مقدمة لكتاب الاعتقاد معينة لقارئها على المراد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ميارة
- الكتاب
- الدر الثمين والمورد المعين (شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)
- المؤلف
- محمد بن أحمد ميارة المالكي
- المحقق
- عبد الله المنشاوي
- الناشر
- دار الحديث القاهرةسنة النشر: 1429هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذكرفي هذه الترجمة الحكم العقلي وأقسامه وأول مايجب على المكلف وشروط التكليف وجعل ذلك مقدمة لكتاب الاعتقاد لأن مدار الاعتقادات على الحكم العقلي بأقسامه الثلاث وهي أول واجب في الجملة ولايخاطب بواجب ولاغيره إلا البالغ العاقل كماذكر في الترجمة الثالثة الحكم الشرعي وأقسامه وجعله مقدمة لمابعده من فروع الفقه لإنقسامها إلى واجب غيره من أقسام الحكم الشرعي فتأكدت لذلك معرفة الحكم الشرعي وأقسامه وترك الكلام على الحكم العادي لما لم يتوقف على معرفته شيء مماذكر بعد ومقدمة بكسرالدال بمعنى متقدمة من قدم اللازم بمعنى تقدم وبفتحها من قدم المتعدي بمعنى أن الغير قدمها وفي مختصرالسعد والمقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه من قدم بمعنى تقدم يقال مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع في مسائله ومقدمة الكتاب لطائفة من كلامه قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بهافيه والفرق بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب مماهوخفي على كثيرٍ من الناس اهـ ومقدمة خبر مبتدأ محذوف أي هذه مقدمة ومعينة صفة لها والله أعلم.
وَحكْمُنا العَقْلِى قَضِيَّةٌ بِلاَ
وَقْفٍ عَلَى عَادَةٍ أَوْ وضْعٍ جَلاَ
اعلم أن من أدرك أمراً من الأمور فإن تصور معناه فقط ولم يحكم بثبوته لأمرٍ ولابنفيه عن أمرسمى هذا الإدراك في الاصطلاح تصوراً كإدراكنا مثلاً أن معنى الحدوث الوجود بعد العدم من غير أن نثبته لأمرٍ ولاأن ننفيه عنه وإن تصورمع ذلك ثبوت ذلك المعنى لأمرٍ أونفيه عنه فهذاالإدراك يسمى في الاصطلاح حكماً ويسمى تصديقاً كإثباتناالحدوث مثلاً بعد تصورنا لمعناه للعوالم وهي ماسوى المولى تبارك وتعالى فنقول العوالم حادثةً أونفيناله عمن وجب قدمه وهو مولانا جل وعز فنقول مولانا تعالى ليس بحادثٍ فإثبات أمر لأمرٍ أونفيه عنه هو المسمى حكماً وهومراد الناظم بالقضية والله أعلم.
ثم اعلم أن الحكم ينقسم إلى ثلاثة أقسام شرعي وعادي وعقلي وذلك أن الثبوت أوالنفي اللذين في الحكم إن أسنداإلى الشرع بحيث لايمكن أن يعلما إلا منه فهو الحكم الشرعي ولذا نسب إلى الشرع كقولنا في الإثبات الصلوات الخمس واجبة وقولنافي النفي صوم يوم عاشوراء ليس بواجب وإن لم يستند إلى الشرع فإن كفى العقل في إدراكه من غير أن يحتاج إلى تكرر ولا اختبار فهو الحكم العقلي ولماتوصل إليه العقل من غير أن يتوقف على شيء آخر نسب إلى العقل وذلك كقولنا في الإثبات (العشرة زوج) وفي النفي (السبعة ليست بزوج) وإن لم يستند النفي أوالإثبات اللذان في الحكم
إلى شرع ولاكفى العقل في التوصل إليهما بل احتاج إلى تكرر واختيار وعادةً فهوالحكم العادي نسب إلى العادة لأن بهاتول إليه لابشرعٍ ولابعقلٍ وذلك كقولنا في الإثبات شراب السكنجبين مسكن للصفراء وفي النفي الخبز الفطيرليس بسريع الإنهضام ثم ينقسم هذا العادي إلى قسمين عادي قولي كرفع الفاعل ونصب المفعول ونحو ذلك من الأحكام النحوية أواللغوية وعادي فعلى كالمثالين المذكورين فقول الناظم قضية كالجنس يشمل جميع أقسام الحكم وقوله بلا وقفٍ على عادة فصل أخرج به الحكم العادي فإنه لم يثبت إلا بواسطة التكرير والتجربة حتى عرف أنه ليس باتفاق.
قال في شرح المقدمات فإن قلت هانحن نثبت لشراب السكنجبين تسكين الصفراء تقليداً للأطباء وإن لم يتكررعندنا ولاجربناه قلت إنما أثبتنا له هذا الحكم بواسطة التجربة التي صدقنا فيها الأطباء وليس من شرط التكرروالتجربة في الحكم العادي أن يكون من كل أحدٍ بل هو المستند لثبوت الحكم العادي وإن حصل من البعض الموثوق بتجربته وقوله أو وضع أي جعل عطف على عادة وهو فصل أخرج به الحكم الشرعي قال في شرح المقدمات فإن قلت كيف يصح أن يقال في الحكم الشرعي أنه حصل بالوضع والجعل وهو خطاب الله تعالى وكلامه القديم والقديم ليس بوضع ومجعول قلت المراد بالحكم الشرعي هنا التعلق التنجيزي لخطاب الله القديم بأفعال المكلفين بعد وجودهم وتوفر شروط التكليف فيهم وهذا التعلق ليس بقديم والقديم إنما هوكلام الله تعالى وتعلقه العقلي الصلاحي بالمكلفين في الأزل وإطلاق الحكم الشرعي على التعلق التنجيزي الحادث مشهورعند الفقهاء والأصوليين اهـ.
أَقْسامُ مُقْتَضاهُ بِالْحَصْرِ تُمازْ
وهِيَ الْوجُوبُ اِلاستِحالَةُ الْجَوازْ
فَوَاجِبٌ لاَ يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحالْ
ومَا أبَى الثّبُوتَ عَقْلاً الْمُحَالْ
وجَائِزاً مَاقَبْلَ الأَمْرَيْنِ سِمْ
ولِلضَّرورِيْ والنَّظَرِي كُلُّ قُسِمْ
أخبر أن أقسام مقتضى الحكم العقلي تتميز وتتبين بالحصر وتلك الأقسام هي الوجوب والإستحالة والجواز وبيان الحصر في الثلاثة أن كل مايحكم به العقل إماأن يقبل الثبوت والانتفاء معاًأويقبل الثبوت فقط أو يقبل الانتفاء فقط فالأول هوالجائز ويسمى الممكن أيضاً والثاني الواجب والثالث المستحيل وإنما قال أقسام مقتضاه أي متعلقه ولم يقل أقسامه لأن الحكم العقلي ليس نفس هذه الثلاثة المذكورة فلاتكون أقساماً له لأن من شرط القسمة صدق اسم المقسوم على كل واحدٍ من
أقسامه ولايصدق على الوجوب أوالاستحالة أوالجواز اسم الحكم وإنما يصدق عليهاأنهامحكوم بها قوله فواجب إلخ أخبرأن الواجب هومالايقبل النفي أصلاً بحيث لايدرك العقل عدمه وأن المحال هو ماامتنع ثبوته في العقل بحيث لايدرك العقل ثبوته ووجوده وأن الجائز ماقبل النفي والثبوت بحيث لايدرك العقل وجوده وعدمه فاللام في الأمرين للعهد والمعهود النفي والثبوت وجائزاً مفعول أول لسم وهوفعل أمرمن وسم بسم سمة من السمة وهي العلامة وماقبل مفعول ثانٍ لسم على حذف الباء أي علم الجائز بماقبل الأمرين معاً النفي والثبوت قوله للضروري والنظري كل قسمٍ يعني أن كل قسمٍ من الثلاثة المتقدمة ينقسم إلى ضروري وهومايدرك ثبوته أونفيه إبتداءً بلا تأمل وإلى نظري وهو مايدرك بعدالتأمل فمثال الواجب الضروري التحيز للجرم وهوأخذه قدر ذاته من الفراغ فإن ثبوت هذا المعنى له لايفتقرإلى تأمل وكذا كون الاثنين أكثر من واحدومثال الواجب النظري ثبوت القدم لمولانا جل وعز فإنه لايتصور في العقل نفيه عنه تعالى ولكن لايدرك ذلك إبتداءً من غير تأملٍ بل بعد التأمل فيمايترتب على نفيه من المستحيلات كالدور والتسلل وتعدد الإله وتخصيص كل واحدٍ منهم بنوع من الممكنات بلامخصص ونظيره في الوجوب النظري كون الواحد ربع عشر الأربعين ومثال المستحيل الضروري تعري الجسم عن الحركة والسكون معاً أي تجرده عنهما بحيث لايوجد فيه واحدٍ منهمافإن العقل إبتداءً لا يتصور ثبوت هذاالمعنى للجرم ومثال المستحيل النظري كون الذات العلية جرماً تعالى الله عن ذلك فإن استحالة هذا المعنى عليه جل وعز إنما يدركه العقل بعد أن يسبق له النظر فيمايترتب على ذلك من المستحيل وهوالجمع بين النقيضين وذلك أنه قد وجب لمولانا جل وعز القدم والبقاء لئلا يلزم الدور والتسلسل لوكان تعالى حادثاً فلوكان جرماً لوجب له الحدوث لماتقرر من وجوب الحدوث لكل جرمٍ فلزم إذن لوكان تعالى جرماً أن يكون واجب القدم لألوهيته واجب الحدوث لجرميته تعالى عن ذلك وذلك جمع بين النقيضين لامحالة ومثل الجائز الضروري إنصاف الجرم بخصوص الحركة مثلاً فإن العقل يدرك إبتداء صحة وجودها للجرم وصحة عدمها له ومثال الجائز النظري تعذيب المطيع الذي لم يعص الله قط فإن ذلك
في الإبتداء قد ينكرالعقل جوازه بل يتوهمه مستحيلاً كماتوهمته المعتزلة وأمابعدالنظر في وحدانيته تعالى وإنفراده بخلق جميع الممكنات وإرادتها بلا واسطة خيراً كان أوشراً وأن الأفعال كلها بالنسبة إليه تعالى سواء لانفع له في طاعةٍ ولاضرر ولانقص يلحقه جل وعلا بكفر كافرٍ أومعصية عاصٍ ولاحرج عليه ولاحكم لأحد عليه فتعلم حينئذٍ على القطع إنمايترتب منه سبحانه على الكفر من العذاب الأليم وعلى الطاعة من النعيم المقيم لوعكس تعالى في ذلك أولم يرتب جل وعلا عليهما شيئاً أصلاً لم يلزم على ذلك بالنظر إلى حقيقة الطاعة والكفر والمعصية نقص ولامحال أصلاً قال في شرح الصغرى واعلم إن الحركة والسكون للجرم يصح أن يمثل بهمالأقسام الحكم العقلي الثلاثة فالواجب العقلي ثبوت أحدهما لابعينه للجرم والمستحيل نفيهما معاً عن الجرم والجائز ثبوت أحدهما بالخصوص للجرم واعلم أن معرفة هذه الأقسام الثلاثة وتكريرها وتأنيس القلب بأمثلتها حتى لايحتاج الفكر في إستحضارمعانيهاإلى كلفةٍ أصلاً مماهو ضروري على كل عاقلٍ يريدأن يفوز بمعرفة الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام بل قال إمام الحرمين وجماعة إن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل فمن لم يعرف معانيها فليس بعاقل اهـ (تنبيهان) الأول المراد بالواجب المذكورهوالواجب الذاتي وأما الواجب العرضي وهومايجب لتعلق علم الله تعالى به كتعذيب أبي جهل فإنه بالنظرإلى ذاته جائزيصح في العقل وجوده وعدمه وبالنظر إلى ماأخبربه الصادق المصدوق صلاة الله وسلامه عليه من إرادة الله تعالى لعذابه هو واجب لايتصورفي العقل عدمه وإنما لم يقيد الناظم الواجب بكونه ذاتياً لأنه عند الإطلاق لايحمل إلا على الذاتي ولايحمل على العرضي إلا بالتقييد على أنه لايبعدأن يكون تساهل في حذف مايدل عليه من هذا القسم إعتماداً على ماأثبته في الثاني حيث قال وماأبى الثبوت عقلاً فيكون معنى قوله هنافواجب أي عقلاً ولاإشكال بعد هذا في حذفه من قسم الجائز لاسيماوالتقسيم إنماهوفي الحكم العقلي وماوجب أواستحال أوجازعقلاً فهوالذاتي وكذلك المستحيل المذكورهوأيضاً الذاتي وأماالمستحيل لعارضٍ منفصلٍ عنه فهومن قبيل الجائز كاستحالة إيمان أبي لهب فإنهالماعرض لإيمانه من إرادة الله تعالى لعدمه والمراد بالجائز أيضاً مايصح في العقل وجوده وعدمه أي لايلزم من هذين التقديرين فيه محال لذاته ويدخل فيه ثلاثة أقسام الأول الجائز المقطوع بوجوده كاتصاف الجرم المطلق بخصوص البياض وخصوص الحركة ونحوها وكالبعث والثواب والعقاب ونحو ذلك وهذا هو الواجب العرضي.
الثاني الجائزالمقطوع بعدمه كإيمان أبي لهب وأبي جهل ودخول الكافرين الجنة ونحوذلك وهذاهوالمستحيل العرضي.
الثالث المحتمل للوجود والعدم كقبول الطاعات وفوزنا بحسن الخاتمة وسلامتنا من عذاب الآخرة ونحوذلك وإنماقالوا لايترتب على تقديروجوده ولاعلى تقديرعدمه محال لذاته أي بالنظر إلى ذات ذلك الجائز أي حقيقته ليدخل فيه القسمان الأولان وهما المقطوع بوجوده والمقطوع بعدمه فإن كل واحدٍ منهمابالنظر إلى ذاته لايلزم محال في وجوده ولاعدمه ولونظرناإلى ماتعلق بهما من أخبارالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام لترتب حينئذٍ على عدم الأول ووجود الثاني أمرمحال وهوالكذب والخلف في خبرمن يستحيل عليه ذلك وليس المرادبالجائزهنا ماأذن الشرع في فعله وتركه فيكون مرادفاً للمباح كالبيع والنكاح ونحوهما ولاماأذن في فعله وإن لم يأذن في تركه فيكون أعم من المباح لصدقه على الواجب والمندوب وحاصل هذا التنبيه أن المراد بالواجب الواجب لذاته لالعارضٍ وبالمستحيل المستحيل لذاته لالعارضٍ وبالجائزالجائز لذاته وإن عرض وجوبه بإخبارالشارع بوقوعه وهوالواجب العرضي أوعرضت إستحالته بإخبارالشارع بعدم وقوعه وهوالمستحيل العرضي وليس المرادبالجائز المباح أوالمأذون في فعله (التنبيه الثاني) قدتقدم في تقسيم الحكم بعض الكلام على الحكم العادي وأن الناظم لم تدعه حاجةٍ لذكره ولابدمن زيادة بعض الكلام فيه لتشوف النفس عندالتقسيم إلى معرفة جميع الأقسام فأقول قال في المقدمات وأماالحكم العادي فهوإثبات الربط بين أمرٍ وأمرٍ وجوداً أوعدماً بواسطة التكررمع صحة التخلف وعدم تأثير أحدهما في الآخر ألبتة قال في شرحها يعني أن الحكم العادي هوإثبات الربط بين وجودأمرٍ وعدمه وبين وجود أمرٍ آخر فقولنا وجوداً أوعدماً راجع لكل واحدٍ من الأمرين لا لأحدهما فقط إذ لوكان كذلك مادخل تحت هذاالكلام جميع الأقسام الأربعة الآتية وإحترز بقوله التكرر من الربط بين أمرين عقلاً أوشرعاً كالربط العقلي بين قيام العلم بمحل وبين كون ذلك المحل عالماً وكالربط الشرعي بين زوال الشمس ووجوب صلاة الظهر مثلاً فهذان الربطان لايسمى واحد منهما عادياً لعدم توقفه على تكرروأماقولنا مع صحة التخلف وعدم تأثير أحدهما في الآخر ألبته فلم نذكره لبيان حقيقة الحكم العادي بل التنبيه على تحقيق علم ودفع جهالةٍ ابتلى بها الأكثر في الأحكام العادية حتى توهموا أنه لامعنى للربط الذي حصل في الحكم العادي إلا ربط اللزوم الذي لايمكن
معه الانفكاك كاللزوم العقلي أوربط التأثير من أحدهما في الآخرر فنبهنا بهذه الجملة على أن الربط الذي حصل في الحكم العادي إنماهوربط اقتران ودلالة جعلية لاربط لزوم عقلي ولاربط تأثيرمن أحدهما في الآخر فأشرنا إلى عدم الربط فيه بطريق اللزوم الذي يشبه اللزوم العقلي بقولنامع صحة التخلف وفيه تنبيه على جهالة من فهم أن الربط في العاديات بطريق اللزوم الذي لايصح معه التخلف فأنكربسبب هذه الجهالة البعث وإحياء الميت في القبروالخلودفي النارمع استمرارالحياة لأن ذلك كله على خلاف العادة المستمرة في الشاهد والربط المقترن فيها لايصح فيه التخلف عندهم وأشرنا إلى عدم الربط فيه بطريق التأثيربقولناوعدم تأثيرأحدهما في الآخر ألبته وقديقال إن ذكرهذين القيدين في تعريف الحكم العادي إنماهولإفادة معرفته بناءً على أن الجهل بصفة حقيقية، وإثبات ضدها لتلك الحقيقة موجب للجهل بها وهومذهب الشيخ أبي عمران الفارسي رضي الله عنه في المسألة المشهورة بالخلاف وهي الجهل بصفات المولى تبارك وتعالى وإثبات ضدهابمالايليق به جل وعلا كإثبات الجسمية له والجهة ونحوذلك مماهومستحيل عليه تعالى هل يصدق على معتقدذلك أنه جاهل بالمولى تبارك وتعالى أم لا والأظهر أنه جاهل به جل وعلا كماإختار أبوعمران رحمه الله فعلى هذامن جهلٍ صفة الحكم العادي بأنه ربط اقتران جعلى يصح فيه التخلف واعتقد لجهله أن الربط فيه ربط تأثيرأولزوم ولايمكن فيه التخلف فإنه يصدق عليه أنه جاهل بالحكم العادي بناءً على هذا القول الأظهر أن الجهل بالصفة جهلٍ بالموصوف فإسقاط هذين القيدين إذاً من تعريف الحكم العادي قديخل بمعرفته قال في المقدمات أيضاً وأقسامه أربعة ربط وجود بوجود كربط وجودالشبع بوجود الأكل وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل قال وربط وجودبعدم كربط وجود الجوع بعدم الأكل وربط عدم بوجود كربط عدم الجوع بوجود الأكل في الشرح قد عرفت أن الربط بين أمرين في الحكم العادي يصح في وجود كل واحدٍ منهماوعدمه فلزم انقسام الربط إلى أربعة أقسام من ضرب إثنين وهماوجود أحدالأمرين وعدمه في اثنين وهماوجود الأمرالآخر وعدمه اهـ. محل الحاجة (تتمه) كما إنقسم الحكم العقلي إلى ضروري ونظري فكذلك الحكم العادي فمثال الضروري من الحكم العادي حكمنا بأن النار محرقةٍ وأن الثوب ساترونحوذلك ومثال النظري منه كون شراب السكنجبين مسكناً للصفراء والخبزالفطير ليس بسريع الإنهضام ونحوذلك وأكثر أحكام أهل الطب عادية نظرية وكذلك الشرعي ينقسم إلى ضروري ونظري وسيأتي
أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ كُلِّفَا مُمْكِّناً مِنْ نَطَرٍ أنْ يَعْرِفَا الله وَالرُّسُلَ بِالصِّفَاتِ مِمَّا عَلَيْهَا نَصَبَ الآيَاِت أخبرأن أول مايجب على المكلف وهوالعاقل البالغ حالة كونه ممكناً من النظرمعرفة الله تعالى ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام بالصفات التي نصب الله تعالى عليها الآيات أي أقام عليها البراهين والأدلة إذ الجهل بالصفة جهل بالموصوف كمامر قريباً وإنما قال ممكناً من نظرٍ ليتحرز به عن المكلف إذالم يتمكن من النظر لمفاجأة الموت له عقب البلوغ فلاتجب عليه المعرفة إذ لايتوصل لهاإلا بالنظروالفرض أنه لم يتمكن منه وكون المعرفة أول واجبٍ هو أحد أقوال في المسألة قال في شرح الكبرى مامررناعليه في هذه العقيدة من أن أول واجب النظر هومذهب جماعةٍ منهم الشيخ الأشعري وذهب الأستاذ وإمام الحرمين إلى أن أول واجبٍ القصد إلى النظر أي توجيه القلب إليه بقطع العلائق المنافية لهاومنها الكبروالحسد والبغض للعلماء الداعين إلى الله سبحانه، وتطهيرالقلب من هذه الأخلاق أول هداية الله للعبد وقال القاضي أول واجب أول جزءٍ من النظروقيل أول واجب المعرفة ويعزى للشيخ أيضاً وهوفي الحقيقة غير مخالفٍ لماقبله لأنه نظر إلى أول مايجب مقصداً وغيره نظر إلى أول مايجب إمتثالاً وأداء وإنمااخترنا من هذه الأقوال القول بأن أول واجب النظر لتكررالحث على النظر في الكتاب والسنة حتى كأنه مقصد بخلاف ماقبله من الوسائل فإنماأخذ من قاعدة أن الأمر بالشيء أمربمايتوقف عليه من فعل المكلف وفي تلك القاعدة نزاع اهـ قوله ممكناً من نظرالنظرقال ابن العربي هوالفكرالمرتب في النفس على الطريقة تفضى إلى العلم يطلب به من قام به علماً في العلميات أوغلبة ظنٍ في المظنونات وقال البيضاوي حقيقة النظر ترتيب أمورمعلومة على وجه يؤدي إلى إستعلام ماليس بمعلوم وقيل غيرذلك وهل الربط بين الدليل والنتيجة عادي فيمكن تخلفه أوعقلي
فلا يمكن عند نفي الآفات العامة كالموت ونحوه التخلف أوبالتولدأوبالإيجاب أربعة أقوال الأول مذهب الأشعري والثاني إمام الحرمين وهو الصحيح وللقاضي القولان والثالث مذهب المعتزلة والرابع مذهب الحكماء.
قوله أن يعرفاالمعرفة هي الجزم المطابق عن دليل وللشيخ في شرح الكبرى تقسيم عجيب لابد من إيراده لمسيس الحاجة إليه وإشتماله على فوائدٍ قال رحمه الله أعلم أن الحكم الحادث ينشأ عن أمورٍ خمسةٍ علم وإعتقاد وظن وشك ووهم لأن الحاكم بأمرٍ على أمرٍ ثبوتاً أونفياً إماأن يجدفي نفسه الجزم بذلك الحكم أولا والأول إماأن يكون لسببٍ وأعني به ضرورةً أوبرهاناً أولا وغيرالجزم إماأن يكون راجحاً على مقابله أومرجوحاً أومساوياً فأقسام الجزم إثنان وأقسام غيرالجزم ثلاثةً ويسمى الأول من قسمي الجزم علماً ومعرفةً ويقيناً والثاني اعتقاداً ويسمى الأول من أقسام غير الجزم ظناً والثاني وهماً والثالث شكاً فإذا عرفت هذافالإيمان إن حصل عن أقسام غيرالجزم الثلاثة فالاجماع على بطلانه وإن حصل عن القسم الأول من قسمي الجزم وهو العلم فالإجماع على صحته وأما القسم الثاني وهو الاعتقاد فينقسم قسمين مطابق في نفس الأمر ويسمى الاعتقاد الصحيح كاعتقاد عامة المؤمنين المقلدين وغير مطابق يسمى الإعتقاد الفاسد والجهل المركب كاعتقادالكافرين فالفاسد أجمعوا على كفرصاحبه وأنه اثم غير معذور مخلدفي الناراجتهد أو قلد ولايعتدبه بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة واختلفوا في الاعتقاد الصحيح الذي حصل بمحض التقليد فالذي عليه الجمهور والمحققون من أهل السنة كالشيخ الأشعري والقاضي والإستاذ وإمام الحرمين وغيرهم من الأئمة أنه لايصح الإكتفاء به في العقائد الدينية وهو الحق الذي لاشك فيه وقدحكى غيرواحدٍ الإجماع عليه وكأنه لم يعتدبه بخلاف الحشوية وبعض أهل الظاهرإما لظهورفساده وعدم متانة علم صاحبه أو لإنعقادإجماع السلف قبله على ضده وقد حصل ابن عرفة في المقلد ثلاثة أقوال الأول أنه مأمن غيرعاصٍ بترك النظر الثاني أنه مؤمن لكنه عاصٍ إن ترك النظرمع القدرة.
الثالث إنه كافر، ثم قال وبالجملة فالذي حكاه غير واحدٍ عن جمهورأهل السنة ومحققيهم أن التقليد لايكفي في العقائد ولهذا قال ابن الحاجب في العقيدة المنسوبة له بعد قوله إن الإيمان هوالتصديق وهو حديث النفس التابع للمعرفة على الأصح قال ولايكفي التقليد في ذلك على الأصح اهـ وإلى القسم الأول من قسمي الجزم وهو الجزم المطابق عن دليل أشارالناظم بقوله أن يعرف الله والرسل إذ هوالمسمى معرفةً كمامر وسيب الخلاف في الاكتفاء بالتقليد وعدمه هوهل المعرفة واجبة على الكفاية أوعلى الأعيان فالمعرفة واجبة في الجملة بإجماع وهل على الكفاية بحملهامن قام بها وغيره يكفيه التقليد أوهي واجبة على الأعيان فتجب المعرفة على كل واحدٍ ولايكفي التقليد في المسألة قولان وكل من يقول يقول ادعى الإجماع لنقض ماادعاه مخالفةً وإلى ذلك أشارالإمام ابن زكرى بقوله
فصل وقد وجب بالإجماع
معرفة الله بلا نزاع
وفي وجوبها على الأعيان
أوالكفاية لهم قولان
لا يكتفي الأول بالتقليد
ويكتفي الثاني بلا ترديد
كل حكى الإجماع في نقيض ما
قد ادعاه خصمه ملتزما
قوله بالصفات وهو جمع صفة والصفة والوصف بمعنى واحد عند أهل العربية وأما عند المتكلمين فالوصف قول الواصف والصفة المعنى القائم بالموصوف وهوالمرادهنا.
قوله مماعليه نصب الآيات.
يتعلق بمحذوف صفة أوحال للصفات ومفهومه أنه لايجب المعرفة بمالم ينصب عليه دليل من الصفات وهوكذلك وهذاالمفهوم كقول الإمام السنوسي في شرح الصغرى صفات مولانا جل وعز الواجبة له لاتنحصرفي العشرين إذ كمالاته لانهاية لهالكن العجزعن معرفة مالم ينصب عليه دليل عقلي ولانقلي لانؤاخذبه بفضل الله تعالى.
وَكُلُّ تكْليفٍ بِشرْطِ الْعَقْلِ
مَعَ الْبُلُوغِ بِدمٍ أوْ حَمْلِ
أَوْ بِمَني أو بِإِنْباتِ الشّعْرِ
أَوْ بِثَمانِ عَشْرَةٍ حَوْلاً ظَهَرْ
اعلم أنه اختلف في التكليف فقيل هوإلزام مافيه كلفة وقيل طلب مافيه كلفة ويجري على القولين الندب فهوتكليف على الثاني دون الأول وللتكليف ثلاثة شروط.
الأول العقل وهو قوة مهيئة لقبول العلم وقيل قوة يكون بها التمييز بين الحسن
والقبيح.
وقال صاحب القاموس الحق أنه نور روحاني به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية وابتداء وجوده عند اختتان الولد ثم لايزال ينموإلى أن يكمل عند البلوغ اهـ وقال بعضهم اختلف الناس في العقل من جهاتٍ شتى هل له حقيقة تدرك أم لا وعلى أن له حقيقة تدرك هل هو جوهر أوعرض قولان وهل محله الرأس أوالقلب قولان وهل العقول متفاوته أو متساوية قولان وهل هو اسم جنس أوجنس أونوع أقوال ثلاثة فهذه أحد عشر قولاً ثم القائلون بالجوهرية والعرضية اختلفوا في رسمه على أقوال شتى أعد لها قولان قال أصحاب العرض هو ملكة النفس بها يستعد للعلوم والإدراكات وقال أصحاب الجوهر جوهر لطيف تدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدات خلفه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب.
الثاني من شروط التكاليف البلوغ وهوكما قال الإمام أبوعبدالله المازري قوة تحدث في الصبي يخرج بها عن حالة الطفولية إلى حال الرجولية وتلك القوة لايكاد يعرفها أحد فجعل الشارع لها علامات يستدل بها على حصولها اهـ والعلامات خمس ثلاث يشترك فيها الذكروالأنثى أولها الاحتلام وهو خروج المني ابن شاس ويثبت الاحتلام بقوله إن كان ممكناً إلا أن تعارضه ريبةً والثانية إنبات الشعر أي شعر الوسط والمراد به الخشن لاالزغب ابن العربي ويثبت بالنظر إلى مراة تسامت محل الإنبات ابن عرفة أنكر هذاعزالدين وقال هو كالنظر إلى عين العورة وكذا ابن القطان المحدث.
والثالثة السن واختلف في حده والمشهور وعليه اقتصر الناظم ثمان عشرة سنة وقيل سبع عشرة وقيل خمس عشرة واثنتان تختص بهما الأنثى وهما الحيض والحمل ابن ناجي في عد الحمل نطر لأنه لايكون إلا بعد سبقية الإنزال من المرأة فهوراجع إلى الاحتلام وزاد الشهاب القرافي في العلامات رائحة الإبطين وزاد غيره فرق الأرنبة من الأنف وبعض الطبائعيين غلظ الصوت البرزلي ومن ذلك أن يأخذ خيطاً ويثنيه ويديره برقبته ويجمع طرفيه في أسنانه فإن دخل رأسه فإن دخل رأسه منه فقد بلغ وإلا فلا ولاإشكال في العلامات المذكورة بالنسبة إلى الشخص الذي تمخضت ذكورته أوأنوثته وأما الخنثى فإن غلبت ذكورته فله حكم الذكر أوأنوثته فله حكم الأنثى وإن كان مشكلاً فله حكم الاحتياط فتجري فيه العلامات الخمس.
الثالث من شروط التكليف بلوغ دعوة النبي وأسقط الناظم هذا الشرط لعدم الحاجة إليه بسبب دعوته لكل أحد والله تعالى أعلم.
أم القواعد، وماانطوت عليه من العقائد ذكر الناظم في هذه الترجمة القاعدة الأولى من قواعدالإسلام الخمس وهي الشهادتان ومااشتملت عليه من العقائد فبدأ بذكرالعقائد وبراهينها ثم ذكرأن جميعها مندرج في كلمة التوحيد ولماكانت بقية القواعدالأربعة المذكورة بعدهامبنية عليها ولايصح شيء منها إلا بعدوجودها كمايصرح به في قوله بعد وهي الشهادتان شرط الباقيات سماها أم القواعد أي شرطاً شرعياً لصحة بقية القواعد كماأن وجود الأم شرط عادي في وجودالولد والكتاب مصدركتب يكتب كتابة وكتاباً ومادة كتب تدل على الجمع والضم ومنه الكتيبة استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء ومسائل والضم فيه بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة بالنسبة إلى المعاني المرادمنها مجاز وكتاب خبرمبتدأ محذوف أي هذا كتاب والمشار إليه بالمبتدء المحذوف هو الكلام المذكور في الترجمة من أولها إلى آخرها أي هذاالكلام بجمع القاعدة الأولى وماانطوت عليه أي اشتملت عليه من عقائد الإيمان فقوله وماانطوت عطف على أم وسيأتي إن شاء الله بيان اشتمال الشهادتين على جميع العقائد حيث تعرض له الناظم بقوله وقوله لاإله إلا الله محمدأرسله الإله يجمع كل هذه المعاني يُجِبُ لله الْوُجُودُ وَالْقِدَمْ كَذَا الْبَقَاء وَالْغِنَى الْمُطْلَقُ عَمْ وَخُلُفُهُ لِخَلْقِهِ بِلاَ مِثَالْ وَوَحْدَةُ الذَّاتِ وَوَصْفٍ وَالْفِعَالْ وَقُدْرَةٌ إِرَادَةٌ عِلْمٌ حَيَاةْ سَمْعٌ كَلاَمٌ بَصَرٌ ذِي وَاجبِاتْ وَيَسْتَحِيلُ ضِدُّ هَذِهِ الصِّفاتْ بَعَدمُ الْحُدُوثُ ذَا لِلْحادِثَاتِ كذَاَ الْفَنَا وَالاِفْتِقَاُر عُدَّهْ وَأنْ يُمَاثِلُ وَنَفْىُ الْوحْدَهْ عَجْزٌ كَرَاهَةٌ وَجَهْلٌ وممَات وَصَمَمٌ وَبَكَمٌ عَمَي صُمات يَجُوزُ فِي حَقِّهِ فِعْلُ الْمُمْكِناتِ بأَسْرِهَا وَتَرْكهَا فِي الْعَدَمَاتِ لما ذكرالناظم في مقدمة كتاب الاعتقاد أن معرفة الله تعالى بالصفات التي قام الدليل عليها واجبة شرع هنا في ذكرتلك الصفات وقسمها كغيره إلى ثلاث أقسام قسم واجب في حقه تعالى بمعنى أن وصفه تعالى به واجب عقلاً لايتصور في العقل عدمه
وقسم مستحيل عليه تعالى بمعنى أن وصفه تعالى به محال عقلاً لايتصورفي العقل وجوده وقسم جائز في حقه تعالى بمعنى أن وصفه تعالى به جائز عقلاً أي بحيث أن العقل يجوز أن يوصف به تعالى وأن لا ولاينبني محال على كل منهما فالقسم الأول ثلاث عشرة صفة وكذاالثاني لأن كل صفةٍ واجبةٍ يستحيل ضدها.
الأولى الوجود قال في شرح الصغرى وفي عد الوجود صفة على مذهب الأشعري تسامح لأنه عنده عين الذات ليس بزائدٍ عليها والذات ليست بصفة لكن لما كان الوجود توصف به الذات في اللفظ فيقال ذات مولاناموجودة صح أن يعد صفة على الجملة وأما على مذهب من جعل الوجود زائداً على الذات كالإمام الرازي فعده من الصفات صحيح لاتسامح فيه وعلى من جعله زائداً على الذات في الحادث دون القديم وهومذهب الفلاسفة أهل الثانية القدم وهو عبارة عن سلب العدم السابق على الوجود وإن شئت قلت هوعبارة عن عدم الأولية للوجود وهذامعنى القدم باعتبار ذاته تعالى وصفاته وأماإذا أطلق في حق الحادث كقوله هذا بناء قديم فهو عبارة عن طول مدة وجوده وإن كان حادثاً مسبوقاً بعدم ويستحيل إطلاقه بهذا المعنى على الله تعالى لأن وجوده تعالى لايتقيد بزمان ولامكان لحدوث كل منهما فلايتقيد بواحدٍ إلا ماهو حادث ويجوز أن يقال الله تعالى قديم لأن معناه واجب له جل وعلا وهو الصحيح لوروده في حديث أبي هريرة في التسعة والتسعين أخرجه ابن ماجه في سننه أويقال إنما يجب له تعالى القدم لأن أسماءه تعالى توقيفية تردد في ذلك بعض الشيوخ.
الثالثة البقاء وهو عبارة عن سلب العدم اللاحق للوجود وهذا التفسير وكذا تفسير القدم المتقدم بناء على أن القدم والبقاء صفتان سلبيتان وقال
بعض الأئمة في تفسيرالقدم هو استمرار الوجود في الماضي إلى غير نهاية وقال في تفسيرالبقاء هو استمرار الوجود في المستقبل إلى غير نهاية قال في شرح الصغرى وكان صاحب هذه العبارة يجنح إلى أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان لأنهما عنده الوجود المستمر في الماضي والمستقبل والوجود نفسي لعدم تحقق الذات بدونه وهذا المذهب ضعيف لأنهما لو كانا نفسيين لزم أن لاتعقل الذات بدونهما وذلك باطل بدليل أن الذات يعقل
وجودها ثم يطلب البرهان على وجود قدمهاوبقائها.
الرابعة الغنى المطلق وهوقيامه تعالى بنفسه أي بذاته فلايفتقر لشيء من الأشياء فلايفتقر إلى محلٍ أي ذات سوى ذاته يوجد فيها كماتوجد الصفة في الموصوف لأن ذلك لايكون إلا للصفات وهو تعالى ذات موصوف بالصفات وليس هو تعالى بصفةٍ كما تدعيه النصارى ولا يفتقر تعالى إلى مخصص أي فاعل يخصه بالوجود لا في ذاته ولافي صفة من صفاته لوجود القدم والبقاء لذاته تعالى ولجميع صفاته وإنمايحتاج إلى المخصص من يقبل العدم ومولانا جل وعز لا يقبله فبعدم افتقاره إلى محل أي ذاتٍ أخرى لزم كونه تعالى ذاتاً لاصفة وبعدم افتقاره تعالى إلى مخصص أي فاعل لزم أن داته تعالى ليست كسائر الدوات المفتقرة إلى الفاعل وإن كانت لاتفتقر إلى محل أيضاً فإذا القيام بالنفس عبارة عن الغنى المطلق كما عبر به الناظم وذلك لايمكن إلا لمولانا جل وعز وقال تعالى (ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هوالغني الحميد) وعم آخر البيت الأول أصله عاماً حال مؤكدة من الغنى فحذفت الألف الأولى كماحذفت في بر والأصل بار حذفت الثانية ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويوقف عليه بتخفيف الميم للوزن.
الخامسة مخالفته تعالى للحوادث أي لايماثله تعالى شيء منها مطلقاً لافي الذات ولافي الصفات ولافي الأفعال، قال تعالى (ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير).
فأول هذه الآية تنزيه واخرها إثبات فصدرها يرد على المجسمة وأضرابهم وعجزها يرد على المعطلة النافين لجميع الصفات.
السادسة الوحدانية أي لاثاني له في ذاته ولافي صفاته ولافي أفعاله فأوجه الوحدانية ثلاثة وحدانية الذات ووحدانية الصفات ووحدانية الأفعال فوحدانية الذات تنفي التركيب في ذاته تعالى ووجود ذاتٍ أخرى تماثل الذات العلية فتنفي التعدد في حقيقتها متصلاً كان أومنفصلاً ووحدانية الصفات تنفي التعدد في حقيقة كل واحدٍ منهامتصلاً كان أومنفصلاً فعلم مولانا جل وعز ليس له ثانٍ يماثله لامتصلاً أي قائماً بالذات العلية ولامنفصلاً أي قائماً بذاتٍ أخرى بل هو تعالى يعلم المعلومات التي لا
نهاية لها بعلم واحدٍ لاعددٍ له ولاثاني له أصلاً وقس على هذا سائر صفات مولانا جل وعز ووحدانية الأفعال تنفي أن يكون ثم إختراع لكل ماسوى مولانا جل وعز في فعل مامن الأفعال بل مولانا جل وعز هوالمنفرد باختراع جميع الكائنات بلا واسطة وحاصل وحدانية الأفعال نفي نظيرله تعالى في ألوهيته ونفي شريك معه في جميع الممكنات فلا مؤثر في جميعها سواه وليست الوحدة الثابتة لذاته تعالى بمعنى تناهيه في الدقة والصغر إلى حدلاينقسم وإلا لزم أن يكون جوهراً فرداً ولابمعنى من المعاني لأن المعاني لاتقبل الانقسام وإلا لزم أن يكون صفة غير قائم بنفسه وذلك محال.
السابعة القدرة وهي صفة يتأتى بهاإيجادالممكن وإعدامه على وفق الإرادة أي يتيسر بها إخراج كل ممكن من العدم إلى الوجود وإخراجه عن الوجود إلى العدم سواء كان الممكن جرماً أوعرضاً مكتسباً أوغير مكتسب حيواناً أوغيره ففيه تنبيه على فساد مذهب القدرية الذين أخرجوا أفعال الحيوانات الاختيارية عن تعلق قدرة الله تعالى وعلى فساد مذهب الطبائعيين الذين أسندوا بعض الممكنات لقوى الطبائع العلوية والسفلية وقولهم على وفق الإرادة إشارة إلى أن فعله تعالى للكائنات إنماهو بطريق الاختيار لا بطريق اللزوم كفعل العلة والطبيعة عندالفلاسفة والطبائعيين.
الثامنة الإرادة وهي صفة يتأتى بهاتخصيص الممكن ببعض مايجوز عليه ومعنى ذلك أن الممكنات نسبتها إلى قدرة الله تعالى على حدٍ سواء فلو اختصت بوجودبعضها دون بعض لزم العجز فإذا لابد لتخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون مقابلة من صفة أخرى وليس إلا صفة الإرادة إذ لايلزم نقص في قولنا أراد الله وجود هذا الممكن ولم يرد هذا الممكن الآخر بل أراد عدمه بل ذلك دليل على غاية الكمال فإن تصرفه تعالى في الممكنات إنما هو بمحض الإرادة والاختيار ولاباعث له على ممكن منهاولاإكراه ولاإجبار كما قال تعالى (وربك يخلق مايشاء ويختار).
ولوقلت قدر الله تعالى على هذا الممكن الموجود ولم يقدرعلى مقابله لكان فاسداً لمافيه
من لزوم نقيصة العجز.
وأماسائر الصفات كالعلم والكلام والسمع والبصرفلايصح التخصيص بهالأن التخصيص تأثيروهذه الصفات ليست مأثرة في متعلقاتها وأشار بالعموم في قول الممكن إلى فساد مذهب المعتزلة الذين خصصوا تعلق الإرادة بالخير دون الشر وبالصلاح والأصلح دون مقابليهما والله تعالى أعلم اهـ من شرح المقدمات (تتمة) قال في شرح الصغرى متعلق القدرة والإرادة واحدوهوالممكنات دون الواجبات والمستحيلات إلا أن جهة تعلقهما بالممكنات مختلفة فالقدرة صفة تؤثر في إيجاد الممكن وإعدامه والإرادة صفة تؤثر في إختصاص أحد طرفي الممكن من وجود وعدم أوطول وقصر ونحوها بالوقوع بدلاً عن مقابله فصار تأثير القدرة فرع تأثير الإرادة إذ لايوجد مولانا جل وعز من الممكنات أويعدم بقدرته إلا ماأراد سبحانه وتعالى وجوده أوإعدامه وتأثير الإرادة عند أهل الحق على وفق العلم فكل ماعلم الله تبارك وتعالى أنه يكون من الممكنات أولايكون فذلك مراده جل وعز والمعتزلة قبحهم الله جعلوا تعلق الإرادة تابعاً للأمر فلايريد عندهم مولانا جل وعزإلا ماأمربه من الإيمان والطاعة سواء وقع ذلك أم لا فعندنا إيمان أبي جهل مأموربه غير مراد له تعالى لأنه تعالى علم عدم وقوعه وكفر أبي جهل منهي عنه وهو واقع بإرادة الله تعالى وقدرته وعند المعتزلة قبح الله رأيهم إيمانه هوالمراد لله تعالى لاكفره فلزمهم أنه وقع نقص في ملك مولانا جل وعز إذ وقع فيه على قولهم مالايريده تعالى من له ملك السموات والأرض ومابينهما عن ذلك علواً كبيراً.
وبالجملة فالتعلقات عند أهل الحق ثلاثة مرتبة تعلق القدرة وتعلق الإرادة وتعلق العلم بالممكنات فالأول مرتب على الثاني والثاني مرتب على الثالث وإنما لم تتعلق القدرة والإرادة بالواجب والمستحيل لأن القدرة والإرادة لماكانتا صفتين مؤثرتين ومن لازم الأثر أن يكون موجوداً بعد عدم لزم أن مالايقبل العدم أصلاً كالواجب لايقبل أن يكون أثراً لهما وإلا لزم تحصيل الحاصل ومالا يقبل الوجودأصلاً كالمستحيل لايقبل أيضاً أن يكون أثراً لهماوإلا لزم قلب الحقيقة برجوع المستحيل عين الجائز فلا قصور أصلاً في عدم تعلق القدرة والإرادة القديمتين بالواجب والمستحيل بل لوتعلقتا بهما لزم حينئذٍ القصور لأنه يلزم على هذا التقدير الفاسد أن يجوز تعلقهما بإعدام أنفسهما بل وبإعدام الذات العلية وبإثبات الألوهية لمالايقبلها من الحوادث وسلبها عمن تجب له هو ومولانا جل وعز وأي
نقصٍ وفساد أعظم من هذا وبالجملة فذلك التقدير الفاسد يؤدي إلى تخليط عظيم لايبقى معه شيء من الإيمان ولاشيء من المعقولات أصلاً اهـ (فرع) قال الإمام أبوالعباس أحمد القلشاني في شرح اختلف العلماء هل يجوز إطلاق القول بأن الله تعالى أراد الكفرو المعصية أم لافقال ابن سعيد والقلانسي لايجوز إطلاق ذلك وإن صح في الاعتقاد لأن الطلاق يلزم فيه الأدب مع الله تعالى وأن ذلك يوهم أن المعصية حسنة مأمور بهاوقيل بالجواز قال ابن العربي قال شيخنا والصحيح الجواز حيث لاإيهام قلت الأظهر الأول مع اعتقاد أن لاخالق إلا الله وأن جميع الكائنات بمراده وانظر قوله تعالى (وأنالاندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً) اهـ. التاسعة العلم وهوصفة ينكشف بها المعلوم على ماهوبه انكشافاً لايحتمل النقيض بوجه من الوجوه قال في شرح المقدمات يعنى بالمعلوم كل مايصح أن يعلم وهوكل واجبٍ وكل مستحيلٍ وكل جائز ومعنى ينكشف أنه يتضح ذلك المعلوم لمن قامت به تلك الصفة ويتميز عن غيره اتضاحاً لاخفاء معه وهذامخرج للظن والشك والوهم فإن الاحتمال القائم فيها يمنع من انكشاف ذلك المظنون والمشكوك والموهوم ويوجب له تعالى خفاء والتعبير بالمضارع في الانكشاف يقتضي دوام الانكشاف واستمراره بحيث لايحتمل النقيض بوجه وذلك لإستناد هذه الصفات إلى ضرورة أوبرهان ويخرج أيضاًالاعتقاد الجازم مطابقاً كان أوغير مطابق لأنه يحتمل النقيض بتشكيك مشكك فلايستمر معه الانكشاف وقوله على ماهو به زيادة في البيان وتصريح على سبيل التوكيد بإخراج الجهل المركب وهواعتقاد أمر على خلاف ماهو به والمقصود من هذا التعريف التقريب على سبيل الاختصار لعسر تعريف العلم بما يسلم من كل مناقشة ويدخل في العلم على مقتضى هذا التعريف إدراك السمع والبصر وسائر الادراكات فهي إذاً أنواع للعلم وهذا مذهب الشيخ الأشعري رضي الله عنه اهـ. وقد اتضح من قوله يعني بالمعلوم كل مايصح أن يعلم وهو كل واجبٍ وكل جائز
وكل مايستحيل أن متعلق العلم الأقسام الثلاثة.
العاشر الحياة وهي صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بالادراك قال في شرح المقدمات يعني أن الحياة ليست من الصفات المتعلقة وهي مايقتضي بذاته أمراً زائداً على القيام بمحله كالقدرة فإنها تقتضي زائداً على القيام بمحلها وهوالمقدور الذي يتأتى بها إيجاده وإعدامه والارادة تقتضي لذاتها مراداً يتخصص بها والعلم يقتضي معلوماً ينكشف به والكلام يقتضي معنى يدل عليه والكلام يقتضي معنى يدل عليه والسمع يقتضي مسموعاً والبصر يقتضي مبصراً والحياة لاتقتضي زائداً على القيام بمحلها وإنما هي صفة مصححة للادراك بمعنى أنهاشرط عقلي له يلزم من عدمها عدم الادراك ولايلزم من وجودها وجودالادراك ولاعدمه اهـ زاد في شرح الصغرى مانصه وبالجملة فجميع صفات المعاني متعلقة أي طالبه لزائد على القيام بمحلها سوى الحياة وهذاالتعلق نفسي لتلك الصفات كما أن قيامها بالذات نفسي لهاأيضاً.
الحادية عشرة والثانية عشرة السمع والبصرقال في المقدمات والسمع الأزلي صفة ينكشف بها كل موجودٍ على ماهوبه إنكشافاً يباين سواه ضرورة والبصر مثله والإدراك على القول به مثلهما قال في شرحها هذه الصفات مشتركة في تعلقها بالموجودقديماً كان أوحادثاً إلا أنها في الشاهد مختصة ببعض الموجودات لتخصيصه تعالى بذلك ولوخرق الله سبحانه العادة في ذلك لصح أن تتعلق بسائر الموجودات ولهذا جازت رؤية المخلوقات لمولانا تبارك وتعالى على مذهب أهل الحق وجاز سماعهم لكلامه القائم بذاته العلية مع أن الرؤية في الشاهد إنما جرت العادة بتعليقها بالأجرام وألوانها وأكوانها والسمع في الشاهد إنماجرت العادة بتعلقه بالحروف والأصوات ولما استحال دخول التخصيص في صفات المولى تبارك وتعالى لاستلزامه الافتقار إلى المخصص المستلزم للحدوث وجب تعميم تعلق صفاته تعالى بكل ماتصلح له لأنها واجبة فلا يمكن أن تتصف بمايقتضي حدوثها والقاعدة أن كل مايقبله مولانا تبارك وتعالى من الصفات الذاتية وكمالاتها فهو واجب لاستحالة اتصافه جل وعلا بالجائزات اهـ وفي شرح الصغرى ونبه بقوله المتعلقان بجميع الموجودات على أن سمعه تعالى وبصره مخالفان لسمعنا وبصرنا في التعلق لأن سمعنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأصوات على وجه مخصوص من عدم البعد والسر جداً وبصرنا إنمايتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأجسام وألوانها وكونها في جهة مخصوصة على صفة مخصوصة وأما سمع مولانا جل وعز وبصره فيتعلقان بكل موجود قديماً كان أوحادثاً فيسمع جل وعز ويرى في أزله ذاته العلية وجميع صفاته الوجودية ويسمع ويرى
تبارك وتعالى مع ذلك فيمالايزال ذوات الكائنات كلهاوجميع صفاتها الوجودية كانت من قبيل الأصوات أومن غيرها أجساماً كانت أوألواناً وأكواناً أوغيرها.
الثالثة عشرة وهي في ترتيب النظم الثانية عشرة الكلام قال في المقدمات والكلام الأزلي هوالمعنى القائم بالذات المعبر عنه بالعبارات المختلفات المبان لجنس الحروف والأصوات المنزه عن البعض والكل والتقديم والتأخير والسكوت واللحن والإعراب وسائر أنواع التغيرات المتعلق بمايتعلق به العلم من المتعلقات قال في شرحها لاشك أن الكتاب والسنة والإجماع مصرحة بإثبات الكلام لمولانا تبارك وتعالى من أمر ونهي ووعد ووعيد وتبشير وتحذير وأخبار ودليل العقل أيضاً يدل بالطريق القطعي أن كل عالم بأمر يصح أن يتكلم به ومولانا تبارك وتعالى عالم بجميع المعلومات فصح أن له كلاماً مايتعلق بها وكل مايصح أن يتصف به جل وعلا وجب له استحالة اتصافه تعالى بصفة جائزة فالكلام إذاً واجب له تعالى ثم قال وقداتضح أن الحق ماأجمع عليه أهل السنة من ثبوت كلام المولى تبارك وتعالى ليس من جنس الحروف والأصوات منزهاً عن التقديم والتأخيروالجزء والكل واللحن والإعراب والسكوت ونحوهامن خواص كلامنا الحادث لسانياً كان أونفسانياً لاستلزام ذلك كله النقص والبكم والحدوث وإنما كلامه جل وعلا صفة واجبة القدم والبقاء متعلقة بجميع ماتعلق به علمه وكنهه محجوب عن العقل إذ لامثل له عقلياً ولاوهمياً ولاخيالياً ولاموجوداً ولامقدراً وذلك كذاته العلية وسائر صفاته اهـ. وحاصلة إثبات الكلام القديم وأنه يستحيل أن توجدفيه صفة من صفات الكلام الحادث من حروف وأصوات وماذكر بعدها وإنما هوصفة معنى موجود قائم بذاته العلية ويعبرعنه بالعبارات المختلفات كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وليست هذه العبارات هي عين كلامه تعالى لأنهابالحروف والأصوات بل هذه دالة على كلام الله تعالى القديم ولم يحل كلامه تعالى في شيء من الكتب بل هو قائم بذاته العلية لايفارقه ولايتصف به غيره لكن لما كانت حروف القرآن دالةً على كلامه تعالى أطلق على القرآن أنه كلام الله من باب تسمية الدال باسم المدلول وذلك كقول عائشة رضي الله عنها (مابين دفتي المصحف كلام الله) ثم قال في شرح المقدمات بعدما تقدم عنه وإذاعرفت مذهب أهل الحق في كلام الله تعالى عرفت أن إطلاق السلف رضي الله عنهم على كلام الله تعالى أنه مقروء بالألسنة،
مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور هوبطريق الحقيقة لاالمجاز وليس يعنون بذلك حلول كلام الله تعالى القديم في هذه الأجرام تعالى الله عن ذلك وإنما يريدون أن كلامه تعالى مذكورمدلول عليه بتلاوة اللسان وكلام الجنان وكتابة البنان فهو موجود فيها فهماً وعلماً لاحلولا لأن الشيء له وجودات أربع وجود في الأعيان ووجودفي الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان أي بالكتابة بالأصابع فالوجود الأول هوالوجودالذاتي الحقيقي وسائر الوجودات إنماهي باعتبار الدلالة والفهم وبهذا تعرف أن التلاوة غيرالمتلو والقراءة غير المقروء والكتابة غيرالمكتوب لأن الأول من كل قسمٍ من هذه الأقسام حادث والثاني منها قديم لانهاية له اهـ. قوله ذي واجبات جملة إسمية تتميم للبيت لاستفادة وجوب الصفات من قوله يجب لله (تنبيهات) الأول قوله في شرح المقدمات هو بطريق الحقيقة لاالمجاز صريح في أن إطلاق كلام الله تعالى على المقروء والمحفوظ والمكتوب حقيقة لامجازاً وكذاصرح به في جمع الجوامع وبأن إطلاق القرآن على كلام الله تعالى هوأيضاً حقيقة لامجاز وظاهر قوله آخراً فالوجودالأول هوالوجود الحقيقي إلخ أن إطلاقه على ماعدا الوجودالأول مجاز لا حقيقةً وبهذا الثاني صرح غير واحد من المحققين قال الإمام ناصر الدين اللقاني في حاشيته على المحلى واعلم أن الاتصاف بهذه الثلاثة في حق القديم مجاز قطعاً وماذكر من الوجودات الثلاثة غيرالخارجي بيان للعلاقة المصححة للتجوز نبه عليه في حاشيته وبعد فلايخفى عليك مافي قول المصنف والشارح على الحقيقة لاالمجاز كيف وقد صرح في شرح المقاصد بالتجوز وأن وصفه بالمقروء والمسوع والمكتوب من وصف المدلول بصفة الدال مجاز لاحقيقة اهـ وفي شرح جمع الجوامع للعراقي بعد كلام له وحاصل هذا إطلاق الكلام على النفسي القديم حقيقةً فقط عقليةً وإطلاقه أيضاً على المكتوب والمحفوظ والمقروء حقيقة شرعية وعرفية وليس حقيقةً عقليةً اهـ. (الثاني) تكلم الناظم على صفات المعاني وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ولم يتكلم على المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً والله أعلم بناءً على مذهب الإمام الأشعري من نفي الحال وأنه لاواسطة بين الوجود والعدم فالثابت من الصفات التي تقوم بالذات إنما هو صفات المعاني أما المعنوية فعبارة عن قيام تلك بالذات إنماهو صفات المعاني أماالمعنوية فعبارة عن قيام تلك بالذات لاأن لها ثبوتاً في الخارج عن الذهن وأما على مذهب غيره من القول بثبوت الأحوال وهي صفات ثبوتية ليست بموجودة ولا معدومة تقوم بموجود فتكون هذه الصفات المعنوية صفات ثابتة قائمة بذاته تعالى فلابد من ذكرهاإلا أنه لوحظ فيها كونها ملازمةً للسبع الأولى وكون الأولى عللا
لهذه أي ملزومةً لها إذ لايصح اتصاف محل بكونه قادراً أوعالماً مثلاً إلا إذا قامت به القدرة أوالعلم وكذا الباقي ولذلك كانت سبعاً مثل الأولى ولذلك أيضاً نسبت هذه إلى تلك فقيل فيها صفات معنوية والياء في لفظ المعنوية ياء النسب إلى المعنى والواو فيه بدل من الألف التي في ذلك مالايخفي إذاً في المعنى وفي المقام مقام البسط والبيان والاكتفاء بالملزوم عن الملازم ذريعة إلى جهل اللازم لخائه غالباً وخطرالجهل في هذا العلم عظيم فينبغي الاعتناء فيه بمزيد الايضاح على قدرالإمكان (الثالث) مما لايتضح في مذهب الأشعري ماوجدته بخط شيخنا الإمام العلامة الحافظ المتفنن الحاج الأبر سيدي أبي العباس أحمدالمقري القرشي التلمساني نزيل فاس المحروسة رحمه الله مانصه سئل الإمام سيدي محمد بن يوسف السنوسي سيدي رضي الله عنه جوابكم عن معنى قولهم الصفة المعنوية هي وجه واعتبار نريد بيان الوجه والاعتبار فأجاب معنى قول الأستاذ في الصفات المعنوية ونحوها من كل مايسمى حالاً أنه وجه واعتبار التنبيه على نفي الحال وأن مايتخيل من ثبوت الحال في الخارج ليس بصحيح وإنما هو وجه يعتبره الذهن لاأمر وجودي فالعلم مثلاً إذاقام بمحل فله أوجه يعتبرها الذهن فإن اعتبره من حيث حقيقته فهو صفة معنى وجودية وإن اعتبره من حيث صار محله عالماً فهو المعنى الذي يعبرون عنه بالعالمية وليس له ثبوت في الخارج وإنما هو وجه اعتبره العقل من أوجه العلم وإن اعتبرالعقل العلم من حيث انكشاف المعلوم به سمي هذا الوجه تعلقاً وإن اعتبره العقل من حيث وجوده في محل سمي هذا الوجه قياماً فرجعت الأحوال كلها في هذا القدر إلى وجوه يعتبرها العقل للأمور الوجودية اهـ. (الرابع) أنكرت المعتزلة صفات المعاني التي أثبتها جماعة أهل السنة ووافقوهم على اتصافه تعالى بأحكامها المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً وقالوا يجب أن تكون هذه هي الأحكام واجبة لذاته تعالى ولاتعلل بصفات المعاني كماهو في الشاهد ويلزم من إنكار صفات المعاني إنكارأحكامها التي هي المعنوية وإنكارها كفر فإن قلنا لازم القول قول كفروا وإلا فلا ولمالكٍ والشافعي والقاضي فيهم قولان وقد كنت قلت في هذا المعنى مبيناً للخلاف في لازم القول هل هو قول أولا وماينبني عليه بيتين وهما: هل لازم القول يعد قولا عليه كفر ذي هوى تجلى كمثبت الأحكام للصفات مع إنكاره لها فبئس ما ابتدع
(الخامس) صفات المعاني باعتبار متعلقها على أربعة أقسام قسم لايتعلق بشيء وهو الحياة وقسم يتعلق بالممكنات فقط وهو القدرة والإرادة وقسم يتعلق بجميع الموجودات وهو السمع والبصر وقسم يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي وهو العلم والكلام فأعمها في التعلق العلم والكلام وبين متعلق القدرة والإرادة ومتعلق السمع والبصر عموم وخصوص من وجه فتزيد القدرة والإرادة بتعلقها بالمعدوم والممكن.
ويزيد السمع والبصر بتعلقهما بالموجود الواجب كذاته تعالى وصفاته ويشترك القسمان في تعلقهما بالموجود الممكن (السادس) قال في شرح المقدمات صفاته تبارك وتعالى على أقسام.
الأول مايعبربه عن نفس الذات وهو الوجود.
الثاني مايرجع في المعنى إلى سلب نقص مستحيل عليه تعالى وذلك خمس صفات القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية.
الثالثة صفات المعاني وهي عبارة عن الصفات الوجودية القائمة بالذات العلياوهي سبع القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام واختلف في زيادة صفةٍ واحدةٍ وهي إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات واللذائذ والآلام فقيل بثبوتها زائدة على الصفات السبع وعليه فتتعلق بكل موجود بغير اتصال بالأجسام ولا تكييف بالذات والآلام وقيل ترجع في حقه تعالى إلى العلم وقيل بالوقف وهوأحسنها.
الرابع الصفات المعنوية وهي صفات الذات اللازمة لصفات المعاني وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً.
الخامس زاد بعضهم صفات الأفعال وهي عبارة عن التعلق التنجيزي للقدرة والإرادة بالممكنات كخلقه ورزقه وإماتته وإحيائه وتحريكه وتسكينه وإن شئت قلت هي عبارة عن صدور الممكنات عن القدرة والإرادة وهي على قسمين.
فعليه وجودية كالأمثلة وفعلية سلبية كعفوه تعالى عمن شاء من أهل المعاصي فإنه عبارة عن ترك العقوبة لمن يستحقها وهذاالترك متأخر عن المعصية، والحادثة هوفعل بناء على أن الترك فعل أوسلب فعل العقوبة لمن يستحقها بناءً على أنه ليس بفعل.
(السادس) زاده بعضهم أيضاً وهوالصفات الجامعة لسائر الصفات كالألوهية
والكبرياء والعظمة (التنبيه السابع) حاصل الأقسام الأربعة الأول أن نقول كل صفة موجودة في نفسها
فهي صفة معنى سواء كانت قديمة كعلمه تعالى وقدرته وإرادته وحياته وسمعه وبصره وكلامه إوحادثة كبياض الجرم وسواده وإن كانت غير موجودة في نفسها فإن سلبت أمراً لايليق به تعالى فهي سلبية وذلك كالقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية وإن لم تسلب مع كونها غيرموجودة وكانت واجبة للذات مادامت الذات فينظر فيها فإن كانت غيرمعللة بعلةٍ فهي صفة نفسية أوحال نفسية سواء كانت قديمة كالوجود لمولانا جل وعز أوحادثة كالتحيز للجرم مثلاً وإن كانت معللة فهي صفة معنوية أوحال معنوية ككون الذات عالمة أوقادرة فإنها معللة بقيام العلم والقدرة بالذات النفسية والمعنوية أحوال ليست بموجودة في نفسها ولابمعدومة كمامر في التنبيه الثاني والثالث.
قوله ويستحيل ضد هذه الصفات إلخ هذا هو القسم الثاني وهومايستحيل وصفه تعالى به وذلك ثلاثة عشرة صفةً أيضاً كعددالواجبات لأنها أضدادها كما مر ورتب الناظم رحمه الله هذا القسم على الأول الواجب، فالعدم ضد الوجود والحدوث ضد القدم والفناء ضد البقاء واستحالة العدم عليه تعالى تستلزم استحالة الحدوث والفناء لأنه إذا استحال العدم عليه تعالى لم يتصورلاسابقاً ولا لاحقاً وكذلك وجوب الوجود له تعالى يستلزم وجوب القدم والبقاء فعطف ثاني الصفات وثالثها في قسم الواجب والمستحيل على الأول من القسمين من عطف خاص على عام أواللازم على الملزوم ولم يكتف بالأول في الموضعين لأن المقصود عد الصفات الواجبة والمستحيلة على التفصيل والاستغناء عن الخاص وبالملزوم عن اللازم ذريعةً إلى جهل كثير منها لخفاء اللوازم وعسرادخال الجزئيات تحت كلياتها والجهل في هذا العلم عظيم فينبغي الاعتناء به والايضاح والبيان والافتقار ضد الغنى والمماثلة للحوادث ضد مخالفته لها فأوجه المماثلة كثيرة وفي الصغرى بأن يكون جرماً أي تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ أو يكون عرضاً يقوم بالجرم أويكون في جهة للجرم أوله هوجهة أويتقيد بزمان أومكان أوتتصف ذاته العلية بالحوادث أويتصف بالصغر أوالكبر أو يتصف بالأغراض في الأفعال أوالأحكام اهـ والجرم أعم من الجوهر الفرد والجسم لأن الجرم عبارة عماعمر قدر ذاته من الفراغ مركباً كان أم لا والجوهر الفرد عبارة عمالم يتركب وهو الذي يبلغ في الدقة إلى حد لايقبل معه القسمة عقلاً والجسم عبارة عما تركب من جوهرين فأكثر ونفي الوحدة ضد وحدانية الذات والصفات والأفعال والعجز ضد القدرة والكراهة ضد الإرادة وليس المراد بها الكراهة التي هي من أقسام الحكم الشرعي وهي طلب الكف عن الفعل طلباً جازماً أوغير جازمٍ فإن تلك يصح أن تجمع مع
الإيجاد فيوجد الله الفعل مع كراهته له أي نهيه عنه كما أضل الله كثيراً من الخلق مع نهيه لهم عن ذلك الضلال أما الكراهة بمعنى عدم إرادة الله تعالى للفعل فيستحيل إجتماعها مع الإيجاد إذ يستحيل أن يقع في ملك مولانا جل وعز ما لايريد وقوعه والجهل ضد العلم ويدخل في الجهل الظن والشك والوهم والنسيان والنوم وكون العلم نظرياً ونحوذلك لمنافاتها العلم كمنافاة الجهل له والممات ضد الحياة والصمم ضد السمع والبكم ضد الكلام والعمى ضد البصر والمراد بالصمم والعمى في هذا الموضع عدم السمع والبصر بوجود ماينافيهما أوغيبة موجود مامن الموجودات عن صفتي السمع والبصر لماسبق من وجوب تعلقهمابكل موجود والمراد بالبكم عدم الكلام أصلاً بوجود آفة تمنع من وجوده وإليه أشار بقوله وبكم وفي معناه السكوت وكونه بالحرف والصوت لاستحالة إجتماع حرفين في آن واحد فضلاً عن الكلمتين فقد تبكم المتكلم بالحرف والصوت واحتبس عن أن يدل على معلومات له في آن واحد بصفة الكلام المركب من الحروف والأصوات وإلى ذلك أشار بقوله صمات وهو لغة في الصمت فالكلام الذي يكون بالحروف والأصوات وإن بلغ غاية الفصاحة والبلاغة وكان كمالاً بالنسبة إلى الحوادث الناقصة فهوبالنسبة إلى مقام الألوهية الأعلى نقيصة عظيمة (مسئلة) سئل الإمام العالم
أبو عبد الله سيدي محمدبن جلال هل يقال المولى تبارك وتعالى لاداخل العلم ولاخارج العالم فأجاب السائل.
هكذا نسمعه من بعض شيوخنا واعترضه بعضهم بأن هذا رفع للنقيضين وقال بعض فقهائنا في هذه المسألة هو الكل أي الذي قام به كل شيء وزعم أنه للإمام الغزالي وأجاب بعضهم أن هذا السؤال معضل ولايجوز السؤال عنه وزعم أن ابن مقلاش هكذا أجاب عنه في شرحه على الرسالة فأجاب بأن نقول ذلك ونجزم به ونعتقد أنه لاداخل العالم ولاخارج العالم والعجز عن الإدراك لقيام الدلائل الواضحة على ذلك عقلاً ونقلاً أما النقل فالكتاب والسنة والإجماع أماالكتاب فقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير﴾ فلوكان في العالم أوخارجاً عنه لكان مماثلاً وبيان الملازمة واضح أمافي الأول فلأنه إن كان فيه صار من جنسه فيجب له ماوجب له.
وأمافي الثاني فلأنه إن كان خارجاً لزم إما إتصاله وإماإنفصاله وإنفصاله إمابمسافة متناهية أوغير متناهية وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص.
وأما السنة فقوله (كان الله لاشيء معه وهو الآن على ماكان عليه) وأماالإجماع فأجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لاجهة له فلافوق ولاتحت ولايمين ولاشمال ولاأمام ولاخلف.
وأما العقل فقد اتضح لك اتضاحاً كلياً مما مر في بيان الملازمة في قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ والاعتراض بأنه رفع للنقيضين ساقط لأن التناقض إنما يعتبر حيث يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه وأماحيث لايصح تواردهما على المحل ولايمكن الاتصاف بأحدهما فلاتناقض كمايقال مثلاً الحائط لاأعمى ولابصير فلاتناقض لصدق النقيضين فيه لعدم قبوله لهما على البدلية وكمايقال في الباري أيضاً لافوق ولاتحت وقس على ذلك.
وقول من قال إنه الكل زاعماً أنه للغزالي فقضية تنحو منحى الفلسفة أخذ بها بعض المتصوفة وذلك بعيد من اللفظ وماأجاب به بعضهم أنه معضل لايجوز السؤال عنه ليس كما زعم لوضوح الدليل على ذلك وإن صح ذلك عن ابن مقلاش فلايلتفت إليه في هذا لعدم إتقانه طريق المتكلمين إذكثير من الفقهاء ليس له خبرة به فضلاً عن إتقانه.
قوله يجوز في حقه فعل الممكنات البيت هذا هو القسم الثالث الجائز في حقه تعالى وهو فعل كل ممكن أوتركه في العدم وذلك كالثواب والعقاب وبعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصلاح والأصلح للخلق لايجب من ذلك شيء على الله تعالى ولايستحيل إذ لو وجب عليه تعالى فعل الصلاح والأصلح للخلق كماتقوله المعتزلة لما وقعت محنة دنيا وأخرى ولما وقع تكليف بأمر ولانهي وذلك باطل بالمشاهدة (فرع) اختلف المتكلمون هل تدرك حقيقة الذات العلية وصفاتها السنية أم لا على قولين قال الإمام أبو العباس أحمد القلشاني قال بعض الشراح يفهم من قوله ولايبلغ كنه صفته الواصفون نفي العلم بالحقيقة واختاره جماعة من المتقدمين وقال الجنيد لايعرف الله إلا الله واختاره أكثر المتأخرين وإليه ذهب الضرير وكان من المحققين وأنكر القاضي أبوبكر هذا القول ورده وتبعه الإمام أبو المعالي في طائفةٍ.
وقال: الباري تعالى يعلم والعلم يتعلق بالمعلوم على ماهو به فلو تعلق العلم به على خلاف ما
هوبه لكان العلم جهلاً وقد أجمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى ولو كانت مستحيلةً لما أجمعت عليه قيل وهو خلاف في حالٍ فإن من أثبت العلم بالحقيقة مقر بأنه تعالى لايحاط به ومن نفى مقر بأنه تعالى عرفه العارفون بدلالة الآيات وتحققوا أوصافه تعالى بواجب الصفات وتيقنوا تنزهه عن التشبيه بالمحدثات وتقدسه عن الحدوث والكيفيات قال الأستاذ أبوالحجاج الضرير مقرراً لنفي العلم بالحقيقة مثبتاً للعلم به تعالى من هذه الطريقة
ولايحيط عارف بذاته
علما كماقال ولاصفاته
ولو رآه خلقه تعالى
لأكثروا الإعظام والإجلالا
فدل ذلك أنه على صفه
من الجلال لم تنله معرفة انتهى
وظاهر أن هذا الخلاف في الدنيا والآخرة وفي جمع الجوامع للإمام السبكي مانصه.
حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق قال المحققون ليست معلومة الآن واختلفوا هل يمكن علمها في الأخرة قال العراقي بعد أن حكى الخلاف في صحة العلم بحقيقته تعالى للبشر الآن في الدنيا وأن جمهور المحققين على عدم صحة ذلك وحكوا عن الشافعي أنه قال (من انتهض لطلب مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل وإن إطمأن إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد) وهو معنى قول الصديق رضي الله عنه (العجز عن الإدراك إدراك) وقد قيل
حقيقة المرء ليس يدركها
فكيف كيفية الجبارفي القدم
واحتج على ذلك أنه يمتنع أن يكون الكلي معلوماً للجزئي لأن الجزئي متناه والكلي غير متناه ثم من ذهب إلى تجويز ذلك في الدنيا فهو في الآخرة أشد تجويزاً ومن منعه في الدنيا اختلفوا هل يمكن إدراكه في الآخرة اهـ وفي شرح الكبرى وبالجملة فالمقطوع به بشهادة البراهين العقلية والقواطع السمعية أنه جل وعلا ذات قائم بنفسه أي مستغنٍ عن المحل والمؤثر لوجوب وجوده موصوف بما لايحاط به من صفات الجمال والجلال ليس بصفة من الصفات ولاجرماتجري عليه الحوادث والتغيرات ولاتمر عليه الأزمنة ولايتخصص بالجهات لايقبل اجتماعاً ولاافتراقاً ولاصغراً ولاكبراً لامثل له ولانظير ولاضد ولا وزير كل الممكنات مفتقرة إليه وهو الغني عن جميعها في الأزل وفيما لايزال وهو على كل شيء قدير كل ذلك شهدت به البراهين المنتهية إلى ضرورات العقول وطابق فيها المعقول المنقول ثم عجزت العقول بعد عن
الإدراك وانقطع تشوفها للخوض فيماخرج عن دائرة التوهمات والتخيلات وقصارى أمرها أنهاصارت من أجل اللمحة التي لحظت والرمزة التي بهاغابت عن العوالم كلها وفيها تأهب وبهاولهت تطايرمن وراء حجب الكبرياء وإرادية العز تشوفاً إلى مالايكيف من جميل اللقاء وتتنسم من مواهب الزيادة لكشف الغطاء ماتروح به عن القلب المحترق الأحشاء وربماعظم الشوق بلطف نسيم المزيد فشطحت الذوات شطحاً طارت به الروح عن سحب الجد وإتصلت بما لانهاية لزيادة نعيمه على طول الأبد.
وللمولى القطب الجامع أبي مدين رضي الله عنه في هذا المعنى.
فقل للذي ينهى عن الوجد أهله
إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا
إذا اهتزت الأرواح شوقاً إلى اللقا
ترقصت الأشباح ياجاهل المعنى
أما تنظر الطير المقفص يافتى
إذا ذكرالأوطان حن إلى المغنى
ففرج بالتغريد مابفؤاده
فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى
ويرقص في الأقفاص شوقاً إلى اللقا
فيهتز أرباب العقول إذا غنى
كذلك أرواح المحبين يافتى
تهززهاالأشواق للعالم الأسنى
أتلزمها بالصبر وهي مشوقة
وهل يستطيع الصبر من شاهد المغنى
فيا حادي العشاق قم واحد قائما
وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا
وصن سرنا في سكرنا عن حسودنا
وإن أنكرت عيناك شيئاً فسامحنا
فأنا إذا طبنا وطابت عقولنا
وخامرنا خمر الغرام تهتكنا
فلا تلم السكران في حال سكره
فقد رفع التكليف في سكرنا عنا.
وقدأنشدني بعض الأصحاب بيتاً قبل البيت الأول من هذه القصيدة ولفظه.
يحركنا ذكر الأحاديث عنكم
ولولا هواكم في الحشا ماتحركنا
ولم يشرح عليه شارح هذه القصيدة وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الهبطي رحمه الله ونفع به
وُجُودُهُ لَهُ دَلِيلٌ قَاطِعْ
حَاجَةُ كُل مُحدِثٍ لِلصَّانِعْ
لَوْ حَدَثَتْ لِنَفْسِهَا الأَكُوَانُ
لاَجْتَمَعَ التَّساوي وَالرُّجْحَانُ
وَذَا مَحَالٌ وَحُدُوثُ العَالَمِ
مِنْ حَدَثِ الأعْرَاضِ مَعْ تَلاَزُمِ
لما فرغ من تعداد الصفات الواجبة والمستحيلة والجائزة في حقه تعالى أخذ يذكر براهينها ودلائلها ليخرج المكلف بمعرفتها عن ربقة التقليد المختلف في إيمان صاحبه فأخبر أن لوجوده تعالى دليلاً قاطعاً أي لكل شبهة وهو افتقار كل محدث بفتح الدال اسم مفعول إلى صانع أي محدث بكسرها وافتقار كل حادث إلى محدث منهم من قال إنه أمر ضروري لايفتقر إلى دليل حتى قال الإمام الفخر في المعالم إن العلم بذلك مركوز في فطرة طباع الصبيان فإنك إذا لطمت وجه الصبي من حيث لايراك وقلت إنه حصلت هذه اللطمة من غير فاعل البتة لايصدقك بل في فطرة البهائم فإن الحمار إذا أحس بصوت الخشبة فزع لأنه تقرر في فطرته أن حصول صوت الخشبة بدون الخشبة محال وعلى كونه ضرورياً لو اكتفى الناظم بالبيت الأول لكفى ومنهم من قال أن العلم بذلك نظري وهو الصحيح إلا أنه يحصل بنظر قريب ولأجل قربه ظن بعضهم أن ذلك العلم ضروري وإلى بيان النظر أشار الناظم بقوله لوحدثت إلى قوله وذامحال ومعنى ذلك أن الحادث إذا حدث في الوقت المعين فالعقل لايمنع استمرار عدمه ولايمنع صحة تقدمه على الوقت الذي وجد فيه بأوقات أوتأخره عنه بساعات فاختصاصه بالوجود بدلاً عن العدم المجوز عليه وبكونه في ذلك الوقت لاقبله ولابعده يفتقر قطعاً إلى محدث يخصصه بماذكر بدلاً عن مقابله ولو حدث لنفسه لاجتمع التساوي والرجحان وإجتماعهما محال لأنهما متنافيان وبيانه أن العالم يصح وجوده ويصح عدمه على السواء كمامر فلو حدث بنفسه ولم يفتقر إلى محدث لزم أن يكون وجوده الذي فرض مساواته لعدمه راجحاً بلا سبب على عدمه الذي فرض أيضاً مساواته لوجوده وهو محال فتعين أن يكون المرجح لوجوده على عدمه ولكون وجوده في الوقت دون وقت آخر غيره هو الفاعل المختار جل وعلا وهذامعنى قولهم لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين مساوياً لذاته راجحاً وهومحال ضرورة هذاإن قلنا الوجود والعدم بالنسبة إلى الممكن متساويات وهو المختار أما إن قلنا إن العدم أولى به من الوجود لقبوله إياه بلا سبب فهو أصل في كل حادث فأظهر في الاحتياج إلى الصانع لئلا يلزم ترجيح الوجود المرجوح على العدم الراجح بلا مرجح فقد ظهر استحالة المخصوص دون سائر الأمكنة وفي تخصيصه بالزمان المخصوص دون سائر الأزمنة وفي تخصيصه بالمقدار المخصوص دون سائر المقادير وفي تخصيصه بالصفة المخصوصة دون سائر الصفات فهذه الأشياء كلها متساوية فاختصاصها وترجيحها على مقابلها يدل على أن المرجح غيرها وهو الله تعالى.
قوله وحدوث العالم إلخ لماقدم في برهان الوجود حدوث العالم ذكر هنا برهان ذلك وهو ملازمته للأعراض الحادثة فإن أجرام العالم يستحيل انفكاكها عن الأعراض كالحركة والسكون وهذه الأعراض حادثة بدليل مشاهدة تغيرها فلوكانت قديمة لزم أن لاتنعدم لأن ماثبت قدمه استحال عدمه وإذا ثبت حدوثها واستحال وجودها في الأول لزم حدوث الأجرام واستحال وجودها في الأول قطعاً لاستحالة انفكاكها عن الأعراض إذ حدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة ولم يذكر الناظم دليلي حدوث العرض لوضوحه والأكوان أعراض مخصوصة وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق قاله في شرح الكبرى والمراد به كلام الناظم والله أعلم ماهو أعم من الجوهر والعرض من سائر الموجودات الحادثة ويحتمل أن يريد الأعراض المخصوصة كماذكر ويدخل غيرها من الأعراض وسائر الجواهر من باب لافارق والتساوي في كلام الناظم بحذف الياء للوزن والعالم بفتح اللام كل ماسوى الله تعالى والعرض بفتحتين عند المتكلمين اسم لمالادوام له وهو مايقوم بغيره قاله في القاموس وفي شرح الكبرى العرض ماكانت ذاته لاتشغل فراغاً ولا له قيام بنفسه وإنما يكون وجوده تابعاً لوجود الجوهر كالعلم الذي يقوم بالجوهر وكالحركة واللون فإنها لاتشغل فراغاً بل الفراغ الذي شغله الجوهر قبل اتصافه بها هو الفراغ الذي أشغله مع إنصافه بها من غير زيادة اهـ. لَوْ لَمْ يَكُ الْقِدَمُ وَصْفَهُ لَزِمَ حُدُوثُهُ دَرْرٌ تَسَلْسُلٌ حُتمْ لَوْ أمْكنَ الْفَنَاءُ لاَنْتَفَى الْقِدَمُ لَوْ مَاثَلَ الْخَلْقِ حُدُوثُهُ انْحَتَمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَصْفُ الْغِنَى افْتَقَرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ لَمَا قَدَرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيَّاً مُرِيداً عَالِماً وَقَادِرَاً لَمَا رَأَيْتُ عَالِماً وَالتَّالِ فِي السِّتِّ الْقَضايَا بَاطِلُ قَطْعاً مُقَدَّمٌ إِذاً مُماثِلُ ذكر الناظم في هذه الأبيات براهين تسع صفات قائلاً في كل برهان منها لو لم يكن كذا للزم كذا أولوكان كذا لكان كذا وتبع رحمه الله اصطلاح أهل المنطق في تسمية مجموع قولنا لوكان كذا لكان كذا ونحوه قضية وتسميته الجزء الأول منها وهو قولنا لوكان كذا مقدماً وتسمية الجزء الثاني وهو قولنا لكان كذا تالياً باللازم كما يؤخذ
ذلك كله من قوله والتالي في الست القضايا البيت ولو أسقط هذه العبارة المستعملة عند أهل فن لايخالطه قارىء هذه المنظومة غالباً لكان أنسب بالمقام ولكنه لما كان يتفجر علماً نفعنا الله به صار وإن تنازل مااستطاع لابد أن تسرقه الطباع فهو كماقيل.
وكل إناءبالذي فيه يرشح.
الصفة الأولى القدم فذكر أنه تعالى لو لم يكن موصوفاً بالقدم لزم حدوثه فيفتقر إلى محدث ويلزم الدور أو التسلسل وكل منهما محال لكن حدوثه تعالى محال باطل قطعاً فعدم وصفه تعالى بالقدم محال بل هو تعالى واجب القدم فالتالي لزوم حدوثه تعالى والمقدم كونه تعالى غير قديم وكل منهما باطل فلزوم الدور أو التسلسل مسبب عن التالي الذي هو الحدوث إذ كل حادث مفتقر إلى محدث فيلزم ماذكر فجملة حتم بالبناء للمجهول خبر دور وما عطف عليه وحذف أو العاطفة وهوقليل ومنه قوله (رجل في إزار ورداء في إزار وقميص) أي ليصل رجل في إزار ورداء أوفي إزار وقميص والمسوغ للابتداء به التقسيم وفي الكلام حذف متعلق إذ به ترتبط الجملة بماقبلها تقديره عليه ودور أو تسلسل حتم أي تحتم على الحدوث وبيان البرهان الذي ذكرأنه لو لم يكن تعالى قديماً لكان حادثاً لوجوب انحصار كل موجود في القدم والحدوث فمهما انتفى أحدهما تعين الآخر والحدوث على مولانا جل وعز مستحيل ويلزم أيضاً في هذا المحدث مالزم في الذي قبله من الافتقار إلى محدث آخر وهكذا فإن انتهى العدد وانحصر لزوم الدور فيلزم
أن يكون الأول الذي انتهى إليه العدد إنما أوجده بعض من بعده ممن تأخر وجوده عنه فيكون سابقاً عليه في الوجود متأخراً عنه وذلك لايعقل وإن لم ينته العدد بل تسلسل إلى غير أول لزم وجود مالا نهاية له عدداً والفراغ من ذلك فيمامضى وذلك لايعقل إذ مالانهاية له من الأعداد كأنفاس أهل الجنة وأزمنتهم ونعيمهم مثلاً لايسعه إلا المستقبل بأن يوجد فيه شيئاً بعد شيء أبداً وإما أن يوجد في الحال والمضي فلايعقل (تنبيه) وكما يجب وصف ذاته العلية بالقدم فكذلك صفاته السنية قال في شرح الكبرى لوكان الشيء من صفاته تعالى حادثاً لزم أن لايعرى عنه أوعن ضده الحادث لما عرفت من أن القابل للشيء لايخلو عنه أوعن ضده وما لا يعرى عن الحوادث لا
يسبقها ومالايسبقها كان حادثاً مثلها وهو معنى قولي في أصل العقيدة ومالا تتحقق ذاته بدون حادث يلزمه حدوثه ضرورة أي مالايمكن مفارقة ذاته للحوادث يلزم حدوثه ضرورة إذ لو كان هوقديماً ووصفه اللازم له حادثاً لكان مفارقاً لوصفه اللازم كيف وقد تحقق أنه لا يفارقه اهـ. الثانية البقاء فذكر أنه لوأمكن أن يلحقه الفناء لانتفى عنه القدم وانتفاء القدم عنه تعالى مستحيل لمامر قريباً فإمكان الفناء محال أيضاً بل هو تعالى الباقي الذي لا يفنى فالتالي انتفاء القدم عنه تعالى والمقدم إمكان الفناء وكلاهما باطل وبيان ذلك أنه لو جاز أن يلحقه العدم تعالى عن ذلك لكان وجوده جائزاً لاواجباً لصدق حقيقة الجائز حينئذ على ذاته تعالى وهو مايصح وجوده وعدمه وهذا التقدير الفاسد يستلزم صحة الوجود والعدم للذات فيكون جائز الوجود وذلك يستلزم حدوثه تعالى عن ذلك لما عرفت من استحالة ترجيح الوجود الجائز على العدم مقابلة المساوي له في القبول من غير فاعل مرجح كيف وقد سبق قريباً برهان وجوب قدمه تعالى فثبت وجوب البقاء له تعالى كالقدم ولهذا يقولون ماثبت قدمه استحال عدمه.
الثالثة مخالفته للحوادث فذكر أنه تعالى لو ماثل خلقه لتحتم حدوثه وتحتم حدوثه تعالى محال لمامر من وجوب القدم فمماثلته لخلقه مستحيلة أيضاً بل هو تعالى مخالف لخلقه فالتالي تحتم حدوثه تعالى والمقدم المماثلة للخلق وكلاهما لايصح أيضاً وبيان ذلك أن كل مثلين لابد وأن يجب لأحدهما مايجب للآخر ويستحيل عليه مااستحال على الآخر ويجوز له ماجاز عليه وقد عرفت بالبرهان القاطع أن كل ماسوى مولانا جل وعز يجب له الحدوث فلو ماثل شيئاً مماسواه لوجب له تعالى من الحدوث ماوجب لذلك الشيء وذلك باطل لما عرفت بالبرهان القاطع من وجوب قدمه وبقائه وبالجملة لوماثل تعالى شيئاً من الحوادث لوجب له القدم لألوهيته والحدوث لفرض مماثلته للحوادث وذلك جمع بين متنافين ضرورة.
الرابعة استغناؤه تعالى عن كل ماسواه فذكر أنه لو لم يجب وصفه تعالى بالغنى لكان مفتقراً لكن افتقاره تعالى محال فانتفاء وجوب الغنى عنه تعالى محال أيضاً بل هو تعالى الغني عن كل ماسواه المفتقر إليه كل ماعداه فالتالي افتقاره تعالى عن ذلك والمقدم عدم وجوب الغنى له تعالى وكلاهما لايصح وبيان ذلك أنه قد تقدم أن قيامه تعالى بنفسه عبارة عن استغنائه جل وعلا عن كل ماسواه من محل أومخصص أما برهان استغنائه تعالى عن المحل أي عن ذات يقوم بها فهو أنه لو احتاج إلى ذات أخرى
يقوم بها لزم أن يكون صفة لتلك الذات إذ لايقوم بالذات إلا صفاتها ومولانا جل وعز يستحيل أن يكون صفة حتى يحتاج إلى محل يقوم به إذ لوكان صفةً لزم أن لايتصف بصفات المعاني وهي القدرة والإرادة إلى آخرها ولا بالصفات المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً إلى آخرها إذ لو قبلت الصفة صفةً أخرى لزم أن لاتعرى عنها أوعن مثلها أوعن ضدها ويلزم مثل ذلك في الصفة الأخرى التي قامت بها وهلم جرا إذ القبول نفسي فلابد أن يتحد بين المماثلات وهو محال لما يلزم عليه من التسلسل ودخول مالا نهاية له من الصفات في الوجود وهو محال فإذاً الصفة لاتقبل أن تتصف بصفة ثبوتية تقوم بها من صفات المعاني ولاالمعنوية بخلاف الصفة النفسية والسلبية فتتصف بهما الذوات والمعاني ومولانا جل وعز قام البرهان القاطع على وجوب اتصافه بصفات المعاني والمعنوية فيلزم أن يكون ذاتاً موصوفاً بالصفات وليس هو في نفسه صفةً لغيره وأما برهان وجوب استغنائه تعالى على المخصص أي الفاعل فهو أنه لو احتاج إلى الفاعل لكان حادثاً وذلك محال لما عرفت بالبرهان القاطع من وجوب قدمه تعالى وبقائه فتبين بهذين البرهانين وجوب الغنى المطلق لمولانا جل وعز عن كل ماسواه وهو قيامه تعالى بنفسه.
الخامسة الوحدانية فأخبر أنه تعالى لو لم يكن واحداً بل متعدداً بأن كان معه في الوجود إله أو أكثر ماقدر على إيجاد أي ممكن أوإعدامه بل يكون عاجزاً والعجز عليه تعالى محال فكونه غير واحد محال أيضاً بل هوتعالى الواحد الأحد فالتالي كونه غير قادر تعالى عن ذلك والمقدم كونه تعالى غير واحد بل متعدداً وكلاهما لايصح.
ثم اعلم أنه يدخل في كونه غير واحد خمسة أقسام كمامر في الوحدانية الأولى كون ذاته مركبة من أجزاء الثاني أن يكون لها نظيريماثلها ويدخل هذان القسمان في عدم وحدانية الذات الثالث تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذاتها العليا الرابع تعددها مع قيامها بذات أخرى ويدخل هذان القسمان في عدم وحدانية الصفات الخامس أن يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال وهو عدم وحدانية الأفعال فدليل استحالة القسم الأول وهو كونه الذات العلية مركبة من أجزاء أن أوصاف الألوهية إما أن تقوم بكل جزء أو بالمجموع أو بالبعض والأقسام كلها مستلزمة للعجز نفياً أما الأول فلأن كل جزء يكون إلهاً فيلزم التمانع كما في تعدد
الإلهين الآتي وذلك مؤد للعجز وأما الثاني فلأنه يلزم منه عجز كل جزء على الانفراد وعجزه يوجب عجز سائر الأجزاء المماثلة وذلك مستلزم لنفينا وأما الثالث فلأنه لاأولوية لبعض الأجزاء على بعض وحينئذ لاتقوم بها وذلك يستلزم عجز جميعها ودليل استحالة القسم الثاني وهو أن يكون للذات العلية نظير يماثلها أن النظير إما أن يخالف في الإرادة تضاداً أو يوافق والقسمان مستلزمان العجز المستلزم لنفينا أما الأول فلأن الإرادتين إماأن تنفذا أم لا فإن نفذتا لزم اجتماع متنافيين وهو لايعقل فإذاً يجب عدم نفوذهما معاً وحينئذ فإما أن تتعطلا معاً أو إحداهما فإن كان الأول لزم عجزهماوإن كان الثاني لزم عجز من تعطلت إرادته ويلزم منه عجز الآخر للمماثلة وأما الثاني فلأن الإرادتين قد تتوجهان إلى مالايقبل الانقسام من عرض أوجوهر فرد فلا يمكن أن تنفذفيه إلا إرادة واحدة وحينئذ فإما أن تنفذ إرادة أحدهما أولا فإن نفذت لزم عجز من لم تنفذ إرادته ويلزم منه عجز الآخر للمماثلة وإن لم تنفذا فيه لزم عجزهما ودليل استحالة القسم الثالث وهو تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذاته العلية فهو أن يقال لو كانت من صفاته متعددة لم يخل إما إن تتعدد بحسب تعدد متعلقاتها التي قام بها البرهان على أنها غيرمتناهية وإما أن تختص بعدد متناه ويلزم على الأول وجود صفات لانهاية لها عدداً وهو محال إذ كل مايدخل تحت الوجود فلا بد من صحة تمييزه وتمييز مالا يتناهى محال فوجود مالايتناهى محال ولايلزم على الثاني وهواختصاصها بعدم متناه افتقارها إلى مخصص يخصصها بعد دون آخرإذ لارجحان لبعض الأعداد على بعض وذلك يستلزم حدوثهاوأيضاً يلزم توزيع مالا يتناهي من المتعلقات على مالايتناهي من الصفات وهو محال ضرورة وإذا لزم من تعددها غيرمتناهية وجودصفات لانهاية لها عدداً وهو محال ولزم من تعددها متناهية حدوثها وهو محال أيضاً كما مرالتنبيه عليه في صفة القدم ومن جملة الصفات القدرة لزوم من تقدير التعدد بقسمية فيها عجزه تعالى عن ذلك إذ مايلزم عليه المحال وهو تعدد القدرة مثلاً محال وإذا استحال الوصف بالقدرة متعددة كان إما عاجزاً وهو محال أوموصوفاً بقدرة واحدة وهوالمطلوب ودليل استحالة القسم الرابع وهو تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذات أخرى هو دليل إستحالة القسم الثاني وهو وجود نظير لذاته تعالى يماثلها ودليل استحالة القسم الخامس وهو أن يكون مع الإله تعالى في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال أنه لوصح أن يكون لغير المولى تأثير لوجب أن يكون ذلك الأثر مقدوراً له تعالى لعموم قدرته وحينئذ إما أن يحصل اتفاق أواختلاف ويأتي ماسبق فإن كان المؤثر غير المولى سبحانه لزم عجزه ويلزم عجزه عن سائر الممكنات لتساويها وقد ظهر مما مر
أن قول الناظم لما قدر دليل الوحدانية بجميع وجوهها كماظهر من القسم الخامس أن لاتأثير لقدرتنا الحادثة في فعل من الأفعال قال في شرح الصغرى إثر ذكره برهان الوحدانية وبهذا تعرف أن لاأثر لقدرتنا في شيء من أفعالنا الاختيارية كحركاتنا وسكناتنا وقيامنا وقعودنا ومشينا ونحوها بل جميع ذلك مخلوق لمولانا جل وعز بلا واسطة وقدرتنا أيضاً مثل ذلك عرض مخلوق لمولانا جل وعز يقارن تلك الأفعال ويتعلق بها من غير تأثير لها في شيء من ذلك أصلاً وإنما أجرى الله تعالى العادة أن يخلق عند تلك القدرة لابها ماشاء من الأفعال وجعل سبحانه بمحض اختياره وجود تلك القدرة فينا مقترنةً بتلك الأفعال شرطاً في التكليف وهذا الاقتران والتعلق لهذه القدرة الحادثة بتلك الأفعال من غير تأثير لها أصلاً هو المسمى في الاصطلاح وفي الشرع بالكسب والاكتساب وبحسبه تضاف الأفعال للعبد كقوله تعالى ﴿لها ماكسبت وعليهامااكتسبت﴾ أما الاختراع والايجاد فهو من خواص مولانا جل وعز لايشاركه فيه شيء سواه تبارك وتعالى ويسمى العبد عند خلق الله تعالى فيه القدرة المقارنة للفعل مختاراً وعندما يخلق الله فيه الفعل مجرداً عن تلك القدرة الحادثة مجبوراً ومضطراً كالمرتعش مثلاً وعلامة مقارنة القدرة الحادثة لمايوجد في محلها تيسره بحسب العادة فعلاً وتركاً وعلامة الجبر عدم تلك القدرة وعدم التيسر وإدراك الفرق بين هاتين الحالتين ضروري لكل عاقل كما أن الشرع جاء بإثبات الحالتين وتفضل بإسقاط التكليف في الحالة الثانية وهي حالة الجبر دون الأولى قال تعالى ﴿لايكلف الله نفساًإلا وسعها﴾ بحسب العادة وأما بحسب العقل وما في نفس الأمر فليس في وسعها أي طاقتها اختراع شيء ماوبهذا تعرف بطلان مذهب الجبرية القائلين باستواء الأفعال كلها وأنه لاقدرة تقارن شيئاً منهاعموماً ولاشك في أنهم في هذه المقالة مبتدعة بل يكذبهم الشرع والعقل وبطلان مذهب القدرية مجوس هذه الأمة القائلين بتأثيرتلك القدرة الحادثة في الأفعال على حسب إرادة العبد ولاشك أنهم مبتدعة أشركوا مع الله تعالى غيره فتحقق مذهب أهل السنة بين هذين المذهبين الفاسدين فهو وقد خرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين وكما أن هذه القدرة الحادثة لاأثر لهاأصلاً في شيء من الأفعال كذلك لاأثر للنار في شيء من الإحتراق أو الطبخ أو التسخين أوغير ذلك لابطبعها ولابقوة وضعت فيها بل الله تعالى أجرى العادة اختياراً منه جل وعز بإيجاد تلك الأمور عندها لابها وقس على هذا مايوجد مع القطع للسكين والألم عند الجرح والشبع عند الطعام والري عند الشرب والنبات عند الماء والضوء عند الشمس والسراج ونحوهما والظل عند الجدار
والشجرة ونحوهما وبرد الماء الساخن عند صب ماء بارد فيه وبالعكس ونحو ذلك مما لاينحصر فاقطع في ذلك كله بأنه مخلوق الله تعالى بلا واسطة ألبتة وأنه لاأثر فيه أصلاً لتلك الأشياء التي جرت العادة بوجودها معه وبالجملة فلتعلم أن الكائنات كلها يستحيل منها الاختراع لأثر ما بل جميعها مخلوق لمولانا عز وجل ابتداءً ودواماً بلا واسطة بهذا شهد البرهان العقلي ودل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح قبل ظهور البدع ولاتصغ بأذنيك لما ينقله بعض من أولع بنقل الغث والسمين عن مذهب بعض أهل السنة مما يخالف ماذكرناه فشد يدك على ماذكرناه فهو الحق الذي لاشك فيه ولايصح غيره واقطع تشوقك عن سماع الباطل تعش سعيداً وتمت كذلك والله المستعان اهـ. السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة الحياة والإرادة والعلم والقدرة فذكر أنه لو لم يكن تعالى موصوفاً بجميعها مارأيت عالماً بفتح اللام وهو ماسوى الله تعالى والعالم موجود مرئي فهو تعالى موصوف بماذكر فالتالي عدم رؤية العالم والمقدم عدم وصفه تعالى بالصفات الأربع وكلاهما لايصح والدليل على تصافه تعالى بماذكر أنه قد تقدم أن تأثير القدرة الأزلية موقوف على إرادته تعالى ذلك الأثر وإرادته تعالى لذلك الأثر موقوفة على العلم به والاتصاف بالقدرة والارادة والعلم موقوف على الاتصاف بالحياة إذ هي شروط فيها ووجود المشروط بدون شرطه مستحيل فإذاً وجود حادث أي حادث كان موقوفاً على اتصاف محدثه بهذه الصفات الأربع فلو انتفى شيء منها لماوجد شيء من الحوادث قال في شرح الصغرى وبهذا يتبين وجوب اتصافه تعالى بهذه الصفات في الأزل إذ لو كانت حادثة لزوم توقف إحداثها على اتصافه تعالى بأمثالها قبلها ثم تنقل الكلام إلى أمثالها ويلزم التسلسل وهو محال فيكون وجود تلك الصفات على هذا التقدير محالاً وذلك مؤد إلى المحذور المذكور وهو أن لايوجد شيء من الحوادث وبهذا تعرف أيضاً وجوب عموم التعلق للمتعلق منها كالعلم والقدرة والإرادة إذ لو اختصت ببعض المتعلقات دون بعض لزم الافتقار إلى المخصص فتكون حادثةً ولايمكن أن يكون المحدث لها غير الموصوف بها لماعرفت من وجوب الوحدانية له تعالى وانفراده بالاختراع وإحداثه تعالى لها فرع عن اتصافه بأمثالها قبلها ثم تنقل الكلام إلى تلك الأمثال ويجيء ماقد سبق فقد بان لك بهذا أن البرهان الذى ذكرناه في أصل العقيدة يؤخذ منه ثلاثة أمور وجوب هذه الصفات ووجوب القدم والبقاء لها ووجوب عموم التعلق بالمتعلق اهـ والبرهان الذي ذكرناه في أصل هذه العقيدة هو قوله وأما برهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة والإرادة والعلم والحياة فلأنه لو انتفى شيء
منها لما وجد شيء من الحوادث وهو معنى قول الناظم لو لم يكن حياً البيت فيؤخذ منه الثلاثة الأمور كما قال في شرح صغرى الصغرى قوله والتالي في الست القضايا البيت معناه أن التالي من القضايا الست المتقدمة باطل فالمقدم منها الثاني في البطلان وقد تقدم بيانها عند ذكر البراهين الست فراجعه إن شئت.
وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلاَمْ
بِالنَّقْلِ مَعْ كَمَالِهِ تُرَامْ
أخبر أن لوجوب إتصافه تعالى بالسمع والبصر والكلام دليلين شرعي ويقال فيه نقلي وسمعي وهو المراد بقوله بالنقل وعقلي وإليه أشار بقوله مع كماله فالسمعي كقوله تعالى ﴿وهوالسميع البصير﴾ وكقوله ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ والأحاديث بذلك كثيرة وانعقد الإجماع على وجوب اتصافه تعالى بذلك والعقلي هو أن نفي هذه الصفات يدل على اتصافه تعالى بضدها وهي نقائص والنقص عليه تعالى محال قال في شرح الصغرى لأنه يستلزم أن يحتاج حينئذ إلى من يكلمه بأن يدفع عنه ذلك النقص ويخلق له الكمال وذلك يستلزم حدوثه وافتقاره إلى إله آخر كيف وقد تقرر بالدليل وجوب الوحدانية له تعالى وأيضاً لو اتصف بتلك النقائص لزم أن يكون بعض مخلوقاته أكمل منه تعالى عن ذلك لسلامة كثير من المخلوقات من تلك النقائص والمخلوق يستحيل أن يكون أشرف من خالقه وهذا الدليل العقلي وإن كان لايسلم من الاعتراض فذكره عن سبيل التبعية والتقوية لما هو مستقل بنفسه ولايرد عليه شيء وهو الدليل النقلي حسن وقد لوحنا إلى ذلك بتأخيره في أصل العقيدة اهـ قلت وكذا لوح الناظم لذلك أيضاً بتأخيره (تنبيه) قال في شرح صغرى الصغرى اعلم أن عقائد الإيمان تنقسم على ثلاثة أقسام مالايصح أن يعلم إلا بالدليل العقلي وهو كل ماتتوقف عليه دلالة المعجزة كوجوده تعالى وقدرته وإرادته وعلمه وحياته فإنه لو استدلوا على هذا القسم بالدليل الشرعي وهو متوقف على صدق الرسل المتوقف على دلالة المعجزة لزوم الدور.
الثاني مايصح أن يستدل عليه بالدليل الشرعي وهو كل مالاتتوقف عليه دلالة المعجزة كالسمع والبصر والكلام والبعث وأحوال الآخرة جملةً وتفصيلاً.
الثالث مااختلف فيه للتردد فيه هل هو من القسم الأول أومن القسم الثاني كالوحدانية فإنه اختلف فيها
هل يكفي فيها الدليل السمعي بناءً على عدم توقف دلالة المعجزة عليها في علم الناظر وأن توقف وجود المعجزة عليها في نفس الأمر لإستحالة وجود الفعل مع وجود الشريك أو لابد فيها من الدليل العقلي نظراً إلى توقف دلالة المعجزة على صحة وجود المعجزة أيضاً المتوقف على الوحدانية لأن المعجزة فعل والفعل يستحيل وجوده على تقدير الأثنينية في الألوهية والمتوقف على المتوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء اهـ ومعنى كلامه أن دلالة المعجزة على صدق الرسول المتحدي بها متوقفةً على إتصاف مصدقه وهو الله تعالى بماذكر في القسم الأول فلايصح أن يستدل عليه بقول الرسول المتوقف على صدقه على دلالة المعجزة للدور وهو توقف دلالة المعجزة على إتصافه تعالى بتلك الأوصاف وإتصافه بتلك الأوصاف متوقف على دلالة المعجزة بخلاف ماذكر في القسم الثاني فلا تتوقف دلالة المعجزة على الصدق على إتصافه تعالى بها فصح الإستدلال عليها بقول الرسول وأما القسم الثالث فذو نظرين كما ذكر وكونه من القسم اوول أظهر والله أعلم وزاد في شرح الكبرى في القسم الأول القدم والبقاء وجعل كل مايرجع إلى وقوع جائز كالبعث وأحوال الآخررة مما لايصح الإستدلال عليه إلآ بالسمع عكس القسم اوول قال لأن غاية مايدرك العقل وحده من هذه الأمور جوازها أما وقوعها فلاطريق له إلآ السمع لَوْ إسْتَحَالَ مُمْكِنٌ أَوْ وَجَبَا قَلْبُ الْحَقَائِقِ لُزُوماً أَوْجَبَا ذكر في هذا البيت دليل القسم الثالث الجائز في حقه تعالى المشار إليه بقوله يجوز في حقه فعل الممكنات البيت فأخبرأنه لو وجب عقلاً عليه تعالى وجود ممكن أواستحال عقلاً لزم قلب الحقائق وذلك لايعقل إذ حقيقة الممكن مغايرة لحقيقة الواجب والمستحيل كما مر بيانه فقوله ممكن على حذف مضاف أي فعل ممكن أو وجود ممكن وقلب مفعول وجبا قال في صغرى الصغرى وأما الجائز في حقه تعالى ففعل كل ممكن أو تركه صلاحاً كان أوضده لما عرفت قبل وجوب عموم قدرته تعالى وإرادته لجميع الممكنات، ويدخل في ذلك جواز خلق الله تعالى الرؤية لذاته العلية والسمع لكلامه القديم والثواب في دار النعيم والبعث لرسله الأكرمين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال في الشرح: لاشك أن الجواز لايتطرق للذات العلية ولالشيء من صفاتها المرتفعة لوجوب الوجود لجميع ذلك وإنما يرجع الجواز للتعلق التنجيري لقدرته تعالى وإرادته وهذا التعلق ليس بقديم مرجعه إلى صدور الكائنات عن قدرته تعالى وإرادته ولما عرفت فيما سبق عموم تعلق قدرته تعالى وإرادته لجميع الممكنات،
وعرفت وجوب وحدانيته تبارك وتعالى عرفت أن كل ممكن فهو جائز بأن يكون بقدرة الله تعالى وإرادته وليس فيه ماهو واجب عقلاً كالصلاح والأصلح كما قال بعض من ضل لأنه يلزم عليه قلب حقيقة الصلاح والأصلح الجائزة بأن ترجع واجبة وذلك يمنع وقوع ضدها وهو الفساد كيف وهو موجود بالمشاهدة ومن الممكنات الجائزة عند أهل الحق رؤية المخلوق لمولانا جل وعلا على مايليق به تبارك وتعالى من غير وجهة ولاجرمية ولاتحيز لأنه تعالى موجود وكل موجود يصح أن يرى بالبصر واستدعاء الرؤية المقابلة للمرئي والجهة له والتوسط بين القرب جداً والبعد جداً إنماهو عادي يقبل التخلف وكما صح أن يعلم مولانا جل وعلا على مايليق بجلاله وعظمته من إحاطة فكذا يصح أن يرى جل وعلا بالبصر على ممايليق به تعالى وليست الرؤية بإثبات شعاع يتصل بالمرئي حتى تستحيل رؤيته جل وعلا لاستحالة اتصال الشعاع به تبارك وتعالى إذ لوكانت الرؤية باتصال شعاع بالمرئي لزم أن لايرى الرائي إلا مقدار حدقته كيف وهو ينكشف للرائي في نظرة واحدة أضعاف ذاته أضعافاً لاحصر لها بحيث يقطع أنه لايمكن أن ينفصل منه شعاع يتصل بأدنى شيء منها وكذا من الجائزات إثابة الله تعالى المطيع إذ لاحق لأحد عليه تعالى إذ لانفع له بطاعة أحد وأيضاً فالطاعة خلق له تبارك وتعالى وليس للعبد فيها إلا الاكتساب والاتصاف ولاأثر له فيها أصلاً وكذا من الجائزات بعث الله تعالى لرسله عليهم الصلاة والسلام لأن ماقدر الله سبحانه وتعالى معهم من المصالح الدينية والدنيوية فبمحض فضله ولاأثر للرسل عليهم الصلاة والسلام في شيء من المصالح ولاحق لأحد على مولانا جل وعلا في هداية ولا مصلحة دنيوية ولا أخروية وأوجبت المعتزلة عقلاً على الله تعالى بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام على أصلهم الفاسد في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح على الله تعالى ولايخفى فساده وأما البراهمة فجعلوا بعث الرسل مستحيلاً ورأوا أن العقل يصل وحده بتحسينه وتقبيحه إلى أحكام الله تعالى ولاتخفى سخافة عقولهم إلى الغاية لماعرفت أن مرجع أحكام الله تعالى الشرعية إلى نصب أفعال خلقها الله تعالى وجعلها بمحض اختياره أمارات على ماشاء من ثواب أوعقاب أوغيرهما ولاحسن في فعل ولاقبح يوجب له حكماً من الأحكام ومن عرف انفراده تعالى بإيجاب جميع الكائنات ونفذ إرادته فيها مع التنزه عن الأغراض لايخفى عليه فساد تلك المقالة الشنيعة اهـ. يَجِبُ لِلرُّسْلِ الْكِرامِ الصِّدْقُ أَمانَةٌ تَبْلِيغُهُمْ يَحِقُّ مُحالٌ الْكَذِبُ وَالمَنْهِىُّ كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ يا ذَكِيُّ
يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ كُلُّ عَرَضْ لَيْسَ مُؤَدِّياً لِنَقْصٍ كالْمَرَضْ هذا هو الجزء الثاني من جزأي الإيمان لأن الإيمان مركب من جزأين أحدهما الإيمان بالله تعالى وهو حديث النفس التابع للمعرفة بمايجب له تعالى ومايستحيل ومايجوز، الثاني الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أيضاً حديث النفس التابع للمعرفة بمايجب لهم ومايستحيل ومايجوز ولماكان الجزء الثاني موقوفاً على الأول لأنه إنما يعرف ويحصل بعد معرفته قدم علماؤنا الكلام على الجزء الأول قبل الكلام على الجزء الثاني والرسل في النظم بسكون السين تخفيفاً عن ضم جمع رسول وهوإنسان ذكر بعثه الله سبحانه إلى عبيده وإمائهم ليبلغهم عنه أحكامه التكليفية الوضعية ومايتبعهما من وعد ووعيد ونحوهما وهل شرطه أن يكون له شرع جديد أوكتاب مخصوص أونسخ لشرع من قبله أولايشترط فيه شيء من ذلك أقوال وقد تقرر أنا مكلفون بمعرفة الرسل عليهم الصلاة والسلام ولايتم إيماننا إلا بمعرفة مايجب لهم ومايستحيل عليهم ومايجوز في حقهم وذكرالناظم كغيره أنه يجب في حقهم عليهم الصلاة والسلام ثلاثة أشياء (أولها) الصدق في كل مايبلغون عن المولى تبارك وتعالى أن لايكون خبرهم في ذلك إلا مطابقاً لمافي نفس الأمر ولايقع منهم الكذب في شيء من ذلك لاعمداً ولاسهواً إجماعاً عند المحققين (الثاني) الأمانة وهي حفظ جميع الجوارح الظاهرة والباطنة من التلبس بمنهي عنه نهي تحريم أوكراهة ويسمى صاحبها أميناً للأمن في جهته من المخالفة لماحد له وأوصى به لأنه الذي يترك كل أمر على الوجه الذي أوصى به مالكه أن يترك عليه ولايخون بأن ينقله بسبب الشهوة من الموضع الذي ينبغي أن يكون بوصية مالكه الذي يجب طاعته (الثالث) تبليغ كل ماأمرهم الله سبحانه بتبليغه ولم يتركوا شيئاً منه لانسياناً ولاعمداً أما عمداً فلماتقدم من وجوب الأمانة وأما نسياناً فللإجماع وأنه يستحيل في حقهم عليهم الصلاة والسلام أضداد هذه الصفات وهي الكذب الذي هو عدم مطابقة الخبر لمافي نفس الأمر فقوله الكذب على حذف مضاف أي وقوع الكذب والخيانة بفعل شيء مما نهوا عنه نهي تحريم أوكراهة وقول الناظم والمنهي هو على حذف مضاف وجار ومجرور أي وفعل المنهي عنه أي غير الكتمان لتنصيصه على استحالة عدم التبليغ فالكاف في
كعدم التبليغ للتشبيه في إفادة الحكم وهو الاستحالة ويحتمل أن يريد بالمنهي عنه جميع المعاصي كتماناً أو غيره فالكاف للتمثيل والأول أظهر والله تعالى أعلم وعدم التبليغ هو كتمان شيء مما أمروا بتبليغه للخلق وأنه يجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام الأعراض البشرية التي لاتنافي علو رتبتهم كالمرض والفقر من الأعراض الدنيوية مع الغنى عنها بالله تعالى وكالأكل والشرب والنكاح والنسيان بعد التبليغ أو فيما لم يؤمروا بتبليغه والنوم إلا أنه تنام أعينهم ولاتنام قلوبهم فاحترزوا بالأعراض وهي الصفات الحادثة المتجددة من الصفات القديمة التي هي صفات الإله تعالى فلا يصح أن يتصف بهاغيره وقد كفرت النصارى بمخالفتهم هذا القيد وإفراطهم في حق عيسى عليه الصلاة والسلام فجعلوا صفة العلم القديم قائماً بجسم عيسى وجعلوه لذلك إلهاً على خبط لهم وتخليط عظيم لايفوه به عاقل واحترزوا بقيد البشرية كالأكل والشرب والمرض ونحوها عن صفات الملائكة عليهم السلام وهي غناهم عن هذه الأعراض التي وضعها الله في البشر فلا يشترط ذلك في الرسل عليهم الصلاة والسلام لعدم توقف الرسالة عليها وقد كفرت الجاهلية بمخالفتهم هذا القيد وإفراطهم فزعموا أن هذه الصفات البشرية ناقصةً لاتليق برتبة الرسالة وإنما يليق بها صفات الملائكة فكفروا وكذبوا بسبب ذلك الرسل وقالوا ماأخبر الله به عنهم (أبشر يهدوننا).
(إن أنتم إلا بشر مثلنا).
(مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) ولو كشفت الحجاب عن قلوبهم لعلموا أن وقوع هذه الأعراض البشرية بالرسل عليهم الصلاة والسلام كمالات لهم في أنفسهم وتكميلات متكاثرة لأممهم بحيث يغتبطها الملائكة الكرام ويتمنون وجود مثلها لهم لما فيها من الآداب الرفيعة والعبادات الدقيقة وأسقط الناظم هذا القيد للعلم بأنه المراد في هذا المحل والله أعلم واحترزوا بقولهم التي لاتنافي علو رتبتهم عن الغفلة عن جنابهم الرفيع والتفريط بسبب مشاهدة ظواهرهم البشرية في مراعاة قدرهم العلي وقد ضلت اليهود لعنهم الله فأساؤا الأدب ووصفوا أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام بمساوٍ لايليق أن يوصف بها من هو أدنى منهم في غاية وبهذا يعلم أن كل ماأوهم في حقهم وفي حق الملائكة نقصاً من الكتاب والسنة وجب تأويله انظر لآخر شرح صغرى الصغرى فقد أطال في المسألة جداً قلت وفي تمثيلهم للأعراض التي لانقص فيها بالمرض إجمال فقد سئل شيخنا
الإمام العالم العلامة المتفنن الفهامة المحدث المتصوف سيدي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي رحمه الله في مسألة تظهر من جوابه ولفظ الجواب لايجوز الصمم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفاقاً لأن السمع طريق إلى الوحي وباب له فلايقع بهم لأنه لامعنى للنبوة إلا الوحي فكيف تعطل حاسته وينسد بابه هذا لايعقل وكذا البكم لايجوز عليهم لأنه مانع من التبليغ وآفة بالغة ونقضية ظاهرة يتنزهون عن مثلها وكذلك يمنع في حقهم العمى على الصحيح قيل ولم يعم نبي قط ومايذكر عن شعيب لم يثبت وأما يعقوب فحصل ضعف في نور عينيه ولم تكونا عميتا وأزيل ذلك الضعف بعد ذلك فكان عارضاً هذا هو الحق الراجح وقيل غير ذلك مع الإتفاق على عدم استمرار ذلك العارض وكذا يمتنع في حقهم الجنون قليله وكثيره لأنه نقص بل يجب في حقهم كمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي والسلامة من كل ماينفر مما يوجب ثلماً في النسب والخلق والخلق كالفظاظة والعيوب المنفرة كالبرص والجذام والأدرة لأنهم على غاية الكمال في خلقهم وخلقهم ومن نسب أحداً منهم إلى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر وقدقال تعالى ﴿لاتكونوا كالذين آذوا موسى﴾ يعني في وصفهم له بالأدرة فبرأه الله من ذلك كماقدعلم ونص في صحيح الأحاديث وأما أيوب عليه السلام فروي أنه أول من أصابه الجدري ولم يكن مرضه جذاماً لتنزه الأنبياء عن ذلك كما تقرر وعلم وكذا تجب سلامة الأنبياء من كل مايخل بالمروءة كالحجامة وكذا من كل مايخل بحكمة البعثة من البكم والفهاهة والخيانة والخور والبخل والضعف والمهانة لأنهم سيوف الله الماضية وحججه البالغة والسلام وكتبه عبدالرحمن بن محمد الفاسي كان الله له ولياً وبه حفياً اهـ والفهاهة عدم الفصاحة وفي بعض نسخ الجواب بدل والخور والنمر وهو الغضب وسوء الخلق والخور الضعف قلت شيخنا هذا كان إماماً عالماً متفنناً دراكةً شهد له