الدر الثمين والمورد المعينصفحات 543-582
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مبادىء التصوف، وهوادي التعرف

صفحات 543-582
عن هذه الطبعة
عَلَم
ميارة
الكتاب
الدر الثمين والمورد المعين (شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)
المؤلف
محمد بن أحمد ميارة المالكي
المحقق
عبد الله المنشاوي
الناشر
دار الحديث القاهرةسنة النشر: 1429هـ - 2008م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ختم هذا النظم بمبادىء علم التصوف وفاء بما وعد به صدر النظم في قوله (وفي طريقة الجنيد السالك) وتفاؤلا لأن يكون السعي في تصفية القلب وتطهيره خاتمة الأمر والمبادىء جمع مبدأ وهو في اصطلاح أكثر الأصوليين ما يتوقف عليه المقصود بوجه ما ولا يخلو توقف المقصود عليه إما أن يكون باعتبار معرفته أو باعتبار الشروع فيه أو باعتبار البحث عن مسائله فإن توقف باعتبار معرفته فإن كان من جهة المعنى فهو الحد ومعرفته تستلزم معرفة الموضوع وإن كان من جهة اللفظ فهو الاسم وإن توقف عليه باعتبار الشروع فيه فإن كان باعتبار الغاية والمقصود منه فهي الفائدة وفي معناها معرفة الفضيلة وكذا معرفة فضل واضعه فإن ذلك مما يبعثه على الشروع فيه وإن كان باعتبار الإذن في الشروع فهو الحكم وإن توقف باعتبار البحث في مسائله فيسمى ذلك بالاستمداد عند الاصوليين وبالمبادىء عند المنطقيين ولا شك أن ما ذكره الناظم في هذا الكتاب من مسائل التصوف من التوبة والتقوى وغض البصر عن المحارم وما ذكر بعده يتوقف عليه غيره مما هو أرقى منه مما هو المقصود بالذات قال الإمام الهروي واعلم أن العامة من علماء هذه الطائفة والمشيرين إلى هذه الطريقة اتفقوا على أن النهايات لا تعلم إلا بتصحيح البدايات كما أن الأبنية لا تقوم إلا على الأساس وتصحيح البدايات هو إقامة الأمر على مشاهدة الاخلاص ومتابعة السنة وتعظيم النهي على مشاهدة الخوف وغاية الحرمة والشفقة على العالم يبذل النصيحة وكف المؤوفة ومجانبة كل صاحب يفسد الوقت وكل سبب يفتن القلب على أن الناس في هذا الشأن ثلاثة نفر: رجل يعمل بين الخوف والرجاء شاخصا إلى الحب مع صحبة الحياء فهذا هو الذي يسمى المريد ورجل مختطف من وادي الفرقة إلى وادي الجمع وهو الذي يقال له المراد ومن سواهما مدع مفتون مخدوع وجميع هذه المقامات يجمعها رتب ثلاث الرتبة الأولى أخذ القاصد في السير.
الرتبة الثانية دخوله في القربة.
الرتبة الثالثة حصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد في طريق الفناء اهـ ثم قال واعلم أن الأقسام العشرة التي ذكرتها في صدر هذا الكتاب هي قسم البدايات وهي عشرة أبواب الباب الأول اليقظة قال تعالى ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله﴾ والقومة لله تعالى هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة وهو أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه.

الثاني التوبة قال تعالى ﴿من لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ فسقط اسم الظلم عن التائب الثالث المحاسبة قال تعالى ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ وإنما يسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة الرابع الإنابة قال تعالى ﴿وأنيبوا إلى ربكم واسلموا له﴾ والإنابة الرجوع.
الخامس التفكر قال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر ليتبن للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ والتفكر تصرف البصيرة لاستدراك البغية.
السادس التذكر قال تعالى ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ والتذكر فوق التفكر فإن التفكر طلب والتذكر وجود السابع الاعتصام قال تعالى ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم﴾ والاعتصام بحبل الله والمحافظة على طاعته من إقبال أمره والاعتصام به هو التوقي عن كل موهم والتخلص عن كل تردد الثامن الفرار قال تعالى ﴿ففروا إلى الله﴾ والفرار هو الهرب مما لم يكن إلى ما لم يزل التاسع الرياضة قال تعالى ﴿والذين يؤتون ما أوتوا وقلوبهم وجلة﴾ والرياضة تمرين النفس على قبول الصدق.
العاشر السماع قال تعالى ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ ونكتة السماع حقيقة الانتباه اهـ باختصار فقف عليه لي محله إن شئت وفي تسمية التصوف تصوفا أقوال قال الشيخ زروق رحمه الله تعالى في قواعده وقد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف ورأس ذلك بالحقيقة خمس.
أولها من الصوفة لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير لها.
الثاني أنه من صوفة الفقهاء للينها فالصوفي هين لين الثالث أنه من الصفة إذ جملته اتصاف بالمحامد وترك الأوصاف المذمومة.
الرابع أنه من الصفاء وصح هذا القول حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى تخالف الناس في الصوفي واختلفوا جهلا وظنوه مأخوذا من الصوف ولست أنحل هذا الاسم غير فتى صافي فصوفي حتى سمي الصوفي الخامس أنه منقول من الصفة لأن صاحبه تابع لأهلها فيما أثبت الله لهم من الصوف حيث قال تعالى ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ وهذا هو الأصل الذي يرجع اليه كل قول فيه والله أعلم اهـ وقيل سمي بذلك لأنه يصفي القلوب وهو كما قال أبو حامد الغزالي رضي الله عنه تجريد القلب لله

واحتقار ما سواه، قال وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح في شرح نظم الإمام ابن ذكرى لشيخ شيوخنا سيد أحمد المنجور علم به تصفية البواطن من كدرات النفس في المواطن ما نصه: التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدورات النفس أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وطلب العلو وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والأنفة والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، وهذا لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته فبعلم التصوف يتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب من غيرالله وتحليته بذكره سبحانه اهـ ثم قال في شرح قوله وبه وصول العبد للاخلاص روح العبادة بالاختصاص الاخلاص إفراد الله تعالى بالطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله دون شيء آخر من تصنع لمخلوق واكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى ولا شك أن العبد إنما يصل الى هذا باطلاعه على عيوب النفس وآفات العمل وكيفية العلاج حتى يتحرز من الرياء والخفاء وقصد الهوى النفسي وأشار بقوله روح العبادة بالاختصاص أي بسبب اختصاص المعلم بالله سبحانه إلى قول السيد ابن عطاء الله: الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها: قال سيدي أبو عبد الله بن عباد إخلاص كل عبد هو روح أعماله فبوجود ذلك حيلتها وصلاحيتها للتقرب بها ويكون فيها أهلية وجود القبول لها وبعدم ذلك يكون موتها وسقوطها عن درجة الاعتبار وتكون إذ ذاك أشباحا بلا روح وصورا بلا معان ثم قال في شرح قوله وذاك واجب على المكلف تحصيله يكون بالعرف يعني أن علم التصوف فرض عين على كل مكلف وذاك أن الغالب أن الانسان أن الانسان لا ينفك عن دواعي الشر والرياء والحسد فيجب عليه أن يتعلم ما يتخلص به من ذلك قال أبو حامد رضي الله عنه وكيف لا يجب عليه وقد قال ثلاث مهلكات الحديث ولا ينفك بشر عنها أو عن بقية ما سنذكره من مقدمات أحوال القلب كالكبر

والعجب وأخواتهما وتتبع هذه الثلاث المهلكات وإزالتها فرض عين ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها ومعرفة أسبابها ومعرفة علاجها فإن من لا يعرف الشر يقع فيه والعلاج ممكن وهو مقابلة الشيء بضده فكيف يمكن دون معرفة السبب والمسبب فأكثر ما ذكرناه في ربع المهلكات من فروض الأعيان وقد تركه الناس كافة اشتغالا بما لا يعني وأشار بقوله تحصيله يكون بالمعرف إلى تحصيل علم التصوف بمعنى الاتصاف بثمرته يكون بالشيخ المعرف للمريد عيوب نفسه وخبايا حظوظها قال الإمام أبو عبد الله بن عباد ولا بد للمريد في هذا الطريق من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تأديب نفسه وتخلص من هواه فيسلم نفسه إليه وليلزم طاعته والانقياد اليه في كل مايشير به عليه من غير ارتياب ولا تردد فقد قالوا من لم يكن له شيخ فإن الشيطان شيخه وقال أبو علي الثقفي رضي عنه لو أن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ وإمام أو مؤدب ناصح ومن لم يأخذ آدابه من آمر له وناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في صحيح المعاملات انتهى وقد استفيد من هذا الكلام ثلاث مسائل الأولى أن بالتصوف يصل العبد الى الاخلاص الذي هو روح العبادة.
الثانية أن معرفته فرض عين على كل مكلف.
الثالثة أن تحصيل هذا العلم لا بد له من الشيخ ولفظ هوادي في ترجمة الناظم جمع هاد اسم فاعل من هدى بمعنى بين وأرشد وهو معطوف على مبادىء والتعرف مصدر تعرف إذا طلب المعرفة ولعل المراد المعرفة وعبر بالتعرف للسجع والحاصل أنه وصف المسائل المذكورة في هذا الكتاب بوصفين بكونها يتوقف عليها المقصود ولذلك سماها مبادي وبكونها ترشد للمعرفة فمصدوق المتعاطفين في الترجمة شيء واحد والله أعلم وهو مسائل الكتاب لا أن المبادي غير الهوادي كما قد يعطيه العطف والله أعلم وَتَوْبةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ يُجتَرَمْ تَجِبُ فَوْراً مُطْلَقاً وهْيَ النَّدَمْ بِشَرْطِ الاِقْلاَعِ ونَفْيِ الاِصْرَارْ وليَتلاَفَ مُمْكِناً ذَا اسْتِغْفارْ أخبر أن التوبة تجب أي وجوب الفرائض على الأعيان من كل ذنب أي كبيرا كان أو صغيرا كان حقا لله تعالى أو لآدمي أو لهما كان الذنب معلوما عنده أو مجهولا فتجب التوبة من الذنوب المجهولة إجمالا ومن المعلومة تفصيلا وجملة يجترم بالجيم صفة الذنب ومعناها يذنب لأن الجرم هو الذنب، قال في الصحاح الجرم الذنب والجريمة منه

تقول منه جرم واجرام واجترام بمعنى انتهى وأن وجوب التوبة على الفور لا على التراخي فمن أخرها وجب عليه التوبة من ذلك التأخيروالظاهر أن الاطلاق راجع للفورية فكما تجب التوبة من كل ذنب فكذلك تجب فورا في جميعها ويحتمل رجوع الاطلاق للذنب فيكون لتأكيد العموم المستفاد من لفظ كل كما ما تقدم وأن التوبة هي الندم أي على المعصية من حيث أنها معصية وإن شئت قلت لقبحها شرعا فالندم على شرب الخمر لاضراره بالبدن ليس بتوبة وإنما يكون الندم المذكور توبة بثلاثة شروط الأول الاقلاع أي عن الذنب في الحال بحيث يتركه ويتجنبه فورا ولكن هذا إنما يشترط في معصية اتصلت بالتوبة فلو تاب من معصية بعد الفراغ منها كشرب الخمر بالأمس سقط هذا الشرط الشرط الثاني أن ينوي أن لا يعود إلى ذلك أبداً وهذا الشرط لا بد منه في حق من تاب بعد الفراغ من المعصية، وفي حق من تاب حال التلبس بها فيلزمه مع الإقلاع أن ينوي أن لا يعود أبداً وعلى هذا الشرط عبر بنفي الاصرار إذ هو كما في الرسالة المقام على الذنب واعتقاد العودة اليه على أن الواو في كلام الرسالة بمعنى أو فإذا انتفيا ثبت مقابلهما وهو الاقلاع ونية أن لا يعود أبدا وهو الثاني هو المراد هنا وعلى هذا فنفي الاصرار أعم من الاقلاع فلو اكتفى بنفي الاصرار على الاقلاع لكفى والله أعلم، ولا يشمل الاقلاع من غير نية أصلا إذ لا بد في التوبة من النية لأنها روح العمل الشرط الثالث تلافي ما يمكن تلافيه وتداركه من الحق الناشىء عنها كحق القذف فيتداركه بتمكين نفسه عن المقذوف أو وارثه ليستوفيه وإلى ذلك أشار بقوله وليتلافى ممكنا وقيل لا يشترط ذلك بل يجب عليه فإن لم يفعله فتوبته صحيحة وذلك ذنب آخر تلزمه التوبة منه، قلت ويظهر من كلام بعضهم أن هذا الشرط آيل الى شرط الاقلاع وذلك ظاهر فإن من وجب عليه حق يمكنه تلافيه فلم يفعل لم يقلع إذ ما من وقت إلا وفيه عاص بترك التلافي فإن لم يمكن تدارك الحق كما إذا لم يكن مستحقه موجودا سقط هذا الشرط كما يسقط أيضا في توبة معصية لا ينشأ عنها حق لآدمي وذا استغفار حال التائب النادم واستغفاره شرط كمال لا شرط صحة والتوبة لغة الرجوع وشرعا الرجوع من أفعال مذمومة شرعا إلى أفعال محمودة شرعا وقيل الرجوع عن أربعة أشياء إلى أربعة أشياء من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة ومن البدعة إلى السنة ومن الغفلة إلى اليقظة وقيل نفور النفس عن المعصية بحيث يحصل عن ذلك الندم على المعاصي والعزم على الترك في المستقبل والاقلاع في الحين فيرد المظالم

ويتحلل من الاعراض ويسلم نفسه للقصاص إن أمكن ذلك وهذا هو الذي ذكره الناظم ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم الندم توبة أي معظمها الندم على حد قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفات أي معظم أركانه عرفات والعبارات متقاربة المعنى قال الإمام سيدي عبد الرحمن الجزولي في شرح الرسالة: التوبة نعمة من الله تعالى على العبد وأبوابها مفتوحة ما لم يعاين أي الموت قال تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذ حضر أحدهم الموت أي حضرت أسبابه ومقدماته وما لم تطلع الشمس من مغربها قال تعالى ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ والتوبة مما خصت به هذه الأمة لأنه كان من قبلنا إذا أذنب ذنبا يجده مكتوبا على باب داره وكفارته اقتل نفسك أو افعل كذا والتوبة مأخوذة من الثوب لأن يستر به العورة كما تستر التوبة الذنوب وليس بينهما فرق اهـ وانتظر قوله مأخوذة من الثوب فإن الثوب بالمثلثة والتوبة بالمثناة فمادتهما متغايرة والله أعلم وفي شرح جمع الجوامع لالعراقي قال الواسطي كانت التوبة في بني اسرائيل بقتل النفس كما قال تعالى ﴿فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ قال فكانت توبتهم إفناء نفوسهم وتوبة هذه الأمة أشد وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع رسوم الهياكل ومثله بعضم بمن أراد كسر لوزة في قارورة لكن ذلك يسير على من يسره الله عليه اهـ، قال الجزولي وأما حكمها فهي فرض عين والأصل فيها الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وتوبوا الى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبو إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم﴾ الآية.
ولعل وعسى من الله تعالى بمعنى الوجوب وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم «توبوا فإني أتوب في كل يوم سبعين مرة وفي بعضهاـ مائة مرة» وقال «والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» والاجماع على أنها واجبة ويجب على كل مكلف مسلما كان أو كافرا حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى مريضا أو صحيحا مقيما أو مسافراً، الشيخ لا خلاف أنها واجبة على الفور ولا قائل بأنها على التراخي فمن أخرها فهو عاص تجب عليه التوبة من تأخيرها لأنها معصية ثانية ثم قال وهي على قسمين واجبة من المحظور ومندوبة من المكروه اهـ (تنبيهات) الأول ظاهر قوله من كل ذنب وجوب التوبة من الذنب كبيراً كان أو صغيراً من الكبائر فتفتقر اليها اتفاقاً وفي الصغائر ثلاثة أقوال الأول أنها تفتقر إلى التوبة قاله القاضي عبد الوهاب وهو ظاهر قول الرسالة والتوبة فريضة من كل ذنب وهذا القول هو ظاهر النظم، قال أبو بكر بن الطيب وهو المشهور الثاني أنها لا تفتقر إلى توبة بل توبتها اجتناب الكبائر لقوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ وهو قوله في أول الرسالة وغفر الصغائر باجتناب الكبائر الثالث أنها إن كانت منوطة بالكبيرة كالقبلة لمن أراد الزنا ثم تاب عنه غفرت باجتناب الكبيرة وإن كانت منفردة مستقلة بنفسها افتقرت الى التوبة وهل تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول به قطعي أو ظني قولان لجماعة الفقهاء والمحدثين والأصوليين الثاني الكبيرة والصغيرة نسبة وإضافة وإلا فكل ذنب فهو كبير بالنظر الى مخالفة ذي الجلال والاكرام وقال ابن عباس كل ما عصى الله تعالى به فهو كبيرة فتسمية بعض الذنب صغائر إنما هو تكفيرها باجتناب غيرها مما هو أكبر منها فكلها كبائر وبعضها أكبر من بعض ولهذا لم يأت في الشرع لفظ يحصرها في عدد معين وإنما ذلك ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر لئلا يواقعوها وما ورد في الاحاديث من تسميتها بالسبع الموبقات لا يدل على حصرها في سبع ولهذا قال ابن عباس هي الى السبعين وروي الى سبعمائة أقرب منها الى السبع وقد اختلف في الكبيرة على ستة أقوال فقيل هي ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة كقوله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية وقيل ما فيه حد كالزنا والسرقة الآية الزانية والزاني الآية والسارق السارقة الآية

قال الرافعي وهم الى ترجيح هذا أميل وقيل هي ما نص الكتاب على تحريمه كقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الآية أو وجب في جنسه حد وقيل أنها أخفيت ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر مخافة الوقوع فيها وقال الاستاذ أبو اسحق الإسفرايني والشيخ الإمام والد صاحب جمع الجوامع هي كل ذنب ونفيا الصغائر نظر الى عظمة من عصى بذلك وشدة عقابه وقيل وهو المختار وفاقا لإمام الحرمين إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة ثم سرد صاحب جمع الجوامع منها نحو السبعة والثلاثين رأيت أن أذكرها منظومة ليسهل حفظها قال الإمام جلال الدين السيوطي في الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع في المسألة برمتها ما نصه وفي الكبيرة اضطراب إذ تحد فقيل ذو توعد وقيل حد وقيل ما في جنسه حد وما كتابنا بنصه قد حرما وقيل لا حد لها بل أخفيت وقيل كل والصغائر بقيت والمرتضى قول إمام الحرمين جريمة تؤذننا بغير مين بقلة اكتراث من أناه بالدين والرقة في تقواه [ش] كالقتل والزنا وشرب الخمر ومطلق المسكر ثم السحر والقذف واللواط ثم الفطر ويأس رحمة وأمن المكر والغصب والسرقة والشهادة بالزور والرشوة والقياده منع الزكاة وديانة فرار خيانة في الكيل والوزن ظهار نميمة كتم شهادة يمين فاجرة كذب على النبي يبين وسب صحبه وضرب المسلم سعاية عقوق قطع الرحم حرابة تقديمه الصلاة أو تأخيرها ومال أيتام رووا وأكل خنزير وميت والربا والغل أو صغيرة قد واظبا انتهى وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في شرح العمدة سلك بعد المتأخرين طريقا فقال إذا أردت أن تعرف الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإذا نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر وذلك مثل

إلقاء المصحف في القاذورات وتضميخ الكعبة بالعذرة فهذا من الكبائر ولم ينص عليها الشارع انتهى وقد كنت لفقت في نقل تقي الدين هذا أبياتاً لتكمل الفائدة بضمنها لنظم السيوطي المذكور آنفاً وهي قولنا: ولتقي الدين عن بعض نظر فيما نشا عن بعض ما منها ذكر من المفاسد مع الذي نشا عن غيرها من مغفل مما تشاء فإن تساويا أو أربى الآخر فهي كبيرة وقس ما يذكر ثم قال تقي الدين بعد كلام ولابد مع هذا من أمرين أحدهما أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فقد يقع الغلط في ذلك ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر هو تشويش العقل فإن أخذ هذا بمجرده لزمه منه أن لا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة لخلائها عن المفسدة المذكورة مع أنها كبيرة وإن خلت عن المفسدة المذكورة لأنها تقترن بها مفسدة التجرؤ على شرب الخمر الكثير الموقع في المفسدة فهذا الاقتران يصيرها كبيرة الثاني إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض الكبائر مساوية لبعض الكبائر أو زائدة عليها فامساك امرأة محصنة لمن يزني بها أو مسلماً معصوما لمن يقتله كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم المنصوص على كونه من الكبائر وكذلك لو دل على عورة من عورات المسلمين تقضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم كان ذلك أعظم من الفرار من الزحف المنصوص على كونه منها وكذلك تفعل على القول بأن ما رتب عليه لعن أو وعيد فهو كبيرة متعتبر المفسدة بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك فما ساوى أقلها فهي كبيرة وما نقص فليس بكبيرة اهـ فلا بد من ذكر فروع الأول إذا وقعت التوبة بشروطها فهل تقبل قطعا أو ظناً فمذهب القاضي أنه لا يقطع بها ومذهب الشيخ أبي الحسن القطع بها والخلاف إنما هو في توبة المؤمن العاصي وأما توبة الكافر من كفره وهي إسلامه فالإجماع على أنها مقبولة قطعاً لقوله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وفي القطع بقبول توبته فتح لباب الإيمان وسوق إليه في عدم القطع بقبول توبة المؤمن وبقائه بين الرجاء والخوف، سد لباب العصيان ومنع منه الثاني واختلف هل تصح التوبة من بعض الذنوب أم لا فذهبت المعتزلة إلى أن ذلك لا يصح ولا خلاف بين أهل في صحتها وهي طاعة من الطاعات ويطلب بالتوبة فيما بقي وعلى هذا إذا أسلم الكافر فيصح إسلامه وإن كان يزني ويسرق

وحكمه حكم المؤمن العاصي فأما التوبة من كل الذنوب فهي التوبة النصوح الثالث إذا تذكر المذنب ذنبه فهل يجب عليه تجديد الندم أو لا قولان للقاضي وإمام الحرمين قائلا يكفيه أن لا يبتهج ولا يفرح عند تذكره الرابع من تاب ثم عاود فهل تكون عودته نقصاً أم لا قولان للقاضي مع ابن العربي وإمام الحرمين قائلاً توبته الأولى صحيحة وهذه معصية أخرى واختاره المتأخرون الخامس هل توبة الكافر نفس إسلامه أم لا بد من الندم على الكفر فأوجبه الإمام وقال غيره إيمانه لأن كفره ممحو بإيمانه وإقلاعه عنه قال تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ السادس الذنب الذي يتاب منه إن كان حقاً لله فيكفي فيه الندم والاقلاع ويشرع في قضاء الفوائت كالصلاة والصيام وشبه ذلك وإن كان حقا لآدمي وجب عليه رده إن كان مالاً والتحلل منه إن كان عرضاً فإن لم يجده ولا وجد أحداً من ورثته فإنه يستغفر الله ويتصدق عليه وإن كان نفساً وجب عليه تسليم نفسه للاولياء إن أمكن ذلك فإن لم يفعل مع الإمكان فمذهب الجمهور صحتها وهذه معصية أخرى ويجب عليه أن يتوب منها وقيل لا تصح وهو مرجوح وحَاصِلُ التَّقْوَى اجتِنابٌ وَامْتَثاَلْ في ظاهِرٍ وَباطِنٍ بِذَا تُنالْ فَجَاءَتِ الأَقْسامُ حقّاً أَرْبَعَةْ وَهِيَ لِلسَّالِكِ سُبْلُ المَنْفَعَةْ أخبر أن حاصل التقوى ومدارها المأمور بها في غير ما آية هي اجتناب أي للمنهيات في الظاهر والباطن وامتثال أي للمأمورات في الظاهر أيضا والباطن وبذلك الاجتناب والامتثال تنال التقوى وتدرك وإذا كان كذلك فأقسامها أربعة: اجتناب وامتثال في الظاهر فهذان قسمان اجتناب وامتثال في الباطن فهذان قسمان آخران ففي ظاهر وباطن يتنازع فيه اجتناب وامتثال وأن التقوى للسالك طريق إلى المنفعة أي الأخروية وسبل بضم السين وسكون الباء تخفيفاً عن ضم جمع سبيل وهو الطريق وأعلم أن التقوى في عرف الشرع هي وقاية الإنسان نفسه عما يضره في الآخرة قال البيضاوي والمتقي اسم فاعل من قوله وقاه فاتقى والوقاية فرط الصيانة ولها ثلاث مراتب الأولى التوقي من العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى ﴿ألزمهم كلمة التقوى﴾ والثانية التجنب عن كل ما فيه إثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع وهو المعنى بقوله ﴿تعالى﴾

ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا والثالثة أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بسرائره وهي التقوى الحقيقي المطلوبة بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ اهـ في تفسير ابن جزي: درجات التقوى خمس أن يتقي العبد الكفر وذلك مقام الإسلام أن يتقي المعاصي والمحرمات وهو مقام التوبة وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد وأن يتقي حضور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة، قال والبواعث على التقوى عشرة خوف العقاب الدنيوي والأخروى ورجاء الثواب الدنيوي والأخروي فهذه أربعة وخوف الحساب والحياء من نظر الله وهو مقام المراقبة والشكر على نعمه لطاعته والعلم لقوله تعالى ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وتعظيم جلال الله وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة فيه لقول القائل تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وقال آخر قالت وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد انتهى والسالك أي إلى الله تعالى وهو المريد ويقابله المجذوب وهو المراد وهذا الثاني أعلى، قال الشيخ العارف سيدي أبو عبد الله بن عباد رضي الله عنه ونفعنا به: بنو آدم في أول نشأتهم ومبدأ خلقتهم وخروجهم من بطون أمهاتهم موسومون بالجهل وعدم العلم قال الله تعالى ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ ثم إن الله تعالى لما اختص بعضهم بخصوصية عنايته واختار منهم من أهله لولايته وما ذلك إلا بحصول العلم الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ الذي يحقق لهم النسبة ويوجب لهم الزلفة والقربة المشار إلى ذلك بقوله ﴿لعلكم تشكرون﴾ جعلهم على قسمين مرادين ومريدين وإن شئت قلت مجذوبين وسالكين وكلاهما مراد ومجذوب على التحقيق قال الله عز وجل ﴿الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾ فالمريدون السالكون إلى الله تعالى في حال سلوكهم محجوبون عن ربهم برؤية الأغيار

فالآثار والأكوان ظاهرة لهم موجودة لديهم والحق تعالى غيب عنهم فهم يستدلون بها عليه في حال ترقيتهم والمرادون المجذبون واجههم الحق بوجهة الاكرام وتقرب إليهم فعرفوه به فلما عرفوه على هذا الوجه انحجبت الأغيار عنهم فلم يروها فهم يستدلون به عليها ففي حال تذللهم فهذا حال الفريقين وبعيد ما بينهما وذلك أن المستدل به على غيره عرف الحق الذي هو الوجود الواجب لأهله وهو المختص بوصف القدم وأثبت الأمر المشار به إلى الآثار العدمية من وجود أصله المشار به إلى المؤثر المتحقق وجوده والمستدل بغيره عليه على عكس ما ذكرنا لأنه استدل بالمجهول على المعلوم وبالمعدوم على الموجود وبالأمر الخفي على الظاهر الجلي وذلك لوجود الحجاب ووقوفه مع الأسباب وعدم احتظائه بالوصول والاقتراب وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه بالأشياء الحاضرة ومتى بعد حتى تكون الآثار القريبة هي التي توصل إليه أو فقد حتى تكون الآثار الموجودة هي التي تدل عليه عجبت لمن ينبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كل مشهد يَغُضُّ عَينَهُ عَنِ المحارِمِ يَكُفُّ سَمْعَهُ عَنِ الْمَآَثِمِ كَغِيبَةٍ نَمِيمةٍ زُورٍ كَذِبْ لِسَانُهُ أَحْرَى بِتَرْكِ مَا جُلِبَ يَحْفَظُ بَطْنَهُ مِنَ الحَرَامِ يَتْرُكُ مَا شُبِّهَ بِاهتِمامِ يَحْفَظُ فَرْجَهُ وَيتَّقِي الشَّهيدْ في البَطْشِ والسَّعْي لِمَمْنوع يُريدْ وَيُوقِفُ الأمُورَ حَتَّى يَعْلَمَاَ ماَ الله فِيهِنْ بِهِ قَدْ حَكَمَا [ش] يُطَّهِرُ الْقَلْبَ مِنَ الرِّياءِ وَحَسَدٍ عُجْبٍ وكُلِّ داءٍ قال الإمام سيدي عبد الرحمن الجزولي في شرح الرسالة: الدين شيئان امتثال الأوامر واجتناب النواهي واجتناب النواهي أشد على النفس من امتثال الأوامر لأن امتثال الأوامر يفعله كل أحد واجتناب النواهي لا يفعله إلا الصديقون وهذا كله لا يتوصل إليه إلا بالعلم قال الله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ والدليل على أن ترك النواهي أشد قوله صلى الله عليه وسلم لقوم قدموا من الغزو «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس عن هواها» وروي

عنه صلى الله عليه وسلم أن قال «خلق الله الجنة فحفها بالمكاره وخلق النار فحفها بالشهوات» وخلق للنار سبعة أبواب وخلق لابن أدم سبعة جوارح فمتى أطاع الله بجارحة من تلك الجوارح السبعة غلق عنه باب من تلك الأبواب ومتى عصى الله بجارحة من تلك الجوارح السبعة استوجب الدخول من باب من تلك الأبواب والجوارح السبعة هي السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج وسميت جوارح لأنها كواسب تكسب الخير والشر وأصل صلاح هذه الجوارح وفسادها من القلب لأن القلب كالسلطان والجوارح كالأجناد لا تفعل إلا ما أمرها به القلب وقد قال «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» قالها ثلاثاً.
فينبغي للإنسان أن يجعل من جوارحه حاجباً يمنع عنها كل شيء بأن يمتثل الأمر ويجتنب النهي حتى يجري أفعاله وأقواله كلها على سنن للشرع قال الله تعالى ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ وقد نبه أبو محمد على هذا في أول الكتاب حيث دعا وقال أعاننا الله على رعاية ودائعه وهي الجوارح باجتناب المنهيات وحفظ ما أودعنا من شرائعه بامتثال المأمورات فمن رعى ودائعه وحفظ شرائعه فقد فاز، قال صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» الشيخ: والجوارح نعمة من الله على العبد وأمانة لديه ومن أشد الطغيان وغاية الخسران استعانة العبد بنعمة الله على معصية الله تعالى وخيانته لما أمنه الله تعالى عليه اهـ وقد اشتمل كلام الناظم في هذه الأبيات على أربع مسائل: الأولى: حفظ الجوارح السبعة كل بما يليق به الثانية ترك الأمور المشبهات بالحلال مع عدم القطع بكونها منه.
الثالثة الوقوف على الأمور التي لم يعلم حكم الله فيها فلا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.
الرابعة تطهير القلب من أمراضه كالرياء والحسد والعجب وغير ذلك فقوله يغض ويكف ويحفظ في الموضعين ويترك ويتقي ويوقف ويطهر لفظها لفظ الخبر والمراد الطلب ولولا رفعها لقلت إنها على حذف لام الأمر لكنها إذا حذفت يبقى عملها وهو الجزم والغض والستر وغض البصر عن المحارم فرض عين والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من

أبصارهم ويحفظوا فروجهم} فقرن الأمر بغض البصر مع الأمر بحفظ الفرج وهو في الأخير للوجوب باجماع وأتى بمن الدالة على التبعيض ليبقى جواز النظر إلى الزوجات ونحوها إذ لو قال يغضوا أبصارهم للزم غض البصر مطلقاً حتى لا يرى الإنسان أين يمشي، وأما السنة فقول صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان وزناهما النظر والإجماع على تحريم النظر إلى المحارم وهي النساء والمراد من الصبيان على جهة الالتذاذ وإلى ما يكره مالكه أن ينظر له فيه من الكتب والأمتعة ونحوها وإلى الملاهي الملهية على أحد القولين والقول الآخر بالكراهة فقط ومن المحرم أيضاً النظر في عورات النساء وعيوبهن والنظر إلى أخيه المسلم بعين الاحتقار والازدراء وانظر هل مما نحن بصدده من نظر العين أو هما من عمل القلب وهو الظاهر إذ لا يحتاج إلى العين في تلك الرسالة وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج ومفهومه أن في الثانية الحرج وكذا في الأولى بتعمد وقد روي عنه أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لا تتبع النظرة النظرة فإن النظرة الأولى لك والثانية عليك قيل معناه لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك وقيل معناه لا تتبع النظرة الأولى الواقعة سهواً بالنظرة الثانية التي وقعت عمداً وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه العيون مصائد الشيطان، وقال بعض الحكماء من أرسل طرفه استدعى حتفه، وجاء في قوله تعالى ﴿يعلم خائنة الاعين﴾ أنها النظرة الثانية ﴿وما تخفي الصدور﴾ قيل الأولى (فرع) من تابع التفكير اختياراً فهو كمتعمد النظر ومن دفعه من قبله ما استطاع ولم يندفع لما كلف به مما ليس في مقدوره ولا بسبب له فيه فلا شيء عليه فيه (فرع) يجوز النظر إلى المرأة المتجالة وهي الكبيرة التي لا أرب للرجال فيها مشتقة من التجلي وهو الظهور ولا تحجب لانقطاع أربها من النكاح وانظر هل هذا لكل أحد وإنما يباح النظر إليها لمن لا يتهم أن يتعلق بها قلبه كالشاب وأما الشيخ فلا يجوز له النظر إليها إذ قد يتشوف إليها وقد جاء عن أبي حنيفة لكل ساقطة لاقطة ويدل على

الثاني أنهم أباحوا النظر إلى الوحش ولم يبيحوه إلى العلى وما ذلك إلا للتشوف وعدمه (فرع) يجوز النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها إذا باعت أو اشترت أو تزوجت فيجوز للشهود النظر إليها ليتحققوا صفاتها ويكتبوها أعني صفات الوجه والسن والقد وهذا إذا كانوا لا يعرفونها وأما إن عرفوها فلا ينظروا إليها ويكتفوا بسماع كلامها وكذلك إن أخبرهم بها مخبر فحصل لهم العلم بذلك وقال ابن شعبان ينبغي أن لا يشهد لشابة أو عليها إلا من يبلغ ستين سنة من الشهود ومن الشهادة لها الشهادة على جرح فيها وهل هو مأمومة أو جائفة أو غيرهما وشبه الشهادة عليها نظر الطبيب والجرائحي إذا كان في الوجه أو في اليدين والرجلين وأما في الفرج فلا يجوز واختلف إذا كان في سائر الجسد فقيل يقطع عليه الثوب وينظر إليه وقيل لا ينظر إليه إلا النساء ونظر الراقي وقد ذكر عن الشيخ أبي يعرى نفعنا الله ببركاته أنه كان يرقي النساء فأنكر ذلك عليه بعض الفقهاء فلما وصلوا إليه قال لهم جئتم لكذا أليس أنكم تقولون يجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع الداء أفلا جعلتموني كالطبيب الكافر فانقطعوا (فرع) يجوز للخاطب أن ينظر من المخطوبة الوجه والكفين بعلمها وهذا إذا خطبها لنفسه وكان يظن الإجابة وإلا لم يجز له ذلك (فرع) اختلف في عبد المرأة هل يجوز له النظر إليها أو يمنع، ثالث الأقوال يجوز إذا كان وغداً أي قبيح المنظر ولا يجوز إن كان غير وغد واختلف في عبد زوجها وعبد الأجنبي وهل يدخلان عليها ويريان شعورها أم لا قولان المشهور المنع (فرع) واختلف فيمن أراد شراء أمة هل يجوز له أن ينظرها أما الأطراف فلا خلاف أنه يجوز له أن ينظرها كما أنه لا خلاف أنه لا يجوز له النظر إلى الفرج وفي النظر إلى جسدها قولان الجواز والمنع (فرع) يجوز لكل من الزوجين النظر إلى فرج الآخر ولحسه بلسانه وكذا السيد مع أمته وقيل بكراهة ذلك لأنه يؤدي إلى ضعف البصر، قاله بعض الأطباء وكذا يكره النظر لعورة الصبيان (فرع) اختلف هل يجوز للرجل أن يرى شعر أم زوجته أم لا على قولين وكذا اختلف في العم والخال هل تضع المرأة خمارها عندهما أم لا فكرهه الشافعي وعكرمة لكونهما ينعتانها لأبنائهما وأجازه بعضهم هذا بعض ما يتعلق بالبصر وأما السمع

فيجب عليه أيضاً أن يكف سمعه عن كل ما يأثم بسماعه كالغيبة والنميمة والزور والكذب ونحوه وعلى ذلك نبه الناظم بقوله يكف سمعه عن المأثم كغيبة ونميمة زور وكذب ويأتي تفسيرها قريباً في عد آفات اللسان إن شاء الله قال في الرسالة ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله قال الشيخ الجزولي يشتمل الغناء والملاهي الملهية والغيبة وسماع كلام امرأة لا تحل لك وسماع المحلقين للقصص وغيرها والباطل كثير ومفهومه أنه لم يتعمد فلا إثم عليه ولكن ذلك إذا سمعه وألغاه وأعرض عنه كالنظرة الأولى فأما إذا سمعه فتمادى على سماعه فهو مأثوم والأصل في ذلك قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقوله «المستمع شريك القائل» قال الشاعر وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه قال وهذا الحديث يعارض ما قال مالك في موطأ يحيى بن يحيى قال له أوصني قال أوصيك بثلاث الأولى اجمع لك فيها علم العلماء هي إذا سئلت عن شيء لا تدري فقل لا أدري والثانية اجمع لك فيها طب الأطباء وهي أن ترفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه والثالثة اجمع لك فيها حكمة الحكماء وهي إذا كنت في قوم فكن أصمتهم فإن أصابوا أصبت معهم وإن أخطأوا سلمت منهم مع أنه قال في الحديث المستمع شريك القائل فيحمل ما قاله مالك على ما إذا كان لا يقدر على تغييره ولا على أن يقوم عنهم قال ابن شعبان وكذلك الأمرد من الصبيان لا يحل سماع كلامه إذا كان فيه لين يخاف منه اللذة قال أبو حامد ولا يصلي خلفه الأشفاع لأنه يتلذذ بصوته ثم قال الشيخ الجزولي عند قوله ولا سماع شيء من الملاهي والغناء: والملاهي آلة الغناء كالمزمار والأتار وما أشبه ذلك والغناء ممدود وهو كلام موزون طيب مفهوم المعنى محرك للقلب وتحريم سماع الملاهي والغناء عام في الرجال والنساء وإذا حرم سماع الملاهي على الانفراد فأحرى إذا اجتمعا وظاهره سواء اتخذ ذلك حرفة أو لا أكثر التردد إليه أم لا، أما إن اتخذه حرفة أو أكثر التردد إليه فلا خلاف في المذهب أنه حرام وأن ذلك جرحة في شهادته وإمامته واختلف فيمن ليس ذلك حرفة له وقل حضوره له فقيل حرام وقيل مباح،

الشيخ: ومذهب مالك أن سماع آلة اللهو كلها حرام إلا الدف في النكاح والكبر على خلاف وكذلك استعمالها وبيعها وشراؤها ولا يجوز وقيل يجوز الاستماع اليها وقال أبو حامد الطبل والقصب والدف والقضيب فيجوز سماعه ولا يحرم إلا ما ورد في الشرع تحريمه وذلك كالأتار والمزامير والعود والقرن المعتاد للشرب فيمنع تبعا لمنع شرب الخمر ليكون ذلك مبالغة في الانقطاع وأما الغناء فمذهب مالك منعه سواء كان بآلة أو بغير آلة وروي عن الشافعي إجازته إذا كان بغير آلة ثم قال فإن كان يحرك ما في القلب من الخوف ومحبة الله تعالى كان مندوباً إليه وإن كان يحرك محبة المخلوق لغلبة الشهوة وتمكنه من الشيبة فالسماع في حقه حرام ومن لم يتصف باحدى الوصفين المتقدمين اتخذه مستراحاً يتقوى به على حاله فهو مكروه عند أهل الفضل والدين لأنه لهو ولعب واختلف عندهم في التواجد فقيل لا يجوز وإن من حسن الأدب الإصغاء وترك المشقة والحركة وخصوصاً الشاب بين يدي المشايخ والمبتدىء بين يدي المنتهي وذهب بعضهم إلى جوازه ورجاء لتحقيق الوجد وتهييج ما هو كامن في البطن ككمون النار في الحجر ولا تظن أن ذلك لفهم المعنى بل ذلك ثابت في كل الحيوانات وخصوصاً الإبل فإنها كلما طالت عليها البراري وسمعت الحداء مدت أعناقها وطوت المراحل ثم قال: ويقال أن الطير كانت تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته وقال أبو سليمان لا يحصل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه/ الشيخ: وللسماع عندهم شروط منها المكان والإمكان والإخوان وطول الاشتياق وأن لا يحضر هناك شاب يخاف منه الفتنة قال وقد اتفق أربعون شيخاً أن ما على الشيخ اللبيب أشد من الشاب وقال ومن البدعة الكبرى ما نشاهده في كثير مما يدعي لنفسه العبادة والتقدم في الزهد وينسب نفسه إلى التصوف والفقر من الاضطراب وأنواع الرقص والإيماء باليد والرأس والضرب على الصدر والوقوع على الحاضرين حتى يؤدي ذلك إلى الضحك والطنز والاستهزاء وأما اللسان فأشار إليه بقوله (لسانه أحرى بترك ما جلب) فلسانه أحرى جملة اسمية والمبتدأ على حذف مضاف يدل عليه يكف وبذلك المضاف يتعلق بترك وبنى (جلب) للمجهول للوزن والجالب هوالناظم أي كف لسانك بترك ما جلبناه وذكرناه وأتينا به في كف السماع من الغيبة والنميمة والزور والكذب ونحوها من المآثم أحرى أي في الوجوب من كف السماع عن ذلك والأحروية ظاهرة قال في الرسالة ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والزور والفحشاء والغيبة والنميمة والباطل وكذلك قال رسول الله «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» قال الشيخ الجزولي اللسان نعمة من الله تعالى على

العبد وهو أشد الجوارح السبعة وروي أنه ما من صباح إلا والجوارح تشكو به وتقول ناشدناك الله إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا وخطر اللسان عظيم لا يسلم منه إلا بالصمت ولذلك مدحه وحث عليه فقال «من صمت نجا» وقال «الصمت حكم وقليل فاعله» وقال «من تكفل لي ما بين لحييه ضمنت له على الله الجنة» وقال ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان وروي عنه أنه قال لساني سبع إن أطلقته أكلني.
وحقيقة الكذب الاخبار عن الشيء على غير ما هو عليه والصدق ضده والشك في الحديث كالكذب فيه قال مالك من حدث بكل ما سمع فهو كاذب فينبغي أن لا يحدث الانسان إلا بما علمه قطعاً أو سمعه أو نقل إليه نقلاً متواتراً ثم إن كان الكذب سهواً فلا إثم فيه ولا حرج لقوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وإن كان عمداً فهو محرم باجماع، في الجملة وإن كان تعرض له أحكام الشريعة الخمسة باعتبار متعلقاته والدليل على تحريمه في الجملة الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم «ثلاث من كن فيه فهو منافق من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» ومعناه منافق في العمل لا في الاعتقاد وقال أيضاً إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن

الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً إلى غير ذلك مما ورد والاجماع على أن الكذب محرم فمن أباحه استفسر فإن أباح ما هو حرام منه فإنه يستناب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل فحكمه في الجملة التحريم ثم قد يكون واجباً مثل أن يكذب لإنقاذ نفس أو مال كما إذا هرب الإنسان من ظالم إلى جهة فيسألك عنه فتقول له جاز يميناً وهو على الشمال فالكذب في هذا واجب يؤجر عليه فإن صدق أثم وعليه أن يحلف إذا طلب منه اليمين ويلغز بيمينه ولا يلزمه الطلاق إن حلف واللغز أن ينوي في يمينه طلاق الدابة من وثاقها أو الحجر من الأعلى إلى الأسفل واختلف إذا حلف ولم يلغز في يمينه هل يلزمه الطلاق أم لا على قولين سببهما هل هو كالمكره أم لا، ويكون حراماً وهو الكثير فيه كالكذب لقطع حق مخلوق أو على وجه المزاح للانبساط وكلاهما حرام والأول أشد من الثاني والتوبة من الأول الاستحلال من المظالم والنية أن لا يعود ومن الثاني الندم والنية أن لا يعود ويكون مستحباً وهو الكذب على الكفار بأن يقول لهم إن المسلمين تهيئوا للقائكم بكثرة العدد وتأمر عليهم البطل فلان ونحو ذلك ويكون مكروهاً وهو الكذب للزوجة ومباحاً وهو الكذب للاصلاح بين المسلمين إذا وقعت بينهم شحناء وقيل في هذا إنه مندوب قال والعرض على الضيف بغير جد حرام من وجهين أحدهما أنه أطعمه الحرام والثاني كذب من غير منفعة وانظر هل يجوز التعريض بالكذب كما روي عن اللخمي أنه إذا أتاه من يكره رؤيته يقول لجاريته قولي له انظره في المسجد وروي عن الشعبي أنه كان إذا أتاه من يكره رؤيته يقول لجاريته اجعلي اصبعك في وسط دائرة وقولي له ليس هو هنا فأباح هذا وكره التصريح قال أبو حامد وتباح المعاريض تخفيفاً كقوله عليه السلام «لا تدخل الجنة عجوز» وقوله في عين زوجك بياض لأن هذه الكلمة أوهمت خلاف المراد فيباح هذا مع النساء والصبيان لتطيب قلوبهم بالمزاح ومن يتمتع من أكل الطعام فلا ينبغي أن يكذب ويقول لا أشتهي شيئاً إذا كان يشتهي بل يعدل إلى المعاريض وقد قال لامرأة قالت ذلك «لا تجمعي بين كذب وجوع» والزور أيضاً وهو الإخبار

بالشيء على غير ما هو عليه إلا أنه خاص بالشهادة مشتق من زور الصدر وهو اعوجاجه لا من نزور الكلام الذي هو تحسينه وقال الزناتي من زور زوراً إذا مال عن الصواب ودليل تحريمه الكتاب وهو قوله تعالى ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ والسنة وهو قوله «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول قال الاشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور» وأجمعت الأمة على تحريمه والفحشاء مأخوذة من فحش الشيء إذا ظهرت قبائحه واشتهرت قولاً كان أو فعلاً والمراد هنا القول القبيح، قال إن الله يكره الفاحش البذيء وهو الذي لا يكني عن الألفاظ المتفاحشة فيدخل فيه كل ما يستحيا منه أن يذكر بمحضر أهل الفضل والصلاح ومن يجب توقيره كالآباء والإخوة كذكر الغائط والجماع بألفاظ العامة السفهاء والسفلة من الناس والغيبة وهي أن تقول في أخيك ما لو سمعه لكرهه ولو كان ذلك فيه سواء كان ذلك في نفسه أو بدنه أو ماله أو ولده أو في فعله أو قوله أو في دينه أو دنياه حتى في ثوبه وردائه ودابته وكل ما يتعلق به حتى قولك واسع الكم أو طويل الذيل سواء كان تصريحاً أو تعريضاً أو بالاشارة أو الرمز وهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه﴾ قيل وجه الشبه بينهما أن الميت لا ينتصر لنفسه وأما السنة فقوله «إياكم والغيبة فإنها أشد من الزنا» وفي رواية «أشد من ثلاثين زنية في الاسلام» وقال «من أراد أن يفرق حسناته يميناً وشمالاً فليغتب الناس» وقال عليه الصلاة والسلام «الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب الرقيق» وقال حأتدرون من المفلس من أمتي قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال «إنما المفلس من أمتي الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا نفذت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار» أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وقال «من اغتيب أخوه بمحضره فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة وإن لم ينصره أذله الله في الدنيا والآخرة» وقال ابن المبارك «لو كنت ممن يغتاب الناس لاغتبت أبوي فإنهما أحق بحسناتي» وروى عن الحسن أنه بلغه أن رجلاً اغتابه فأهدى له طبقاً من رطب فقيل له في ذلك فقال بلغني أنه أهدى إلي حسناته وهي أحب ما عنده فأهديت له أحب ما عندي وقال مالك رضي الله عنه أدركت أناساً بالمدينة لا عيوب لهم فاشتغلوا بعيوب الناس فأحدث الناس لهم عيوباًوأدركت أناس بالمدينة لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم، ثم قال: وأشد الغيبة غيبة القراء لأنها تجمع بين الغيبة وتزكية النفس والنفاق وكلها حرام كأن يقول أصلح الله فلاناً لقد أساء فيما جرى له فيظهر من نفسه الدعاء له ويقول بلسانه ما ليس في قلبه لأن مراده أن يسمع الناس قبحه وإلا دعا له سراً أو كتم معصيته أو يقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان لطلب الدنيا وهو يعرض بغيره/ الشيخ: ومن الغيبة أن يقول: السدراتي فعل كذا لأن ذلك تكرهه قبيلته فلو قال: كان فلان يفعل كذا وكذا ففي كونه غيبة قولان والمستمع للغيبة شريك للمتكلم بها فيجب على من سمعها أن يقوم من ذلك الموضع الذي سمعها فيه إن أمكنه ذلك وإن لم يمكنه نهاهم عن ذلك بقول غليظ مظهراً في وجهه ذلك فإن انتهوا فهو المطلوب وإلا أبغضهم في قلبه وكذبهم لأنهم فساق فإن قال لهم دعوا غيبة الناس ومقصوده إظهار الورع فلا يخرجه ذلك عن الغيبة قال بعض العلماء الغيبة فاكهة القراء ومزبلة الأتقياء ومراتع النساء وتباح الغيبة في مواضع عند السلطان لدفع ظلم والشكاية به فيذكر للسلطان أمره وما فعل له أما عند غيره ممن لا قدرة له على الدفع فلا، وعند الاستغاثة على تغير المنكر ورد الظالم عن ظلمه بمن له قدرة على ذلك أيضاً وعند المفتي كقول هند رضي الله عنهما للنبي إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، وعند التحذير من مصاهرة أو شركة أو مجاورة وعند التعريف به فيذكر عدالته أو جرحته ويدخل في ذلك دعاء من عرف باسم فيه عيب بذلك الاسم

كالأعرج والأعمش والطويل إذا قصد صفته لا غيبته والعدول الى اسم آخر أولى وعند ذكر بدعة المبتدع سواء أكانت بدعته ظاهرة يدعو إليها أو خفية يلقيها لمن يظفر بها وعند ذكر فسق الفاسق المجاهر بفسقه قال عليه الصلاة والسلام «من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة فيه» قال أبو حامد والصحيح أن ذكر الفاسق بمعصية يخفيها ويكره ذكرها لا يجوز من غير عذر اهـ باختصار وبعضه بالمعنى وقد نظم بعضهم هذه المواضع السبعة التي تجوز فيها الغيبة في بيت فوطأ له شيخنا الامام العالم الحاج الأبر سيدي أبو العباس أحمد محمد بن القاضي رحمه الله ببيتين آخرين قبله وهما هذان ألا إن اغتياب الناس ذنب عظيم الوصف من أردى المناكر فحب غيبة إلا حروفا ببيت جاء عن بعض الأكابر تظلم واستغث واستفت حذر وعرف بدعة فسق المجاهر ثم قال الإمام الجزولي ودواء الغيبة في التفكر بالوعيد الوارد فيها من تبديد حسناته وغيره وبالتفكر في عيوب نفسه فيشغله ذلك عن عيوب الناس قال صلى الله تعالى عليه وسلم «طوبى لعبد شغلته عيوبه عن عيوب الناس» وبالصمت أيضاً والنميمة هي أن ينقل الانسان من غيره إلى غيره ما يكره المنقول فيه سماعه أو المنقول عنه التحدث به سواء كان ذلك بالكلام أو بغيرهما وهي محرمة بالكتاب والسنة وبالاجماع قال تعالى ﴿لا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾ وقال ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ وهو الذي يعيب الناس ويفسد بينهم وقال صلى الله عليه وسلم «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المشاءون بالنميمة والقطاعون بين الاخوان» وقال «لا يدخل الجنة قتات» والقتات النمام والاجماع على تحريمها لأنها تؤدي إلى التقاطع والتدابر المنهي عنهما وقال صلى الله عليه وسلم «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله اخوانا» ومن نقل ما يكره فيجب عليه خمسة أشياء: أن لا يصدق الناقل لقوله تعالى {يا أيها الذين

آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وأن ينهاه عن ذلك لأنه من باب النهي عن المنكر وأن يبغضه في الله تعالى لأن الله تعالى يبغض النمام والحب في الله والبغض في الله من الإيمان وأن لا يفحص عن حقيقة ما قاله له لقوله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ وهذا تجسس وأن لا يعاقب بذلك المنقول عنه لأن في ذلك نميمة/ الشيخ: فكيف يحب الانسان ويعتقد أنه ناصح له كما هو في زماننا من ينقل إليه ما يكره ويوجب عليه خمس مسائل كما تقدم، وقد روي عن بعض الصالحين أنه دخل عليه رجل فقال له: ان فلاناً قال فيك كذا وكذا فقال له يا هذا طالت غيبتك عني وألزمتني ثلاثة أشياء شوشتني وشغلت خاطري بعد أن كان فارغاً وبغضت إلي أخي بعد أن كان حبيبي وأدخلتني الشك فيك بعد أن كنت عندي مأموناً الشيخ: النميمة أشد من الغيبة لأن فيها الغيبة وزيادة كذلك يحرم أنواع سائر الباطل ككثرة المزاح لأنه يؤدى إلى ذهاب الهيبة والوقار ولذا قال بعض الحكماء لا تمازح الشريف فيحرقك ولا الدنيء فيتجاسر عليك ومن الباطل تزكية الانسان نفسه وذم الطعام بل إن أعجبه أكله وإلا تركه واللعنة فلا يجوز لعن إنسان معين وإن كان كافراً وأما لعن الجنس فيجوز لخبر لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده وقد ذكر الامام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه من أنواع الباطل المتعلقة باللسان عشرين آفة الأولى الكلام فيما لا يعني وهو ما لا يعود على الانسان منفعة لا في دنياه ولا في آخرته ولذا قيل إن العاقل لا ينبغي له أن يرى إلا ساعيا في تحصيل حسنة لمعاده أو درهم لمعاشه، وقال بعض الحكماء من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يغنيه والثانية فضول الكلام كتكرار ما لا فائدة في تكراره والاتيان بالألفاظ المستغنى عنها وذكر الله في غير محل التعظيم كقوله الهم أخر هذا الكلب أو الحمار وفضول الكلام لا تنحصر بل المهم محصور في قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف والثالثة الخوض في الباطل مثل حكايات أحوال النساء ومجالس أهل الخمر ومقامات

الفساق وتنعم الاغنياء وتجبر الملوك والرابعة المراء والجدال في الدين والخامسة الخصومة واللدده السادسة التصنع في الكلام بتكلف السجع ونحوه.
والسابعة السب والفحش.
والثامنة اللعن لانسان أوحيوان أو جماد.
والتاسعة الغناء والشعر.
والعاشرة كثرة المزاح والافراط منه والحادية عشرة الاستهزاء والسخرية ويكون بالأقوال والأفعال والمحاكاة.
والثانية عشرة إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من التهاون.
والثالثة عشرة الوعد الكذوب إذ هو من علامات النفاق.
والرابعة عشر الكذب وأحرى في اليمين والخامسة عشر الغيبة.
والسادسة عشرة النميمة.
والسابعة عشرة كلام ذي اللسانين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.
والثامنة عشرة المدح لما قد يكون فيه من الكذب والرياء ومدح الظالم ولما يدخل على الممدوح من الكبر والعجب والرضا عن النفس ونحو ذلك.
والتاسعة عشرة الغفلة عن دقائق الخطأ في بحر الكلام لا سيما ما يتعلق بالله وصفاته مثاله ما روى حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لايقل أحدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت» وذلك لأن العطف بالواو يوهم التشريك وقال عليه الصلاة والسلام «لاتقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم» وقال صلى الله عليه وسلم «من قال أنا بريء من الاسلام فإن كان صادقا فهو كما قال أو كاذباً فلا يرجع إلى الاسلام سالماً».
العشرون سؤال العوام عن غير ما كلفوا به من علم العقائد كسؤالهم عن الحروف هل هي قديمة أو حادثة ونحو ذلك اهـ باختصار وبعضه بالمعنى وقد كنت حالة قراءة هذا المحل من الرسالة لفقت في هذه الآفات أبياتاً لتحفظ وهي هذه: وللكلام من الآفات فاستمعن عشرون خذ عدها عن عالم رجل ما ليس يعنيك والفضول فاجتنبن والخوض في باطل مراء مع جدل خصومة وتصنع الكلام وزد سباً ولعناً غنا كشاعر محل مزح وسخرية وعد كذوب كذا إفشاء سر مع الكذاب ذي الحيل نميمة غيبة مدح يضاف لها ومن له فاعلمن وجهان كالجبل والسهو عن خطايا لدى الكلام وزد شغل ذوي الجهل بالتوحيد والعلل من غير ما كلفوا خوضاً به وهنا قد ما رمت بالتفصيل والجمل ويستعان على السلامة من هذه الأشياء بالخلوة ومجانبة الناس وبالصمت ففي الحديث من صمت نجا وفي الصمت حكمة وقليل فاعله قيل للسلامة عشرة أجزاء منها في الصمت وقال بعض الحكماء في الصمت سبعة آلاف خير وقد جمع ذلك في سبع كلمات في كل كلمة ألف خير وهي حصن من غير حائط، زينة من غير حلى، راحة الكرام الكاتبين، هيبة من غير سلطان، ستر العيوب، عبادة من غير عناء، الاستغناء عن الاستعذار إلى أحد، وقد كنت لفقت في ذلك بيتين وهما قولنا وفي الصمت حسن ثم زينة راحة كذا هيبة ستر عبادة واستغنا وفي كلها ألف من الخير فاعلمن فتبلغ سبعاً من ألوف بلا عنا وأشرت بقولنا بلا عنا أن الصمت الجامع لهذا الخير كله لا مشقة فيه ولا كلفة وزينة

وعبادة بالرفع وحذف التنوين للوزن وحذف العاطف في بعض المعاطيف للوزن أيضا قال الشيخ الجزولي وبالجملة فآفات اللسان كثير فينبغي للانسان أن لا يتكلم بكلام حتى يرويه في قلبه فإن كان خيراً قاله وإن كان شراً سكت عنه لأن اللسان ترجمان القلب وجميع ما يتكلم به الانسان على أربعة أقسام قسم ليس فيه إلا المضرة فهذا حرام، وقسم فيه مضرة ومنفعة فهذا كالأول لأن مضرته ذهبت بمنفعته وصار حراماً، وقسم ليس فيه مضرة ولا منفعة فلا ينبغي الاكثار منه لئلا يذهب العمر باطلاً، وقسم ليس فيه إلا المنفعة فهذا هو المطلوب فخرج من هذا أن ثلاثة أرباع الكلام لا خير فيها وليس له من كلامه إلا الرابع اهـ، ولبعضهم على آداب الطالب ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاء عند الناس إذا لكان الصمت من عين الذهب فافهم هداك الله آداب الطلب وأما حفظ البطن من الحرام المستلزم لأكل الحلال المشار إليه بقول الناظم (يحفظ بطنه من الحرام) فواجب أيضاً بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقد قال تعالى ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ وقال ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ قال ابن عباس قد أمر الله المؤمنين بما أمر به الرسل وقدم تعالى أكل الحلال على صالح الأعمال تنبيهاً على أن الانتفاع بالأعمال لا يتوصل إليه إلا بعد إصلاح الرزق واكتسابه من حله ولهذا قال بعض الحكماء من أكل الحلال أطاع الله أحب أم كره ومن أكل الحرام عصى الله أحب أم كره لأنه إذا أكل الحلال شربت عروقه منه ونشطت للعبادة وإذا أكل الحرام شربت عروقه منه وكسلت عن العبادة وأما السنة فقوله «طلب الحلال فريضة على كل مسلم» وقوله «إن لله ملكاً على بيت المقدس ينادي كل يوم ألا من أكل حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل» قال أبو حامد الصرف النافلةوالعدل الفريضة وقال:

من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة على لسانه ـ وفي رواية أخرى ـ وزهده الله الدنيا وقال من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه.
وقال: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به.
وقال: أول ما يفقد هذه الأمة [هذه الأمة درهم حلال وأخ صالح».
وقال عمر: كنا ندفع أربعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الشبه من الحرام، وإنما الورع في الحلال وأما الحرام فتركه واجب، قيل من أنفق الحرام في طاعة الله كان كمن طهر ثوبه بالبول.
وفي التوراة: من لم يبال من أين رمطعمه لم يبال الله من أي باب من أبواب النار أدخله.
والإجماع على طلب الحلال فرض عين على كل مكلف، واختلف في الحلال هل هو موجود أم لا؟ فقيل: إنه موجود، وإنما قل طلابه، وقيل: هو ضالة مفقودة للحديث الأخير، ولا يعرف الحلال من الحرام إلا بالعلم.
الشيخ: وينبغي للإنسان أن لا يكثر من طلب المال مخافة أن يكتسب بعضه من الحرام ويجب على المكلف ترك الحرام جملة من غير تفصيل، وأكل الحلال المجمع عليه، فإن لم يجده فالمتفق عليه، فإن لم يجده فالمختلف فيه في المذهب، فإن لم يجده فالمختلف فيه في غير المذهب، فإن لم يجده فكما قال القاسم بن محمد: لو كانت الدنيا كلها حرامًا لما كان لنا بد من العيش.
فمن حصل له كسب طيب فأراد شراء قوته فليتلطف في شراء الطيب جهده، فإن بذل جهده واستفرغ طاقته وقع إن شاء الله على ما تسكن إليه نفسه، فإن تعذرت عليه معرفة أصله فشراء الخبز أولى من شراء الدقيق، وشراء الدقيق أولى من شراء الزرع، وشراء الزرع المجلوب أولى من شراء الزرع القريب، واختلف هل يجب عليه السؤال أم لا؟ وعلى القول بوجوبه فلا يقدم على شراء سلعة حتى يسأل عن أصلها، فإن لم يجد من يسأل فلينظر حلية البائع يفحص عن ذلك جهده.
قال بعض العلماء: أصول الحلال عشرة: صيد البر، وصيد البحر، وتجارة بصدق، وإجارة]

[بنصح، والفيء إذا قسم على وجهه، وميراث عن أصل طيب، وماء الغدير، وما أنبتته الأرض غير الممتلكة، وهدية من أخ صالح، والسؤال عند الحاجة.
اهـ. من الجزولي مختصراً ملفقاً من مواضع ولبعضهم في ذلك:] ياصاح إن للحلال الحر عشر أصول وهي صيد البحر وموت حل وماء الغدر ثم هدية المحب فادر من حله الله لا للشكر وصنعه بالنصح لا بالمكر والتجر بالصدق وصيد الفقر ثم السؤال عن شديد الفقر ونبت أرض لم تكن للغير والفيء يقسم بغير جور وانفرد الثعالبي بالمهر فزاده موافقاً للعشر لنص تقييد الجزولي الخير جزاه ربنا كل خير انتهى ثم قال الإمام الجزولي وأما عدد الوجوه التي يكسب منه المال الحرام فهو أن تقول اعلم أن أخذ أموال الناس من غير حلها على وجهين إما برضا أربابها أو بغير رضاه معشرة أوجه: فعدها ثم قال والذي برضاهم ستة عشر وجها وعدها قال وزاد بعضهم الغرور الخلابة اهـ وقد كنت حالة قراءة هذا المحل من الرسالة لفقت في هذا أبياتاً لتتم الفائدة بضمها لأبيات أصول الحلال المتقدمة وهي هذه وأخذ مال الغير إما بالرضا ومن ربه أولا ذا عشراً أرضا غصبا تعدية حرابة ترى سرقة وخلة ولا امترا ثم اقتطاعا ودلالة علم بكرة ربه خيانة وسم ثم خديعة وغشاً والذي مع الرضا فست عشرة احتذى وهي الربا ثم القمار والرشا وثمن الجاه وكلب لا تشا حلوان كاهن ومهر للبغي وثمن القرد وسنور بغي عليهما وأجرحجام كذا ما يأخذ القاضي وشاعر خذا وثمن الصورة آلة اللعب نائحة كذا الوصف قد طلب ثم بدا خلافه زيد الغرر خلابة والكل يرمي بشرر

إذ كلها أصل الى الحرام والخلف قل في أجرة الحجام نقل ذا في شرحه الجزولي ذو العلم بالفروع والأصول عامله الإله باللطف الخفي بفضله ولم يزل بنا حفى والاقتطاع أي باليمين الكاذبة والدلالة أي أخذ مال الغير بالاستدلال عليه لصحبة ونحوها إن علم طيب نفس صاحب المال بذلك فهو حلال وإن علم أن نفسه لا تطيب به أو جهل فهو حرام وكذا ما يؤخذ على وجه الحياء ووصف الكلب بجملة (لا تشا) لإفادة أن المراد به الذي لا يجوز اتخاذه وقيل ثمنه حرام مطلقا وسنور بالخفض عطف على القرد ومعنى بغى عليهما أي ظلماً بالبيع تكميلا للبيت وآلة نائحة بالخفض عطف على الصور مدخول الثمن وآلة اللعب الملاهي كالعود ونحوه والثمن بالنسبة الى الصورة وآلة اللهو حقيقة وبالنسبة للنائحة المراد به الأجرة والذي أعطى لوصف مطلوب وجوده ثم بدا عدمه وهو كان يعطي على أنه عالم فإذا به جاهل وأشرت بقولي يرمي بشرر إلى التنفير عن هذه الأشياء والبعد عنها وحفي بالحاء المهملة أي مكرم خبر زال ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويدخل في حفظ البطن من الحرام ما حرم أكلها كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة وما ذكر معها في الآية إذا أنفذت مقاتلها أو لم تنفذ وأيس من حياتها على خلاف في التي لم تنفذ مقاتلها وكذا الخمر وغيره من المسكرات قليلها وكثيرها والحشيشة كذلك وأما الأفيون وغيره من المفسدات فلا يحرم منه الا القدر المؤثر في العقل ويجوز استعمال اليسير منه الذي لا يؤثر لدواء ونحوه وقد اختلفت فتاوى شيوخنا فمن قبلهم من قرب عصره في استفاف دخان العشبة المسماة على لسان متعاطيها بطابة فمنهم من شدد المنع في ذلك ومنهم من أجازه لمن احتاج له لمرض ونحوه ولم يقطع بتحريمها (تنبيه) لا خصوصية للبطن في بالحفظ من الحرام بل وكذلك سائر الجسد فكما لا يحل لك أن تأكل إلا طيباً أي حلالاً فكذلك لا يحل لك أن تلبس إلا طيباً ولا تسكن إلا طيباً ولا تركب إلا طيباً ويجب عليك أن تستعمل سائر ما تنتفع به طيباً كما في الرسالة وأما ترك المشبهات فمطلوب أيضاً وزاد الناظم قوله بالاهتمام أي بقصد ونية ليفيد الوجه الأكمل وأن الثواب إنما يحصل في المتروك مع النية لا بمجرد الترك فمن ترك محرماً أو متشابهاً بنية الامتثال أثيب على تركه ومن تركه ولم يخطر بباله فلا ثواب له والأصل في ترك المشبهات ما أخرجه أهل الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا

يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب قال الإمام ابن حجر الهيتمي في الأربعين للنووي الحلال ما نص الله أو الرسول أوالمسلمون على تحليله بعينه أو جنسه ومنه أيضاً ما لم يعلم فيه منع على أسهل القولين والحرام ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه على أن فيه حدا أو تعزيزاً أو وعيداً ثم قال والمشتبه به هو كل ما ليس بواضح الحل والحرمة مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني والأسباب فبعضها يعضده دليل الحلال وبعضها يعضده دليل الحرام ومن ثم فسر أحمد واسحق وغيرهما والمشتبه بما احتار فيه وفسره أحمد مرة باختلاط الحلال والحرام ثم الحصر في ثلاثة صحيح لأنه إن نص أو أجمع على الفعل الحلال أو على المنع جازماً فالحرام أو سكت عنه أو تعارض فيه نصان ولم يعلم المتأخر منهما فالمشتبه ثم ذكر كلاماً عجيباً في بيان المشتبه تركته لطوله فراجعه إن شئت وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: وحاصل ما فسر به العلماء المشبهات أربعة أشياء أحدها تعارض الأدلة، [والثاني: اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى.
والثالث: أن المراد بها قسم المكروه؛ لأنه يجتذبه جانباً الفعل والترك.
والرابع: أن المراد بها، المباح ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجع الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج.
اهـ. وفي جواز الإقدام عليها قولان: قال الجزولي: وقد اختلف في المتشابه فقيل: مباح؛ لقوله تعالى: "وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" [البقرة: 29]، وقيل: حرام كقوله تعالى: "أحل لكم الطيبات" [المائدة: 5].
ومن العلماء من توقف فيه.
اهـ. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» فمعناه أنه بصدد الوقوع في الحرام لا من أكثر تعاطيها ربما صادف الحرام المحض، وإن لم يتعمده لا أن من ارتكب مشتبهاً فعل حرامًا، لكن الأولى تركه ليبرأ الدين والعرض كما قال صلى الله عليه وسلم.
وقد تقدم في شرح قوله: وحاصل التقوى اجتناب وامتثال، عن ابن جزي أن ترك الشبهات هو مقام الورع وهي الدرجة الثالثة من درجات التقوى، وحديث النعمان هذا]

[أحد الأحاديث الأربع التي مدار الإسلام، والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»، والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
والرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى» ولبعضهم فيها: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ... ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية وأما حفظ الفجر وحفظ اليد من البطش بها لممنوع يريده، وحفظ الرجل من السعي لممنوع يريده المشار إليه بقول الناظم: يحفظ فرجه ويتقي الشهيد ... في البطش والسعي لممنوع يريد] فواجب أيضاً ومعنى يتقي يحذر والشهيد فعيل بمعنى فاعل أي الحاضر وهو الله تعالى وفي البطش يتعلق بيتقي والبطش التناول والأخذ الشديد، والسعي عطف على في البطش ولممنوع يتنازع فيه البطش والسعي وجملة يريد صفة لممنوع، قال في الرسالة: ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك قال الله تعالى ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ الجزولي: قوله من مال أو جسد أو دم ذكر ثلاثة أشياء فلا يحل أخذ مال الغير ولا قتله ولا جرحه ولا مباشرة جسده لا بالفرج ولا باليد إلا أن مباشرة الفرج أشد من مباشرة الجسد وهذا في غير المرأة المتزوجة وأما الرجال فيما بينهم فلا يباشر فرجه بفرجه ولا بيده ولا يجوز له مباشرة جسده بيده إلا أن يقصد بذلك اللذة فيمنع وكذا يجب أن يكف يده عن أن يكتب بظلم

أحد أو بقتله ولا يجوز إعانة هذا الكاتب بشيء من آلات الكتابة وكذا يكف يده عن الكتب للظالم إذا مدحه أو قال فيه ما ليس فيه وكما لا يحل لك أن تسعى بقدميك فيما لا يحل لك كمشيك في حائط غيرك أو فدانه إذا كان يتضرر من ذلك فكذلك لا يحل لك أن تسعى بهما إلى ما لا يحل لك من زنى أو غصب أو غيره ومن السعي المحرم السعي إلى أبواب الظلمة لقوله عليه الصلاة والسلام من تواضع لغني لأجل غناه فقد ذهب ثلثا دينه قال أبو عمر للغني الشاكر فما بالك بغيره ولأن في وقوفه هناك إعانة لهم على فعلهم وأما لحوائج المسلمين ومنافعهم فجائز وكذلك للمداراة على نفسه والدفع عنها/الشيخ: ويؤخذ من الآية فوائد الأولى تحريم المتعة وهي أن يعير الأمة مدة لمن يستمتع بها ثم يردها وشذ من قال بجوازها من العلماء الثانية تحريم الاستمناء باليد وفي جوازه ومنعه وكراهته ثلاثة أقوال الثالث تحريم ما يفعله شرار النساء من المساحقة وهي بآلة أشد منها بغيرها ويعاقب من فعل ذلك منهن لأن هذه الثلاثة خارجة عن التزويج وملك اليمين اللذين لا يحل الوطء إلا بهما الرابعة تحريم وطء البهيمة لأن المراد بملك اليمين من الإناث الآدميات فلا يجوز وطء البهيمة ولا يصح ما أشيع عن الشافعية من جواز وطء الذكور بملك اليمين وأما كونه يوقف الأمور أي يقف عنها ولا يرتكبها حيث يجهل حكمها حتى يعلم أي يغلب على ظنه ما حكم الله به في تلك الأمور بالنظر في الأدلة أو في كتب العلم إن كان أهلا لذلك أو بالسؤال لأهل العلم لقوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وحينئذ يفعل أو يترك فواجب أيضاً لقوله «لايحل لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه» وليس هذا من باب ترك الشبهات المتقدم لأن الشبهات ما اختلف فيه العلماء أو ما تجاذبته الحلية والتحريم فلتاركها لذلك شعور بالحكم في الجملة وتركها ورع كما مر وهذه المسألة فيمن لا شعور له بالحكم أصلاً والتوقف عنها حتى يعلم حكمها واجب فقهاً لا ودعاً والله أعلم قال الإمام شهاب الدين القرافي في الفرق الثالث والتسعين حكى الغزالي في إحياء

علوم الدين والشافعي في رسالته الاجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الاجارة ومن قارض وجب عليه أن يعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذا الطهارة وجميع الأعمال والأقوال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله تعالى طاعتين ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقضي علمه فقد [أطاع الله وعصاه معصية، ثم قال: إذا تقرر هذا وأنه لابد من تقدم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه، فمثله قوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» [الإسراء: 36] فنهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن اتباع غير المعلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجباً في كل حال، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
قال الشافعي رضي الله عنه: العلم قسمان: فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ما عدا ذلك.
اهـ. ببعض اختصار.
قال الشيخ زروق في قواعده ما معناه: إن وجوب تعلم أحد علم حاله إنما هو بوجه إجمالي يبرئه من الجهل بأصل حكمه بقدر وسعه وما وراء ذلك إنما هو فرض الكفاية، إذ لا يلزمه تتبع المسائل إلا عند النازلة، والله أعلم.
وأما تطهير القلب من أمراضه كالرياء والحسد، والعجب، والكبر، والغل، والحقد، والبغي، والغضب لغير الله تعالى، والغش، والسمعة، والبخل، والإعراض عن الحق استكباراً، والخوض فيما لا يغني، والطمع وخوف الفقر، وسخط المقدور، والبطر، وتعظيم الأغنياء لغناهم، الاستهزاء بالفقراء لفقرهم، والفخر، والخيلاء، والتنافس في الدنيا، والمباهاة، والتزين للمخلوقين، والمداهنة، وحب المدح بما لم يفعل، والاشتغال بعيوب الخلق عن عيوبه، ونسيان النعمة، والمحبة والرغبة والرهبة لغير الله تعالى كلها حرام إجماعاً؛ فقال الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه: معرفة حدودها وأسبابها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رزق الإنسان قلباً سليماً من هذه الأمراض المحرمة كفاه ولا يلزمه تعلم دوائها، فأما الرياء فهو مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع، والرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بإرادتهم خصال الخير.
قال الشيخ الجزولي: وهو حرام موجب لمقت الله تعالى، ودليل تحريمه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى:]

[يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين» [النساء: 143]، وقال تعالى: «فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون» الآية [الماعون: 4] إلى غير ذلك وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله عملاً فيه ذرة من الرياء» وقال: «الرياء الشرك الأصغر».
وقال: «الرياء فيكم أخفى من دبيب النمل على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء».
فخافوا من ذلك فقال لهم: «إني أخبركم بما يذهب قليل ذلك وكثيره، وهو أن تقول: اللهم إني أعوذ بك من أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم».
وقيل لمعاذ: حدثنا! حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى حتى ظننا أنه لا يسكت، فسكت ثم قال: قال لي: «يا معاذ» قلت: لبيك بأبي وأمي أنت يا رسول الله؛ فقال: «إني أحدثك بحديث فإن حفظته نفعك وإن لم تحفظه وضيعته انقطعت حجتك يوم القيامة، يا معاذ إن الله تعالى جعل مصاعد أعمال بني آدم السموات السبع، وجعل على كل مصعد ملكاً لا يصعد بشيء من الأعمال إلا عليهم فتصعد الحفظة بعمل صالح فيما يظهر لهم؛ لأنهم لا يعلمون الغيب، فإذا انتهت إلى سماء الدنيا قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من يغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه من الغيبة ووصلوا إلى السماء الثانية قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب النميمة أمرني ربي أن لا أدع عمل صاحب النميمة يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه من الغيبة والنميمة فوصلوا إلى السماء الثالثة يقول الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمل من يتكبر على الناس يجاوزني إلى غيري، فإذا صعد بعمل سلم صاحبه من الغيبة والنميمة والكبر، فوصلوا به إلى السماء»]

[الرابعة قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه مما تقدم ووصلوا به إلى السماء الخامسة قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب الحسد أمرني ربي أن لا أدع عمل صاحبه يجاوزني إلى غيري.
فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه مما تقدم ووصلوا إلى السماء السادسة قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع عمل من لا يرحم عباد الله يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه مما تقدم ووصلوا به إلى السماء السابعة وله دوي كدوي النحل وضوء كضوء الشمس معه ثلاث آلاف ملك قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل بعمل سلم صاحبه مما تقدم وقطعوا به الحجب وضعوه بين يدي الله تعالى قال لهم: أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على نفسه، وأنه لم يردني بالعمل وأراد به غيري ردوه عليه فعليه لعنتي؛ فتقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا، فتلعنه السموات السبع ومن فيهن».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا راءى العبد بعمله يقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي كيف يستهزيء بي ولا يستحي مني»، والإجماع على أن الرياء حرام وعلامات الرياء ثلاث: الكسل، والتقليل من العمل في الوحدة، والنشاط وتكثير العمل بين الناس والزيادة في العمل إذا أثنى عليه والنقص منه إذا ذم.
وأما معالجته وتطهير القلب منه فهو بأن يزيل من قلبه أربعة أشياء: حب المحمدة وخوف المذمة واستجلاب المنفعة ودفع المضرة، ويعلم أن النافع والضار إنما هو الله تعالى، وأنه لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوه مما لا يقدره الله له لم يقدروا على ذلك وكذلك عكسه، فإذا اعتقد ذلك تقوى يقينه وسلم من الرياء، ولو دخل على الإنسان الرياء في أثناء العبادة فالمشهور أنه لا يأثم، وقيل: إن عالجه وزال فلا إثم عليه، وإن تركه وتمادى أثم.] الشيخ: وقد روي عن بعض العلماء أنه لازم الصف الأول أربعين سنة فلما كان ذات يوم عاقه عائق عنه فصلى في الصف الأخير فأصابه من ذلك خجل فأعاد كل ما صلى في الصف الأول لما رأى أنه دخله في ذلك الرياء الشيخ: وقد يدخل على الانسان الرياء في بيته وهو وحده مثل أن ينطر في كتبه فيجد فيها مسألة غريبة أو مشكلة فيحفظها ليلقيها على غيره فيمدح بذلك ولذلك قال «تخوفت على أمتي الشرك أما أنهم لا يعبدون

صنماً ولا وثناً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولكنهم يراءون بأعمالهم» انتهى ببعض اختصار وأما الحسد فقال الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسداً فحد الحسد كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه الحالة الثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكنك تشتهي لنفسك مثلها وهذه الحالة تسمى غبطة وقد تسمى حدا كما يسمى الحسد غبطة ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني وقد قال صلى الله عليه وسلم «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» فالحسد حرام إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر فهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وأذية الخلق فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فسادها لم يغمك تنعمه ويدل على تحريم الحسد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقال صلى الله عليه وسلم في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا» وقال زكريا صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الله تعالى [حم] الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.
وقال صلى الله عليه وسلم.
«أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا ويقتتلوا» قال بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد حسد إبليس آدم أن يسجد له فحمله الحسد على المعصية وأما الغبطة والمنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة وإما

مندوب إليها أو مباحة ثم قال وأما بيان الدواء الذي ينفى به مرض الحسد عن القلب فاعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقاً أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر به على المحسود في الدنيا والدين ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته واستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان وناهيك بها جناية على الدين ثم قال: وأما كونه ضرراً عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك وتتعذب به ولا تزال في كمد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تصرف عنهم فتبقى مغموماً محزوناً كما تشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزتها في الحال نقد لنفسك، ولا تزال النعمة على المحسود يحسدك وأما كونه لا ضرر فيه على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدر الله من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله تعالى ولا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب ولذلك شكا نبي من الأنبياء عليهم السلام امرأة ظالمة مستولية على الخلق فأوحى الله تعالى إليه فر من قدامها حتى تنقضي أيامها أي ما قدرناه في الأزل فلا سبيل إلى تغييره فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام اقبالها فيها ومهما لم تزل النعمة بالجسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا كان عليه إثم في الآخرة اهـ، ولبعضهم في الحسد ألا قل لمن ظل لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب فجزاك عني بأن زادني وسد عليك وجوه الطلب [/شع [ وقال آخر عداتي لهم فضل علي ومنة فلا أذهب عني الرحمن الأعاديا [/شع [ هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا [/شع [ وقال آخر لا مات أعداؤك بل خلدوا حتى يروا منك الذي يكمد [/شع [ لا زلت محسوداً على نعمة فإنما الكامل من يحسد [/شع [

وأما العجب فقال في الإحياء أيضا: اعلم أن العجب إنما يكون بوصف هو كمال لا محالة وللعالم في كمال نفسه في علم وعمل ومال وغيره حالتان إحداهما أن يكون خائفاً على زواله مشفقاً على تكدره أو سلبه من أصله فهذا ليس بعجب والأخرى أن لا يكون خائفاً من زواله ولكن يكون فرحا به من حيث أنه نعمة من الله تعالى عليه من حيث إضافته إلى نفسه وهذا أيضا ليس بعجب وله حالة ثالثة وهي العجب وهي أن يكون غير خائف عليه بل يكون فرحاً به مطمئناً إليه ويكون فرحه من حيث إنه كمال ونعمة ورفعة وخير لا من حيث إنه عطية من الله تعالى ونعمة منه فيكون فرحه من حيث إنه صفته ومنسوب إليه بأنه له لا من حيث أنه منسوب إلى الله تعالى بأنه منه فمتى غلب على قلبه أنه نعمة من الله تعالى مهما شاء سلبه زال العجب بذلك عن نفسه فإذا العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم وهو مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال تعالى وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم، وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات وثلاث منجيات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال لأبي ثعلبة إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنين العجب والقنوط، وقال مطرف لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أبيت قائماً وأصبح معجباً، وقال صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لخشيت عليكم أكبر من ذلك العجب فجعل العجب أكبر من الذنوب وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئاً فقالت إذا ظن أنه محسن

وآفات العجب كثيرة لأنه يدعو إلى الكبر إذ العجب أحد أسبابه فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى، هذا مع العباد وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها بنسيانها وما يتذكره منها يستصغره فلا يجتهد في تداركها وتلافيها بل يظن أنها تغفر له، وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله تعالى عليه بالتوفيق إليها والتمكن منها ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها ومن لا يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعاً فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع وإنما يتفقد من يغلب عليه الخوف دون العجب والمعجب يغتر بنفسه وربه تعالى، ويأمن مكر الله تعالى وعذابه ويظن أنه عند الله تعالى بمكان وأن له عنده حقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه وعطية من عطاياه، وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه المعرفة المضادة للجهل فقط إذ لامعنى لعجب العبد بعبادته وعجب لعالم بعلمه وعجب الجميل بجماله وعجب الغني بغناه لأن ذلك كله من الله تعالى والعبد إنما هو محل لفيضان فضل الله تعالى وجوده والمحل أيضا من وجوده وفضله اهـ باختصار والفرق بينه وبين الكبر الذي هو خلق في النفس هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه أن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به والعجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده لتصور أن يكون معجباً ولا يتصور أن يكون متكبراً إلا أن يكون معه غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال فعند ذلك يكون يكون التكبر ومن أراد استقصاء حقائق أمراض القلب وأسبابها وعلاجها لتطهير القلب منها وما ورد في ذمها فعليه بالربع الثالث من كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وهو ربع المهلكات فإنه يجد من ذلك ما يشفي العليل ويبرد الغليل وَاعْلَمْ بأَنَّ أَصْلَ ذِي الآفاتِ حُبُّ الرِّياسَةِ وَطَرْحُ الآتِي رَاسُ الخَطَايا هُوَ حُبُّ الْعاجِلَهْ لَيْسَ الدُّوَا إِلاّ في الاِضْطِرَارِ لَهْ أخبر أن أصل هذه الآفات أي آفات القلوب وهي أمراضها التي يطلب من الأنسان تطهير قلبه منها مثل الكبر والحسد وغيرهما كما تقدم إنما هو حب الرياسة في الدنيا الذي قيل فيه إنه آخر ما ينزع من قلوب الصديقين ونسيان الآخرة وعنه عبر بطرح الآتي كما استدل على ذلك بقوله «حب الدنيا رأس كل خطيئة» وعن الدنيا عبر بالعاجلة قال الله تعالى ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا﴾ الآية ولماذكر أن

أصل الآفات هو الدنيا بدليل الحديث المتقدم أرشدك إلى أن دواء تلك الآفات والمختص منها هو في اللجوء والاضطرار إليه سبحانه وتعالى في التغلب على النفس ومخالفة هواها وسوقها إلى الطاعة وهي تنفر وتميل إلى المعصية لأن ذلك طبعها قال الله تعالى ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ وقال تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ وقد سمى جهاد النفس الجهاد الأكبر لأن مشقة جهاد النفس دائمة ومشقة جهاد العدو في وقت دون وقت لأن جهاد النفس متصل بالإنسان وجهاد العدو منفصل عنه ولأن جهاد النفس لا يحصل إلا بامتثال جميع المفروضات بخلاف جهاد العدو وأجمع العلماء والحكماء أن لا طريق لسعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى وترك الشهوات وقال «المؤمن من بين خمس شدائد مؤمن يحسده وكافر يقاتله ومنافق يبغضه وشيطان يضله ونفس تنازعه» وذكر أن راهباً نصرانياً كان يتعبد في صومعته فلا يأتيه ذو عاهة إلا يبرأ بمر يده عليه فسمع به رجل صالح فتعجب من ذلك فأتاه وسأله بماذا بلغت هذه المنزلة فقال بمخالفة هوى النفس فقال له ذلك الرجل أعرضت لا إله إلا الله عليها قط فقال لا ولا أعرفها فقال دعني إلى غد فإني أعرضها عليها هذه الليلة فذهب الرجل الصالح فلما أتاه من الغد قال له النصراني أمدد يمينك وأنا أقول لك لا إله إلا الله ثم قال له عرضتها على نفسي البارحة فنفرت منها غاية النفور فقلت إن فيها رضاء الله تعالى وليكن من دعائك اللهم ملكنا نفوسنا ولا تسلطها علينا صح من الجزولي وقد ورد في ذم الدنيا والجاه أحاديث فعليك بالاحياء إن أردت الوقوف على ذلك يَصْحَبُ شَيْخاً عَارِفَ المَسالِكْ يَقِيهِ فِي طَرِيقِهِ الْمَهالِكْ يُذَكِّرُهُ الله إِذَا رَآهُ وَيُوصِلُ الْعَبْدَ إِلى مَولاهُ يُحاسِبُ النَّفْسَ عَلى الأَنْفاسِ وَيَزِنُ الْخَاطِرَ بالْقِسْطاسِ وَيَحْفَظُ الْمَفْرُوضَ رَاسِ المَالِ والنَّفْلَ رِبْحَهُ يُوَالِي وَيُكْثِرُ الذِّكْرَ بِصَفْوِ لُبِّهِ وَالْعَونُ فِي جَمِيع ذَا بِرْبِّهِ يُجَاهِدُ النَّفْسَ لرَبِّ الْعَالَمِينْ وَيَتَحلَّى بِمَقَامَاتِ اليَقِينْ

فصول الكتاب · 7 فصل · 620 صفحة
جارٍ التحميل