كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ميارة
- الكتاب
- الدر الثمين والمورد المعين (شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)
- المؤلف
- محمد بن أحمد ميارة المالكي
- المحقق
- عبد الله المنشاوي
- الناشر
- دار الحديث القاهرةسنة النشر: 1429هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يطلق أيضا على أحد أنواع الفدية وأحد أنواع الجزاء (التنبيه الثاني) كما يحرم التعرض للحيوان البري في الحرم فكذاك يحرم فيه قطع ما ينبت بنفسه من الأشجار وغيرها إلا الأذخر والسنا للحاجة إليهما اهـ ابن الحاجب ويكره اختلاؤه للبهائم لمكان دوابه لا رعيه، التوضيح والاختلاء القطع وأما ما يستنبت فيجوز قطعه ابن يونس ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئا يبس أو لم ييبس من حرم مكة أو المدينة فإن فعل فيستغفر الله ولا جزاء فيها ولا يقطع ما أنبتته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرمان والفاكهة كلها والبقل كله والكرات والخس والسلق وشبهه والقثاء/ اللخمي والاصطياد في حرم المدينة حرام فإن صاد ففي المدونة لا جزاء فيه أو الأقيس أن فيه الجزاء ولا يؤكل ابن الحاجب والمدينة ملحقة بمكة في تحريم الصيد والشجر ولا جزاء على المشهور التوضيح ودليلنا ما في الصحيح أن رسول الله قال إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها بين الحرار الأربع ابن حبيب وغيره وإنما ذلك في الصيد وأما في قطع الشجر فبريد وعبارة الباجي على بريد من كل شق حولها واللابتان الحرتان إحداهما حيث ينزل الحج والأخرى تقابلها شرقي المدينة قال ابن نافع وحرتان أخريان أيضا من ناحية القبلة والجوف ابن الحاجب قال مالك وبلغني أن عمر رضي الله تعالى عنه حدد معالم الحرم أي مكة بعد الكشف وحد الحرم مما يلي المدينة أربعة أميال إلى منتهى التنعيم ومن العراق ثمانية المقطع ومن عرفة تسعة ومما يلي اليمن سبعة إلى إضاة ومن جدة عشرة إلى منتهى الحديبية ويعرف الحرم بأن سيل الحل إذا جرى نحوه وقف دونه (التنبيه الثالث) اعلم أن دماء الحج الثلاثة والهدي والمتطوع به والمنذور باعتبار جواز أكل معطيها منها إن ذبحها أو نحرها أما بعد بلوغ محلها أي منحرها أي الموضع الذي يحل فيه نحرها إن سلمت إلى أن بلغته وهو منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة وأما قبل بلوغ محلها إذا عطبت وهلكت فذبحها أو نحرها قبله ومنعة من ذلك على أربعة أقسام نذكرها قريبا ثم الهدي المنذور قسمان مضمون في الذمة ومعين وكل منهما أما أن يسميه للمساكين بلفظه أو بقصده لهم بنيته فقط ولا يسميه لهم بلفظه ولا يقصده لهم بنيته فالهدي المنذور إذا على أربعة أوجه ودماء الحج ثلاثة وهدي التطوع المجموع ثمانية وترجع باعتبار جواز أكل مخرجها منها ومنعه إلى أربعة أقسام القسم الأول يجوز أكله منه قبل بلوغ المحل وبعده وهو كل هدي وجب لنقص في
حج أو عمرة والهدي والمنذور المضمون إذا يسمه للمساكين ولا نواه لهم فهذا يأكل منه قبل المحل لأنه مضمون يجب عليه بدله ويأكل منه بعد المحل لأن أكله غير معين فهو على سنة الهدايا وقد قال تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ القسم الثاني لا يأكل منه لا قبل المحل ولا بعده عكس الأول وهو نذر المساكين المعين إذا سماه للمساكين بلفظه أو نواه لهم كقوله لله علي أن أهدي هذه البدنة أو هذه البقرة أو هذه الشاة للمساكين فهذا لا يأكل منه قبل المحل لأنه غير مضمون ولا بعد المحل لأنه قد عين آكله وهم المساكين القسم الثالث يأكل منه قبل بلوغ المحل إذا عطب ولا يأكل منه بعد بلوغ المحل وهو ثلاثة أشياء جزاء الصيد وفدية الأذى إذا جعلها هديا ونذر المساكين المضمون إذا جعله لهم بلفظ أو نية وإنما أكل من هذه الثلاثة قبل إذا عطبت لأنه يجب عليه بدلها لكونها مضمونة في الذمة ولم يأكل منها بعد لأن آكلها معين وهم المساكين فنذر المساكين ظاهر وأما فدية الأذى وجزاء الصيد فلأن ذلك من مقابلة الطعام وهو للمساكين فكذلك بدله القسم الرابع ما يأكل منه بعد المحل لا قبله وهو هدي التطوع والهدي المنذور المعين إذا لم يكن سماه للمساكين بلفظ أو نية وإنما لم يأكل من هذا القسم قبل المحل لأنه غير مضمون وجاز أكله منه بعد المحل لأن آكله غير معين وقد نظم هذه الأقسام على الترتيب الشيخ ابن غازي آخر نظائر الرسالة فقال كل هدي نقص والذي ضمنتا إن لم تكن سميت أو قصدت ودع معينا إذا فعلتا قبل كل جزاء صيد نلتا وهدي فدية الأذى إن شئتا وما ضمنت قصدا أو صرحتا وبعد كل طوع وما عينتا إن لم تكن سميت أو أضمرتا فإن أكل معطي الهدي من هدي لا يجوز له الأكل منه وجب عليه بدله هديا كاملا إلا نذر المساكين المعين ففيه قولان مشهوران أحدهما أنه كغيره والثاني أنه يجب عليه قدر ما أكل فقط والله أعلم وَسُنَّةُ الْعُمْرَةِ فاَفْعَلَها كَما حَجَّ وَفي التَّنْعِيمِ نَدْباً أَحْرمَا وَإثْر سَعْيكَ احْلِقَنْ وقَصِّرَا تَحِلَّ مِنْهاَ وَالطَّوَاَف كَثِّرا
ماَ دُمْتَ في مَكَّةَ وارْع الحُرْمَهْ لِجَانِبِ الْبَيْتِ وَزِدْ في الخِدْمَةْ وَلازِم الصَّفاَ فَإنْ عَزمْتَ عَلَى الخُرُوجِ طُفْ كَمَا عَلمْتَ أخبر رحمه الله أن العمرة سنة أي مؤكدة مرة في العمر وهو كذلك على المشهور وأن الاحرام بها يستحب أن يكون من التنعيم أي لأنه أمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن يخرج بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها اليه وتقدم عند تعرض الناظم لبيان مواقيت الحج المكانية بيان ميقاتي العمرة الزماني والمكاني وإن صفة الإحرام بها في استحباب الغسل والتنظيف وفيما يلبسه وما يحرم عليه من اللباس والطيب والصيد وغير ذلك وفي التلبية والطواف والرمل والركوع بعده والسعي بعده كالحج سواء بسواء ولذا قال (فافعلها كما حج) فما زائدة على حد فبما رحمة الله فإذا فرغ من السعي وحلق وقصر فقد حل منها وإلى ذلك أشار بقوله (وإثر سعيك احلقن أو قصرا تحل منها) ف «أو» في قوله أو قصرا للتخييروقدم الحلق لأنه أفضل ثم أفاد بقوله (والطواف كثرا) الخ أنه يستحب للآفاقي أن يكثر الطواف بالبيت ما دام بمكة لتعذر هذه العبادة العظيمة عليه بعد خروجه منها وأن يراعي حرمة مكة المشرفة لجانب البيت المعظم الكائن بها بتجنبه الرفث والفسوق والعصيان وبكثرة فعل الطاعات والخدمة لله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وملازمته الصلاة في الجماعة وغير ذلك من أفعال البر وإن كان ذلك مطلوبا في كل مكان وزمان ففي هذا المكان آكد لما تقرر أن المعصية تغلظ بالزمان والمكان باعتبار الإثم والأدب عليها وأن الطاعة تعظم ذلك أيضاً فيكثر ثوابها وأنه إن عزم على الخروج من مكة يستحب له أن يطوف طواف الوداع على الصفة التي علمتها مما تقدم من الابتداء بتقبيل الحجر وجعل البيت على اليسار إلى آخر ما ذكر من صفة الطواف واعلم أن الأفعال المطلوبة في العمرة ثلاثة أقسام أركان لا تجبر وواجبات تجبر وسنن لا شيء في تركها فأركانها ثلاثة الاحرام والطواف والسعي وأما الحلاق فليس بركن بل يجبر بالدم إذا تركه حتى رجع لبلده أو طال كما تقدم في موجبات الدم وواجباتها المنجبرة بالدم فهي كالحج فيما يتأتى فعله فيها من ذلك وذلك أربعة عشر على المشهور وأما السن والمستحبات فكالحج أيضا فيما يتأتى فعله فيها من ذلك وذلك نحو السنن قاله الحطاب في مناسكه وتفسد بالجماع وما في معناه إذا وقع قبل انقضاء أركانها ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور وأجاز ذلك مطرف وابن الماجشون وعلى المشهور فأول السنة المحرم فيجوز لمن اعتمر في آخر الحجة
أن يعتمر في المحرم قاله مالك ثم استثقله وقد تقدم قبل قوله ومنع الاحرام صيد البر ما يستحب لمن كمل حجه وفرغ منه ورجع الى مكة من كثرة التطوع بالطواف وشرب ماء زمزم إلى آخر ما ذكر هنالك وقد سئل مالك رضي الله عنه أيهما أحب إليك المجاورة أو القفول فقال السنة الحج ثم القفول وكان عمر رضي الله عنه إذا فرغ من حجه يقول يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل العراق عراقكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل مصر مصركم وهذا والله أعلم لأن الغالب العجز عن آداب المجاورة إذ الجناب العظيم لا سيما معه عليه الصلاة والسلام ولا يخلو الانسان من الهفوات والكسل غالبا وقد حكي عن بعض كبار الصوفية أنه جاور بمكة أربعين سنة ولم يبل في الحرم ولم يضطجع فمثل هذا تستحب له المجاورة وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحاج حكى الشيخ الجليل أبو عبد الله الفاسي رحمه الله تعالى أنه احتاج الى حاجة الانسان وهو بالمدينة المشرفة فخرج الى موضع من تلك المواضع وعزم أن يقضي فيه حاجته فسمع هاتفا ينهاه عن ذلك فقال الحجاج يعملون هذا فأجابه الهاتف بأن قال وأين الحجاج ثلاث مرات وقد لوح الناظم لهذا المعنى بقوله وارع الحرمة لجانب البيت وزد في الخدمة وسُرْ لِقَبْرِ الْمُصْطَفَى بأَدَبٍ ونيَّةٍ تُجَبْ لِكُلِّ مَطْلَبِ سَلِّمْ عليْهِ سِرْ إِلَى الصِّدِّيق ثُمَّ الَى عُمَرَ تَفُوزُ بِالتَّوفِيقِ وَاعلَمْ بِأَنَّ ذَا المَقَامِ يُستَجابْ فِيْهِ الدّعا فَلا تَمَلَّ مِنْ طِلاَبْ وَسَلْ شَفَاعَةً وَخَتْماً حَسَناَ وَعَجِّلِ الأَوْبَةَ إذْ نِلْتَ المُناَ وادْخُلْ ضُحىً وَاصْحَبْ هَدِيَّة السُّرُورْ الَى الأَقاَرِبِ وَمَنْ بِكَ يَدُورْ إذا خرج الحاج من مكة يستحب له الخروج من كدا ولتكن نيته وعزيمته وكليته زيارته وزيارة مسجده وما يتعلق بذلك لا يشترك معه غيره لأنه صلى الله عليه وسلم متبوع لا تابع فهو رأس الأمر المطلوب والمقصود الأعظم فإن زيارته سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها وليكثر الزائر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه ويكبر على كل شرف ويقول ما تقدم ويستحب أن ينزل خارج المسجد فيتطهر ويركع ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويجد التوبة ثم ليمش على رجليه فإذا وصل المسجد فليبدأ بالركوع إن كان وقت يجوز فيه الركوع وإلا فليبدأ بالقبر الشريف ويكون ركوعه في محراب النبي إن قدر أو في الروضة أو في غيره من المواضع ثم يتقدم إلى القبر الشريف ولا يلتصق به ويستقبله وهو متصف بكثر الذل والمسكنة والانكسار والفقر والفاقة والاضطرار ويشعر نفسه أنه واقف بين يديه صلى الله عليه وسلم إذ لا فرق بين موته وحياته فيبدأ بالسلام عليه قال مالك فيقول السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته ثم يقول صلى الله عليك وعلى أزواجك وذرياتك وعلى أهلك أجمعين كما صلى على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك عليك وعلى أزواجك وذرياتك وأهلك كما بارك على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين إنك حميد مجيد فقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة وعبدت ربك وجاهدت في سبيله ونصحت لعباده صابرا محتسبا حتى أتاك اليقين صلى الله عليك أفضل الصلاة وأتمها وأطيبها وأزكاها» ثم ينتحي على اليمين نحو ذراع ويقول «السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته صفي رسول الله وثانيه في الغار جزاك الله عن أمة رسول الله خيرا» ثم ينتحى الى اليمين قدر ذراع فيقول «السلام عليك يا أبا حفص الفاروق ورحمة الله وبركاته جزاك الله عن آله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خيرا» وكره مالك لأهل المدينة الوقوف بالقبر كلما دخل أحدهم المسجد وخرج وإنما قال للغرباء لأنهم قصدوا ذلك قال مالك ولا بأس لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج الى سفر أن يقف بالقبر فيصلي على النبي ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وليحذر الزائر مما يفعله بعض الجهلة من الطواف بالقبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى السلام والتمسح بالبناء وإلقاء المناديل والثياب عليه ومن تقرب العامة بأكل التمر في الروضة وإلقاء شعورهم في القناديل وهذا كله من المنكرات ويستحب أن يزورالبقيع والقبور المشهورة فيه ومسجد قباء ويتوضأ من بئر أريس ويشرب منها وهذا في حق من كثرت إقامته وإلا فالمقام عنده صلى الله عليه وسلم أحسن ليغتنم مشاهدته صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن أبي جمرة لما دخلت مسجد المدينة ما جلست إلا الجلوس في الصلاة وما زلت واقفا هناك حتى رحل الركب ولم أخرج إلى البقيع ولا غيره ولم أر غيره صلى الله عليه وسلم وقد كان حضر لي أن أخرج الى البقيع فقلت إلى أين أذهب هذا بيت الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين والمضطرين والفقراء والمساكين وليس ثم من يقصد مثله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم اهـ اللهم إنا نتوسل اليك بقدره عندك وجاهه لديك أن تغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وغي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر اللهم لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأشياخنا وأزواجنا وذرياتنا وبلغ بجودك وكرمك مقصودنا فيهم من العلم والعمل لجميع الأخلاء والأحباب ومن له علينا حق من الإخوان والأصحاب وجميع المسلمين وأمتنا وإياهم على قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله تائبين بلا محنة واقبل على الجميع بفضلك واحسانك يا ذا الفضل العظيم والاحسان والجود والامتنان إنك جواد كريم متفضل إن لم نكن لرحمتك أهلا أن ننالها فرحمتك أهل أن تنالنا وفقنا للدعاء كي تستجيب لنا وأنت أكرم من وفى بما وعد وقول الناظم تجب بضم التاء مبنيا للمجهول وتمل بفتح التاء والميم مضارع ملل بالكسر مللا وطلاب مصدر طلب وحسنا منصوب على إسقاط الخافض أي وسل الختم
بالحسنى وهو الموت على قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والأوبة الرجوع والمنى المطلوب والمراد هنا هو الحج والزيارة واالأصل في استحباب تعجيل الأوبة قوله صلى الله عليه وسلم «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله» وفي الحديث أيضا النهي عن أن يطرق الإنسان أهله ليلا كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة والأولى أن يكون أول النهار ضحى واذن قال: وادخل ضحى وأما استحباب استصحاب هدية يدخل بها السرور على أقاربه ومن يدور به من الحشم ونحوه فظاهر وذلك سنة ماضية لكن ذلك مقيد بما إذا لم يلحقه في ذلك كلفه وبهذه المسألة ختم أيضا الشيح خليل رضي الله عنه مناسكه وقد رأيت أن أختم هذا الكتاب أعني كتاب الحج بكلام عجيب لا يصدر إلا ممن نور الله قلبه وفتح بصيرته ذكر الشيخ خليل في الفصل الرابع من الباب الأول من مناسكه فيما اشتملت عليه صفة الحج من الأقوال والأفعال قال رضي الله عنه ونفعنا به اعلم نور الله قلبي وقلبك وضاعف في النبي المصطفى حبي وحبك أن الحج محتو على أحكام عديدة وقل من تعرض لها من المصنفين فأولها أن الله تعالى شرف عباده بأن استدعاهم لمحل كرامته والوصول الى بيته ولما كان الله تعالى منزلها عن الحلول في محل إقامة البيت الحرام مقام بيت الملك فإن الملك إذا شرف أحدهم دعاه لحضرته ومكنه من تقبيل يده وأمره باللياذ به وجدير به حينئذ أن يقضي حوائجه وكذلك الله تعالى استدعى عبيده لبيته الحرام وأمرهم باللياذ به وأقام الحجر الأسود مقام يد الملك فأمرهم بتقبيله وأمرهم بطلب حوائجهم إذا كان اللائق بملوك الدنيا قضاء الحوائج في هذه الحالة فكيف بملك الملوك المعطى بغير سؤال وشرع الغسل عند الاحرام لأن من استدعاه الملك ينبغي أن يكون على أكمل الحالات ويطهر قلبه ولسانه لأن الظاهر تبع للباطن فإذا أمر بتطهير الظاهر فالباطن أولى وشرع خلع الثياب إشعارا بحالة الموت ليتخلى عن الدنيا ويقبل على باب ربه وعبادته لأن نزع ثيابه كنزع ثياب الميت على المغسل ولبس ثياب الاحرام كلبس الأكفان وتشبيها بنبيه سيدنا موسى عليه السلام لما
قدم على المناجاة قيل له (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى) والحاج قادم على الأرض المباركة المقدسة ثم قصد بمخالفته حالته المعتادة ليتنبه لعظيم ما هو فيه فلا يوقع خللا ينافيه ثم أمره بالاحرام لأنه لما دعي وأتى مجيبا قيل له قدم النية وأظهر ما أتيت إليه فقال لبيك إجابة بعد إجابة وأمره أن لا يفعل ذلك إلا بعد الصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر فكأنه قيل له انته عن الرعونات البشرية وتهيأ على الاقدام لله تعالى وقد أمر الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام قبل مناجاته بصيام أربعين يوما لكن لما علم منك أيها العبد من الضعف ما علم لم يأمرك بذلك واكتفى منك بالصلاة مع حضور القلب وترك ما نهاك عنه ثم جعل ميقاتين زمانيا ومكانيا إشارة الى تعظيم هذه العبادة وأن العبد يحصل له بها الشرف فإنه إذا أعطي الزمان والمكان شرفا وحرمة بسبب القرب وهما مما لا يعقل كان العبد أولى وأمر عبيده بترك الرفاهية وإلقاء التفث إشارة إلى حظوظ النفس وأن العبد إذا قدم على مولاه لا يأتيه إلا خاضعا ذليلا ولا يشتغل بغير الله ونهى العبد عن الصيد إشارة إلى أن من دخل الحرم فهو آمن ولطمع العبد حينئذ في تأمين مولاه وشرع الغسل لدخول مكة إشارة إلى تطهير قلبه مما عساه اكتسبه من حال إحرامه الى وقت الدخول في محل الملك وأنه لا ينبغي أن يدخل إلا بعد تصفيته من جميع الأكدار وشرع طواف القدوم إشارة إلى تعجيل إكرامه لأن الضيف ينبغي أن يقدم إليه ما حضر ثم يهيأ له ما يليق به وكان سبعة أشواط لأن أبواب جهنم سبعة فكل شوط يغلق عنه بابا ثم يركع بعد الطواف زيادة في القرب والتداني لأن أقرب ما يكون العبد من مولاه وهو ساجد وأمره بعد ذلك بالسعي والبداية بالصفا إشارة إلى أن العبد إذا أطاع مولاه أوصلته طاعته إلى محل الصفا وصفاء القلوب ثم أمره بالنزول والمسير إلى المروة إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتردد في طاعة ربه بين صفاء القلوب بخلوه مما سوى ربه وبين المروة بالسمت الحسن وترك المجانة وأمره أن يفعل ذلك سبعا إما للمبالغة في الإبعاد عن جهنم وإما لما في السبع من الحكم التي لا يحيط بكنهها إلا رب الأرباب جعل الأيام والأقاليم سبعا والأفلاك سبعا وتطور الإنسان سبعا وطباق العين سبعا وأمره أن يسجد على سبع وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا وجعل رزق الانسان سبعا وأبواب جهنم سبعا إلى غير ذلك ثم أمره بالخروج إلى منى إشارة إلى بلوغ المنى ثم بالسير الى عرفات لأنه محل المعرفة والمناجاة تشبيها بنبيه سيدنا موسى عليه السلام وتنبيها على شرف هذه الأمة بأن شرع لها ما شرع لأنبيائه مثله وخصها بأشياء وأمره بالدعاء لأنه ينور القلب
ويوجب انكساره وتذلله وأباح الجمع والقصر رفقا بهم واشعارا بارادته طول المناجاة معهم وسماع أصواتهم ثم أمرهم بطلب حوائجهم ولهذا استحب لهم الوقوف ليكون أبلغ في التضرع ثم ان وقوفهم في هذا اليوم تنبيه بوقوفهم في المحشر ألا ترى أن بركة بعضهم على بعض هناكبركة الأنبياء والرسل على المؤمنين يوم المحشر قد روي أن من صلى خلف مغفور غفر له فمن لطفه بك شرع الجماعة وحض على الإتيان إليها لعل أن تصادف المغفور له فيغفر لك وشرع الجمعة احتياطا ليحضر أهل البلد كلهم لاحتمال أن يكون في تلك الجماعة مغفور له وشرع العيدين لهذا لأنه يجتمع في العيدين أكثر من الجمعة ثم احتاط فشرع الموقف الأعظم ثم أمرهم بالنفر إلى منى إشارة إلى نيل المنى وإشعارا بقضاء حوائجهم ثم أباح لهم الجمع بين المغرب والعشاء رفقا بهم وأمرهم بالوقوف بالمشعر الحرام مبالغة في إكرامهم كما أن الملك إذا بالغ في إكرام شخص أدخله بستانه ومقاصيره وأمرهم بالمسير إلى جمرة العقبة ورميها بسبع حصيات إشعارا بالابعاد عن النار إذ الجمار مأخوذة من الجمر وطرد الشيطان إذ سبب ذلك ما قيل أن الشيطان تعرض لاسمعيل عليه السلام لما ذهب مع أبيه للذبح وقال له إن أباك يريد أن يذبحك فاهرب منه فأمره ابراهيم عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات فكأنه جل وعلا يقول يا عبادي قد شرفتكم بدخول حرمي وأهلتكم لمناجاتي وأدخلتكم في زمرة أوليائي فابتروا الجمرة بالحصى وأبعدو عن محل من عصى وتلك الجمار فكاك رقابكم من النار قال تعالى في صفة النار وقودها الناس والحجارة وأنتم قد بعدتم عن النار فاجعلوا مكانكم الجمرة ثم انقلبوا إلى منى وانحروا وكلوا واشربوا فقد بلغتكم المنى واستحققتم القرى وشرع لهم الهدايا إشعارا باكرام قراهم فإنه كذلك يفعل بالكبير وكانت السنة الفطر على زيادة الكبد تشبيها بأهل الجنة فإنهم أول ما يفطرون على زيادة كبد الحوت الذي عليه الأرض ثم نهاهم عن الصوم ثلاثة أيام لأن الضيافة كذلك ثم شرع ذلك لأهل الأقاليم كلهم فمنعهم من صيام أيام التشريق زيادة في الاكرام للحجاج لكونه أدخل سائر الناس في ضيافتهم ولم يطلب الشرع فطر ثلاثة أيام متواليات إلا هنا ولهذا قال بعضهم أنه لا ينبغي أن يمكث الإنسان أربعة أيام متوالية من غير صوم ثم أمرهم بحلق رؤوسهم ليزول ما في الشعر من الدرن والعفن وفيه إشارة إلى نبذ المال لأن الشعر يقي الدماغ من البرد كما أن المال يقي الانسان من الفقر ولذلك قال المعبرون من رأى أن شعر رأسه قد ذهب فهو ذهاب ماله ثم أمرهم بلبس المخيط وأحل لهم ما منعوا منه من النساء والطيب بعد
الإفاضة إشارة إلى آخر التعب في الدنيا والنصب بالعبادة أن يدخلوا الجنة مستحلين ما حرم عليهم من الشهوات متلذين بالطيب والزوجات ثم أمرهم بالرجوع إلى منى ليرموا الجمرات ويكبروا في سائر الأوقات مبالغة في الابعاد من النار وتعظيم الملك الجبار وفي ذلك إشارة إلى التخلي عن الدنيا لأن وقوفهم عند الجمرات تشبيه بوقوفهم عند الموقف الذي في المحشر والسؤال عن كل موقف ولتعلم يا أخي أن تكثير أسباب المغفرة دليل على أن الله رحيم بهذه الأمة فإنه إذا أخطأ العبد سببا من أسباب المغفرة لا يخطئه سبب آخر فنسأل الله العظيم أن يصلح قلوبنا ويحقق رجاءنا وأملنا وأن يقدمنا عليه وهو راض عنا ويطهر قلوبنا من رعونات البشرية فإنه قادر على ذلك اهـ