بَابُ مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البيهقي، أبو بكر
- الكتاب
- الأسماء والصفات للبيهقي
- المؤلف
- أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الله بن محمد الحاشديقدم له: فضيلة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
- الناشر
- مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
564 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْشٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيَّ , يَقُولُ: اخْتَصَمَ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيُّ إِلَى بَعْضِ قُضَاتِهِمْ بِالْبَصْرَةِ , فَصَارَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْلِمِ , فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: حَلِّفْهُ , فَقَالَ الْمُخَاصَمُ إِلَيْهِ أَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ , فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ , وَاللَّهُ فِي الْقُرْآنِ , يَعْنِي ذِكْرَهُ , حَلِّفْهُ بِالْخَالِقِ لَا بِالْمَخْلُوقِ , قَالَ: فَتَحَيَّرَ الْقَاضِي , وَقَالَ: قُومَا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا
565 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو , ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ حَلِفَ بِاللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَحَنَثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ , فَإِنْ قَالَ: وَحَقِ اللَّهِ وَعَظَمةِ اللَّهِ وَجَلَالِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ , يُرِيدُ بِهَذَا كُلِّهِ الْيَمِينَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ , فَهِيَ يَمِينٌ وَفِيمَا حَكَى الشَّافِعِيُّ , عَنْ مَالِكٍ: لَوْ قَالَ وَعِزَّةِ اللَّهِ , أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ , أَوْ وَكِبْرِيَاءِ اللَّهِ , إِنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَفَّارَةً مِثْلَ مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهِ , قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: وَالْكَعْبَةِ , وَأَبِي , وَكَذَا وَكَذَا , مَا كَانَ , فَحَنَثَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ , عَنِ الرَّبِيعِ , عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِأَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
566 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ , ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَيْمُونِيُّ , ثنا سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ , فِي مَجْلِسِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: كَتَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ إِلَى أَبِيهِ مَنْصُورِ بْنِ
عَمَّارٍ أَخْبِرْنِي: الْقُرْآنُ , خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ , عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ كُلِّ الْفِتْنَةِ , وَجَعَلْنَا وَإِيَّاكَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ , فَإِنَّهُ إِنْ يَفْعَلْ فَأَعْظِمْ بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ , وَإِلَّا فَهِيَ الْهَلَكَةُ وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى , بَعْدَ الْمُرْسَلِينَ حُجَّةٌ , نَحْنُ نَرَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ يُشَارِكُ فِيهَا السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ , تَعَاطَى السَّائِلُ مَا لَيْسَ لَهُ , وَتَكَلَّفَ الْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَمَا أَعْرِفُ خَالِقًا إِلَّا اللَّهُ وَمَا دُونَ اللَّهِ فَمَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَانْتَهِ بِنَفْسِكَ وَبِالْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ مَعَكَ إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا تَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَلَا تُسَمِّ الْقُرْآنَ بِاسْمٍ مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ , جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةَ مُشْفِقُونَ
567 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ , أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ الْأَصْبَهَانِيُّ , ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَطَّانُ , ثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ , قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ بِشْرًا لَقِيَ مَنْصُورَ بْنَ عَمَّارٍ , فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَهُوَ اللَّهُ؟ أَمْ غَيْرُ اللَّهِ؟ , أَمْ دُونَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: هُوَ اللَّهُ , وَلَا يُقَالُ: هُوَ غَيْرُ اللَّهِ , وَلَا هُوَ
دُونَ اللَّهِ , وَلَكِنَّهُ كَلَامُهُ , وَقَوْلُهُ: ﴿ومَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: 37] أَيْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ , فَرَضِينَا حَيْثُ رَضِيَ لِنَفْسِهِ , وَاخْتَرْنَا لَهُ مِنْ حَيْثُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ , فَقُلْنَا: كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ , فَمَنْ سَمَّى الْقُرْآنَ بِالِاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ كَانَ منَ الْمُهْتَدِينَ , وَمَنْ سَمَّاهُ بِاسْمٍ مِنْ عِنْدِهِ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ , فَانْهَ عَنْ هَذَا ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] , فَإِنْ تَأْبَى كُنْتَ مِنَ الَّذِينَ ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75] قَالَ أَحْمَدُ هُوَ الْبَيْهَقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ رُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ , وَحَكَيْنَاهُ أَيْضًا عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ , وَرُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْقَدَرِيِّ , وَلَا يُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ , وَحَكَيْنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَا دَلَّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَا لَمْ تَبْلُغْ بِهِمُ الْعَصَبِيَّةُ مَبْلَغَ الْعَدَاوَةِ , فَحِينَئِذٍ تُرَدُّ بِالْعَدَاوَةِ وَحَكَيْنَا عَنْهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ , أَنَّهُ قَالَ: وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ الْفَاسِقِ وَالْمُظْهِرِ لِلْبِدَعِ , وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ , وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: مِنْهُمْ مَنْ كَفَّرَهُمْ عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ فِي أَهْوَائِهِمْ , وَمَنْ قَالَ بِهَذَا زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَالشَّهَادَاتِ وَرَدَ فِي مُبْتَدَعٍ لَا يَخْرُجُ بِبِدْعَتِهِ وَهَوَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ , وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُكَفِّرْهُمْ وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ أَرَادَ بِهِ كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ , كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] وَمَنْ قَالَ بِهَذَا جَرَى فِي قَبُولِ شَهَادَاتِهِمْ وَجَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , رَحِمَهُ اللَّهُ , فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوِ الْمُظْهِرُ لِلْبِدَعِ وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , لَا يُكَفِّرُ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَئُوا , وَيُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغْ مِنَ
الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ فِي مُذْهَبِهِ أَنْ يُكَفِّرَ الصَّحَابَةَ , وَمِنَ الْقَدَرِيَّةِ أَنْ يُكَفِّرَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا يَرَى أَحْكَامَ قُضَاتِهِمْ جَائِزَةً , وَرَأَى السَّيْفَ وَاسْتَبَاحَ الدَّمَ , فَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ فَلَا شَهَادَةَ لَهُ , وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي أَجَازَ الْفُقَهَاءُ شَهَادَتَهُمْ قَالَ: وَكَانَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ , وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا بَعْضُهُمْ فِي الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ قَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى بَعْضِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِالصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ فَالَّذِي اخْتَارَ لَهُ مَا
568 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى , قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِيَ يَقُولُ: وَأَمْلَاهُ عَلَيَّ إِمْلَاءً فَقَالَ: اكْتُبْ وَأَمَّا مَنْ قَالَ ذَاكَ الْقَوْلَ لَمْ تُصَلِّ خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ وَلَا غَيْرَهَا , إِلَّا أَنَّا لَا نَدَعُ إِتْيَانَهَا , فَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ أَعَادَ الصَّلَاةَ يَعْنِي خَلْفَ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ " قُلْتُ: وَمَنْ فَعَلَ هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِنْ إِتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ سِوَاهَا , ثُمَّ أَعَادَ مَا صَلَّى خَلْفَهُمْ خَرَجَ مِنَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ , وَأَخَذَ بِالْوَثِيقَةِ وَتَخَلَّصَ مِنَ الْوَقِيعَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ
بَابُ: الْفَرْقُ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: 2] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 1] . فَالْقُرْآنُ الَّذِي نَتْلُوهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَتْلُوٌّ بِأَلْسِنَتِنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا، مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا، مَسْمُوعٌ بِأَسْمَاعِنَا غَيْرُ حَالٍّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، إِذْ هُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، وَهُوَ كَمَا أَنَّ الْبَارِيَ عَزَّ وَجَلَّ مَعْلُومٌ بِقُلُوبِنَا، مَذْكُورٌ بِأَلْسِنَتِنَا، مَكْتُوبٌ فِي كُتُبِنَا، مَعْبُودٌ فِي مَسَاجِدِنَا، مَسْمُوعٌ بِأَسْمَاعِنَا، غَيْرُ حَالٍّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَمَّا قِرَاءَتُنَا وَكِتَابَتُنَا وَحِفْظُنَا فَهِيَ مِنِ اكْتِسَابِنَا، وَاكْتِسَابُنَا مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] وَسَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِعْلًا.
569 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَدِيبُ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا إِسْحَاقُ، وَعُثْمَانُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أنا وَقَالَ، عُثْمَانُ: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا عَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ
570 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْهَيْثَمِ الْمُطَّوِعِيُّ بِبُخَارَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَمَّا أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ، فَقَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا أَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ» . وَتَلَا بَعْضُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَركَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُهُمْ وَأَكْسَابُهُمْ وَكِتَابِتُهُمْ مَخْلُوقَةٌ، فَأَمَّا الْقُرْآنُ الْمَتْلُوُّ الْمُبِينُ الْمُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَسْطُورُ الْمَكْتُوبُ، الْمُوعَى فِي الْقُلُوبِ، فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِخَلْقٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَأَمَّا الْأَوْعِيَةُ فَمَنْ يَشُكُّ فِي خَلْقِهَا؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: 3] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21] فَذَكَرَ أَنَّهُ يُحْفَظُ وَيُسْطَرُ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، ثنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: 2] قَالَ: الْمَسْطُورُ الْمَكْتُوبُ ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: 3] ، وَهُوَ الْكِتَابُ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثنا آدَمُ، ثنا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: 2] صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: 3] فِي صُحُفٍ
571 - وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: الْوَرَقُ وَالْمِدَادُ مَخْلُوقٌ، فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
572 - وَفِيمَا أَجَازَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ إِسْحَاقَ الْفَقِيهَ أَخْبَرَهُمْ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، ثنا شَيْبَانُ، ثنا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17] قَالَ: لَوْلَا أَنْ يَسَّرَهُ عَلَى لِسَانِ الْآدَمِيِّينَ مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
573 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسَ، ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: 17] ، قَالَ: هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: 2] يَعْنِي صُحُفًا مَكْتُوبَةً ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: 3] يَعْنِي فِي صُحُفٍ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] يَقُولُ: إِنْسَانٌ يَأْتِي فَيَسْتَمِعُ مَا نَقُولُ وَيَسْمَعُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَسْمَعَ
كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِنْ حَيْثِ جَاءَ
574 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو عَوَانَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ.
قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ؛ وَادٍ قُرْبَ مَكَّةَ عَامِدًا إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.
فَهُنَاكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ قَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْأَنَا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 1] وَإِنَّمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ الْجِنِّ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ
575 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مُسْلِمٍ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] أَسْمِعْ أَصْحَابَكَ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110] أَسْمِعْهُمْ بِالْقُرْآنِ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَالنَّاقِدُ عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَسْمُوعٌ بِأَسْمَاعِنَا
576 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرٍو الصَّفَّارُ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ خُرَّزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: أَوَ لَيْسَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنْ جَعَلَكُمْ أَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَسْمَعُوا كَلَامَهُ.
وَرُوِّينَاهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مَتْلُوٌ بِأَلْسِنَتِنَا، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى
577 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، ثنا جَدِّي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ ـ أَيِ اسْتَمَعَ ـ يَعْنِي لِنَبِيٍّ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
578 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي قَالَا: أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفِ بْنُ سُجْرَةَ بِبَغْدَادَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ يَعْنِي الْعَوْفِيَّ، ثنا رَوْحٌ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلَتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ:
يَا لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلَتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَوْحٍ
579 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ، ثنا أَبُو خَالِدٍ هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، ثنا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مَرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مَرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
580 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَحْمَوَيْهِ الْعَسْكَرِيُّ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ، ثنا آدَمُ، ثنا شُعْبَةُ، ثنا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، يُحَدِّثُ عَنْ
سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ لَهُ حَافَظٌ مَثَلُ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ وَيَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ آدَمَ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا
581 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ، لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحِدَّ مَعَ مَنْ حَدَّ، وَلَا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ جَهْلِ وَفِي جَوْفِهِ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . قُلْتُ: وَمَعْنَى هَذَا: وَفِي جَوْفِهِ حَفِظُ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِي ذَلِكَ ـ إِنْ ثَبَتَ مَعَ الثَّابِتِ قَبْلَهُ ـ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49] وَفِي هَذَا الْمَعْنَى
582 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ» .
583 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَايِينِي، أَنَا أَبُو عَمْرٍو الصَّفَّارُ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ» . يَعْنِي: فِي جِلْدٍ فِي قَلْبِ رَجُلٍ، يُرْجَى لِمَنِ الْقُرْآنُ فِي قَلْبِهِ مَحْفُوظٌ أَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ.
584 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيَّ، يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ» . قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ وَقَرَأَهُ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ
585 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أنا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي السَّائِبُ
بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ شُرَيْحًا الْحَضْرَمِيَّ، ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ لَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ»
586 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ بِمَرْوَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْقَاضِي السَّرَخْسِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: لَا أَقُولُ الْقُرْآنُ خَالِقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مِنْهُ بِبَائِنٍ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لَيْسَتْ بِبَائِنَةٍ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُ مَذْهَبِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِمْ خِلَافَ مَا ذَكَرْنَا فِي تِلَاوَتِنَا وَكِتَابَتِنَا وَحِفْظِنَا، إِلَّا أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ كَمَا فَصَلْنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ تَرَكَ الْكَلَامِ فِيهِ مَعَ إِنْكَارِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَبِصِحَةِ ذَلِكَ
587 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ فُورَانَ يَقُولُ: جَاءَنِي ابْنُ شَدَّادٍ بِرُقْعَةٍ فِيهَا مَسَائِلُ، وَفِيهَا: إِنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَدَفَعْتُهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ: اذْهَبْ بِهَا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ ابْنَ شَدَّادٍ هَا هُنَا، وَهَذِهِ الرُّقْعَةُ قَدْ جَاءَ بِهَا، فَمَا كَرِهْتَ مِنْهَا أَوْ أَنْكَرْتَهُ فَاضْرِبْ عَلَيْهِ.
فَجَاءَنِي بِالرُّقْعَةِ وَقَدْ ضَرَبَ عَلَى مَوْضِعِ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَكَتَبَ: الْقُرْآنُ حَيْثُ يُصْرَفُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
قُلْتُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
588 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ فَوْزَانَ يَقُولُ: جَاءَنِي صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، وَأَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ عِنْدِي فَدَعَانِي إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لِي: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَ أَبِي أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَقُومُوا إِلَيْهِ، فَقُمْتُ وَاتَّبَعَنِي صَالِحٌ
وَأَبُو بَكْرٍ، فَدَارَ صَالِحٌ مِنْ بَابِهِ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَوَافَانَا صَالِحٌ مِنْ بَابِهِ، فَإِذَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ غَضْبَانٌ شَدِيدُ الْغَضَبِ يَتَبَيَّنُ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: اذْهَبْ جِئْنِي بِأَبِي طَالِبٍ.
فَجَاءَ أَبُو طَالِبٍ، وَجَعَلْتُ أُسَكِّنُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَبْلَ مَجِيءِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَقُولُ: لَهُ حُرْمَةٌ.
فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُرْعَدُ مُتَغَيِّرُ الْوَجْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَكَيْتَ عَنِّي أَنِّي قُلْتُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ قَالَ: إِنَّمَا حَكَيْتُ عَنْ نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ: لَا تَحْكِ هَذَا عَنْكَ وَلَا عَنِّي، فَمَا سَمِعْتُ عَالِمًا يَقُولُ هَذَا.
وَقَالَ لَهُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَيْثُ يُصْرَفُ.
فَقُلْتُ لِأَبِي طَالِبٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَسْمَعُ: إِنْ كُنْتَ حَكَيْتَ هَذَا لِأَحَدٍ فَاذْهَبْ حَتَّى تُخْبِرَهُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ نَهَى عَنْ هَذَا.
قَالَ الشَّيْخُ: فَهَاتَانِ الْحِكَايَتَانِ تُصَرِّحَانِ بِأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَرِيءٌ مِمَّا خَالَفَ مَذْهَبَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ قِلَّةَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكَ الْخَوْضِ فِيهِ، مَعَ إِنْكَارِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ، وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ:
589 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي عَمْرٍو الْمُسْتَمْلِي،