعُ وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ: وَلِذَا أَطْلَقَ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٍ إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ، وَإِنَّمَا قُطِعَ الْعُضْوُ الَّذِي دِيَتُهُ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ بِسَرِقَةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِيهَا
مُرَاعَاةً لِلْمُصْلِحَةِ
، لِأَنَّا لَوْ لَمْ نُشَدِّدْ فِي ذَلِكَ لَسَارَعَتْ الْأَشْرَارُ بِسَرِقَةِ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ تَسَاهَلْنَا فِي دِيَتِهَا لَتَجَرَّأَتْ النَّاسُ عَلَى الْجِنَايَةِ وَأَيْضًا عَنْ الْأَمَانَةِ أَغْلَاهُ حَتَّى أَوْجَبَ عَلَى قَاطِعِهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ وَذُلَّ الْخِيَانَةِ أَوْ خَصَّهُ حَتَّى اسْتَحَقَّ الْقَطْعَ فِي سَرِقَةِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ لَا يُقْطَعُ وَيُتَّبَعُ بِالْمَالِ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ أَشَارَ إلَى حُكْمِ مَا إذَا قُطِعَ بِقَوْلِهِ: (وَيُتَّبَعُ السَّارِقُ إذَا قُطِعَ بِقِيمَةِ مَا فَاتَ مِنْ السَّرِقَةِ فِي مَلَائِهِ) الْمُسْتَمِرِّ مِنْ يَوْمِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْسَرَ فِيمَا بَيْنَ سَرِقَتِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ لَسَقَطَ عَنْهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُتَّبَعُ) بَعْدَ قَطْعِهِ (فِي) حَالِ (عُدْمِهِ) وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ إذَا قُطِعَ بِقَوْلِهِ: (وَيُتَّبَعُ فِي عُدْمِهِ بِمَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ) إمَّا لِعَدَمِ كَمَالِ النِّصَابِ أَوْ لِرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ إنْ لَمْ يُقْطَعْ مُطْلَقًا أَوْ قُطِعَ إنْ أَيْسَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ فِي هَذَا تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَإِنْ رَجَعَ أُقِيلَ وَغُرِّمَ السَّرِقَةَ لِأَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِمَّا سَبَقَ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ تَكْرَارًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
خَاتِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ) مِنْهَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِتَوْبَتِهِ وَلَا ظُهُورِ عَدَالَتِهِ سِوَى حَدِّ الْحِرَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ عُضْوٍ بِسَرِقَتِهِ ثُمَّ قُطِعَ ذَلِكَ الْعُضْوُ إلَّا بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ شَخْصٌ فَقَطَعَهُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ الْقَطْعَ بِالسَّرِقَةِ أَوْ قُطِعَ قِصَاصًا بِجِنَايَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ سَرِقَتِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ السَّارِقِ حَدُّ السَّرِقَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَ الْحَدُّ إنْ سَقَطَ الْعُضْوُ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا لَوْ قُطِعَ قِصَاصًا بَعْدَ السَّرِقَةِ لَكِنْ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى السَّرِقَةِ لَوَجَبَ الِانْتِقَالُ إلَى عُضْوٍ آخَرَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحُدُودَ الْمُتَّحِدَةَ الْقَدْرِ يَكْفِي فِيهَا حَدٌّ وَاحِدٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَةُ الْقَدْرِ فَيَجِبُ إقَامَةُ الْجَمِيعِ وَيَبْدَأُ بِأَشَدِّهَا عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُدُودٌ وَوَجَبَ قَتْلُهُ فَإِنَّ قَتْلَهُ يَكْفِي عَنْ الْجَمِيعِ إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ فَيَجِبُ حَدُّهُ قَبْلَ قَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ وَالْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَكَانَ شَأْنُهَا كَثْرَةَ النِّزَاعِ فِيهَا الْمُحْوِجَةَ إلَى الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، ذَكَرَ بَابَ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ عَقِبَهَا فَقَالَ:
(بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ)
[الفواكه الدواني]
[بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]
(بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (الْأَقْضِيَةِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ كَقَبَاءٍ وَأَقْبِيَةٍ، وَأَصْلُ قَضَاءٍ قَضَائِي لِأَنَّهُ مِنْ قَضَيْت وَالْهَمْزَةُ تُبْدَلُ مِنْ الْيَاءِ وَالْوَاوِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ كَسَمَاءٍ وَبِنَاءٍ، وَجُمِعَ عَلَى أَقْضِيَةٍ لِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
وَالْزَمْهُ فِي فَعَالٍ أَوْ فِعَالٍ ... مُصَاحِبَيْ تَضْعِيفٍ أَوْ إعْلَالِ
وَالضَّمِيرُ فِي الْزَمْهُ عَائِدٌ عَلَى جَمْعِ أَفْعِلَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَقَضَاءٌ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ فَيُجْمَعُ عَلَى أَفْعِلَةٍ فَيُقَالُ أَقْضِيَةٌ وَمِثْلُ قَضَاءٍ قَضِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَى قَضَايَا كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا، وَمَعْنَى الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ فِي اللُّغَةِ الْحُكْمُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] أَيْ حَكَمَ وَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ نَحْوُ قَضَيْت حَاجَتِي بِمَعْنَى فَرَغْت مِنْهَا، وَبِمَعْنَى الْفَصْلِ نَحْوُ قَضَى الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِمَعْنَى فَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ شَرْعًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا وِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَأَخَوَاتُهَا، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَضَاءَ نَافِذٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ، وَلَا تَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا تَرْتِيبُ الْجُيُوشِ، وَلَا قَتْلُ الْبُغَاةِ، وَلَا الْإِقْطَاعَاتُ وَهِيَ إعْطَاءُ الْأَطْيَانِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ.
(وَ) فِي أَحْكَامِ (الشَّهَادَاتِ) جَمْعُ شَهَادَةٍ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْبَيَانُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الرَّسُولُ شَاهِدًا وَالْعَالِمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُبَيِّنَانِ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ قَوْلٌ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعَهُ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ مَعَ تَعَدُّدِهِ أَوْ حَلَفَ طَالِبُهُ، فَقَوْلُهُ: يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إلَخْ يُخْرِجُ الرِّوَايَةَ وَالْخَبَرَ الْقَسِيمَ لِلشَّهَادَةِ وَإِخْبَارُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَى مَا كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ التَّعَدُّدِ أَوْ الْحَلِفِ، وَتَدْخُلُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَبِهَذَا تَمَيَّزَتْ الرِّوَايَةُ مِنْ الشَّهَادَةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْمُجْبَرِ عَنْهُ لَا تَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَأَيْضًا الرِّوَايَةُ خَبَرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالشَّهَادَةُ إمَّا إخْبَارٌ لَفْظًا وَإِنْشَاءٌ مَعْنًى لَا مَحْضٌ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ، وَإِمَّا مَحْضٌ إنْشَاءً وَبِهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوْلُ الشَّاهِدِ أَشْهَدُ بِكَذَا إنْشَاءٌ إذًا لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، وَأَيْضًا الشَّهَادَةُ يُطْلَبُ فِيهَا التَّعَدُّدُ أَوْ حَلِفُ الطَّالِبِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: الشَّهَادَةُ قَوْلٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ شُرُوطَ الْقَضَاءِ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْقَاضِي وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا بِفَضْلِ اللَّهِ فَنَقُولُ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَقِسْمٌ وَاجِبٌ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَقِسْمٌ مُسْتَحَبٌّ، فَالْوَاجِبُ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ كَوْنُهُ عَدْلًا ذَكَرًا فَطِنًا مُجْتَهِدًا إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَشْهُورِ مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَالْوَاجِبُ الْغَيْرُ الشَّرْطِيِّ كَوْنُهُ بَصِيرًا سَمِيعًا مُتَكَلِّمًا فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ أَضْدَادِهَا فَإِنْ وَلَّى وَحَكَمَ مَضَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ، وَاَلَّذِي لَا يَكْتُبُ كَالْأَعْمَى لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا وَتَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ لِلْفَتْوَى، وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ غَنِيًّا بَلَدِيًّا وَرِعًا حَلِيمًا مُسْتَشِيرًا لِلْعُلَمَاءِ غَيْرَ مَدِينٍ، وَكَوْنُهُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَغَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ وَغَيْرَ مَحْدُودٍ وَخَالِيًا عَنْ بِطَانَةِ السُّوءِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا حُكْمَ الْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَنَقُولُ: الْقِيَامُ بِهِ تَعْتَرِيهِ أَحْكَامٌ سِتَّةٌ: الْوُجُوبُ الْكِفَائِيُّ عِنْدَ
وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَلَا يَمِينَ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ أَوْ الظِّنَّةُ كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
[الفواكه الدواني]
وُجُودِ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ، وَالْجَوْرُ فِيهِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مِحْنَةٌ مَنْ دَخَلَ فِيهِ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ لِتَعْرِيضِهِ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، إذْ التَّخَلُّصُ فِيهِ عُسْرٌ لِخَبَرِ النَّسَائِيّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ وَحَكَمَ لِلنَّاسِ بِالْجَهْلِ فَهُوَ فِي النَّارِ» . وَالْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِشُرُوطِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً - إنْ لَمْ يَتَوَلَّ - أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِالضَّرْبِ.
وَالْمُحَرَّمُ كَوْنُهُ جَاهِلًا أَوْ قَاصِدًا بِهِ تَحْصِيلَ الدُّنْيَا مِنْ الْأَخْصَامِ أَوْ جَائِرًا، وَالْمُسْتَحَبُّ كَتَوْلِيَتِهِ لِإِشْهَارِ عِلْمِهِ، وَالْمُبَاحُ كَقَصْدِ الِارْتِزَاقِ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِفَقْرِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ أَوْ كَرَاهَتَهُ.
وَالْمَكْرُوهُ كَتَوْلِيَتِهِ لِقَصْدِ تَحْصِيلِ الْجَاهِ وَتَصْيِيرِهِ عَظِيمًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ هَذَا لِمَا بَعْدَ هَذَا.
قَالَ بَعْضٌ: وَأَقُولُ الْقِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ أَنَّ مَعْنَى صَيْرُورَتِهِ مُعَظَّمًا بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَا جَاهٍ وَأَنَفَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَمُحَالٌ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقِيلِ يَقْصِدُ هَذَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُرِيدُهُ بِصَيْرُورَتِهِ مُعَظَّمًا أَنْ يَصِيرَ مُحْتَرَمًا بِحَيْثُ لَا يُعَارَضُ فِي أَمْرٍ يَفْعَلُهُ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يُنَصِّبُ الْقَاضِيَ وَاَلَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الَّذِي يُقِيمُونَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ السُّلْطَانِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ لِلْقَاضِي بِالْمُشَافَهَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَتْ بِإِرْسَالٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فَوْرِيَّةُ الْقَبُولِ، وَيَكْفِي فِي الْوِلَايَةِ مَعْرِفَةُ خَطِّ الْمُوَلَّى دُونَ إشْهَادٍ وَيَكْفِي فِيهَا الشُّيُوعُ، فَلَوْ حَكَمَ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ مَضَى، وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الِاسْتِنَابَةِ خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، بِخِلَافِ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا إذَا كَانَ جَالِسًا وَقْتَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ
وَصَدَّرَ الْبَابَ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ عُرِّيَتْ دَعْوَاهُ عَنْ مُرَجِّحٍ غَيْرِ شَهَادَةٍ.
(وَالْيَمِينُ عَلَى) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (مَنْ أَنْكَرَ) وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ اقْتَرَنَتْ دَعْوَاهُ بِهِ أَيْ بِالْمُرَجِّحِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدَّقٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ، أَوْ تَقُولُ: الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَقُولُ كَانَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَمْ يَكُنْ، أَوْ تَقُولُ: الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي لَوْ سَكَتَ لَتُرِكَ عَلَى سُكُوتِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَوْ سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ عَلَى سُكُوتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مَنْ عَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ عَرَفَ وَجْهَ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي رِفْقًا بِالْأُمَّةِ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَبُ مِنْ الْمُدَّعِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، كَمَا أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مُنْكِرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْ قَوْلُهُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي إلَخْ مَخْصُوصٌ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّدْمِيَةُ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَفْتَقِرُ فِيهَا إلَى بَيِّنَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بَلْ يَكْفِي اللَّوَثُ وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا سَبَقَ.
وَثَانِيهِمَا: الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي أَنَّ الْغَاصِبَ لَهَا وَطِئَهَا فَلَا تُكَلَّفُ بَيِّنَةً وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا الْوَطْءَ اتِّفَاقًا، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مُقَيَّدٍ بِالدَّعْوَى فِي الَّذِي يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لَا فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا، فَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ أَوْ عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الدَّعْوَى.
وَمَفْهُومُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا نِكَاحٍ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَا عَلَى وَلِيِّهَا، فَإِنْ حَلَفَ الزَّوْجُ فِي الطَّلَاقِ وَالسَّيِّدُ فِي الْعِتْقِ رُدَّتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ دَيْنٌ فِيهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ شِدَّةُ ظُهُورِ النِّكَاحِ دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ تَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) أَيْ وَلَكِنْ لَا يَطْلُبُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (يَمِينَ) بِمُجَرَّدِ إنْكَارِهِ بَلْ (حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: حَالَةٌ تُرْفَعُ بَعْدَ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى لَا لِسُوءِ عَرْضِهِمَا فَيَخْرُجُ السَّرِقَةُ وَالْغَصْبُ، فَإِنَّ الدَّعْوَى تَتَوَجَّهُ فِيهِمَا عَلَى الْمُتَّهَمِ لِسُوءِ عَرْضِهِمَا؛ لِأَنَّ اتِّهَامَهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْخُلْطَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ لَا بَيِّنَةٍ جُرِحَتْ، وَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ مَسَائِلُ ثَمَانِيَةٌ تَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى خُلْطَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا الصَّانِعَ وَالْمُتَّهَمَ وَالضَّيْفَ وَإِلَّا فِي دَعْوَى فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ الْوَدِيعَةِ
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ.
وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يُقْضَ لِلطَّالِبِ حَتَّى يَحْلِفَ فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَيَحْلِفُ قَائِمًا وَعِنْدَ مِنْبَرِ
[الفواكه الدواني]
عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُسَافِرِ عَلَى رُفْقَتِهِ وَدَعْوَى مَرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ.
(أَوْ الظِّنَّةُ) بِكَسْرِ الظَّاءِ أَيْ التُّهْمَةُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَتَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْخُلْطَةِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ لَيْسَتْ فِي جَمِيعِ الثَّمَانِ مَسَائِلَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُنْكِرِ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي حَالَةٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِيهَا إثْبَاتُ الْخُلْطَةِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ خَلِيلٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْخُلْطَةِ أَوْ الظِّنَّةِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْغَصْبِ أَوْ السَّرِقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَاَلَّذِي لِابْنِ نَافِعٍ أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ وَنَفَاهَا فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِمِصْرَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الشَّامِ إلَى الْآنَ فَإِنَّهُمْ يُوَجِّهُونَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ عِنْدَ عَدَمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَلَا يَسْأَلُونَ عَنْ خُلْطَةٍ وَلَا تُهْمَةٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْيَمِينِ عَلَى الْخُلْطَةِ أَوْ الظِّنَّةِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَعَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَيُخَصَّصُ بِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
وَأَيْضًا ذَكَرَ الشَّاذِلِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ» . فَلَعَلَّ اسْتِشْهَادَهُ بِقَضَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي الْخُلْطَةَ وَالظِّنَّةَ فَلَا يُنَافِي ثُبُوتَ الْخُلْطَةِ فِي الْحَدَثِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) لِأَنَّهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَفِعْلُهُ وَقَوْلُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَمَقُولَةٌ.
(تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ) جَمْعُ قَضَاءٍ أَيْ أَحْكَامٌ يَسْتَنْبِطُهَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.
(بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ) أَيْ الْكَذِبِ وَالْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ أَحْكَامًا لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ الشَّرْعِ، وَلَكِنْ لَوْ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَحَكَمُوا فِيهَا بِذَلِكَ نَحْوُ الْقِيَامِ الْمَطْلُوبِ فِي زَمَانِنَا لِتَرَتُّبِ الضَّرَرِ عَلَى تَرْكِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ سَبَبُهُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَنَحْوُ الْحَلِفِ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ عَلَى مَقَامِ شَيْخٍ أَوْ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَإِنَّ سَبَبَ الْقِيَامِ وَسَبَبَ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُعْهَدْ فِي زَمَنِ الْمُصْطَفَى وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي زَمَنِهِمْ لَحَكَمُوا فِيهِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا.
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْمُتَجَدِّدَةُ بِتَجَدُّدِ أَسْبَابِهَا لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ الشَّرْعِ بَلْ هِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَمَنِ الصَّحَابَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أَسْبَابِهَا، وَتَأْخِيرُ الْحُكْمِ لِتَأْخِيرِ سَبَبِهِ لَا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ حُكْمًا فِي اللِّوَاطِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَا غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَوُجِدَ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْعُقُوبَةِ، وَلَا يُعَدُّ هَذَا تَجْدِيدًا لِشَرِيعَةٍ، وَيَجِبُ تَقْيِيدُ هَذَا كُلِّهِ بِأَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَيْهِ إبَاحَةُ مُحَرَّمٍ وَلَا تَرْكُ وَاجِبٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَرْضَى مِنَّا إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ بِالزِّنَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي، أَوْ لَا يَرْضَى مِنَّا إلَّا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنَّ نُوَافِقَهُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، إذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَلَا الْحُكْمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ وَقَعَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ الْحُكْمُ بِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي فُرُوقِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ عُمَرُ لَيْسَ بِحَدِيثٍ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ
ثُمَّ قَالَ كَالْمُسْتَأْنِفِ لِجَوَابِ سُؤَالٍ نَشَأَ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهَلْ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ أَوْ بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي؟ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) يَعْنِي امْتَنَعَ مِنْ الْحَلِفِ (لَمْ يُقْضَ) أَيْ لَمْ يُحْكَمْ (لِلطَّالِبِ) الَّذِي هُوَ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَاهُ بَلْ (حَتَّى يَحْلِفَ) أَيْ الطَّالِبُ (فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً) أَيْ عِلْمًا بِأَنْ يَقُولَ: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَك دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا وَهِيَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقُّهُ اسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنْ حُقِّقَ، وَمَفْهُومُ إنْ حُقِّقَ الَّذِي هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحَقِّقْ بِأَنْ كَانَ مُوجِبُ الْيَمِينَ التُّهْمَةَ كَأَنْ يَتَّهِمَ شَخْصًا بِسَرِقَةِ مَالٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الطَّالِبُ بَلْ يَغْرَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ بِوَجْهٍ يَمِينُ التُّهْمَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَيَغْرَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ إلَّا فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقُّهُ اسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنْ حُقِّقَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الدَّعْوَى إذَا كَانَتْ دَعْوَى تَحْقِيقٍ لَا يَسْتَحِقُّ الطَّالِبُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ وَهِيَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ دَعْوَى اتِّهَامٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ رَدِّ الْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ
الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ وَفِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ وَمَوْضِعٍ يُعَظَّمُ مِنْهُ
وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ بِاَللَّهِ
[الفواكه الدواني]
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَسَامَةِ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ حِينَ قُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَمْ نَحْضُرْ فَكَيْفَ نَحْلِفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، قَالُوا: لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ» . فَهَذَا رَدُّ الْيَمِينِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً إلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلِفُ إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ تَقُومُ لَهُ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ يَمِينُ التُّهْمَةِ تَتَوَجَّهُ وَلَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْمُتَّهَمَ غَيْرُ عَالِمٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَنْ شَرْطِ الدَّعْوَى وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: أَنْ تَكُونَ بِمَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، كَأَنْ يَدَّعِي عَلَى رَشِيدٍ بِدَيْنٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ إتْلَافِ شَيْءٍ مُتَمَوِّلٍ، أَوْ عَلَى مَحْجُورٍ بِاسْتِهْلَاكِ شَيْءٍ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَأْمِينِهِ عَلَيْهِ، لَا إنْ كَانَتْ بِمَا لَا يَلْزَمُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ وَهَبَ شَيْئًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ بِالْقَوْلِ أَوْ أَنَّهُ نَذَرَ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ النَّذْرَ لَا يُقْضَى بِهِ وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ، وَكَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى مَحْجُورٍ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا شَيْءٌ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ وَكَفَاهُ بِعْت وَتَزَوَّجْت، وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى الْمَحْجُورِ فَيُكَلِّفُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ عَلَى الْمَحْجُورِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِعْذَارِ لِلْمَحْجُورِ يَمِينًا زِيَادَةً عَلَى الْبَيِّنَةِ.
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الطَّالِبِ مَعَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ فِي حُكْمِ الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ وَالْمَسَاكِينِ، أَيْ وَالْحَقُّ لَا يَثْبُتُ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَيَمِينِ الْقَضَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّعْوَى تَصِحُّ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهَا وَتَتَوَجَّهُ وَلَوْ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ سَفِيهٍ كَمَا يَصِحُّ تَوَجُّهُهَا مِنْهُمَا، فَقَدْ قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: لِلْمَحْجُورِ طَلَبُ حُقُوقِهِ كُلِّهَا عِنْدَ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ وَصِيِّهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى بُلُوغٌ وَلَا رُشْدٌ.
الثَّانِي: صِفَةُ الدَّعْوَى أَنْ يَأْمُرَ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بِالْكَلَامِ ابْتِدَاءً فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقِ الْأَصْلِ وَلَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ شَيْءٍ عَلَى مَا قَالَ الْمَازِرِيُّ وَيُبَيِّنُ سَبَبَهُ، وَإِنْ غَفَلَ عَنْ بَيَانِهِ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، فَإِذَا قَالَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ كَفَى وَيُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَقُولُ فِي دَعْوَى الِاتِّهَامِ: أَتَّهِمُ هَذَا أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعِي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَيِّنُهُ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الدَّعْوَى يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ فَيَأْمُرُ الْقَاضِي الشُّهُودَ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَكِتَابَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ خَوْفَ جَحْدِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ أَمَرَ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَامَهَا سَمِعَهَا، وَأَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: هَلْ عِنْدَك مَنْ يُجَرِّحُ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ؟ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِجُرْحَتِهَا أَمَرَهُ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ طَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ بَعْدَ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ الظِّنَّةَ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ لَا بِإِقْرَارٍ وَلَا بِإِنْكَارٍ بَلْ سَكَتَ، أَوْ قَالَ: لَا أُخَاصِمُهُ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْبِسُهُ وَيُؤَدِّبُهُ عَلَى عَدَمِ جَوَابِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ وَأُدِّبَ أَيْ بِالضَّرْبِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، ثُمَّ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فَرْعُ الْجَوَابِ وَهَذَا لَمْ يُجِبْ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَعُدُّ هَذَا إقْرَارًا مِنْهُ بِالْحَقِّ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا بِذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا سِيَّمَا الْمُبْتَدِي فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ صِفَةَ الدَّعْوَى.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْيَمِينِ الَّتِي تُطْلَبُ فِي الْحُقُوقِ بِقَوْلِهِ: (وَالْيَمِينُ) الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لَا يُوَجِّهُهَا إلَّا حَاكِمٌ أَوْ مُحَكَّمٌ فِي كُلِّ حَقٍّ سِوَى اللِّعَانِ، وَقِيلَ: وَسِوَى الْقَسَامَةِ (بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) وَلَوْ كِتَابِيًّا عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا، وَقَوْلُنَا: تُطْلَبُ فِي الْحُقُوقِ احْتِرَازٌ عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي تُكَفِّرُ فَإِنَّهَا أَعَمُّ، إذْ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَقَوْلُنَا: الَّتِي لَا يُوَجِّهُهَا إلَّا حَاكِمٌ أَوْ مُحَكَّمٌ إشَارَةً إلَى أَنَّ الطَّالِبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ خَصْمَهُ عَلَى الْحَلِفِ.
وَأَمَّا اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِيهِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَقَطْ وَأَمَّا الْقَسَامَةُ فَقِيلَ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي كُلِّ مَالٍ وَلَوْ قَلِيلًا.
وَأَمَّا تَغْلِيظُهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ فَأَكْثَرُ، وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَا يَكُونُ بِهِ التَّغْلِيظُ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ) الْمَطْلُوبُ عِنْدَ إرَادَةِ الطَّالِبِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (قَائِمًا وَعِنْدَ مِنْبَرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) إذَا كَانَ التَّحْلِيفُ بِمَدِينَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِلَةٌ يَحْلِفُ (فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ) وَمِثْلُ الرُّبُعِ دِينَارُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ عَرْضٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَغْلِيظَ فِيهِ وَإِنْ تَوَجَّهَتْ فِيهِ الْيَمِينُ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِمِنْبَرٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ خَبَرُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: مِنْبَرِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ الْمِنْبَرُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ عِنْدَ الْمُجَدَّدِ، وَهَلْ يَكُونُ
حَيْثُ يُعَظِّمُ
وَإِذَا وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا قُضِيَ لَهُ بِهَا وَإِنْ كَانَ عَلِمَ بِهَا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَقَدْ قِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ
وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ وَلَا فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ
[الفواكه الدواني]
بِمَوْضِعِ الْأَصْلِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
(وَ) إذَا كَانَ الْحَلِفُ (فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ) فَإِنَّهُ (يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الرُّبُعِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ (فِي الْجَامِعِ) وَهُوَ مُصَلَّى الْجُمُعَةِ لَا مُطْلَقَ مَسْجِدٍ.
(وَ) يَكُونُ مَحَلُّ الْحَالِفِ مِنْ الْجَامِعِ فِي (مَوْضِعٍ يُعَظَّمُ مِنْهُ) وَهُوَ مِحْرَابُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ تَحْلِيفَهُ مُسْلِمًا
أَمَّا الْكَافِرُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ) غَيْرُ الْكِتَابِيِّ كَالْمَجُوسِيِّ (بِاَللَّهِ) فَقَطْ، وَأَمَّا الْكِتَابِيُّ فَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَحْلِفُ كَالْمُسْلِمِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ اقْتِصَارِ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ تَرْجِيحُهُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَحْلِفَ كَالْمُسْلِمِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيَحْلِفُونَ كَالْمُسْلِمِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هُوَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقِيلَ: النَّصْرَانِيُّ يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَالْيَهُودِيُّ يَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالتَّوْحِيدِ، وَبَقِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ فِي الْمَجُوسِيِّ قَوْلَيْنِ وَالْكِتَابِيِّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، وَالرَّاجِحُ فِي الْكِتَابِيِّ مُطْلَقًا أَنَّهُ كَالْمُسْلِمِ، وَالْمَجُوسِيُّ يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمَحَلُّ التَّغْلِيظِ عَلَى الْكَافِرِ.
(حَيْثُ يُعَظِّمُ) بِالْكَسْرِ أَيْ يَحْلِفُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ وَهُوَ الْكَنِيسَةُ إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَالْبِيعَةُ إنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَبَيْتُ النَّارِ إنْ كَانَ مَجُوسِيًّا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ التَّغْلِيظَ يَكُونُ بِالْقِيَامِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَلَا بِالزَّمَانِ، كَكَوْنِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَالتَّغْلِيظُ وَاجِبٌ عِنْدَ طَلَبِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُ يَعُدُّنَا كُلًّا، وَيَكُونُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا يَحْلِفُ إلَّا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَحْلِفُونَ وَلَا يَحْنَثُونَ.
[وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْحَقِّ بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ حَلَّفَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً) تَشْهَدُ لَهُ بِالْحَقِّ (بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا) حِينَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ (قُضِيَ لَهُ بِهَا) بَعْدَ حَلِفِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حِينَ تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إلَّا لِعُذْرٍ وَكَنِسْيَانٍ، وَحُكْمُ الْبَيِّنَةِ الْغَائِبَةِ غَيْبَةً بَعِيدَةً حُكْمُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ بِهَا.
(وَ) أَمَّا (إنْ كَانَ عَلِمَ بِهَا) حِينَ تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ (فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ) عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَمُقَابِلِهِ الضَّعِيفِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ) .
(خَاتِمَةٌ لِبَابِ الْقَضَاءِ) مُحَصِّلُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَعِنْدَ غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ، فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمُ قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَفِيهَا أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ وَيَعْذِرُ إلَيْهِ فِي شَأْنِهِمْ، فَإِنْ ادَّعَى مَطْعَنًا فِيهِمْ أَمَرَهُ بِإِثْبَاتِهِ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ الْقَضَاءَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إعَادَةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ لِإِيجَابٍ إلَى ذَلِكَ.
[أَقْسَام الشَّهَادَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَاهَا لُغَةً وَشَرْعًا، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي أَقْسَامِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
إمَّا أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ وَذَلِكَ فِي رُؤْيَةِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِعْلُهُمَا إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعٍ اجْتَمَعُوا عَلَى الرُّؤْيَةِ الْمُتَّحِدَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَيَجُوزُ لِلْعُدُولِ تَعَمُّدُ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ بِقَصْدِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، وَإِمَّا عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِمَا فَيَكْفِي عَدْلَانِ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَإِمَّا عَدْلَانِ فَقَطْ وَذَلِكَ فِي نَحْوِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَى الْمَالِ.
وَالثَّالِثُ: عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ الْيَمِينِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ.
وَالرَّابِعُ: امْرَأَتَانِ فَقَطْ وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَجُوزُ نَظَرُ الرِّجَالِ إلَيْهِ كَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ الْفَرْجِ وَالِاسْتِهْلَالِ.
وَزَادَ بَعْضُ الشُّيُوخِ خَامِسًا وَهُوَ الْخُلْطَةُ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَأَشَارَ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ بِقَوْلِهِ: (وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ) أَوْ امْرَأَتَيْنِ.
(وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا كَالْأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْإِجَارَةِ وَجِرَاحَاتِ الْخَطَإِ وَأَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَالْإِيصَاءِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَالْوَقْفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ إلَى مَا لَا يُقْضَى فِيهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي نِكَاحٍ) أَوْ عِتْقٍ (أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ) أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ إلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَيْهِ كَعِتْقٍ وَرَجْعَةِ عَدْلَانِ وَالْمُرَادُ طَلَاقٌ غَيْرُ الْخُلْعِ، وَمِثْلُ النِّكَاحِ الْوَكَالَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَتَارِيخِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ حَالَ حَيَاتِهِ أَوْ ادَّعَى عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوْ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ.
وَأَقَامَ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا شَاهِدًا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ
نَفْسٍ إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ يُقْضَى بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ أَوْ مَعَ الْيَمِينِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِهِ جَائِزَةٌ
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ
وَلَا ظَنِينٍ
وَلَا يُقْبَلُ إلَّا
[الفواكه الدواني]
عِتْقٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ يَحْلِفُ كُلٌّ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ أُطْلِقَ وَدِينَ.
وَقَيَّدْنَا دَعْوَى نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِحَالِ حَيَاتِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الدَّعْوَى عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى بَعْدَ الْمَوْتِ تَرْجِعُ إلَى مَالٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ: فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَوَرِثَ (وَلَا) يُقْضَى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
(فِي دَمِ عَمْدٍ) فِيهِ قِصَاصٌ كَأَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ جَرَحَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ وَقِيلَ يُسْجَنُ فَإِنْ طَالَ سَجْنُهُ دِينَ وَأُخْرِجَ وَسَيَأْتِي مُقَابِلُهُ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا دَمَ الْعَمْدِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْجَرْحِ الْعَمْدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَلَا نَفْسٍ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ عَمْدٍ عَنْ الْخَطَابَةِ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَمِثْلُهُ الْجُرْحُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ وَالدَّامِغَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَتَالِفِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
(وَلَا) يُقْضَى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي قَتْلِ (نَفْسٍ إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ) فَإِنَّهُ بِالشَّاهِدِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ زَائِدَةٍ عَلَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَمْثِلَةِ اللَّوَثِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ أَوْ الْخَطَإِ تُقْسِمُ الْوُلَاةُ مَعَ شَهَادَتِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا تَقُولُ فِي كُلِّ يَمِينٍ: لَقَدْ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى الْجُرْحِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَمِنْ جُرْحِهِ مَاتَ فَيَزِيدُ لَقَدْ جَرَحَهُ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ، وَتَكُونُ تِلْكَ الصِّفَةُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْيَمِينُ الْمُكَمِّلَةُ لِلنِّصَابِ وَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَأَمَّا مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ فَإِنَّمَا يَحْلِفُونَ لَقَدْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ، وَمِثْلُ الْعَدْلِ شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَكُونُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ فِيهِ لَوَثًا.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلِ عَلَى الْقَتْلِ يُكْتَفَى بِهَا مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَلَا تَحْلِفُ الْوُلَاةُ مَعَ الشَّاهِدِ سِوَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، فَقَوْلُهُ: إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ مَعْنَاهُ فَيُقْضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَلَا فِي دَمِ عَمْدٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ ذَكَرَ مُقَابِلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَالْيَمِينِ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ،؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ كَالْأَمْوَالِ تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَيَمِينٍ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْقَتْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمَ مَحَلَّ اللَّوَثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ الْقَتْلِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ أَيْ فِيهِ قِصَاصٌ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ أَيْ أَرْشَ ذَلِكَ الْجُرْحِ، فَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ بِقِيلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْمُبَيَّنُ لِمَا بِهِ الْفَتْوَى، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْأَرْبَعِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ أَوْ يُقَدِّمُهُ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا يَحْكِيهِ بِقِيلِ الْمُشْعِرِ بِالضَّعْفِ.
وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْجِرَاحَ بِالْعَمْدِ أَخْذًا مِنْ الْمُقَابِلِ السَّابِقِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَيُقْضَى فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَمِثْلُهُ الْعَمْدُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَا.
[مَا تَشْهَدُ فِيهِ النِّسَاءُ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَشْهَدُ فِيهِ النِّسَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجُوزُ) وَلَا تَصِحُّ أَيْضًا (شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُنَّ فِيهَا إلَّا مَعَ الرِّجَالِ أَوْ مُنْفَرِدَاتٍ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ الْمَالِيُّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِالرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الْمِائَةِ (كَرَجُلٍ وَاحِدٍ) وَحِينَئِذٍ (يُقْضَى بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الْمِائَةِ (مَعَ رَجُلٍ) فِي الْحَقِّ الْمَالِيِّ وَلَا يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إلَى يَمِينِ الطَّالِبِ لِتَمَامِ النِّصَابِ (أَوْ) أَيْ وَيُقْضَى بِالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الْأَكْثَرِ (مَعَ يَمِينِ) الطَّالِبِ (فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ) وَهُوَ الْأَمْوَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا.
وَأَشَارَ إلَى رَابِعِ الْأَقْسَامِ وَهُوَ مَا لَا يَشْهَدُ فِيهِ إلَّا النِّسَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَشَهَادَةُ) مَبْدَأِ (امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ) أَيْ لَا أَقَلَّ (فِيمَا لَا) يَجُوزُ أَوْ يَقْدِرُ أَنْ (يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِهِ) كَعَيْبِ الْفَرْجِ أَوْ الْحَيْضِ وَخَبَرُ شَهَادَةٍ (جَائِزَةٌ) مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ مِنْ الْيَمِينِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ عَامٌّ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ أَيْ عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ مُسْتَهِلًّا صَارِخًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ عَامٌّ فِي الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ، وَإِنَّمَا عُمِلَ بِشَهَادَتَيْنِ فِيهِ لِنُدُورِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لِذَلِكَ، وَاخْتِصَاصُ النِّسَاءِ بِذَلِكَ لِجَهْلِ الرِّجَالِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَادَةً، وَكَمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ تُقْبَلُ فِي أَنَّ الْمَوْلُودَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى.
وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ الِاسْتِهْلَالِ أَوْ عَدَمِهِ تَظْهَرُ فِي الْإِرْثِ لَهُ أَوْ مِنْهُ، وَأَمَّا عَيْبُ الْفَرْجِ وَالْحَيْضِ فَهُوَ فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ تُصَدَّقُ فِي نَفْيِ دَاءِ فَرْجِهَا وَفِي حَيْضِهَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شَرَفُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ، فَإِذَا تَنَازَعَ بَائِعُ أَمَةٍ مَعَ مُشْتَرِيهَا فِي عَيْبٍ بِفَرْجِهَا
الْعُدُولُ
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ
وَلَا شَهَادَةُ عَبْدٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا كَافِرٍ
وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي الزِّنَا
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِلْأَبَوَيْنِ وَلَا هُمَا لَهُ
وَلَا الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ وَلَا هِيَ لَهُ
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ لِأَخِيهِ
[الفواكه الدواني]
نَظَرَهَا النِّسَاءُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِ الْفَرْجِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ فَيَنْظُرُهُ الرِّجَالُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَاخِلَ الثِّيَابِ وَخَارِجَ الْفَرْجِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ الْعِدْلَاتِ، فَعُيُوبُ النِّسَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الشَّهَادَةِ وَنَذْكُرُهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ: هِيَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالدَّيْنِ، وَعِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَحُكْمُ تَحْمِلْهَا الْوُجُوبُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ إنْ وُجِدَ غَيْرُهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالتَّحَمُّلُ إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2] وَأَمَّا الْأَدَاءُ فَفَرْضُ عَيْنٍ قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ مَنْ كَبِرَ بِدَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]
وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِهَا بِذِكْرِ أَضْدَادِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ) عَلَى خَصْمِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الْعَدَاوَةِ، وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ الشَّهَادَةِ لِاتِّهَامِ الشَّاهِدِ عَلَى قَصْدِ إضْرَارِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ وَلَوْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمُخَاصَمَةُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُخَاصَمَةُ فِي الدِّينِ فَلَا تَمْنَعُ كَشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ، أَوْ السُّنِّيِّ عَلَى الْبِدْعِيِّ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ عَدَاوَةَ الدِّينِ عَامَّةٌ وَعَدَاوَةَ الدُّنْيَا خَاصَّةٌ، وَالْعَامُّ أَخَفُّ مِنْ الْخَاصِّ، وَيَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَصْمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الشَّهَادَةِ لَهُ فَتَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُك عَلَيْهِ تَجُوزُ شَهَادَتُك لَهُ، وَكُلُّ مَنْ امْتَنَعَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْك تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَك.
(وَلَا) تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ (ظَنِينٍ) أَيْ مُتَّهَمٌ فِي شَهَادَتِهِ بِالْمَيْلِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ، أَوْ مُتَّهَمٌ بِعَدَمِ الصِّدْقِ، كَأَنْ يَشْهَدَ بَدْوِيٌّ لِحَضَرِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ عَكْسُهُ، وَالْحَالُ أَنَّا نَعْرِفُ أَنَّ الشَّاهِدَ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَكْسُهُ زَمَنَ وُقُوعِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَكَشَهَادَةِ الشَّحَّاذِ الْفَقِيرِ فِي الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَنْ اُتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ إمَّا بِقِلَّةِ دِينِهِ، أَوْ بِجَلْبِ نَفْعٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، أَوْ بِإِدْخَالِ ضَرَرٍ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي) أَدَاءِ (الشَّهَادَةِ إلَّا الْعُدُولُ) جَمْعُ عَدْلٍ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ السَّالِمُ مِنْ فِسْقٍ وَحَجْرِ سَفَهٍ وَبِدْعَةٍ وَإِنْ مَعَ تَأْوِيلٍ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا: الشَّهَادَةُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ عِنْدَ كِتَابَةِ خَطِّهِ، وَالْعَدْلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَدَالَةِ وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَمْنَعُ مَوْصُوفَهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْعَدَالَةُ مَلَكَةٌ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنْ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْعَدَالَةُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى الْحَاكِمِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَصْمُ الْعَدَالَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ أَوْ مَسْخُوطٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[شَهَادَةُ الْمَحْدُود]
(وَ) كَذَا (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ) فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فِيمَا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أَحْسَنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى التَّأَسِّي بِإِثْبَاتِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ فَصَحِيحَةٌ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحَدَّ فِيهِ قَوْلَانِ، وَاشْتِرَاطُ الْحَدِّ بِالْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ، وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ غَيْرَهُ عَمْدًا وَعُفِيَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ حُسِّنَتْ حَالَتُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ، وَمِثْلُ الْحُدُودِ التَّعَازِيرُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُزِّرَ فِيمَا عُذِّرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلْتَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ.
(وَلَا) تَجُوزُ أَيْضًا (شَهَادَةُ عَبْدٍ) الْمُرَادُ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ وَلَوْ مُكَاتَبًا لِمُنَافَاتِهِ الْعَدَالَةَ (وَلَا صَبِيٍّ) إلَّا عَلَى مِثْلِهِ فِي جُرْحٍ أَوْ قَتْلٍ كَمَا يَأْتِي.
(وَلَا كَافِرٍ) لِمُنَافَاةِ الصِّبَا وَالْكُفْرِ الْعَدَالَةَ، وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ مَنْ ذُكِرَ إذَا أَدَّوْهَا فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا لَوْ تَحَمَّلُوهَا عَلَى تِلْكَ الْأَوْصَافِ وَتَأَخُّرِ الْأَدَاءِ حَتَّى اتَّصَفُوا بِالْعَدَالَةِ لَصَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ صَدَرَ مِنْهُمْ أَدَاءٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ثُمَّ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ فِيمَا رُدَّتْ فِيهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا إنْ حُرِّضَ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ؛ لِأَنَّهُمْ يُتَّهَمُونَ عَلَى إزَالَةِ النَّقْصِ الَّذِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَجْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ الْمَعَرَّةُ اللَّاحِقَةُ بِسَبَبِ رَدِّ شَهَادَتِهِمْ.
(وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا) وَحُسِّنَتْ حَالَتُهُ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ (إلَّا فِي الزِّنَا) فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ وَهَذَا مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا إلَّا
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ
أَوْ مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ
وَلَا جَارٍّ لِنَفْسِهِ
وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا
وَلَا وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ
[الفواكه الدواني]
أَنْ يُقَالَ: أَعَادَ هَذَا دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَصْرِ مَا سَبَقَ عَلَى الْمَحْدُودِ فِي غَيْرِ الزِّنَا، وَمِثْلُ الْحَدِّ التَّعْزِيرُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَحْدُودُ مُسْلِمًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ كَافِرًا وَوَقَعَ مِنْهُ مُوجِبُ الْحَدِّ وَحُدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حُدَّ وَتَابَ يَصِحُّ حُكْمُهُ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الْقَاضِيَ مُسْتَنِدٌ فِي حُكْمِهِ لِإِخْبَارِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.
(تَنْبِيهٌ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى صَلَاحِ حَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَتَحَدَّدُ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ خِلَافًا لِمَنْ حَدَّهَا بِسَنَةٍ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا كَانَتْ الْقَرَابَةُ الْأَكِيدَةُ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ كَالْعَدَاوَةِ
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ (لِلْأَبَوَيْنِ) وَإِنْ عَلَيَا (وَلَا هُمَا) أَيْ وَكَذَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلْوَلَدِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَشْهَدُ لِأَصْلِهِ وَلَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَصْلِ عَلَى فَرْعِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَتَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ امْتَنَعَتْ شَهَادَةُ شَخْصٍ لَهُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِأَحَدِ أَوْلَادِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ، وَشَهَادَةُ الْوَلَدِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ الْوَالِدُ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، أَوْ لِلْبَارِّ عَلَى الْفَاسِقِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مُنْكِرَةً لِلطَّلَاقِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِدَعْوَى الطَّلَاقِ وَالْأَبُ يُنْكِرُهُ فَمَنَعَهَا أَشْهَبُ وَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِ غَيْرِ أُمِّهِ لَمْ يَجُزْ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ فِي عِصْمَةِ أَبِيهِ لَا إنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ؛ لِأَبِيهِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ لِوَلَدِهِ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ قَوْلًا وَاحِدًا لِظُهُورِ التُّهْمَةِ بِالْمَيْلِ إلَى الْأَبِ وَالْوَلَدِ.
(تَنْبِيهٌ) كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ لَا تَجُوزُ لِزَوْجِهِمَا، وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ لَا يَشْهَدُ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ ابْنِهِ.
[شَهَادَة الزَّوْج لِلزَّوْجَةِ]
(وَلَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَلَا هِيَ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ وَكَمَا لَا يَشْهَدُ لِزَوْجَتِهِ لَا يَشْهَدُ لِابْنِهَا وَلَا لِأَبِيهَا، وَكَمَا لَا تَشْهَدُ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا لَا تَشْهَدُ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ زَوْجِ ابْنَتِهِ فَهِيَ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ مَيَلَانِهِ إلَيْهِ.
(وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ) الْمُرَادُ الْمُبَرِّزُ فِي الْعَدَالَةِ (لِأَخِيهِ) لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: يُشْتَرَطُ تَبْرِيزُ الْعَدْلِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ:
شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَشَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَشَهَادَةُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ لَمُعْتِقِهِ، وَشَهَادَةُ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَشَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَشَهَادَةُ مَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا بَعْدَ أَدَائِهَا، وَزَادُوا عَلَيْهَا الْمُزَكِّي لِلشُّهُودِ، وَمَنْ سُئِلَ عَنْ شَهَادَتِهِ فَشَكَّ فِيهَا ثُمَّ تَذَكَّرَهَا، وَمَعْنَى التَّبْرِيزِ الزِّيَادَةُ عَلَى أَقْرَانِهِ وَأَنْظَارِهِ فِي الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ.
وَقَيَّدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَبِكَوْنِهَا فِي الْأَمْوَالِ أَوْ فِي الْجِرَاحِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ أَوْ فِي التَّعْدِيلِ، لَا إنْ كَانَتْ بِنَسَبٍ أَوْ بِمَا فِيهِ قِصَاصٌ أَوْ بِدَفْعِ مَعَرَّةٍ، وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّاهِدِ فِي عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ تُهْمَةٌ تُوجِبُ عَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
(وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ) كَثِيرٍ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي السَّنَةِ، وَأَمَّا الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ فِي السَّنَةِ فَلَا تَقْدَحُ إلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا مَفْسَدَةٌ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ (مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ) الْمُرَادُ بِالْمُظْهِرِ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ أَكَلَ الرِّبَا وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خُفْيَةً، وَكَذَا لَوْ أَظْهَرَ صَغِيرَةً حَيْثُ كَانَتْ مِنْ صَغَائِرِ الْخِسَّةِ كَنَظْرَةٍ لِأَجْنَبِيَّةٍ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ، أَوْ سَرِقَةِ لُقْمَةٍ أَوْ تَطْفِيفِ حَبَّةٍ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى دَنَاءَةِ الْهِمَّةِ، وَأَمَّا صَغَائِرُ الْخِسَّةِ فَلَا يَقْدَحُ إلَّا الْإِدْمَانُ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَذِبِ الْمَانِعِ، وَإِظْهَارِ الْكَبِيرَةِ التَّلَبُّسُ بِهَا تَلَبُّسًا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مِنْهُ تَوْبَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ كَثْرَةُ كَذِبٍ أَوْ إظْهَارُ كَبِيرَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَتَابَ وَحُسِّنَتْ تَوْبَتُهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ فِي وَصْفِ الْعَدْلِ: لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً أَوْ كَثِيرُ كَذِبٍ أَوْ صَغِيرَةً خِسَّةً وَسَفَاهَةً وَلَعِبِ نَرْدٍ ذُو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ مِنْ حَمَّامٍ وَسَمَاعِ غِنَاءٍ وَدِبَاغَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: مَعْنَاهُ لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ إذَا وَعَارِفًا بِهَا وَتَابَ وَحَسُنَتْ ثُمَّ أَدَّاهَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِهَا.
(وَلَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (جَارٍ لِنَفْسِهِ) نَفْعًا كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثَةِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَتَّهِمُ عَلَى قَتْلِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ.
(وَلَا) تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ (دَافِعٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَقِيرًا، وَكَشَهَادَةِ عَتِيقٍ لِمُعْتِقِهِ بِوَفَاءِ دَيْنٍ ثَابِتٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ فِيمَا عَلَى سَيِّدِهِ مِنْ الدَّيْنِ.
[شَهَادَةُ وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ بِشَيْءٍ عَلَى آخَرَ]
(وَلَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ) بِشَيْءٍ عَلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ لِيَتِيمِهِ.
(وَ) مَفْهُومٌ لِيَتِيمِهِ أَنَّهُ (يَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ أَكِيدُ الْقَرَابَةِ كَأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ، وَمِنْ قَوَادِحِ الشَّهَادَةِ الْأَخْذُ مِنْ الظَّلَمَةِ وَالْأَكْلُ عِنْدَهُمْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ، وَلَا إنْ تَعَصَّبَ كَالرِّشْوَةِ وَتَلْقِينِ الْخَصْمِ وَلَعِبِ نَيْرُوزَ وَمَطَلَ وَحَلَفَ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ، وَمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا بِلَا عُذْرٍ، وَتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ، وَسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ،
عَلَيْهِ
وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ
وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا مَنْ يَقُولُ عَدْلٌ رِضًا وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي التَّجْرِيحِ وَاحِدٌ
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ أَوْ يَحْلِفُ وَيَبْرَأُ
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ
[الفواكه الدواني]
وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ، وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ، وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ، وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْعُدُولِ
[مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ]
شَرَعَ هُنَا فِي بَيَانِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ) لِغَيْرِهِنَّ.
(وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ) لَا لِرِجَالٍ وَلَا لِنِسَاءٍ، لَا فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَتَعْدِيلُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ لِنَقْصِهِنَّ عَنْ مَرْتَبَةِ التَّعْدِيلِ، فَلَا يَصِحُّ تَعْدِيلٌ وَلَا تَجْرِيحٌ إلَّا مِنْ الرِّجَالِ، ظَاهِرُهُ كَانَ الْمَشْهُودُ بِعَدَالَتِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ التَّعْدِيلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ) أَيْ تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ (إلَّا مَنْ يَقُولُ) أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا (عَدْلٌ رِضًا) أَيْ مَرْضِيٌّ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمُزَكِّي يَقُولُ فِي الْمُزَكَّى بِفَتْحِ الْكَافِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تُشْعِرُ بِالسَّلَامَةِ فِي الدِّينِ، وَالرِّضَا يُشْعِرُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ، فَلَوْ قَالَ: هُوَ عَدْلٌ رِضًا بِدُونِ أَشْهَدُ لَمْ يَكْفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُزَكِّيهِ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُزَكِّيَ مُزَكِّيَهُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي فَطِنًا وَعَارِفًا بِتَصَنُّعَاتِ الشُّهُودِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا فِي شَهَادَتِهِ عَلَى التَّزْكِيَةِ عَلَى طُولِ عِشْرَةِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَيَرْجِعُ فِي طُولِهَا لِلْعُرْفِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ سَمَاعٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي مِنْ أَهْلِ سُوقِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ وَمُحَلَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ فَيَكْفِي مِنْ غَيْرِهِمْ، (وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ التَّزْكِيَةِ.
(وَلَا فِي) مُقَابِلِهَا الَّذِي هُوَ (التَّجْرِيحُ وَاحِدٌ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ مُسْتَوْفِيَيْنِ لِجَمِيعِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ وَالْجِرَاحَةَ لَا تَخْفَى، فَشَهَادَةُ وَاحِدٍ فَقَطْ تُورِثُ رِيبَةً فِي عَدَالَةِ الشَّاهِدِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ التَّزْكِيَةِ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ عَلَى الْكِفَايَةِ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَعَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ عَدَمِ التَّعَدُّدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَتْ إنْ تَعَيَّنَ أَيْ وَوَجَبَتْ الشَّهَادَةُ بِالتَّزْكِيَةِ إنْ تَعَيَّنَ التَّعْدِيلُ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُعَدِّلُهُ غَيْرُهُ، وَحُكْمُ التَّجْرِيحِ كَحُكْمِ التَّعْدِيلِ إنْ لَزِمَ عَلَى تَرْكِهِ بُطْلَانُ الْحَقِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: كَجُرْحٍ إنْ بَطَلَ حَقٌّ.
الثَّانِي: مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَأَمَّا فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ فَالتَّعَدُّدُ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا أَيْ مَعَ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ.
[شَهَادَة الصَّبِيَّانِ فِي الْجِرَاح]
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يُقْبَلُ فِي أَدَائِهِ صَبِيٌّ دَفَعَ عُمُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ) الْقَتْلِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْأَمْوَالِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ، وَمَنَعَهَا الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ، وَإِنَّمَا جَازَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ حُضُورِ الْكِبَارِ عِنْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ يُنْدَبُونَ إلَى تَعْلِيمِ الرَّمْيِ وَالصِّرَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُدَرِّبُهُمْ عَلَى الْحَرْبِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَحَمْلِ السِّلَاحِ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَأَدَّى إلَى إهْدَارِ دِمَائِهِمْ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ حُضُورِ الْكِبَارِ عِنْدَهُمْ، وَشَرْطُ قَبُولِهَا أَنْ يُؤَدُّوهَا.
(قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا) فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ لِاتِّهَامِهِمْ عَلَى تَعْلِيمِ الْكِبَارِ لَهُمْ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْعُدُولُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ، وَمِنْ شُرُوطِهَا أَنْ لَا يَحْضُرَهُمْ كَبِيرٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ) فَإِنْ حَضَرَ عِنْدَهُمْ كَبِيرٌ زَمَنَ قِتَالِهِمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي شُرُوطِهَا: وَالشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا فُرْقَةَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يَشْهَدُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَزِيدَ عَلَيْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ، وَأَنْ تَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى رُؤْيَةِ الْجَسَدِ مَقْتُولًا، وَلَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ رُجُوعُهُمْ وَلَا تَجْرِيحُهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ، وَفَائِدَةُ الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ لُزُومُ الدِّيَةِ بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ عَمْدَ الصِّبْيَانِ كَالْخَطَإِ مِنْ الْكِبَارِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ جَوَازُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي نَحْوِ حَمَّامٍ أَوْ عُرْسٍ، لِوُجُودِ الْفَرْقِ بَيْنَ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَاجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَجَوَازِهِ لِلصِّبْيَانِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الشَّهَادَاتِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَقَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ) تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ بَايَعَ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَاقِدَانِ حَتَّى يَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ، وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ اخْتَلَفَ لِيَشْمَلَ الِاخْتِلَافَ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ قَدْرِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ، وَجَوَابُ إذَا الشَّرْطِيَّةِ (اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ) أَوْ لَا جَبْرًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَالْقَوْلُ
أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا فَإِنْ اسْتَوَيَا حَلَفَا وَكَانَ بَيْنَهُمَا
وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ أُغْرِمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إنْ
[الفواكه الدواني]
مَا قَالَ الْبَائِعُ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ مِلْكِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ وَتَحْقِيقِ دَعْوَاهُ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
(ثُمَّ) إنْ حَلَفَ لَزِمَ الْبَيْعُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ نَوْعٍ أَوْ قَدْرِ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ.
(يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ) السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ (أَوْ) أَيْ إنْ نَكَلَ الْبَائِعُ (يَحْلِفُ) أَيْ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ وَتَحْقِيقِ دَعْوَاهُ.
(وَيَبْرَأُ) مِمَّا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحِينَئِذٍ لِكُلٍّ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّمَاسُكِ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ وَالْفَسْخِ لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَوْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ أَيْضًا فَإِنَّ الْعَقْدَ يُفْسَخُ أَيْضًا إنْ حُكِمَ بِهِ، وَلَا يَنْظُرُ لِشَبَهٍ وَلَا عَدَمِهِ وَلَا لِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَفَوَاتِهَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ نَوْعِهِمَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ حَلَفَا وَفُسِخَ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ مَعَ الْقِيَامِ وَقِيمَتُهَا أَوْ مِثْلُهَا مَعَ الْفَوَاتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ أَوْ الْحَمِيلِ فَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً وَلَا يُنْظَرُ لِشَبَهٍ وَلَا عَدَمِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ فَوَاتِهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي إنْ أَشْبَهَ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا فَالْفَسْخُ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي قَدْرِهِ كَمَثْمُونِهِ أَوْ قَدْرِ أَجَلٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ حَلَفَا وَفُسِخَ إنْ حُكِمَ بِهِ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْفَسْخِ، ثُمَّ قَالَ: وَصُدِّقَ مُشْتَرٍ ادَّعَى الْأَشْبَهَ وَحَلَفَ إنْ فَاتَ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَفُسِخَ وَتُرَدُّ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ فَوَاتِهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْفَسْخَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ مُطْلَقٌ.
وَفِي الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهِ أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ فَوَاتِ السِّلْعَةِ، وَإِلَّا صُدِّقَ الْمُشْتَرِي إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّبَهُ مِنْهُمَا فَالْفَسْخُ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَدْخُلْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ لِمُنْكِرِهِ إجْمَاعًا لَكِنْ بِيَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِي الْبَيْعِ مَالِكُ السِّلْعَةِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا.
الثَّانِي: مِثْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ كُلُّ مُتَعَاقِدَيْنِ لِيَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالْمُتَعَاقِدِينَ لَكَانَ أَشْمَلَ.
(فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ إلَّا عِنْدَ غَلَبَةِ الْفَسَادِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِمُدَّعِيهِ، كَادِّعَاءِ أَحَدِهِمَا صِحَّةَ الصَّرْفِ وَالْآخَرِ فَسَادَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فَسَادُ الصَّرْفِ وَمِثْلُهُ السَّلَمُ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخِيَارِ وَالْبَتِّ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْبَتِّ وَلَوْ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ إلَّا لِعُرْفٍ بِالْخِيَارِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ فَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ إلَّا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ أَوْ بَقْلٍ بَانَ بِهِ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ لِمَنْ ادَّعَى الْبَقَاءَ حَيْثُ فَاتَتْ السِّلْعَةُ وَأَشْبَهَ مُدَّعِيهِ، وَأَمَّا مَعَ قِيَامِهَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
(وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَادَّعَاهُ كُلٌّ لِنَفْسِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ (بِأَيْدِيهِمَا) أَوْ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقَرِّبْهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا.
(حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ اخْتَصَّ بِهِ الْحَالِفُ، وَمَفْهُومُ بِأَيْدِيهِمَا لَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ الْحَائِزُ وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ وَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا قَامَ لِكُلٍّ بَيِّنَةٌ وَهُوَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ الْحَائِزُ لَهُ لَكِنْ بِيَمِينِهِ، وَقَوْلُهُ: قُسِمَ بَيْنَهُمَا يُشْعِرُ بِقِسْمَتِهِ نِصْفَيْنِ وَهُوَ وَاضِحٌ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ يَدَّعِي جَمِيعَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ جَمِيعَهُ وَالْآخَرُ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ كَالْعَوْلِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَكَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكُلِّ قَدْرُ الْكَسْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ، فَيُزَادُ عَلَى الْكُلِّ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ الْكُلِّ وَالْكَسْرِ وَبِتِلْكَ النِّسْبَةِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ، فَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثَ وَمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَيْنِ، وَإِذَا ادَّعَى وَاحِدٌ الْكُلَّ وَوَاحِدٌ النِّصْفَ وَثَالِثٌ الثُّلُثَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ أَقَلُّ عَدَدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الْمَخَارِجِ وَهُوَ سِتَّةٌ، فَإِنَّ لَهَا النِّصْفَ وَالثُّلُثَ فَتُجْعَلُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ وَيُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ نِصْفِهَا وَثُلُثِهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْطَى لِمُدَّعِي الْكُلِّ سِتَّةٌ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ اثْنَانِ وَهَكَذَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ بِقَرِينَةٍ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا، أَوْ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ حُدَّ عَلَيْهِ، أَوْ بَعِيدٌ ثَالِثٌ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَالَةِ (قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا) مَعَ يَمِينِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الزَّائِدَةُ فِي الْعَدَالَةِ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ إلَى الْآنَ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مُرِيدَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وَكَمَا يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا يُقْضَى بِالْمُؤَرَّخَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَبِالسَّابِقَةِ تَارِيخًا عَلَى غَيْرِهَا، وَبِالنَّاقِلَةِ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ، وَبِالْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ، وَبِالدَّاخِلَةِ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّاخِلَةِ بَيِّنَةُ وَاضِعِ الْيَدِ وَالْخَارِجَةِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ بِأَعْدَلِهِمَا أَنَّهُ يُقْضَى لِمُقِيمِ الْعَادِلَةِ دُونَ
اعْتَرَفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ
وَمَنْ قَالَ رَدَدْت إلَيْك مَا وَكَّلْتنِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ دَفَعْت إلَيْك ثَمَنَهُ أَوْ
[الفواكه الدواني]
مُقِيمِ غَيْرِهَا (فَإِنْ اسْتَوَيَا) كَانَ الْوَاجِبُ اسْتَوَيَتَا أَيْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مُرَجَّحٌ مِمَّا قَدَّمْنَا.
(حَلَفَا وَكَانَ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مَقْسُومًا (بَيْنَهُمَا) لِتَسَاقُطِهِمَا، وَفُهِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ حِينَئِذٍ
[الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ التَّرْجِيحِ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ) بَتِّ (الْحُكْمِ) بِشَهَادَتِهِ (أُغْرِمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ) بِأَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أُغْرِمَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فِي رُجُوعِهِ، وَإِنَّمَا أُغْرِمَ لِاعْتِرَافِهِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ لَيْسَ بِقَيْدٍ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، بَلْ لَوْ قَالَ شُبِّهَ عَلَيَّ، أَوْ قَالَ: رَجَعْت عَنْ شَهَادَتِي وَسَكَتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ سَبَبِ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ يُغَرَّمُ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ كَمَا قَرَّرْنَا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنْهَا.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً وَلَوْ تَعَمَّدَا، وَإِذَا رَجَعَ أَحَدُهُمَا غُرِّمَ نِصْفَ الْحَقِّ، وَإِذَا كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَةٍ بِقَتْلٍ فَإِنْ قَالَا: غَلِطْنَا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَا: تَعَمَّدْنَا فَالدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أَتْلَفَ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا كَمَا لَوْ رَجَعَ عَنْ طَلَاقِ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ عَنْ عِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ عَنْ عَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ فَلَا غُرْمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ سَيِّدِ أُمِّ الْوَلَدِ إلَّا الِاسْتِمْتَاعَ وَالْقِصَاصَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا قِيمَةَ لَهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا حُكْمَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَاسْتِيفَاءُ مَا وَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ وَحُكْمُ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَا وَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَذَكَرَ فِيهِ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِمَالٍ مَضَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِقِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَمْضِي كَمَا فِي الْحُكْمِ بِالْمَالِ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يَمْضِي وَلَا يُسْتَوْفَى الدَّمُ لِحُرْمَتِهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَرَجَعَ إلَى هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الرُّجُوعَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا وَفِي هَذِهِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ اتِّفَاقًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَفِي هَذِهِ يَمْضِي الْحُكْمُ وَلَا يُنْتَقَضُ اتِّفَاقًا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ فَيَمْضِي فِي الْمَالِ اتِّفَاقًا وَفِي الْحُدُودِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الثَّانِي: الشَّاهِدُ الرَّاجِعُ عَنْ شَهَادَتِهِ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ عَلَى أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ.
[أَحْكَام الْوَكَالَة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْوَكَالَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا التَّفْوِيضُ وَحَقِيقَتُهَا عُرْفًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ، وَلَا عِبَادَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ، فَتُخْرِجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ صَاحِبَ صَلَاةٍ وَالْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ إنَّمَا يُقَالُ لَهَا نِيَابَةٌ لَا وَكَالَةٌ، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ خَرَجَتْ الْوَصِيَّةُ وَحُكْمُ الْوَكَالَةِ الْجَوَازُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَعَقْدُهَا مُنْحَلٌّ قِيلَ مُطْلَقًا وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَقَعَ بِأُجْرَةٍ أَوْ جُعْلٍ فَكَّهُمَا وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْ، دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا الْكِتَابُ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] وَالسُّنَّةُ مِنْ «تَوْكِيلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبَا رَافِعٍ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ» ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهَا، وَأَرْكَانُهَا:
الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ وَالْمُوَكَّلُ فِيهِ وَالصِّيغَةُ، فَالْمُوَكِّلُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إذْنٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَخْرُجُ الْمَحْجُورُ لِصِبًا أَوْ سَفَهٍ أَوْ رِقٍّ، فَلَا يَصِحُّ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إلَّا الصَّغِيرَةُ فِي لَوَازِمِ الْعِصْمَةِ، وَإِلَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فِي الدَّعْوَى عَلَى شَخْصٍ بِحَقٍّ لَهُمَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَإِلَّا تَوَكَّلَ الرَّقِيقُ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَالْوَكِيلُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ فِيهِ إذَا كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ وَلَمْ يَكُنْ مَا يَمْنَعُ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ عَدُوِّ شَخْصٍ عَلَى قَضَاءِ دَيْنٍ مِنْهُ، وَلَا تَوْكِيلُ ذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ كَمَا يَفْعَلُهُ ظَلَمَةُ مِصْرَ مِنْ تَوْكِيلِ النَّصَارَى عَلَى قَبْضِ الْخَرَاجِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَهَذَا حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَلَا تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ لِسَفَهٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ صِبًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَصَرَّفُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ إلَّا بِإِذْنٍ فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُونَ فِي مَالِ غَيْرِهِمْ؟ وَأَجَازَ اللَّخْمِيُّ تَوْكِيلَهُمْ.
وَالْمُوَكَّلُ فِيهِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ قَابِلَ النِّيَابَةِ، قَالَ خَلِيلٌ: صِحَّةُ الْوَكَالَةِ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ مِنْ عَقْدٍ وَفَسْخٍ وَقَبْضِ حَقٍّ وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالصِّيغَةُ هِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عُرْفًا عَلَى جَعْلِ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ مَعَ قَبُولِ الْمُفَوَّضِ لَهُ، قِيلَ عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ قَالَ) لِمَنْ وَكَّلَهُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ لِشَخْصٍ (رَدَدْت إلَيْك مَا وَكَّلْتنِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى دَفْعِهِ مِثَالُهُ
وَدِيعَتَك أَوْ قِرَاضَك فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ
وَمَنْ قَالَ: دَفَعْت إلَى فُلَانٍ كَمَا أَمَرْتنِي فَأَنْكَرَ فُلَانٌ فَعَلَى الدَّافِعِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا ضَمِنَ وَكَذَلِكَ عَلَى وَلِيِّ الْأَيْتَامِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ أَوْ دَفَعَ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا فِي حَضَانَتِهِ صُدِّقَ فِي النَّفَقَةِ فِيمَا يُشْبِهُ
وَالصُّلْحُ
[الفواكه الدواني]
أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى دَفْعِ دَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ لَمْ يَجِدْهُ فَرَدَّهُ لِمُوَكِّلِهِ فَنَازَعَهُ الْمُوَكِّلُ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِي رَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (أَوْ) قَالَ إنْ وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ رَدَدْت إلَيْك مَا وَكَّلْتنِي (عَلَى بَيْعِهِ) لِتَعَذُّرِ بَيْعِهِ (أَوْ) قَالَ بِعْته وَ (دَفَعْت إلَيْك ثَمَنَهُ) فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ (أَوْ) قَالَ مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لِشَخْصٍ لِصَاحِبِهَا: أَنَا رَدَدْت إلَيْك (وَدِيعَتَك) فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودِعِ فَلَا يُؤَخَّرُ لِلْإِشْهَادِ وَالضَّمِيرُ فِي صُدِّقَ لِلْوَكِيلِ (أَوْ) قَالَ عَامِلُ الْقِرَاضِ لِرَبِّ الْمَالِ: رَدَدْت إلَيْك (قِرَاضَك فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) رَاجِعٌ لِكُلِّ مَنْ سَبَقَ فَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ الْفُرُوعِ السَّابِقَةِ لِدَلَالَةِ الْأَخِيرِ عَلَيْهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْوَكِيلِ وَالْمُودِعِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ مَنْ ذُكِرَ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ أَوْ التَّلَفِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ، وَشَرْطُ قَبُولِ قَوْلِ مَنْ ذُكِرَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَبْضُهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلَى الرَّدِّ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْقِرَاضِ: وَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِي تَلَفِهِ وَخَسْرِهِ وَرَدِّهِ إنْ قَبَضَ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَالْمُرَادُ بِبَيِّنَةِ التَّوَثُّقِ هِيَ الَّتِي يَشْهَدُهَا خَوْفَ دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الْجَحْدِ
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الرَّدِّ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَالَ) لِمَنْ وَكَّلَهُ عَلَى دَفْعِ مَالٍ لِشَخْصٍ فِي دَيْنٍ لَهُ أَوْ فِي صَدَقَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ (دَفَعْت إلَى فُلَانٍ) الَّذِي بَعَثْتنِي إلَيْهِ (كَمَا أَمَرْتنِي فَأَنْكَرَ فُلَانٌ) الْمَدْفُوعُ لَهُ (فَعَلَى الدَّافِعِ) إحْضَارُ (الْبَيِّنَةِ) الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ بِالدَّفْعِ (وَإِلَّا ضَمِنَ) لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ إنْ أَقَبْضَ الدَّيْنَ وَلَمْ يُشْهِدْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلدَّيْنِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ كَانَ الْوَكِيلُ مُفَوَّضًا أَمْ لَا، كَانَتْ الْعَادَةُ الْإِشْهَادَ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَمَحَلُّ الضَّمَانِ مَا لَمْ يَكُنْ الدَّفْعُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَهُ، وَمَفْهُومُ فَأَنْكَرَ أَنَّ الْمَدْفُوعَ لَهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَلَكِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ضَاعَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ وَمُصِيبَةُ الْمَالِ مِمَّنْ هُوَ لَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى الدَّافِعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وَلِيِّ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِهِ.
(فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ) الْأَوَّلُ: الْوَكِيلُ عَلَى الْخِصَامِ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا، بِخِلَافِ وَكِيلِ نَحْوِ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ، وَلَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ شَرَطَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الِاسْتِقْلَالَ بِالتَّصَرُّفِ أَوْ يَكُونَ وَكَّلَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَلِكُلٍّ الِاسْتِقْلَالُ وَلَوْ وَكَّلَ الثَّانِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إذَا تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بِفِعْلِ الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ وَتَصَرَّفَ الْمُوَكِّلُ فِيهِ أَيْضًا فَالْعِبْرَةُ بِالسَّابِقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ بِعْت وَبَاعَ فَالْأَوَّلُ لَا يَقْبِضُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِتَصَرُّفِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَصَرُّفِ الْوَكِيلَيْنِ الْمُسْتَقِلَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ، فَالْمُعْتَبَرُ تَصَرُّفُ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: لَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ أَوْ الْوَكِيلَانِ الْمُسْتَقِلَّانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَرَتِّبٍ وَلَكِنْ جُهِلَ الزَّمَنُ اشْتَرَكَا إنْ كَانَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ يُمْكِنُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ كَالْبَيْعِ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: الْوَكِيلُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَلَوْ مُفَوَّضًا حَيْثُ عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَتَأْوِيلَانِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَعَلَى الْعَزْلِ لَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ الْبَيْعُ أَوْ الشِّرَاءُ، وَعَلَى عَدَمِ الْعَدْلِ يَلْزَمُ الْوَارِثَ.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: الْوَكِيلُ إنْ كَانَ مُفَوَّضًا فَيَجُوزُ لَهُ تَوْصِيلُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا كَالْوَكِيلِ عَلَى نَحْوِ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ فَقَطْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ وَرِضَاهُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ لَا يَلِيقُ بِهِ فِعْلُ الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الْوَكِيلُ عَلَى فِعْلِ جَمِيعِهِ.
الْفَرْعُ السَّادِسُ: وَكِيلُ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلَا الْبَيْعُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَحْجُورُهُ كَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ بِمَنْزِلَتِهِ لِاتِّهَامِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ أَوْ يُسَمِّي لَهُ الثَّمَنَ، فَيَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ مَا وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهِ بَعْدَ تَنَاهِي الرَّغَبَاتِ فِيهِ لَكِنْ عَلَى غَيْرِ مَرْضِيٍّ ابْنُ عَرَفَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَرَامِ: وَبَيْعُهُ لِنَفْسِهِ وَمَحْجُورِهِ بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ إنْ لَمْ يُجَبْ.
الْفَرْعُ السَّابِعُ: يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ الْخَاصِّ أَوْ الْمُفَوَّضِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ مَعْزُولٌ عَنْهُ بِأَنْ زَادَ فِي شِرَاءِ السِّلْعَةِ أَوْ نَقَصَ فِي بَيْعِهَا مَا لَهُ بَالٌ وَتَلْزَمُ السِّلْعَةُ الْوَكِيلَ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ الْمُوَكِّلُ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَا بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ فِي غَيْرِ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ، وَمَسَائِلُ الْبَابِ كَثِيرَةٌ تُطْلَبُ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ.
ثُمَّ شُبِّهَ فِي لُزُومِ الْبَيِّنَةِ قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ) يَجِبُ (عَلَى وَلِيِّ الْأَيْتَامِ) كَالْوَصِيِّ إقَامَةُ (الْبَيِّنَةِ) عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ فِي أَصْلِ الصَّرْفِ
جَائِزٌ إلَّا مَا جَرَّ إلَى حَرَامٍ وَيَجُوزُ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ
وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ تَتَزَوَّجُ عَلَى إنَّهَا حُرَّةٌ فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا وَأَخْذُ
[الفواكه الدواني]
(أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ) إذْ لَمْ يَكُونُوا حِينَ الْإِنْفَاقِ فِي حَضَانَتِهِ.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا نَازَعُوهُ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَرُشْدِهِمْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ (دَفَعَ إلَيْهِمْ) أَمْوَالَهُمْ فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] قَالَ مَالِكٌ: لِئَلَّا تَضْمَنُوا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْمُدَوَّنَةِ طَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَشَدَّهُمْ أَمْ لَا، وَمُقَابِلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَبُولُ قَوْلِهِ بِيَمِينِهِ إنْ طَالَ الزَّمَانُ كَعِشْرِينَ سَنَةً، وَحَمَلْنَا الْكَلَامَ السَّابِقَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَضَانَتِهِ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانُوا) حِينَ الْمُنَازَعَةِ (فِي حَضَانَتِهِ) وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَصْلِ الْإِنْفَاقِ أَوْ قَدْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِمْ.
(صُدِّقَ فِي) شَأْنِ (النَّفَقَةِ فِيمَا يُشْبِهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَالْقَوْلُ لَهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ أَيْ فِي شَأْنِهَا لِيَشْمَلَ مَا إذَا نَازَعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِنْفَاقِ أَوْ فِي قَدْرِ الْمُنْفَقِ لَكِنْ بِيَمِينٍ حَيْثُ أَشْبَهَ، وَمِثْلُ كَوْنِهِمْ فِي حَضَانَتِهِ كَوْنُهُمْ فِي حَضَانَةِ أُمِّهِمْ وَهِيَ فَقِيرَةٌ وَظَهَرَ أَثَرُ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَمِثْلُ الْوَصِيِّ مُقَدَّمٌ الْقَاضِي وَالْحَاضِنُ وَالْكَافِلُ، وَأَمَّا لَوْ نَازَعُوهُ فِي تَارِيخِ الْمَوْتِ أَوْ فِي دَفْعِ الْمَالِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا فِي تَارِيخِ الْمَوْتِ وَلَا فِي دَفْعِ مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَيْ وَرُشْدِهِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: صُدِّقَ فِي النَّفَقَةِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ زَمَنَ كَوْنِهِمْ فِي حَضَانَتِهِ وَقَبْلَ بُلُوغِهِمْ وَرُشْدِهِمْ لَا يُصَدَّقُ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الدَّفْعِ حَيْثُ أَتْلَفُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ رُشْدِهِمْ سِوَى النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
[حُكْمِ الصُّلْحِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْوَكَالَةِ وَالْوَصِيِّ، شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الصُّلْحِ وَهُوَ لُغَةً قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ، وَاصْطِلَاحًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ، فَقَوْلُهُ: انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِقْرَارُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ دَعْوَى يَدْخُلُ فِيهِ صُلْحُ الْإِنْكَارِ، وَبِعِوَضٍ مُتَعَلِّقٌ بِانْتِقَالٍ يَخْرُجُ بِهِ الِانْتِقَالُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يُسَمَّى صُلْحًا، وَقَوْلُهُ: لِرَفْعِ نِزَاعٍ يَخْرُجُ بِهِ بَيْعُ الدَّيْنِ وَنَحْوُهُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الصُّلْحُ يَكُونُ عَنْ إقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ لِصِدْقِ الْحَدِّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يُقَالُ: يَخْرُجُ الصُّلْحُ عَنْ السُّكُوتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: السُّكُوتُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ وَحُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ النَّدْبُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1] . ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114] .
فَقَالَ: (وَالصُّلْحُ جَائِزٌ) جَوَازًا رَاجِحًا؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ جَائِزًا لِمُوهِمِ الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي لِأَجْلِ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ (إلَّا مَا جَرَّ إلَى حَرَامٍ) وَهَذَا بَعْضُ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، مِثَالُ الصُّلْحِ الَّذِي جَرَّ إلَى حَرَامٍ الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ الشَّرْعِيِّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَكَالصُّلْحِ عَنْ الذَّهَبِ الْمُؤَجَّلِ بِالْوَرِقِ وَلَوْ عَلَى الْحُلُولِ، وَمِثَالُ الَّذِي حَرَّمَ حَلَالًا الصُّلْحُ عَنْ ثَوْبٍ بِسِلْعَةٍ بِشَرْطِ أَلَّا يَنْتَفِعَ بِهَا أَوْ بِثَمَرٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ لَا عَلَى شَرْطِ الْجَذِّ.
(وَيَجُوزُ) الصُّلْحُ (عَلَى الْإِقْرَارِ) وَيَكُونُ تَارَةً بَيْعًا إنْ وَقَعَ عَلَى أَخْذِ غَيْرِ الْمُقَرِّ بِهِ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ عَرْضٌ أَوْ حَيَوَانٌ وَيُصَالَحُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ، وَتَارَةً يَكُونُ إجَارَةً وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ ذَاتٌ مُعَيَّنَةٌ كَثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ فَيُصَالِحُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَنَافِعِ دَارٍ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَتَارَةً يَكُونُ هِبَةً وَذَلِكَ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةٌ فَصَالَحَهُ عَنْهَا بِخَمْسِينَ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إبْرَاءٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِقَوْلِهِ: الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ بَيْعُ إجَارَةٍ، وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ، وَيَجُوزُ عَنْ الدَّيْنِ بِمَا يُبَاعُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ غَرَضًا جَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ وَلَوْ بِعَيْنٍ حَالَّةٍ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا جَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِعَرْضٍ حَالٍّ وَعَنْ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ، وَعَكْسُهُ حَيْثُ خَلَا وَعَجَّلَ الْمُصَالِحُ بِهِ.
(وَ) يَجُوزُ الصُّلْحُ أَيْضًا عَلَى (الْإِنْكَارِ) وَعَلَى مُقْتَضَى السُّكُوتِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى الِاقْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ أَوْ السُّكُوتِ أَوْ الْإِنْكَارِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ إذَا تَوَجَّهَتْ يَمِينٌ عَلَى شَخْصٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْتَدِيَ مِنْهَا بِالْمَالِ وَلَوْ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِمَنْ أَتَمَّهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، وَجَوَازُ الصُّلْحِ عَنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَقْدِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ بِحَيْثُ يَحِلُّ تَنَاوُلُ مَا وَقَعَ بِهِ الصُّلْحُ، فَإِنْ كَانَ الصَّادِقُ الْمُنْكِرَ فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ حَرَامٌ وَإِلَّا فَحَلَالٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَوَازَ الصُّلْحِ عَنْ السُّكُوتِ أَوْ الْإِنْكَارِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِدَاءُ مِنْ الْيَمِينِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهِيَ: جَوَازُهُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ تُهْمَةُ فَسَادٍ، وَالْأَمْثِلَةُ وَمَذَاهِبُ الْمُخَالِفِينَ تُطْلَبُ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ
قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ لَهُ
وَمَنْ اسْتَحَقَّ أَمَةً قَدْ وَلَدَتْ فَلَهُ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَقِيلَ يَأْخُذُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ
[الفواكه الدواني]
خَاتِمَةٌ) إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ كَانَ لَازِمًا وَلَا يَجُوزُ تَعَقُّبُهُ وَلَوْ ظَهَرَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ وَيَمْلِكُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا بِسَرِقَتِهِ وَيُوجَدُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ وَيُنْقَضُ الصُّلْحُ، كَمَا يُنْقَضُ إذَا أَقَرَّ الظَّالِمُ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ بَعْدَ وُقُوعِ الصُّلْحِ، فَإِنَّ لِلْمَظْلُومِ نَقْضُهُ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِلْمَظْلُومِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَا، أَوْ اشْهَدُوا عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا، أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلَى الْأَحْسَنِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ خَلِيلٌ، وَالشَّيْءُ الْمُصَالَحُ بِهِ يَحِلُّ لِمَنْ أَخَذَهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إنْ كَانَ ظَالِمًا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصُّلْحِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمَةِ الْغَارَّةِ لِزَوْجِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ) تَدْعُو رَجُلًا (تَتَزَوَّجُ) هـ (عَلَى) شَرْطِ (أَنَّهَا حُرَّةٌ) فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا أَمَةٌ لِشَخْصٍ لَا يُعْتَقُ وَلَدُهَا عَلَيْهِ (فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا) وَلَهُ إبْقَاؤُهَا زَوْجَةً إنْ كَانَ أَذِنَ لَهَا فِي النِّكَاحِ وَفِي اسْتِخْلَافِ رَجُلٍ يَعْقِدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إذْنٌ بِالنِّكَاحِ أَوْ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ يَأْذَنْ فِي اسْتِخْلَافِهَا مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا لَتَحَتَّمَ فَسْخُ نِكَاحِهَا.
(وَ) يَجِبُ لَهُ (أَخْذُ قِيمَةِ الْوَلَدِ) مِنْ أَبِيهِ دُونَ مَالِهِ لِتَخَلُّقِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ.
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ.
(يَوْمَ الْحُكْمِ لَهُ) بِهَا قَالَ خَلِيلٌ: وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ الْحُرِّ فَقَطْ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ دُونَ مَالِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ إلَّا لِكَجَدِّهِ وَلَا وَلَاءَ لَهُ، وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْقِنَّةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، لَكِنْ قِيمَةُ الْوَلَدِ تَخْتَلِفُ، فَوَلَدُ الْقِنَّةِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ، بِخِلَافِ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ فَتُقَوَّمُ عَلَى الْغَرَرِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى الْغَرَرِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَسَقَطَتْ بِمَوْتِهِ وَالْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ دِيَتُهُ إنْ قُتِلَ أَوْ غَرَّتْهُ أَوْ مَا نَقَصَهَا أَنَّ الْقِنَّةَ كَجُرْحِهِ، وَلِعَدَمِهِ تُؤْخَذُ مِنْ الِابْنِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ وَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ إلَّا قِسْطُهُ، وَوُقِفَتْ قِيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ فَإِنْ أَدَّتْ رَجَعَتْ إلَى الْأَبِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ لُزُومَ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَامٌّ فِي غُرُورِهَا أَوْ غُرُورِ سَيِّدِهَا أَوْ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي تَوَلَّى نِكَاحَهَا، وَفِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَجِبُ لِلْأَمَةِ عَلَى الزَّوْجِ الْمَغْرُورِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ لَهَا الْأَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ حَيْثُ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا وَاخْتَارَ الزَّوْجُ فِرَاقَهَا، وَأَمَّا إنْ اخْتَارَ الْبَقَاءَ عَلَى نِكَاحِهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى، وَلَوْ زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأُمِّ قَالَ الْعَوْفِيُّ: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ رَدِّهَا فَلَيْسَ لَهُ التَّمَاسُكُ بِهَا إلَّا بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى، كَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِإِحْدَاهُمَا وَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ وَقَدْ فَاتَتْ الْأُخْرَى وَلَيْسَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّمَاسُكِ بِالْبَاقِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ قِيمَةَ التَّالِفِ اُنْظُرْ الطِّخِّيخِيَّ، زَادَ الْأُجْهُورِيُّ عَقِبَهُ: وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهَا فَلِيَسْتَبْرِئهَا؛ لِأَنَّهُ الْمَاءُ السَّابِقُ عَلَى الْإِجَارَةِ الْوَلَدُ فِيهِ حُرٌّ وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهَا رَقِيقٌ، وَجَوَازُ إمْسَاكِهَا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: خَوْفُ الْعَنَتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ، وَعَدَمُ الطَّوْلِ، وَوُقُوعُ النِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فَاسِدًا بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا وَيَجِبُ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لَهَا جَمِيعُ الْمُسَمَّى، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ وَلَوْ قَبَضَهُ سَيِّدُهَا لَرَدَّهُ قَهْرًا عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ لِلزَّوْجِ رُجُوعٌ بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَهُ لَهَا أَمْ لَا؟ وَمُحَصِّلُهُ: إنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لَهَا وَكِيلَ سَيِّدِهَا وَتَعَدَّى بِغُرُورِ الزَّوْجِ وَلَكِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ خَاصٍّ أَوْ صَدَرَ الْغُرُورُ مِنْهَا بِأَنْ قَالَتْ أَنَا حُرَّةٌ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَهُ لَهَا عَلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ هُوَ الْغَارُّ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا غَرِمَهُ لَهَا، وَقِيلَ إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى غَارٍّ غَيْرِ وَلِيٍّ تَوَلَّى الْعَقْدَ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ.
الرَّابِعُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا مَعْنَاهُ إنْ أَرَادَ الزَّوْجُ،؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْمَغْرُورِ حَيْثُ وَقَعَ عَقْدُهُ صَحِيحًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً دَلَّسَ عَلَيْهِ بَائِعُهَا يَعِيبُهَا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِيهَا لِدَاعِي الْحَاجَةِ.
[بَعْض مَسَائِل الِاسْتِحْقَاق]
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ لُغَةً إضَافَةُ الشَّيْءِ لِمَنْ يَصْلُحُ بِهِ وَلَدٌ فِيهِ حَقٌّ كَاسْتِحْقَاقِ هَذَا مِنْ الْوَقْفِ مَثَلًا بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَوْ الْعِلْمِ، وَأَمَّا شَرْعًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَرَفْعُ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ، وَغَيْرِهِمَا لَا يُسَمَّى اسْتِحْقَاقًا؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكٍ لَا بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ كَمَا خَرَجَ الرَّفْعُ بِالْمَوْتِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ حُرِّيَّةٍ عَطْفٌ عَلَى مِلْكٍ لِتَدْخُلَ صُورَةُ الِاسْتِحْقَاقِ بِثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ فَقَالَ: (وَمَنْ اسْتَحَقَّ أَمَةً) مِنْ يَدِ حُرٍّ صَاحِبِ شُبْهَةٍ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ غَاصِبًا أَوْ مُشْتَرِيًا أَوْ مَوْهُوبًا وَالْحَالُ أَنَّهَا (قَدْ وَلَدَتْ) عِنْدَهُ وَاسْتَمَرَّ وَلَدُهَا حَيًّا (فَلَهُ) أَيْ فَيَجِبُ لِذَلِكَ الْمُسْتَحِقِّ (قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَتُعْتَبَرُ تِلْكَ الْقِيمَةُ (يَوْمَ الْحُكْمِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحَقَّةِ وَلَدُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، فَمَا صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَجَعَ إلَيْهِ
وَقِيلَ لَهُ قِيمَتُهَا فَقَطْ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الثَّمَنَ فَيَأْخُذَهُ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي بَاعَهَا وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ غَاصِبٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ مَعَهَا لِرَبِّهَا
وَمُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ عَمَرَتْ يَدْفَعُ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ قَائِمًا فَإِنْ أَبَى دَفَعَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْبُقْعَةِ بَرَاحًا فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَالْغَاصِبُ يُؤْمَرُ بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَزَرْعِهِ وَشَجَرِهِ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ رَبُّهَا قِيمَةَ
[الفواكه الدواني]
وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا تَكُونُ أُمُّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِثَمَنِهَا عَلَى بَائِعِهِ وَلَوْ كَانَ غَاصِبًا، سَوَاءٌ سَاوَى مَا غَرِمَهُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَلَكِنْ مَا قَبَضَهُ رَبُّهَا إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ إذَا فَاتَ يَجِبُ فِيهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ.
(وَقِيلَ) يُقْضَى لِمُسْتَحِقِّهَا بِأَنْ (يَأْخُذَهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ) وَنُسِبَ لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهَا لَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ.
(وَقِيلَ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ (قِيمَتُهَا فَقَطْ) يَوْمَ وَطْئِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي وَلَدِهَا (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ) مُسْتَحِقُّهَا أَخْذَ (الثَّمَنِ) دُونَ الْقِيمَةِ (فَيَأْخُذُهُ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي بَاعَهَا) فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ وَكُلُّهَا عَنْ الْإِمَامِ وَأَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا كَمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ يَدِ رَقِيقٍ لَقُضِيَ لِسَيِّدِهَا بِأَخْذِهَا مَعَ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ زِنًى، فَلَوْ مَاتَتْ الْأَمَةُ قَبْلَ قِيَامِ الْمُسْتَحِقِّ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا فَقَطْ إذَا وَجَدَهَا حَيَّةً وَهُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَلَدِ الَّذِي وُجِدَ حَيًّا، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ قُتِلَ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْأَبِ إنْ اُقْتُصَّ مِنْ قَاتِلِهِ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ، لَكِنْ لِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ دِيَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ الْأَقَلُّ إنْ أَخَذَ دِيَةً، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قَدْ وَلَدَتْ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَلِدْ لَكَانَ لِمُسْتَحِقِّهَا أَخْذُهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مُشْتَرِيهَا فِي وَطْئِهَا، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا مِنْ صَاحِبِ الشُّبْهَةِ لِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَتْ) الْأَمَةُ الْمُسْتَحِقَّةُ (بِيَدِ غَاصِبٍ) وَهُوَ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْ يَدِ مَالِكِهَا قَهْرًا عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) إنْ وَطِيءَ حَيْثُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مَالِ مَالِكِهَا (وَوَلَدُهُ) مِنْهَا (رَقِيقٌ) يَرُدُّ (مَعَهَا لِرَبِّهَا) وَحُكْمُ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَاصِبٌ، كَحُكْمِ الْغَاصِبِ فِي قَطْعِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَحْدَهُ حَيْثُ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارٍ بِعِلْمِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ إقْرَارٍ مِنْهُ بَعْدَ وَطْئِهَا أَنَّهُ وَطِئَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِغَصْبِهَا فَقَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ: يُحَدُّ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، وَلَكِنْ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَلَدِ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ، وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَدُّ، وَلُحُوقُ الْوَلَدِ وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ عِدَّةُ مَسَائِلَ:
إحْدَاهُنَّ مَنْ يَشْتَرِي مَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ أُخْتٍ أَوْ بِنْتٍ أَوْ أُمٍّ وَيَطَؤُهَا مَعَ إقْرَارِهِ بِالْعِلْمِ بِأَنَّهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ.
ثَانِيَتُهَا: مَنْ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَيُوَلِّدُهَا ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مَحْرَمٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهَارَةٍ وَيُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ.
وَرَابِعَتُهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيُولَدَ لَهُ ثُمَّ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِهَا وَمَعَهُ أَرْبَعٌ وَوَطِئَهَا عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ الْمَسَائِلِ مَعَ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ خَمْسٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْوَاطِئِ يَقْتَضِي أَنَّهُ زَانٍ، وَالْمُتَخَلِّقُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا لَا يَلْحَقُ بِصَاحِبِ الْمَاءِ شَرْعًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ لُحُوقِ الْوَلَدِ اسْتِنَادُ الْوَطْءِ لِعَقْدٍ فِي الْجُمْلَةِ وَلَزِمَهُ الْحَدُّ لِضَعْفٍ فِي الشُّبْهَةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْأَمَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهَا مِنْ الْمُسْتَحَقَّاتِ فَقَالَ: (وَمُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ) مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ بِمِلْكٍ (بَعْدَ أَنْ عَمَرَتْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ عَمَرَهَا صَاحِبُ الشُّبْهَةِ بِالْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَالْمُسْتَحِقُّ لَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ (يَدْفَعَ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ) أَيْ مَا عَمَرَتْ بِهِ حَالَةَ كَوْنِ الْبِنَاءِ (قَائِمًا) ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ وَلَوْ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْ غَاصِبٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْغَصْبِ، وَقَوْلُهُ: قَائِمًا أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ الْغَيْرِ الْمُغَيَّا إنْ كَانَ الْبَانِي مُشْتَرِيًا مَثَلًا، أَوْ عَلَى التَّأْبِيدِ الْمُغَيَّا بِحَدٍّ إنْ كَانَ الْبَانِي مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا لِلْأَرْضِ وَحَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمُسْتَحِقُّ مِنْ دَفْعِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ قَائِمًا (دَفَعَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي) صَاحِبُ الشُّبْهَةِ (قِيمَةَ الْبُقْعَةِ بَرَاحًا) أَيْ خَالِيَةً مِمَّا عَمَرَتْ بِهِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمُشْتَرِي أَيْضًا أَوْ كَانَ عَدِيمًا (كَانَا) أَيْ الْمُسْتَحِقُّ وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ (شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ) الْمُرَادُ مِنْهُمَا فَالْمُسْتَحِقُّ بِقِيمَةِ أَرْضِهِ خَرِبَةً وَصَاحِبُ الشُّبْهَةِ بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلٍّ يَوْمَ الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ مِائَةً وَقِيمَةُ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ كَذَلِكَ كَانَا شَرِيكَيْنِ بِالْمُنَاصَفَةِ.
وَقَدْ أَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا، وَإِنْ أَبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الْأَرْضِ فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ.
وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَرَقَّعَهُ أَوْ سَفِينَةً خَرِبَةً وَأَصْلَحَهَا أَوْ ثَوْبًا وَصَبَغَهُ، وَقَيَّدْنَا الِاسْتِحْقَاقَ بِالْمِلْكِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْحَبْسِ فَلَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا الْمُحْبَسَةَ فَالنَّقْضُ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ أَرْضًا مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ بِوَقْفٍ بَعْدَ أَنْ بَنَاهَا أَوْ غَرَسَهَا مُشْتَرِيهَا فَلَيْسَ لِلْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ إلَّا نَقْضُهُ أَوْ شَجَرَةً، إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْوَقْفِ، وَلَيْسَ لَنَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ
ذَلِكَ النَّقْضِ وَالشَّجَرِ مُلْقًى بَعْدَ قِيمَةِ أَجْرِ مَنْ يَقْلَعُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ بَعْدَ الْقَلْعِ وَالْهَدْمِ
وَيَرُدُّ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ وَلَا يَرُدُّهَا غَيْرُ الْغَاصِبِ وَالْوَلَدُ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي الْأَمَةِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْأُمَّهَاتِ
[الفواكه الدواني]
يُطَالِبُهُ الْبَانِي بِقِيمَةِ بِنَائِهِ أَوْ غَرْسِهِ قَائِمًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقْطَعَ رَجُلًا أَرْضًا فَأَحْيَاهَا وَغَرَسَ فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَاسْتَحَقَّهَا، وَاخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَضَى لِلْأَوَّلِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا أَحْيَا، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: أَعْطِهِ قِيمَةَ أَرْضِهِ بَيْضَاءَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَضَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا، هَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وَهَذَا بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ.
وَإِنَّمَا بَدَأَ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى سَبَبًا لِكَوْنِ الْأَرْضِ لَهُ، وَانْتَقَلَ الْخِيَارُ لِلْبَانِي إذَا أَبَى الْمُسْتَحِقُّ لِيَزُولَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا وَكَانَا شَرِيكَيْنِ إذَا أَبَيَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَهُ حَقٌّ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّ الْآخَرِ لَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ لِقَوْلِهِ هُنَا: (وَالْغَاصِبُ) لِعَرْصَةٍ وَيَبْنِيهَا أَوْ يَغْرِسُهَا ثُمَّ يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهَا مِنْهَا (يُؤْمَرُ) أَيْ الْغَاصِبُ (بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَزَرْعِهِ وَشَجَرِهِ) إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَيُؤْمَرُ أَيْضًا بِتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ مِثْلَ مَا كَانَتْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .
وَبَنَى يُؤْمَرُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفَاعِلِ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَالِكُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ رَبُّهَا) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ (قِيمَةَ ذَلِكَ النِّقْضِ) بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى الْمَنْقُوضِ كَالذِّبْحِ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ.
(وَ) قِيمَةَ (الشَّجَرِ مُلْقًى) أَيْ مَقْلُوعًا؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ ظَالِمٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّجَرُ يَنْبُتُ بَعْدَ قَلْعِهِ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ مَا ذُكِرَ (بَعْدَ) أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا (قِيمَةُ) أَيْ (أَجْرِ مَنْ يَقْلَعُ ذَلِكَ) أَوْ يَهْدِمُ الْبِنَاءَ إنْ لَمْ يَكُنْ شَأْنُ الْغَاصِبِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبِيدِهِ، وَإِلَّا دَفَعَ قِيمَةَ الْأَنْقَاضِ أَوْ الشَّجَرِ بِتَمَامِهَا.
مِثَالٌ يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَنْقَاضِ أَوْ الْأَشْجَارِ بَعْدَ قَلْعِهَا عَشَرَةً وَأُجْرَةُ مَنْ يَقْلَعُهَا أَرْبَعَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَدْفَعُ لَهُ الْمُسْتَحِقُّ سِتَّةً، وَإِنْ كَانَ شَأْنُ الْغَاصِبِ مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ تُدْفَعُ لَهُ الْعَشَرَةُ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَفِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ نَقْضِهِ بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا.
وَالشِّقُّ الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَوْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ وَتَسْوِيَةِ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَحِقِّ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ وَأَيْضًا هُوَ صَاحِبُ الْأَصْلِ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ قَبْلَ الظَّفَرِ بِالْغَاصِبِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا تَجِبُ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْغَاصِبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكِرَاءُ أَرْضٍ تَنْبُتُ وَبِنَاؤُهَا اسْتِعْمَالٌ.
قَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ فَتَسْقُطُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ قِيمَةِ الْأَنْقَاضِ، كَمَا تَسْقُطُ أُجْرَةُ مَنْ يَتَوَلَّى قَلْعَهَا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ كَدَارٍ قَفَلَهَا أَوْ أَرْضٍ بَوَّرَهَا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْغَلَّةَ، بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ أَخْذَ الْمَنْفَعَةِ دُونَ تَمَلُّكِ الذَّاتِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ عَطَّلَهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا قَلْعَ الْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ بَعْدَ قَلْعِهِ لِقَوْلِهِ: (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لِلْغَاصِبِ (فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ) مِنْ زَرْعِهِ أَوْ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ (بَعْدَ الْقَلْعِ وَالْهَدْمِ) مِثْلُ الْبَيَاضِ وَالنَّقْشِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الشَّجَرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَدَّ الِانْتِفَاعِ أَوْ الْبِنَاءِ الْكَائِنِ بِالطُّوبِ النِّيءِ كَمَا فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ زَرَعَ فَاسْتُحِقَّتْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلَا شَيْءٍ وَإِلَّا فَلَهُ، فَلَعَلَّهُ إنْ لَمْ يُفْتِ وَقْتَ مَا تُرَادُ لَهُ وَإِلَّا فَكِرَاءُ السَّنَةِ كَذِي شُبْهَةٍ وَمُقَابِلٍ فَلَهُ قَلْعُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إبْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِهِ مَجَّانًا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوْ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي يُعَدُّ بَائِعًا لَهُ، وَأَمَّا إذَا فَاتَ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ مِنْ جِنْسِ مَا زَرَعَ فِيهَا فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إلَّا كِرَاءُ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَلْعِهِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ كَذِي شُبْهَةٍ فَهُوَ تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ كِرَاءِ السَّنَةِ لَا بِقَيْدِ فَوَاتِ الْإِبَّانِ بَلْ بِقَيْدِ بَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْإِبَّانُ لَمْ يُتْبَعْ صَاحِبُ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ اغْتَلَّ شَيْئًا لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيَرُدُّ الْغَاصِبُ) وَمِثْلُهُ اللِّصُّ الْمَعْرُوفُ بِالسَّارِقِ، وَكَذَا الْخَائِنُ وَالْمُخْتَلِسُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيمَا اغْتَلَّهُ.
(الْغَلَّةَ) الَّتِي اسْتَوْفَاهَا مِنْ الذَّوَاتِ الْمَمْلُوكَةِ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْحَرَامِ، وَصِفَةُ رَدِّهَا أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً مَعْلُومَةَ الْكَمِّ، كَأَشْجَارٍ جَذَّ ثِمَارَهَا، وَأَغْنَامٍ جَزَّ صُوفَهَا، وَمَوَاشٍ اسْتَوْفَى أَلْبَانَهَا، وَإِنْ جُهِلَتْ الْكَمِّيَّةُ أَوْ كَانَتْ مُقَوَّمَةً فَتُرَدُّ الْقِيمَةُ، وَفِي الْغَلَّةِ تَفْصِيلٌ مُحَصِّلُهُ أَنَّ غَلَّةَ نَحْوِ الْعَبْدِ وَسَائِرِ الدَّوَابِّ وَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَلْزَمُ غَلَّتُهُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَلَّةُ مُسْتَعْمِلٍ، وَأَمَّا لَوْ عَطَّلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِأَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الدَّابَّةَ وَلَا زَرْعَ الْأَرْضِ فَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَتُهَا فِي مُدَّةِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْغَلَّةُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ كَثَمَرِ الشَّجَرِ وَصُوفِ الْغَنَمِ وَلَبَنِ الْبَقَرِ فَهَذَا يَرُدُّهُ الْغَاصِبُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَأَمَّا رِبْحُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَنَمَاءُ الْبَذْرِ الْمَغْصُوبِ فَلَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ الْوَاجِبَ رَدُّ مِثْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ: وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَالُ تَاجِرًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ رَدِّ الْغَلَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الذَّاتُ الْمَغْصُوبَةُ ذَهَبَتْ، وَلُزُومُ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا.
وَفِي
مِنْ يَدِ مُبْتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ
وَمَنْ غَصَبَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ
وَإِصْلَاحُ السُّفْلِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْخَشَبُ لِلسَّقْفِ عَلَيْهِ وَتَعْلِيقُ الْغُرَفِ عَلَيْهِ إذَا وَهِيَ السُّفْلُ وَهُدِمَ حَتَّى يُصْلَحَ وَيُجْبَرَ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُصْلِحُ وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فَلَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ قَرِيبَةٍ يَكْشِفُ جَارَهُ مِنْهَا أَوْ فَتْحِ بَابٍ قُبَالَةَ بَابِهِ أَوْ
[الفواكه الدواني]
الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا أَنَّ الْغَلَّةَ لَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ رَدُّهَا إلَّا إذَا رُدَّتْ الذَّاتُ الْمَغْصُوبَةُ، وَأَمَّا لَوْ فَاتَتْ وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا فَلَا يُتْبَعُ بِغَلَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ قِيمَتَهَا تُعْتَبَرُ يَوْمَ الِاسْتِيلَاءِ، فَقَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّهُ اسْتَغَلَّ مِلْكَهُ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ رَدِّ الْغَاصِبِ الْغَلَّةَ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا كَانَ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ إنَّمَا يَرُدُّ الزَّائِدَ مِنْهَا عَلَى النَّفَقَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ أَيْ مَحْصُورٌ فِيهَا لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ غَلَّةٌ ضَاعَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا فِي الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ قَدْ قَامَ عَنْ رَبِّهَا بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ دَاخِلٌ مَحَلَّ ضَيَاعِ مَالِهِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، وَمَا نَقَلَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فَرَاجِعْهُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
الثَّالِثُ: إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ لَك ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ فِي رَدِّ الْغَلَّةِ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ لُزُومَ رَدِّهَا بِرَدِّ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ لُزُومَهَا أَيْضًا بِالِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، وَلَمَّا كَانَ الْغَاصِبُ ظَالِمًا لَا حَقَّ لِتَعَبِهِ كُلِّفَ بِرَدِّ الْغَلَّةِ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الشُّبْهَةِ لَا ظُلْمَ عِنْدَهُ فَلِذَا لَا يَرُدُّهَا كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَرُدُّهَا) أَيْ الْغَلَّةَ (غَيْرُ الْغَاصِبِ) وَالْمُرَادُ بِهِ صَاحِبُ الشُّبْهَةِ وَلَوْ كَانَ مُشْتَرِيًا مِنْ الْغَاصِبِ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَمِثْلُهُ مَوْهُوبُهُ وَمِثْلُهُ مَجْهُولُ الْحَالِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ، وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ الْقَابِلِ لِلْهِبَةِ مِنْ الْغَاصِبِ مَعَ عِلْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْغَصْبِ فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ، بِخِلَافِ وَارِثِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ لَا يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَلَدُ غَيْرَ غَلَّةٍ قَالَ: (وَالْوَلَدُ) مُبْتَدَأٌ وَصِفَتُهُ (فِي الْحَيَوَانِ) الْبَهِيمِيِّ.
(وَ) كَذَا (فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ) أَيْ غَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ الْحُرُّ بِأَنْ كَانَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ الرَّقِيقُ وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْأُمَّهَاتِ مِنْ يَدِ مُبْتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَلَّةٍ بَلْ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ أُمِّهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ يَدِ الْحَائِزِ لَهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّيِّدِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ حُرٌّ بِاتِّفَاقِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْمُسْتَحِقُّ قِيمَتَهُ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
وَلَمَّا كَانَ وَاطِئُ الْأَمَةِ غَصْبًا لَيْسَ كَوَاطِئِ الْحُرَّةِ فِي لُزُومِ الصَّدَاقِ لَهُ قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَمَةً) لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ (ثُمَّ وَطِئَهَا فَوَلَدُهُ) مِنْهَا (رَقِيقٌ) لِسَيِّدِهَا (وَعَلَيْهِ الْحَدُّ) وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ نَقْصِهَا بِوَطْئِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْحَدُّ لِصِدْقِ الزَّانِي عَلَيْهِ، وَهُوَ الْوَاطِئُ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا، وَالْمُرَادُ بِالْغَصْبِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَ ذَاتِهَا
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَالْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَعْلَى وَصَاحِبِ السُّفْلِ مُنَاسَبَةٌ فِي الْقَضَاءِ قَالَ: (وَإِصْلَاحُ السُّفْلِ) الْوَاهِي إذَا كَانَ عَلَيْهِ عُلُوٌّ لِأَجْنَبِيٍّ (عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْخَشَبِ) الْمُعَدِّ (لِلسَّقْفِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَرْضٌ لِلْأَعْلَى.
(وَ) كَذَا (تَعْلِيقُ الْغُرَفِ) الْكَائِنَةِ عَلَى سَقْفِهِ الْأَسْفَلِ لِغَيْرِهِ.
(عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ (إذَا وَهِيَ) أَيْ ضَعُفَ (السُّفْلُ وَهُدِمَ) أَيْ أَوْ انْهَدَمَ، فَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَيَسْتَمِرُّ تَعْلِيقُ الْأَعْلَى عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ (حَتَّى يُصْلِحَ) الْوَاهِيَ أَوْ يُعِيدَ الْمُنْهَدِمَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ، وَإِنَّمَا لَزِمَ صَاحِبَ الْأَسْفَلِ تَعْلِيقُ الْأَعْلَى الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْأَسْفَلَ أَرْضٌ لِلْأَعْلَى، وَلِذَا يَلْزَمُهُ سَقْفُهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ الْأَعْلَى هَكَذَا مَوْضُوعًا عَلَى الْأَسْفَلِ، أَوْ بَاعَهُ هَوَاءً عَلَى ظَهْرِ الْأَسْفَلِ، وَلَا يُمْكِنُ الْبُنْيَانُ فِي الْهَوَاءِ إلَّا بَعْدَ بِنَاءِ الْأَسْفَلِ، وَلِذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ مَعَ صَاحِبِ الْأَعْلَى فِي السَّقْفِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ، بِخِلَافِ الْبَلَاطِ الْكَائِنِ فَوْقَ السَّقْفِ فَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ، وَلَا يُقْضَى لَهُ بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا لِلْمُتَعَلِّقِ بِلِجَامِهَا إلَّا لِقَرِينَةٍ، وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ، لِتَنَزُّلِ نَاظِرِ الْوَقْفِ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ، فَإِذَا كَانَ الْأَعْلَى مَمْلُوكًا وَالْأَسْفَلُ مَوْقُوفًا لَزِمَ النَّاظِرَ إصْلَاحُ الْأَسْفَلِ لِحِفْظِ الْأَعْلَى.
(وَ) إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ مِنْ الْإِصْلَاحِ أَوْ التَّعْلِيقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (يُجْبَرُ) بِالْقَضَاءِ (عَلَى أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُصْلِحُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا سَقَطَ الْعُلُوُّ عَلَى الْأَسْفَلِ فَهُدِمَ أُجْبِرَ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَبْنِي حَتَّى يَتَمَكَّنَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مِنْ بِنَاءِ عُلُوِّهِ، فَإِنْ بَاعَهُ لِشَخْصٍ وَامْتَنَعَ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْإِصْلَاحِ أَوْ الْبَيْعِ مِمَّنْ يُصْلِحُ وَهَكَذَا، وَالْمُرَادُ بِالْأَسْفَلِ مَا نَزَلَ عَنْ غَيْرِهِ لِيَشْمَلَ الْأَوْسَطَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهُ، وَمِثْلُ صَاحِبِ الْأَسْفَلِ وَالْأَعْلَى الشُّرَكَاءُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَحَمَّامٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَ لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُعَمِّرُ كَذِي سُفْلٍ إنْ وَهِيَ، وَلَا
حَفْرِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي حَفْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَيْهِ الْقِمْطُ وَالْعُقُودُ وَلَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ
[الفواكه الدواني]
فَرْقَ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: هُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا ضَرَرَ أَنَّك لَا تَضُرُّ مَنْ لَمْ يَضُرَّك، وَمَعْنَى لَا ضِرَارَ لَا تَضُرُّ مَنْ ضَرَّك، وَفُرِّعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُضَارَرَةِ قَوْلُهُ: (فَلَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» .
وَفِي آخَرَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلَى جَارِهِ» .
وَفِي آخَرَ: «وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» وَالْمُرَادُ بِبَوَائِقِهِ شَرُّهُ.
وَفِي حَدِيثٍ: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ» .
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرْبَعٌ مِنْ السَّعَادَةِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنْ الشَّقَاوَةِ بِمَعْنَى التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضَّيِّقُ» .
وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ مَنْ كَانَ بِجَوَانِبِك الْأَرْبَعِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْجِيرَةِ فَقِيلَ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ.
فَالْأَوَّلُ: الْمُسْلِمُ الْقَرِيبُ.
وَالثَّانِي: الْمُسْلِمُ الْأَجْنَبِيُّ.
وَالثَّالِثُ: الذِّمِّيُّ غَيْرُ الْقَرِيبِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَا بِهِ الضَّرَرُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ فَتْحِ كَوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَشَدِّ الْوَاوِ أَيْ طَاقَةٍ (قَرِيبَةٍ) مِنْ مَنْزِلِ جَارِهِ (يَكْشِفُ) أَيْ يَنْظُرُ (جَارَهُ مِنْهَا) انْكِشَافًا قَوِيًّا بِحَيْثُ يُمَيِّزُ الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَحَلِّ الْجَارِ أَوْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الِارْتِفَاعِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعَ مِنْهَا أَوْ قَرِيبَةً لَكِنْ جَعَلَ حَائِلًا يَمْنَعُ الْكَشْفَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ فَتْحِهَا فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ فَتَحَ مَا يُمْنَعُ فَتْحُهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِسَدِّهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ بِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدُّ خَلْفِهَا بَلْ يَجِبُ طَمْسُهَا وَقَلْعُ عَتَبَتِهَا، وَمَفْهُومُ فُتِحَتْ أَنَّ الْكُوَّةَ السَّابِقَةَ عَلَى بَيْتِ الْجَارِ لَا يُقْضَى بِسَدِّهَا، وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّطَلُّعِ عَلَى الْجَارِ مِنْهَا، وَالْمُتَنَازَعُ فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ يُحْمَلُ عَلَى الْحُدُوثِ فَيُقْضَى بِسَدِّهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا فَتَحَ كُوَّةً مِنْ حَائِطِهِ بِحَيْثُ يَكْشِفُ عَلَى بُسْتَانِ جَارِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَزَارِعِ الْجَارِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ (فَتْحِ بَابٍ قُبَالَةَ بَابِهِ) أَيْ بَابِ جَارِ الْفَاتِحِ، فَإِنْ فَعَلَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى عَوْرَةِ جَارِهِ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَافِذَةً فَلَا يُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِ الْبَابِ سَوَاءٌ نَكَّبَهُ وَحَرَّفَهُ عَنْ بَابِ جَارِهِ أَمْ لَا، وَمَفْهُومُ قُبَالَةِ بَابِهِ أَنَّهُ لَوْ نَكَّبَهُ بِأَنْ فَتَحَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ إحْدَاثَ الْبَابِ بِالسِّكَّةِ النَّافِذَةِ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَكَذَا بِغَيْرِ النَّافِذَةِ حَيْثُ رَضِيَ أَصْحَابُ السِّكَّةِ أَوْ نَكَّبَهُ، وَالْمُعْتَبَرُ رِضَا مَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ، وَهَذَا بِخِلَافِ إحْدَاثِ الْحَانُوتِ قُبَالَةَ بَابِ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ وَلَوْ كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَابِ حَيْثُ جَازَ بِالسِّكَّةِ النَّافِذَةِ مُطْلَقًا شِدَّةُ الضَّرَرِ مِنْ الْحَانُوتِ دُونَ الْبَابِ بِكَثْرَةِ الْوَاقِفِينَ عَلَى الْحَانُوتِ (أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ (حَفْرِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي حَفْرِهِ وَإِنْ كَانَ) الْحَفْرُ (فِي مِلْكِهِ) كَحَفْرِ بِئْرٍ مُلْتَصِقَةٍ بِجَارِهِ أَوْ حَاصِلٍ لِمِرْحَاضِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ بِمَنْعِ دُخَانٍ كَحَمَّامٍ أَوْ رَائِحَةٍ كَدِبَاغٍ وَأَنْدَرٍ قِبَلَ بَيْتٍ وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ وَإِصْطَبْلٍ أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ، وَاخْتُلِفَ فِي إحْدَاثِ مَا يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَضُرُّ بِجِدَارٍ، كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ بِقُرْبِ فُرْنٍ، أَوْ حَمَّامٍ بِقُرْبِ حَمَّامٍ يَمْنَعُ الْجَارَ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي إحْدَاثِ الْبِئْرِ بِقُرْبِ بِئْرِ الْجَارِ فَبَعْضُهُمْ أَجَازَهَا وَقَالَهُ أَشْهَبُ إنْ لَزِمَ عَلَى حَفْرِهَا اسْتِفْرَاغُ مَائِهَا مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ مَنْعِ إحْدَاثِ مَا ذُكِرَ عَدَمُ مَنْعِ إحْدَاثِ مَانِعٍ نَحْوِ الضَّوْءِ قَالَ: مَنْعِ ضَوْءٍ وَشَمْسٍ وَرِيحٍ أَيْ عَنْ الْجَارِ إلَّا عَنْ أَنْدَرٍ أَوْ عَنْ طَاحُونٍ تَدُورُ بِالرِّيحِ فَإِنَّهُ يُمْنَعَ مِنْ إحْدَاثِ مَا يَمْنَعُهُ لِشِدَّةِ حَالِ الْأَنْدَرِ وَالطَّاحُونِ الْمَذْكُورَةِ لِلرِّيحِ، وَمِمَّا لَا يَمْنَعُ الْجَارَ مِنْ إحْدَاثِهِ عُلُوُّ بِنَائِهِ عَلَى بِنَاءِ جَارِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَلَّى كَإِجَارَةِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الطُّرْطُوشِيُّ: يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَحَكَى فِي الْمُسَاوَاةِ قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى بِنَاؤُهَا أَعْلَى مِنْ بِنَاءِ مُجَاوِرِهَا مِنْ دُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُمْنَعُ وَيُقِرُّ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ نَقَلَهُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي كَالْمُسْتَصْوِبِ لَهُ، وَكَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِ صَوْتٍ كَكَمَدٍ وَقَصْرٍ، إلَّا أَنْ يَشْتَدَّ ضَرَرُهُ وَيَدُومَ وَإِلَّا مُنِعَ.
(فَرْعٌ) الْمَنَارَةُ يَكْشِفُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا أَصْحَابَ الدُّورِ الَّتِي بِجَوَانِبِهَا يُمْنَعُ مِنْ الصُّعُودِ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً عَلَى بِنَاءِ مَا حَوْلَهَا، وَأَمَّا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَعْمَى أَوْ لَهَا حَاجِزٌ يَمْنَعُ النَّظَرَ لِمَا حَوْلَهَا فَلَا يُمْنَعُ الصُّعُودَ عَلَيْهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ الصُّعُودِ عَلَى نَخْلَةٍ يَطْلُعُ فَوْقَهَا عَلَى مَا بِجَانِبِهَا لِنُدُورِ الصُّعُودِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَنَارَةِ، وَأَيْضًا الصَّاعِدُ عَلَى النَّخْلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إنْذَارُ الْجَارِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُؤَذِّنُ لَك يَقْدِرُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: تَكَرَّرَ إلَّا أَنْ يَقْتَضِيَ مَشَقَّةَ الْإِنْذَارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ الَّذِي يُقْضَى لَهُ بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بَيْنَ الْجَارَيْنِ.
(وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ) الْمَوْضُوعِ بَيْنَ الْجَارَيْنِ وَلَا
بِهِ الْكَلَأُ
وَأَهْلُ الْمَاشِيَةِ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى يَسْقُوا ثُمَّ النَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ
وَمَنْ كَانَ فِي أَرْضِهِ عَيْنٌ أَوْ بِئْرٌ فَلَهُ مَنْعُهَا إلَّا أَنْ تَنْهَدِمَ
[الفواكه الدواني]
بَيِّنَةَ تَشْهَدُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (لِمَنْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى جِهَتِهِ (الْقِمْطُ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ جَمْعُ قِمَاطٍ (وَالْعُقُودُ) لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ شَهِدَ لَهُ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِمَا، فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِتَرَادُفِهِمَا وَهُوَ تَدَاخُلُ بَعْضِ الْبِنَاءِ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ الْقِمْطُ الْخَشَبُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي وَسَطِ الْحَائِطِ لِيَحْفَظَهُ مِنْ الْكَسْرِ، وَالْعُقُودُ تَنَاكُحُ الْأَحْجَارِ فِي بَعْضِهَا، فَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَتِهِمَا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ شَيْءٌ مِنْهُمَا كَانَ الْحَائِطُ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُقْضَى بِذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعُدُولِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ انْفَرَدَ غَيْرُ الْعُدُولِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ قَبْلَ إخْبَارِهِمْ قَالَ خَلِيلٌ: وَقِيلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ الْعُدُولِ وَإِنْ مُشْرِكِينَ وَالْوَاحِدُ كَافٍ، وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَعُمِلَ بِشَهَادَتِهَا، وَلَوْ كَانَ الْقِمْطُ أَوْ الْعَقْدُ لِجِهَةٍ غَيْرِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْعِ مَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَنْبَغِي لِمَنْ فِي أَرْضِهِ غَدِيرَانِ (يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ) الزَّائِدِ عَلَى حَاجَتِهِ مِنْهُ (لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ أَيْ الْحَشِيشُ الَّذِي هُوَ مُبَاحٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ، وَمِمَّا لَا يُمْنَعُ فَضْلُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ بَلْ يُجْبَرُ صَاحِبُهُ عَلَى تَمْكِينِ الْمُحْتَاجِ مِنْهُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْجَبْرِ: كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ حِينَ حَفَرَهَا، أَمَّا إنْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا حَفَرَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لَهُ فَلَهُ مَنْعُ فَضْلِ مَائِهَا عَنْ غَيْرِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا فَضْلَ الْكَلَأِ» أَيْ لَا تَمْنَعُوا مَنْ يُرِيدُ سَقْيَ مَاشِيَةٍ مِنْ فَضْلِ هَذَا الْمَاءِ لِيَبْقَى لَكُمْ الْكَلَأُ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي إذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ السَّقْي مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَتْرُكُونَ الْكَلَأَ الْقَرِيبَ مِنْهُ، وَأَيْضًا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ لَقَدْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدُك» أَيْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ الْكَائِنَةِ فِي الْأَرْضِ إنَّمَا نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاءِ وَهِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا الْإِنْسَانُ.
(تَنْبِيهٌ) وَكَمَا لَا يَمْنَعُ فَضْلَ الْمَاءِ الْمُبَاحِ لَا يَمْنَعُ اصْطِيَادَ السَّمَكِ مِنْهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَمْنَعُ صَيْدَ سَمَكٍ، وَأَنَّ مَنْ مَلَكَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ أَرْضَ صُلْحٍ أَوْ عَنْوَةٍ وَلَوْ كَانَ قَدْ طَرَحَ السَّمَكَ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَكَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ رَعْيِ الْكَلَأِ الَّذِي فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزْرَعْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ زَرْعَهَا لِأَجْلِ رَعْيِ كَلَئِهَا، أَوْ يَكُونَ زَرَعَهُ مُكْتَنِفًا وَمُحْتَاطًا بِالْكَلَأِ بِحَيْثُ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي رَعْيِهِ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَلَهُ مَنْعُ الْغَيْرِ مِنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لَا يُنَافِي تَقْدِيمَ صَاحِبِهِ قَالَ: (وَأَهْلُ آبَارِ الْمَاشِيَةِ أَحَقُّ بِهَا) أَيْ بِمَاءِ تِلْكَ الْآبَارِ الَّتِي حَفَرُوهَا فِي الصَّحْرَاءِ لِشُرْبِ مَوَاشِيهِمْ، وَلَهُمْ مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْ مُسَافِرٍ وَحَاضِرٍ (حَتَّى يَسْقُوا ثُمَّ) بَعْدَ كِفَايَتِهِمْ (النَّاسُ فِيهَا) أَيْ فِي مِيَاهِ تِلْكَ الْآبَارِ (سَوَاءٌ) حَيْثُ اسْتَوَوْا فِي الْوَصْفِ،؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي لَمْ يَحْفِرُوهَا لِبَيْعِ مَائِهَا، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ أَوْصَافُ النَّاسِ فَلَمْ يَكُونُوا فِيهَا سَوَاءً بَلْ الْمُسَافِرُ يَقْدَمُ عَلَى الْحَاضِرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ وَعَلَى رَبِّ الْمَاءِ أَنْ يُعِيرَهُ آلَةَ الِاسْتِقَاءِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْحَاضِرُ، ثُمَّ دَابَّةُ رَبِّ الْمَاءِ وَكُلُّ مَنْ قَدِمَ فَيَقْدَمُ بِجَمِيعِ رَبِّهِ وَفِي كَلَامِ خَلِيلٍ بَيَانُ مَا أَجْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّ الْعَلَّامَةَ خَلِيلًا بَيَّنَ الْمُقَدَّمَ، وَمُحَصِّلُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ رَبُّ الْمَاءِ بِشُرْبِ نَفْسِهِ ثُمَّ الْمُسَافِرُ ثُمَّ الْحَاضِرُ ثُمَّ بَعْدَ رَيِّ الْأَنْفُسِ تُقَدَّمُ الدَّوَابُّ، فَتُقَدَّمُ دَوَابُّ رَيِّ الْمَاءِ ثُمَّ دَوَابُّ الْمُسَافِرِ ثُمَّ مَاشِيَةُ رَبِّ الْمَاءِ ثُمَّ مَاشِيَةُ الْمُسَافِرِ ثُمَّ مَاشِيَةُ النَّاسِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الدَّوَابُّ عَلَى الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ تُذْكَى بِخِلَافِ الدَّوَابِّ وَهَذَا كَلَامُ الْأَقْفَهْسِيِّ.
وَاسْتَظْهَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ مَاشِيَةَ الْمُسَافِرِ وَدَابَّتَهُ فِي مَرْتَبَةٍ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ فِيهِ كِفَايَةٌ لِلْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى كِفَايَةِ أَرْبَابِهِ فَتَارَةً تُسَوَّى حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ، وَتَارَةً تَخْتَلِفُ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِأَنْ كَانَ يَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ الْمَشَقَّةُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ رَبِّ الْمَاءِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْجَهْدُ يَحْصُلُ لِلْكُلِّ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَقْوَى جَهْدًا عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَوَى حَالُ الْجَمِيعِ فِي الْجَهْدِ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَقَوْلَانِ الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا تَقْدِيمُ رَبِّ الْمَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: انْفِرَادُ وَاحِدٍ بِالْجَهْدِ، حُصُولُ الْجَهْدِ لِلْجَمِيعِ لَكِنْ بِتَفَاوُتٍ، يُقَدَّمُ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَهْدِ وَمَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ اسْتِوَاؤُهُ فِي الْجَمِيعِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْخِلَافِ تَقْدِيمُ رَبِّ الْمَاءِ، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ الْجَهْدُ لَا بِجَمِيعِ الرَّيِّ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ فِي فَضْلِ مَائِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَ الْمِلْكِيَّةِ حِينَ حَفَرَهَا وَوُجِدَ مَعَ الْمُحْتَاجِ الثَّمَنُ، وَإِلَّا فَلَا ثَمَنَ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا بِبَلَدِهِ، وَهَذَا تَحْرِيرٌ حَسَنٌ فَشَدِيدُك عَلَيْهِ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي نَحْوِ الْغُدْرَانِ أَوْ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تُحْفَرُ لِمُجَرَّدِ السَّقْيِ مِنْهَا لَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا شَرَعَ فِي غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ كَانَ فِي أَرْضِهِ) الْمَمْلُوكَةِ لَهُ ذَاتٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ (عَيْنٌ أَوْ بِئْرٌ فَلَهُ مَنْعُهَا) مِنْ غَيْرِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَاَلَّذِي مَا جَلَّ وَبِئْرٌ وَمِرْسَالُ مَطَرٍ كَمَا يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ إلَّا مَنْ
بِئْرُ جَارِهِ وَلَهُ زَرْعٌ يَخَافُ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهُ فَضْلَهُ وَاخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ثَمَنٌ أَمْ لَا
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ
وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ
[الفواكه الدواني]
خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهُ مَجَّانًا وَلَا يَتْبَعُهُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا بِبَلَدِهِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِ، إلَّا مَا فَضَلَ مِنْ بِئْرِ الزَّرْعِ الْكَائِنِ فِي أَرْضِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ تَنْهَدِمَ بِئْرُ جَارِهِ وَلَهُ زَرْعٌ) زَرَعَهُ عَلَى تِلْكَ الْبِئْرِ الْمُنْهَدِمَةِ وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَخَافُ عَلَيْهِ) التَّلَفَ مِنْ الْعَطَشِ (فَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ لَا يَمْنَعُ صَاحِبُ الْعَيْنِ أَوْ الْبِئْرِ جَارَهُ (فَضْلَهُ) أَيْ فَضْلَ الْمَاءِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْجَبْرِ: كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ وَأَخَذَ يُصْلِحُ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَالْمُصَنِّفُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعٌ عَلَى أَصْلِ مَاءِ أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْإِصْلَاحِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْفَضْلِ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ عَدَمُ لُزُومِ الثَّمَنِ قَالَ: (وَاخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَارِ (فِي ذَلِكَ) الْمَاءِ الْفَاضِلِ مِنْ بِئْرِ الزَّرْعِ.
(ثَمَنٌ أَمْ لَا) عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَذْهَبُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا ثَمَنَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ يُونُسَ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إنْ كَانَ مَعَهُ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَيَّدْنَا الْخِلَافَ بِثَمَنِ فَضْلِ بِئْرِ الزَّرْعِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ فَضْلِ بِئْرِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِنَّ فِيهِ الثَّمَنُ قَوْلًا وَاحِدًا حَيْثُ كَانَ مَوْجُودًا مَعَ الْمُحْتَاجِ إلَى الْمَاءِ لَا إنْ لَمْ يُوجَدْ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ بِئْرَ الزَّرْعِ لَمْ يَقْصِدْ حَافِرُهَا بَيْعَ مَائِهَا فَأَشْبَهَتْ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ، فَيَجِبُ عَلَى حَافِرِهَا دَفْعُ الْفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فَضْلَ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْ حَافِرُهَا الْمِلْكِيَّةَ، وَفَضْلُ بِئْرِ الزَّرْعِ بِشُرُوطِهِ يُجْبَرُ مَالِكُهُمَا عَلَى دَفْعِهِمَا مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا، وَأَمَّا فَضْلُ بِئْرِ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَهُ مَنْعُهُ وَذَلِكَ كَمَاءِ بِئْرٍ أَوْ صِهْرِيجٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ بِئْرِ مَاشِيَةٍ أَشْهَدَ عَلَى قَصْدِ تَمَلُّكِهَا حِينَ حَفَرَهَا فَإِنَّمَا فِيهِ الثَّمَنُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَمِثْلُ ثَمَنِ الْمَاءِ ثَمَنُ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ لِلْمُضْطَرِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: كَفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَوْ لِبَاسٌ لِمُضْطَرِّ وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا وَجَبَ دَفْعُهُ مَجَّانًا، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ فَضْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ اللِّبَاسِ لِلْمُضْطَرِّ إنْ امْتَنَعَ يَجُوزُ لَهُ مُقَاتَلَتُهُ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ يَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُقَاتَلَةٌ وَتَرَكُوهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا أَوْ جُوعًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ رَبِّ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُونَ بِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْكَ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ، وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَانِعُ الزَّكَاةِ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِمَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ قَتْلُ الْمُضْطَرِّ، وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى قَتْلِهِ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ مُشَبِّهًا فِي الْقِصَاصِ: كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ وَمِثْلُهُ الشَّرَابُ لِمُضْطَرٍّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْجَارِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي مَسَائِلِ الْجَارِ: وَلَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فَقَالَ: (وَيَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ لَا يَمْنَعَ الرَّجُلُ) الْمُجَاوِرُ لِغَيْرِهِ (جَارَهُ) مِنْ (أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِرْفَاقِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبِهِ وَإِرْفَاقٍ بِمَاءٍ وَفَتْحِ بَابٍ، وَالنَّهْيُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ» لِلْكَرَاهَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّ الْجَارِ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَاظِرُ الْمَسْجِدِ أَوْ نَائِبُهُ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُنْدَبُ لَهُ إعَارَةُ الْجَارِ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبِهِ فِيهِ أَوْ يُمْنَعُ عَلَى قَوْلَيْنِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْمَنْعُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ حَمْلٌ يَنْبَغِي عَلَى الْوُجُوبِ الَّذِي يُقْضَى بِهِ دَفْعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ) أَيْ الْجَارِ بِالْإِعَارَةِ لِمَوْضِعِ غَرْزِ الْخَشَبَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْقَضَاءِ مَا لَمْ يَضْطَرَّ الْجَارُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ أَعَارَهُ الْجَارُ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ مِنْ جِدَارِهِ وَأَرَادَ الْمَنْعَ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ الْمُعْتَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ أُعِيرَ لِلْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا الْإِخْرَاجِ فِي كَبِنَاءٍ إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، وَفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ وَهَلْ خِلَافُ أَوْ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ إنْ لَمْ يَشْتَرِهِ أَوْ إنْ طَالَ أَوْ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ تَأْوِيلَاتٌ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا أَفْسَدَتْهُ الدَّابَّةُ الَّتِي لَا سَائِقَ لَهَا وَلَا قَائِدَ وَلَا رَاكِبَ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الَّتِي لَهَا سَائِقٌ أَوْ رَاكِبٌ فَقَالَ: (وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ) الْمُمْكِنَةُ الْحِرَاسَةِ وَغَيْرُ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَدَاءِ (مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ فَذَلِكَ) أَيْ وَاجِبٌ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلٍ (عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبِّهَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا فَقِيمَتُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ الْآنَ عَلَى جَوَازِ شِرَائِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ سَالِمًا وَعَلَى تَقْدِيرِ جَائِحَتِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ حَتَّى عَادَ الزَّرْعُ لِهَيْئَتِهِ سَقَطَتْ قِيمَتُهُ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَاشِيَةَ فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ فَهُوَ الْجَانِي بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ، وَهَذَا فِيمَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَمَّا مَا أَتْلَفَتْهُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَمَحَلُّ الضَّمَانِ إذَا تَرَكُوهَا مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ، وَأَمَّا لَوْ رَبَطُوهَا رَبْطًا وَثِيقًا أَوْ غَلَّقُوا عَلَيْهَا الْبَابَ كَذَلِكَ لَانْتَفَى عَنْهَا الضَّمَانُ قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: مِنْ الزُّرُوعِ
وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي فَسَادِ النَّهَارِ
وَمَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ فِي التَّقْلِيسِ فَإِمَّا حَاصَصَ وَإِلَّا أَخَذَ سِلْعَتَهُ إنْ كَانَتْ تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا وَهُوَ فِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ
وَالضَّامِنُ غَارِمٌ وَحَمِيلُ الْوَجْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَرِمَ حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَغْرَمَ وَمَنْ أُحِيلَ
[الفواكه الدواني]
وَالْحَوَائِطِ عَمَّا إذَا وَطِئَتْ شَخْصًا نَائِمًا مَثَلًا فَقَتَلَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سَائِقٌ وَلَا قَائِدٌ وَلَا رَاكِبٌ حَرَّكَهَا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالسَّائِقُ وَالْقَائِدُ إلَخْ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَفْهُومَ بِاللَّيْلِ بِقَوْلِهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي فَسَادِ) الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ الْوَاقِعِ مِنْهَا (النَّهَارِ) بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهَا رَاعٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ حَيْثُ سَرَّحَهَا قَرِيبَةً مِنْ الْمَزَارِعِ، وَأَمَّا لَوْ سَرَّحَهَا فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ فَكَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا لِابْنِ نَاجِي، وَقَالَ غَيْرُهُ حَيْثُ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ: يَكُونُ مَا أَتْلَفَهُ هَدَرًا كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تُؤْذِي شَيْئًا مِنْ زُرُوعِ النَّاسِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ ضَمَانَ مَا أَتْلَفَتْهُ نَهَارًا يَنْتَفِي عَنْ رَبِّهَا بِالرَّاعِي الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا أَوْ بِتَسْرِيحِهَا بَعْدَ الْمَزَارِعِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ أَوْ كَانَ لَكِنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعِهَا وَسَرَحَتْ قُرْبَ الْمَزَارِعِ فَالضَّمَانُ عَلَى رَبِّهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا نَهَارًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ وَسَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ، وَإِلَّا فَعَلَى الرَّاعِي أَوْ عَلَى رَبِّهَا.
وَقَوْلُنَا: الْمُمْكِنَةُ الْحِرَاسَةِ احْتِرَازٌ عَنْ الَّتِي لَا تُمْكِنُ حِرَاسَتُهَا كَالْحَمَامِ وَالنَّحْلِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِهِ فِيمَا أَتْلَفَهُ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ اتِّخَاذِهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ، وَعَلَى أَرْبَابِ الزُّرُوعِ حِفْظُهَا، وَمَحَلُّ جَوَازِ اقْتِنَاءِ نَحْوِ النَّحْلِ وَالْحَمَامِ إذَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ أَخْذُ مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنْ يَتَّخِذَ الْبُرْجَ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ عَنْ بُرْجِ الْغَيْرِ، وَيَضَعَ الْجَبْحَ لِلنَّحْلِ كَذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ دُخُولُ مَا فِي بُرْجِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُصَادُ حَمَامُ الْأَبْرِجَةِ، وَمَنْ صَادَ مِنْهُ شَيْئًا رَدَّهُ إنْ عَرَفَ رَبَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ أَرْسَلَهُ وَلَا يَأْكُلُهُ، بِخِلَافِ مَا يَصِيدُهُ مِنْ الْجَبَلِ أَوْ يَدْخُلُ فِي بُرْجِهِ الْمَصْنُوعِ فِي الْجَبَلِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا لَا يَصِلُ إلَيْهِ مَا فِي بُرْجِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ عَلَى صَحِيحِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَقَوْلُنَا: وَغَيْرُ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَدَاءِ احْتِرَازٌ عَنْ الَّتِي شَأْنُهَا الْعَدَاءُ نَحْوُ فَحْلِ الْجَامُوسِ وَغَيْرِهِ مِمَّا شَأْنُهُ الْغَدْرُ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ مَا أَتْلَفَهُ بِاللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ضَبْطُهُ بِالرَّبْطِ الْوَثِيقِ، وَبِقَيْدِ ضَمَانِ صَاحِبِهِ بِإِنْذَارِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ: «أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ بِحِفْظِهَا بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ بِحِفْظِهَا بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْهُ بِاللَّيْلِ يَضْمَنُهُ أَهْلُهَا حَيْثُ لَمْ يَضْبِطُوهَا» .
[بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْفَلَسِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْفَلَسِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ عَدَمُ الْمَالِ، وَأَمَّا التَّفْلِيسُ فَيَنْقَسِمُ إلَى أَعَمَّ وَأَخَصَّ، فَالْأَعَمُّ قِيَامُ ذِي دَيْنٍ عَلَى مَدِينِهِ لَيْسَ لَهُ مَا يَنْفِي بِهِ، وَالْأَخَصُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ كُلِّ مَالِ الْمَدِينِ لِغُرَمَائِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ قَضَاءِ مَا لَزِمَهُ، وَالْأَعَمُّ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَاكِمٍ إذْ هُوَ مُجَرَّدُ قِيَامِ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى مَنْ أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ، بِخِلَافِ الْأَخَصِّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَلِكُلِّ حُكْمٍ يَخُصُّهُ.
فَمِنْ أَحْكَامِ الْأَعَمِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعَاتِهِ وَمِنْ سَفَرِهِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ الدَّيْنُ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ نَحْوِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا فِيهِ تَنْمِيَةٌ لِلْمَالِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْأَخَصِّ أَنَّهُ إنْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بَيْعَ جَمِيعِ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَإِنَّهُ يُجَابُ إلَى ذَلِكَ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَثْبُتَ عُسْرُهُ عِنْدَ جَهْلِ حَالِهِ وَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ حَتَّى الْمَالِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ اشْتَرَى مِنْ شَخْصٍ سِلْعَةً وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهَا قَبْلَ تَفْلِيسِهِ ثُمَّ فَلِسَ فَلِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ وَجَدَ سِلْعَةً) الَّتِي بَاعَهَا وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهَا وَلَمْ يَطْلُبْهُ إلَّا (فِي) زَمَنِ (التَّفْلِيسِ) الْأَخَصِّ فَهُوَ بِالْخِيَارِ (فَإِمَّا حَاصَصَ) الْغُرَمَاءَ بِثَمَنِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُحَاصِصْ (أَخَذَ سِلْعَتَهُ إنْ كَانَتْ تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا) وَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ سِلْعَتُهُ لَمْ تُنْقَلْ وَيَأْخُذُهَا وَلَوْ نَقْدًا مَسْكُوكًا حَيْثُ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهِ أَوْ كَانَ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ أَوْ إبْقَاءً.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا: وَلَمْ يَطْلُبْهُ إلَّا فِي زَمَنِ التَّفْلِيسِ أَنَّ الْفَلَسَ طَارِئٌ عَلَى الشِّرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ سَابِقًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا بَلْ يَكُونُ لَهُ الْمُحَاصَّةُ مَعَ الْغُرَمَاءِ نَعَمْ لَهُ حَبْسُهَا حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهَا إنْ كَانَ حَالًّا وَمَفْهُومٌ فِي التَّفْلِيسِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ فِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ) .
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ وَلَوْ مَسْكُوكًا أَوْ إبْقَاءٌ، وَلَزِمَهُ إنْ لَمْ يَجِدْهُ إنْ لَمْ يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ وَلَوْ بِمَالِهِمْ وَأَمْسَكْنَ لِأَبْضُعٍ وَعِصْمَةٍ وَقِصَاصٍ وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَّا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ أَوْ خَلَطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ أَوْ سَمَّنَ زُبْدَهُ أَوْ فَصَّلَ ثَوْبَهُ أَوْ ذَبَحَ كَبْشَهُ أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِذَا وُجِدَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ وَفَرَّقَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ لَا يَمْنَعُهُ مَا فَرَّقَ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ قَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمَتَاعِ شَيْئًا فَأُحِبُّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ وَيَكُونَ فِيمَا
بِدَيْنٍ فَرَضِيَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ أَفْلَسَ هَذَا إلَّا أَنْ يَغُرَّهُ مِنْهُ
وَإِنَّمَا الْحَوَالَةُ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ وَإِلَّا فَهِيَ حَمَالَةٌ
وَلَا يَغْرَمُ الْحَمِيلُ إلَّا فِي عُدْمِ الْغَرِيمِ أَوْ غَيْبَتِهِ
وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ أَوْ تَفْلِيسِهِ كُلُّ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ مَا كَانَ لَهُ
[الفواكه الدواني]
لَمْ يَجِدْهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فَذَلِكَ لَهُ» قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ رَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبِضَ وَأَخَذَهَا وَأَخْذُ بَعْضِهِ وَحَاصَّ بِالْفَائِتِ
[بَعْضَ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ]
وَكَانَ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُؤَخِّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَوْ يُقَدِّمَ مَا أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الْفَلَسِ وَوَسَّطَ بَيْنَهَا بَعْضَ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ: (وَالضَّامِنُ غَارِمٌ) حَيْثُ ضَمِنَ ضَمَانَ مَالٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّامِنَ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمَانِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الِالْتِزَامُ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَيَتَنَوَّعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: ضَمَانُ مَالٍ، وَضَمَانُ وَجْهٍ، وَضَمَانُ طَلَبٍ، فَضَمَانُ الْمَالِ الْتِزَامُ دَيْنٍ لَا يُسْقِطُهُ عَمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَضَمَانُ الْوَجْهِ عِبَارَةٌ عَنْ إحْضَارِ الْغَرِيمِ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يَبْرَأُ فِيهِ الضَّامِنُ بِتَسْلِيمِ الْمَضْمُونِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَرِيءَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ وَإِنْ بِسَجْنٍ أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ إنْ أَمَرَهُ بِهِ إنْ حَلَّ الْحَقُّ وَضَمَانُ الطَّلَبِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّفْتِيشِ عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، ثُمَّ يُخْبِرُ صَاحِبَ الدَّيْنِ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ قَصَّرَ أَوْ فَرَّطَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَرِمَ إنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَبَ بِهِ وَعُوقِبَ، وَشَرْطُ الضَّامِنِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِمَا يَضْمَنُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْمِنْحَةُ الشَّاةُ الْمُسْتَعَارَةُ لِيَنْتَفِعَ بِلَبَنِهَا، وَقَوْلُهُ: الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ أَيْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَالزَّعِيمُ الْكَفِيلُ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ شُيُوخٌ عِدَّةٌ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَغْرَمُ ضَامِنُ الْمَالِ إلَّا إذَا غَابَ الْغَرِيمُ أَوْ أَفْلَسَ لَا إنْ حَضَرَ مُوسِرًا كَمَا يَأْتِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَ فِي الْحَالَاتِ السِّتِّ أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْغُرْمَ وَلَوْ مَعَ حُضُورِ الْغَرِيمِ مَلِيًّا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ضَامِنِ الْمَالِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ضَامِنِ الْوَجْهِ بِقَوْلِهِ: (وَحَمِيلُ الْوَجْهِ) وَمِثْلُهُ الْعَيْنُ أَوْ الْأُذُنُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إحْضَارِ ذَاتِ الْمَدِينِ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَالْوَجْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّاتِ (إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ) أَيْ بِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ (غَرِمَ) جَمِيعَ الْحَقِّ (حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَغْرَمَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَبَرِيءَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ وَإِنْ بِسَجْنٍ أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ إنْ أَمَرَهُ بِهِ إنْ حَلَّ الْحَقُّ وَلَوْ عَدِيمًا، وَإِلَّا أُغْرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ، وَلَا يَسْقُطُ بِإِحْضَارِهِ لِمَنْ حَكَمَ بِهِ لَا إنْ ثَبَتَ عَدَمُهُ أَوْ مَوْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ وَرَجَعَ بِهِ.
وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَسَائِلِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ وَسَطُ الْحَوَالَةِ بَيْنَ مَسَائِلِهِ، وَحَقِيقَةُ الْحَوَالَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ تَبْرَأُ بِهَا الْأُولَى، وَأَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: هِيَ طَرْحُ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةٍ بِمِثْلِهِ فِي أُخْرَى، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ وَقِيلَ النَّدْبُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عِيَاضٌ فَلْيَتْبَعْ بِسُكُونِ التَّاءِ وَرُوِيَ بِتَشْدِيدِهَا، وَمَعْنَى أُتْبِعَ أُحِيلَ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أُحِيلَ بِدَيْنٍ) ثَابِتٍ لَهُ عَلَى شَخْصٍ (فَرَضِيَ) ذَلِكَ الْمُحَالُ بِالْحَوَالَةِ (فَلَا رُجُوعَ لَهُ) أَيْ لِلْمُحَالِ (عَلَى الْأَوَّلِ) الَّذِي هُوَ الْمُحِيلُ (وَإِنْ أَفْلَسَ هَذَا) الْمُحَالُ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَغُرَّهُ مِنْهُ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ عَالِمًا بِإِفْلَاسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإِفْلَاسِهِ فَقَطْ وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ إنْ ظَنَّ بِهِ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغُرُورِ وَعَدَمُ الْعِلْمِ
[شُرُوط الْحَوَالَةِ]
وَلَا بُدَّ لِلْحَوَالَةِ مِنْ شُرُوطٍ أَشَارَ إلَى بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا الْحَوَالَةُ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ وَإِلَّا فَهِيَ حَمَالَةٌ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ شَرْطَ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ دَيْنٌ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَيْنٌ فَإِنَّهَا تَكُونُ حَمَالَةٌ أَيْ كَفَالَةٌ وَضَمَانًا وَلَوْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّةُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، بِخِلَافِ الْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى بَعْدَ إثْبَاتِهِ الدَّفْعَ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى شُرُوطِهَا بِقَوْلِهِ: شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ فَقَطْ، وَثُبُوتُ دَيْنٍ لَازِمٍ لَا رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُحَالِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَازِمًا، فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَا تَدَايَنَهُ نَحْوِ الْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ وَصَرْفِهِ فِيمَا لَهُ عَنْهُ غِنًى، وَمِنْ شُرُوطِهَا حُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ فَقَطْ، وَإِقْرَارُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ مَعَ حُضُورِهِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ رِضَاهُ لِاحْتِمَالِ إبْدَائِهِ مَطْعَنًا فِي الْبَيِّنَةِ أَوْ إثْبَاتِهِ الْبَرَاءَةَ مِنْ الدَّيْنِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَى الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَغْرَمُ الْحَمِيلُ) مَا ضَمِنَهُ مِنْ الْمَالِ (إلَّا فِي عُدْمِ الْغَرِيمِ أَوْ غَيْبَتِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُطَالَبُ إنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ الْغُرْمَ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ
عَلَى غَيْرِهِ
وَلَا تُبَاعُ رَقَبَةُ الْمَأْذُونِ فِيمَا عَلَيْهِ وَلَا يُتَّبَعُ بِهِ سَيِّدُهُ
وَيُحْبَسُ الْمِدْيَانُ لِيُسْتَبْرَأَ وَلَا حَبْسَ عَلَى مُعْدِمٍ
وَمَا
[الفواكه الدواني]
عَلَيْهِ مَلِيًّا، أَوْ يَكُونُ ضَمِنَ فِي الْحَالَاتِ السِّتِّ وَهِيَ: الْمِلَاءُ وَالْعُدْمُ وَالْغَيْبَةُ وَالْحُضُورُ وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُلْدًا، وَأَنْ يَكُونَ مَنْ لَا تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ وَإِلَّا غَرِمَ مَعَ وُجُودِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّمُ مَلِيًّا.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَقِيَّةِ مَسَائِلِ الْفَلَسِ بِقَوْلِهِ: (وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ) أَيْ الْغَرِيمِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ (أَوْ تَفْلِيسِهِ كُلُّ دَيْنٍ عَلَيْهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَّ بِهِ وَبِالْمَوْتِ مَا أُجِّلَ وَلَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَتَلَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ، وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ مَا عَلَيْهِ لِاتِّهَامِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِقَتْلِهِ عَلَى قَصْدِ اسْتِعْجَالِهِ الْحُلُولَ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ عَلَيْهِ شَرَطَ عَدَمَ حُلُولِهِ بِمَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ وَإِلَّا عُمِلَ بِالشَّرْطِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَلَسِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ كُلِّ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ الْفَلَسُ الْأَخَصُّ، لَا مُجَرَّدُ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ فَلَا يَحِلُّ بِهِ مَا أَحَلَّ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَحِلُّ) بِمَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ كُلُّ (مَا كَانَ لَهُ) مِنْ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ (عَلَى غَيْرِهِ) لِبَقَاءِ ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَلَوْ شَرَطَ صَاحِبُ الْحَقِّ حُلُولَهُ بِمَوْتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْعَمَلَ بِالشَّرْطِ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ وَاقِعٍ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَإِلَّا أَفْسَدَ الْبَيْعَ لِأَدَائِهِ إلَى الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ، وَلَمَّا كَانَ الرَّقِيقُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَالْحُرِّ فِي جَوَازِ تَفْلِيسِهِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِبَيْعِ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا بِيَدِهِ وَلَوْ كُتُبًا أَوْ عَقَارًا
قَالَ: (وَلَا تُبَاعُ رَقَبَةُ الْمَأْذُونِ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ (فِيمَا عَلَيْهِ) مِنْ الدُّيُونِ عِنْدَ تَفْلِيسِهِ (وَلَا يُتَّبَعُ بِهِ سَيِّدُهُ) وَإِنَّمَا يُقْضَى الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مِمَّا لَهُ سَلَاطَةٌ عَلَيْهِ كَانَ بِيَدِهِ أَمْ لَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ وَأَخَذَ مِمَّا بِيَدِهِ وَإِنْ مُسْتَوْلَدَتَهُ كَعَطِيَّتِهِ، وَهَلْ إنْ مُنِحَ لِلدَّيْنِ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ لَا غَلَّتَهُ وَرَقَبَتَهُ، وَالْمُرَادُ الْغَلَّةُ الْحَاصِلَةُ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَأَمَّا الَّتِي كَانَتْ بِيَدِهِ قَبْلَ الْإِذْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الدَّيْنُ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: كَالْحُرِّ أَنَّهُ لَا يُفَلِّسُهُ إلَّا الْحَاكِمُ لَا الْغُرَمَاءُ وَلَا السَّيِّدُ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِمَنْ لَا يَتَّهِمُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّفْلِيسِ لَا بَعْدَهُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ اتِّبَاعِ السَّيِّدِ بِمَا عَلَى الْمَأْذُونِ مَا لَمْ يَكُنْ قَالَ لِلْغُرَمَاءِ: عَامِلُوهُ وَجَمِيعُ مَا عَامَلْتُمُوهُ بِهِ عَلَيَّ، وَإِلَّا أُتْبِعَ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ ضَامِنًا.
(تَنْبِيهٌ) كَمَا لَا تُبَاعُ رَقَبَةُ الْمَأْذُونِ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهِ، كَذَلِكَ وَلَدُهُ مِنْ أَمَتِهِ لَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ كَرَقَبَةِ أَبِيهِ لَا حَقَّ لِلْغُرَمَاءِ فِيهَا، وَلِذَا لَوْ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ وَضْعِ أَمَتِهِ أَخَّرَ بَيْعَهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْبَيْعِ، وَمَا عَجَزَ الْمَأْذُونُ عَنْ وَفَائِهِ مِنْ الدُّيُونِ يُتْبَعُ بِهِ إنْ عَتَقَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ عَنْهُ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ إنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ عِتْقِهِ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ عَنْهُ وَلَا يُتْبَعُ بِهِ إنْ عَتَقَ، كَالْمَأْذُونِ يَأْخُذُ شَيْئًا غَيْرَ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّ لِسَيِّدِهِ إسْقَاطُهُ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يُسْقِطْهُ السَّيِّدُ مِمَّا لَهُ إسْقَاطُهُ يُتْبَعُ بِهِ الرَّقِيقُ بَعْدَ عِتْقِهِ
وَلَمَّا كَانَ الْغَرِيمُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْأُولَى أَنْ يُجْهَلَ حَالُهُ فَهَذَا يُحْبَسُ إنْ طَالَبَهُ الْغُرَمَاءُ وَادَّعَى عَدَمَ الْمَالِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُحْبَسُ الْمِدْيَانُ) الْمَجْهُولُ الْحَالِ إذَا ادَّعَى الْعَدَمَ وَغَايَةُ الْحَبْسِ (لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ) بِإِثْبَاتِ عُسْرِهِ وَمَحَلُّ حَبْسِهِ مَا لَمْ يَسْأَلْ الصَّبْرَ وَالتَّأْخِيرَ إلَى إثْبَاتِ عُسْرِهِ وَإِلَّا أُخِّرَ بِحَمِيلٍ وَلَوْ بِوَجْهِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: حُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ إنْ جُهِلَ حَالُهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ الصَّبْرَ لَهُ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْحَمِيلُ غَرِمَ مَا عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عُسْرُهُ، وَثُبُوتُ عُسْرِهِ يَكُونُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ عَلَى الْبَتِّ وَيَزِيدُ فِي يَمِينِهِ: وَإِنْ وَجَدْت الْمَالَ لَأَقْضِيَنَّهُ عَاجِلًا، وَإِنْ كُنْت مُسَافِرًا عَجَّلْت الْأَوْبَةَ، وَبَعْدَ الْحَلِفِ يَجِبُ إطْلَاقُهُ وَانْتِظَارُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ وَطَالَ حَبْسُهُ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ لَكِنْ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ لَا مَالَ عِنْدَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إنْ طَالَ حَبْسُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَالشَّخْصِ، وَالْمُرَادُ بِالْمِدْيَانِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، إلَّا أَنَّ الذَّكَرَ يُحْبَسُ مَعَ الذُّكُورِ، وَالْأُنْثَى مَعَ النِّسَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَبْسُ النِّسَاءِ عِنْدَ أَمِينَةٍ خَالِيَةٍ وَذَاتِ أَمِينٍ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ، وَمِثْلُهُ الشَّابُّ الَّذِي يُخْشَى عَلَيْهِ يُحْبَسُ مُنْفَرِدًا، وَلَا يَجُوزُ وَضْعُ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ فِي عُنُقِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْعَدَاءِ، وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْمَلَأِ وَأَلَدَّ بِدَفْعِ الْحَقِّ فَهَذَا يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يَمُوتَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ لَمْ يُؤَخِّرْ وَضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَمَّا ظَاهِرُ الْمَلَأِ بِمُلَابَسَةِ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ فَإِنْ تَفَالَسَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يَثْبُتَ عُسْرُهُ، وَإِنْ وَعَدَ بِالْقَضَاءِ وَسَأَلَ تَأْخِيرًا كَالْيَوْمِ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ وَإِلَّا سُجِنَ، وَالْحَالَةُ وَالثَّالِثَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا حَبْسَ) جَائِزٌ (عَلَى مُعْدِمٍ) ثَابِتِ الْعَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ؛ لِأَنَّ حَبْسَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ فَائِدَةٌ.
انْقَسَمَ بِلَا ضَرَرٍ قُسِمَ مِنْ رَبْعٍ وَعَقَارٍ وَمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بِغَيْرِ ضَرَرٍ فَمَنْ دَعَا الْبَيْعَ أَجْبَرَ عَلَيْهِ مَنْ أَبَاهُ
وَقَسْمُ الْقُرْعَةِ لَا يَكُونُ
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ وَلَا صَاحِبِ حَقٍّ مَنْعُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَى الْمَحْبُوسِ وَلَا مَنْ يَخْدُمُهُ إذَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَلَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِلْجُلُوسِ عِنْدَهُ لَا إنْ أَرَادَتْ السَّلَامَ عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا فَلَا تُمْنَعُ، وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَحْبُوسَةُ وَهَذَا فِي الْحَبْسِ لِغَيْرِ الدَّاخِلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَحْبُوسًا لِحَقِّ صَاحِبِهِ لَجَازَ لَهُ الدُّخُولُ وَالْإِقَامَةُ أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ طَلَبَ الْخُرُوجَ لِنَحْوِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُمَكَّنُ وَأَوْلَى صَلَاةُ الْعِيدِ أَوْ الْحَجُّ، وَكَذَا لَا يَخْرُجُ لِدَعْوَى عَلَيْهِ فِي حَقٍّ لِآخَرَ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْمَعُهَا عَنْهُ، وَلَا لِخَوْفٍ عَلَيْهَا مِنْ عَدُوٍّ، وَإِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ الْأَسْرَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ.
الثَّانِي: قَدْ تَقَرَّرَ جَوَازُ الِافْتِرَاضِ بِشُرُوطِهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَحْظُورٍ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى الْوَفَاءِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الشُّرُوطُ لَمْ يَجُزْ لَهُ اقْتِرَاضُ مَالِ الْغَيْرِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ الرَّغْبَةُ عَنْ الدَّيْنِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «الْمِدْيَانُ مَحْبُوسٌ فِي دَيْنِهِ عَنْ الْجَنَّةِ وَيَجِبُ عَلَى الْمِدْيَانِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ وُفِّيَ عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ» فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيْنَا غُرْمُهُ» .
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ نَقْلًا عَنْ الْحَطَّابِ: إنَّمَا يُحْبَسُ الْمِدْيَانُ عَنْ الْجَنَّةِ بِعَدَمِ وَفَاءِ الدَّيْنِ إذَا مَاتَ قَادِرًا عَلَى وَفَائِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ عَاجِزًا عَنْ وَفَائِهِ فَإِنْ تَدَايَنَ لِسَرَفٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عَنْ الْجَنَّةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَائِهِ عَلَى السُّلْطَانِ، زَادَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَا تَدَايَنَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَتَابَ مِنْهَا تَوْبَةً صَحِيحَةً حُكْمُهُ حُكْمُ مَا تَدَايَنَهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ حَيْثُ عَلِمَ السُّلْطَانُ بِتَوْبَتِهِ فَانْظُرْهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ صَاحِبُهُ.
[أَحْكَام الْقِسْمَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمِدْيَانِ شَرَعَ فِي الْقِسْمَةِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ تَمْيِيزُ الْأَنْصِبَاءِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ تَصْيِيرُ مَشَارِعَ مِنْ مَمْلُوكِ مَالِكَيْنِ مُعَيَّنًا وَلَوْ بِاخْتِصَاصِ تَصَرُّفٍ فِيهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ تَرَاضٍ، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمُهَايَأَةِ وَعَرَّفَهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: هِيَ اخْتِصَاصُ كُلِّ شَرِيكٍ فِيهِ بِمُشْتَرَكٍ فِيهِ عَنْ شَرِيكِهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا مِنْ مُتَّحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ، وَيَجُوزُ فِي نَفْسِ مَنْفَعَتِهِ لَا فِي غَلَّتِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْقِسْمَةَ إمَّا قُرْعَةٌ أَوْ مُهَايَأَةٌ أَوْ مُرَاضَاةٌ، فَالْقُرْعَةُ هِيَ فِعْلُ مَا يُعَيِّنُ حَظَّ كُلِّ شَرِيكٍ مِمَّا بَيْنَهُمْ مِمَّا يَمْتَنِعُ عِلْمُهُ حِينَ فِعْلِهِ، وَالْمُرَاضَاةُ هِيَ أَخْذُ بَعْضِهِمْ بَعْضَ مَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَخْذِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ مَا يُعَدُّ بِتَرَاضٍ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ، وَالْمُهَايَأَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا اخْتِصَاصُ كُلِّ شَرِيكٍ بِالْمُشْتَرَكِ فِيهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا فَقَالَ: (وَمَا انْقَسَمَ) أَيْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ (بِلَا ضَرَرٍ) وَلَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ (قُسِمَ) أَيْ جَازَ قَسْمُهُ بِالْفِعْلِ فَلَمْ يَتَّحِدْ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ، وَبَيْنَ مَا يَنْقَسِمُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ رَبْعٍ) أَيْ بِنَاءٍ مُتَّسِعٍ (وَعَقَارٍ) أَيْ أَرْضٍ خَالِيَةٍ وَمِنْ عَرْضٍ وَحَيَوَانٍ مُتَعَدِّدٍ.
وَقَوْلُهُ: قُسِمَ أَيْ قُرْعَةً أَوْ مُرَاضَاةً أَوْ مُهَايَأَةً، لَكِنْ قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّقْوِيمِ؛ لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ، وَسَيَأْتِي لَهَا مَزِيدُ بَيَانٍ، وَالْمُرَاضَاةُ كَالْبَيْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْدِيلٌ وَلَا تَقْوِيمٌ، وَالْمُهَايَأَةُ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَوْ النُّونِ أَوْ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ كَعَبْدٍ يَخْدُمُ زَيْدًا شَهْرًا وَشَرِيكَهُ شَهْرًا مَثَلًا، وَتَقَعُ لَازِمَةً إنْ عَيَّنَ الزَّمَنَ وَغَيْرَ لَازِمَةٍ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ، كَعَبْدَيْنِ يَخْدُمُ أَحَدُهُمَا زَيْدًا وَالْآخَرُ عَمْرًا عَلَى طَرِيقِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَشَرَطَ فِي صِحَّتِهَا تَعْيِينُ الزَّمَنِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا أَوْ يَسْكُنَ دَارًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمُدَّةٍ (وَ) أَمَّا (مَا لَمْ يَنْقَسِمْ بِغَيْرِ ضَرَرٍ) بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْقِسْمَةَ أَصْلًا أَوْ يَقْبَلْهَا بِضَرَرٍ (فَمَنْ دَعَا إلَى الْبَيْعِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ مِنْ أَبَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ كَالْعَبْدِ وَالْفَصِّ، أَوْ فِي قِسْمَةِ فَسَادٍ كَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مُزْدَوِجَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجْبِرَ لَهَا أَيْ لِقِسْمَةِ الْقُرْعَةِ كُلُّ مُمْتَنِعٍ إنْ انْتَفَعَ كُلٌّ مِنْ الطَّالِبِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَلِلْبَيْعِ إنْ نَقَصَتْ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مُفْرَدَةً لَا كَرَبْعِ غَلَّةٍ أَوْ اشْتَرَى بَعْضًا فَلَا جَبْرَ؛ لِأَنَّ رِبَاعَ الْغَلَّةِ لَا يَنْقُصُ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً، وَمَنْ اشْتَرَى حِصَّةً دَاخِلٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مُنْفَرِدًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا بِشُرُوطٍ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّخِذٍ لِلْغَلَّةِ وَلَا لِلتِّجَارَةِ، وَأَنْ يَكُونَ اشْتَرَى جُمْلَةً لَا مُفَرَّقًا، وَأَنْ يَلْتَزِمَ الْآبِي النَّقْضَ لِلطَّالِبِ لِلْبَيْعِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى قَسْمِ ذَاتِهِ فَسَادُهُ جُمْلَةً كَالْعَبْدِ، وَالْفَصُّ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُ لَا قُرْعَةً وَلَا مُرَاضَاةً، وَمَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِقَسْمِ ذَاتِهِ كَالْمِصْرَاعَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالسِّفْرَيْنِ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ قِسْمَتُهُ قُرْعَةً لَا مُرَاضَاةً، وَأَمَّا قِسْمَةُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مُهَيَّأَةً فَتَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: فَمَنْ دَعَا إلَخْ خَبَرٌ وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ إمَّا عَلَى تَوَهُّمِ أَمَّا، أَوْ نَظَرًا إلَى مَا فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْعُمُومِ نَحْوُ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ الْإِكْرَامُ، وَقَوْلُهُ: إلَى الْبَيْعِ كَانَ الْأَوْلَى إلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلضَّمِيرِ، وَجَعْلُ
إلَّا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ وَلَا يُؤَدِّي أَحَدُ الشُّرَكَاءِ ثَمَنًا وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَرَاجُعٌ لَمْ يَجُزْ الْقَسْمُ إلَّا بِتَرَاضٍ
وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ
[الفواكه الدواني]
أَلْ عِوَضًا عَنْ الضَّمِيرِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ.
[شُرُوط الْقِسْمَة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ شُرُوطِ الْقِسْمَةِ الْقُرْعَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقِسْمَةُ الْقُرْعَةِ) وَتَقَدَّمَ حَدُّهَا (لَا تَكُونُ) أَيْ لَا تَصْلُحُ (إلَّا فِي صِنْفٍ) أَيْ نَوْعٍ (وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهَا.
لَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ تَمْيِيزُ حَقٍّ، فَلَا تَكُونُ إلَّا فِيمَا تَمَاثَلَ أَوْ تَجَانَسَ، وَلَا يُجْمَعُ فِيهَا حَظُّ اثْنَيْنِ وَتُرَدُّ بِالْغَبْنِ، وَلِذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّقْوِيمِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ أَبَاهَا، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي دُخُولِهَا الْمِثْلِيَّاتِ وَهِيَ: الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْمَعْدُودَاتُ الْمُتَّفِقَةُ الصِّفَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ الَّذِي أَتَى بِهِ الشَّبِيبِيُّ، وَعَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ عَدَمُ جَوَازِ الْقُرْعَةِ فِيهَا وَإِنَّمَا تُقْسَمُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَزَاهُ لِلْبَاجِيِّ الْجَوَازُ كَالْمُقَوَّمَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ إنْ كَانَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ أَوْ الْعَرْضِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْوِيمِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى مِسَاحَتِهِ إنْ كَانَ عَقَارًا، وَلَا عَدَدِهِ إنْ كَانَ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَسْمُ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ بِالْقِيمَةِ، وَأَفْرَدَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَقْسُومِ، فَلَا تُجْمَعُ الدُّورُ مَعَ الْحَوَائِطِ، وَلَا أَنْوَاعُ الثِّمَارِ إلَى بَعْضِهَا، بَلْ كُلُّ نَوْعٍ يُقْسَمُ عَلَى حِدَتِهِ إنْ احْتَمَلَ الْقَسْمَ، وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ فَفِي الثِّمَارِ يُضَمُّ مَا لَا يُحْتَمَلُ إلَى غَيْرِهِ.
وَفِي نَحْوِ الْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ يُبَاعُ مَا لَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ وَلَا يُضَمُّ إلَى غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَأَنْوَاعِ الثِّمَارِ، أَنَّ الْعَقَارَ وَالْحَيَوَانَ تُقْصَدُ ذَاتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِ مَا لَا يُحْتَمَلُ قَسْمُهُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِخِلَافِ الثِّمَارِ.
(وَ) مِنْ شُرُوطِ قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ أَنْ (لَا يُؤَدِّيَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ ثَمَنًا) لِشَرِيكِهِ لِزِيَادَةٍ فِي سَهْمِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ ثَوْبَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا يُسَاوِي دِينَارَيْنِ وَالْآخَرُ يُسَاوِي دِينَارًا وَاقْتَرَعَا عَلَى أَنَّ مَنْ صَارَ لَهُ الَّذِي يُسَاوِي الدِّينَارَيْنِ يَدْفَعُ نِصْفَ دِينَارٍ لِيَحْصُلَ التَّعَادُلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ دُخُولِ قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ فِي صِنْفَيْنِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ أَوْ فِيهِ تَرَاجُعٌ: إلَّا أَنْ يَقِلَّ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَوْ قَلَّ مَا بِهِ التَّرَاجُعُ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ) الْفِعْلِ الَّذِي دَخَلَا عَلَيْهِ (تَرَاجُعٌ لَمْ يَجُزْ الْقَسْمُ) بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (إلَّا بِتَرَاضٍ) مِنْهُمَا فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمُرَاضَاةِ يَجُوزُ دُخُولُهَا فِي الْجِنْسَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا يَقَعُ بَيْنَ الْعَوَامّ مِنْ الْفِصَالِ وَهُوَ قَسْمُ الْمَوَاشِي مِنْ جَعْلِ نَحْوِ الْبَقَرَةِ قِسْمًا وَبِنْتِهَا مَعَ بَعْضِ دَرَاهِمَ قِسْمًا آخَرَ وَيَدْخُلَانِ عَلَى الْقُرْعَةِ فَاسِدٌ، وَإِنْ اسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا بِالْمُرَاضَاةِ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ الصَّغِيرَةِ وَتَأْخُذُ كَذَا أَوْ الْكَبِيرَةِ وَتَدْفَعُ كَذَا مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ فَيَجُوزُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِقَوْلِهِ: وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ ثَمَنًا عَنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَرَاجُعٌ لَمْ يَجُزْ الْقَسْمُ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: قَصَدَ الْمُصَنِّفُ تَفْسِيرَ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَظْهَرُ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ وَهِيَ أَنْ يُعَدَّلَ الْمَقْسُومُ وَيُجَزَّأَ عَلَى حَسَبِ أَدَقِّهِمْ نَصِيبًا، فَإِذَا كَانَتْ دَارُ الثَّلَاثَةِ لِأَحَدِهِمْ سُدُسُهَا وَلِآخَرَ نِصْفُهَا فَإِنَّهَا تُعْمَلُ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ تُكْتَبُ أَسْمَاءُ الشُّرَكَاءِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْرَاقٍ وَتُوضَعُ فِي شَمْعٍ أَوْ طِينٍ ثُمَّ تُرْمَى وَاحِدَةٌ عَلَى سَهْمٍ مُتَطَرِّفٍ وَتُفْتَحُ، فَإِذَا شُهِرَتْ لِصَاحِبِ الْمُصَنِّفِ أَخَذَ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ وَمَا يَلِيهِ، ثُمَّ تُرْمَى أُخْرَى وَتُفْتَحُ فَإِذَا ظَهَرَتْ لِصَاحِبِ السُّدُسِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهَكَذَا.
وَلِلْقُرْعَةِ صِفَةٌ أُخْرَى: أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاءُ الْجِهَاتِ فِي أَوْرَاقٍ بِعَدَدِ الْأَجْزَاءِ وَيُعْطَى لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَرَقَةٌ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَفِي هَذِهِ قَدْ تَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الْمُصَنِّفِ وَالثُّلُثِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا لِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: وَكَتَبَ الشُّرَكَاءُ ثُمَّ رَمَى أَوْ كَتَبَ الْمَقْسُومُ وَأَعْطَى كُلًّا لِكُلٍّ.
(فُرُوعٌ) أَوَّلُهَا: الَّذِي يُعَدِّلُ الْمَقْسُومَ هُوَ الْقَاسِمُ وَيَكْفِي الْوَاحِدُ.
وَثَانِيهَا: يَجُوزُ لِلْقَاسِمِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الشُّرَكَاءِ الرُّشَدَاءِ.
ثَالِثُهَا: الْأُجْرَةُ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ لَا عَلَى الرُّءُوسِ.
(تَتِمَّةٌ) إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ كَانَتْ لَازِمَةً لَا تُنْقَضُ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ غَبْنٌ حَيْثُ كَانَتْ مُرَاضَاةً وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهَا تَعْدِيلٌ؛ لِأَنَّهَا كَالْبَيْعِ وَهُوَ لَا يُرَدُّ بِالْغَبْنِ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ، وَأَمَّا قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ فَتُنْقَضُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا، وَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ رِضَاهُ عِنْدَ اطِّلَاعِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْغَبْنُ لَا يُنْقَضُ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ مُنْكِرُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُظِرَ فِي دَعْوَى جَوْرٍ وَغَلَطٍ وَحَلِفِ الْمُسْكِرِ، فَإِنْ تَفَاحَشَ أَوْ ثَبَتَ نُقِضَتْ كَالْمُرَاضَاةِ إنْ أَدْخَلَا مُقَوَّمًا أَوْ وَقَعَتْ بَعْدَ تَعْدِيلٍ، وَهَذَا فِي الْمَرْأَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ الْقُرْعَةِ، وَأَمَّا لَوْ انْضَمَّ لَهَا قُرْعَةً كَعَبْدَيْنِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ وَتَكُونُ فَاسِدَةً إذَا عَلِمَا بِالتَّفَاوُتِ وَتُرَدُّ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْغَبْنِ، لَا إنْ ظَنَّا التَّسَاوِي؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ وَلَهُ الْقِيَامُ فِيهَا بِالْغَبْنِ كَالْقِيَامِ.
[بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَسَائِلِ الْقِسْمَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَهَا فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ وَصَيْت الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذَا وَصَلْته بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ كَأَنَّهُ وَصَلَ تَصَرُّفَهُ.
كَالْوَصِيِّ
وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيُزَوِّجَ إمَاءَهُمْ
وَمَنْ أَوْصَى إلَى غَيْرِ مَأْمُونٍ فَإِنَّهُ يُعْزَلُ
وَيُبْدَأُ بِالْكَفَنِ ثُمَّ
[الفواكه الدواني]
بَعْدَ الْمَوْتِ بِمَا قَبْلَهُ.
وَحَقِيقَتُهَا الشَّرْعِيَّةُ عِنْدَ الْقِرَاضِ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهَا، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَهُ نَحْوُ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى أَوْلَادِي مَثَلًا، وَوَجْهُ الْعُمُومِ أَنَّهَا شَامِلَةٌ لِوَصِيَّةِ الْمَالِ وَوَصِيَّةِ النَّظَرِ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفَرْضِيِّينَ فَهِيَ خَاصَّةٌ بِوَصِيَّةِ الْمَالِ، كَأَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ أَوْ الْفُقَرَاءِ بِثُلُثِ مَالِي أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَحُكْمُهَا النَّدْبُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَالِيَّةٌ كَأَوْصَيْتُ لِلْفُقَرَاءِ بِثُلُثِ مَالِي، وَنَظَرِيَّةٌ كَأَقَمْت فُلَانًا وَصِيًّا عَلَى أَوْلَادِي وَهِيَ الْمُرَادَةُ هُنَا.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُوصِي وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَهُ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْمِلْكُ، وَالْوَصِيُّ وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ، وَالْعَدَالَةُ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَحُسْنُ التَّصَرُّفِ وَالنَّظَرِ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْوَصِيِّ عَلَى الْأَيْتَامِ وَقَبْضِ أَمْوَالِهِمْ لَا عَلَى الثُّلُثِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَمَنْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ صَحَّ كَوْنُهُ وَصِيًّا، وَلَوْ أَعْمَى أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً، وَالْعَبْدُ يَنْصَرِفُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالْمُوصَى فِي وَصِيَّةِ النَّظَرِ عَلَى الْمَحْجُورِ الْأَبُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يُوصِي عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَبٌ أَوْ وَصِيُّهُ كَأُمِّ الْمَحْجُورِ إنْ قَلَّ الْمَالُ وَلَا وَلِيَّ لَهُ وَوَرِثَ عَنْهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْأَبِ الرُّشْدُ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ وَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَالْمُوصَى فِيهِ إمَّا تَفْرِقَةُ الثُّلُثِ أَوْ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الْيَتِيمِ.
وَالرَّابِعُ الصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ، لَكِنْ إنْ قُصِّرَتْ عَمَّتْ وَإِنْ طَالَبَ خَصَّتْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَصِيٌّ فَقَطْ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ وَيُزَوِّجُ صِغَارَ بَنِيهِ، وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَبْكَارِ بَنَاتِهِ بِإِذْنِهِنَّ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِالْإِجْبَارِ أَوْ يُعَيِّنَ لَهُ الزَّوْجَ فَيُجْبِرُ، وَلَوْ تَعَدَّى الْوَصِيُّ عَلَى التَّرِكَةِ وَزَوَّجَ بَعْضَ بَنَاتِ الْمُوصِي صَحَّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ زَوَّجَ مُوصًى عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ وَقَبَضَ دُيُونَهُ صَحَّ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: الْمُرَادُ زَوَّجَ مَنْ لَمْ تُجْبَرْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ التَّزْوِيجَ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ زَوَّجَ مَنْ تُجْبَرُ لِفَسْخٍ أَبَدًا فَقَالَ: (وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ) الَّذِي أَوْصَاهُ الْأَبُ وَإِنْ تَسَلْسَلَ.
(كَالْوَصِيِّ) فِي كُلِّ مَا كَانَ لِلْمُوصِي فِعْلٌ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يُوصِي لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَبٌ أَوْ وَصِيُّهُ وَإِنْ بَعُدَ لَا غَيْرُهُمَا، كَمُقَدَّمِ قَاضٍ أَوْ جَدٍّ سِوَى الْأُمِّ فَإِنَّ لَهَا الْإِيصَاءُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِثْلُ الْوَصِيِّ فِي صِحَّةِ الْإِيصَاءِ لِغَيْرِهِ الْخَلِيفَةُ وَالْمُجْبِرُ وَإِمَامُ الصَّلَاةِ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ إنْ جَعَلَ لَهُ الْوَاقِفُ الْإِيصَاءَ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مِمَّا قَبْلَ التَّوْلِيَةِ فِيهِ يَجُوزُ لَهُ الْإِيصَاءُ بِهِ، وَمَنْ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ كَالْأَمِينِ عَلَى الرَّهْنِ وَالْوَكِيلِ وَالْقَاضِي فَلَيْسَ لَهُ الْإِيصَاءُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ كَالْوَصِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِيصَاءُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا حَيْثُ كَانَ الْوَصِيُّ مُتَّحِدًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِيصَاءُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِاثْنَيْنِ حَمْلٌ عَلَى التَّعَاوُنِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَا فَالْحَاكِمُ وَلَا لِأَحَدِهِمَا إيصَاءٌ وَلَا لَهُمَا قَسْمُ الْمَالِ وَإِلَّا ضَمِنَا.
وَلَمَّا كَانَ الْوَصِيُّ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الْأَبِ قَالَ: (وَلِلْوَصِيِّ أَنْ) يُعَاقَدَ شَخْصًا (يَتَّجِرُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى) لِخَبَرِ «اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِئَلَّا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» . وَإِنَّمَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى مَا لِلْوَصِيِّ فِعْلُهُ: وَدَفْعُ مَالِهِ قِرَاضًا أَوْ بِضَاعَةً وَلَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ، فَإِنْ عَمِلَ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْخَسَارَةَ عَلَيْهِ كَالْمُودِعِ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْتِوَاءٌ لَهُ النَّمَاءُ وَمِثْلُهُمَا الْغَاصِبُ لِدَرَاهِمَ يَتَّجِرُ فِيهَا لَهُ رِبْحُهَا وَلَوْ غَصَبَهَا مِنْ تَاجِرٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(وَ) لِلْوَصِيِّ أَيْضًا أَنْ (يُزَوِّجَ إمَاءَهُمْ) أَيْ الْيَتَامَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْوَصِيِّ اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرُهُ لِنَظَرٍ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الطِّفْلِ بِالْمَعْرُوفِ، وَفِي خَتْنِهِ وَعُرْسِهِ وَعِيدِهِ وَدَفْعِ نَفَقَةٍ لَهُ، قُلْت: وَإِخْرَاجُ فِطْرَتِهِ وَزَكَاتِهِ وَدَفْعٌ لِلْحَاكِمِ إنْ كَانَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ، وَدَفْعُ مَالِهِ قِرَاضًا أَوْ بِضَاعَةً، وَلَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ وَلَا اشْتِرَاءً مِنْ التَّرِكَةِ، وَتَعَقُّبٌ بِالنَّظَرِ إلَّا كَحِمَارَيْنِ قَلَّ ثَمَنُهُمَا وَتَسَوُّقٌ بِهِمَا الْحَضَرَ وَالسَّفَرَ حَتَّى تَنْتَهِيَ الرَّغَبَاتُ فِيهِمَا فَيَجُوزُ لَهُ الشِّرَاءُ حِينَئِذٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ الْإِمَامِ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، فَيَجُوزُ لِلْمُوصِي أَنْ يُزَوِّجَ الْعَبِيدَ كَمَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُ الْإِمَاءِ، حَيْثُ كَانَ تَزْوِيجُ الْجَمِيعِ نَظَرًا وَمَصْلَحَةً وَظَاهِرَةً، وَلَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَقَالَ فِي كِفَايَةِ الطَّالِبِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَصِيَّ مُخَيَّرٌ فِيمَا ذُكِرَ وَلَا يُجْبَرُ وَهُوَ كَذَلِكَ انْتَهَى، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ الْجَبْرُ وَإِلَّا أُجْبِرَ.
وَالثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَزْوِيجِ إمَائِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى تَزْوِيجِ أَوْلَادِهِ، وَذَكَرَهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ: لِلْوَصِيِّ الذَّكَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الطِّفْلُ الذَّكَرُ الَّذِي فِي وِلَايَتِهِ.
قَالَ الشَّارِحُ: أَيْ لَهُ جَبْرُهُ عَلَى التَّزْوِيجِ فَالْأَبُ قَالَ بُرْهَامٌ وَلَا خِلَافَ فِي جَبْرِ الْأَبِ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ فِيهِ غِبْطَةٌ كَنِكَاحِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْمُوسِرَةِ، وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقُيِّدَ الْوَصِيُّ بِالذَّكَرِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَعْقِدُ نِكَاحَ الْأُنْثَى، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الطِّفْلِ الذَّكَرِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِإِنْكَاحِهَا أَيْ يُجْبِرُهَا أَوْ يُعَيِّنُ لَهُ الزَّوْجَ كَمَا فِي
الدَّيْنِ ثُمَّ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ الْمِيرَاثِ
وَمَنْ حَازَ دَارًا عَنْ حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عَالِمٌ لَا يَدَّعِي شَيْئًا فَلَا قِيَامَ لَهُ
وَلَا حِيَازَةَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَصْهَارِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ
وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ أَوْ بِقَبْضِهِ
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
خَلِيلٍ، وَأَيْضًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَاطِفًا: وَلَهُ إنْكَاحُ صِغَارِ بَنِيهِ وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَبْكَارِ بَنَاتِهِ بِإِذْنِهِ وَلَا يُجْبَرُ اتِّفَاقًا، وَالثَّيِّبُ بِإِذْنِهَا، فَيُسْتَفَادُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إنْكَاحُ الْأُنْثَى إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِجَبْرِهَا أَوْ يُعَيِّنَ لَهُ الزَّوْجَ، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَارْتَكَبَ مَا لَا يَجُوزُ صَحَّ فِي الْبَالِغِ بِإِذْنِهَا وَفُسِخَ أَبَدًا فِي الصَّغِيرَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ زَوَّجَ مُوصٍ عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ وَقَبَضَ دُيُونَهُ صَحَّ، قَالَ شُرَّاحُهُ: هَذَا فِي غَيْرِ مَنْ تُجْبَرُ وَإِلَّا فُسِخَ أَبَدًا،
وَلَمَّا كَانَتْ الْعَدَالَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْوَصِيِّ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى إلَى غَيْرِ مَأْمُونٍ) أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْفِسْقُ (فَإِنَّهُ يُعْزَلُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَطُرُوُّ الْفِسْقِ بِعَزْلِهِ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِغَيْرِ عَدْلٍ أَوْ لِعَاجِزٍ أَوْ لِمَنْ لَيْسَ فِيهِ كَفَاءَةٌ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْزَلُ؛ لِأَنَّ شُرُوطَهَا مَطْلُوبَةٌ ابْتِدَاءً وَدَوْمًا
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً كَانَ الْأَوْلَى ذَكَرُهَا فِي أَوَّلِ بَحْثِ الْفَرَائِضِ فَقَالَ: (وَيُبْدَأُ بِالْكَفَنِ) وَسَائِرِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَيِّتِ مِنْ أُجْرَةِ حَفْرٍ وَدَفْنٍ وَتَغْسِيلٍ وَثَمَنِ حُنُوطٍ الْمَعْرُوفِ (ثُمَّ) بَعْدَ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ يُدْفَعُ (الدَّيْنُ) الْمُتَعَلِّقُ بِذِمَّتِهِ لِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَلَوْ فِي مَرَضِهِ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ (ثُمَّ) بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ تُنَفَّذُ (الْوَصِيَّةُ) الَّتِي أَوْصَى بِهَا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ يُدْفَعُ (الْمِيرَاثُ) إلَى الْوَارِثِ بِالْفَرْضِ أَوْ التَّعْصِيبِ أَوْ هُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْآتِي.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ مُؤَنَ التَّجْهِيزِ تُقَدَّمُ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَعْيَانِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالشَّيْءِ الْمَرْهُونِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ مَرْجُوحَةٌ وَدَرَجَ عَلَيْهَا فِي التِّلْمِسَانِيَّة حَيْثُ قَالَ:
إنْ امْرُؤٌ قَدْ قُدِّرَتْ مَنُونُهُ ... كُفِّنَ ثُمَّ أُدِّيَتْ دُيُونُهُ
وَبَعْدَ ذَا تُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ ... وَيَقَعُ الْمِيرَاثُ فِي الْبَقِيَّةِ
وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهَا وَهِيَ طَرِيقَةُ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ كَالْمَرْهُونِ وَعَبْدٍ جَنَى ثُمَّ مُؤَنُ تَجْهِيزِهِ بِالْمَعْرُوفِ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ ثُمَّ وَصَايَاهُ ثُمَّ الْبَاقِي لِوَارِثِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْكَفَنُ وَمُؤَنُ التَّجْهِيزِ عَلَى الدُّيُونِ الْمُرْسَلَةِ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ شَبِيهٌ بِالْمُفْلِسِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَابْنِ عُمَرَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْمُرَادَ يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْمُعَيَّنَاتِ مِثْلِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ، وَالزَّكَاةِ إذْ حَلَّ حَوْلُهَا فِي مَرَضِهِ، وَالرَّهْنِ إذَا كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا كَانَ بِيَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَزَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ إذْ طَابَتْ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْكَفَنُ وَبَقِيَّةُ الْحُقُوقِ الْخَمْسَةِ، فَالْبَدْءُ فِي كَلَامِهِ عَلَى هَذَا إضَافِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِيَازَةِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا بِأَثَرِ الشَّهَادَاتِ لِمَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ التَّنَازُعِ فَقَالَ: (وَمَنْ حَازَ) مِنْ الْأَجَانِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ لِلْجَائِزِ (دَارًا) أَوْ غَيْرَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ (عَنْ حَاضِرٍ) سَاكِتٍ مُدَّةَ (عَشْرَ سِنِينَ) وَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِغَيْرِ الْإِصْلَاحِ وَيَدَّعِي الْمِلْكِيَّةَ لَهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا (تُنْسَبُ إلَيْهِ وَصَاحِبُهَا) وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَاضِرِ الْمُتَقَدِّمِ (حَاضِرٌ عَالِمٌ) بِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَعَالِمٌ بِحِيَازَةِ هَذَا وَبِتَصَرُّفِهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ وَبِدَعْوَى الْحَائِزِ الْمِلْكِيَّةَ لِلْوَضْعِ الْمُحَازِ وَلَوْ مَرَّةً (لَا يَدَّعِي شَيْئًا) مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ لَهُ فِي الْكَلَامِ (فَلَا قِيَامَ لَهُ) وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ تُسْمَعْ وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» فَالْحِيَازَةُ تَنْقُلُ الْمِلْكَ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ بُرْهَامٌ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: الْحِيَازَةُ تَكُونُ فِي مَعْلُومِ الْأَصْلِ وَمَجْهُولِهِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: الْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمُحَازِ عَنْهُ لِلْحَائِزِ اتِّفَاقًا لَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، كَإِرْخَاءِ السِّتْرِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ طَرِيقَةٌ وَإِلَّا فَكَلَامُ الْمُشَبَّهِ يُشْبِهُ ظَاهِرَهُ لِمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ بُرْهَامٌ: مِنْ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَنْقُلُ الْمِلْكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَاحِبُهَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَالِكُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهُ نَقْلِهَا لِلْمِلْكِ أَنَّ حُضُورَ صَاحِبِهَا وَعِلْمَهُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ مَعَ مُشَاهَدَتِهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهَا مَعَ دَعْوَاهُ الْمِلْكِيَّةَ وَالتَّصَرُّفَ لِغَيْرِ الْإِصْلَاحِ يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضِهِ عَنْهَا وَتَسْلِيمِهَا لِلْحَائِزِ، وَأَنَّهُ مَلَكَ الشَّيْءَ الْمُحَازَ لِذَلِكَ الْحَائِزِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِلْمُدَّعِي بِالْإِسْكَانِ لِلْحَائِزِ أَوْ الْإِعْمَارِ أَوْ الْإِرْفَاقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُفَوِّتُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الْحَائِزِ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعِي مَا لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قُلْنَا وَهُوَ يَدَّعِي الْمِلْكِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي تِلْكَ الْحِيَازَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِ فِيهَا الْمِلْكِيَّةَ فَلَا يَمْلِكُ مَا حَازَهُ وَتُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْغَيْرِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَأَمَّا التَّصَرُّفُ بِالْمَصْلَحَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَرْضَى بِفِعْلِهِ بِمِلْكِهِ، وَهَذَا فِي التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِنَحْوِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لَا يُشْتَرَطُ مَعَهُ طُولُ الزَّمَانِ مَعَ عِلْمِ الْمُدَّعِي وَسُكُوتِهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ دَارًا أَنَّ غَيْرَ الْعَقَارِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْعُرُوضِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِذَا رَكِبَ أَجْنَبِيٌّ دَابَّةً مُدَّةَ سَنَتَيْنِ وَهُوَ مُدَّعِي الْمِلْكِيَّةِ وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ عَالِمٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَيَفُوزُ بِهَا الْحَائِزُ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ أَمَةُ الْخِدْمَةِ، وَإِذَا حَازَ أَجْنَبِيٌّ عَلَى أَجْنَبِيٍّ عَبْدًا أَوْ عَرْضًا مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَقَدْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرْضٍ.
وَقَوْلُهُ: تُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْمَعَ الْمُحَازُ عَنْهُ نِسْبَتَهَا إلَيْهِ، وَرُبَّمَا يُفْهَمُ هَذَا مِنْ اشْتِرَاطِ دَعْوَى الْحَائِزِ الْمِلْكِيَّةَ، وَقَوْلُهُ: حَاضِرٌ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا مِمَّا لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهَا مِنْ الْمُنَازَعَةِ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلِهِ فَإِنَّ بَيِّنَتَهُ تُسْمَعُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، وَأَمَّا الْقَرِيبَةُ الَّتِي تُمْكِنُ مَعَهَا الْمُنَازَعَةُ وَلَوْ بِالْوَكِيلِ فَكَالْحَاضِرِ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَقَوْلَانِ فِي سُقُوطِ حَقِّ الْمُدَّعِي وَقَبُولِ مُنَازَعَتِهِ وَسَمَاعِ بَيِّنَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ حَقِّ اللَّهِ، وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَفُوتُ بِالْحِيَازَةِ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، كَحِيَازَةِ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قِطْعَةٍ مِنْهَا فَلَا يَمْلِكُهَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِأَنَّهَا طَرِيقٌ، وَمِثْلُهَا لَوْ حَازَ مَسْجِدًا أَوْ مَحَلًّا مَوْقُوفًا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ الْحَائِزُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَقَعُ فِي وَثَائِقِ الْحُقُوقِ، فَلِمُسْتَحِقِّ مَا فِيهَا الْقِيَامُ بِهِ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، وَقَوْلُنَا مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ سَكَتَ لِمَانِعٍ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحَائِزُ سُلْطَانًا أَوْ صَاحِبَ شَرِكَةٍ فَإِنَّ لَهُ الْقِيَامَ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ وَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ الْمُحَازَ عَنْهُ مِلْكُهُ بِأَنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ مِلْكِي فِي حَالِ تَصَرُّفِ هَذَا الْحَائِزِ، وَمَا وَجَدْت الْوَثِيقَةَ إلَّا عِنْدَ فُلَانٍ، أَوْ كَانَ وَارِثًا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، وَقَوْلُنَا غَيْرُ الشُّرَكَاءِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حِيَازَةِ الشُّرَكَاءِ فَإِنَّهُمْ إنْ كَانُوا أَجَانِبَ لَا يَفُوزُ الْحَائِزُ بِمَا حَازَهُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ بِخُصُوصِ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ لِغَيْرِ الْإِصْلَاحِ
وَأَمَّا الشُّرَكَاءُ الْأَقَارِبُ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُمْ كَغَيْرِ الشُّرَكَاءِ فِي أَنَّ الْعَشْرَ سِنِينَ لَا يَحْصُلُ بِهَا حِيَازَةٌ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا حِيَازَةَ) مُقْتَضِيَةٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ (بَيْنَ الْأَقَارِبِ) جَمْعُ قَرِيبٍ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ لَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ (وَ) لَا بَيْنَ (الْأَصْهَارِ) الَّذِينَ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمْ وَمِثْلُهُمْ الْمَوَالِي (فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ) وَهِيَ الْعَشْرُ سِنِينَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَوْ شُرَكَاءَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ لَا بِنَحْوِ الزَّرْعِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَصْهَارِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الْأُلْفَةُ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةُ فَكَالْأَجَانِبِ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُمْ عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ عَلَى عَدَمِ الْعَدَاوَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ؛ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمَا لَا تَكُونُ إلَّا بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ الَّذِي تَهْلَكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ وَيَنْقَطِعُ فِيهِ الْعِلْمُ، وَالْحَائِزُ يُهْدَمُ وَيُبْنَى لِغَيْرِ الْإِصْلَاحِ، وَالْآخَرُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ طُولَ الْمُدَّةِ وَلَا مَانِعَ فَلَا قِيَامَ لِلْحَاضِرِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَالظَّاهِرَةُ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي تَهْلَكُ فِيهَا الْبَيِّنَاتُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سِنِّ الشُّهُودِ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا أَوْ وَهَبَهُ بِحَضْرَةِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ سَمَاعِ دَعْوَاهُ مَعَ حُصُولِ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَسْكُتُ عَنْ تَصَرُّفِ الْغَيْرِ فِي مِلْكِهِ بِنَحْوِ هَذَا.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ إلَّا بِكَهِبَةٍ إلَّا أَنْ يَطُولَ مَعَهَا مَا تَهْلَكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ وَيَنْقَطِعُ الْعِلْمُ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: إلَّا أَنْ يَطُولَ مُسْتَثْنًى مِنْ مُقَدَّرٍ أَيْ لَا بِغَيْرِ هِبَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ، إذْ قَدْ أَبْهَمَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْحِيَازَةُ كَمَا أَبْهَمَ فِي الْأَقَارِبِ، وَمَسْأَلَةُ الْحِيَازَةِ هَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْحَدِيثِ.
[بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْإِقْرَارِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الْإِقْرَارِ وَهُوَ لُغَةً الِاعْتِرَافُ، وَاصْطِلَاحًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ بِلَفْظِهِ أَوْ بِلَفْظِ نَائِبِهِ، فَيَدْخُلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ وَتَخْرُجُ الْإِنْشَاءَاتُ كَبِعْت وَاشْتَرَيْت وَنَحْوِهِمَا كَنُطْقِ الْكَافِرِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِلْإِخْبَارِ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ فَعَلَهُمَا كَقَوْلِهِ: كُنْت اسْتَلَمْت فَهُوَ مِنْ الْإِقْرَارِ، وَمِمَّا يَخْرُجُ أَيْضًا الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ وَإِنَّمَا خَرَجَا وَإِنْ كَانَا خَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَالشَّهَادَةُ خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ، وَكَذَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِقْرَارِ قَوْلُ الْقَائِلِ: زَيْدٌ زَانٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا يُوجِبُ حُكْمًا عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُقْتَضٍ صِدْقَهُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى صِدْقِهِ عَدَمُ حَدِّهِ، وَهَذَا يُوجِبُ عَلَى الْقَائِلِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ: الْمُقِرُّ وَالْمُقَرُّ لَهُ وَالْمُقَرُّ بِهِ وَالصِّيغَةُ، فَشَرْطُ الْمُقِرِّ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَشَرْطُ الْمُقَرِّ لَهُ كَوْنُهُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُقَرِّ بِهِ وَلَوْ حُكْمًا كَحَمْلٍ أَوْ مَسْجِدٍ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ تَكْذِيبٌ لِلْمُقِرِّ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّكْذِيبِ، وَأَنْ لَا يُتَّهَمَ الْمُقِرُّ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَشَرْطُ الْمُقَرِّ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِحَيْثُ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ وَلَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ كَقَتَلْت زَيْدًا عَمْدًا، وَصِيغَتُهُ عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي لِفُلَانٍ كَذَا أَوْ فَعَلْت كَذَا مِمَّا يُوجِبُ فِعْلَهُ حُكْمًا، وَالْمُصَنِّفُ بَالَغَ فِي الِاخْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ (إقْرَارُ الْمَرِيضِ) مَرَضًا مَخُوفًا (لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ) فِي ذِمَّتِهِ حَيْثُ كَانَ يُتَّهَمُ عَلَى الْإِقْرَارِ لَهُ، كَمَا لَوْ