الْبَيَاضُ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرَ الثُّلُثِ مِنْ الْجَمِيعِ فَأَقَلَّ.
وَالشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ الزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَكَانَتْ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ عَلَى الْآخَرِ.
أَوْ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَاكْتَرَيَا
[الفواكه الدواني]
(وَهُوَ) أَيْ إلْغَاؤُهُ (أَحَلُّهُ) أَيْ أَحَلُّ لَهُ مَنْ اشْتَرَطَ إدْخَالِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ لِمَا فِي إلْغَائِهِ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى النَّخْلِ خَاصَّةً، وَتَرَكَ لَهُمْ بَيَاضَ النَّخْلِ» فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ هَذَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُلْغِيَ لِلْعَامِلِ إنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ اشْتَرَطَهُ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْبَيَاضُ يَسِيرًا، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ كَثِيرًا) بِحَيْثُ يَكُونُ كِرَاؤُهُ مُنْفَرِدًا فَوْقَ ثُلُثِ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي) عَقْدِ (مُسَاقَاةِ النَّخْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ الْبَيَاضُ لَا بِقَيْدِهِ السَّابِقِ (قَدْرَ الثُّلُثِ مِنْ الْجَمِيعِ فَأَقَلَّ) حَتَّى يَصِيرَ تَابِعًا فَيَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِلْعَامِلِ كَمَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ لِنَفْسِهِ مَعَ سَقْيِ الْعَامِلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ يَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيَخْتَصُّ بِهِ الْعَامِلُ إنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ اشْتَرَطَهُ، وَيَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِاشْتِرَاطِ رَبِّهِ لَهُ إنْ كَانَ يَنَالُهُ سَقْيُ الْعَامِلِ، كَمَا يَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِإِدْخَالِ الْكَثِيرِ أَوْ اشْتِرَاطِهِ لِلْعَامِلِ أَوْ إلْغَائِهِ لَهُ بَلْ يَبْقَى لِرَبِّهِ.
1 -
(تَتِمَّاتٌ) . الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ قَصَّرَ الْعَامِلُ وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ قَصَّرَ عَامِلٌ عَمَّا شُرِطَ حُطَّ مِنْ الْجُزْءِ بِنِسْبَتِهِ.
مِثَالُهُ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ السَّقْيَ أَوْ الْحَرْثَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَحَرَثَ أَوْ سَقَى مَرَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَحُطُّ مِنْ الْجُزْءِ ثُلُثَهُ.
وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُقَصِّرْ بِأَنْ نَزَلَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ اسْتَغْنَى الْحَائِطُ عَنْ السَّقْيِ فَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ وَيَأْخُذُ الْجُزْءَ جَمِيعَهُ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى سَقِيَّاتٍ فَيَحْصُلُ الْغَيْثُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْحَائِطِ حَتَّى اسْتَغْنَى فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ.
1 -
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِعَامِلِ الْمُسَاقَاةِ مُسَاقَاةُ غَيْرِهِ وَلَوْ أَقَلَّ أَمَانَةً مِنْهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى ضِدِّ الْأَمَانَةِ فَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ مُوجِبَ فِعْلِ الثَّانِي إنْ حَصَلَ مِنْهُ مُوجِبُ الضَّمَانِ، بِخِلَافِ وَرَثَةِ الْعَامِلِ فَإِنَّهُمْ مَحْمُولُونَ عَلَى الْأَمَانَةِ، بِخِلَافِ وَرَثَةِ عَامِلِ الْقِرَاضِ فَإِنَّهُمْ مَحْمُولُونَ عَلَى عَدَمِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ يُمْكِنُ عَدُّهَا وَضَبْطُهَا.
الثَّالِثَةُ: إنْ وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً وَجَبَ فَسْخُهَا قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى فَسَادِهَا إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَيُفْسَخُ أَيْضًا فِي بَاقِي الْمُدَّةِ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ بِسَبَبِ زِيَادَةِ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مُسَاقَاةَ الْمِثْلِ فَتَمْضِي بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ فَسَادُهَا لِحُصُولِ غَرَرٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَفْسُدُ وَلَا يُخْرِجُهَا عَنْ الْمُسَاقَاةِ، كَمُسَاقَاةِ حَائِطٍ حَلَّ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ أَوْ حَائِطٍ بَلَغَ، أَوْ أَنَّ الْإِثْمَارَ مَعَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، وَلَا تَبَعِيَّةَ فِي الصُّورَتَيْنِ.
[بَاب الْمُزَارَعَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْمُسَاقَاةِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَنْعُ، وَإِنَّمَا اجْتَزْنَا بِالشُّرُوطِ رِفْقًا بِالْأُمَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْمُزَارَعَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدٌ عَلَى عِلَاجِ الزَّرْعِ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِعِلَاجِهِ عَمَلُهُ وَبِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِالْآلَةِ فَقَالَ: (وَالشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ) وَفِي الزَّرْعِ ثَوَابٌ جَسِيمٌ، فَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» وَلَعَلَّ الضَّمِيرَ فِي كَانَتْ لِلْأُكَلَةِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَصَدَقَةً بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَتْ، وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى صَارَتْ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَهَذَا عَلَى رِوَايَةٍ كَانَتْ بِالتَّاءِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةٍ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ فَتَكُونُ صَدَقَةٌ مَرْفُوعَةً عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ وَعَقْدُهَا لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْبَذْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لِكُلٍّ فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ إنْ لَمْ يُبْذَرْ، وَإِنَّمَا كَانَ عَقْدُهَا مُنْحَلًّا كَشَرِكَةِ التَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِمَنْعِهَا مُطْلَقًا فَإِنْ حَصَلَ بَذْرٌ لَزِمَتْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ خَلِيلٍ: إنْ لَمْ يُبْذَرْ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ لُزُومُهَا بِالْبُذُورِ، وَلَوْ لَمْ يَنْضَمَّ لِلْبَذْرِ حَرْثٌ، وَأَمَّا الْحَرْثُ بِدُونِ الْبَذْرِ فَلَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ.
1 -
وَشَرْطُ عَاقِدِهَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاشْتِرَاكِ فِي التِّجَارَةِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، فَلَا تَصِحُّ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ وَلَا سَفِيهَيْنِ، وَلَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَرَشِيدٍ.
1 -
وَشَرْطُ صِحَّتِهَا سَلَامَةُ الْأَرْضِ مِنْ كِرَائِهَا بِمَا يُمْنَعُ كِرَاؤُهَا بِهِ، وَهُوَ جَمِيعُ مَا تُنْبِتُهُ، خَلَا الْخَشَبَ وَالْحَشِيشَ وَالصَّنْدَلَ وَالْعُودَ وَجَمِيعَ الْأَطْعِمَةِ وَلَوْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّتْ إنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ وَقَابَلَهَا عَمَلُ بَقَرٍ أَوْ وَعَمَلُ يَدٍ لَا شَيْءَ مِنْ الْبَذْرِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: (إذَا كَانَتْ الزَّرِيعَةُ مِنْهَا جَمِيعًا وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا) عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ (كَانَتْ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ) أَيْ عَمَلُ الْبَقَرِ، وَهُوَ الْحَرْثُ الْمُقَابِلُ لِلْأَرْضِ (عَلَى الْآخَرِ) ، وَهَذِهِ لَا شَكَّ فِي جَوَازِهَا، وَقَوْلُنَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فِيهِمَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَفَاضَلَا فِي الزَّرِيعَةِ بِأَنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَهَا وَالْآخَرُ ثُلُثَيْهَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الثُّلُثَيْنِ فَالْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْعَمَلِ يُقَابِلُ ثُلُثًا مِمَّا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ، وَالْعَمَلُ يُقَابِلُ الْأَرْضَ وَالثُّلُثَ الثَّانِيَ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَ الثُّلُثَيْنِ هُوَ صَاحِبُ الْعَمَلِ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ
الْأَرْضَ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ.
أَوْ عَلَيْهِمَا، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَا اكْتَرَيَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ، وَعَلَى الْآخَرِ الْعَمَلُ جَازَ إذَا تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ.
وَلَا يُنْقَدُ
[الفواكه الدواني]
الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا عَلَى قَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّرِيعَةِ، فَالْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلُ مُقَابِلٌ لِلْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فَالْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ يُقَابِلُ الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ الْآخَرُ مَعَ الْعَمَلِ مُقَابِلَانِ لِلْأَرْضِ وَذَلِكَ حَرَامٌ لِوُقُوعِ جُزْءٍ مِنْ الْبَذْرِ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ مِنْهُمَا مِنْ الْبَذْرِ مُتَّفِقَ النَّوْعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا وَالْآخَرُ شَعِيرًا أَوْ فُولًا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي نَوْعِ الْبَذْرِ شَرْطٌ عِنْدَ سَحْنُونٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَ بَذْرُهُمَا لَمْ تَكُنْ مُزَارَعَةً وَلِكُلٍّ مَا خَرَجَ مِنْ بَذْرِهِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الْأَكْرِيَةِ.
وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّسَاوِي فِي نَوْعِ الْبَذْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْآخَرِ أَيْ بِشَرْطِ مُسَاوَاتِهِ لِأُجْرَةِ الْأَرْضِ فِي الْقِيمَةِ أَوْ مُقَارَبَتِهِ لَهَا، كَأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَرْضِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْعَمَلِ عِشْرُونَ أَوْ عَكْسُهُ، وَأَمَّا لَوْ تَبَاعَدَتْ فَلَا جَوَازَ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّرْعِ قَدْرَ مَا أَخْرَجَ، فَالْجَوَازُ.
مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِائَةً، وَالْبَقَرِ وَالْعَمَلِ خَمْسِينَ وَدَخَلَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَيْنِ وَلِرَبِّ الْبَقَرِ وَعَمَلِ الْيَدِ الثُّلُثَ جَازَ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ فَسَدَ عَقْدُهَا لِأَنَّهُ سَلَفٌ.
وَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ خَمْسِينَ وَالْبَقَرِ وَعَمَلِ الْيَدِ وَدَخَلَا عَلَى التَّفَاوُتِ فَسَدَتْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: الْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُسَاوِيًا لِلْمُخْرَجِ، فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخْرَجَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُسَاوَاةِ الْمُنَاصَفَةَ، وَهَذِهِ أَوَّلُ الصُّوَرِ الْجَائِزَةِ.
وَالثَّانِيَةُ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا الزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَأْخُذْ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مَا أَخْرَجَ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُمَا قَدْ (اكْتَرَيَا الْأَرْضَ) مِنْ الْغَيْرِ (أَوْ كَانَتْ) أَيْ الْأَرْضُ مُشْتَرَكَةً (بَيْنَهُمَا) إمَّا بِمِلْكٍ أَوْ مَنْفَعَتِهَا وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الزَّرِيعَةَ مِنْهُمَا وَالْعَمَلَ مِنْهُمَا، وَالْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْجَوَازُ.
[الصُّوَر الْمَمْنُوعَة فِي الْمُزَارَعَة]
وَأَشَارَ إلَى الصُّوَرِ الْمَمْنُوعَةِ بِقَوْلِهِ: (أَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ، وَ) جُعِلَ (الْعَمَلُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ لَا تَجُوزُ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ فَلَّاحِي مِصْرَ بِالْمُشَاطَرَةِ.
وَوَجْهُ عَدَمِ جَوَازِهَا وُقُوعُ بَعْضِ الْبَذْرِ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَرْضِ، وَيَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ عَلَيْهِ لِمُخْرَجِ الْبَذْرِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَخْرَجَ الْبَذْرَ وَالْعَمَلَ، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ فَقَطْ، وَهِيَ فَاسِدَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَعَ الْعَمَلِ مُقَابِلَانِ لِلْأَرْضِ، فَلَمْ تَسْلَمْ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ، فَهِيَ صُورَةٌ ثَانِيَةٌ مِنْ الصُّوَرِ الْمَمْنُوعَةِ.
وَثَالِثُهَا أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (عَلَيْهِمَا) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ (، وَ) الْحَالُ أَنَّ (الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ (لَمْ يَجُزْ) الِاشْتِرَاكُ، وَهَذَا جَوَابُ أَمَّا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عَدَمُ سَلَامَةِ الشَّرِكَةِ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالْمُصَنِّفُ حَذَفَ لَمْ يَجُزْ مِمَّا تَقَدَّمَ لِدَلَالَةِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مِنْ صُوَرِ الْجَوَازِ صُورَةٌ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهَا مَعَ صُوَرِ الْجَوَازِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِتَصِيرَ مَسَائِلُ الْجَوَازِ مُجْتَمِعَةً وَصُوَرُ الْمَنْعِ مُجْتَمِعَةً، وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَا اكْتَرَيَا الْأَرْضَ) مِنْ الْغَيْرِ أَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَأَكْرَى شَرِيكُهُ نِصْفَهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا.
(وَ) دَخَلَا عَلَى أَنَّ (الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ وَعَلَى) الشَّرِيكِ (الْآخَرِ الْعَمَلُ جَازَ ذَلِكَ) الْعَقْدُ (إذَا) تَسَاوَتْ أَوْ (تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مَعَ بَذْرٍ وَعَمَلٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، مِثَالُ التَّقَارُبِ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبَذْرِ أَوْ الْعَمَلِ أَحَدَ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْآخَرِ عَشَرَةً، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ.
وَأَمَّا لَوْ دَخَلَا عَلَى التَّفَاوُتِ بِأَنْ جُعِلَ لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْعُولُ لَهُ الثُّلُثَانِ صَاحِبَ الْعَمَلِ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَاحِبَ الْبَذْرِ فَقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُكَرَّرَةً مَعَ الصُّوَرِ الْجَائِزَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الزَّرِيعَةَ فِي هَذِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا، بِخِلَافِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ السَّلَامَةُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ وَأَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْخَارِجِ وَالْمُخْرَجِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي الْمُنَاصَفَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ خَلْطُ الْبَذْرِ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِمَا، وَيَكْفِي خَلْطُهُ، وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَخْلِطَاهُ حَتَّى يَصِلَا إلَى الْفَدَّانِ، وَبَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بَذْرَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ بَذْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ تَمَيَّزَ بِأَنْ بَذَرَ كُلٌّ فِي نَاحِيَةٍ فَلَا تَصِحُّ وَلِكُلٍّ مَا نَبَتَهُ حَبُّهُ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ مُوَافِقٌ
فِي كِرَاءِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْمُونَةٍ قَبْلَ أَنْ تُرْوَى.
وَمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَةً فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ فَأُجِيحَ بِبَرْدٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ أُجِيحَ قَدْرُ الثُّلُثِ فَأَكْثَرُ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَمَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ.
وَلَا جَائِحَةَ فِي.
[الفواكه الدواني]
لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ سَحْنُونٍ اتِّفَاقُ الْبَذْرَيْنِ فِي النَّوْعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَقَعَ عَقْدُهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ لَا إنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهَا تُفْسَخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْعَمَلِ، وَأَمَّا بَعْدَ فَوَاتِهَا بِالْعَمَلِ فَأَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ فَسَدَتْ وَتَكَافَآ عَمَلًا فَبَيْنَهُمَا وَتَرَادَّا غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ الْعَمَلِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِمِثْلِ نِصْفِ بَذْرِهِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ بِأُجْرَةِ نِصْفِ أَرْضِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكَافُؤِ فِي الْعَمَلِ وُقُوعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي قَدْرِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا إذَا انْضَمَّ لِعَمَلِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ بَذْرٍ أَوْ عَمَلِ بَقَرٍ وَبَعْضِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْعَمَلُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَقَطْ فَالزَّرْعُ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ عَمَلِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، فَشَرْطُ اخْتِصَاصِ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَمَلِ بِالزَّرْعِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ عَمَلِهِ إمَّا بَذْرٌ أَوْ أَرْضٌ، أَوْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْهُمَا وَالْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَنْضَمَّ إلَى عَمَلِ يَدِهِ آلَةٌ مِنْ بَقَرٍ أَوْ مِحْرَاثٍ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا اكْتَرَى شَخْصٌ قِطْعَةَ أَرْضٍ قَبْلَ رَيِّهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى أَنْ (يَنْقُدَ) الْأَجْرَ (فِي كِرَاءِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْمُونَةِ) الرَّيِّ (قَبْلَ أَنْ تُرْوَى) بِالْفِعْلِ كَأَرْضِ الْمَطَرِ وَأَرْضِ الْعَيْنِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُودَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
وَأَمَّا النَّقْدُ تَطَوُّعًا فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَمَفْهُومُ غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ أَنَّ الْمَأْمُونَةَ كَأَرْضِ النِّيلِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْبَحْرِ الشَّدِيدَةِ الِانْخِفَاضِ، وَكَأَرْضِ الْمَطَرِ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ يَجُوزُ عَقْدُ الْكِرَاءِ فِيهَا عَلَى النَّقْدِ وَلَوْ مَعَ الشَّرْطِ، كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ كِرَائِهَا، وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً.
وَأَمَّا الَّتِي رُوِيَتْ بِالْفِعْلِ أَوْ تَحَقَّقَ رَيُّهَا وَتَمَكَّنَ الْمُكْتَرِي مِنْ زَرْعِهَا فَيَجِبُ نَقْدُ الْكِرَاءِ فِيهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: الْمُرَادُ تَحَقُّقُ رَيِّهَا، وَإِنْ لَمْ تُرْوَ بِالْفِعْلِ وَتَمَكَّنَ مِنْ زَرْعِهَا؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالتَّمَكُّنِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ نَقْدِ الْكِرَاءِ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطَا تَأْجِيلَ الْكِرَاءِ، وَإِلَّا عُمِلَ بِالشَّرْطِ.
1 -
(تَنْبِيهٌ) . بَقِيَ لَنَا مَسْأَلَتَانِ مُتَعَلِّقَتَانِ بِكِرَاءِ الْأَرْضِ، إحْدَاهُمَا: الْأَرْضُ الْمَغْمُورَةُ بِالْمَاءِ وَيَنْدُرُ انْكِشَافُهَا، وَحُكْمُ هَذِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اكْتِرَاؤُهَا عَلَى تَقْدِيرِ انْكِشَافِ الْمَاءِ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا وَلَوْ تَطَوُّعًا.
وَثَانِيَتُهُمَا: الْمَغْمُورَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ انْكِشَافُ الْمَاءِ عَنْهَا عَادَةً لَا يَجُوزُ عَقْدُ كِرَائِهَا حَتَّى تَنْكَشِفَ بِالْفِعْلِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَوَائِحِ جَمْعُ جَائِحَةٍ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَوْحِ، وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَالْهَلَاكُ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ: الْجَائِحَةُ مَا أُتْلِفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ بَعْدَ بَيْعِهِ، فَقَوْلُهُ: مِنْ مَعْجُوزٍ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَقَدْرًا مَفْعُولُ أَتْلَفَ وَأَطْلَقَ فِي الْقَدْرِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ شَامِلٌ لِلثِّمَارِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الثُّلُثُ فِي الثِّمَارِ بِخِلَافِ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ وَالْبُقُولِ فَتُوضَعُ مُطْلَقًا وَلِوَضْعِهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِنْ عَرِيَتْهُ لَا إنْ كَانَتْ مِنْ مَهْرٍ وَلَا مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ؛ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا فَإِنْ تَنَاهَتْ، وَمَضَى مَا تَقَعُ فِيهِ عَادَةً فَلَا تُوضَعُ، وَأَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ اُشْتُرِيَتْ مُفْرَدَةً عَنْ أَصْلِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَصْلِهَا ثُمَّ اشْتَرَى أَصْلَهَا قَبْلَهَا أَوْ اشْتَرَاهُمَا مَعًا، وَأَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ فِي الثِّمَارِ.
فَقَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَةً فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ) سَوَاءٌ كَانَتْ ثَمَرَةَ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ الشِّرَاءُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ تَنَاهِي طِيبِهَا، أَوْ بِيعَتْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى شَرْطِ الْجَذِّ.
(فَأُجِيحَ) مَا ذَكَرَ مِنْ الثَّمَرَةِ (بِبَرَدٍ) ، وَهُوَ الْحَجَرُ النَّازِلُ مَعَ الْمَطَرِ، وَهُوَ مُحَرَّكُ الرَّاءِ.
(أَوْ) أُجِيحَ بِأَكْلِ (جَرَادٍ) جَمْعُ جَرَادَةٍ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَالْبَقَرَةِ، سُمِّيَ جَرَادًا؛ لِأَنَّهُ يَجْرُدُ الْأَرْضَ بِأَكْلِ مَا عَلَيْهَا.
(وَ) أُجِيحَ بِسَبَبِ حُلُولِ (جَلِيدٍ) ، وَهُوَ النَّدَا السَّاقِطُ مِنْ السَّمَاءِ فَيَجْمُدُ عَلَى الْأَرْضِ.
(أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ مِنْ رِيحٍ أَوْ دُودٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ سُمُومٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ هِيَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ أَوْ سَارِقٍ خِلَافُ مَحَلِّهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ السَّارِقُ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَتْبَعُهُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ مُعْدَمًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْأَظْهَرُ فِي عَدَمِهِ غَيْرُ مَرْجُوِّ يُسْرِهِ عَنْ قُرْبِ أَنَّهُ جَائِحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَشَارَ إلَى شَرْطِ الْوَضْعِ فِي الثَّمَرَةِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ أُجِيحَ قَدْرُ الثُّلُثِ) أَيْ ثُلُثُ مَكِيلِ الثَّمَرَةِ (فَأَكْثَرَ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ) مَا يَخُصُّ (ذَلِكَ) الْمُجَاحَ (مِنْ الثَّمَنِ) الَّذِي اُشْتُرِيَتْ بِهِ الثَّمَرَةُ وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ مُلَفَّقًا مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ،
الزَّرْعِ وَلَا فِيمَا اُشْتُرِيَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ مِنْ الثِّمَارِ.
وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الْبُقُولِ، وَإِنْ قَلَّتْ وَقِيلَ لَا يُوضَعُ إلَّا قَدْرُ الثُّلُثِ.
وَمَنْ
[الفواكه الدواني]
وَقَيَّدْنَا بِتِلْكَ الْمَكِيلَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمَكِيلَةُ لَا الْقِيمَةُ، فَإِذَا كَانَ الْمُجَاحُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الْأَقَلِّ نِصْفَ الثَّمَنِ أَوْ جَمِيعَهُ.
وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي، وَإِنْ قَلَّ، بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ قَدْ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ وَقَدْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَوَائِحَ لِتَكَرُّرِهَا يُعَدُّ الْمُشْتَرِي كَالدَّاخِلِ عَلَى ذَلِكَ وَلِنُدُورِ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ.
(وَ) مَفْهُومُ قَدْرِ الثُّلُثِ أَنَّ (مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ) أَيْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مُجَوِّزٌ لِذَهَابِ مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ بِأَكْلِ طَيْرٍ أَوْ سُقُوطِ بَعْضِ الثَّمَرَةِ بِرِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ كَالْمَوْزِ وَالْمَقَاثِي، وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ، وَمِنْ عَرِيَّةٍ لَا مَهْرٍ إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ الْمَكِيلَةِ، وَلَوْ مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ وَبَقِيَتْ؛ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا، وَأُفْرِدَتْ أَوْ أُلْحِقَ أَصْلُهَا لَا عَكْسُهُ أَوْ مَعَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ مَا فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» وَفِيهِ أَيْضًا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك تَمْرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ تَأْخُذَ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ» وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُصِيبَ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الْوَضْعِيَّةُ» فَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُقَيِّدٌ لِإِطْلَاقِ الَّتِي قَبْلَهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِالثُّلُثِ فِي غَيْرِ مَا ذَهَبَ بِسَبَبِ الْعَطَشِ، وَإِلَّا وُضِعَتْ مُطْلَقًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُوضَعُ بِسَبَبِ الْعَطَشِ، وَإِنْ قَلَّتْ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ لَمَّا كَانَ عَلَى الْبَائِعِ أَشْبَهَ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ.
الثَّانِي: مِثْلُ ذَهَابِ ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ ذَهَابُ ثُلُثِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَتْ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعْيِينُهَا كَذَلِكَ فَإِنَّ التَّشْبِيهَ فِي مُطْلَقِ الذَّهَابِ لَا بِقَيْدِ الْمَكِيلَةِ، فَإِنْ أَذْهَبَ التَّعْيِيبُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي ثُلُثُ الثَّمَنِ.
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْوَضْعِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَقِيَتْ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا قَالَ: (وَلَا جَائِحَةَ فِي الزَّرْعِ) كَالْقَمْحِ وَالْفُولِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ إلَّا بَعْدَ يُبْسِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، فَتَأْخِيرُهُ مَحْضُ تَفْرِيطٍ مَعَ الْمُشْتَرِي فَلَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ.
(وَلَا فِيمَا اُشْتُرِيَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ مِنْ الثِّمَارِ) وَتَنَاهَى طِيبُهُ وَفَاتَ أَوَانُ قَطْعِهِ عَلَى الْمُعْتَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَنَاهَتْ الثَّمَرَةُ فَلَا جَائِحَةَ كَالْقَصَبِ الْحُلْوِ وَيَابِسِ الْحَبِّ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ زَمَانِ قَطْعِهِ عَلَى الْعَادَةِ مَحْضُ تَفْرِيطٍ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَلَوْ أَذْهَبَتْ الْجَائِحَةُ جَمِيعَهُ، وَأَمَّا لَوْ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ لَحُطَّتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ تَأْخِيرِهَا لِتَنَاهِي طِيبِهَا.
(تَنْبِيهٌ) . فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحُبُوبِ فِي الْأَنْدَرِ لَكِنْ عَلَى تَفْصِيلٍ مُحَصَّلُهُ: إنْ وَقَعَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا صُبْرَةً فَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْجَوَازِ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْكَيْلِ أَوْ الْجُزَافِ بِشُرُوطِهِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ نَقْشِهِ وَقَبْلَ دَرْسِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ، وَأَمَّا بَعْدَ دَرْسِهِ وَقَبْلَ تَذْرِيَتِهِ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ بَيْعُ حِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وَتِبْنٍ، وَإِنْ بِكَيْلِ وَقْتٍ جُزَافًا لَا مَنْفُوشًا، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي جَوَازِ بَيْعِ الزَّرْعِ قَائِمًا لَكِنْ بِشُرُوطِ الْجُزَافِ، وَيَجُوزُ الْمُبْتَغَى مِنْهُ مِنْ حَبٍّ وَغَيْرِهِ كَالْبِرْسِيمِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ التَّحْدِيدِ بِالثُّلُثِ مُخْتَصًّا بِالثِّمَارِ قَالَ: (وَتُوضَعُ) عَنْ الْمُشْتَرِي (جَائِحَةُ الْبُقُولِ، وَإِنْ قَلَّتْ) وَنَقَصَتْ عَنْ الثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجَاحُ شَيْئًا قَلِيلًا جِدًّا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُوضَعُ مِنْ الْعَطَشِ، وَإِنْ قَلَّتْ كَالْبُقُولِ تَشْبِيهٌ فِي الْوَضْعِ، وَإِنْ قَلَّتْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْعَطَشِ، وَالْمُرَادُ بِالْبُقُولِ مَا لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْخَسِّ وَالْجَزَرِ وَالسَّلْقِ وَالْكُزْبَرَةِ وَالْهُنْدُبَا وَالزَّعْفَرَانِ وَالرِّيحَانِ وَالْقَرَظِ وَوَرَقِ التُّوتِ وَالْبَصَلِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُوضَعُ مِنْهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ الثُّلُثِ لِعُسْرِ مَعْرِفَةِ ثُلُثِهَا؛ لِأَنَّهَا تُقْطَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
(وَقِيلَ لَا يُوضَعُ إلَّا قَدْرُ الثُّلُثِ) قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ وَهَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ.
وَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَضْعِهَا مُطْلَقًا وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَحَكَى هَذَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ.
(تَنْبِيهٌ) . فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ بَيْعِ مَغِيبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ وَالْبَصَلِ وَالْفُجْلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبُقُولِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حَالِ بَيْعِهَا أَنْ يُقْلَعَ مِنْهَا شَيْءٌ وَيَرَاهُ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِهَا، وَلَكِنْ ذَكَرَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي فِي جَوَازِ بَيْعِ مَغِيبِ الْأَصْلِ رُؤْيَةُ ظَاهِرِهِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِرُؤْيَةِ وَرَقِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَرْبَابِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ.
(خَاتِمَةٌ عَزِيزَةُ الْوُجُودِ) . مِمَّا هُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْجَائِحَةِ عَدَمُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، مِنْ ذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ وَرَقَ تُوتٍ لِيُطْعِمَهُ لِدُودِ الْحَرِيرِ فَيَمُوتَ الدُّودُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا لَوْ اكْتَرَى حَمَّامًا أَوْ فُنْدُقًا فِي بَلَدٍ فَخُلِّيَ الْبَلَدُ وَلَوْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّمُ أَوْ يَسْكُنُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً لِيَبِيعَهَا فِي بَلَدٍ فَخَرِبَ الْبَلَدُ، أَوْ اشْتَرَى عَلَفًا لِيَبِيعَهُ لِقَافِلَةٍ تَأْتِي مِنْ طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ فَعَدَلَتْ عَنْهُ، وَوَجْهُ تَنَزُّلِ مَا ذُكِرَ مَنْزِلَةَ الْجَائِحَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ الْفَسْخُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ أَوْ الْكِرَاءُ.
[حُكْمِ شِرَاءِ الْعَرَايَا]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى إطْعَامِ الْجَائِحَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ شِرَاءِ الْعَرَايَا جَمْعُ عَرِيَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ
أَعْرَى ثَمَرَ نَخَلَاتٍ لِرَجُلٍ مِنْ جِنَانِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إذَا أَزْهَتْ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يُعْطِيهِ ذَلِكَ عِنْدَ الْجِذَاذِ إنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلُّ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إلَّا بِالْعَيْنِ وَالْعَرْضِ.
[الفواكه الدواني]
مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَرَوْتُهُ أَعْرُوهُ إذَا طَلَبْتُ مَعْرُوفَهُ، فَعَرِيَّةٌ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ بَعْضٌ: هِبَةُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ لِشَخْصٍ يَأْكُلُهَا هُوَ أَوْ عِيَالُهُ فِي عَامٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ثَمَرِ النَّخْلِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَعْرَى) أَيْ وَهَبَ (ثَمَرَ نَخَلَاتٍ) أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا تَيْبَسُ ثَمَرَتُهُ بِالْفِعْلِ إذَا تُرِكَتْ، وَلَا يَكْفِي يُبْسُ نَوْعِهَا وَذَلِكَ كَثَمَرِ نَخْلٍ غَيْرِ مِصْرَ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ، كَذَلِكَ لَا ثَمَرَ مَا ذُكِرَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَلَا فِي مَوْزٍ وَلَا رُمَّانٍ وَلَا تُفَّاحٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَيْبَسُ (لِرَجُلٍ) الْمُرَادُ لِشَخْصٍ وَلَوْ امْرَأَةً (مِنْ جِنَانِهِ) أَيْ الْمُعْرِي.
وَأَمَّا لَوْ أَعْرَى رَجُلًا ثَمَرَ نَخْلٍ آخَرَ لَكَانَتْ عَرِيَّتُهُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْإِنْسَانِ بِمِلْكِ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَجَازَ الْغَيْرُ كَانَ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِإِجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، وَلَا يُحْتَرَزُ بِقَوْلِ مِنْ جِنَانِهِ عَنْ عَرِيَّةِ جَمِيعِ ثَمَرِ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَمِنْ شَرْطِيَّةٍ، وَأَعْرَى فِعْلُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ (فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا) أَيْ يَجُوزُ لِمُعْرِيهَا شِرَاؤُهَا (بِخِرْصِهَا) بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ بِكَيْلِهَا (تَمْرًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ اشْتِرَاءَ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ كَلَوْزٍ لَا كَمَوْزٍ، وَتِلْكَ الرُّخْصَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ رِبَا الْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِنَوْعِهَا وَخِرْصِهَا مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ وَرِبَا النَّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ بِخِرْصِهَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ عِنْدَ الْجِذَاذِ.
وَالْمُزَابَنَةُ، وَهِيَ بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ مِنْ نَوْعِهِ وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ فِي هَذَا الْأَخِيرِ الْكَرَاهَةَ، وَمَعْنَى رُخِّصَ أُبِيحَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا جَائِزَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخِرْصِهَا مِنْ الثَّمَرِ بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي، وَحَدِيثِ سَهْلٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ» إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخِرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا، وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (إذَا أَزْهَتْ) أَيْ بَدَا صَلَاحُهَا فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْعَرِيَّةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لِكَوْنِ شِرَائِهَا رُخْصَةً حَتَّى قَالَ الْبَاجِيُّ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَفَسَّرْنَا الزُّهُوَّ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْبَلَحِ الْمُخْتَصِّ بِالزُّهُوِّ الَّذِي هُوَ الِاحْمِرَارُ أَوْ الِاصْفِرَارُ.
وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بِخِرْصِهَا أَيْ بِكَيْلِهَا بِأَنْ يَقُولَ الْخَارِصُ أَيْ الْحَازِرُ الْعَارِفُ: إذَا جَفَّتْ تَصِيرُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ، فَيُعْطَى الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ مَكِيلَةَ ذَلِكَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْجِذَاذِ، وَإِذَا جُذَّتْ فَوُجِدَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ فِي الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ فِي الثَّانِي، وَقِيلَ إنَّهُ حُكْمٌ مَضَى.
وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ خِرْصُهَا مِنْ نَوْعِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الصَّيْحَانِيِّ عَنْ الْبَرْنِيِّ وَلَا الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ، وَأَوْلَى فِي الْمَنْعِ بَيْعُهَا بِعَرَضٍ أَوْ دِرْهَمٍ،، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ (يُعْطِيَهُ) أَيْ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ لِلْمُعْرَى بِالْفَتْحِ (ذَلِكَ) الْخِرْصَ (عِنْدَ الْجِذَاذِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَطْعِ الثَّمَرَةِ.
وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ أَكْثَرَ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلُّ) وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُعْرِي بِالْكَسْرِ (شِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إلَّا بِالْعَيْنِ وَالْعَرَضِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلُّ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْأَكْثَرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِخِرْصِهَا وَالزَّائِدُ يَشْتَرِيهِ بِعَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ، وَمَعَهُ لِلْقَدْرِ الْمُرَخَّصِ فِي شِرَائِهِ، وَأَمَّا شِرَاءُ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِعَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ فَيَجُوزُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعَرِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْرَاهُ عَرَايَا فِي حَوَائِطَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا إنْ كَانَتْ الْعَرَايَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَكَعَرِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَشْتَرِي مِنْهَا إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ تَعَدُّدِ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ وَاتِّحَادِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَوَّاقُ (تَنْبِيهٌ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الْعَرِيَّةِ.
وَإِنَّمَا اسْتَوْفَاهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ اشْتِرَاءَ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ إنْ لَفْظَ بِالْعَرِيَّةِ وَبَدَا صَلَاحُهَا وَكَانَ بِخِرْصِهَا وَنَوْعِهَا، وَأَنْ لَا يَدْخُلَا عَلَى شَرْطِ تَعْجِيلِهَا بَلْ دَخَلَا عَلَى الْوَفَاءِ عِنْدَ الْجِذَاذِ أَوْ سَكَتَا وَلَوْ عَجَّلَ الْخِرْصَ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ لَوْ شَرَطَا التَّعْجِيلَ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا، وَلَوْ جَذَّهَا رُطَبًا رَدَّ الْمِثْلَ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ، وَأَنْ يَكُونَ الِاشْتِرَاءُ إمَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِدُخُولِ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ حَائِطَ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ، أَوْ لِلْمَعْرُوفِ رِفْقًا بِالْمُعْرَى بِالْفَتْحِ بِكِفَايَتِهِ الْحِرَاسَةَ وَالْمُؤْنَةَ.
وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُرَخَّصُ فِي شِرَائِهَا، كَمَا لَا يُرَخَّصُ لِغَيْرِ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ لِمَا عَلِمْت مِنْ اسْتِثْنَائِهَا مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ الْقُرَبِ فَقَالَ.
بَابٌ فِي الْوَصَايَا وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَلَاءِ وَيَحِقُّ عَلَى مَنْ لَهُ مَا يُوصِي فِيهِ أَنْ يُعِدَّ وَصِيَّتَهُ.
وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ.
وَالْوَصَايَا خَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ وَيُرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ
[الفواكه الدواني]
[بَابٌ فِي الْوَصَايَا]
(بَابٌ فِي) الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ (الْوَصَايَا)
جَمْعُ وَصِيَّةٍ وَهِيَ لُغَةً: الْوَصْلُ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ صِيتَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذَا وَصَلْته بِهِ، كَأَنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا أَوْصَى بِالشَّيْءِ وَصَلَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِمَا قَبْلَهُ فِي نُفُوذِ التَّصَرُّفِ.
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ لَا الْفُرَّاضِ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَهُ، فَمَا يُوجِبُ حَقًّا فِي رَأْسِ مَالِهِ مِمَّا عَقَدَهُ فِي صِحَّتِهِ لَا يُسَمَّى وَصِيَّةً كَمَا خَرَجَ مَا يَلْزَمُ بِدُونِ الْمَوْتِ كَالْتِزَامِ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِشَخْصٍ وَزَادَ قَوْلَهُ: أَوْ نِيَابَةً عَطْفًا عَلَى حَقًّا لِيَدْخُلَ الْإِيصَاءُ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُرَّاضِ فَهِيَ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ فَقَطْ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنْ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْفُرَّاضِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عِنْدَ الْفُرَّاضِ قَاصِرَةٌ عَلَى الْإِيصَاءِ بِمَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَتَنَوَّعَ إلَى وَصِيَّةِ نِيَابَةٍ عَنْ الْمُوصِي، كَالْإِيصَاءِ عَلَى الْأَطْفَالِ وَعَلَى قَبْضِ الدُّيُونِ وَتَفْرِقَةِ التَّرِكَةِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَرَفَةَ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّوْعَيْنِ.
(وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ (الْمُدَبَّرِ) وَهُوَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ عَلَى الْمَوْتِ وَيَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ.
(وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (الْمُكَاتَبِ) وَهُوَ الْمُعْتَقُ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ يَدْفَعُهُ لِسَيِّدِهِ.
(وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (الْمُعْتَقِ) لَا عَلَى وَجْهِ التَّدْبِيرِ وَلَا الْكِتَابَةِ، كَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ أَوْ لِلْمُثْلَةِ أَوْ لِلسِّرَايَةِ أَوْ لِلْمِلْكِ.
(وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (أُمِّ الْوَلَدِ) وَهِيَ الْحُرُّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا.
(وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (الْوَلَاءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ مِنْ الْوَلَايَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ مِنْ النَّسَبِ وَالْعِتْقِ وَأَصْلُهُ الْوَلِيُّ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَأَمَّا مِنْ الْإِمَارَةِ وَالتَّقَدُّمِ فَبِالْكَسْرِ وَقِيلَ بِالْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا، وَالْمَوْلَى لُغَةً يُقَالُ لِلْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ وَأَبْنَائِهِمَا، وَلِغَيْرِهِمَا كَالنَّاصِرِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْقَرِيبِ، وَالْمُرَادُ هُنَا وَلَايَةُ الْإِنْعَامِ وَالْعِتْقِ، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُكْمَ الْعُصُوبَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَهَذِهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ جَمَعَهَا فِي تَرْجَمَةِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ.
وَشَرَعَ فِي بَيَانٍ عَلَى التَّفْصِيلِ فَقَالَ: (وَيَحِقُّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهَا (عَلَى مَنْ لَهُ مَا) أَيْ مَالٌ (يُوصِي فِيهِ أَنْ يُعِدَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَعَدَّ أَيْ يَحْصُرُ وَيُهَيِّئُ (وَصِيَّتَهُ) وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا بِدُونِ الْإِشْهَادِ لَا يَجِبُ تَنْفِيذُهَا وَتَبْطُلُ وَلَوْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُوصِي لِاحْتِمَالِ رُجُوعِهِ عَنْهَا إلَّا يَقُولَ: مَا وَجَدْتُمْ بِخَطِّ يَدِي فَأَنْفِذُوهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ مَا يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» وَحَمَلَ الْحَدِيثَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمَوْتِ فَجْأَةً.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ، إلَّا أَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا ضَيَاعَ الْحَقِّ عَلَى أَرْبَابِهِ إنْ لَمْ يُوصِ فَتَجِبُ، وَلِذَا قَسَّمَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: فَتَجِبُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَتُنْدَبُ إذَا كَانَتْ بِقُرْبَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، وَتَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا كَالْإِيصَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَتُكْرَهُ إذَا كَانَتْ بِمَكْرُوهٍ أَوْ فِي مَالِ فَقِيرٍ، وَتُبَاحُ إذَا كَانَتْ بِمُبَاحٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، وَإِنْفَاذُهَا يَنْقَسِمُ إلَى تِلْكَ الْأَقْسَامِ هَكَذَا قَالَا، وَبَحَثَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ قَائِلًا: الصَّوَابُ أَنَّ تَنْفِيذَهَا فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ مَا عَدَا الْمُحَرَّمَ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُمَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّنْفِيذُ مِنْ الْمُوصِي نَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إنْفَاذُ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَيُنْدَبُ لَهُ إنْفَاذُ الْمَنْدُوبَةِ بِمَعْنَى عَدَمِ رُجُوعِهِ، وَالْمُبَاحَةُ يُبَاحُ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَأَمَّا مُتَوَلِّي أَمْرِ التَّرِكَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ حَتَّى الْمُبَاحَةِ
إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ.
وَالْعِتْقُ بِعَيْنِهِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهَا وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا فِي الْمَرَضِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ وَعَلَى مَا
[الفواكه الدواني]
وَالْمَكْرُوهَةُ، كَالْإِيصَاءِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى قَبْرِهِ، وَكَالْإِيصَاءِ بِبِنَاءِ قُبَّةٍ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْمُبَاهَاةِ، وَكَالْإِيصَاءِ بِالْحَجِّ عَنْهُ، أَوْ الْإِيصَاءِ بِعَمَلِ مَوْلِدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ أَوْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَنْ لَهُ مَالٌ يَشْمَلُ الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ وَالْكَبِيرَ وَالسَّفِيهَ الْمُسْلِمَ أَوْ الْكَافِرَ، فَيُوَافِقُ قَوْلَ خَلِيلٍ: صَحَّ إيصَاءُ حُرٍّ مُمَيِّزٍ مَالِكٍ وَإِنْ سَفِيهًا وَصَغِيرًا وَكَافِرًا إلَّا بِكَخَمْرٍ لِمُسْلِمٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْمِلْكُ لِمَا أَوْصَى بِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغٌ وَلَا رُشْدٌ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إنْ كَانَ صَبِيًّا بُلُوغُهُ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَارَبَهَا، وَأَنْ يَكُونَ ضَابِطًا بِحَيْثُ لَا يَخْلِطُ فِي وَصِيَّتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى الضَّبْطِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ وَإِنْ صَحَّتْ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ وَالسَّفِيهِ مَعَ تَبْذِيرِهِ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، فَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِمَا فِي الْوَصِيَّةِ لَكَانَ الْحَجْرُ لِحَقِّ الْغَيْرِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لِلْمُوصَى بِهِ شَرْعًا حَالًا أَوْ مَالًا وَلَوْ حُكْمًا، فَيَدْخُلُ الْإِيصَاءُ لِلْحَمْلِ وَيَسْتَحِقُّ إنْ اسْتَهَلَّ وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَغَلَّةُ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ اسْتِهْلَالِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي بِالْكَسْرِ، وَتَصِحُّ لِلْمَيِّتِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ، وَتُصْرَفُ فِي دَيْنِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ تُدْفَعُ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ فَتَكُونُ بَاطِلَةً، وَيَدْخُلُ بِقَوْلِي وَلَوْ حُكْمًا الْإِيصَاءُ لِنَحْوِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْقَنْطَرَةِ، وَيَخْرُجُ بِقَوْلِي شَرْعًا إيصَاءُ الْكَافِرِ بِالْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ لِمُسْلِمٍ فَلَا تَصِحُّ وَإِنْ صَحَّتْ مِنْهُ بِذَلِكَ لِكَافِرٍ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِيغَتَهَا وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ مِنْ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ أَوْ خَطٍّ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ تَنْفِيذُهَا إلَّا بِإِشْهَادِ الْمُوصِي عَلَيْهَا لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَنْهَا مَا دَامَ حَيًّا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ؟ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ ثَبَتَ أَنْ عَقَدَهَا خَطُّهُ أَوْ قَرَأَهَا وَلَمْ يُشْهِدْ أَوْ لَمْ يَقُلْ أَنْفِذُوهَا لَمْ تَنْفُذْ وَلَهُمْ الشَّهَادَةُ حَيْثُ أَشْهَدَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ الْكِتَابَ وَلَا فَتَحَهُ لَهُمْ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ حَيْثُ أَشْهَدَهُمْ عَلَى مَا فِيهَا أَوْ قَالَ لَهُمْ: أَنْفِذُوا وَصِيَّتِي.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ لَا تَصِحُّ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا وَصِيَّةَ) صَحِيحَةٌ (لِوَارِثِ) الْمُوصِي حِينَ مَوْتِهِ لَا حِينَ الْإِيصَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوَارِثُ يَصِيرُ غَيْرَ وَارِثٍ وَعَكْسُهُ الْمُعْتَبَرُ مَالُهُ فَتَصِحُّ لِابْنِ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْوَارِثِ، كَمَا تَصِحُّ لِأَخِيهِ إذَا طَرَأَ لَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ حَجْبَ حِرْمَانٍ وَقَدَّرْنَا مُتَعَلِّقَ الْمَجْرُورِ صَحِيحَهُ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَمِثْلُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ الْوَصِيَّةُ لِبَعْضِ عَبِيدِ الْوَرَثَةِ حَيْثُ كَانَتْ بِشَيْءٍ لَهُ بَالٌ، بِخِلَافِهَا لِعَبْدِ الْوَارِثِ الْمُتَّحِدِ فَتَصِحُّ حَيْثُ كَانَ يَجُوزُ جَمْعُ الْمَالِ أَوْ وَقَعَتْ بِتَافِهٍ أَوْ قَصَدَ بِهِ الْعَبْدَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَصِحُّ لِعَبْدِ وَارِثِهِ إنْ اتَّحَدَا وَبِتَافِهٍ أُرِيدَ بِهِ الْعَبْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
(تَنْبِيهٌ) كَمَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ تَبْطُلُ أَيْضًا بِارْتِدَادِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوصَى لَهُ وَلَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ لِلْإِسْلَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا تُسْقِطُهُ الرِّدَّةُ: وَإِحْصَانًا وَوَصِيَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ بِكِتَابٍ فَتَصِحُّ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ، وَكَذَا تَبْطُلُ إذَا وَقَعَتْ بِمَعْصِيَةٍ كَالْإِيصَاءِ بِشَيْءٍ لِمَنْ يَشْرَبُ بِهِ خَمْرًا، أَوْ بِشَيْءٍ لِمَنْ يُصَلِّي أَوْ يَصُومُ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَرْجِعُ مِيرَاثًا، بِخِلَافِ الْإِيصَاءِ بِالْمَكْرُوهِ كَالْإِيصَاءِ بِضَرْبِ قُبَّةٍ لَا بِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ أَوْ بِفِعْلِ ضَحِيَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَكْرُوهٌ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا.
[الْإِيصَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ]
ثُمَّ بَيَّنَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْوَصَايَا) الصَّحِيحَةُ الْوَاجِبَةُ التَّنْفِيذِ (خَارِجَةٌ) أَيْ مَصْرُوفَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ (مِنْ الثُّلُثِ) فَلَا يَجُوزُ الْإِيصَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ وَقَعَ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ لَمْ تَصِحَّ.
(وَيَرُدُّ) بِمَعْنًى يُبْطِلُ (مَا زَادَ عَلَيْهِ) أَيْ الثُّلُثِ وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ شَيْئًا يَسِيرًا.
(إلَّا أَنْ تُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ) الْبَالِغُونَ الرُّشَدَاءُ فَتَكُونَ الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لَهُمْ، وَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ مَضَتْ حِصَّةُ الْمُجِيزِ وَرُدَّتْ حِصَّةُ الْمُمْتَنِعِ لَهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَالْوَصَايَا خَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ ظَاهِرُهُ مِنْ ثُلُثِ جَمِيعِ مَالِ الْمُوصِي الْمَعْلُومِ لَهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَجْهُولِ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا تَخْرُجُ إلَّا مِنْ ثُلُثِ مَا عُلِمَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَوْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِ تَدْبِيرِهِ فِي الْمَرَضِ فَيَكُونُ كَالْوَصِيَّةِ، وَفِي الصِّحَّةِ فَيَكُونُ فِي الثُّلُثِ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ كَصَدَاقِ الزَّوْجَةِ الْمَنْكُوحَةِ فِي الْمَرَضِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ وَمُدَبَّرٌ إنْ كَانَ فَمَرِضَ فِيمَا عُلِمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُدَبَّرِ الصِّحَّةِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ عَقْدَ التَّدْبِيرِ لَازِمٌ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَقْدُهَا مُنْحَلٌّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا دَامَ حَيًّا، وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ الرُّجُوعِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضٌ: الثَّانِي: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِرَدِّ مَا زَادَ بِعَدَمِ رَدِّ الثُّلُثِ كَمَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَيْسَ لَهَا رَدُّ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ الزَّوْجِ تَتَبَرَّعُ زَوْجَتُهُ بِأَكْثَرَ فَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ تَبَرُّعِهَا وَزَائِدِ الْوَصِيَّةِ بِأَنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ تَقْصِدُ بِتَبَرُّعِهَا بِالزَّائِدِ ضَرَرَ زَوْجِهَا بِخِلَافِ الْمُوصِي، وَبِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ رَدَّ زَوْجُهَا جَمِيعَ تَبَرُّعِهَا يُمْكِنُهَا التَّبَرُّعُ
فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ فَأَوْصَى بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّأٌ عَلَى الْوَصَايَا وَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ تَحَاصَّ أَهْلُ الْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا.
وَلِلرَّجُلِ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ.
وَالتَّدْبِيرُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مُدَبَّرٌ
[الفواكه الدواني]
بِثُلُثِهَا، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ قَدْ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ سَرِيعًا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِيصَاءُ بَعْدَ رَدِّ الْجَمِيعِ فَيَفُوتُ الْقَصْدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَلْ الْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمُوصَى حِينَ الْإِيصَاءِ أَوْ حِينَ الْمَوْتِ؟ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثُلُثُهُ يَوْمَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَهُ لَا يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ يَوْمِ التَّنْفِيذِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَوْمَ الْمَوْتِ بِحَيْثُ يَحْمِلُ ثُلُثُهُ الْمَالَ الْمُوصَى بِهِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ التَّنْفِيذِ نَحْوَ جَائِحَةٍ حَتَّى قَلَّ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وَصِيَّةِ الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ.
(خَاتِمَةٌ) الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا التَّزَوُّدُ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَبْدَأُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ عَنْ حَمْلِ جَمِيعِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ بِقَوْلِهِ: (وَالْعِتْقُ) الْمُوصَى بِهِ لِعَبْدٍ (بِعَيْنِهِ) وَهُوَ يَشْمَلُ مَا كَانَ عِنْدَهُ وَأَوْصَى بِعِتْقِهِ كَأَعْتِقُوا عَبْدِي مَرْزُوقًا، وَيَشْمَلُ مَا أَوْصَى بِشِرَائِهِ كَاشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ الْمُعَيَّنِ وَاعْتِقُوهُ، وَيَشْمَلُ مَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ نَاجِزًا أَوْ إلَى شَهْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَشْمَلُ مَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَالٍ وَعَجَّلَهُ أَوْ بِكِتَابَتِهِ وَعَجَّلَهَا.
(مُبَدَّأٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ أَوْ بِكِتَابَةِ عَبْدٍ أَوْ عِتْقِهِ عَلَى مَالٍ وَمَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ دَفْعِ الْكِتَابَةِ وَالْمَالِ وَلَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ الْجَمِيعَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ مُبَدَّأٌ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا.
(وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ) عِنْدَ الضِّيقِ (عَلَى مَا) أَوْصَى بِهِ.
(فِي) حَالِ (الْمَرَضِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ تَدْبِيرَ الصِّحَّةِ لَازِمٌ بِخِلَافِهِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ مُنْحَلٌّ (وَ) كَذَا يُقَدَّمُ الْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ أَيْضًا (عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ) حَتَّى مَاتَ (فَأَوْصَى بِهِ) أَيْ بِإِخْرَاجِهِ (فَإِنَّ ذَلِكَ) الْمُفَرِّطَ فِيهِ يَكُونُ (فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّأً عَلَى الْوَصَايَا) فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، وَقَوْلُهُ: (وَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ زَكَاةِ الْعَيْنِ وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهِ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ ارْتَكَبَهُ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِحُلُولِ مَا فَرَّطَ فِيهِ وَبَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَيُوصِي بِإِخْرَاجِهِ وَإِلَّا أَخْرَجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ أَشْهَدَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ بِحُلُولِهَا وَبَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَمَفْهُومُ فَأَوْصَى بِهِ أَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِالتَّفْرِيطِ وَلَمْ يُوصِ بِالْإِخْرَاجِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثٍ وَلَا رَأْسِ مَالٍ، وَمَفْهُومُ فَرَّطَ أَنَّ زَكَاةَ عَامِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَيْسَ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَحُكْمُهَا أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَعَرَّفَهُ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ أَوْصَى بِهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَمْ تَخْرُجْ لَا مِنْ ثُلُثٍ وَلَا رَأْسِ مَالٍ وَتُؤْمَرُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْرَفُ حُلُولُهَا إلَّا مِنْهُ فَإِنْ أَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا لَمْ يَخْرُجْ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَهَا، وَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَمَتَى اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا، شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي مَعْرِفَةِ حُلُولِهَا أَمْ لَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ زَكَاةِ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا أَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ قَدْ يُخْرِجُهَا وَلَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ إخْرَاجُهَا إلَّا إذَا أَوْصَى بِهِ، بِخِلَافِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِتْقَ لِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ إنَّمَا يُبْدَأُ عَلَى بَعْضِ الْوَصَايَا لَا عَلَى جَمِيعِهَا خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَبَيَّنَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ الَّذِي يُقَدَّمُ مِنْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ بَيَانِ تَرْتِيبِهَا بِقَوْلِهِ: وَقُدِّمَ لِضِيقِ الثُّلُثِ فَكُّ الْأَسِيرِ الَّذِي أَوْصَى بِفِدَائِهِ، ثُمَّ مُدَبَّرُ الصِّحَّةِ، ثُمَّ صَدَاقُ الْمَرِيضِ، ثُمَّ زَكَاةٌ أَوْصَى بِهَا إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِحُلُولِهَا وَيُوصِيَ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ، ثُمَّ زَكَاةُ الْفِطْرِ، ثُمَّ عِتْقُ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَسَعْهُمَا، ثُمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ثُمَّ كَفَّارَةُ فِطْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ كَفَّارَةُ التَّفْرِيطِ فِي قَضَائِهِ، ثُمَّ النَّذْرُ ثُمَّ الْعِتْقُ الْمُبْتَلُّ فِي الْمَرَضِ وَالْمُدَبَّرُ فِيهِ، ثُمَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ أَوْ يَشْتَرِي أَوْ لِكَشَهْرٍ أَوْ بِمَا فَعَجَّلَهُ، ثُمَّ الْمُوصَى بِكِتَابَتِهِ وَالْمُعْتَقُ بِمَالٍ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ بَعْدُ، ثُمَّ الْعِتْقُ لِسَنَةٍ ثُمَّ الْمُعْتَقُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا ثُمَّ عِتْقٌ لَمْ يُعَيَّنْ، ثُمَّ حَجٌّ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيَتَحَاصَّانِ، ثُمَّ عِتْقٌ لَمْ يُعَيَّنْ وَمُعَيَّنُ غَيْرِهِ وَجُزْئِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ.
[أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَّحِدَةِ الرُّتْبَةِ وَيَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَّحِدَةِ الرُّتْبَةِ وَيَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ) أَيْ لَمْ يَسَعْ جَمِيعَ مَا أَوْصَى بِهِ (تَحَاصَّ أَهْلُ الْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا) كَمَا تَتَحَاصُّ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ فِي الْمَالِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ أَثْمَانِ مَا يَبِعْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ دُيُونِهِمْ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَالْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا هِيَ الَّتِي لَمْ يُرَتِّبْهَا الْمُوصِي وَلَا الشَّارِعُ، كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ مَثَلًا وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ، وَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَخْذِ أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ وَالْآخَرِ ثُلُثَهُ، لِأَنَّ مَقَامَ النِّصْفِ مِنْ اثْنَيْنِ وَالثُّلُثِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهُمْ مُتَبَايِنَانِ، فَيُضْرَبُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ بِسِتَّةٍ، هَذَا حَاصِلُ مَخْرَجِ الْوَصِيَّتَيْنِ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَالثُّلُثُ اثْنَانِ وَالْبَاقِي وَاحِدٌ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ اقْتَسَمَا الثُّلُثَ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَمَقَامُهُمَا مِنْ سِتَّةٍ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْمُحَاصَّةُ فَاجْعَلْهَا ثُلُثَ الْمَالِ يَكُونُ الْمَالُ خَمْسَةَ عَشَرَ، خَمْسَةٌ لِلْمُوصَى لَهُمْ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[الفواكه الدواني]
ثَلَاثَةٌ وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ اثْنَانِ وَتَبْقَى عَشَرَةٌ لِأَهْلِ الْفَرِيضَةِ، وَكَأَنْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ فَإِنَّك تَأْخُذُ مَقَامَ النِّصْفِ وَمَقَامَ الرُّبُعِ وَتَنْظُرُ بَيْنَهُمَا فَتَجِدُهُمَا مُتَدَاخِلَيْنِ فَتَكْتَفِي بِالْأَرْبَعَةِ فَتَأْخُذُ نِصْفَهَا وَرُبُعَهَا يَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثَةً، تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ سَهْمٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ، وَإِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَمِمَّا يَقَعُ فِيهِ التَّحَاصُصُ النَّذْرُ وَمُبْتَلُّ الْمَرِيضِ إذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُمَا لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ لَا يَتَحَاصَّانِ وَإِنَّمَا يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ مُتَّحِدِي الرُّتْبَةِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِهِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ وَعَدَمُ التَّحَاصُصِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْعَطِيَّةُ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَالْوَصِيَّةِ لَا تَلْزَمُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلِلرَّجُلِ) الْمُرَادُ الْمُوصِي مُطْلَقًا (الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ) مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاصِلَةِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ فِي انْحِلَالِ عَقْدِهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَعْدِ، وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَصِفَةُ الرُّجُوعِ أَنْ يَقُولَ: رَجَعْت عَنْ وَصِيَّتِي أَوْ نَسَخْتهَا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا تَبْطُلُ بِهِ وَبِرُجُوعٍ فِيهَا وَإِنْ يَمْرَضْ بِقَوْلٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَبِإِيلَادٍ وَحَصْدِ زَرْعٍ وَنَسْجِ غَزْلٍ وَصَوْغِ فِضَّةٍ وَحَشْوِ قُطْنٍ وَذَبْحِ شَاةٍ وَتَفْصِيلِ شَقَّةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ عَنْ وَصِيَّتِهِ وَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ عَدَمَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَبِهِ الْعَمَلُ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلَيْسَ مِنْ الْوَصِيَّةِ مَا تَبَلَهُ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، وَقَوْلُنَا: مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِيصَاءِ بِإِخْرَاجِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَوَاتِ وَالدُّيُونِ الَّتِي لَا شَاهِدَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلِمْت بِاعْتِرَافِهِ وَإِيصَائِهِ بِإِخْرَاجِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِاعْتِرَافِهِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ.
(تَتِمَّةٌ) تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ حَقًّا فِي ثُلُثِ الْعَاقِدِ، وَسَكَتَ عَنْ النَّوْعِ الثَّانِي وَهُوَ مَا أَوْجَبَ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُوصِي بَعْدَ مَوْتِهِ كَإِيصَائِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَصِيغَتُهَا: إنْ قَصُرَتْ عَمَّتْ كَاشْهَدُوا عَلَى أَنَّ فُلَانًا وَصِيٌّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَصِيًّا عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَيُزَوَّجُ صِغَارُ بَنِيهِ لِمَصْلَحَةٍ وَالْبَنَاتُ إذَا بَلَغْنَ، وَأَذِنَ بِالْقَوْلِ: إلَّا أَنْ يَأْمُرَ الْمُوصِي بِالْإِجْبَارِ أَوْ يُعَيَّنَ لَهُ الزَّوْجُ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَبْرُ وَصِيٍّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ وَإِلَّا فَخِلَافٌ، وَإِذَا طَالَ لَفْظُهَا بِأَنْ قَالَ: وَصِيِّي عَلَى الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ فَإِنَّهُ تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الَّذِي سَمَّاهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَصِيٌّ فَقَطْ يَعُمُّ وَعَلَى كَذَا يَخُصُّ بِهِ، وَاَلَّذِي يُوصِي عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْأَبُ الرَّشِيدُ أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ وَصِيُّ الْوَصِيِّ، وَكَذَا الْأُمُّ لَهَا الْإِيصَاءُ عَلَى الصَّغِيرِ بِشَرْطِ قِلَّةِ الْمَالِ وَعَدَمِ وَلِيٍّ لِلصَّغِيرِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ مَوْرُوثًا مِنْ الْأُمِّ، وَشَرْطُ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَدْلًا فِيهِ الْكِفَايَةُ، بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْجُورِ وَلَوْ أَعْمَى، أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا وَيَتَصَرَّفُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْقَبُولِ وَمَوْتِ الْمُوصِي وَإِنَّمَا يَعْزِلُهُ الْفِسْقُ وَالْعَجْزُ، هَذَا حُكْمُ وَصِيِّ النَّظَرِ، وَأَمَّا الْوَصِيُّ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ.
[أَحْكَام التَّدْبِير]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْوَصِيَّةِ شَرَعَ فِي ثَانِي الْأَبْوَابِ الْمُتَرْجِمِ لَهَا وَهُوَ التَّدْبِيرُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّدْبِيرُ) مَأْخُوذٌ مِنْ إدْبَارِ الْحَيَاةِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ مَا وَرَاءَهُ فَهُوَ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَالْجَارِحَةُ بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: التَّدْبِيرُ عِتْقُ الْعَبْدِ عَنْ دُبُرِ صَاحِبِهِ، وَمَعْنَاهُ شَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدٌ يُوجِبُ عَقْدَ مَمْلُوكٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، فَقَوْلُهُ: بَعْدَ مَوْتِهِ يَخْرُجُ بِهِ الْمُلْتَزَمُ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ الْمُبْتَلِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ إذَا لَمْ يَمُتْ، وَقَوْلُهُ: بِعَقْدٍ لَازِمٍ يَتَعَلَّقُ بِمُوجَبٍ أَخْرَجَ بِهِ الْوَصِيَّةَ، وَالْمُدَبَّرُ هُوَ الْمُعْتَقُ مِنْ ثُلُثِ السَّيِّدِ، سُمِّيَ مُدَبَّرًا لِأَنَّهُ يُعْتَقُ دُبُرَ حَيَاةِ السَّيِّدِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا أَقْبَلْت عَلَى اللَّهِ وَأَدْبَرْت عَنْ الدُّنْيَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] وَنَحْوُهُ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَهُ أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ: الْمُدَبِّرُ بِالْكَسْرِ وَشَرْطُهُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالرُّشْدُ.
قَالَ خَلِيلٌ: التَّدْبِيرُ تَعَلُّقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ وَإِنْ زَوْجَةً فِي زَائِدِ الثُّلُثِ الْعِتْقُ بِمَوْتِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ، فَلَا يُنَفَّذُ تَدْبِيرُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا مَدِينٍ، وَالْأَقْرَبُ لُزُومُهُ لِلسَّكْرَانِ كَعِتْقِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ الْوَصِيَّةُ اسْتِحْسَانًا، وَلِأَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، وَالْمُكَلَّفُ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ فَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ وَيَلْزَمُهُ وَيُؤْجَرُ لَهُ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْكَافِرِ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ السَّيِّدُ فَيَرْجِعَ لَهُ الْوَلَاءُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ قَرِيبُهُ كَافِرًا قَبْلَ التَّدْبِيرِ يَسْتَحِقُّ وَلَاءَهُ بَلْ يَسْتَمِرُّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا تَدْبِيرُ الْكَافِرِ عَبْدَهُ الْكَافِرِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ
أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي ثُمَّ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَهُ خِدْمَتُهُ وَلَهُ انْتِزَاعُ مَالِهِ مَا لَمْ يَرْضَ.
وَلَهُ وَطْؤُهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً.
وَلَا يَطَأُ الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ وَلَا يَبِيعُهَا وَلَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَهَا مَا لَمْ يَقْرَبْ الْأَجَلَ.
وَإِذَا مَاتَ فَالْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِهِ.
[الفواكه الدواني]
الرُّجُوعُ عَنْهُ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُدَبَّرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ كُلُّ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ مِنْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْمُدَبِّرِ بِكَسْرِ الْبَاءِ، فَإِنْ دَبَّرَ أَحَدَ شَرِيكَيْنِ تَقَاوَيَاهُ، فَإِنْ صَارَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا وَإِلَّا صَارَ كُلُّهُ رَقِيقًا.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ التَّدْبِيرُ وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: صَرِيحَةٌ وَكِفَايَةٌ، فَالصَّرِيحَةُ (أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ (لِعَبْدِهِ) أَيْ رَقِيقِهِ (أَنْتَ مُدَبَّرٌ) أَوْ دَبَّرْتُكَ (أَوْ) يَقُولَ (أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي) أَوْ أَنْتَ عَتِيقٌ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي وَنَحْوُهُ مِنْ كُلِّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى مَوْتِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّحَتُّمِ وَاللُّزُومِ، بِخِلَافِ تَقْيِيدِهِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَقَوْلِهِ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ سَفَرِي هَذَا فَهَذَا وَصِيَّةٌ لَا تَدْبِيرٌ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بَعْدَ الصِّيغَةِ الصَّرِيحَةِ: مَا لَمْ أَرْجِعْ عَنْهُ أَوْ مَا لَمْ أُغَيِّرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ وَصِيَّةً، وَالْكِفَايَةُ أَنْ يَقُولَ الْمَالِكُ فِي صِحَّتِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَمْ يُقَيِّدْ بِيَوْمٍ وَلَا شَهْرٍ أَوْ يَوْمَ أَمُوتُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ الْوُقُوعَ وَعَدَمَهُ، فَهَذَا وَصِيَّةٌ لَا تَدْبِيرٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّدْبِيرَ (ثُمَّ) إذَا وَقَعَ التَّدْبِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَازِمًا (لَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَبِّرِ بِكَسْرِ الْبَاءِ (بَيْعُهُ) وَلَا هِبَتُهُ لِوُقُوعِهِ عَقْدِهِ لَازِمًا وَبَيْعِهِ ذَرِيعَةً لِإِرْقَاقِهِ وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ لِلْحُرِّيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ» وَإِذَا وَقَعَ بَيْعُهُ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ أَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يَمْضِي بَيْعُهُ وَعِتْقُهُ الْوَاقِعُ بَعْدَهُ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُشْتَرِي، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلَا يُقَالُ بِشَكْلٍ عَلَى حُرْمَةِ الْبَيْعِ جَوَازُ الْمُقَاوَاةِ إذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ وَفِيهَا بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، لِأَنَّ جَوَازَ الْمُقَاوَاةِ مُسْتَثْنًى مِنْ حُرْمَةِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مَعَ احْتِمَالِ صَيْرُورَتِهِ مُدَبَّرَ الْجَمِيعِ أَيْضًا.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ حُرْمَةِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ دَيْنٌ عَلَى السَّيِّدِ تُدَايِنُهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُهُ فِي الدَّيْنِ، وَإِلَّا جَازَ بَيْعُهُ وَلَوْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ التَّدْبِيرِ فَلَا يُبَاعُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ وَيُبَاعُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ:
وَيُبْطِلُ التَّدْبِيرَ دَيْنٌ سَبَقَا ... إنْ سَيِّدٌ حَيًّا وَإِلَّا مُطْلَقَا
وَإِنَّمَا بَطَلَ التَّدْبِيرُ بِالدَّيْنِ الْمُتَأَخِّرِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يُعْتَقُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُدَبَّرُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ عَلَى حُكْمِ الرَّقِيقِ فِي خِدْمَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَعَدَمِ حَدِّ قَاذِفِهِ وَعَدَمِ قَتْلِ قَاتِلِهِ الْحُرِّ قَالَ: (وَلَهُ) أَيْ سَيِّدِ الْمُدَبَّرِ (خِدْمَتُهُ) فَيَسْتَخْدِمُهُ أَوْ يُؤَجِّرُهُ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ (إلَى أَنْ يَمُوتَ فَيُعْتَقُ حِينَئِذٍ) مَاتَ سَيِّدُهُ مَلِيًّا مِنْ ثُلُثِهِ (وَلَهُ) أَيْ سَيِّدِ الْمُدَبَّرِ أَيْضًا (انْتِزَاعُ مَالِهِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ (مَا لَمْ يَمْرَضْ) أَيْ السَّيِّدُ مَرَضًا مَخُوفًا وَإِلَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ انْتِزَاعُ مَالِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُنْتَزَعُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا فِيمَا اسْتَعَادَهُ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ صَدَاقٍ إنْ كَانَ الْمُدَبَّرُ أُنْثَى، وَأَمَّا مَا اسْتَفَادَهُ الْمُدَبَّرُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَخَرَاجِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهُ وَلَوْ مَرِضَ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِ.
(تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الْمُدَبَّرِ فِي عَدَمِ جَوَازِ انْتِزَاعِ مَالِهِ أُمُّ الْوَلَدِ، فَلَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا إذَا مَرِضَ انْتِزَاعُ مَالِهَا، وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ وَقَدْ قَرُبَ الْأَجَلُ، وَالْمُكَاتَبُ مُطْلَقًا، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، وَالْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا صَارَ مَدِينًا.
(وَ) كَمَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ خِدْمَةَ مُدَبَّرَةٍ فِي حَيَاتِهِ يَجُوزُ (لَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ النَّسَمَةُ الْمُدَبَّرَةُ (إنْ كَانَتْ أَمَةً) لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ إلَى الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ، وَإِذَا حَمَلَتْ الْمُدَبَّرَةُ مِنْ وَطْءِ سَيِّدِهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ تُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِذَا لَمْ تَحْمِلْ تُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ رَهْنِ الْمُدَبَّرِ وَكِتَابَتِهِ وَالْحُكْمُ جَوَازُ كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ إخْرَاجُهُ لِغَيْرِ حُرِّيَّةٍ كَبَيْعِهِ، وَأَمَّا رَهْنُهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يُبَاعَ لِلْغُرَمَاءِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ فِي الدَّيْنِ السَّابِقِ عَلَى التَّدْبِيرِ لَا الْمُتَأَخِّرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَأَمَّا عَلَى أَنْ لَا يُبَاعَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَوْ فِي الدَّيْنِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ التَّدْبِيرِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْمُعْتَقَةُ لِأَجَلٍ قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ قَالَ: (وَلَا) يَحِلُّ لِلسَّيِّدِ أَنْ (يَطَأَ) أَمَتَهُ (الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ) وَهِيَ الَّتِي قَالَ لَهَا سَيِّدُهَا: اُخْدُمِي وَأَنْتِ حُرَّةٌ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ مَثَلًا، وَإِنَّمَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا لِاحْتِمَالِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَتَخْرُجُ حُرَّةً فَيُشْبِهُ وَطْؤُهُ لَهَا نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ اقْتَحَمَ السَّيِّدُ النَّهْيَ وَوَطِئَهَا أُدِّبَ وَلَا يُحَدُّ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَتَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَيُعَجَّلُ عِتْقُهَا وَقِيلَ لَا يُعَجَّلُ لِبَقَاءِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا لَهُ إنْ جُرِحَتْ وَقِيمَتُهَا إنْ قُتِلَتْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا سَوَاءٌ عَجَّلَ عِتْقَهَا أَوْ بَقِيَتْ إلَى أَجَلِهَا.
(وَ) كَمَا لَا يَحِلُّ لِلسَّيِّدِ وَطْءُ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ (لَا يَبِيعُهَا) وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا لِإِشْرَافِهَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ.
(وَلَهُ) أَيْ سَيِّدِ الْمُعْتَقَةِ لِأَجْلِ (أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا) لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ.
(وَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَهَا) الَّذِي اسْتَفَادَتْهُ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
(مَا لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ) بِالشَّهْرِ وَمَا قَارَبَهُ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ انْتِزَاعُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ خَرَاجِهَا وَكَسْبِهَا وَأَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا فَلَهُ انْتِزَاعُهُ وَإِنْ قَرُبَ الْأَجَلُ، وَإِنَّمَا أَقْحَمَ الْكَلَامَ
وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ عَلَى مَا رَضِيَهُ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ مِنْ الْمَالِ مُنَجَّمًا قَلَّتْ النُّجُومُ أَوْ كَثُرَتْ.
فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ رَقِيقًا.
وَحَلَّ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْهُ.
وَلَا يُعَجِّزُهُ إلَّا السُّلْطَانُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ إذَا
[الفواكه الدواني]
عَلَى أَحْكَامِ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ مِنْ خِلَافِ أَحْكَامِ الْمُدَبَّرِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.
[صفة إخْرَاج الْمُدَبَّرِ وَعِتْقِهِ مِنْ الثُّلُثِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ إخْرَاجِ الْمُدَبَّرِ وَعِتْقِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَصِفَةِ عِتْقِ الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا مَاتَ) السَّيِّدُ (فَالْمُدَبَّرُ حُرٌّ) إذَا خَرَجَ (مِنْ ثُلُثِهِ) بِأَنْ كَانَ مَالُ السَّيِّدِ كَثِيرًا وَلَا دَيْنَ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَإِلَّا رَجَعَ رَقِيقًا، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُتَأَخِّرًا عَنْ التَّدْبِيرِ، وَشَرْطُ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ أَنْ لَا يَقْتُلَ سَيِّدَهُ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَقْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ وَبِقَتْلِ سَيِّدِهِ عَمْدًا وَبِاسْتِغْرَاقِ الدَّيْنِ لَهُ وَلِلتَّرِكَةِ وَبَعْضِهِ بِمُجَاوَزَةِ الثُّلُثِ، وَصِفَةُ خُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ أَنْ يَقُومَ مَعَ مَالِهِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ كَطُولِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِيَوْمِ النَّظَرِ لَا بِيَوْمِ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَيُقَالُ كَمْ يُسَاوِي عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ الْمَالِ كَذَا فَتَارَةً يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَيُعْتَقُ كُلُّهُ، كَمَا إذَا كَانَ مَالُهُ مِائَةً وَقِيمَتُهُ مِائَةً وَتَرَكَ السَّيِّدُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَيُقِرُّ مَالَهُ بِيَدِهِ، وَتَارَةً يَحْمِلُ الثُّلُثُ بَعْضَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ يَصِيرُ حُرًّا وَيَرِقُّ بَاقِيهِ وَيَتْرُكُ مَالَهُ بِيَدِهِ مِلْكًا لَهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ فِيهِ شَيْءٍ لِأَنَّهُ مَالٌ مُبَعَّضٌ وَالْمُبَعَّضُ لَا يُنْتَزَعُ مَالُهُ، مِثَالُهُ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَمَالُهُ مِائَةً وَتَرَكَ سَيِّدَهُ مِائَةً فَإِنَّهُ يُعْتَقُ نِصْفُهُ وَيَتْرُكُ مَالَهُ بِيَدِهِ لِأَنَّ قِيمَتَهُ بِمَالِهِ مِائَتَانِ وَثُلُثُ السَّيِّدِ مِائَةٌ وَهِيَ نِصْفُ الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا قِيمَتُهُ بِمَالِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُوِّمَ بِمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ إلَّا بَعْضَهُ عَتَقَ وَأَقَرَّ مَالَهُ بِيَدِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الثُّلُثِ، فَظَاهِرُهُ شُمُولُ ثُلُثِ الْمَالِ الْمَعْلُومِ لِلسَّيِّدِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَالْمَجْهُولُ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَبَّرِ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الَّذِي عَلِمَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا مَا كَانَ مَجْهُولًا لَهُ.
الثَّانِي: إنَّمَا قَيَّدْنَا بِيَوْمِ النَّظَرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ مَلَكَ بَعْضَ مَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ التَّنْفِيذِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ لِلْبَاقِي مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَالُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ السَّيِّدِ لَا يَحْمِلُ الْمُدَبَّرَ وَلَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَاضِرٍ مُوسِرٍ فَإِنَّهُ يُبَاعُ بِالنَّقْدِ، وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ اسْتَوْفَى بِقَبْضِهِ وَلَا بِيعَ الْمُدَبَّرُ إنْ أَرَادَ الْوَارِثُ بَيْعَهُ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ أَوْ أَيْسَرَ الْمُعْدِمُ بَعْدَ بَيْعِهِ عَتَقَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ قَدْ أَعْتَقَهُ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ عِتْقٍ إلَى عِتْقٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ يَرْجِعُ مُدَبَّرًا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَضِ عِتْقُهُ.
(وَ) إذَا انْقَضَى أَجَلُ (الْمُعْتِقِ إلَى أَجَلٍ) فَإِنَّهُ يَخْرُجُ حُرًّا (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) الْمَمْلُوكِ لِلسَّيِّدِ فَلَيْسَ كَالْمُدَبَّرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ جَارٍ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ لَازِمٌ فَلِذَا أُخْرِجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
[أَحْكَام الْكِتَابَة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي ثَالِثِ الْأَبْوَابِ الْمُتَرْجَمِ لَهَا وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ إمَّا مِنْ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ أَوْ مِنْ الْإِلْزَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4] أَيْ أَجَلٌ مُقَدَّرٌ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] أَيْ إلْزَامُكُمْ كَإِلْزَامِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: عِتْقٌ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ مِنْ الْعَبْدِ مَوْقُوفٍ عَلَى أَدَائِهِ، فَيَخْرُجُ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ مُعَجَّلٍ، وَيَخْرُجُ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَيَخْرُجُ الْعِتْقُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ وَهُوَ الْعِتْقُ الْمُبَتَّلُ وَالْعِتْقُ إلَى أَجَلٍ، وَقَوْلُهُ: مُؤَجَّلٌ أَخْرَجَ بِهِ الْقَطَاعَةَ وَهِيَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُهُ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ لِيَعْتِقَهُ سَرِيعًا، وَقَوْلُهُ: مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَائِهِ لِإِخْرَاجِ الْعِتْقِ النَّاجِزِ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُهُ الْعَبْدُ إلَى سَيِّدِهِ بَعْدَ أَجَلٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُكَاتَبُ) حُكْمُهُ حُكْمُ (عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَبَدَأَ بِذَلِكَ قَبْلَ بَيَانِ حُكْمِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ كَالدَّلِيلِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَةٍ دِرْهَمٌ» وَهَذَا مِنْ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَلَا يُحْجَزُ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، بِخِلَافِ أَنْوَاعِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ.
1 -
وَأَشَارَ إلَى حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْكِتَابَةُ) وَهِيَ عِتْقُ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ عَبْدَهُ (جَائِزَةٌ عَلَى مَا رَضِيَهُ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ مِنْ الْمَالِ) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُنَجَّمًا) أَيْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّ التَّنْجِيمَ التَّأْجِيلُ بِأَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: تَدْفَعُ إلَى كُلَّ نَجْمٍ بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.
(قَلَّتْ النُّجُومُ أَوْ كَثُرَتْ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاطُ التَّنْجِيمِ فَفِيهَا وَالْكِتَابَةُ عِنْدَ النَّاسِ مُنَجَّمَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَعَلَى قَوْلِ الْجَوَاهِرِ، وَشَرْطُ الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّمًا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ: ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ التَّنْجِيمَ شَرْطٌ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ كَمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّهَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً فَإِنْ وَقَعَتْ مَسْكُوتًا عَنْهَا أُجِّلَتْ، وَأَمَّا لَوْ شَرَطَ تَعْجِيلَ الْمَالِ لَمْ تُسَمَّ كِتَابَةً بَلْ قَطَاعَةً لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّهَا مِنْ أَنَّهَا الْعِتْقُ عَلَى مُعَجَّلٍ مِنْ الْعَبْدِ إلَخْ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالنُّجُومِ اشْتِرَاطُ تَعَدُّدِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ صِحَّةُ جَعْلِهَا
امْتَنَعَ مِنْ التَّعْجِيزِ.
وَكُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا مِنْ مُكَاتَبَةٍ أَوْ مُدَبَّرَةٍ أَوْ مُعْتَقَةٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ مَرْهُونَةٍ.
وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ
[الفواكه الدواني]
نَجْمًا وَاحِدًا.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ جَائِزَةٌ هُنَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ النَّدْبُ.
قَالَ خَلِيلٌ: نَدَبَ مُكَاتَبَةَ أَهْلِ تَبَرُّعٍ وَمَحَلُّ النَّدْبِ حَيْثُ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا مُكَاتَبَةُ الصَّغِيرِ وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ فَجَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ بِنَاءً عَلَى جَبْرِ الرَّقِيقِ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: فَكَاتِبُوهُمْ إلَخْ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَرَفَ الْأَمْرَ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ الرِّفْقُ بِالسَّادَاتِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ لَتَسَلَّطَتْ الْعَبِيدُ عَلَى السَّادَاتِ فَيَضْرِبُهُمْ.
الثَّالِثُ: أَرْكَانُ الْكِتَابَةِ أَرْبَعَةٌ: السَّيِّدُ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا مِنْ مَحْجُورٍ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ صِحَّةُ كِتَابَةِ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، وَتُبَاعُ عَلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ كَكِتَابَةِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كِتَابَتِهِ وَصِيغَتُهَا كُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا: كَكَاتَبْتُك بِكَذَا، أَوْ أَنْتَ مُكَاتَبٌ، أَوْ أَنْتَ مُعْتَقٌ عَلَى كَذَا، أَوْ بِعْتُك نَفْسَك بِكَذَا، وَالْعِوَضُ وَيَجِبُ تَأْجِيلُهُ رِفْقًا بِالْمُكَاتَبِ، فَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّأْجِيلِ أُجِّلَتْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهُ فَتَكُونُ قَطَاعَةً لَا كِتَابَةً وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْغَرَرُ كَالْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَعَلَى عَبْدِ فُلَانٍ غَيْرَ الْآبِقِ كَعَلَى جَنِينٍ فِي بَطْنِ أَمَةِ الْمُكَاتَبِ لَا بِخَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ وَلَا لُؤْلُؤٍ لَمْ يُوصَفْ، فَإِنْ وَقَعَتْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَضَتْ وَيَرْجِعُ لِكِتَابَةِ الْمِثْلِ وَالرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُكَاتَبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَلَهُ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةً عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْأَدَاءِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِكَاتِبِهِ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ تُمْنَعُ كِتَابَتُهُ وَتُفْسَخُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِالْأَدَاءِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَثَانِيهِمَا أَنْ يُكَاتِبَ جَمِيعَهُ إنْ كَانَ جَمِيعُهُ لَهُ فَلَا تَصِحُّ كِتَابَةُ بَعْضِهِ، وَالْمُشْتَرَكُ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ، وَأَمَّا مُعْتَقُ الْبَعْضِ فَيَجُوزُ كِتَابَةُ بَعْضِهِ، الرَّابِعُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: عَلَى مَا رَضِيَهُ الْعَبْدُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَصَدَرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَلَمْ يُجْبِرْ الْعَبْدُ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَبَنَوْا عَلَيْهِ كِتَابَةَ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ عَنْ الْكَسْبِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَنَصُّ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَبْرِ قَوْلُهَا: وَمَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عَبْدٍ لَهُ غَائِبٍ لَزِمَ الْعَبْدَ الْغَائِبَ وَإِنْ كَرِهَ لِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي عَنْهُ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ كَوْنُ الْكِتَابَةِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ أَوْ مِنْ بَابِ الْعِتْقِ فَيُجْبَرُ.
وَلَمَّا كَانَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَلَا يَخْرُجُ حُرًّا إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ النُّجُومِ قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ النُّجُومِ وَإِنْ قَلَّ (رَجَعَ رَقِيقًا) إنْ كَانَ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ رَقِيقًا، وَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا رَجَعَ مُدَبَّرًا، فَلِذَا كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: رَجَعَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَكَذَا يَرْجِعُ رَقِيقًا إذَا غَابَ عِنْدَ حُلُولِ الْكِتَابَةِ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ رَقِيقًا بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَتَلُومُهُ لِمَنْ يَرْجُو يُسْرَهُ.
(وَ) إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ دَفَعَ لِسَيِّدِهِ شَيْئًا قَبْلَ عَجْزِهِ (حَلَّ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمَدْفُوعُ مِنْ عِنْدِ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الصَّدَقَةَ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ لِسَيِّدِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَعَانَهُ جَمَاعَةٌ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا الصَّدَقَةَ بِأَنْ قَصَدُوا فِكَاكَ رَقَبَتِهِ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُمْ رَجَعُوا بِالْفَضْلَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ إنْ خَرَجَ حُرًّا وَعَلَى السَّيِّدِ بِمَا قَبَضَهُ إنْ عَجَزَ، وَأَمَّا إنْ قَصَدُوا بِمَا دَفَعُوهُ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَلَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِالْفَضْلَةِ إنْ أَعْتَقَ وَلَا بِمَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ إنْ عَجَزَ.
(وَ) أَمَّا لَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ (لَا يُعَجِّزُهُ إلَّا السُّلْطَانُ بَعْدَ) تَلَوُّمِهِ لِمَنْ يُرْجَى يُسْرُهُ وَانْقِضَاءُ مُدَّةِ (التَّلَوُّمِ) وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا (إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّعْجِيزِ) مَعَ سَيِّدِهِ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ مَالٍ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ أَطَاعَ سَيِّدَهُ عَلَى التَّعْجِيزِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى السُّلْطَانِ، وَكَذَا فِي عَكْسِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مَا إذَا طَلَبَ الْعَبْدُ التَّعْجِيزَ وَأَبَى السَّيِّدُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ دُونَ السُّلْطَانِ، فَالصُّوَرُ ثَلَاثُ: صُورَتَانِ لَا يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا التَّعْجِيزُ عَلَى رَفْعٍ لِلسُّلْطَانِ، وَصُورَةٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى الرَّفْعِ لَهُ، وَهَذَا تَفْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا بُدَّ مِنْ السُّلْطَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الْفَسْخِ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَلَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ إنْ اتَّفَقَا وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ فَيَرِقُّ وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ غَيْرُهُ كَوَلَدِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى السَّعْيِ صَاغِرًا.
(تَنْبِيهٌ) مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّلَوُّمِ فِي فَسْخِ الْحَاكِمِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ يُسْرِهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِرَجَاءِ يُسْرِهِ، وَلَا فَسَخَ كِتَابَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ وَلَدَ مَنْ فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ لَيْسَ كَهِيَ، لِأَنَّ الْعِتْقَ أَوْ الْكِتَابَةَ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا.
قَالَ: (وَكُلُّ ذَاتِ) أَيْ صَاحِبَةِ (رَحِمٍ فَوَلَدُهَا) مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا (بِمَنْزِلَتِهَا) ثُمَّ بَيَّنَ ذَاتَ الرَّحِمِ الْمَذْكُورَةِ
مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَتِهَا.
وَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ.
وَمَا حَدَثَ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ مِنْ وَلَدٍ دَخَلَ مَعَهُمَا فِي الْكِتَابَةِ وَعَتَقَ بِعِتْقِهِمَا.
وَتَجُوزُ كِتَابَةُ
[الفواكه الدواني]
بِقَوْلِهِ: (مِنْ مُكَاتَبَةٍ أَوْ مُدَبَّرَةٍ أَوْ مُعْتَقَةٍ إلَى أَجَلٍ) أَوْ مُبَعَّضَةٍ (أَوْ مَرْهُونَةٍ) وَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ إذَا وَقَعَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ وَمَا مَعَهُ عَلَى الْأُمِّ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا وَأَوْلَى الْحَادِثُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْ أُمِّهِ قَبْلَ عَقْدِ كِتَابَتِهَا أَوْ قَبْلَ تَدْبِيرِهَا أَوْ عِتْقِهَا فَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا، وَقَوْلُنَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بِأَنْ كَانَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ ابْنِهَا مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ حُرٌّ إنْ كَانَ سَيِّدُهَا حُرًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ إذْ بِهِ اكْتَسَبَتْ الْحُرِّيَّةَ، وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهَا رَقِيقًا فَهُوَ رَقِيقٌ بِمَنْزِلَتِهَا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَاسْتِخْدَامِهِ كَأُمِّهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ مُكَاتَبَةٍ وَمَا مَعَهَا: عَنْ الْمُوصَى بِعِتْقِهَا وَالْمُخْدَمَةِ وَالْمُؤَجَّرَةِ فَإِنَّ وَلَدَهُنَّ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ وَلَدَ الْمُخْدَمَةِ وَالْمُؤَجَّرَةِ لَا حَقَّ لِلْمُخْدَمِ بِالْفَتْحِ فِي خِدْمَةِ الْوَلَدِ وَلَا لِلْمُؤَجَّرِ أَيْضًا، أَوْ أَمَّا الْمُوصِي بِعِتْقِهَا فَفِي وَلَدِهَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ مَا تَلِدُهُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَا يَدْخُلُ مَعَهَا وَاَلَّذِي تَلِدُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُعْتَقُ مَعَهَا، وَأَمَّا الْمُوصِي بِذَاتِهَا لِشَخْصٍ وَهِيَ حَامِلٌ وَمِثْلُهَا الْمَوْهُوبَةُ وَالْمُتَصَدَّقُ بِهَا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهَا إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهَا فَلَا يَدْخُلُ مَعَهَا لِصِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، بِخِلَافِ لَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَيَدْخُلُ مَعَهَا وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ.
(تَنْبِيهٌ) الْمَأْخُوذُ مِنْ بَيَانِ تِلْكَ الْكُلِّيَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَمَا مَعَهَا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْآدَمِيَّةِ، وَأَمَّا ذَاتُ الرَّحِمِ غَيْرَ الْآدَمِيَّةِ فَتَارَةً يَكُونُ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ لَهَا كَنِتَاجِ حِمَارَةٍ أَوْ خِنْزِيرَةٍ عَلَى صُورَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأُمِّ، وَتَارَةً لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا كَنِتَاجِ ذَاتِ رَحِمٍ مِنْ الْأَنْعَامِ مِنْ فَحْلٍ وَحْشِيٍّ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا فِيهِ زَكَاةً وَلَمْ يَجْتَزُوا بِهِ فِي الضَّحِيَّةِ.
(وَ) كَذَلِكَ (وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (بِمَنْزِلَتِهَا) اتِّفَاقًا فَيُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ لَا فِي الْخِدْمَةِ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ كَثِيرَ الْخِدْمَةِ، بِخِلَافِ أُمِّهِ فَإِنَّ لَهُ فِيهَا فَوْقَ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَةَ وَدُونَ مَا يَلْزَمُ الْقِنَّةَ، وَأَمَّا وَلَدُهَا مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَلَدِ الَّذِي حَدَثَ لَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَأَمَّا مَنْ وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا كَزَوْجٍ أَوْ زَانٍ أَوْ سَيِّدٍ رَقِيقٍ قَبْلَ صَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ فَهُوَ رَقِيقٌ قَطْعًا.
وَلَمَّا كَانَ الْعَبْدُ يَمْلِكُ عِنْدَنَا بَيَّنَ غَايَةَ مِلْكِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَالُ الْعَبْدِ) الْقِنِّ (لَهُ إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ) فَيَصِيرُ مِلْكًا وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً وَيُخَاطَبُ بِزَكَاتِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُزَكَّى (فَإِنْ أَعْتَقَهُ) أَيْ الْقِنَّ الَّذِي لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ (أَوْ كَاتَبَهُ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَنْتَزِعَهُ) لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْعِتْقِ وَإِنْ كَثُرَ دُونَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ تَبِعَهُ مَالُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ سَيِّدُهُ» وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِ الْمُكَاتَبِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُبَاعُ مُكَاتَبٌ وَلَا يُنْتَزَعُ مَالُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: هَذَا مَذْهَبُنَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ رَضِيَ لِأَنَّ الْوَلَاءَ قَدْ ثَبَتَ لِعَاقِدِ الْكِتَابَةِ، وَالْوَلَاءُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَيُحَرَّمُ نَزْعُ مَالِهِ سَوَاءٌ الَّذِي اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَمَا قِيلَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ إذَا رَضِيَ بِالْبَيْعِ اعْتِمَادًا عَلَى بَيْعِ بَرِيرَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعَجْزِ، لِأَنَّ بَرِيرَةَ رَضِيَتْ بِبَيْعِهَا حَتَّى سَاوَمَتْ نَفْسَهُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهَا عَلَى الْوَفَاءِ، وَإِذَا وَقَعَ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِعِتْقِ الْمُشْتَرِي فَفِي نَقْضِ عِتْقِهِ خِلَافٌ.
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ لَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ لَكِنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ وَقِيلَ لَا يَمْلِكُ، وَبَنَوْا عَلَى مِلْكِهِ جَوَازَ وَطْئِهِ لِجَارِيَتِهِ وَعَدَمَ وُجُوبِ تَزْكِيَتِهِ لِمَا بِيَدِهِ لِعَدَمِ كَمَالِ الْمِلْكِ، وَبَنَوْا عَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ إذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ السَّيِّدِ بِمَعْنًى يُحَرَّمُ عَلَيْهِ (وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ) سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الْكِتَابَةَ بَيْعٌ أَوْ عِتْقٌ لِأَنَّهَا أَحْرَزَتْ نَفْسَهَا وَمَالَهَا، فَإِنْ تَعَدَّى وَوَطِئَ أُدِّبَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ الْوَطْءِ لَا إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ غَالِطًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُدِّبَ إنْ وَطِئَ بِلَا مَهْرٍ وَعَلَيْهِ نَقْصُ الْمُكْرَهَةِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا لَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَإِنْ حَمَلَتْ خُيِّرَتْ فِي الْبَقَاءِ وَأُمُومَةِ الْوَلَدِ إلَّا لِضُعَفَاءَ مَعَهَا أَوْ أَقْوِيَاءَ لَمْ يَرْضَوْا وَحَطَّ حِصَّتَهَا إنْ اخْتَارَتْ الْأُمُومَةَ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَقَاءَ عَلَى كِتَابَتِهَا فَهِيَ مُسْتَوْلَدَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ وَنَفَقَةُ حَمْلِهَا عَلَى سَيِّدِهَا كَالْمَبْتُوتَةِ، ثُمَّ إنْ أَدَّتْ النُّجُومَ عَتَقَتْ وَإِلَّا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
(وَ) كُلُّ (مَا حَدَثَ لِلْمُكَاتَبِ) مِنْ أَمَتِهِ (، وَ) أَيْ أَوْ (الْمُكَاتَبَةِ مِنْ وَلَدٍ) بَيَانٌ لِمَا (دَخَلَ مَعَهُمَا فِي الْكِتَابَةِ) مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَرْطٍ (وَعَتَقَ بِعِتْقِهِمَا) عَطَفَ عَلَى دَخَلَ الْوَاقِعِ خَبَرًا عَنْ مَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأٌ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ حَدَثَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ ظَهْرِ أَبِيهِ إلَّا بَعْدَ عَقْدِ كِتَابَتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَطْنِ الْمُكَاتَبَةِ إلَّا بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ الْأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي ظَهْرِ الذَّكَرِ، وَمَا انْفَصَلَ مِنْ الظُّهْرِ بِمَنْزِلَةِ مَا خَرَجَ مِنْ الْبَطْنِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي انْفَصَلَ عَنْ ظَهْرِ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَأَمَّا لَوْ تَنَازَعَ السَّيِّدُ مَعَ الْمُكَاتَبِ فَقَالَ السَّيِّدُ: انْفَصَلَ عَنْ ظَهْرِ أَبِيهِ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ رَقِيقًا أَبِيعُهُ، وَقَالَ
الْجَمَاعَةِ وَلَا يَعْتِقُونَ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ.
وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ عِتْقٌ وَلَا إتْلَافُ مَالِهِ حَتَّى يَعْتِقَ وَلَا يَتَزَوَّجُ.
وَلَا يُسَافِرُ السَّفَرَ الْبَعِيدَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَإِذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ قَامَ مَقَامَهُ وَأَدَّى مِنْ مَالِهِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ حَالًا وَوَرِثَ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ مَا بَقِيَ
[الفواكه الدواني]
الْمُكَاتَبُ: إنَّمَا انْفَصَلَ مِنِّي بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ وَضَعَتْهُ أُمُّهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ كَانَ انْفَصَلَ مِنْ ظَهْرِ أَبِيهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَلِسِتَّةٍ فَأَكْثَرَ فَالْقَوْلُ لِلْمُكَاتَبِ، وَإِنْ أَشْكَلَ لِأَمْرٍ فَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي ابْنِ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ، وَأَمَّا وَلَدُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ لِسَيِّدِ أُمِّهِ إنْ كَانَتْ أَمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُرَّةٍ فَهُوَ حُرٌّ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَكُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُتَقَدِّمُ فِي كِتَابَةِ الْأُمِّ وَحْدَهَا وَمَا هُنَا فِي كِتَابَتِهِمَا مَعًا.
(وَتَجُوزُ كِتَابَةُ الْجَمَاعَةِ) مِنْ الْعَبِيدِ فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَالِكَ الْوَاحِدَ يَجُوزُ لَهُ مُكَاتَبَةُ جَمَاعَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ مِنْ الْعَبِيدِ بِمَالٍ وَاحِدٍ وَعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ أَنْ تُوَزَّعَ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِمْ عَلَى الْأَدَاءِ يَوْمَ الْكِتَابَةِ، فَلَا تُوَزَّعُ عَلَى حَسَبِ الرُّءُوسِ وَلَا عَلَى حَسَبِ قِيَمِ الْعَبِيدِ.
(وَلَا يَعْتِقُونَ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ) لِأَنَّهُمْ حُمِلَا فِي الْقَدْرِ الْمَجْعُولِ عَلَيْهِمْ.
وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، بِخِلَافِ حَمَالَةِ الدُّيُونِ تَتَوَقَّفُ عَلَى شَرْطٍ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَمُكَاتَبَةُ جَمَاعَةٍ لِمَالِكٍ فَتُوَزَّعُ عَلَى قُوَّتِهِمْ عَلَى الْأَدَاءِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَهُمْ وَإِنْ زَمِنَ أَحَدُهُمْ حَمْلًا مُطْلَقًا فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَلِيءِ الْجَمِيعُ، وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى الْمَدْفُوعِ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الدَّافِعُ زَوْجًا وَلَمْ يَكُنْ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَى الدَّافِعِ، وَالْمُرَادُ بِالزَّمِنِ الَّذِي حَدَثَتْ زَمَانَتُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ زَمِنًا يَوْمَ الْعَقْدِ لَا تُوَزَّعُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ زَالَتْ زَمَانَتُهُ بِحَيْثُ صَارَ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ شَيْءٌ بِمَوْتٍ وَاحِدٍ وَلَا بِفَقْدِهِ وَلَا بِأَسْرِهِ، بِخِلَافِ لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمْ بِرِقٍّ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ نَصِيبُهُ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ كِتَابَتِهِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَعْتِقُونَ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ وَلَوْ رَضِيَ السَّيِّدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَعْتِقَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْضَى الْبَاقُونَ بِذَلِكَ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْأَدَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُدْرَةٌ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ رَضُوا، بِخِلَافِ عِتْقِ الضَّعِيفِ عَنْ الْكَسْبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ قُوَّةِ الْبَاقِينَ وَلَوْ لَمْ يَرْضَوْا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلسَّيِّدِ عِتْقُ قَوِيٍّ مِنْهُمْ إنْ رَضِيَ الْجَمِيعُ وَقَوُوا، فَإِنْ رَدَّ ثُمَّ عَجَزُوا صَحَّ عِتْقُهُ، وَحَيْثُ جَازَ عِتْقُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ يُقَسِّطُ عَنْهُمْ قَدْرَ حِصَّتِهِ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَالِكِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْمُشْتَرِكَةُ فِي عَبِيدٍ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمُكَاتَبَةُ شَرِيكَيْنِ بِمَالٍ وَاحِدٍ لَا أَحَدِهِمَا أَوْ مَالَيْنِ أَوْ مُتَّحِدٍ بِعَقْدَيْنِ فَلَا يَجُوزُ وَتُفْسَخُ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ إذَا كَاتَبُوهُمْ عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ مُتَّحِدٍ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَالْأَجَلِ وَيَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الِاقْتِضَاءَ وَاحِدٌ وَالْعَقْدَ وَاحِدٌ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) لَوْ تَعَدَّدَتْ السَّادَاتُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدٌ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ وَأَرَادُوا أَنْ يُكَاتِبُوهُمْ صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ فَلَا تَجُوزُ تِلْكَ الْكِتَابَةُ إنْ شَرَطُوا حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لِأَدَائِهِ إلَى أَكْلِ الشَّخْصِ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى تَقْدِيرِ مَوْتِ وَاحِدٍ أَوْ عَجْزِهِ، وَأَمَّا حَيْثُ لَا شَرْطَ فَتَجُوزُ وَيُجْعَلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَنْوِيهِ مِنْ جُمْلَةِ الْكِتَابَةِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ جَمَاعَةَ الْعَبِيدِ صُوَرُهَا ثَلَاثَةٌ وَقَدْ عَلِمْت أَحْكَامَهَا.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْمُكَاتَبُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَوْ غَيْرَ الْمَالِيَّةِ دَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ عِتْقٌ) لِرَقِيقِهِ إلَى عَجْزِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ لَهُ الْوَلَاءُ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الْوَلَاءُ لَهُ ابْتِدَاءً لَا لِلسَّيِّدِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّقِيقَ إذَا أَعْتَقَ رَقِيقَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَجَازَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ إنْ كَانَ السَّيِّدُ لَا يَنْتَزِعُ مَالَهُ وَإِلَّا فَالْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ، وَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ حَتَّى عَتَقَ أَوْ عَلِمَ وَسَكَتَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ لَا لِلسَّيِّدِ، سَوَاءٌ كَانَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ أَمْ لَا.
(وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا (إتْلَافُ مَالِهِ) وَأَخْذُ الْأَمْوَالِ بِنَحْوِ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ إلَّا مَا خَفَّ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ نَحْوِ دِرْهَمٍ أَوْ كِسْرَةٍ لِسَائِلٍ وَيَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ (حَتَّى يَعْتِقَ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الْعِتْقُ وَغَيْرُهُ.
(وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا أَنْ (يَتَزَوَّجَ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَوْ كَانَ زَوَاجُهُ نَظَرًا لِأَنَّ زَوَاجَ الرَّقِيقِ عَيْبٌ وَلِسَيِّدِهِ رَدُّهُ وَفَسْخُهُ، وَلَا شَيْءَ لِزَوْجَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَبَعْدَ الدُّخُولِ يَتْرُكُ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا زَادَ وَلَا تَتْبَعُهُ بِالْبَاقِي إنْ عَتَقَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إجَازَةُ نِكَاحِ الْمُكَاتَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَإِلَّا تَوَقَّفَ عَلَى رِضَا مَنْ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ كَبِيرًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ صَغِيرًا لَفُسِخَ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الصَّغِيرِ، وَمَفْهُومُ يَتَزَوَّجُ أَنَّ التَّسَرِّي لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ بَلْ يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ السُّرِّيَّةِ وَلَا كَلَامَ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّ السُّرِّيَّةَ تُبَاعُ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ.
(وَلَا) أَيْ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ (يُسَافِرَ السَّفَرَ الْبَعِيدَ) الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ نَجْمٌ قَبْلَ قُدُومِهِ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) رَاجِعٌ لِلتَّزَوُّجِ وَالسَّفَرِ كَمَا قَرَّرَنَا، بِخِلَافِ الْقَرِيبِ فَإِنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَحَلُّ مَنْعِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ مِنْ السَّفَرِ الْبَعِيدِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِهِ وَإِلَّا فَلَا يَمْنَعُهُ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ الْعِتْقِ وَمَا مَعَهُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ فَإِنَّ وَلَدَهُ يَسْعَوْنَ فِيهِ وَيُؤَدُّونَ نُجُومًا إنْ كَانُوا كِبَارًا وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا وَلَيْسَ فِي الْمَالِ قَدْرُ النُّجُومِ إلَى بُلُوغِهِمْ السَّعْيَ رَقُّوا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ وَرِثَهُ سَيِّدُهُ.
وَمَنْ أَوْلَدَ أَمَةً فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا فِي
[الفواكه الدواني]
وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَلِلْمُكَاتَبِ بِلَا إذْنٍ بَيْعٌ وَاشْتِرَاءٌ وَمُشَارَكَةٌ وَمُقَارَضَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ، وَاسْتِخْلَافُ عَاقِدٍ لِأَمَتِهِ وَإِسْلَامُهَا أَوْ فِدَاؤُهَا إنْ جَنَتْ بِالنَّظَرِ وَسَفَرٌ لَا يَحِلُّ فِيهِ نَجْمٌ وَإِقْرَارٌ فِي رَقَبَتِهِ فَصَوَابُهُ فِي ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الرَّقَبَةِ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَإِسْقَاطُ شُفْعَتِهِ لَا عِتْقَ وَإِنْ قَرِيبًا وَهِبَةٌ وَصَدَقَةٌ وَتَزَوُّجٌ وَإِقْرَارٌ بِجِنَايَةٍ خَطَأٌ وَسَفَرٌ بَعْدُ إلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنَّمَا نَصَّ خَلِيلٌ عَلَى تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ جَوَازًا وَمَنْعًا رِفْقًا بِالْمُفْتِي، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: وَلِلْمُكَاتِبِ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ تَبَرُّعٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ كَالْحُرِّ إلَّا فِي التَّبَرُّعِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِعَجْزِهِ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ مَاتَ رَقِيقًا.
ذَكَرَ هُنَا أَنَّ مَحَلَّ هَذَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ فِي الْكِتَابَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا مَاتَ) قَبْلَ الْوَفَاءِ وَعِنْدَهُ مَا يُوفِي مِنْهُ (وَلَهُ وَلَدٌ قَامَ مَقَامَهُ وَأَدَّى مِنْ مَالِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (مَا بَقِيَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ (حَالًّا) مِنْ الْحُلُولِ لِأَنَّ بِمَوْتِ الشَّخْصِ يَحِلُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا وَتُفْسَخُ كِتَابَتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَتْ إنْ مَاتَ وَإِنْ عَنْ مَالٍ إلَّا لِوَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِ دَخَلَ مَعَهُ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَتُؤَدَّى حَالَّةً، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا مَاتَ قَبْلَ وَفَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ عَلَى السَّيِّدِ بِقَبْضِهَا أَوْ قَبْلَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ بِإِتْيَانِهِ بِهَا وَلَمْ يَقْبَلْهَا فِي بَلَدٍ لَا حَاكِمَ بِهَا فَإِنَّهَا تُفْسَخُ، وَلَوْ خَلْفَ مَا لَا يَفِي بِهَا وَيَرِثُهُ سَيِّدُهُ بِالرِّقِّ لِمَوْتِهِ قَبْلَ الْحُرِّيَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَلَدٌ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنَّ كِتَابَتَهُ لَا تُفْسَخُ، وَلَكِنْ تَحِلُّ بِمَوْتِهِ وَمُتَعَجِّلُهَا لِلسَّيِّدِ مِنْ مَالِهِ وَيَعْتِقُ بِذَلِكَ مَنْ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: بِشَرْطٍ أَوْ غَيْره يَرْجِعُ لِلْوَلَدِ وَلِلْأَجْنَبِيِّ مَعًا، أَمَّا دُخُولُ الْوَلَدِ بِالشَّرْطِ فَبِأَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ وَلِلْعَبْدِ أَمَةٌ حَامِلٌ وَقْتَ الْكِتَابَةِ فَإِنْ حَمَلَهَا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا دُخُولُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَبِأَنْ يَنْفَصِلَ مِنْ ظَهْرِ أَبِيهِ بَعْدَ عَقْدِ كِتَابَتِهِ، وَأَمَّا دُخُولُ غَيْرِ الْوَلَدِ بِالشَّرْطِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَبِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ زَمَنَ كِتَابَتِهِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُكَاتِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ أَبَاهُ أَوْ وَلَدَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَمَنْ ابْتَاعَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَى الْحُرِّ بِالْمِلْكِ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، قَالَ فِيهَا: وَصَارَ كَمَنْ عُقِدَتْ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) عَلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّ مَوْضُوعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَاتَ عَنْ مَالٍ كَثِيرٍ يَزِيدُ عَلَى الْوَفَاءِ وَأَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْوَلَدِ، وَقَوْلُهُ: أَدَّى مِنْ مَالِهِ؛ الْمُرَادُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ لَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ وَإِنْ قِيلَ بِهِ.
(وَ) إذَا بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ (وَرِثَ مَنْ مَعَهُ) فِي الْكِتَابَةِ (مِنْ وَلَدِهِ) أَوْ مِنْ حُكْمِهِ وَمَفْعُولُ وَرِثَ (مَا بَقِيَ) مِنْ الْمَتْرُوكِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَوَرِثَهُ مَنْ مَعَهُ فَقَطْ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْلَادِ وَالْآبَاءِ وَالْإِخْوَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: فَلَا يَرِثُهُ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ وَلَوْ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَزَوْجَةٍ كُوتِبَتْ مَعَهُ أَوْ عَمٍّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثْهُ مَنْ فِي كِتَابَةٍ أُخْرَى مِنْ وَرَثَتِهِ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُتَوَارِثِينَ التَّسَاوِي حَالَ الْمَوْتِ، وَالتَّسَاوِي هُنَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ لِاحْتِمَالِ أَدَاءِ أَصْحَابِ أَهْلِ الْكِتَابَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَالْإِرْثُ هُنَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فِي الْكِتَابَةِ ابْنٌ وَأَخٌ فَالْإِرْثُ لِلِابْنِ دُونَ الْأَخِ.
(وَ) مَفْهُومُ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَنَّهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ) الْمَتْرُوكِ عَنْ الْمُكَاتَبِ (وَفَاءً) بِمَا عَلَيْهِ (فَإِنَّ وَلَدَهُ) وَمَنْ فِي حُكْمِهِ (يَسْعَوْنَ) أَيْ يَتَحَرَّوْنَ (فِيهِ وَيُؤَدُّونَ) مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ (نُجُومًا) أَيْ عَلَى التَّنْجِيمِ مِثْلُ مَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ (إنْ كَانُوا كِبَارًا) لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ وَأَمَانَةٌ عَلَى الْمَالِ.
(وَ) أَمَّا (إنْ كَانُوا صِغَارًا) وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَيْسَ فِي الْمَالِ قَدْرُ النُّجُومِ) الَّتِي تَحِلُّ (إلَى بُلُوغِهِمْ السَّعْيَ رَقُّوا سَرِيعًا) وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهِ مَا يَفِي بِالنُّجُومِ الَّتِي تَحِلُّ إلَى بُلُوغِهِمْ الْقُوَّةَ عَلَى السَّعْيِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرِقُّونَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ إلَخْ أَنَّ سَعْيَ أَوْلَادِ الْمُكَاتَبِ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ مَتْرُوكٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الشَّرْطُ قُدْرَتُهُمْ عَلَى السَّعْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُمْ تَرَكَ شَيْئًا، وَيُمْكِنُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ يَصْدُقُ بِعَدَمِ الْمَالِ أَصْلًا، لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ، وَعَدَمَ الْوَفَاءِ يَصْدُقُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَالًا أَصْلًا أَوْ تَرَكَ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يَفِي.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى السَّعْيِ مِنْ أَوْلَادِهِ يَرِقُّونَ سَرِيعًا وَلَوْ كَانَ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ لَهَا قُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا لَكِنَّهُ لَا يَفِي بِالْكِتَابَةِ يَدْفَعُ لِوَلَدِهِ الَّذِي لَهُ أَمَانَةٌ وَقُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ أَوْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ مَا يُبَلِّغُهُمْ السَّعْيَ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْوَلَدِ أُمُّ وَلَدٍ لَهَا قُوَّةٌ وَأَمَانَةٌ دَفَعَ لَهَا إنْ رَجَا لَهَا قُوَّةً عَلَى سَعْيِ بَقِيَّةِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أُمِّ الْوَلَدِ قُوَّةٌ بِيعَتْ وَضُمَّ ثَمَنُهَا إلَى التَّرِكَةِ فَتُؤَدِّي النُّجُومَ إلَى بُلُوغِ السَّعْيِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ رَقُّوا كُلُّهُمْ.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْوَلَدِ، بَلْ كُلُّ مَنْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتِ فِي الْكِتَابَةِ وَلَهُ قُدْرَةٌ وَأَمَانَةٌ يَدْفَعُ لَهُ الْمَالَ وَيَسْعَى، وَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ هُنَا فَقَالَ
حَيَاتِهِ وَتُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا لَهُ عَلَيْهَا خِدْمَةٌ وَلَا غَلَّةٌ.
وَلَهُ ذَلِكَ فِي وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ
[الفواكه الدواني]
مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِلْوَلَدِ بَيْعُ مَنْ فِيهِ نَجَاحُهُمْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ سَوَاءٌ كَانَتْ أُمُّهُمْ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنْ لَا يَبِيعَ أُمَّهُ إذَا كَانَ فِي بَيْعِ سِوَاهَا مَا يُعِينُهُ، ثُمَّ شَرَطَ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَرِثَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (وَلَهُ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ) وَلَا غَيْرُهُ مِمَّنْ يَرِثُهُ وَتَرَكَ مَالًا وَلَوْ كَانَ فِيهِ الْوَفَاءُ (وَرِثَهُ سَيِّدُهُ) الْمُرَادُ أَخْذُهُ سَيِّدَهُ مِلْكًا.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يَرِثُ مِنْهُ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ حُرًّا، وَلَا أَوْلَادُهُ الْمُكَاتَبُونَ فِي كِتَابَةٍ أُخْرَى، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ، فَإِطْلَاقُ الْإِرْثِ عَلَى أَخْذِ السَّيِّدِ مَالَ عَبْدِهِ مَجَازٌ.
(تَتِمَّةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ نُجُومَ الْكِتَابَةِ وَخَرَجَ حُرًّا ثُمَّ عُرِّضَ لِلْعِوَضِ اسْتِحْقَاقًا أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ فَإِنَّ الْعِتْقَ يَسْتَمِرُّ وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْمَوْصُوفِ وَلَوْ مُقَوَّمًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَيَرْجِعُ بِمِثْلِ الْمُثْلَى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا دَفَعَ شُبْهَةٌ، وَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَهُ فِيمَا دَفَعَ شُبْهَةً وَإِلَّا رَجَعَ بِحَالِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ.
الثَّانِيَةُ: الْقَطَاعَةُ تُخَالِفُ الْكِتَابَةَ فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ، فَالْكِتَابَةُ الْمَالُ فِيهَا مُؤَجَّلٌ، وَالْقَطَاعَةُ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ مُعَجَّلٍ، وَلَهَا صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ ابْتِدَاءً عَلَى مَالٍ يُعَجِّلُهُ الْعَبْدُ لَهُ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَاتِبَهُ ابْتِدَاءً عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ يَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ يُعَجِّلُهُ لَهُ وَحُكْمُهَا فِي تَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ كَالْكِتَابَةِ.
[أَحْكَام أُمّ الْوَلَد]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْكِتَابَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْأُمُّ فِي اللُّغَةِ أَصْلُ الشَّيْءِ وَتُجْمَعُ عَلَى أُمَّاتٍ، وَأَصْلُ أُمٍّ أُمَّهَةٌ وَلِذَلِكَ تُجْمَعُ عَلَى أُمَّهَاتٍ، وَقِيلَ الْأُمَّاتُ لِلنَّعَمِ وَالْأُمَّهَاتُ لِلنَّاسِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَنْ لَهَا وَلَدٌ، وَهِيَ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ خَاصَّةٌ بِالْأَمَةِ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ الْحُرُّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا، فَتَخْرُجُ الْأَمَةُ الَّتِي أَعْتَقَ سَيِّدُهَا حَمْلَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأَمَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِأَبِي زَوْجِهَا فَإِنَّ حَمْلَهَا إنَّمَا جَاءَتْ حُرِّيَّتُهُ مِنْ عِتْقِهِ عَلَى جَدِّهِ، وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ خَرَجَتَا بِقَوْلِهِ: مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ جَبْرًا مَا إذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ حَمْلَ أَمَةِ عَبْدِهِ فَإِنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا حُرُّ حَمْلِهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا، لَكِنْ لَيْسَ الْعِتْقُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ، وَلِي فِي دُخُولِ هَذَا فِي الْحَدِّ بَحْثٌ لَا يَكْفِي، إذْ بَعْدَ فَرْضِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ وَطْءِ الْمَالِكِ لَا تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فَقَالَ: (وَمَنْ أَوْلَدَ) مِنْ الْأَحْرَارِ (أَمَةً) مَمْلُوكَةً لَهُ (فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ) وَحَيَاتِهَا بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ الَّتِي تَجُوزُ فِي الزَّوْجَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَحَلَّ لَهُمَا حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ إلَى أَنْ قَالَ كَالْمِلْكِ وَتَمَتَّعَ بِغَيْرِ دُبُرٍ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا وَلَهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا مِمَّنْ قَتَلَهَا وَانْتِزَاعُ مَالِهَا مَا لَمْ يَمْرَضْ.
(وَ) يَجِبُ لَهَا أَنْ (تَعْتِقَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ) وَتَقَدَّمَ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَعْيَانِ وَلَوْ كَانَتْ وَفَاةُ سَيِّدِهَا بِقَتْلِهَا لَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ لِإِشْرَافِهَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ دُونَ الْمُدَبَّرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عِتْقَهَا لَا يَرُدُّهُ الدَّيْنُ وَلَوْ كَانَ سَابِقًا وَتَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فِيهِمَا، وَمَحَلُّ عِتْقِهَا عَلَى سَيِّدِهَا كَوْنُهُ حُرًّا وَغَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلْغُرَمَاءِ حِينَ الْوَطْءِ الَّذِي مِنْهُ الْوِلَادَةُ، فَإِنْ وَطِئَ الْمُفْلِسُ أَمَتَهُ الْمَوْقُوفَةَ لِلْبَيْعِ فَحَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ لَمْ يُمْنَعْ بَيْعُهَا، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَا يَرُدُّهَا دَيْنٌ سَبَقَ فِيمَنْ اسْتَوْلَدَهَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عِتْقُهَا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ عِتْقِهَا وَحُرْمَةِ بَيْعِهَا وَجَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا مَا فِي ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إبْرَاهِيمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» .
وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ.
(وَلَا يَجُوزُ) لِمُسْتَوْلَدِهَا (بَيْعُهَا) وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اسْتَدَانَهُ قَبْلَ اسْتِيلَادِهَا وَلَا هِبَتُهَا وَلَا التَّصَدُّقُ بِهَا، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فُسِخَ وَلَوْ أَعْتَقَهَا مُشْتَرِيهَا وَيُرَدُّ عِتْقُهَا وَتَرْجِعُ لِسَيِّدِهَا، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لَمْ يَنْتَقِلْ، وَمَحَلُّ رَدِّ عِتْقِ الْمُشْتَرِي لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ أَوْ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهَا، وَإِلَّا لَمْ يُرَدَّ عِتْقُ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ أَمْ لَا، وَيَسْتَحِقُّ بَائِعُهَا ثَمَنَهَا وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا الْمُشْتَرِي فَهَذِهِ تُرَدُّ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْعِتْقِ فَيَمْضِي وَالْوَلَاءُ لِلْبَائِعِ، لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهَا الْعِتْقُ فَكَأَنَّهُ فِكَاكٌ مِنْهُ لَهَا بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَرَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِذَنْ فُسِخَ بَيْعُهَا فِيمَا يُفْسَخُ فِيهِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ الْمُشْتَرِي وَلَا لَهُ شَيْءٌ مِنْ قِيمَةِ خِدْمَتِهَا، هَكَذَا قِيلَ وَلِي فِيهِ وَقْفَةٌ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ بَائِعِهَا وَعَدَمِ انْتِقَالِ ضَمَانِهَا بِقَبْضِهَا وَرُجُوعِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ (لَهُ عَلَيْهَا خِدْمَةً) كَثِيرَةً بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَأَمَّا مَا خَفَّ وَهُوَ مَا نَقَصَ عَمَّا يَلْزَمُ الْأَمَةَ وَفَوْقَ مَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ فَيَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا وَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا.
بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا.
وَكُلُّ مَا أَسْقَطَتْهُ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَهِيَ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ.
وَلَا يَنْفَعُهُ الْعَزْلُ إذَا أَنْكَرَ وَلَدَهَا وَأَقَرَّ بِالْوَطْءِ فَإِنْ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَطَأْ بَعْدَهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ وَلَدٍ.
وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنَ بِمَالِهِ.
وَمَنْ أَعْتَقَ
[الفواكه الدواني]
(وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ عَلَيْهَا (غَلَّةٌ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِدْمَةِ وَالْغَلَّةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ يَسْتَعْمِلُهَا بِنَفْسِهِ مِنْ الطَّحْنِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَلَّةُ بِأَنْ يُؤَجِّرَهَا لِغَيْرِهِ فَإِنْ أَجَرَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فُسِخَتْ وَلَهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهَا، وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ: لِأُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْحَرَائِرِ فِي سِتَّةِ أَوْجُهٍ، وَحُكْمُ الْعَبِيدِ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، فَأَمَّا السِّتَّةُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يُرْهَنَّ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُؤَجَّرْنَ وَلَا يُسَلَّمْنَ فِي جِنَايَةٍ وَلَا يُسْتَسْعَيْنَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَانْتِزَاعُ أَمْوَالِهِنَّ مَا لَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ وَإِجْبَارُهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ عَلَى قَوْلٍ وَاسْتِخْدَامُهُنَّ لَكِنْ فِي خَفِيفِ الْخِدْمَةِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ وَلَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِنَّ، وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ عَدَمُ شَهَادَتِهِنَّ وَحْدَهُنَّ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ وَعَدَمُ إرْثِهِنَّ وَعَدَمُ الْقَسْمِ لَهُنَّ فِي الْمَبِيتِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوْلَادِهَا الْحَاصِلِينَ مِنْهَا بَعْدَ اسْتِيلَائِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ خِدْمَةٍ وَغَلَّةٍ (فِي وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ) الْحَاصِلُ لَهَا بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْ سَيِّدِهَا.
(وَهُوَ) أَيْ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا (بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ) فَيَجِبُ أَنْ (يَعْتِقَ بِعِتْقِهَا) بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَلَدَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إنْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ فَهُوَ حُرٌّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ فَهُوَ رَقِيقٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا وَبَعْدَ اسْتِيلَادِهَا فَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا فِي حَيَاتِهَا، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لَمْ يَعْتِقْ أَوْلَادُهَا حَتَّى يَمُوتَ سَيِّدُهُمْ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا أَسْقَطَتْهُ) الْأَمَةُ بَعْدَ اعْتِرَافِ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا وَعَدَمِ اسْتِبْرَائِهَا (مِمَّا يُعْلَمُ) بِشَهَادَةِ الْعَارِفَاتِ مِنْ النِّسَاءِ (أَنَّهُ وَلَدٌ) كَمُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ وَهِيَ الدَّمُ الْمُجْتَمِعُ الَّذِي لَا يَذُوبُ بِصَبِّ الْمَاءِ الْحَارِّ عَلَيْهِ (فَهِيَ بِهِ) أَيْ بِمَا أَسْقَطَتْهُ (أُمُّ وَلَدٍ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَجِبُ بِهِ الْغُرَّةُ، فَالثَّلَاثَةُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُنَا: بَعْدَ اعْتِرَافِ سَيِّدِهَا إلَخْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا إقْرَارُ السَّيِّدِ بِوَطْئِهَا مَعَ الْإِنْزَالِ وَلَوْ قَالَ إقْرَارُهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ، وَالثَّانِي أَنْ تَثْبُتَ وِلَادَتُهَا أَوْ سَقْطُهَا وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ الْوَلَدُ مَعْدُومًا، وَأَمَّا لَوْ أَتَتْ بِهِ وَقَالَتْ هَذَا الْوَلَدُ مِنْك مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا وَإِنْزَالِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ شَهَادَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِ الْوَلَدِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ الْوَطْءَ وَلَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْإِقْرَارِ بِوَطْئِهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ أَنَّهُ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ وَنَفَى مَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ اسْتِبْرَائِهَا، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ لِانْتِفَائِهِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ نَفْيِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى لِعَانٍ، وَأَمَّا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ أَمَدِ الْحِلِّ مِنْ يَوْمِ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ الْوَلَدِ لِاعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْحَامِلُ عِنْدَنَا تَحِيضُ.
(فَرْعٌ) مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالْوَطْءِ وَوُجِدَتْ أَمَتُهُ حَامِلًا فَإِنَّهَا لَا تَعْتِقُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أُمُومَةِ الْوَلَدِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إذَا أَتَتْ أَمَةُ السَّيِّدِ بِوَلَدٍ (لَا يَنْفَعُهُ) دَعْوَى (الْعَزْلِ) عَنْهَا وَهُوَ الْإِنْزَالُ خَارِجَ الْفَرْجِ (إذَا أَنْكَرَهَا وَلَدَهَا) وَقَالَ لَيْسَ مِنِّي (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ (أَقَرَّ بِالْوَطْءِ) لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْبِقُ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَدْفَعُهُ عَزْلٌ أَوْ وَطْءٌ بِدُبُرٍ أَوْ فَخْذَيْنِ إنْ اعْتَرَفَ بِالْإِنْزَالِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْإِنْزَالِ عِنْدَ وَطْئِهَا إنْزَالُهُ عِنْدَ غَيْرِهَا أَوْ مِنْ احْتِلَامٍ وَلَمْ يَبُلْ حَتَّى وَطِئَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ، بِخِلَافِ لَوْ قَالَ: كُنْت أَطَأُ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ، وَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ وَلَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءَهَا (فَإِنْ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً) بِحَيْضَةٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ بَعْدَهُ وَمَضَى لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (لَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ وَلَدٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
[أَحْكَامِ الْعِتْق النَّاجِز]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ أُمِّ الْوَلَدِ شَرَعَ فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَرْجَمِ لَهُ، وَحَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ الْخُلُوصُ وَالْكَرَمُ وَالْحُرِّيَّةُ لِخُلُوصِ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ، وَلِذَا سُمِّيَ الْبَيْتُ بِالْعَتِيقِ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَمِنْ الْغَرَقِ وَالطُّوفَانِ، وَحَقِيقَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَفْعُ مِلْكٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِسِبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَلَى آدَمِيٍّ حَيٍّ حَتَّى خَرَجَ بِآدَمِيٍّ حَيَوَانٌ غَيْرُ آدَمِيٍّ، وَبِقَوْلِهِ حَيٍّ رَفَعَهُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مِلْكٍ رَفَعَ غَيْرَهُ كَرَفْعِ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ حَقِيقِيٍّ لِيَخْرُجَ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ بِحُرِّيَّةٍ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا حَقِيقَةً، وَقَوْلُهُ لَا بِسَبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ بِغَيْرِ سِبَاءٍ لَا بِسَبَاءٍ لِيَخْرُجَ بِهِ فِدَاءُ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ سِبَاءً، وَقَوْلُهُ عَنْ آدَمِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رَفْعُ وَحُكْمُ الْعِتْقِ مَنْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ
بَعْضَ عَبْدِهِ اسْتَتَمَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ وَعَتَقَ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ
[الفواكه الدواني]
أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ قُلْت: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ أَفْضَلُ مِنْهُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِامْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ رَقَبَةً: لَوْ كُنْت أَخْدَمْتِيهَا أَقَارِبَك لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِك» اللَّخْمِيُّ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَاقِصَ عُضْوٍ لَا يَحْجُبُ النَّارَ عَنْ الْعُضْوِ الَّذِي يُقَابِلُهُ مِنْهُ وَهُوَ مُمْكِنٌ لِأَنَّ الْأَلَمَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَيِّ عُضْوٍ شَاءَ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ النَّارَ أَنْ تَأْكُلَ مَوْضِعَ السُّجُودِ» وَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ ثُمَّ أَعْلَى الرِّقَابِ ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى ثَمَنًا كَافِرًا فَضَّلَهُ مَالِكٌ وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَنَسَبَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ لِلْجُمْهُورِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قِيلَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُعْتَقُ مِنْ النَّارِ إلَّا بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ دِيَتُهُ مِثْلَ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَانَ كَالْمَرْأَةِ، أَمَّا إنْ تَسَاوَيَا فَالْمُسْلِمُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ كَالدَّيْنِ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمَا ثَمَنًا.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: إنَّمَا يَكُونُ الْأَعْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ عِنْدَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْمُعْتِقُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ وَعَدَمُ إحَاطَةِ الدُّيُونِ بِمَالِهِ فَقَالَ مُشِيرًا إلَى هَذَا الشَّرْطِ.
(وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ مَنْ أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ) كَمَا لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَوْ بَعْدَ أَجَلِ تِلْكَ الدُّيُونِ إلَّا بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ إلَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَنَفَقَةِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَكِسْوَتِهِمْ، وَكَالْأُضْحِيَّةِ وَنَفَقَةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَهُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرْضِ لَكِنْ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا يَصِحُّ إعْتَاقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ بِلَا حَجْرٍ وَبِلَا إحَاطَةِ دَيْنٍ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَصِحُّ عِتْقُهُ وَيَلْزَمُ كَمَا يَلْزَمُ طَلَاقُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فِي الثُّلُثِ، فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مَوْلَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِتْقُ مَنْ أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ فَلِلْغُرَمَاءِ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَيَسْكُتَ بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا، أَوْ يَطُولُ زَمَانُ الْعِتْقِ بِحَيْثُ يَشْتَهِرُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَيَرِثُ الْوَارِثَاتِ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِلْمُهُ، أَوْ إلَّا أَنْ يَسْتَفِيدَ مَا يُوَفِّي مِنْهُ الدَّيْنَ فَيُنَفَّذُ وَلَا يُرَدُّ، كَمَا يُنَفَّذُ عِتْقُ الزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا عِتْقُهُمَا مَا يَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى الثُّلُثِ فَلِوَرَثَةِ الْمَرِيضِ وَلِلزَّوْجِ الرَّدُّ وَالْإِجَازَةُ.
وَالثَّانِي مِنْ الْأَرْكَانِ: الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَشَرْطُهُ أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ وَلَوْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُبَعَّضُ وَالْمُكَاتَبُ يَصِحُّ تَنْجِيزُ عِتْقِ الْجَمِيعِ، وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنَّ عِتْقَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ.
وَالثَّالِثُ مِنْ الْأَرْكَانِ: الصِّيغَةُ وَهِيَ صَرِيحَةٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ كُلُّ مَا فِيهِ لَفْظُ الْعِتْقِ أَوْ التَّحْرِيرِ أَوْ الْفَكِّ أَوْ لَا مِلْكَ أَوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَوْ فَكَكْت أَوْ حَرَّرْت رَقَبَتَك أَوْ أَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِلْعِتْقِ وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ نَوَى صَرْفَهُ إلَّا لِقَرِينَةٍ كَمَدْحٍ أَوْ خَلَفٍ أَوْ دَفْعِ مَكْسٍ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ عَجِبَ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ أَوْ خَالَفَهُ عِنْدَ أَمْرِهِ بِشَيْءٍ فَقَالَ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَفِيهَا أَيْضًا: وَلَوْ مَرَّ عَلَى عُشَارٍ فَقَالَ هُوَ حُرٌّ عِنْدَ طَلَبِ الْمَكْسِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْحُرِّيَّةَ فَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، فَالظَّاهِرَةُ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِنِيَّةِ صَرْفِهِ كَوَهَبْتُ لَك نَفْسَك وَمَلَّكْتُك نَفْسَك، وَالْخَفِيَّةُ مَا لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَاذْهَبْ وَاغْرُبْ وَاسْقِنِي الْمَاءَ مِمَّا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ عِتْقِ مَنْ لَمْ يَحُطَّ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ كَافِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، حَيْثُ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ أَوْ سَيِّدُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَفِي الثَّلَاثِ يَلْزَمُ الْعِتْقُ وَلَوْ لَمْ يَبِنْ الْعَبْدُ عَنْ سَيِّدِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِمَا وَلَمْ يَحْصُلْ إسْلَامٌ مِنْهُمَا فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُهُ إلَّا إذَا بَانَ عَنْهُ الْعَبْدُ.
[الْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِتْقِ الْمَقْصُودِ شَرَعَ فِي الْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ اسْتَتَمَّ عَلَيْهِ) أَيْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَبِالْحُكْمِ مَعَهُ جَمِيعُهُ إنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَالْبَاقِي لَهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَلَوْ يَدًا أَوْ رِجْلًا مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي يَمْلِكُ جَمِيعَهُ فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، وَقَوْلُهُ بَعْضَ عَبْدِهِ يَشْمَلُ الْقِنَّ الْمَحْضَ وَالْمُدَبَّرَ وَالْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا رَشِيدًا لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يُرَدُّ الْعَبْدُ أَوْ بَعْضُهُ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْكَافِرَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا أَوْ يَبِينَ الْعَبْدُ عَنْ سَيِّدِهِ.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ مَا يَشْمَلُ نَحْوَ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ وَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ
لَهُ مَالٌ بَقِيَ سَهْمُ الشَّرِيكِ رَقِيقًا.
وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ مُثْلَةً بَيِّنَةً مِنْ قَطْعِ جَارِحَةٍ وَنَحْوِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ مَلَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدًا
[الفواكه الدواني]
الْبَعْضِ الِاتِّصَالُ بِالْعَبْدِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَعْتَقَ نَحْوَ الشَّعْرِ وَالْكَلَامُ وَالرَّقِيقُ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى طَلَاقِ الزَّوْجَةِ بِذَلِكَ وَعَدَمِهِ، هَذَا حُكْمُ عِتْقِ بَعْضِ عَبْدٍ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ،
وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ (مَعَهُ فِيهِ شَرِكَةُ قُوِّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ حِصَّتَهُ (نَصِيبُ شَرِيكِهِ بِقِيمَتِهِ) وَتُعْتَبَرُ (يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ وَعَتَقَ) عَلَيْهِ حِينَئِذٍ جَمِيعُهُ وَالْمَعْنَى بِإِيضَاحٍ: أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَدْفَعَ الْقِيمَةَ بِالْفِعْلِ لِشَرِيكِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوْ الْعَبْدُ فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ وَالشَّرِيكَانِ كَفَرَةً فَلَا تَقْوِيمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ ذِمِّيًّا وَالْعَبْدُ كَذَلِكَ وَغَيْرُ الْمُعْتِقِ مُسْلِمًا.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَعْتِقَ الشَّرِيكَ بِاخْتِيَارِهِ لَا إنْ وَرِثَ جُزْءًا مِنْ أَبِيهِ فَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ الْعِتْقَ لِأَنَّهُ الَّذِي أَبَّدَ الرَّقَبَةَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ حُرَّ الْبَعْضِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَمْلِيَاءَ وَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ ابْتِدَاءً وَتَبِعَهُ الثَّانِي بِإِعْتَاقِ حِصَّتِهِ وَامْتَنَعَ الثَّالِثُ مِنْ الْعِتْقِ، فَإِنَّ حِصَّتَهُ تُقَوَّمُ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الثَّانِي بِتَقْوِيمِهَا عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ لِلْعِتْقِ مُعْسِرًا لَمْ تُقَوَّمْ حِصَّةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي إلَّا بِرِضَاهُ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَا مَعًا أَوْ مُتَرَتِّبًا وَجَهِلَ الْأَوَّلُ قُوِّمَتْ حِصَّةُ الثَّالِثِ عَلَيْهِمَا إنْ أَيْسَرَ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوسِرِ مِنْهُمَا.
خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ لِحِصَّتِهِ مُوسِرًا بِقِيمَةِ الشَّرِيكِ، فَإِنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِهَا عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا هُوَ مُوسِرٌ بِهِ، وَالْمُعْسِرُ بِهِ لَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ رَضِيَ شَرِيكُهُ بِاتِّبَاعِ ذِمَّتِهِ.
وَسَادِسُهَا: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقِيمَةُ الَّتِي يُشْتَرَطُ يُسْرُهُ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا زَائِدَةً عَلَى مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ) أَيْ لِلْمُبْتَدِئِ الْعِتْقَ (مَالٌ) زِيَادَةً عَلَى مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ (بَقِيَ سَهْمُ الشَّرِيكِ) الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ (رَقِيقًا) وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى الْمُعْتِقِ وَلَوْ رَضِيَ شَرِيكُهُ بِاتِّبَاعِهِ، وَالشُّرُوطُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا يُقَوَّمُ الْمَعْتُوقُ بِالسِّرَايَةِ عَلَى مَنْ ابْتَدَأَ الْعِتْقَ بِمَالِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكِهِ مِنْ الْعِتْقِ وَنُقِضَ لَهُ بَيْعٌ مِنْهُ وَتَأْجِيلُ الثَّانِي أَوْ تَدْبِيرُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَحَدَهُمَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ مَثَّلَ) بِشَدِّ الْمُثَلَّثَةِ (بِعَبْدِهِ) الْمُرَادُ بِرَقِيقِهِ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ أَوْ بِرَقِيقِ رَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ (مُثْلَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ عُقُوبَةً وَوَصَلَهَا بِقَوْلِهِ: (بَيِّنَةً) أَيْ ظَاهِرَةً وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ قَطْعِ جَارِحَةٍ) كَيَدٍ أَوْ أُنْمُلَةٍ أَوْ فَقْءِ عَيْنٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْقَطْعِ كَوَسْمِ وَجْهِهِ بِالنَّارِ أَوْ فَقْءِ عَيْنِهِ قَاصِدًا تَعْيِيبَهُ (عَتَقَ عَلَيْهِ) هَذَا جَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَيَتَوَقَّفُ الْعِتْقُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْحُكْمِ إنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ بِرَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ أَوْ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ غَيْرَ سَفِيهٍ وَعَبْدٍ ذِمِّيٍّ بِمُثْلَةٍ أَيْ وَغَيْرَ ذِمِّيٍّ بِمُثْلَةٍ وَغَيْرَ زَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ وَغَيْرَ مَدِينٍ، وَأَمْثِلَةُ الشَّيْنِ الْمُوجِبَةُ لِلْعِتْقِ كَقَطْعِ ظُفْرٍ وَقَطْعِ بَعْضٍ أُذُنٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ سَحْلِهَا أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ أَوْ لِحْيَةِ تَاجِرٍ أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ لَا غَيْرِهِ، وَفِي وَسْمِ وَجْهِهِ بِغَيْرِ النَّارِ قَوْلَانِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الْأَمَةِ أَوْ لِحْيَةِ التَّاجِرِ لَا يَكُونُ مُثْلَةً لِسُرْعَةِ عَوْدِهِمَا، كَمَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْوَسْمَ بِالنَّارِ مُثْلَةٌ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ أَنْ يَقَعَ التَّمْثِيلُ عَمْدًا بِقَصْدِ الشَّيْنِ، وَيَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى قَصْدِهَا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ، وَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ فِي نَفْيِ الْعَمْدِ وَهَلْ يَتْبَعُهُ مَالُهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ، اقْتَصَرَ الْأَقْفَهْسِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَتْبَعُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ مِنْ الْمُشْتَرِي.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمُمَثِّلُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا رَشِيدًا حُرًّا وَيَعْتَبِرُ إسْلَامَهُ أَوْ إسْلَامَ الْعَبْدِ، فَلَا عِتْقَ عَلَى ذِمِّيٍّ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ زَوْجَةً مَثَلًا بِمَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَيَّ الثُّلُثِ وَلَا مَدِينًا.
الثَّالِثُ: الدَّلِيلُ عَلَى الْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ: «أَنَّهُ كَانَ لِزِنْبَاعٍ عَبْدٌ يُسَمَّى سَنْدَرًا أَوْ ابْنَ سَنْدَرٍ فَوَجَدَهُ يُقَبِّلُ جَارِيَةً لَهُ فَجَبَّهُ وَقَطَعَ أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَمَا كَرِهْتُمْ فَبِيعُوا، وَمَا رَضِيتُمْ فَأَمْسِكُوا، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ مُثِّلَ بِنَارٍ أَوْ حُرِقَ بِالنَّارِ فَهُوَ حُرٌّ وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِ بِي، فَقَالَ: أُوصِي بِك كُلَّ مُسْلِمٍ» وَمَعْنَى مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ الْعِتْقَ كَانَ بِسَبَبِهِمَا لَا أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَخَرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «جَاءَ مُسْتَصْرِخٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: وَيْحَك مَالَكَ؟ فَقَالَ سَنْدَرٌ: أَبْصَرَ لِسَيِّدِهِ جَارِيَةً فَغَارَ فَجَبَّ مَذَاكِيرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَطَلَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَنْ نُصْرَتِي؟ فَقَالَ: عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَوْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» .
الرَّابِعُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ مِنْ
مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ بَنَاتِهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ أَوْ أَخَاهُ لِأُمٍّ أَوْ أَبٍ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا عَتَقَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ أَعْتَقَ حَامِلًا كَانَ جَنِينُهَا حُرًّا مَعَهَا وَلَا يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ عِتْقٍ بِتَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَا أَعْمَى وَلَا أَقْطَعُ
[الفواكه الدواني]
كَلَامِ الْمُؤَلَّفِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا مَثَّلَ بِزَوْجَتِهِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: طَلْقَةً بَائِنَةً، ابْنُ رُشْدٍ: مُثْلَةُ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ وَبَيْعُهُ لَهَا وَإِنْكَاحُهُ إيَّاهَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ مَثَّلَ بِزَوْجَتِهِ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بَيْعِهَا وَتَزْوِيجِهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعِتْقِ النَّاجِزِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ وَبِالْمُثْلَةِ ذَكَرَ الْعِتْقَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ وَشَرْطُهَا (مَلَكَ أَبَوَيْهِ) نَسَبًا وَإِنْ عَلَيَا (أَوْ) مَلَكَ (أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ بَنَاتِهِ) وَإِنْ سَفَلُوا (أَوْ جَدَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ) وَلَوْ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ (أَوْ) مَلَكَ (أَخَاهُ) أَوْ أُخْتَهُ (لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا عَتَقَ) كُلٌّ (عَلَيْهِ) فَقَوْلُهُ عَتَقَ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَعِتْقُهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ الْأَبَوَانِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَلَوْ لِأُمٍّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّخْصَ إذَا مَلَكَ أَصْلَهُ وَإِنْ عَلَا أَوْ فَرْعَهُ وَإِنْ سَفَلَ أَوْ حَاشِيَتَهُ الْقَرِيبَةَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ، وَمَحَلُّ الْعِتْقِ حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُ مُسْلِمَيْنِ، وَكَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ رَشِيدًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْمِلْكِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ الْبَتُّ اللَّازِمُ، أَوْ بِالْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ إنْ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْطَى بِالْفَتْحِ، وَلَا فَرْقَ مَعَ عِلْمِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ دَيْنٌ أَمْ لَا، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ أَعْتَقَ لِعِلْمِ الْمُعْطِي لِعَدَمِ قَبُولِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ لَا يُبَاعُ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ عَتَقَ لِقَبُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ، وَحَيْثُ لَا قَبُولَ فَلَا يُبَاعُ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ بِالْإِرْثِ أَوْ الشِّرَاءِ فَمَحَلُّ عِتْقِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ وَإِلَّا بِيعَ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ، وَقَوْلُنَا: حَيْثُ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا تَعَرُّضَ لَهُمَا، وَقَوْلُنَا: الْبَيْعُ الصَّحِيحُ وَمِثْلُهُ الْفَاسِدُ إذَا فَاتَ لَا إنْ لَمْ يُفْتِ، أَوْ كَانَ عَلَى خِيَارٍ وَلَمْ تَنْقَضِ أَيَّامُ الْخِيَارِ فَلَا عِتْقَ، وَقَوْلُنَا: نَسَبًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مِلْكِ أَبَوَيْ الرَّضَاعِ أَوْ أَوْلَادِ الرَّضَاعِ أَوْ الْإِخْوَةِ مِنْهُ فَلَا عِتْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِتْقِ بِالْقَصْدِ وَالْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ وَالْعِتْقِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ، شَرَعَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ بِالتَّبَعِيَّةِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ) أَمَتَهُ حَالَةَ كَوْنِهَا (حَامِلًا) مِنْ غَيْرِهِ كَزَوْجِهَا أَوْ زِنًا (كَانَ جَنِينُهَا حُرًّا مَعَهَا) وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، لِأَنَّ كُلَّ وَلَدٍ حَدَثَ مِنْ غَيْرِ مِلْكِ يَمِينٍ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْأُصُولِ حُرَّةٌ حَامِلٌ بِرَقِيقٍ إلَّا عَلَى جِهَةِ النُّدُورِ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ أَمَةٌ حَامِلٌ بِحُرٍّ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مَسَّتْهُ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا وَهُوَ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ بِعِتْقِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى جِهَةِ النُّدُورِ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: قَدْ وُجِدَتْ حُرَّةٌ حَامِلٌ بِعَبْدٍ وَصُورَتُهَا: أَنْ يَكُونَ عَبْدٌ وَطِئَ جَارِيَتَهُ فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَأَعْتَقَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ حَتَّى أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَعِتْقُ الْأَمَةِ مَاضٍ وَقَادِرٌ عَلَيْهَا وَتَصِيرُ حُرَّةً وَالْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِ أَبِيهِ، وَلَمَّا نَقَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ نَاجِي فِي دَرْسِ شَيْخِهِ أَبِي مَهْدِيٍّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا وَضَعَتْهُ قَبْلَ عِتْقِ السَّيِّدِ الْعَبْدَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ حِينَ الْعِتْقِ لَتَبِعَ أُمَّهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْجَنِينِ عِنْدَ عِتْقِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ كَجُزْءٍ مِنْهَا، وَمِثْلُ الْعِتْقِ بَيْعُ الْأُمِّ أَوْ رَهْنُهَا بِخِلَافِ هِبَتِهَا أَوْ التَّصَدُّقِ أَوْ الْإِيصَاءِ بِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَيَسْتَمِرُّ رَقِيقًا لِلْوَاهِبِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِتْقِ الْجَنِينِ بِعِتْقِ أُمِّهِ ظَاهِرٌ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَالِكِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ بِأَنْ وُهِبَتْ الْأُمُّ لِشَخْصٍ وَاسْتَثْنَى الْوَاهِبُ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَأَعْتَقَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقِيلَ: يَدْخُلُ جَنِينُهَا فِي الْعِتْقِ وَيَصِيرُ حُرًّا بِمُجَرَّدِ عِتْقِهَا، وَقِيلَ: إنَّمَا يَخْرُجُ حُرًّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَعَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ قِيمَتُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا وَبَعْدَ انْفِصَالِهِ يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ، وَعَلَى عَدَمِ عِتْقِهِ أَصْلًا أَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ تَصِيرُ حُرَّةً حَامِلَةً بِعَبْدٍ.
الثَّانِي: وَأَمَّا عَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ عِتْقُ الْجَنِينِ فَقَطْ فَإِنَّ أُمَّهُ لَا تَتْبَعُهُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ كَوْنُ الْوَلَدِ كَجُزْءٍ مِنْ أُمِّهِ فَإِنْ عَتَقَ الْكُلَّ تَبِعَهُ جُزْؤُهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِتْقُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ دُونَهَا حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَى سَيِّدِ أُمِّهِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهَا، وَإِلَّا رَقَّ حَيْثُ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ قَبْلَ وَضْعِهِ مُطْلَقًا أَوْ لَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيْثُ كَانَ الدَّيْنُ سَابِقًا عَلَى عِتْقِهِ، وَإِلَّا مَضَى عِتْقُهُ وَتَابَعَ أُمَّهُ دُونَهُ بَعْدَ وَضْعِهَا.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّوْضِيحِ وَمَسْأَلَةِ الْأَمَةِ الْمَوْهُوبَةِ تَصَوُّرُ الْحُرَّةِ الْحَامِلَةِ بِالرَّقِيقِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ كَوْنُ الرَّقِيقَةِ حَامِلَةً بِحُرٍّ فَفِي مَسَائِلَ سِتَّةٍ تُبَاعُ فِيهَا أُمُّ الْوَلَدِ:
الْأُولَى: الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ يَطَؤُهَا الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ الْوَضْعِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَا يُبَاعُ.
الثَّانِيَةُ: الْأَمَةُ الْجَانِيَةُ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِجِنَايَتِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ عَدِيمٌ فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَوَلَدُهَا حُرٌّ.
الثَّالِثَةُ: أَمَةُ التَّرِكَةِ يَطَؤُهَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ وَالْوَاطِئُ لَهَا عَدِيمٌ وَعَالِمٌ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ
الْيَدِ وَشِبْهُهُ وَلَا مَنْ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الصَّبِيِّ وَلَا الْمَوْلَى عَلَيْهِ.
وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا
[الفواكه الدواني]
دُونَ وَلَدِهَا.
الرَّابِعَةُ: أَمَةُ الْمُفْلِسِ يَطَؤُهَا بَعْدَ وَقْفِهَا لِلْبَيْعِ وَتَحْمِلُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ الْوَضْعِ دُونَ وَلَدِهَا.
الْخَامِسَةُ: الْأَمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ يَطَؤُهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مَعَ عُسْرِهِ وَتَحْمِلُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ وَضْعِهَا دُونَ وَلَدِهَا.
السَّادِسَةُ: أَمَةُ الْقِرَاضِ يَطَؤُهَا الْعَامِلُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَمَةَ الْمُكَاتَبِ، وَلَمَّا كَانَ الْعِتْقُ مَنْدُوبًا وَلَوْ لِرَقَبَةٍ مَعِيبَةٍ عَيْبًا فَاحِشًا أَوْ فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ إجْزَاءُ الْجَمِيعِ حَتَّى فِي الْعِتْقِ الْوَاجِبِ قَالَ: (وَلَا) يُجْزِئُ أَنْ (يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ) كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ الْيَمِينِ أَوْ الْمُشْتَرَاةِ مِنْ الزَّكَاةِ وَنَائِبُ فَاعِلِ يُعْتَقُ (مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ عِتْقٍ بِتَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) كَأُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ أَوْ مُبَعَّضٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ عِنْدِ الْمُكَفِّرِ أَوْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ، وَإِمَّا لَمْ يَجُزْ مَا ذَكَرَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي رَقِيقِهَا أَنْ تَكُونَ حُرِّيَّتُهُ لِخُصُوصِهَا.
(وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ عِتْقُ (أَعْمَى وَلَا أَقْطَعِ الْيَدِ) أَوْ الرِّجْلِ أَوْ الْأُصْبُعِ (وَشِبْهِهِ) كَالْأَشَلِّ وَمَنْ فِيهِ عَيْبٌ غَيْرُ خَفِيفٍ (وَ) كَذَا (لَا يُجْزِئُ) فِيهَا عِتْقُ (مَنْ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالْمُؤْمِنَةِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ وَالْمُطْلَقَةُ تُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ، وَأَمَّا ذَاتُ الْعَيْبِ الْخَفِيفِ فَيُجْزِئُ عِتْقُهَا، كَالْأَعْوَرِ وَذِي مَرَضٍ خَفِيفٍ أَوْ عَرَجٍ خَفِيفٍ أَوْ ذَاهِبِ مَا دُونَ الْأُصْبُعِ أَوْ بَعْضِ أُذُنٍ أَوْ أَنْفٍ لَا جَمِيعِ كُلٍّ، كَمَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمَغْصُوبِ وَالْمَرْهُونِ وَالْجَانِي حَيْثُ فَكَالْبَقَاءِ الْجَمِيعُ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ.
(تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ الْوَاجِبَةِ الْإِجْزَاءُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ عِتْقِ غَيْرِ الْمُجْزِئِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهُوَ لُزُومُ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ يُجْزِئُ، فَلَا تَرْجِعُ الرَّقَبَةُ رَقِيقَةً بَعْدَ عِتْقِهَا.
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْمُعْتِقِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ (عِتْقُ الصَّبِيِّ) وَلَا الْمَجْنُونِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ التَّكْلِيفُ (وَلَا الْمَوْلَى عَلَيْهِ) لِفَقْدِ الرُّشْدِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ إلَّا بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَكَمَالُ الرُّشْدِ وَهُوَ حُسْنُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي صِحَّةَ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ لِأَنَّ شَرْطَهَا التَّمْيِيزُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْمِلْكُ لِمَا أَوْصَى بِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْهُمَا لِعَدَمِ لُزُومِهَا وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِمَا فِيهَا لَكَانَ الْحَجْرُ لِحَقِّ غَيْرِهِمَا، وَمَفْهُومُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ يَصِحُّ عِتْقُهُ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، قَالَ خَلِيلٌ: وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إذَا رَشَدَ بَعْدَهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ جَوَازِ عَقْدِ السَّفِيهِ عِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُ عِتْقَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَقَلِيلُ الْخِدْمَةِ كَمَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ طَلَاقُهُ وَالْكَفَّارَةُ، وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ فَيُكَفِّرَ بِالْأَقَلِّ قِيمَةً فِيمَا لَا تَرْتِيبَ فِيهِ.
الثَّانِي: لَوْ أَعْتَقَ الْوَلِيُّ عَبْدَ مَحْجُورٍ مِنْ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، إنْ كَانَ أَبًا جَازَ عِتْقُهُ لِعَبْدِ مَحْجُورٍ بِعِوَضٍ قَدْرَ الْقِيمَةِ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ حَيْثُ كَانَ مُوسِرًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ جَازَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْعِتْقِ لِمُضِيِّ الْعِتْقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ وَصِيًّا أَوْ أَبًا مُعْسِرًا أَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ الصَّغِيرِ فَرُدَّ الْعِتْقُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ إنْ عَتَقَ الْوَلِيُّ وَلَوْ غَيْرَ أَبٍ رَقِيقَ مَحْجُورٍ بِعِوَضٍ قَدْرَ الْقِيمَةِ فَأَكْثَرَ جَازَ حَيْثُ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْعَبْدِ، وَالْمُخْتَصُّ بِالْأَبِ الْعِتْقُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَيَجُوزُ لِلْأَبِ الْمُوسِرِ دُونَ الْوَصِيِّ، وَمَفْهُومُ الْعِتْقِ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ وَهَبَهُ لَا يَمْضِي فِعْلُهُ وَيُرَدُّ وَلَوْ مِنْ الْأَبِ الْمُوسِرِ.
[مَنْ يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعِتْقِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ وَهُوَ أَحَدُ خَوَاصِّ الْعِتْقِ فَقَالَ: (وَالْوَلَاءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ مِنْ الْوَلَايَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ مِنْ النَّسَبِ وَالْعِتْقِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَأَمَّا مِنْ الْإِمَارَةِ وَالتَّقْدِيمِ فَبِالْكَسْرِ وَقِيلَ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا، وَالْمَوْلَى لُغَةً يُقَالُ لِلْمُعْتَقِ وَالْمُعْتِقِ وَأَبْنَائِهِمَا، وَالنَّاظِرِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْقَرِيبِ وَالْعَاصِبِ وَالْحَلِيفِ وَالْقَائِمِ بِالْأَمْرِ وَنَاظِرِ الْيَتِيمِ وَالنَّافِعِ الْمُحِبِّ، وَالْمُرَادُ هُنَا وَلَايَةُ الْإِنْعَامِ وَالْعِتْقِ وَسَبَبُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِالْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالْحُرِّيَّةِ عَنْ رَقِيقٍ فَهُوَ مَوْلَاهُ سَوَاءٌ نَجَزَ أَوْ عَلَّقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعَرِّفْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَرَّفَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُكْمَ الْعُصُوبَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا كَائِنٌ.
(لِمَنْ أَعْتَقَ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَيَشْمَلُ مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْوَلَاءُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْوَلَاءُ بِالْجَرِّ، وَعِتْقُ الْغَيْرِ يَشْمَلُ النَّاجِزَ وَلِأَجَلٍ وَالتَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ عَنْ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا فَيَكُونَ الْوِلَاءُ لِوَرَثَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا، كَعِتْقِهِ فِي كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ مَنْذُورًا أَوْ بِسَبَبِ حَلِفٍ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ قَاطَعَهُ فَأَدَّى وَخَرَجَ حُرًّا، أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ لَزِمَهُ، أَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدُهُ عَبْدًا بِإِذْنِهِ، أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ بِسِرَايَةٍ أَوْ مُثْلَةٍ أَوْ لِقَرَابَةٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُعْتَقُ الْوَلَاءَ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مِلْكًا لِلْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ، وَأَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ حُرًّا، وَأَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا فَإِنْ وَلَّاهُ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِمُعْتِقِهِ الْكَافِرِ وَلَوْ أَسْلَمَ
هِبَتُهُ وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ رَجُلٍ فَالْوَلَاءُ لِلرَّجُلِ.
وَلَا يَكُونُ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَوَلَاءُ مَا أَعْتَقْت الْمَرْأَةُ لَهَا وَوَلَاءُ مَنْ يَجُرُّهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَتْهُ.
وَلَا تَرِثُ مَا أَعْتَقَ غَيْرُهَا مِنْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَمِيرَاثُ
[الفواكه الدواني]
بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدُ الَّذِي لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ عِنْدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَجَازَهُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ لَا لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْعَبْدِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ لِعَبْدِهِ حَتَّى أَعْتَقَهُ، وَمِثْلُ عَدَمِ الْعِلْمِ لَوْ عَلِمَ وَسَكَتَ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَا لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ مُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ رَقِيقًا فَإِنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَوَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَخَلَّصَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ الْكَافِرَ الْمُعْتَقَ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ، وَالرَّقِيقُ الْمُعْتَقُ لِعَبْدِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَالْمُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةَ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ لَا وَلَاءَ لَهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ»
(تَنْبِيهٌ) كَمَا يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ يَكُونُ لَهُ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ وَوَلَاءُ أَوْلَادِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَرَّ وَلَدَ الْمُعْتَقِ كَأَوْلَادِ الْمُعْتَقَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ وَإِلَّا لَرَقَّ أَوْ عَتَقَ لِآخَرَ، وَشَرْطُ جَرِّ وَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَهُ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ عَدَمُ حُرِّيَّتِهِ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُرُّ وَلَاءَ الَّذِي كَانَ أَعْتَقَهُ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ، مِثَالُهُ لَوْ أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ثُمَّ هَرَبَ السَّيِّدُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ فَسُبِيَ وَبِيعَ وَأُعْتِقَ فَإِنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى مُعْتِقِهِ وَلَاءَ الَّذِي كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ بَلْ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَقًا لِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ أَيْ قَبْلَ هُرُوبِهِ وَقَبْلَ عِتْقِهِ.
قَالَ الْجَعْدِيُّ: وَلَا يَكُونُ وَلَاءُ وَلَدِ الْمَرْأَةِ لِمَوَالِيهَا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَنْ يَكُونَ أَبُوهُمْ عَبْدًا، أَوْ يَكُونُوا مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ أَبٍ لَاعِنٍ فِيهِمْ وَنَفَاهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَكُونَ الْأَبُ حَرْبِيًّا بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَلَمَّا كَانَ الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الْوَلَاءِ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (وَلَا هِبَتُهُ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ» وَإِنَّمَا قُلْنَا: وَلَوْ حُكْمًا إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ: (وَمَنْ أَعْتَقَ) رَقِيقَهُ (عَنْ رَجُلٍ) الْمُرَادُ عَنْ شَخْصٍ (فَالْوَلَاءُ لِلرَّجُلِ) الَّذِي أَعْتَقَ عَنْهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ يَقْدِرُ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ، وَشَرْطُ كَوْنِهِ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ كَوْنُهُ حُرًّا مُسْلِمًا، أَمَّا إنْ كَانَ رَقِيقًا فَإِنَّ وَلَاءَ الَّذِي أَعْتَقَ عَنْهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ كَافِرًا يَكُونُ وَلَاءُ الَّذِي أَعْتَقَ عَنْهُ مُسْلِمًا لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ.
وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ شَخْصٍ هَلْ يَكُونُ لَهُ وَلَاءٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا، بَيَّنَ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ: (وَ) إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ عَلَى يَدَيْ حُرٍّ مُسْلِمٍ (لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ) عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ (لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَ) إنَّمَا (هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ الْمَذْكُورَ سَبَبُ زَوَالِ الْمِلْكِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَقَصْدُ الْمُصَنِّفُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ رَاهْوَيْهِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ، وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعَةِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وُقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي.
قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إنْ أَحَبَّ أَهْلُك أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ» إلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَأَتَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا، وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَلَهُ وَلَاؤُهُ» وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَجَابَ عَنْهُ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ فِي نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَتَوَلِّي دَفْنَهُ إذَا مَاتَ، لَا أَنَّهُ يَرِثُ مَالَهُ كَمَا يَدَّعِيهِ الْمُخَالِفُ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (وَلَاءُ مَا أَعْتَقْت الْمَرْأَةُ لَهَا، وَ) كَذَا (وَلَاءُ مَنْ يَجُرُّهُ) وَلَاؤُهُ لَهُمَا (مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَتْهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَرِثُ أُنْثَى إنْ لَمْ تُبَاشِرْهُ بِعِتْقٍ أَوْ جَرَّهُ وَلَاءٌ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ، وَقَالَ فِيهَا: وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ وَلَدُ مَنْ أَعْتَقْنَ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، وَلَا شَيْءَ لَهُنَّ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَافْهَمْ، وَقَوْلُهُ: لَا تَرِثُهُ أُنْثَى الْمُرَادُ لَا تَرِثُ بِهِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بِهِ الْمَالُ.
(تَنْبِيهٌ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُنَاقَشَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ التَّعْبِيرُ بِمَا فِي قَوْلِهِ: مَا أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ وَمَا لِمَا لَا يَعْقِلُ وَإِثْبَاتُ التَّاءِ فِي أَعْتَقَتْهُ مَعَ أَنَّ فَاعِلَ أَعْتَقَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ عَلَى الْوَلَدِ أَوْ الْعَبْدِ فَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجَوَابِ عَنْ إثْبَاتِ التَّاءِ فِي أَعْتَقَتْهُ، وَأَحْسَنُ مَا أُجِيبَ بِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُعْتِقَةُ أَوْ لَا أَسْنَدَ إلَيْهَا الْفِعْلَ إقَامَةً لِسَبَبِ مَقَامِ الْمُبَاشَرَةِ فَحِينَ تَسَبَّبَتْ فِي الْعِتْقِ الْأَوَّلِ أَسْنَدَ إلَيْهَا الْعِتْقَ الثَّانِي.
وَثَانِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَلِدُ مَنْ أَعْتَقَتْهُ لَهَا وَلَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ أَوْ لَا، مَعَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ كَمَا فِي خَلِيلٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَجَرُّ وَلَدِ الْمُعْتَقِ كَأَوْلَادِ الْمُعْتَقَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ بِأَنَّ كَانُوا مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ حَصَلَ فِيهِمْ لِعَانٌ.
وَلَمَّا كَانَتْ النِّسَاءُ لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا وَلَاءَ مَنْ بَاشَرْنَ عِتْقَهُ أَوْ جَرَّهُ إلَيْهِنَّ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ قَالَ: (وَلَا تَرِثُ) الْأُنْثَى وَلَا (مَا أَعْتَقَ) هـ (غَيْرُهَا) وَبَيَّنَ ذَلِكَ الْغَيْرَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَإِذَا أَعْتَقَ الْأَبُ رَقَبَةً وَخَلَفَ ابْنًا وَبِنْتًا فَوَلَاءُ تِلْكَ الرَّقَبَةِ لِلِابْنِ دُونَ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا لَمْ تُبَاشِرْ عِتْقَهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
قَالَ
السَّائِبَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْوَلَاءُ لِلْأَقْعَدِ مِنْ عُصْبَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ فَإِنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ فَوَرِثَا وَلَاءَ مَوْلَى لِأَبِيهِمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَيَّ أَخِيهِ دُونَ بَنِيهِ.
وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَتَرَكَ وَلَدًا وَمَاتَ أَخُوهُ وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا.
[الفواكه الدواني]
فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا مَا أَعْتَقَ أَبٌ لَهُنَّ أَوْ أُمٌّ أَوْ أَخٌ أَوْ ابْنٌ وَالْعُصْبَةُ أَحَقُّ بِالْوَلَاءِ مِنْهُنَّ، وَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ وَلَدَ مَنْ أَعْتَقْنَ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، وَلَا شَيْءَ لَهُنَّ فِي وَلَدِ الْبَنَاتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يُوَرَّثُ بِالتَّعْصِيبِ وَالنِّسَاءُ لَا يَرِثْنَ بِهِ.
(وَمِيرَاثُ السَّائِبَةِ) وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: أَنْتَ سَائِبَةٌ أَوْ سَيَّبْتُك قَاصِدًا بِذَلِكَ الْعِتْقَ لَا عَنْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ثَابِتٍ (لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) وَسَوَاءٌ قَالَ مَعَ ذَلِكَ أَنْتَ حُرٌّ أَمْ لَا، أَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ عِتْقًا، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِينَ إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَمَا يَرِثُونَهُ يَعْقِلُونَ عَنْهُ وَيَلُونَ عَقْدَ نِكَاحِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى وَيَحْضُنُونَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ السَّيْبُ مُسْلِمًا وَسَيِّدُهُ كَافِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لِمَنْ سَيَّبَهُ إنْ أَسْلَمَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لِي عَلَيْك، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: يَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ قَائِلًا: الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ ثَبَتَ لَهُ وَوَلَاؤُهُ شَرْعًا، وَلَا نَظَرَ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَا وَلَاءَ عَلَيْك لِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الشَّرْعِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَوَلَاؤُك لِي أَوْ عَكْسُهُ لَكَانَ الْحُكْمُ لِأَوَّلِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ عِتْقِ السَّائِبَةِ، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْأَنْعَامِ.
الثَّانِي: أَنْظُرُ هَلْ يَدْخُلُ نَفْسُ الْمُعْتَقِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي يَكُونُ الْوَلَاءُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَرِثُ مَعَهُمْ أَوْ لَا يَدْخُلُ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِمْ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْخُلُ فِي قُرْبَتِهِ كَمَا قَالُوهُ فِيمَنْ أَوْقَفَ عَلَى بَنِي أَبِيهِ أَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ وَافْتَقَرَ قَبْلَ إعْطَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوَلَاءَ فَقَالَ: (وَالْوَلَاءُ) بِالْمَدِّ ثَابِتٌ (لِلْأَقْعَدِ) أَيْ الْأَقْرَبِ (مِنْ عُصْبَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ) الْمُرَادُ الْأَقْرَبُ مِنْ عُصْبَةِ الْمُعْتِقِ وَلِذَلِكَ مَثَّلَ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ تَرَكَ) الْأَنْسَبُ خَلْفَ الْمُعْتَقِ (ابْنَيْنِ فَوَرِثَا وَلَاءَ) بِالْمَدِّ (مَوْلَى) أَيْ مُعْتَقٍ (لِأَبِيهِمَا) لَا عَاصِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ (ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الِابْنَيْنِ (وَتَرَكَ ابْنَيْنِ) وَأَخَاهُ (رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَى أَخِيهِ دُونَ بَنِيهِ) لِأَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ لِلْمُعْتِقِ مِنْ بَنِي الْمَيِّتِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ عَاصِبُ النَّسَبِ ثُمَّ عُصْبَتُهُ كَالصَّلَاةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِ الْوَلَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَابَةِ الْمُعْتِقُ ثُمَّ أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا، وَالْأَعْلَى يَحْجُبُ الْأَسْفَلَ، فَإِنْ عَدِمَ بَنُو الْمُعْتِقِ فَأَبُوهُ، فَإِنْ عَدِمَ أَبُوهُ فَإِخْوَتُهُ الْأَشِقَّاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا، فَإِنْ اسْتَوَتْ الدَّرَجَةُ فَالشَّقِيقُ أَوْلَى، فَإِنْ عَدِمَتْ أُخُوَّةُ الْمُعْتِقِ وَبَنُوهُمْ فَجَدُّ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَالْأَعْمَامُ وَهُمْ فِي التَّرْتِيبِ كَالْإِخْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَقَارِبِ الْمُعْتِقِ مُعْتَقُ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُعْتِقُهُ انْتَقَلَ الْحُكْمُ لِعُصْبَةِ مُعْتِقِهِ إنْ كَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ وَإِلَّا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ.
مِثَالُهُ: لَوْ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدًا وَلَهَا ابْنٌ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِ قَرِيبٍ لَهَا، فَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ كَانَ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَتْهُ لِابْنِهَا، فَإِذَا مَاتَ ابْنُهَا لَمْ يَرِثْ ابْنُهُ مَا أَعْتَقَتْهُ أُمُّهُ بِالْوَلَاءِ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَخَبَرُ: «مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ» غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْعَاصِبِ الَّذِي يَرِثُ الْوَلَاءَ الْعَاصِبُ بِالنَّفْسِ لَا بِغَيْرِهِ وَلَا مَعَ غَيْرِهِ، فَلَا تَرِثُ الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ، وَلَا الْأُخْتُ مَعَ الْأَخِ، وَلَا الْأَبُ مَعَ الِابْنِ، وَلَا الْبِنْتُ مَعَ الِابْنِ.
(تَنْبِيهٌ) فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَوَرِثَ إلَخْ مُسَامَحَةً لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ لِلْأَقْعَدِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ ابْنَيْ الْمُعْتَقِ (وَتَرَكَ وَلَدًا ذَكَرًا وَمَاتَ أَخُوهُ) أَيْ أَخُو الْمَيِّتِ أَيْضًا (وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ) ذَكَرَيْنِ (فَالْوَلَاءُ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) حَالَةَ كَوْنِهِ (أَثْلَاثًا) لِاسْتِوَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمُعْتِقِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ أَرْبَعَ بَنِينَ وَمَاتَ الْآخَرُ عَنْ ذَكَرٍ فَقَطْ لَكَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا، وَإِذَا كَانَ مَعَ الذُّكُورِ إنَاثٌ فَلَا إرْثَ لَهُنَّ.
(خَاتِمَةٌ) لِلْوَلَاءِ حُكْمُ النَّسَبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ لَوْ عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِي مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا شَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَوْ عَلَى الْبَتِّ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَلَاءُ، وَإِنْ كَانَ لِمُقِيمِ الْوَاحِدِ الْحَلِفُ عَلَى صِحَّةِ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَتِيقِ إلَّا الْمَالُ وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَالِ مُسَبَّبٌ عَنْ الْوَلَاءِ، وَكَيْفَ يَثْبُتُ الْمُسَبَّبُ دُونَ ثُبُوتِ سَبَبِهِ؟ وَنَظِيرُ هَذَا مَنْ يَدَّعِي زَوْجِيَّةَ مَيِّتٍ وَيُقِيمُ شَاهِدًا فَإِنَّ لَهُ الْحَلِفَ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ حَيْثُ لَا وَارِثَ لِلْمَيِّتِ ثَابِتُ النَّسَبِ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ لِمُقِيمِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ لِاحْتِمَالِ دَعْوَى آخَرَ وَيُقِيمُ شَاهِدَيْنِ.
[بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ، شَرَعَ فِي تِسْعَةِ أَبْوَابٍ بِتَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ:
بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحُبُسِ وَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ وَالْغَصْبِ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ (الشُّفْعَةِ) الشُّفْعَةُ بِضَمِّ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَفَتْحُ الْعَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَضُمُّ مَا يَأْخُذُهُ إلَى حِصَّتِهِ فَتَصِيرُ شَفْعًا، وَالْآخِذُ بِالشُّفْعَةِ يُسَمَّى شَافِعًا وَشَفِيعًا وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخَذَ مَبِيعَ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ، أَيْ طَلَب الشَّرِيكُ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَ بِهِ سَوَاءٌ أَخَذَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، وَالشُّفْعَةُ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَعَدَمِهِ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْآخِذُ بِالْمَدِّ وَهُوَ الشَّافِعُ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَالشَّيْءُ الْمَأْخُوذُ وَهُوَ الشِّقْصُ الْمُبْتَاعُ، وَالْمَأْخُوذُ بِهِ وَالثَّمَنُ أَوْ قِيمَةُ الشِّقْصِ إذَا أَخَذَ فِي صُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ فِي صَدَاقٍ.
(وَ) الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ (الْهِبَةِ) وَهِيَ مَصْدَرُ وَهَبَ هِبَةً وَوَهْبًا بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِفَتْحِهَا، وَاسْمُ مَصْدَرِ وَهَبَ الْمُوهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا، وَالْإِيهَابُ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَالِاسْتِيهَابُ سُؤَالُهَا وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: هِبَةُ ثَوَابٍ وَهِبَةٌ لِمُجَرَّدِ وَجْهِ الْمُعْطِي، فَهِبَةُ الثَّوَابِ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ، وَغَيْرُهَا الْعَطِيَّةُ لِمُجَرَّدِ ذَاتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَتَخْرُجُ الصَّدَقَةُ فَإِنَّهَا الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْعَارِيَّةُ وَالْوَقْفُ وَالْعُمْرَى فَإِنَّ الذَّاتَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَالْمَدْفُوعُ لِلْغَيْرِ إنَّمَا هُوَ الْمَنْفَعَةُ.
(وَ) الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ (الصَّدَقَةِ) اسْمُ مَصْدَرٍ لِتَصَدَّقَ، وَمَصْدَرُهُ التَّصَدُّقُ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ أَوْ لَهُ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطِي عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
(وَ) الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامِ (الْحُبُسِ) وَيُرَادِفُهُ الْوَقْفُ وَحْدَهُ، ابْنُ عَرَفَةَ مُصَدِّرًا بِقَوْلِهِ: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا، وَاسْمًا بِقَوْلِهِ: مَا أَعْطَيْت مَنْفَعَةً مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا فَخَرَجَ عَطِيَّةُ الذَّاتِ فَإِنَّهَا إمَّا هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ تَقْدِيرًا إلَى صِحَّةِ وَقْفِ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ عَلَى تَقْدِيرِ مِلْكِهِ كَقَوْلِهِ: إنْ مَلَكْت هَذَا فَهُوَ وَقْفٌ، كَمَا يَصِحُّ الْمُعْتِقُ كَذَلِكَ، وَإِلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ نَحْوُ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى مَنْ سَيُحَدِّثُهُ اللَّهُ لِزَيْدٍ.
وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: الْوَاقِفُ، وَالْعَيْنُ الْمَوْقُوفَةُ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَالصِّيغَةُ، فَعَاقِدُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةُ وَالْحُبُسُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِأَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا مَالِكًا لِمَا تَبَرَّعَ بِهِ، فَيَدْخُلُ الْمَرِيضُ وَالزَّوْجَةُ فِي الثُّلُثِ، فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ وَلَا مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ.
(وَ) الْبَابُ الْخَامِسُ فِي أَحْكَامِ (الرَّهْنِ) مَصْدَرُ رَهَنَ الشَّيْءَ رَهْنًا وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اللُّزُومُ وَالْحُبُسُ، وَشَرْعًا مَالٌ قُبِضَ مُوثَقًا بِهِ فِي دَيْنٍ وَيَدْخُلُ فِي الْمَالِ أَذْكَارُ الْحُقُوقِ.
(وَ) الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَحْكَامِ (الْعَارِيَّةِ) اسْمُ مَصْدَرِ أَعَارَ وَالْمَصْدَرُ الْإِعَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ مُشَدَّدَةُ الْيَاءِ كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةً لِلْعَارِ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ، وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ، وَبِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ مَالُ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ دُخُولِ الْوَقْفِ الْمُؤَقَّتِ بِمُدَّةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ تَأْيِيدِ الْوَقْفِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّعْرِيفِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ.
(وَ) الْبَابُ السَّابِعُ فِي أَحْكَامِ (الْوَدِيعَةِ) مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ وَهِيَ لُغَةً الْأَمَانَةُ، وَشَرْعًا تَوْكِيلٌ عَلَى حِفْظِ مَالٍ.
(وَ) الْبَابُ الثَّامِنُ فِي أَحْكَامِ (اللُّقَطَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يَلْتَقِطُهُ، وَالِالْتِقَاطُ أَحَدُ الشَّيْءِ عِنْدَ وُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ.
(وَ) الْبَابُ التَّاسِعُ فِي أَحْكَامِ (الْغَصْبِ) مَصْدَرُ غَصَبَ الشَّيْءَ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَخْذُ مَالِ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا لِخَوْفِ قِتَالٍ فَيَخْرُجُ الْأَخْذُ غِيلَةً لِأَنَّهُ بِمَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَيَخْرُجُ التَّعَدِّي لِأَنَّهُ أَخْذُ الْمَنَافِعِ، وَيَخْرُجُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَكَوْنِ الْأَخْذِ بِالْمَدِّ لَهُ مَالٌ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَهُوَ يَجْحَدُهُ، كَمَا تَخْرُجُ السَّرِقَةُ لِأَنَّهَا لَا قَهْرَ مَعَهَا لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ خُفْيَةً، وَمِثْلُهَا الْمَأْخُوذُ عَلَى وَجْهِ الْخِيَانَةِ وَالِاخْتِلَاسِ وَإِنْ شَارَكَتْ الْغَصْبَ فِي الْحُرْمَةِ، وَهَذَا آخِرُ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ مَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمُتَرْجَمِ لَهُ مَحْمُودَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي آيَةِ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] وَفِي السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمُشَاعِ وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ وَلَا لِجَارٍ.
وَلَا فِي طَرِيقٍ وَلَا عَرْصَةَ دَارٍ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا.
وَلَا فِي فَحْلِ نَخْلٍ أَوْ بِئْرٍ إذَا قُسِمَتْ النَّخْلُ أَوْ الْأَرْضُ.
وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ.
وَلَا شُفْعَةَ
[الفواكه الدواني]
ثُمَّ شَرَعَ فِي تِلْكَ الْأَبْوَابِ عَلَى التَّفْصِيلِ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ) وَهِيَ كَمَا تَقَدَّمَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ (فِي) مَبِيعِ الشَّرِيكِ (الْمُشَاعِ) وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ عَلَى حِدَةٍ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ مُحْتَرِزَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا) أَيْ مَبِيعٍ (قَدْ قُسِمَ) قَبْلَ بَيْعِهِ (وَلَا لِجَارٍ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ أَثْبَتَهَا لِلْجَارِ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الشُّيُوعَ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي يَحْصُلُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِيمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ وَهُوَ الْعَقَارُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ نَحْوِ حَيَوَانِ الْحَائِطِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا ضَرَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مُقَابَلَةِ الشَّائِعِ بِالْأَجْزَاءِ الْمَسْمُومَةِ وَالْجَارُ تَنَاوَلَ الشَّائِعَ لِلِاشْتِرَاكِ بِأَذْرُعٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الشُّفْعَةُ مَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلًا: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» . مَالِكٌ: ذَلِكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا: وَفِي حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ، لِأَنَّ ضَرْبَ الْحُدُودِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَقَارِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِجَارٍ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقِبِهِ» . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ جَارِهِ أَوْ بِالْأَرْضِ» . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْجَارُ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ» وَيَنْتَظِرُ بِهَا ثَلَاثًا إنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا مُجَابٌ عَنْهُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ بِمَعُونَتِهِ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الصَّقَبَ الْقَرِيبُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنَّا نَمْنَعُ صِحَّتَهُ سَلَّمْنَاهَا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَرْضِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يَنْتَظِرُ بِهَا ثَلَاثًا، وَالشَّفِيعُ الْغَائِبُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالثَّلَاثِ، عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْجَارِ.
(وَلَا) شُفْعَةَ أَيْضًا (فِي طَرِيقٍ) قُسِمَ مَتْبُوعُهَا (وَلَا) فِي (عَرْصَةِ دَارٍ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الدَّارَ أَوْ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ قَوْمٍ إذَا اقْتَسَمُوهَا وَتَرَكُوا الطَّرِيقَ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَبَاعَ أَحَدُهُمْ مَا يَخُصُّهُ فِيهَا فَلَا شُفْعَةَ لِلْبَاقِينَ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الطَّرِيقِ وَلَوْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ، سَوَاءٌ بَاعَ حِصَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ وَجَدَهَا أَوْ مَعَ مَا نَابَهُ مِنْ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى بُيُوتٍ وَعَرْصَةٍ، وَإِذَا قُسِمَتْ الْبُيُوتُ وَتُرِكَتْ الْعَرْصَةُ مُشْتَرَكَةً وَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ مَتْبُوعِهَا مِنْ الْبُيُوتِ لَا شُفْعَةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مَتْبُوعُ الطَّرِيقِ وَالْعَرْصَةُ، قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي، وَالْعَرْصَةُ هِيَ السَّاحَةُ الْخَالِيَةُ مِنْ الْبِنَاءِ تُجْمَعُ عَلَى عَرَصَاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَرَّصُونَ فِيهَا أَيْ يَتَفَسَّحُونَ.
(وَلَا) شُفْعَةَ أَيْضًا (فِي فَحْلِ نَخْلٍ) أَيْ وَكَذَا لَا شُفْعَةَ فِي (بِئْرٍ إذْ قُسِمَتْ النَّخْلُ) رَاجِعٌ لِلْفَحْلِ (أَوْ الْأَرْضُ) رَاجِعٌ لِلْبِئْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ النَّخْلَ الْمُشْتَرَكَ إذَا قُسِمَتْ إنَاثُهُ وَبَقِيَ الْفَحْلُ عَلَى الشَّرِكَةِ ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِبَقِيَّةِ شُرَكَائِهِ وَلَوْ مَعَ نَصِيبِهِ مِنْ الْإِنَاثِ، وَكَذَا إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ عَلَى الْبِئْرِ وَبَقِيَتْ الْبِئْرُ عَلَى الشَّرِكَةِ وَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا لَا شُفْعَةَ لِشُرَكَائِهِ فِيهَا لِقَسْمِ مَتْبُوعِهَا وَهُوَ الْأَرْضُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ ظَاهِرُهُ اتَّحَدَتْ الْبِئْرُ أَوْ تَعَدَّدَتْ وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْقَسْمَ بِمَنْعِ الشُّفْعَةِ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: ثَابِتَةٌ، وَاخْتَلَفَ هَلْ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ خِلَافٌ؟ وَعَلَيْهِ الْبَاجِيُّ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْوِفَاقِ، فَحَمَلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْبِئْرِ الْمُتَّحِدَةِ، وَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْآبَارِ الْمُتَعَدِّدَةِ، أَوْ تُحْمَلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى بِئْرٍ لَا فِنَاءَ لَهَا، وَالْعُتْبِيَّةُ عَلَى بِئْرٍ لَهَا فِنَاءٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَبِئْرٍ لَمْ تُقْسَمُ أَرْضُهَا وَإِلَّا فَلَا، وَأُوِّلَتْ أَيْضًا بِالْمُتَّحِدَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهِ الشُّفْعَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِي.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُتَّصِلِ بِالْأَرْضِ مِنْ الْبِنَاءِ، فَظَاهِرُهُ شُمُولُ مَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: عَقَارًا وَلَوْ مُنَاقَلًا بِهِ إنْ انْقَسَمَ وَفِيهَا الْإِطْلَاقُ، وَعَمِلَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ فِي نَحْوِ الْفُرْنِ وَالْحَمَّامِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي سَبَبِ الشُّفْعَةِ هَلْ هُوَ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ أَوْ ضَرَرُ الْقِسْمَةِ إذَا طَلَبهَا الْبَعْضُ وَأَبَى غَيْرُهُ؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَثْبَتَهَا فِي الْجَمِيعِ، وَمَنْ قَالَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ مَنَعَهَا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، إذْ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ لَهَا مِنْ طَلَبِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَوْ مَعَ الْإِمْكَانِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ فَسَادُ الْمَقْسُومِ.
الثَّانِي: أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا: وَنَحْوِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِي إلَى مَا اسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الثِّمَارِ، سَوَاءٌ بِيعَتْ مَعَ أَصْلِهَا أَوْ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَحَدًا قَبْلِي مِنْ
لِلْحَاضِرِ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْغَائِبِ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ.
[مَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ]
وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ
[الفواكه الدواني]
أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَهُ وَلَكِنِّي اسْتَحْسَنْته فَهِيَ إحْدَى مُسْتَحْسَنَاتِهِ الْأَرْبَعِ، وَأَلْحَقَ أَصْحَابُهُ بِالثِّمَارِ الْمَقَاثِيَ وَالْقُطْنَ وَالْبَاذِنْجَانَ وَالْقَرْعَ وَكُلَّ مَا تَجِيءُ ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ إلَّا أَنْ تَيْبَسَ الثَّمَرَةُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَيَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي، وَثَانِيَتُهَا الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ بِالْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ أَوْ الْمُعَارَةِ، وَثَالِثَتُهَا الْقِصَاصُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَرَابِعَتُهَا فِي أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ اسْتَحْسَنَهَا الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ أَحَدٌ بِهَا.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِنْ قَصْرِ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ عَدَمُ ثُبُوتِهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْبُقُولِ وَالزَّرْعِ، فَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ حِصَّتَهُ مِنْهُ بَعْد يُبْسِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِهِ، سَوَاءٌ بَاعَهَا مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ الْأَرْضِ، وَتَكُونُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَفَرَّقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ بِأَنَّ النَّخْلَ إذَا بِيعَتْ وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَالْأَرْضُ إذَا بِيعَتْ وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يَكُونُ لِلْبَائِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَاضِرِ) فِي بَلَدِ الشِّقْصِ يَوْمَ بَيْعِهِ وَلَوْ حَضَرَ الْعَقْدَ (بَعْدَ) انْقِضَاءِ (السَّنَةِ) وَمَا قَارَبَهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِبَيْعِ حِصَّتِهِ، خِلَافًا لِتَفْصِيلِ ابْنِ رُشْدٍ بَيْنَ حُضُورِهِ لِلْعَقْدِ وَكِتَابَتِهِ خَطَّهُ فَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الشِّرَاءِ أَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَكْتُبْ شَهَادَتَهُ فَبِمُضِيِّ سَنَةٍ وَلَوْ جَهِلَ كَوْنَ السُّكُوتِ مُسْقِطًا، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَالَ: أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ شَهْرَيْنِ إنْ حَضَرَ الْعَقْدَ وَإِلَّا سَنَةً.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا يَكُونُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُسْقِطًا لِشُفْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ إذَا كَانَ الشَّفِيعُ عَاقِلًا بَالِغًا رَشِيدًا عَالِمًا بِالْبَيْعِ وَلَا عُذْرَ لَهُ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّ عَلَى شُفْعَتِهِ حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ أَوْ يَزُولَ الْعُذْرُ فَيَنْزِلَ مَنْزِلَةَ مَنْ كَانَ حَاضِرَ الْعَقْدِ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا.
الثَّانِي: مَحَلُّ كَوْنِ الشَّفِيعِ عَلَى شُفْعَتِهِ فِي السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا بِشَرْطِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِهَا وَإِلَّا سَقَطَتْ وَلَوْ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَتْ إنْ قَاسَمَ أَوْ طَلَبَ مُقَاسَمَةَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يُقَاسِمْ بِالْفِعْلِ أَوْ اشْتَرَى أَوْ سَاوَمَ أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ اسْتَأْجَرَ حِصَّةَ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ.
(وَ) مَفْهُومُ الْحَاضِرِ أَنَّ (الْغَائِبَ) عَنْ الْبَلَدِ يَوْمَ الْبَيْعِ يَسْتَمِرُّ (عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) أَوْ عَلِمَ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ زَمَنَ غَيْبَتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ حَتَّى غَابَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، فَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَاضِرِ الْعَالِمِ بِالْبَيْعِ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا مِنْ يَوْمِ قُدُومِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ أَوْ قَرِيبَةٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَيَّدَهَا أَشْهَبُ بِالْبَعِيدَةِ، وَأَمَّا الْقَرِيبَةُ الَّتِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهَا فَكَالْحَاضِرِ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِهِمْ: وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَعَلِمَ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ وَغَابَ بَعْدَ عِلْمِهِ وَقَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ الَّذِي لَمْ يَغِبْ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا، إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَغِبْ إلَّا لِظَنِّهِ الرُّجُوعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: كَأَنْ عَلِمَ فَغَابَ إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْأَوْبَةَ قَبْلَهَا فَعِيقَ وَحَلَفَ إنْ بَعُدَ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ غَيْبَةَ الشَّفِيعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ عَلَى شُفْعَتِهِ فِيهِمَا مُطْلَقًا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَالْعِلْمُ يَكُونُ كَالْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ سَافَرَ لِيَرْجِعَ سَرِيعًا فَعِيقَ، وَلَمَّا كَانَ الشِّقْصُ الْمَأْخُوذُ بِالشُّفْعَةِ قَدْ يُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ أَوْ يَظْهَرُ بِهِ عَيْبٌ، وَكَانَ الْمُشْتَرَى لَهُ كَالْبَائِعِ وَالشَّفِيعُ كَالْمُشْتَرِي.
قَالَ: (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ) كَائِنَةٌ (عَلَى الْمُشْتَرِي) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشِّقْصَ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ أَوْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، كَمَا يَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ عَلَيْهِ كَمُشْتَرِي سِلْعَةٍ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ مِلْكِ بَائِعِهَا فَتُسْتَحَقُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِهَا عَلَى بَائِعِهَا وَيَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حِينَ الشِّرَاءِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رُجُوعُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عِنْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَدَرْكُ الِاسْتِحْقَاقِ أَيْ لُحُوقُهُ لِأَنَّ الدَّرْكَ هُوَ اللُّحُوقُ، يُقَالُ: أَدْرَكَ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا لَحِقَهُ، فَدَرْكٌ اسْمُ مَصْدَرٍ إنْ كَانَ الْفِعْلُ أَدْرَكَ، وَمَصْدَرٌ إنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْفِعْلَ دَرَكَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَتَفْسِيرُ الدَّرْكِ بِاللُّحُوقِ لَعَلَّهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ هُنَا ظُهُورُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَيْبِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ الدَّرْكُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ أَثَرَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الشَّفِيعُ إلَّا بَعْدَ تَعَدُّدِ الْبِيَاعَاتِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَخَذَ بِأَيِّ بَيْعٍ وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ وَنَقَضَ مَا بَعْدَهُ وَمَحَلُّ تَخْيِيرِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَعَدُّدِهَا أَوْ عَلِمَ فِي غَيْبَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا عَالِمًا بِتَعَدُّدِهَا فَإِنَّمَا لَهُ الْأَخْذُ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ عِلْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ بِشَرِكَةِ غَيْرِ الْأَخِيرِ، وَعُهْدَتُهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِبَيْعَةٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِمَنْ بِيَدِهِ الشِّقْصُ، فَإِنْ اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْثَرَ كَمَا إذَا كَانَ عِشْرِينَ مَثَلًا وَالْأَخِيرُ
تَرَكَ.
وَلَا تُوهَبُ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ.
وَتُقْسَمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ.
وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حَبْسٌ إلَّا بِالْحِيَازَةِ.
[أَحْكَام الْهِبَة]
فَإِنْ
[الفواكه الدواني]
عَشَرَةٌ فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشَرَةً وَيَدْفَعُ الْعَشَرَةَ الْأُخْرَى لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ دَفَعَ لَهُ عَشَرَةً وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ.
الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي مَسْأَلَتَانِ الْعُهْدَةُ فِيهِمَا لَيْسَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي بَلْ عَلَى الْبَائِعِ، إحْدَاهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ عَامِلُ الْقِرَاضِ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا هُوَ شَفِيعُهُ.
وَثَانِيَتُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا وَرَبُّ الْمَالِ هُوَ شَفِيعُهُ فَإِنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ فِي هَاتَيْنِ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِمَا لَضَاعَ الثَّمَنُ عَلَى دَافِعِهِ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْحَاضِرِ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ عَلَى شُفْعَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إيقَافُ الشَّفِيعِ وَطَلَبُهُ لِيَأْخُذَ أَوْ يُسْقِطَ حَقَّهُ قَالَ: (وَيُوقِفُ) الْمُشْتَرِي (الشَّفِيعَ) مَفْعُولُ يُوقِفُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلُزُومِهِ (فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ تَرَكَ) فَإِنْ أَخَذَ لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَلَوْ دَيْنًا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا بِرَهْنِهِ وَضَامِنِهِ وَأُجْرَةِ دَلَّالٍ وَعَقْدِ شِرَاءٍ وَفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ، وَقِيمَةُ الشِّقْصِ فِي كَخَلْعٍ وَصُلْحِ عَمْدٍ وَجُزَافِ نَقْدٍ، وَقَوْلُنَا: بَعْدَ وُقُوعِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ وَأَسْقَطَ حَقَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِسْقَاطُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَطُولِبَ بِالْأَخْذِ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ لَا قَبْلَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَلْزَمُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْعِتْقِ وَلِلِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ أَنَّهُ يُوقِفُهُ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوقِفُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَهُ عِنْدَ سُكُوتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ، وَإِذَا اخْتَارَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِي قَدْ وَهَبَ الشِّقْصَ أَوْ حَبَسَهُ فَإِنَّ لَهُ نَقْضَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ نَقْضُ وَقْفٍ كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَلَوْ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَتُجْعَلُ الْأَنْقَاضُ فِي حَبْسٍ آخَرَ، وَثَمَنُ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ لَهُ شَفِيعًا.
الثَّانِي: إذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الْمُهْلَةَ عِنْدَ إيقَافِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَعْجَلَ إنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً أَوْ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي إلَّا كَسَاعَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِيقَافِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكُ التَّصَرُّفِ حَتَّى يَعْلَمَ الشَّفِيعُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَرْكُ الْبَيْعِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ خِلَافًا لِفَتْوَى ابْنِ رِزْقٍ.
وَفِي شَرْحِ الْأُجْهُورِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ قَبْلَ إيقَافِ الشَّفِيعِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُوهَبَ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ يَهَبَ أَوْ يَبِيعَ الشِّقْصَ الَّذِي لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لِلْمُشْتَرِي فَتَجُوزُ الْهِبَةُ دُونَ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لَا قَبْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَلَكِنْ لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهَا لِشَخْصٍ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ.
(وَ) إذَا تَعَدَّدَ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الْحِصَّةَ الْمَأْخُوذَةَ بِالشُّفْعَةِ (تُقَسَّمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ) عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِوَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَلِآخَرَ ثُلُثُهَا، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ ثُلُثَهُ لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ أَرْبَاعًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ الرُّبُعُ الْبَاقِي، وَأَمَّا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَنْصِبَاءُ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَمَعْصَرَةٍ وَفُرْنٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الرُّءُوسِ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُنَا: لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الشُّرَكَاءِ لَتَرَكَ لَهُ حِصَّتَهُ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ عَلَى الْأَنْصِبَاءِ وَتَرَكَ لِلشَّرِيكِ حِصَّةً، فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ لِأَحَدِهِمْ الرُّبُعُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ أَيْضًا وَلِآخَرَ النِّصْفُ فَبَاعَهُ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ فَإِنَّ لِصَاحِبَيْ الثُّمُنَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ نِصْفَ الْمَبِيعِ وَبَاقِيهِ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا.
(تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الشُّرَكَاءِ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ الْمُشَارِكُ لِلْبَائِعِ فِي سَهْمِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهْمِ وَإِنْ كَانَ لِأَبٍ أَخَذَتْ سُدُسًا، وَإِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ زَوْجَاتٌ وَأَخَوَاتٌ مَثَلًا فَبَاعَتْ إحْدَى الزَّوْجَاتِ فَحِصَّتُهَا بَيْنَ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ وَلَا دُخُولَ لِغَيْرِهِنَّ مِنْ الْأَخَوَاتِ إلَّا إذَا أَسْقَطَ الْمُشَارِكُ فِي السَّهْمِ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشُّفْعَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْهِبَةِ وَقَدَّمَ تَعْرِيفَهَا فَقَالَ: (وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ) لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ أَوْ لِقَصْدِ الثَّوَابِ فِي الدُّنْيَا.
(وَلَا صَدَقَةٌ) وَهِيَ الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ أَوْ لَهُ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
(وَلَا حُبُسٌ) وَهُوَ مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَارِيَّةِ وَلَا الْعُمْرَى بَلْ عَلَى وَجْهِ الْوَقْفِيَّةِ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْهَا، وَحَقِيقَتُهَا فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطَى فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطِي أَوْ نَائِبِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْحَوْزِ فِي الْحُبُسِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالرَّهْنِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا، فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ لَمْ تَنْفَعْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ حَتَّى تَشْهَدَ عَلَى الْقَبْضِ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ شَرْطٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:
مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ فَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ إنْ كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ.
وَالْهِبَةُ
[الفواكه الدواني]
الْقَبُولُ وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ إلَّا أَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ وَالْحِيَازَةُ شَرْطٌ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ خَوْفًا مِنْ قَوْلِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فِي مَرَضِهِ: ادْفَعُوا لِفُلَانٍ كَذَا فَإِنِّي كُنْت وَهَبْت لَهُ قَبْلَ مَرَضِي فَيُحْرَمُ الْوَارِثُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَوْلُنَا: قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ وَالْفَلَسُ وَالْجُنُونُ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَقَوْلُنَا: فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ احْتِرَازًا عَنْ عَطِيَّةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ عَلَى يَتِيمٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا شَهِدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ فَتَصِحُّ الْعَطِيَّةُ لِهَؤُلَاءِ، وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِ الْمُعْطِي إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ حَيْثُ وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ تَصْوِيرِهَا لِلطَّالِبِ وَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصَوُّرِ.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ نَحْوِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحُكْمُ النَّدْبُ لِأَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ دَلَّتْ عَلَى نَدْبِهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] وَ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 271] الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَدْبِهَا، وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهَا عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَكَوْنُهَا مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا لِأَرْكَانِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى لَهُ وَالشَّيْءُ الْمُعْطَى وَالصِّيغَةُ، فَأَمَّا الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَهَبَهُ، فَدَخَلَ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فِي الثُّلُثِ، وَيَخْرُجُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا كَهُمَا فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، وَأَمَّا الْمُعْطَى لَهُ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ تَمَلُّكُ الْعَطِيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ مِلْكُهُ فَتَدْخُلُ عَطِيَّةُ الرَّقِيقِ لِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمُعْطَى فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّقْلَ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَشْمَلُ كَلْبَ الصَّيْدِ وَجِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَشْيَاءَ الْمَجْهُولَةِ، وَيَخْرُجُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَالْحُبُسِ فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُعْطَى لَهُ وَلَوْ فِعْلًا، كَدَفْعِ دِينَارٍ لِفَقِيرٍ، وَكَنِحْلَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ.
الرَّابِعُ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ إلَخْ أَنَّ الْمَذْكُورَاتِ تَصِحُّ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهَا، وَيَقْضِي عَلَى الْفَاعِلِ بِدَفْعِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهَا، وَلِلْمُعْطَى لَهُ أَنْ يَحُوزَهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ وَإِنَّمَا لَزِمَتْ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا لِأَنَّهَا كَالْبَيْعِ وَقَعَتْ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» حَيْثُ شَبَّهَ الرَّاجِعَ فِيهَا بِالْكَلْبِ وَالْمَرْجُوعَ فِيهِ بِالْقَيْءِ، وَذَلِكَ غَايَةُ التَّنْفِيرِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ.
الْخَامِسُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ إلَخْ يُوهِمُ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِثْلُهَا بَقِيَّةُ الْعَطَايَا كَالنِّحْلَةِ وَالْمِنْحَةِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْإِسْكَانِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِرْفَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْإِخْدَامِ وَالصِّلَةِ وَالرَّهْنِ وَالْعُمْرَى وَالْإِحْبَاءِ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَضَعَتْ الْعَرَبُ لِأَنْوَاعِ الْإِرْفَاقِ أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً، فَالْعَارِيَّةُ لِتَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَبِعِوَضِ إجَارَةٍ، وَالرُّقْبَى إعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ لِمُدَّةٍ أَقْصَرُهُمَا عُمْرًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ، وَالْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَهُمَا أَخَصُّ مِنْ الْعَارِيَّةِ، وَالْإِفْقَارُ عَارِيَّةُ الظَّهْرِ الْمَرْكُوبِ مَأْخُوذٌ مِنْ فَقَارِهِ وَهُوَ عِظَامُ سِلْسِلَتِهِ، أَوْ لِإِسْكَانِ هِبَةِ مَنَافِعِ الدَّارِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَالْمِنْحَةُ هِبَةُ لَبَنِ الشَّاةِ، وَالْعَرِيَّةُ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ، وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَنْحُ وَالْعَطَاءُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ، انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ.
وَالنِّحْلَةُ مَصْدَرُ نَحَلْته أَعْطَيْته فَهِيَ الْعَطِيَّةُ، وَالْهَدِيَّةُ وَاحِدَةُ الْهَدَايَا وَالْمِهْدَى بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُهْدَى فِيهِ كَالطَّبَقِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَلَا يُسَمَّى مِهْدَى إلَّا وَفِيهِ مَا يُهْدَى، وَالْإِرْفَاقُ النَّفْعُ يُقَالُ أَرْفَقْته نَفَعْته، وَالْمُرْفَقُ مِنْ الْإِرْفَاقِ مَا ارْتَفَقْت بِهِ أَيْ انْتَفَعْت بِهِ، وَالْعِدَةُ جَمْعُهَا عِدَاتٌ مَصْدَرُ وَعَدَ فَهِيَ الْوَعْدُ فَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنْ الْوَاوِ، وَالْإِخْدَامُ إعْطَاءُ خَادِمٍ غُلَامٍ أَوْ جَارِيَةٍ، وَالصِّلَةُ الْعَطِيَّةُ، وَالْحِبَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْمَدِّ الْعَطَاءُ، وَالرَّهْنُ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ قَصْدًا لِنَفْعِ الطَّالِبِ لِعِزَّةِ بَيَانِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْحَوْزِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ) الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ الْمُحْبِسُ أَوْ الْمُعْمِرُ بِالْكَسْرِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ عَطِيَّةٌ (قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ) تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ سِوَى عَطِيَّةِ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ.
(فَهِيَ مِيرَاثٌ) لِبُطْلَانِهَا بِالْمَوْتِ قَبْلَ تَمَامِهَا بِالْحَوْزِ، وَمِثْلُ مَوْتِ الْوَاهِبِ أَوْ الْوَاقِفِ إحَاطَةُ الدُّيُونِ بِمَالِهِ أَوْ جُنُونُهُ أَوْ
لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِفَقِيرِ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهَا وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
وَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ مَا لَمْ يُنْكِحْ لِذَلِكَ أَوْ يُدَايَنْ أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا.
وَالْأُمُّ تَعْتَصِرُ مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ لَمْ
[الفواكه الدواني]
مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ أَوْ وُهِبَتْ لِثَانٍ وَجَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوْ اسْتَوْلَدَ، وَلَا قِيمَةَ عَلَى الْوَاهِبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ الْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ بُطْلَانُ الْهِبَةِ وَمَا مَعَهَا بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ وَلَوْ وُجِدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَوْزِهَا وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ مَا عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّهُ إنْ جَدَّ وَسَارَعَ فِي حَوْزِهَا فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلْ وَلَفْظُهُ: وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى أَوْجَدَ فِي الْقَبْضِ أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِ الْهِبَةِ عِنْدَ إنْكَارِ الْوَاهِبِ فَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَوْ فَلِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ فَلَا تَبْطُلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالْمُفْلِسِ إذَا خَاصَمَهُ الرَّجُلُ فِي عَيْنِ سِلْعَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُفْلِسُ أَنَّ رَبَّهَا أَحَقُّ بِهَا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ لَهُ إيقَافُهَا إلَّا فِي الْبَيِّنَةِ الْقَرِيبَةِ مِثْلُ السَّاعَةِ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الْبَعِيدَةُ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا إلَّا مَعَ شَاهِدٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ بُطْلَانِ الْمَذْكُورَاتِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْحَوْزِ فِي غَيْرِ الْوَاقِعِ مِنْهَا فِي حَالِ الْمَرَضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْهِبَةِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا صَدَرَ مِنْ الْمُعْطِي (فِي) حَالِ (الْمَرَضِ) الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ (فَذَلِكَ) التَّبَرُّعُ الْوَاقِعُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْحُبُسِ فِي حَالِ الْمَرَضِ (نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ وَهِيَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَتَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) الْإِعْطَاءُ (لِغَيْرِ وَارِثٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ بِالثُّلُثِ كَبُطْلَانِهَا لِغَيْرِهِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ الْبَاطِلَةَ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا الْمَرَضَ بِالْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْهُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ كَانَتْ لِوَارِثٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَلَا دَيْنٍ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ صَحِيحًا رَشِيدًا لَهُ التَّبَرُّعُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحَبَّ،
وَلَمَّا كَانَتْ الْعَطِيَّةُ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا وَمَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ) وَهُوَ مَنْ يُحَرَّمُ نِكَاحُهُ وَلَوْ غَنِيًّا.
(أَوْ لِفَقِيرٍ) أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَتِيمٍ (كَالصَّدَقَةِ) فِي أَنَّهَا (لَا رُجُوعَ فِيهَا) لِأَنَّهَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّحِمِ، بَلْ كُلُّ مَا يَكُونُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ وَلَوْ مِنْ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الرَّحِمَ لِتَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّهُمْ أَوْلَى بِفِعْلِ الْمَعْرُوفِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» أَيْ يُعْطِيهِمْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِلْفَقِيرِ بِأَنْ تَكُونَ لِأَجْنَبِيٍّ غَنِيٍّ لَا تَكُونُ كَالصَّدَقَةِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَيُقْضَى بِهَا وَلَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ فِيهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» كَمَا يَأْتِي ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلِذَا كَانَ الْأَوْلَى الْإِتْيَانَ بِالْفَاءِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَكَذَلِكَ الْكَبِيرُ (فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) فِيمَا تَصَدَّقَ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ فِيهَا إلَّا لِشَرْطٍ.
وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ لِلْأَبِ دَنِيَّةً (أَنْ يَعْتَصِرَ) أَيْ يَأْخُذَ قَهْرًا (مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ) لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِفَقْرِهِ وَلَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بَلْ وَهَبَهُ لِوَجْهِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَعْتَصِرُ الْأَبَوَانِ مَا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى وَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهُ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَمَّا الْحُبُسُ فَهُوَ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَيَعْمَلُ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْحُبُسِ، وَقَوْلُنَا دَنِيَّةً لِإِخْرَاجِ الْجَدِّ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ (مَا لَمْ يُنْكِحْ) الْوَلَدَ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَجْلِ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ (أَوْ يُدَانُ) أَيْ يُعْطِي دَيْنًا لِأَجْلِهَا.
(أَوْ يَحْدُثْ فِي الْهِبَةِ حَدَثٌ) أَيْ حَادِثٌ يُنْقِصُهَا فِي ذَاتِهَا أَوْ يَزِيدُهَا فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اعْتِصَارُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ فَقَطْ، إلَى أَنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ يَزِيدُ أَوْ نَقَصَ، وَلَمْ يَنْكِحْ أَوْ يُدَايَنْ لَهَا أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا أَوْ يَمْرَضْ كَوَاهِبٍ إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ أَوْ النَّقْصُ أَوْ يَرْجِعَ الزَّبَدُ فَإِنَّهُ يَعُودُ الِاعْتِصَارُ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّقْصِ بَيْنَ الْحِسِّيِّ كَهُزَالِ الْحَيَوَانِ الَّذِي كَانَ سَمِينًا، وَالْمَعْنَوِيِّ كَنِسْيَانِ الْعَبْدِ صَنْعَتَهُ، وَكَذَا تَفُوتُ الْهِبَةُ الْمِثْلِيَّةُ بِخَلْطِهَا بِمِثْلِهَا.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لِذَلِكَ أَنَّ التَّدَايُنَ وَالْإِنْكَاحَ إنَّمَا يَكُونَانِ مُفَوِّتَيْنِ لِلِاعْتِصَارِ عِنْدَ قَصْدِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ، وَصَاحِبُ الْمَالِ فِي الدَّيْنِ أَنَّ النِّكَاحَ وَالدَّيْنَ لِخُصُوصِهَا، لَا إنْ لَمْ يَقْصِدَا ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَا يَنْكِحُ وَلَا يُدَايَنُ الشَّخْصُ لِأَجْلِهَا فَلَا يُفَوِّتَانِ الِاعْتِصَارَ، وَلَا إنْ قَصَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِعَقْدِ نِكَاحِهِ أَوْ تَدَايُنِهِ تَفْوِيتَهَا دُونَ قَصْدِ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ صَاحِبِ الدَّيْنِ.
(وَالْأُمُّ) دَنِيَّةٌ كَالْأَبِ لَهَا أَنْ (تَعْتَصِرَ) مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الَّذِي لَهُ أَبٌ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.
(مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا) وَلَوْ مَجْنُونًا زَمَنَ الْهِبَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِهِبَتِهَا صِلَةَ الرَّحِمِ أَوْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، أَوْ يَكُونَ فَقِيرًا
تَعْتَصِرْ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَالَيْتُمْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ.
وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَسْكُنْ ذَلِكَ أَوْ يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ.
وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ
[الفواكه الدواني]
بَائِنًا عَنْ أَبِيهِ فَلَا تَعْتَصِرُهَا، وَقَوْلُنَا دَنِيَّةٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَعْتَصِرُ كَالْجَدِّ كَمَا قَدَّمْنَا.
(فَإِذَا مَاتَ) الْأَبُ (لَمْ تَعْتَصِرْ) الْأُمُّ مَا وَهَبَتْهُ وَلَوْ كَانَ وَلَدُهَا غَنِيًّا لِأَنَّهُ صَارَ يَتِيمًا.
(وَ) الْأُمُّ (لَا تَعْتَصِرُ مِنْ يَتِيمٍ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ وَقَعَتْ الْهِبَةُ قَبْلَ يُتْمِهِ أَوْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا تَعْتَصِرُ مِنْ ذَوِي الْأَبِ وَلَوْ تَيَتَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ وَهَبَتْ لِكَبِيرٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي وَهَبَتْهُ أُمُّهُ إنْ كَانَ بَالِغًا حِينَ الْهِبَةِ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى يَتِيمًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا حِينَ الْهِبَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ مَا دَامَ أَبُوهُ حَيًّا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا حِينَ الْهِبَةِ وَلَا أَبَ لَهُ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا وَلَوْ بَلَغَ قَبْلَ الِاعْتِصَارِ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ الصَّغِيرَ ذَا الْأَبِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَالصَّبِيُّ صَغِيرٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَهَا الِاعْتِصَارُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَمُقَابِلُهُ لِلَّخْمِيِّ، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْوَلَدُ يَتِيمًا بِقَوْلِهِ: (وَالْيُتْمُ) فِي الْآدَمِيِّ (مِنْ قِبَلِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةِ فَقْدِ (الْأَبِ) فَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا يَصِيرُ يَتِيمًا إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَلَا يُسَمَّى يَتِيمًا، وَأَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَطْ فَلَا يُقَالُ لَهُ يَتِيمٌ، وَأَمَّا الْيَتِيمُ مِنْ الطَّيْرِ فَهُوَ مَنْ فَقَدَهُمَا مَعًا، وَأَمَّا فِي نَحْوِ الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا فَمِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَقَطْ، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَنَّ الْآدَمِيَّ إنَّمَا يُضَيَّعُ بِفَقْدِ أَبِيهِ غَالِبًا.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْهِبَةَ وَمَا مَعَهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ، بَيَّنَ هُنَا أَنَّ مَا سَبَقَ فِي غَيْرِ هِبَةِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا وَهَبَهُ) الْأَبُ الرَّشِيدُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ السَّفِيهِ (فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ) مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْأَبِ إلَى أَنْ فَلِسَ أَوْ مَاتَ، لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لِمَحْجُورِهِ، وَقَيَّدْنَا الْأَبَ بِالرَّشِيدِ لِأَنَّ الْأَبَ السَّفِيهَ لَا يَحُوزُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحُوزُ وَلِيُّهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِيَازَةَ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ لَهُ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهُ، وَثَانِي الشُّرُوطِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَسْكُنْ) الْأَبُ (ذَلِكَ) الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ إنْ كَانَ مِمَّا يُسْكَنُ كَدَارٍ أَوْ حَانُوتٍ.
(أَوْ) إذَا لَمْ (يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا) أَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ دَارَ سُكْنَاهُ وَاسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِجَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ اسْتَمَرَّ لَابِسًا لِمَا وَهَبَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُلْبَسُ حَتَّى حَصَلَ الْمَنَافِعُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَصِحُّ حَوْزُهُ لَهُ: وَدَارُ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرَى لَهُ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَ دَارَ سُكْنَاهُ لِكِبَارِ وَلَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا سَكَنَهُ فَقَطْ، وَيَصِحُّ مَا جَازَهُ الْوَلَدُ كَانَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، وَالْوَقْفُ مِثْلُ الْهِبَةِ فِي ذَلِكَ.
وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَحُوزُ) الْأَبُ (لَهُ) أَيْ لِمَحْجُورِهِ (مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) كَدَارٍ أَوْ دَابَّةٍ، فَلَوْ وَهَبَ لَهُ مَالًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَحَازَهَا حَتَّى حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ فَلَسٍ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ شُهُودِهَا، بِخِلَافِ لَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا أَوْ وَضَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ فَلَا تَبْطُلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ إلَّا مَا لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمَحْجُورٍ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ مُقَدَّمًا مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي، وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ أَجْوَدُ لِشُمُولِهَا الْأَبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْمَحْجُورَ الصَّبِيَّ وَغَيْرَهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ إلَخْ أَنَّ حِيَازَةَ الْأُمِّ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ لَا تَصِحُّ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةَ الْوَلَدِ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّهِ فَيَصِحُّ حَوْزُهَا لَهُ حِينَئِذٍ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ حِيَازَةِ الْأَبِ لِمَحْجُورِهِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْ غَلَّةَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَالْوَقْفِ وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الْغُبْرِينِيُّ وَالرَّصَّاعُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَوَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ عَدَمُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحِيَازَةَ هُنَا تَصِحُّ وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ يَصْرِفُ غَلَّةَ الْمَوْهُوبِ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَخَلِيلٌ فِي دَارِ السُّكْنَى مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ حَوْزِهَا مِنْ كِرَائِهَا بِاسْمِ الْمَحْجُورِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ صَرْفِ الْغَلَّةِ وَعَقْدِ الْكِرَاءِ.
الثَّالِثُ: كَمَا لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ بِبَقَائِهَا تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ، كَذَلِكَ هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْهِبَةُ: وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ يَدَهُ عَنْ هِبَتِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَمِثْلُ هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ هِبَةُ السَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ الْإِشْهَادُ عَلَى الْهِبَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِبَةَ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ وَأَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ خَلَا دَارِ السُّكْنَى أَوْ دَارِ سُكْنَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَالسَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا حِيَازَةٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا لَا يُنَافِي تَمَامَهُ مِنْ الْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ:
إلَّا بِالْمِيرَاثِ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَلَا يَشْتَرِي مَا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَالْمَوْهُوبُ لِلْعِوَضِ إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ أَوْ
[الفواكه الدواني]
(وَأَمَّا) مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ (الْكَبِيرِ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ) وَإِنَّمَا يَحُوزُ لِنَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ رَشِيدًا، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ كَالصَّغِيرِ يَحُوزُ لَهُ أَبُوهُ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْئًا وَاسْتَمَرَّ حَائِزًا لَهُ حَتَّى بَلَغَ رَشِيدًا وَلَمْ يَحُزْهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَائِزًا لَهُ، وَاخْتُلِفَ لَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَجَهِلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ أَبُوهُ حَائِزًا حَتَّى مَاتَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّفَهِ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ عَلَى الرُّشْدِ فَتَبْطُلُ؟ لِعَدَمِ حِيَازَتِهِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَوْلَانِ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَيَحُوزُهُ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا وَلَا تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَإِنَّهُ يَحُوزُهُ لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَيُؤْنِسُ مِنْهَا الرُّشْدَ.
(لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُتَصَدِّقُ (فِي صَدَقَتِهِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ.
(وَلَا) يَنْبَغِي أَنْ (تَرْجِعَ إلَيْهِ إلَّا بِالْمِيرَاثِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَمَفْهُومُ الصَّدَقَةِ أَنَّ الْهِبَةَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَالتَّسَبُّبُ فِي تَمَلُّكِهَا مُنَافٍ لِقَصْدِ الْفَاعِلِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى النَّدْبِ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَحَمَلْنَا الرُّجُوعَ عَلَى اسْتِحْدَاثِ مِلْكِهَا بِسَبَبِ إشَارَةٍ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ إبْطَالَ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ لِلُزُومِ سَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى الْوَصِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ إبْطَالُهَا إلَّا عَطِيَّةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ كَمَا مَرَّ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ شَرَطَ فِي عَقْدِ صَدَقَتِهِ الرُّجُوعَ وَإِلَّا عَمِلَ بِشَرْطِهِ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مَعَ أَجْنَبِيٍّ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَهُ إنْ شَاءَ فَإِنَّ لَهُ بَيْعَهُ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَجَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ بَيْنَ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِحَمْلِ كَلَامِ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى مَا إذَا أَخْرَجَهَا لِمُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ، وَحَمْلُ كَلَامِ مَالِكٍ عَلَى إخْرَاجِهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الَّذِي يَأْخُذُهَا، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالْمُنَاقِضِ لِمَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ) الْمُتَصَدِّقُ (مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ) مِنْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا كَالْمُنَاقِضِ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ شُرْبَ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ رُجُوعٌ فِي صَدَقَتِهِ وَقَدْ قَالَ أَوَّلًا: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا بِمِيرَاثٍ، وَقَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَلَا يَرْكَبُهَا وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا كَالْمُنَاقِضِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ بِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ، عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَلَوْ مَعَ رِضَاهُ أَوْ الرَّشِيدِ مَعَ عَدَمِ رِضَاهُ، وَحَمْلِ قَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ عَلَى شُرْبِهِ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ بِرِضَاهُ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ.
" مُحَمَّدٌ " وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ قَوْلَهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ إلَخْ عَلَى مَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ وَنَحْوُهُ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ يَكُونُ ثَمَنُهُ تَافِهًا أَوْ كَثِيرًا وَرَضِيَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى مَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ كَثِيرًا وَلَمْ يَرْضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ بِأَخْذِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ هَذَا مَا لَمْ يَفْتَقِرْ الْأَبُ وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا يَصَّدَّقُ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، كَمَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ صَدَقَتِهِ وَإِنْ غَنِيَّةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ كَوُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ مِمَّا تَصَدَّقَتْ بِهِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَعَلَيْهِ ابْنُ نَاجِي أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا يَشْتَرِي) الْمُتَصَدِّقُ (مَا تَصَدَّقَ بِهِ) فَهُوَ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْدِثَ مِلْكَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ اخْتِيَارًا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِالْمِيرَاثِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي الرُّجُوعِ.
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ اخْتِيَارًا أَشْيَاءُ مِنْهَا: الْعَرِيَّةُ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْمُعْرِي شِرَاؤُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ إلَخْ، وَمِنْهَا مَنْ أَعْمَرَ شَخْصًا دَارِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعَمِّرِ بِالْكَسْرِ شِرَاؤُهَا، وَمِنْهَا مَنْ سَبَّلَ مَاءً عَلَى غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِدْهُ
رَدَّ الْهِبَةَ فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا.
وَذَلِكَ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ
[الفواكه الدواني]
عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَمِنْهَا مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِأَمَةٍ فَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيَسْتَقْصِي، بِخِلَافِ مَا تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِوَجْهِ الْمُعْطِي شَرَعَ فِي الْهِبَةِ لِثَوَابِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ فَقَالَ: (وَالْمَوْهُوبُ لِلْعِوَضِ) الْمُخَيَّرُ (إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ) يَوْمَ الْقَبْضِ فَيَلْزَمُ قَبُولُهَا.
(أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ) لِوَاهِبِهَا وَهَذَا التَّخْيِيرُ مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ.
(فَإِنْ فَاتَتْ) بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) جَبْرًا عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ وَاهِبُهَا لَا الْمَوْهُوبُ الْقِيمَةَ إلَّا لِفَوَاتٍ يَزِيدُ أَوْ نَقَصَ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ اسْتِحْقَاقِ الْوَاهِبِ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ لُزُومُ الْقِيمَةِ لِلْوَاهِبِ بَعْدَ فَوَاتِ الْهِبَةِ مَشْرُوطٌ بِمَا (إذَا كَانَ) أَيْ الْحَالُ وَالشَّأْنُ (يُرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُظَنُّ (أَنَّهُ أَرَادَ) أَيْ قَصَدَ الْهِبَةَ لِأَجْلِ (الثَّوَابِ) أَيْ الْعِوَضِ (مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ) وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَفَقِيرٍ يَدْفَعُ شَيْئًا لِغَنِيٍّ، بِخِلَافِ هِبَةِ الْغَنِيِّ لِفَقِيرٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ فِي هِبَتِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إذَا كَانَ يُرَى إلَخْ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ، وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ عَامٌّ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِأَجْلِ عُرْسٍ أَوْ عِنْدَ قُدُومٍ مِنْ حَجٍّ، وَلِوَاهِبِ الثَّوَابِ طَلَبُ الثَّوَابِ وَلَوْ مُعَجَّلًا وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عُرْسٌ إلَّا لِعَادَةٍ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الْوَاهِبَ بِمَا أَكَلَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْدَ إحْضَارِ الْهِبَةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْحُمُولَةِ، وَالتَّصْدِيقُ فِي إرَادَةِ الثَّوَابِ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا، وَقِيلَ الْيَمِينُ عِنْدَ إشْكَالِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ فَقَطْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا جَرَى الْعُرْفُ بِالثَّوَابِ يُعْمَلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَسْكُوكًا أَوْ كَانَ الْوَاهِبُ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَمَا فِي خَلِيلٍ حَيْثُ لَا عَادَةَ وَإِلَّا عَمِلَ بِهَا لِأَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ كَالشَّرْطِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ هِبَةِ الثَّوَابِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ لَا مَنْدُوبَةٌ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّبَا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ عَطِيَّةً لِيُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَذَلِكَ أَنْ يُهْدِيَ هَدِيَّةً لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَأَبَاحَهُ اللَّهُ لِسَائِرِ النَّاسِ، وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ إنَّمَا تَجُوزُ لِأُمَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لَهُ لِآيَةِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] لِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ جَوَازِ قَبُولِهَا وَدَفْعِهَا بَلْ لَكُمْ حُكْمٌ.
الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ جَوَازِ الْهِبَةِ لِقَصْدِ الثَّوَابِ جَوَازُ دَفْعِهَا مَعَ شَرْطِ الثَّوَابِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ حَيْثُ رَضِيَ بِهِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ التَّعْيِينُ، وَقَوْلُهُمْ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ حَيْثُ لَمْ تَفُتْ الْهِبَةُ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْوَاهِبُ الْقِيمَةَ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُعَيِّنْ الثَّوَابَ وَيَرْضَى بِهِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعْيِينٌ وَإِلَّا صَارَ عَقْدُهَا لَازِمًا، وَقُضِيَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِهِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ هِبَةُ الثَّوَابِ مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِ الْعِوَضِ مَعَ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَهُوَ عَقْدٌ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا مِنْهُ الثَّوَابُ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ، فَيُثَابُ عَنْ الْعَرَضِ طَعَامًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا عَنْ غَيْرِ نَوْعِ الْمَوْهُوبِ، وَيُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثَابَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً وَلَا عَكْسَهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا عَنْ الْعَيْنِ مِنْ صِنْفِهَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَلِ الْمُؤَجَّرِ، وَلَا عَنْ الْحَيَوَانِ لَحْمًا مِنْ جِنْسِهِ وَلَا عَكْسَهُ لِحُرْمَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ وَقَضَائِهِ عَنْهُ، وَيُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرْضًا أَوْ دَنَانِيرَ لَا طَعَامًا وَلَا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رِبَا النِّسَاءِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ بَيْنَ الْعَامَّةِ مِنْ رَدِّ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ فَحَرَامٌ، وَمِثْلُهُ قَضَاءُ الدَّرَاهِمِ عَنْ مِثْلِهَا أَوْ عَنْ الذَّهَبِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقَعَ قَضَاءُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا بَلْ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبُ لَهُ دَفْعَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبُ قَبُولَ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا طَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُهُ وَأَبَى الْوَاهِبُ مِنْ أَخْذِ أَزِيدَ مِنْ قِيمَةِ هِبَتِهِ، فَأَفْتَى الْقَابِسِيُّ بِجَبْرِ الْوَاهِبِ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ كُلٌّ بِالطَّلَاقِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَرَادَ صَاحِبُهُ لَقُضِيَ بِتَحْنِيثِ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هِبَاتِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، هَذَا
كُلَّهُ.
وَأَمَّا الشَّيْءُ مِنْهُ فَذَلِكَ سَائِغٌ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ أَوْ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ قَبْضُهَا.
وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا عَلَى الْوَاهِبِ
[الفواكه الدواني]
مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَابِسِيِّ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْوَاهِبُ عَلَى قَبُولِ الزَّائِدِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ مَا يَتَوَقَّعُ الْمَنَّ بِهِ.
الْخَامِسُ: هِبَةُ الثَّوَابِ شَبِيهَةٌ بِالْبَيْعِ، وَلِذَا لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ قَبْلَ حِيَازَةِ الْهِبَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَوْ مَرَضِ أَوْ فَلَسِ وَاهِبِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا فَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا الَّتِي تَبْطُلُ بِعَدَمِ حِيَازَتِهَا قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ.
[هِبَة الْوَالِد جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ هِبَةِ الْوَالِدِ جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِلشَّخْصِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ (أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا (مَالَهُ كُلَّهُ) أَوْ جُلَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَضَى بِشَرْطِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضِ الْوَاهِبِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاقِي الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِمْ مَخَافَةَ مُطَالَبَتِهِمْ بِنَفَقَةٍ وَإِلَّا رُدَّتْ، وَمِثْلُ الْإِعْطَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْكَرَاهَةِ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ إذَا كَانَ فِيهِمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانُوا ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ إنَاثًا فَقَطْ فَلَا كَرَاهَةَ، كَمَا لَا يُكْرَهُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَمِثْلُهَا لَوْ وَقَعَتْ فِي صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ.
(وَأَمَّا) هِبَةُ (الشَّيْءِ) الْقَلِيلِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَتَتِمُّ بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْأَبِ كَسَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى هِبَةِ الثَّوَابِ كَمَا مَرَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ مَا وَرَدَ: «أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ نَحَلَهُ أَبُوهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَأَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَشْهَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ» وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ لِلْمَشْهُورِ مِنْ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ كَمَالِهَا، وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ عَطِيَّةَ الْأَبِ كُلُّ مَالِهِ أَوْ جُلُّهُ لِبَعْضِ الْأَوْلَادِ يُؤَدِّي إلَى عُقُوقِ الْبَاقِينَ وَحِرْمَانِهِمْ وَيُؤَدِّي إلَى تَبَاغُضِهِمْ، وَالْمَطْلُوبُ الْحِرْصُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُوَادَّةِ وَالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، وَلِذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» . وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الشَّخْصَ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْبَارِّ وَالْعَاقِّ.
وَلَمَّا كَانَ عِلَّةُ كَرَاهَةِ هِبَةِ جَمِيعِ أَوْ جُلِّ الْمَالِ مُنْتَفِيَةً فِي الْأَجَانِبِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ (عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ ابْتِغَاءً لِلثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَعَيِّنَ أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] وَلِأَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ نَدْبِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ طَيِّبَ النَّفْسِ بَعْدَ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْدَمُ عَلَى الْبَقَاءِ بِلَا مَالٍ، وَأَنَّ مَا يَرْجُوهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمَاثِلًا لِمَا تَصَدَّقَ بِهِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يُنْدَبُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْدَبْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إنْ تَحَقَّقَ الْحَاجَةَ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يُكْرَهُ إنْ تَيَقَّنَ الْحَاجَةَ إلَيْهِ لِمَنْ يُنْدَبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ كَحَوَاشِيهِ، لِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: إنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْعَاقِلِ الرَّشِيدِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ مَا ذُكِرَ سَوَاءٌ كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ إحَاطَةِ دَيْنٍ.
الثَّالِثُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ يَتَصَدَّقُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ يَمِينٍ وَلَا نَذْرٍ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ وَلَا يَحْبِسُ مِنْهُ شَيْئًا سِوَى مَا يَرُدُّهُ دَيْنٌ، بِخِلَافِ مَنْ الْتَزَمَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِهِ بِنَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ حَنِثَ فِيهِ فَيُجْزِيهِ ثُلُثُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَمِثْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ.
[مُبْطِلَات الْهِبَة]
ثُمَّ شَرَعَ فِي مُبْطِلَاتِ الْهِبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً) لِغَيْرِ ثَوَابِ الدُّنْيَا بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ أَوْ لِلْآخِرَةِ أَوْ لَهُمَا (فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) بَلْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْوَاهِبِ وَلَمْ يَجِدَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَوْزِهَا (حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ) أَوْ جُنَّ وَاتَّصَلَ كُلٌّ بِمَوْتِهِ (أَوْ) حَتَّى (أَفْلَسَ) وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدُّيُونِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ حُصُولِ الْمَرَضِ أَوْ الْفَلَسِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُمَا (قَبْضُهَا) لِبُطْلَانِهَا بَعْدَ حَوْزِهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِلَمْ يَجِدَّ فِي الْحَوْزِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ بُطْلَانِهَا بِعَدَمِ الْحَوْزِ مَعَ الْجِدِّ فِي الْحَوْزِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهَا بِالْمَرَضِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَحَلَ ابْنَتَهُ عَائِشَةَ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ
الصَّحِيحِ.
وَمَنْ حَبَسَ دَارًا فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ.
إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ حَبْسًا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ جَازَتْ
[الفواكه الدواني]
الْوَفَاةُ قَالَ: وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدَ مَوْتِي عَنْك، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْك، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْت جَذَذْتِيهِ وَأَخْذَتَيْهِ لَكَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمُ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك وَأُخْتَاك فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا الْهِبَةَ بِغَيْرِ هِبَةِ الثَّوَابِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ حَوْزِهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْمَرَضَ بِالْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ مَرِضَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْحَوْزِ ثُمَّ صَحَّ صِحَّةً بَيِّنَةً فَإِنَّهَا تُحَازُ وَتَتِمُّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْفَلَسِ وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدُّيُونِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَلَسُ الْخَاصُّ وَهُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ مَالِ الْمَدْيُونِ، وَلَا فَرْقَ فِي الدَّيْنِ الْمُحِيطِ بَيْنَ السَّابِقِ عَلَى الْهِبَةِ وَالْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا.
الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ بُطْلَانِ الْهِبَةِ بِعَدَمِ الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ الْهِبَةُ الَّتِي اسْتَصْحَبَهَا الْوَاهِبُ مَعَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَأَرْسَلَ بِهَا رَسُولًا، فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ وَلَا بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُعَيَّنِ إذَا كَانَ الْوَاهِبُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي مُبْطِلَاتِ الْهِبَةِ: أَوْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ الْمُعَيَّنُ لَهَا إنْ لَمْ يُشْهِدْ.
وَفِي صَدَقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهَا: مَنْ بَعَثَ بِهَدِيَّةٍ أَوْ صِلَةٍ لِغَائِبٍ فَمَاتَ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ حِينَ بَعَثَ بِهَا عَلَى إنْفَاذِهَا فَهِيَ لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ أَوْ وَارِثِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَ بِهَا فَهِيَ لِلَّذِي أَعْطَى أَوْ وَارِثِهِ، وَحُكْمُ مَنْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً مَعَهُ لِغَائِبٍ حُكْمُ مَنْ أَرْسَلَهَا فَعِنْدَ الْإِشْهَادِ لَا تَبْطُلُ وَبِدُونِهِ تَبْطُلُ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْحَوْزِ ذَكَرَ حُكْمَ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ) الْحُرُّ الَّذِي لَمْ تُقْصَدْ عَيْنُهُ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ وَ (كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا عَلَى الْوَاهِبِ الصَّحِيحِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ حَقًّا لَهُ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْوَاهِبَ بِالصَّحِيحِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَلِسَ قَبْلَ حَوْزِهَا فَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ الطَّلَبُ بِهَا لِبُطْلَانِهَا بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَقَيَّدْنَا الْمَوْهُوبَ لَهُ بِالْحُرِّ لِأَجْلِ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَارِثِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ الرَّقِيقَ يَقْبِضُ سَيِّدُهُ مَا وُهِبَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَانَ لِوَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الرَّقِيقِ الْقِيَامُ بِهَا لَكَانَ أَشْمَلَ وَوَافَقَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وُهِبَ لِحُرٍّ هِبَةٌ أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ فَلِوَرَثَةِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ قَبْضُهَا، وَهَذَا فِي الْهِبَةِ وَمِثْلُهَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَأَمَّا الْوَاجِبَةُ كَالْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ فَتَوَقَّفَ فِيهَا بَعْضُ الشُّيُوخِ هَلْ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ أَمْ لَا؟ وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا الَّذِي لَمْ تُقْصَدْ عَيْنُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاهِبُ قَالَ: هَذِهِ هِبَةٌ لِفُلَانٍ بِعَيْنِهِ لَا لِغَيْرِهِ وَلَا لِوَارِثِهِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا يَأْخُذُهَا الْوَارِثُ، فَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي قَصْدِ عَيْنِهِ وَعَدَمِ قَصْدِهَا، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لِأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَانْظُرْ أَيَّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
[أَحْكَام الحبس]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ شَرَعَ فِي الْحُبُسِ لِأَنَّهُ عَقِبُهُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَيُرَادِفُهُ الْوَقْفُ مَصْدَرُ وَقَفَ الْمُجَرَّدُ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ، وَالرَّدِيئَةُ أَوْقَفَ عَكْسُ أَعْتَقَ وَعَتَقَ، وَسُمِّيَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ وَمَحْبُوسَةٌ وَقَدْ مَرَّتْ حَقِيقَتُهُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي حُكْمِهِ، وَالصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ بَلْ نَدْبُهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْسَنِ مَا تَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ حَبَسَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ دُورًا وَحَوَائِطَ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْت وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَمُقَابِلُ الْجُمْهُورِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى مَنْعِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْوَاقِفِ وَهُوَ مِلْكٌ يُوَرَّثُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ أَوْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَوْتِهِ كَأَنْ يَقُولَ: إنْ مِتُّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَمْ يَنْهَضْ لَهُمْ دَلِيلًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَعْرِيفَهُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ، كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ أَرْكَانَهُ أَرْبَعَةٌ: الْوَاقِفُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَالْمَوْقُوفُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَلَوْ طَعَامًا أَوْ نَقْدًا عَلَى مَنْ يَتَسَلَّفُهُمَا أَوْ يَرُدُّ مِثْلَهُمَا أَوْ رَقِيقًا أَوْ مُسْتَأْجَرًا، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمَوْقُوفِ وَلَوْ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ كَقَنْطَرَةٍ وَمَسْجِدٍ، وَالصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى إعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ وَإِلَّا التَّنْجِيزُ كَلَفْظِ حَبَسْت وَوَقَفْت مُطْلَقًا أَوْ تَصَدَّقْت إنْ قَارَنَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ: هَذَا صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ أَوْ يَغْتَلُّونَهُ أَوْ يَنْتَفِعُونَ بِذَاتِهِ بِالسُّكْنَى فِيهِ، أَوْ يَكُونُ عَلَى مَجْهُولٍ مَحْصُورٍ كَأَنْ يَقُولَ: هَذَا صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ وَنَسْلِهِ لِقِيَامِ التَّعْقِيبِ مَقَامَ الْقَيْدِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَبَيْنَ النَّاسِ كَالْمَسْجِدِ يَبْنِيهِ وَيَفْتَحُهُ لِلنَّاسِ، وَكَالطَّاحُونِ أَوْ الْقَنْطَرَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ عُمُومُ النَّاسِ فَقَالَ: (وَمَنْ حَبَسَ) مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ (دَارًا) أَوْ حَائِطًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ كُلِّ مَمْلُوكٍ لِلْمُحْبِسِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ (فَهِيَ) قَاصِرَةٌ (عَلَى مَا جَعَلَهَا) الْمُحْبِسُ بِالْكَسْرِ (عَلَيْهِ) بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالصِّيغَةِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَا
حِيَازَتُهُ لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ.
وَلْيُكْرِهَا لَهُ وَلَا يَسْكُنُهَا فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهَا حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ.
وَإِنْ انْقَرَضَ مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ
[الفواكه الدواني]
الرُّجُوعُ فِيهَا لِمَا قَالَهُ أَئِمَّتُنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْوَقْفِ اللُّزُومُ فِي الْحَالِ إذَا نَجَزَهُ أَوْ أَطْلَقَ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّنْجِيزِ، وَلِذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا الِاسْتِبْدَالُ فِي الْوَقْفِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى قَبُولٍ حَيْثُ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ لِتَعَذُّرِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ أَوْ وَلِيَّهُ إنْ كَانَ مَحْجُورًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوقَفِ عَلَيْهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ وَلِيٌّ فَيُقِيمُ لَهُ السُّلْطَانُ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ، فَإِنْ رَدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ الْأَهْلُ مَا وَقَفَهُ الْغَيْرُ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَرْجِعُ حُبُسًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ عَيَّنَ الْجِهَةَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَا لَوْ وَقَفَ دَارِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ مَصْرِفِهِ وَيُصْرَفُ فِي غَالِبِ مَا تَحْبِسُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَعْيِينُ مَصْرِفِهِ وَصُرِفَ فِي غَالِبٍ وَإِلَّا فَالْفُقَرَاءُ.
الثَّانِي: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ إنْ جَازَ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: وَكَذَا إنْ كَرِهَ كَاشْتِرَاطِ وَقْفِهِ عَلَى قِرَاءَةِ سَبْعٍ جَمَاعَةً أَوْ عَلَى ضَحِيَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ الْوَاقِفِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَحِلُّ وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِشَرْطِهِ جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ كَاشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ دَرْسِ عِلْمٍ فِي مَحَلٍّ وَيَخْرَبُ بِحَيْثُ لَا تُمْكِنُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ أَوْ يَتَعَذَّرُ حُضُورُ الطَّالِبِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَفِعْلُهُ كَشَرْطِهِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُقَرِّرَ مُدَرِّسًا مَالِكِيًّا يَقْرَأُ فِي مَسْجِدِهِ ثُمَّ يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ إنْ مَاتَ الْمَالِكِيُّ أَنْ يُقَرِّرَ حَنَفِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا، وَإِنَّمَا يُقَرِّرُ مَالِكِيًّا اتِّبَاعًا لِفِعْلِ الْوَاقِفِ.
الثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَنَا التَّأْبِيدُ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ التَّأْبِيدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْوَقْفِ حَيْثُ قَالَ: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ وَأَنَّهُ بَنَى التَّعْرِيفَ عَلَى الْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ وَيَصِيرُ الَّذِي كَانَ مَوْقُوفًا مِلْكًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَغَيْرُهُ، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا لِنَاظِرِ الْوَقْفِ بِأَنْ يَفْعَلَ فِي الْوَقْفِ كُلَّ مَا كَانَ قَرِيبًا لِغَرَضِهِ وَإِنْ خَالَفَ شَرْطَهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ مَاءً عَلَى الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فَيَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُمَكِّنَ الْعَطْشَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَ تَمَامِ وَقْفِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ) أَوْ فَلَسِهِ أَوْ جُنُونِهِ، فَلَوْ قَالَ قَبْلَ كَمَوْتِهِ لَشَمِلَ بَقِيَّةَ الْمَانِعِ مِنْ فَلَسٍ أَوْ جُنُونٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ حِيَازَةٌ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ أَوْ فَلِسَ بَطَلَ الْوَقْفُ، وَحَقِيقَةُ الْحِيَازَةِ رَفْعُ يَدِ الْوَاقِفِ عَنْ الْوَقْفِ وَتَمْكِينِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ بِمَا يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ وَبَيْنِ النَّاسِ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالطَّاحُونِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَجْنَبِيًّا أَوْ وَلَدًا كَبِيرًا وَلَوْ سَفِيهًا بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ اعْتِبَارِ حِيَازَتِهِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا تَثْبُتُ بِهِ الْحِيَازَةُ وَفِيهِ خِلَافٌ، قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وَقِيلَ يَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ: وَصِفَةُ الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ الْعَدْلُ عَايَنْته تَحْتَ يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْوَاقِفِ، وَلَا يَكْفِي إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِالْحَوْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ.
(وَلَوْ كَانَتْ) الدَّارُ أَوْ غَيْرُهَا (حُبُسًا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ عَلَى يَتِيمٍ فِي وَصِيَّتِهِ (جَازَتْ حِيَازَتُهُ لَهُ) وَتَسْتَمِرُّ (إلَى أَنْ يَبْلُغَ) فَإِنْ بَلَغَ وَجَبَ أَنْ يَحُوزَ لِنَفْسِهِ وَلَوْ سَفِيهًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ اعْتِبَارِ حِيَازَتِهِ وَهَذَا فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَيَسْتَمِرُّ الْوَلِيُّ حَائِزًا لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ وَتَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى صَلَاحِ حَالِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْحُرِّ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَيَحُوزُ لَهُ سَيِّدُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِ حِيَازَةِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيُكْرِهَا لَهُ وَلَا يَسْكُنُهَا) إذَا كَانَتْ الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ دَارَ سُكْنَى الْوَاقِفِ (فَإِنْ لَمْ يَدَعْ) الْوَاقِفُ أَيْ يَتْرُكْ (سُكْنَاهَا) بَلْ اسْتَمَرَّ سَاكِنًا فِيهَا كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا (حَتَّى مَاتَ) أَوْ فَلِسَ (بَطَلَتْ) وَقْفِيَّتُهَا وَتَرْجِعُ مِيرَاثًا، وَأَمَّا لَوْ سَكَنَ الْأَقَلُّ وَأَكْرَى لَهُ الْأَكْثَرُ لَصَحَّ الْوَقْفُ فِي جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الْأَقَلَّ يَتْبَعُ الْأَكْثَرَ فِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ سَكَنَ النِّصْفُ وَأَكْرَى النِّصْفَ لَبَطَلَ فِيمَا سَكَنَ وَصَحَّ فِيمَا أَكْرَى، هَذَا حُكْمُ وَقْفِ دَارِ سُكْنَاهُ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ دَارَ سُكْنَاهُ عَلَى كِبَارِ وَلَدِهِ وَسَكَنَ الْبَعْضَ فَلَا يَبْطُلُ إلَّا مَا سَكَنَ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِثْلُ الْوَقْفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ حَائِزٌ وَحَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِي كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلُ جَمِيعُهَا وَتُوَرَّثُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، وَأَمَّا الدَّارُ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْمَسَاكِنِ يَسْكُنُ أَقَلَّهَا وَيُكْرِي لَهُمْ بَاقِيهَا فَذَلِكَ نَافِذٌ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا يَسْكُنُ، وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ حِيَازَةِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ الْوَاقِفُ عَلَى وَقْفِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَأَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ
رَجَعَتْ حُبُسًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ.
وَمَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا حَيَاتَهُ دَارًا رَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّاكِنِ مِلْكًا
[الفواكه الدواني]
عَايَنَتْ الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ أَيْضًا، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إقْرَارِ الْوَاقِفِ دُونَ مُعَايَنَةِ الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ، لِأَنَّ الْمُنَازِعَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ إمَّا الْوَرَثَةُ وَإِمَّا الْغُرَمَاءُ، وَالْبَيِّنَةُ إمَّا تَشْهَدُ عَلَى مَا عَايَنَتْهُ وَأَنْ تُثْبِتَ أَنَّ الْوَاقِفَ كَانَ يَصْرِفُ جَمِيعَ أَوْ جُلَّ الْغَلَّةِ فِي مَصَالِحِ الْمَحْجُورِ، فَلَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ لَمْ تَصِحَّ الْحِيَازَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُسْتَثْنِيًا فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْزِ الْحِسِّيِّ: إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ حِيزَتْ دَارُ السُّكْنَى أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا لَهُ غَلَّةٌ بَعْدَ وَقْفِهَا ثُمَّ عَادَ الْوَاقِفُ لِسُكْنَاهَا بَعْدَ حِيَازَتِهَا وَفِي ذَلِكَ تَفْضِيلٌ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ حَوْزِهَا عَامًا لَمْ يَبْطُلْ تَحْبِيسُهَا لِحُصُولِ شُهْرَةِ وَقْفِيَّتِهَا، وَإِنْ عَادَ لَهَا قَبْلَ مُضِيِّ عَامٍ مِنْ يَوْمِ التَّحْبِيسِ بَطَلَ تَحْبِيسُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَحَرْبِيٍّ وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ، أَوْ عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ، أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ، أَوْ جَهِلَ سَبْقَهُ لِدَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ، أَوْ لَمْ يُجْرِهِ كَبِيرُ وَقْفٍ عَلَيْهِ وَلَوْ سَفِيهًا، أَوْ وَلِيَّ صَغِيرٍ، أَوْ لَمْ يُخْلِ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِهِ إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ، أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ إلَّا مُعْقَبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ تَرْجِعُ لَهُ الذَّاتُ الْمَوْقُوفَةُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ انْقَرَضَ) أَيْ انْقَطَعَ (مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ) الدَّارُ وَنَحْوُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ وَلَمْ تَنْقَضِ (رَجَعَتْ حَبْسًا عَلَى) فُقَرَاءِ (أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ) قَالَ خَلِيلٌ: رُوجِعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ، وَامْرَأَةٌ لَوْ رَجَلَتْ لَعَصَّبَتْ وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ فِي أَصْلِ وَقْفِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ الْمَرْجِعِ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ لَكَانَ لَهَا جَمِيعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَرِيبٌ يَوْمَ الْمَرْجِعِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ» . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلْهَا فِي أَقَارِبِك» . وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رُجُوعُهَا لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ وَلَوْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ وَلَوْ صَارَ فَقِيرًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْخُلُ فِي صَدَقَةِ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ أَبِيهِ لَا يَدْخُلُ هُوَ فِيهِمْ، وَكَمَنْ عَزَلَ زَكَاةَ مَالِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهَا لِلْفُقَرَاءِ حَتَّى ضَاعَ الْأَصْلُ وَصَارَ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ سَهْمَ الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِضَيَاعِ الْأَصْلِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَوْ صَارَ فَقِيرًا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُحَبِّسَ عَلَيْهِ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ كَزَيْدٍ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ نَحْوَ الْفُقَرَاءِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الْحُكْمُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ وَحَصَلَ فِيهِمَا انْهِدَامٌ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي كَقَنْطَرَةٍ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا فِي مِثْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُرْجَى عَوْدُهَا فَإِنَّهُ يُحَبِّسُ لَهَا.
الثَّانِي: إنَّمَا قُلْنَا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ مُدَّةً وَلَمْ تَنْقَضِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَقْفِ مُدَّةً وَانْقَضَتْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِلْكًا لِوَاقِفِهِ إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِهِ، وَكَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: الْوَقْفُ يَتَنَوَّعُ إلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ: مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، مُنْقَطِعُ الْآخِرِ، مُنْقَطِعُ الطَّرَفَيْنِ، مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، مُنْقَطِعُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، فَالْأَوَّلُ: كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ عَلَى مَيِّتٍ لَا يَنْتَفِعُ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
وَالثَّانِي: كَالْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَالثَّالِثُ: كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى مَيِّتٍ لَا يَنْتَفِعُ.
وَالرَّابِعُ: كَالْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
وَالْخَامِسُ: كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى الْمُحَارِبِينَ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ عَلَى مَدْرَسَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَبْطُلُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ إذَا أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ الِانْقِطَاعُ لِأَنَّ الْوَقْفَ نَوْعٌ مِنْ التَّمْلِيكِ فِي الْمَنَافِعِ أَوْ الْأَعْيَانِ، فَجَازَ أَنْ يَعُمَّ أَوْ يَخُصَّ كَالْعَوَارِيِّ وَالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمْنَعُ مُنْقَطِعُ الِابْتِدَاءِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الِانْتِهَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُمْنَعُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُمْنَعُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ وَالْوَسَطِ، هَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَى بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهِيَ بِالْقَصْرِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعُمْرِ لِوُقُوعِهِ ظَرْفًا لَهَا، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: هِيَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً، فَيَخْرُجُ إعْطَاءُ الذَّاتِ وَيَخْرُجُ بِحَيَاةِ الْمُعْطَى الْحُبُسُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْمُعْطَى فِي كَلَامِهِ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَأَمَّا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاةَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فَهِيَ عَارِيَّةٌ حَقِيقَةً، وَإِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا لَفْظَ الْعُمْرَى فَعَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: بِغَيْرِ عِوَضٍ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ، وَيَخْرُجُ بِإِنْشَاءِ الْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعُمْرَى وَحُكْمُهَا النَّدْبُ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَهِيَ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالْهِبَةِ وَصِيغَتُهَا أَعَمَرْتُك وَأَسْكَنْتُك، وَتَجُوزُ فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْحُلِيِّ وَالنَّبَاتِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا) أَوْ امْرَأَةً (حَيَاتَهُ دَارًا) أَوْ غَيْرَهَا لِيَنْتَفِعَ بِسُكْنَاهَا مُدَّةَ عُمْرِهِ صَحَّ ذَلِكَ وَ (رَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّاكِنِ مِلْكًا
لِرَبِّهَا وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَ عَقِبَهُ فَانْقَرَضُوا بِخِلَافِ الْحُبُسِ فَإِنْ مَاتَ الْمُعْمِرُ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ لِوَرَثَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ مِلْكًا.
[أَحْكَام الْعُمْرَى]
وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ فَنَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ.
وَيُؤْثَرُ فِي الْحُبُسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ وَمَنْ سَكَنَ فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ إلَّا
[الفواكه الدواني]
لِرَبِّهَا) إنْ كَانَ حَيًّا (وَكَذَلِكَ) تَرْجِعُ مِلْكًا لِرَبِّهَا إنْ كَانَ حَيًّا (إنْ أَعْمَرَهَا عَقِبَهُ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِأَنْ قَالَ: أَعَمَرْت أَوْلَادَك فَقَطْ (فَانْقَرَضُوا) وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْمَرَهُ وَعَقِبَهُ بِأَنْ قَالَ: أَعَمَرْتُك وَوَارِثَك فَإِنَّهَا تَكُونُ لِوَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَبَعْدَ انْقِرَاضِ وَارِثِهِ تَرْجِعُ مِلْكًا لِرَبِّهَا، وَالصُّوَرُ ثَلَاثَةٌ: إعْمَارُهَا فَقَطْ، عَقِبُهُ فَقَطْ، إعْمَارُهُ مَعَ عَقِبِهِ.
(بِخِلَافِ الْحُبُسِ) فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبِسِ عَلَيْهِ مِلْكًا لِرَبِّهِ بَلْ يَسْتَمِرُّ حُبُسًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عُصْبَةِ الْمُحْبِسِ وَامْرَأَةٌ لَوْ رَحَلَتْ لَعَصَبَتْ (فَإِنْ مَاتَ الْمُعْمِرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوْ مَاتَ الْعَقِبُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُعْمَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
(كَانَتْ) أَيْ الدَّارُ (لِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْمُعْمِرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ (يَوْمَ مَوْتِهِ) لَا يَوْمَ الْمَرْجِعِ إذَا مَاتَ عَنْ ابْنِ رَقِيقٍ أَوْ كَافِرٍ وَأَخٍ أَوْ عَمٍّ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَمُتْ الْمُعْمَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ حَتَّى عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْأَخِ لَا لِلِابْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا حِينَ مَوْتِهِ، وَقَوْلُهُ (مِلْكًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ الْعَائِدِ عَلَى الدَّارِ لِتَأَوُّلِهِ بِمَمْلُوسَةٍ، أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ رَجَعَتْ رُجُوعَ مِلْكٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَصَدَ بِبَيَانِ صِفَةِ رُجُوعِ الْعُمْرَى مِلْكًا الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْمُعَقَّبَةُ لَا تَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: تَرْجِعُ الْمُعْقِبَةُ مَرَاجِعَ الْأَحْبَاسِ، وَأَمَّا مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ» فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا تَرْجِعُ لِلَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمُوَارَثَةُ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ لِأَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْعُمْرَى لَا تَتَقَيَّدُ بِالْعَقَارِ، كَمَا لَا تَتَقَيَّدُ بِعُمْرِ الْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلَا بِلَفْظِ أَعَمَرْتُك، فَلَوْ قَالَ لَهُ: وَهَبْت لَك غَلَّتَهَا مُدَّةَ عُمْرِك كَانَتْ عُمْرَى.
[بَيَان حُكْمِ الْحُبُسِ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْحُبُسِ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ) وَهُمْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ (فَنَصِيبُهُ) مُوَزَّعٌ (عَلَى مَنْ بَقِيَ) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنَيْنِ كَقَوْلِهِ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُرَتِّبْ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ وُجُودِهِمْ، وَلَا يُمْنَعُ وَلَدُ الْوَلَدِ لِوُجُودِ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ، وَلِذَا يَنْتَقِضُ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ أَوْ لِآبَائِهِمْ، كَمَا يَنْتَقِضُ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ وَلَوْ صَغِيرًا فِي غَيْرِ دُورِ السُّكْنَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ بُيُوتَ سُكْنَى فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَلَدُ الذَّكَرُ مَعَ أَبِيهِ إلَّا إذَا تَزَوَّجَ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا تُعْطَى لِأَنَّهَا فِي كَفَالَةِ أَبِيهَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا، فَإِنْ مَنْ مَاتَ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ لِأَخِيهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدُ وَلَدٍ، وَلَوْ قَالَ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى لِأَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ يَحْجُبُ فَرْعَ نَفْسِهِ لَا فَرَعَ غَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمُعَيَّنِينَ فَيُعْطَى لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَتُعْطَى الْأُنْثَى مِثْلُ الذَّكَرِ لِأَنَّ شَأْنَ الْعَطَايَا التَّسَاوِي إلَّا لِشَرْطٍ خِلَافِهِ، فَيُعْمَلُ بِالشَّرْطِ إلَّا فِي مَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ فَلَا يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَا يُزَادُ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ، لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَالْفُقَرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
(تَتِمَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ عَزِيزَةِ الْوُجُودِ) (مُلَخَّصَةٍ مِنْ كَلَامِ عَلَّامَةِ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ) مِنْهَا: لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ غَلَّةَ ثَمَرَةٍ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْضُ أَهْلِ الْحُبُسِ قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَرَةِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ مِنْهَا وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ الْمَوْتُ بَعْدَ طِيبِ الثَّمَرَةِ فَحَظُّ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ إبَارِهَا فَلَا شَيْءَ لِوَارِثِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ الطِّيبِ فَخَمْسَةُ أَقْوَالٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ وَهَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ بَنِي زُهْرَةَ أَوْ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ أَحَدٌ شَيْئًا إلَّا مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْقِسْمَةِ، وَكُلُّ مَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ قَبْلَهَا غَيْبَةَ انْقِطَاعٍ لَا يُعْطَى وَارِثُهُ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ غَابَ لِيَرْجِعَ سَرِيعًا فَيُوقَفُ لَهُ نَصِيبُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَمِنْهَا الْحُبُسُ عَلَى قَوْمٍ لِلِاغْتِلَالِ كَالدُّورِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَيُرِيدُونَ قِسْمَتَهُ فَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ تَجُوزُ قِسْمَتُهُ بِتَرَاضِيهِمْ قِسْمَةَ انْتِفَاعٍ أَوْ اغْتِلَالٍ بِشَرْطِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي نَقْضَهَا مِنْ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوْ
أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْحُبُسِ شَرْطٌ فَيُمْضَى.
وَلَا يُبَاعُ الْحُبُسُ وَإِنْ خَرِبَ وَيُبَاعُ الْفَرَسُ الْحُبُسُ يُكْلَبُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي
[الفواكه الدواني]
نَقْصِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ تَرَاضِيهِمْ عَلَى قَسْمِهِ ذَاتَه، وَمِنْهَا الْوَقْفُ عَلَى نَحْوِ إمَامٍ أَوْ مُؤَذِّنٍ أَوْ مُدَرِّسٍ إذَا أَخَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ شَرْعًا، كَالْإِمَامِ يَتْرُكُ الْإِمَامَةَ مُدَّةً وَلَمْ يُقِمْ نَائِبًا، أَوْ الْمُؤَذِّنِ أَوْ الْمُدَرِّسِ ثُمَّ يَمُوتُ أَوْ يُعْزَلُ أَوْ يَسْتَمِرُّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا زَمَنَ إخْلَالِهِ وَيُعْطَى مَا يُقَابِلُ عَمَلَهُ أَوْ لَا يُعْطَى شَيْئًا؟ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ، فَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْوَانْشَرِيسِيُّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْمَعْلُومِ وَلَا فِي نَظِيرِ مَا عَمِلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَمِلَ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ كَالْأَجِيرِ يَتَبَعَّضُ لَهُ الْعِوَضُ بِتَبْعِيضِ الْمَنْفَعَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ خَرَاجِيًّا أَوْ هِلَالِيًّا، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ أَيْضًا فَتْوَى بَعْضِ فُضَلَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ تَقَرَّرَ فِي وَظِيفَةٍ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَإِنَّ لَهُ أَوْ لِمُوَرِّثِهِ بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ، وَلَا يُعْطَى الْمُقَرَّرُ بَعْدَهُ إلَّا مِنْ يَوْمِ مُبَاشَرَتِهِ لَا مِنْ يَوْمِ تَقْدِيرِهِ السَّابِقِ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْقِرَاءَةِ فِي سَبْعٍ أَوْ أَجْزَاءٍ يُقَصِّرُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَحْيَانَا أَوْ يَمُوتُ، فَإِنْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ فَهُمْ كَالْأَجْزَاءِ لِكُلٍّ وَاحِدٌ أَوْ وَارِثُهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَإِلَّا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[صِفَةِ قَسْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْوَقْفِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ قَسْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْوَقْفِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي أَمْرِ الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَنْ (يُؤْثِرَ فِي) قَسْمِ (الْحُبُسِ أَهْلَ الْحَاجَةِ) وَالْعِيَالَ عَلَى غَيْرِهِمْ (بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَضَّلَ الْمَوْلَى أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالَ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى بِاجْتِهَادِهِ، لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الْإِرْفَاقُ وَالْإِحْسَانُ بِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَسَدُّ خَلَّتِهِمْ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَقْرِ أَوْ الْغِنَى فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ الْأَقْرَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَلَا يُفَضِّلُ فَقِيرًا عَلَى غَنِيٍّ، وَلَا أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ، وَلَا صَغِيرًا عَلَى كَبِيرٍ، وَيُعْطَى مِنْهُ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، بِخِلَافِ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّمَا يُعْطَى مِنْهُ الْحَاضِرُ لَا الْغَائِبُ وَقْتَ الْقِسْمَةِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَعْنَى الْإِيثَارِ عَلَى مَعْنَاهُ التَّفْضِيلُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ عَلَى غَيْرِهِ، فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالثَّانِي.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَهُوَ الْأَحْسَنُ: بِخِلَافِ الْإِيثَارِ فِي الْوَصَايَا فَإِنَّهُ بِالزِّيَادَةِ لَا بِالتَّقْدِيمِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْوَصَايَا لَفَاتَ غَرَضُ الْمُوصِي بِسَبَبِ حِرْمَانِ الْبَاقِي بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: الْمُبَدَّأُ فِي الْحُبُسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ، فَلَا سُكْنَى لِلْأَغْنِيَاءِ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْإِيثَارِ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِيجَابِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ غَرَضِ الْوَاقِفِ عِنْدَ فَقْدِ شَرْطِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إيثَارَ الْمُحْتَاجِ مُوَافِقٌ لِغَرَضِهِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِيثَارِ حَتَّى فِي السُّكْنَى خُرُوجُ مَنْ سَكَنَ فَقِيرًا ثُمَّ اسْتَغْنَى.
(فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ) مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ ذَوِي الْعِيَالِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْحُبُسِ شَرْطٌ) بِإِخْرَاجِ مَنْ اسْتَغْنَى (فَيُمْضَى) شَرْطُهُ وَيُعْمَلُ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يَخْرُجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ سَفَرِ انْقِطَاعٍ أَوْ بَعِيدٍ، وَهُوَ الَّذِي يُظَنُّ فِيهِ عَدَمُ رُجُوعِ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ مَنْ سَافَرَ لِيَرْجِعَ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَحَلَّهُ إلَى أَنْ يَعُودَ، وَمَجْهُولُ الْحَالِ يُحْمَلُ عَلَى الْعَوْدِ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَأْسُ مِنْ عَوْدِهِ، هَذَا حُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى قَوْمٍ مَحْصُورِينَ كَالْمَغَارِبَةِ مَثَلًا، أَوْ عَلَى ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِوَصْفٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِقِرَاءَةِ الْعِلْمِ، أَوْ عَلَى الْمُلَازِمِ لِلْمُجَاوِرَةِ فِي الْأَزْهَرِ ثُمَّ سَكَنَ وَاحِدٌ بِوَصْفِهِ وَزَالَ وَصْفُهُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ أَوْلَادِ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِمْ، وَالْحُكْمُ أَنَّ مَنْ سَكَنَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَكَّنِ الِانْفِرَادِ عَنْ أَبِيهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ بَلَغَ وَقَوِيَ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَمْ يَسْكُنْ كَالْكَبِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَزَوَّجُ حَيْثُ ضَاقَ عَنْهُ مَسْكَنُ أَبِيهِ، وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَلَا مَسْكَنَ لَهُنَّ لِأَنَّهُنَّ فِي كَفَالَةِ الْأَبِ.
الثَّانِي: أَقَامَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيُّ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَنْ مَاتَ وَغَابَ غَيْبَةَ انْتِقَالٍ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُ مَكَانَهُ، وَأَمَّا مَنْ سَافَرَ لِيَرْجِعَ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، أَنَّ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَقَامَ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا سِوَاهُ وَيَعُودُ إلَى مَحَلِّهِ بِالْقُرْبِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيَامُ الطَّالِبِ مِنْ دَرْسِ الْعِلْمِ لِحَاجَةٍ وَيَعُودُ إلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ حَيْثُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَكَانٌ مَعْلُومٌ، وَيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ سَبَقَ إلَى مَحَلٍّ مُبَاحٍ كَطَرِيقٍ أَوْ جُلُوسِ بَاعَةٍ فِي سُوقٍ وَأَخْذِ مَاءٍ مِنْ بِئْرٍ مُبَاحٍ.
[مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْوَقْفِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْوَقْفِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُحَرَّمُ أَنْ (يُبَاعَ) الْعَقَارُ (الْحُبُسُ وَإِنْ خَرِبَ) بِحَيْثُ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَرْجُ عَوْدَهُ.
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يُبَاعُ الْعَقَارُ الْحُبُسُ وَلَوْ خَرِبَ، وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةً دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُرْجَى عَوْدُهُ، وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ الِاتِّفَاقَ وَلَا شَكَّ فِي مُخَالَفَتِهِ
مِثْلِهِ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِيهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ.
وَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ.
وَلَا تَنْفَعُ
[الفواكه الدواني]
لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَعَلَّ وَجْهُ كَلَامِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ التَّطَرُّقِ إلَى بَيْعِ الْأَوْقَافِ بِدَعْوَى الْخَرَابِ، وَالْإِمَامُ بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ الْحُبُسُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِهِ.
(تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَيْعَهُ وَإِلَّا جَازَ، سَوَاءٌ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْحَاجَةِ أَمْ لَا، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ بَيْعَهُ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ قِيَاسًا عَلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ فِي صَدَقَتِهِ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا لِتَوَسُّعٍ كَمَسْجِدٍ وَيُؤَجَّرُ أَوْ يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يُجْعَلُ حُبُسًا كَالْأَوَّلِ، وَمِثْلُ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ، لِأَنَّ نَفْعَ الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِ الْوَقْفِ فَهُوَ قَرِيبٌ لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، وَأَيْضًا يُسْتَبْدَلُ بِالثَّمَنِ خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ امْتَنَعَ الْبَائِعُونَ مِنْ جَعْلِ الثَّمَنِ فِي مِثْلِهِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاخْتِلَالُ أَمْرِ الْوَقْفِ يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُنَافٍ لِجَبْرِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الدُّورِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مُحْبَسَةٌ فَإِنَّهَا اُشْتُرِيَتْ وَزِيدَتْ فِيهِ، وَقَيَّدْنَا بِمَسْجِدِ الْجُمُعَةِ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ، فَلَا يُبَاعُ الْوَقْفُ لِتَوْسِعَتِهِ كَمَا لَا يُبَاعُ لِتَوْسِعَةِ نَحْوِ الْمِيضَأَةِ، وَأَشَارَ إلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُبَاعَ الْفَرَسُ الْحُبُسُ يَكْلَبُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ وَالْكَلْبُ فَقْدُ الْإِلْهَامِ، لِأَنَّهُ إذَا أَصَابَ الْفَرَسَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَيَعَضُّ كُلَّ مَنْ يَقْرَبُ إلَيْهِ، وَمِثْلُ الْكَلْبِ الْهَرَمُ وَالْمَرَضُ، وَمِثْلُ الْفَرَسِ الْكَلْبِ عَلَى مَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ كَالْكَبِيرَةِ مِنْ الْإِنَاثِ الْمَوْقُوفَةِ لِنَسْلِهَا أَوْ لِعَمَلِهَا، وَالزَّائِدُ الذُّكُورُ عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ.
(وَ) إذَا بِيعَ الْفَرَسُ الْكَلْبُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ (يُجْعَلَ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَالنَّفْعِ الَّذِي كَانَ فِي الْمُبَاعِ إذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ ثَمَنَ شَيْءٍ مُمَاثِلٍ لِلْأَوَّلِ.
(أَوْ يُعَانَ بِهِ فِيهِ) أَيْ فِي شِرَاءِ مِثْلِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَيْعُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَقَارٍ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ كَانَ أَتْلَفَ، وَفُضِّلَ الذُّكُورُ وَمَا كَبُرَ مِنْ الْإِنَاثِ فِي إنَاثٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ مَا بِيعَ ثَمَنَ شَيْءٍ كَامِلٍ وَإِلَّا أَمْكَنَ الْإِعَانَةُ بِهِ فِي شِقْصِهِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَثَمَنُ الْفَرَسِ يُفَرَّقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ، وَثَمَنُ الْحَيَوَانِ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَثَمَنُ الثَّوْبِ الْخَلْقِ عَلَى الْعُرَاةِ.
(تَنْبِيهٌ) تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ الْمَوْقُوفَةِ غَيْرِ الْعَقَارِ إذَا تَعَطَّلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَيَوَانُ يُعْلَفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَرْعَى فِي الْمَرْجِ حِرْصًا عَلَى الْوَفَاءِ بِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَبَقَاؤُهُ مُعَطَّلُ الِانْتِفَاعِ مُفَوِّتٌ لَهُ.
(وَاخْتُلِفَ فِي) حُكْمِ (الْمُعَاوَضَةِ) أَيْ الْمُبَادَلَةِ (بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ) وَلَوْ كَانَ جَدِيدًا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْجَوَازِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ: لَا عَقَارَ وَإِنْ خَرِبَ وَنُقِضَ وَلَوْ بِغَيْرِ خَرِبٍ، أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَلَا إبْدَالُ الرَّبْعِ الْخَرِبِ بِالرَّبْعِ غَيْرِ الْخَرِبِ وَالْجَوَازُ لِرَبِيعَةَ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْعُ فَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ ضَعِيفٌ.
(خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ) مِنْهَا: أَنَّ الذَّاتَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إلَّا الْمَنْفَعَةُ الْمُعْطَاةُ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ عَمَلٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَقْفَ هُوَ إعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ الْوَقْفُ مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ وَظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ وَقِيلَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18] وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ أَنَّ لَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أَكْرَى بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ زَمَنَ الْعَقْدِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ إجَارَةَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إنْ وَقَعَتْ مِنْ نَاظِرِهِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَصَحِيحَةٌ لِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ، فَإِنْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِ مَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ نَحْوَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ الْعُشْرُ سَوَاءٌ كَانَتْ تَرْجِعُ لَهُ بِمِلْكٍ أَوْ تَحْبِيسٍ هَذَا حُكْمُ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الدُّورُ الْمَوْقُوفَةُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا شَرْطَ مِنْ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِلَّا اتَّبَعَ شَرْطَهُ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى مُخَالَفَتِهِ وَإِلَّا جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ، فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ أَكَابِرِ أَهْلِ الْغَرْبِ بِجَوَازِ كِرَاءِ دَارٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَتَخَرَّبَتْ وَلَمْ يُوجَدْ مَا تُعَمَّرُ بِهِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ بِشَرْطِ إصْلَاحِهَا مِنْ كِرَائِهَا وَأَبَى أَنْ يَسْمَحَ بِبَيْعِهَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ.
[بَاب الرَّهْن]
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الرَّهْنِ
الشَّهَادَةُ فِي حِيَازَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَضَمَانُ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنْ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَثَمَرَةُ
[الفواكه الدواني]
وَالْوَقْفِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ التَّمَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ فَقَالَ: (وَالرَّهْنُ) لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحُبُسُ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَالٌ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ، فَلَا يَصِحُّ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا فِي مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ بِقَوْلِهِ: الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ، وَمَعْنَى التَّوَثُّقِ بِالرَّهْنِ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ إذَا عَجَزَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ عَنْ وَفَائِهِ، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (جَائِزٌ) حَضَرًا وَسَفَرًا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تُوُفِّيَ وَلَهُ دِرْعٌ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» . وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالسَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ مُسْتَدِلًّا بِظَاهِرِ آيَةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 283] لِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ لِعَدَمِ وُجُودِ الْكَاتِبِ الَّذِي هُوَ الْبَيِّنَةُ فِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلرَّهْنِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الرَّاهِنُ وَهُوَ دَافِعُ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ وَهُوَ الْقَابِضُ لَهُ وَشَرْطُهُمَا التَّأَهُّلُ لِلْبَيْعِ صِحَّةً وَلُزُومًا، فَيَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا وَيَلْزَمُ مِنْ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ.
وَالثَّالِثُ: الشَّيْءُ الْمَرْهُونُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَنَافِعِهِ، فَيَدْخُلَ رَهْنُ الشَّيْءِ الْمُعَارِ لِلرَّهْنِ وَالدَّيْنُ وَوَثِيقَتُهُ، لِجَوَازِ بَيْعِهَا وَبَيْعِ مَا فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، لَكِنَّ صِحَّةَ رَهْنِ الدَّيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِ أَجَلِهِ مِثْلَ أَجَلِ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ، لَا إنْ كَانَ يَحِلُّ قَبْلَ الْمَرْهُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَدَائِهِ إلَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ وَهُوَ انْتِفَاعُهُ بِهِ فِي بَقِيَّةِ الْأَجَلِ، وَيَدْخُلُ رَهْنُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ، وَيَكْفِي فِي الصِّحَّةِ الْعَزْمُ عَلَى الرَّدِّ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الْعَزَاءِ إلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ، وَيَدْخُلُ رَهْنُ الشَّيْءِ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ لِخِفَّةِ غَرَرِهِمَا، بِخِلَافِ مَا اشْتَدَّ غَرَرُهُ أَوْ حُرِّمَ تَمَلُّكُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا.
الرَّابِعُ: الْمَرْهُونُ فِيهِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا فِي مَنْفَعَتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اسْتِيفَاءِ الدَّافِعِ الْعَيِّنَةَ أَوْ مَنْفَعَتَهَا مِنْ ذَاتِ ثَمَرِ الرَّهْنِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ لَازِمًا أَوْ صَائِرًا إلَى اللُّزُومِ، كَالْجَعْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا كَكِتَابَةٍ وَجَعْلٍ قَبْلَ الْعَمَلِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ صِيغَةَ الرَّهْنِ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ الْخِلَافَ فِيهَا بِقَوْلِهِ: فَفِي افْتِقَارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ تَأْوِيلَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى تَأْوِيلَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: أَنْفِقْ عَلَيَّ الرَّهْنَ وَنَفَقَتَهُ فِي الرَّهْنِ هَلْ يَكُونُ رَهْنًا فِيهَا بِنَاءً عَلَى افْتِقَارِهِ لِلَفْظٍ مُصَرِّحٍ بِهِ أَوْ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِنَاءً عَلَى افْتِقَارِهِ لِلَفْظٍ مُصَرِّحٍ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ابْنُ يُونُسَ وَالثَّانِي ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَبْلُونٍ.
(وَلَا يَتِمُّ) الرَّهْنُ بِحَيْثُ يَخْتَصُّ بِهِ مُرْتَهِنُهُ دُونَ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ بِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ وَلَوْ جَدَّ فِيهِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْجَدَّ فِيهِمَا بِمَنْزِلَةِ حَوْزِهِمَا، لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ رَاهِنِهِ بِخِلَافِهِمَا.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَضْعِ الرَّهْنِ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَطَلَبَ وَضْعَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَمِينِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَكْفِي وَمَا لَا يَكْفِي مِنْ الْحِيَازَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّهَادَةُ فِي) أَيْ عَلَى مُجَرَّدِ (حِيَازَتِهِ) بَلْ لَا تُعْتَبَرُ الْحِيَازَةُ (إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ) لِحَوْزِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلرَّاهِنِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّحْوِيزِ وَهُوَ شَهَادَتُهَا عَلَى مُعَايَنَةِ تَسْلِيمِ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ لِلْقَوْلَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ يَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وَبِهِ عَمِلَ أَوْ التَّحْوِيزُ وَفِيهَا دَلِيلُهُمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ قَبْلَ الْمَانِعِ أَوْ عَلَى التَّحْوِيزِ، أَنَّهُ لَوْ وُجِدَتْ سِلْعَةٌ لِلْمِدْيَانِ بِيَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمِدْيَانِ أَوْ فَلَسِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا رَهْنٌ عِنْدَهُ وَحَازَهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَمْ يُصَدَّقْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لَا يُفِيدُ وَلَوْ شَهِدَ الْأَمِينُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ وَدَعْوَى الْحَوْزِ بَعْدَ مَانِعِهِ لَا تُفِيدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ، أَوْ تَشْهَدُ عَلَى التَّحْوِيزِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْحَوْزِ.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَى الْحَوْزِ، وَفِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا وَلَوْ الْوَاحِدُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَالٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَخَلِيلٍ حُكْمَ مَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ وَشَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى عَدَمِ الْحَوْزِ، وَنَصَّ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ عَلَى الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَوْزِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتَةُ تُقَدَّمُ عَلَى النَّافِيَةِ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ قَبْضَ الرَّهْنِ وَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ دَفْعِهِ، وَذَكَرَ خَلِيلٌ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ إنْ كَانَ مُعَيِّنًا وَمُشْتَرِطًا فِي صُلْبِ عَقْدِ الْمُعَامَلَةِ وَإِلَّا لَزِمَهُ رَهْنُ ثِقَةٍ، وَنَصُّهُ: وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ إنْ شَرَطَ بِبَيْعٍ وَعَيَّنَ وَإِلَّا فَرَهْنُ ثِقَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالرَّهْنِ الثِّقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِلدَّيْنِ.
[ضَمَانُ الرَّهْنِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى