الأم للشافعيصفحات 182-221
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .

صفحات 182-221

يَعْفُوَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ.

وَلَوْ كَانَ الْأَبُ وَالِابْنُ مَمْلُوكَيْنِ لِرَجُلٍ وَرَهَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلًا عَلَى حِدَةٍ فَقَتَلَ الِابْنُ الْأَبَ كَانَ لِسَيِّدِ الْأَبِ أَنْ يَقْتُلَ الِابْنَ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَتْلِ بِلَا مَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَرَحَهُ جُرْحًا فِيهِ قَوَدٌ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ بِلَا مَالٍ فَإِنْ اخْتَارَ الْعَفْوَ بِالْمَالِ بِيعَ الِابْنُ وَجُعِلَ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَ مَا لَزِمَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْقَتْلُ خَطَأً وَالْعَبْدَانِ مَرْهُونَانِ لِرَجُلَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِلسَّيِّدِ مِنْ الْعَفْوِ وَيُبَاعُ الْجَانِي فَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا لِمُرْتَهِنِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَعْنَاقِهِمَا حُكْمٌ إلَّا الْمَالُ لَا خِيَارَ فِيهِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَجْنَبِيًّا كَانَ أَوْ سَيِّدًا.

وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَهِيَ هَدَرٌ، وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ جِنَايَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِرَجُلٍ فَنَكَحَهَا الْعَبْدُ فَالْجِنَايَةُ لِمَالِكِ الْجَارِيَةِ يُبَاعُ فِيهَا الرَّهْنُ فَيُعْطَى قِيمَةَ الْجَنِينِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْعَبْدِ الرَّهْنِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ الْجَنِينِ فَيُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجَنِينِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْجَنِينِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ خَطَأً لَيْسَ لِلسَّيِّدِ عَفْوُهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهَا وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْهُ رَهْنًا.

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَنْ حُرٍّ جِنَايَةً عَمْدًا فَاخْتَارَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُ الْعَقْلَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِثَمَنِهِ إبِلًا فَدُفِعَتْ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ أَوْلِيَائِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، وَكَذَلِكَ إذَا جَنَاهَا خَطَأً، وَإِنْ اخْتَارَ أَوْلِيَاؤُهُ الْعَفْوَ عَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُونَهُ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ.

[إقْرَارُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ بِالْجِنَايَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا وَأَقْبَضَهُ الْمُرْتَهِنَ فَادَّعَى عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ هُوَ وَلِيُّهُ جِنَايَةً عَمْدًا فِي مِثْلِهَا قَوَدٌ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَإِقْرَارُ الْعَبْدِ لَازِمٌ لَهُ وَهُوَ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ قَبُولُهُ أَنْ يَرْتَهِنَهُ وَهُوَ جَانٍ عَلَيْهِ إبْطَالًا لِدَعْوَاهُ لِجِنَايَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ بِلَا مَالٍ أَوْ الْعَفْوُ بِمَالٍ فَإِنْ اخْتَارَ الْقَوَدَ فَذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْعَفْوَ بِلَا مَالٍ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمَالَ بِيعَ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ فَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ كَانَ رَهْنًا.
وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهَا بِحَالٍ أَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا وَالْمُرْتَهِنُ كَافِرًا فَأَقَرَّ عَلَيْهِ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا أَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ عَلَى ابْنِ نَفْسِهِ وَكَّلَ مَنْ لَا يُقَادُ مِنْهُ بِحَالٍ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي عُبُودِيَّتِهِ بِمَالٍ فِي عُنُقِهِ، وَإِقْرَارُهُ بِمَالٍ فِي عُنُقِهِ كَإِقْرَارِهِ بِمَالٍ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَمَا بِيعَتْ بِهِ عِتْقُهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمُرْتَهِنِ سَيِّدُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ فَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَلَى سَيِّدِهِ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِمَّا فِيهِ قِصَاصٌ جَازَتْ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنْ اُقْتُصَّ فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَصَّ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا عَلَى ابْنِ الرَّاهِنِ أَوْ مِنْ الرَّاهِنِ وَلِيَّهُ فَأَتَتْ عَلَى نَفْسِهِ فَأَقَرَّ بِهَا الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ وَلِسَيِّدِهِ الرَّاهِنِ قَتْلُهُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فِي عُنُقِهِ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَالْعَفْوُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْعَبْدِ الرَّهْنِ، وَلَا غَيْرِ الرَّهْنِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ مِمَّنْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا فِيمَا فِيهِ الْقَوَدُ.
وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً خَطَأً عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَكَذَّبَهُ مَالِكُ الْعَبْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكِ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِذَا بِيعَ بِالرَّهْنِ

لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِأَنْ يُعْطِيَ ثَمَنَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي إقْرَارِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا ثَبَتَ لَهُ فَمَالُهُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ فَلَمَّا سَقَطَ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ دُونَ الْعَبْدِ سَقَطَ عَنْهُ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ ثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْ يَدَيْهِ وَالْوَرَعُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ ثَمَنِهِ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَدْرَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ جَحَدَهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، وَلَا يَأْخُذُهُ إنْ قَدَرَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ غَيْرَ ثَمَنِ الْعَبْدِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الْعَبْدُ الْجِنَايَةَ وَسَيِّدُهُ وَأَقَرَّ بِهَا الْمُرْتَهِنُ، وَلَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ فِي يَدَيْهِ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً خَطَأً وَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ وَحَلَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُ حَقِّهِ فِي الرَّهْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ أَصْلِ الْحَقِّ وَالْجِنَايَةِ إنْ كَانَ يَعْلَمُهُ صَادِقًا.
وَلَوْ ادَّعَى الْجِنَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ خَطَأً لِابْنٍ لَهُ هُوَ وَلِيُّهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ وَلِيُّ غَيْرِهِ وَالْجِنَايَةُ خَطَأٌ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ السَّيِّدِ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ فِي دَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْعَبْدِ الْجِنَايَةَ خَطَأً، وَإِقْرَارِ الْعَبْدِ وَالْمُرْتَهِنِ بِهَا وَتَكْذِيبِ الْمَالِكِ لَهُ.

[جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّيْنِ]

ِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ فَجِنَايَتُهُ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَمَالِكُهُ الرَّاهِنُ الْخَصْمُ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُ إنْ فَدَيْته بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى أَنْ تَفْدِيَهُ وَبِيعَ الْعَبْدُ فِي جِنَايَتِهِ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الرَّهْنِ كَمَا تَكُونُ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْ مِلْكِك فَالرَّهْنُ أَضْعَفُ مِنْ مِلْكِك؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ شَيْءٌ بِالرَّهْنِ بِمِلْكِك فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ لَا تَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ مَالِكُهُ بِأَنْ يَفْدِيَهُ لَمْ يُجْبَرْ سَيِّدُهُ، وَلَا الْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ إلَّا بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَرْهُونًا، وَلَا يُبَاعُ كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ تُحِيطُ بِقِيمَتِهِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ عَلَى بَيْعِهِ فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى بَيْعِهِ بِيعَ فَأُدِّيَتْ الْجِنَايَةُ وَخُيِّرَ مَالِكُهُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَوْ يَدَعَهُ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا يَكُونُ تَسْلِيمُ الْمُرْتَهِنِ بَيْعَ الْعَبْدِ الْجَانِي كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ عَنْ الْجِنَايَةِ فَسْخًا مِنْهُ لِرَهْنِهِ، وَلَا يَنْفَسِخُ فِيهِ الرَّهْنُ إلَّا بِأَنْ يَبْطُلَ حَقُّهُ فِيهِ أَوْ يَبْرَأَ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ، وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَعْقِلُ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ عَبْدِهِ رَهْنًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ دَيْنِهِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِمَّا قَبَضَ مِنْهُ.
وَإِذَا اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ قَبْضَهُ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ الْمَنْفَعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ دَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ كَالْمَنْفَعَةِ بِالْعَبْدِ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ لَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَرُدَّ بِحَالِهِ، وَإِذَا بِيعَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فِي الْجِنَايَةِ أَوْ بَعْضُهُ لَمْ يُكَلَّفْ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ بِيعَ بِحَقٍّ لَزِمَهُ لَا إتْلَافٍ مِنْهُ هُوَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْجِنَايَةِ قِيلَ لَهُ إنْ فَعَلْت فَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ، وَلَيْسَ لَك الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى مَالِكِ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ وَضَمِنَ لَهُ: مَا فَدَاهُ بِهِ رَجَعَ بِمَا فَدَاهُ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ رَهْنًا بِهِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِهِ مَعَ الْحَقِّ الْأَوَّلِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَنْفَسِخَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ فَيَجْعَلَهُ رَهْنًا بِمَا كَانَ مَرْهُونًا وَبِمَا فَدَاهُ بِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الرَّهْنِ عَمْدًا فَأَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيُّهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا يَمْنَعُ الرَّهْنُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي عُنُقِهِ، وَلَا فِي بَدَنِهِ، وَلَوْ كَانَ جَنَى قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ كَمَا يَكُونُ لَهُ لَوْ جَنَى

بَعْدَ أَنْ كَانَ رَهْنًا لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ أَنْ يَجْنِيَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا ثُمَّ يَرْهَنُ، وَلَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا إذَا لَمْ يُبَعْ فِي الْجِنَايَةِ.

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، وَلَهُ مَالٌ أَوْ اكْتَسَبَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ مَالًا أَوْ وُهِبَ لَهُ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ وَجِنَايَتُهُ فِي عُنُقِهِ كَهِيَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ.
وَلَوْ بِيعَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَلَمْ يَتَفَرَّقْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي حَتَّى جَنَى كَانَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ حَدَثَ بِهِ، وَلَهُ رَدُّهُ بِلَا عَيْبٍ.
وَلَوْ جَنَى ثُمَّ بِيعَ فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ بِجِنَايَتِهِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ دُلِّسَ لَهُ، وَلَوْ بِيعَ وَتَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَاخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ ثُمَّ جَنَى كَانَ مِنْ الْمُشْتَرَى، وَلَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَادِثٌ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ بِكُلِّ حَالٍ لَهُ، وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ الرَّهْنُ جِنَايَةً عَمْدًا كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَرْشِ وَالْقِصَاصِ فَإِنْ اخْتَارَ الْأَرْشَ كَانَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ يُبَاعُ فِيهِ كَمَا يُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ خَطَأً، وَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ كَانَ لَهُ.

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَلَمْ يُقِدْهُ سَيِّدُهُ بِالْجِنَايَةِ فَبِيعَ فِيهَا لَمْ يُكَلَّفْ سَيِّدُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ لَا جِنَايَةٍ لِلسَّيِّدِ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ أَمَرَ الْعَبْدَ بِالْجِنَايَةِ، وَكَانَ بَالِغًا يَعْقِلُ فَهُوَ آثِمٌ، وَلَا يُكَلَّفُ السَّيِّدُ إذَا بِيعَ فِيهَا أَوْ قُتِلَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ كُلِّفَ السَّيِّدُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ ثَمَنًا وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ، وَإِذَا تَمَّ الرَّهْنُ بِالْقَبْضِ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غُرَمَاءِ السَّيِّدِ وَوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ وَأَهْلِ وَصَايَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ فِيهِ ثُمَّ يَكُونَ لَهُمْ الْفَضْلُ عَنْ حَقِّهِ.

وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدًا لِلْإِذْنِ فَرَهَنَهُ فَجَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ جِنَايَةً فَجِنَايَتُهُ فِي عُنُقِهِ وَالْقَوْلُ فِي هَلْ يَرْجِعُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْآذِنُ عَلَى الرَّاهِنِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَا لَزِمَ عَبْدَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ وَبِتَلَفٍ إنْ أَصَابَهُ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَهُ كَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ عَارِيَّةٌ فِي يَدَيْهِ لَا رَهْنٌ أَوْ لَا يَرْجِعُ؟ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَارِيَّةٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ كَمَا تُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ.
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: فَلَيْسَ كَالْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ لِسَيِّدِهِ وَالرَّهْنَ فِي عُنُقِهِ كَضَمَانِ سَيِّدِهِ لَوْ ضَمِنَ عَنْ الرَّاهِنِ وَالْعَارِيَّةُ مَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا مَشْغُولَةً عَنْ مُعِيرِهَا وَمَنْفَعَةُ هَذَا لَهُ قَائِمَةٌ وَمَنْ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ ضَمَّنَ رَجُلًا لَوْ رَهَنَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ مَتَاعًا لَهُ بِأَمْرِ الْمَرْهُونِ، وَكَانَ هَذَا عِنْدِي أَشْبَهَ الْقَوْلَيْنِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فِيمَا فِيهِ قِصَاصٌ]

ٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدَهُ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَجَنَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَبْدٌ لِلرَّاهِنِ أَوْ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِغَيْرِهِمَا جِنَايَةً أَتَتْ عَلَى نَفْسِهِ فَالْخَصْمُ فِي الْجِنَايَةِ سَيِّدُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ، وَلَا يَنْتَظِرُ الْحَاكِمُ الْمُرْتَهِنَ، وَلَا وَكِيلَهُ لِيَحْضُرَ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إلَى السَّيِّدِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ وَعَلَى الْحَاكِمِ إذَا ثَبَتَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ أَنْ يُخَيَّرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ دُفِعَ إلَيْهِ قَاتِلُ عَبْدِهِ فَإِنْ قَتَلَهُ قَتَلَهُ بِحَقِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُبْدِلَ الْمُرْتَهِنَ شَيْئًا مَكَانَهُ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ مَاتَ أَنْ يُبْدِلَهُ مَكَانَهُ.
وَلَوْ عَفَا عَنْهُ بِلَا مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مَلَكَهُ فَعَفَاهُ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ قِيمَةِ عَبْدِهِ أَخَذَهُ الْقَاضِي بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ مَنْ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَارَ تَرْكَ الْقَوَدِ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ ثُمَّ

أَرَادَ عَفْوًا بِلَا أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَأُخِذَتْ قِيمَةُ عَبْدِهِ فَجُعِلَتْ رَهْنًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَارَ أَخْذَ الْمَالِ ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَقْتُلُ قَاتِلَ عَبْدِي فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْمَالِ بَطَلَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ وَتَرَكَ الْآخَرَ.
وَإِنْ عَفَا الْمَالَ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَوْ أَخَذَهُ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ؛ لِأَنَّهُ وَهَبَ شَيْئًا قَدْ وَجَبَ رَهْنًا لِغَيْرِهِ، وَإِذَا بَرِئَ مِنْ الْمَالِ بِأَنْ يَدْفَعَ الْحَقَّ إلَى الْمُرْتَهِنِ مِنْ مَالٍ لَهُ غَيْرِ الْمَالِ الْمَرْهُونِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ رَدَّ الْمَالَ الَّذِي عَفَاهُ عَنْ الْعَبْدِ الْجَانِي عَلَى سَيِّدِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ بَرَاءَةٌ مِنْ شَيْءٍ بِيَدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَهُوَ كَالْعَطِيَّةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَإِنَّمَا رَدَدْتهَا لِعِلَّةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهَا فَإِذَا ذَهَبَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ فَهِيَ تَامَّةٌ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْجَانِي بِالْعَفْوِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِذَا قَضَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ مِمَّا أَخَذَ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ لَمْ يَغْرَمْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي قَضَاهُ شَيْئًا لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ.
وَإِنْ فَضَلَ فِي يَدَيْهِ فَضْلٌ عَنْ حَقِّهِ رَدَّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ الْجِنَايَةُ، وَالْمَالُ، وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ أَنْ يَهَبَ لِلْمُرْتَهِنِ مَا فَضَلَ عَنْ حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ قُضِيَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ الْمَرْهُونِ دَرَاهِمُ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ دَنَانِيرُ وَأَخَذَهَا الرَّاهِنُ فَدَفَعَهَا إلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَدَعَهَا لِلْمُرْتَهِنِ بِحَقِّهِ، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَبِيعَتْ فَأُعْطِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مَا فَضَلَ مِنْ أَثْمَانِهَا.
وَإِنَّمَا مَنَعَنِي لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا أَنْ أُسَلِّمَ عَفْوَهُ عَنْ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ اخْتَارَهُ وَأَصْنَعُ فِيهِ مَا أَصْنَعُ فِي الْعَبْدِ لَوْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ أَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ مُخَالِفٌ جَمِيعَ مَا سِوَاهُ أَنَا إذَا وَجَدْت السَّبِيلَ إلَى الْعِتْقِ بِبَدَلٍ مِنْهُ أَمْضَيْته وَعَفْوُ الْمَالِ مُخَالِفٌ لَهُ فَإِذَا عَفَا مَا غَيْرُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُسْتَوْفَى حَقُّهُ كَانَ عَفْوُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بَاطِلًا كَمَا لَوْ وَهَبَ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ لِرَجُلٍ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ كَانَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَرْدُودًا حَتَّى يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِ رَهْنِهِ وَالْبَدَلُ مِنْ رَهْنِهِ يَقُومُ مَقَامَ رَهْنِهِ لَا يَخْتَلِفَانِ.

وَلَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ ثَلَاثَةُ أَعْبُدَ كَانَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُخَيِّرَ سَيِّدَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ أَوْ الْعَفْوِ فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ فِيهِمْ فَذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَتَلَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ، وَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمْ وَيَأْخُذَ مَا لَزِمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ كَانَ لَهُ وَيُبَاعَانِ فِيهَا كَمَا وَصَفْت وَيَكُونُ ثَمَنُ عَبْدِهِ مِنْ ثَمَنِهِمَا رَهْنًا كَمَا ذَكَرْت، وَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ عَبْدِهِ مِنْهُمَا ثُمَّ أَرَادَ عَفْوًا عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْجَوَابُ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ قِيمَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ ثُمَّ عَفَاهَا وَأُحِبُّ أَنْ يُحْضِرَ الْحَاكِمُ الْمُرْتَهِنَ أَوْ وَكِيلَهُ احْتِيَاطًا لِئَلَّا يَخْتَارَ الرَّاهِنُ أَخْذَ الْمَالِ ثُمَّ يَدَعُهُ أَوْ يُفَرِّطُ فِيهِ فَيَهْرُبُ الْعَبْدُ الْجَانِي.
وَإِنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ أَخْذَ الْمَالِ مِنْ الْجَانِي عَلَى عَبْدِهِ ثُمَّ فَرَّطَ فِيهِ حَتَّى يَهْرُبَ الْجَانِي لَمْ يَغْرَمْ الرَّاهِنُ شَيْئًا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَكَانَ كَعَبْدِهِ لَوْ رَهَنَهُ رَجُلًا فَهَرَبَ، وَلَا أَجْعَلُ الْحَقَّ حَالًا بِحَالٍ وَهُوَ إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ تَعَدَّى فِيهِ الرَّاهِنُ.

وَلَوْ جَنَى حُرٌّ وَعَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ مَرْهُونٍ جِنَايَةً عَمْدًا كَانَ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْحُرِّ فِي مَالِهِ حَالَّةً تُؤْخَذُ مِنْهُ فَتَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّاهِنُ بِأَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا إذَا كَانَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَخُيِّرَ فِي الْعَبْدِ كَمَا وَصَفْت بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ الْعَفْوِ عَنْهُ أَوْ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ مِنْ عُنُقِهِ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي فَقَدْ بَطَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ فَنِصْفُ قِيمَتِهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ أَفْلَسَ الْحُرُّ فَهُوَ غَرِيمٌ وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ كَانَ مَرْهُونًا وَالْحَقُّ كُلُّهُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ بِتَلَفِ الرَّهْنِ وَتَلَفِ الْعِوَضِ مِنْهُ بِحَالٍ.
وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ جِنَايَةً دُونَ النَّفْسِ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْجِنَايَةِ فِي النَّفْسِ لَا يَخْتَلِفُ بِتَخْيِيرِ السَّيِّدِ الرَّاهِنَ بَيْنَ أَخْذِ الْقِصَاصِ لِعَبْدِهِ، أَوْ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بِلَا شَيْءٍ أَوْ أَخْذِ الْعَقْلِ فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْعَقْلِ كَانَ كَمَا وَصَفْت، وَلَا خِيَارَ لِلْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، إنَّمَا الْخِيَارُ لِمَالِكِهِ لَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْجِنَايَةِ مَالًا وَالْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَبْدًا لِلرَّاهِنِ أَوْ عَبْدًا لَهُ وَعَبْدًا لِغَيْرِهِ

ابْنٌ أَوْ غَيْرُهُ كَانَ الْقَوْلُ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ ابْنَهُ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالْقَوْلِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهُ وَخُيِّرَ فِي عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى عَبْدِهِ كَمَا يُخَيَّرُ فِي عَبِيدِ غَيْرِهِ بَيْنَ الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ عَنْ الْقَوَدِ بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي قَوَدًا جُعِلَ إلَيْهِ تَرْكُهُ.
وَإِنْ لَمْ يُعْفَ الْقَوَدُ إلَّا عَلَى اخْتِيَارِ الْعِوَضِ مِنْ الْمَالِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ الْجَانِيَ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَإِذَا فَعَلَ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا أَوْ يُسَلِّمَهَا رَهْنًا فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا كَالْحَقِّ عَلَيْهِ فَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا فَعَلَ، وَإِنْ كَانَتْ إبِلًا أَوْ شَيْئًا غَيْرَ الْحَقِّ فَشَاءَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَقْضِيَ الْمُرْتَهِنَ مِنْهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ أَوْ لَا يُبْقِي مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَعَلَ.
وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَجْعَلَ ثَمَنَهَا رَهْنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مِنْ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبَدَلَ مِنْهُ كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، وَلَا يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ قَضَى بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ دَنَانِيرَ وَالْحَقُّ دَرَاهِمُ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ رَهْنًا، وَلَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ فِي الْجِنَايَةِ دَرَاهِمَ كَالْحَقِّ ثُمَّ يَجْعَلُهَا رَهْنًا وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا رَهْنًا كَمَا بِيعَ عَبْدُهُ بِهِمَا فَإِذَا كَانَتْ جِنَايَةُ عَبْدِ الرَّاهِنِ غَيْرَ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ فِي شَيْءٍ فِيهِ قِصَاصٌ دُونَ النَّفْسِ فَهَكَذَا لَا يَخْتَلِفُ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا عَبْدًا وَرَهَنَ آخَرَ عَبْدًا فَعَدَا أَحَدُ عَبْدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ فَقَتَلَهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً دُونَ النَّفْسِ فِيهَا قَوَدٌ فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي عَبْدٍ غَيْرِ مَرْهُونٍ وَعَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ يَجْنِي عَلَى عَبْدِهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ الْقِصَاصِ مِنْ جِرَاحِهِ أَوْ الْعَفْوِ بِلَا أَخْذِ شَيْءٍ فَإِنْ عَفَا فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْمَالِ بِيعَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ ثُمَّ جُعِلَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْمَقْتُولِ رَهْنًا مَكَانَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا.
وَإِنْ كَانَتْ جُرْحًا جَعَلَ أَرْشَ جُرْحِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ رَهْنًا مَعَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ كَشَيْءٍ مِنْ أَصْلِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا لَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْجَانِي جُبِرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يُجْبَرَا عَلَى بَيْعِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَا ذَلِكَ، وَكَانَ مَا يَبْقَى مِنْ الْعَبْدِ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَلَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَى رَهْنِهِ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْجَانِي وَمُرْتَهِنُهُ بِأَنْ يَكُونَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ شَرِيكًا لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مُلِكَ لِلرَّاهِنِ لَا لِلْمُرْتَهِنِ وَجُبِرَ عَلَى بَيْعِ قَدْرِ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ.

وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدًا فَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا فِيهَا الْقَوَدُ، وَكَذَّبَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهَا أَوْ خَطَأً فَإِقْرَارُ الْعَبْدِ سَاقِطٌ عَنْهُ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَوْ أَقَرَّ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَوْ غَيْرِ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدِهِ أَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا فِيهِ قِصَاصٌ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْ عَبْدِهِ إذَا أَنْكَرَ الْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ فِي مَالِهِ.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ أَنَّ عَبْدَهُ قَدْ لَزِمَهُ جِنَايَةٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقِرُّ فِي عَبْدِ الْمُرْتَهِنِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَإِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ كَانَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ بِالْجِنَايَةِ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جِنَايَتَهُ.

[الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فِيمَا فِيهِ الْعَقْلُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى أَجْنَبِيٌّ عَلَى عَبْدٍ مَرْهُونٍ جِنَايَةً لَا قَوَدَ فِيهَا عَلَى الْجَانِي بِحَالٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي حُرًّا فَلَا يُقَادُ مِنْهُ لَمَمْلُوكٌ أَوْ يَكُونَ الْجَانِي أَبَ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ جَدَّهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ أَوْ يَكُونَ الْجَانِي لَمْ يَبْلُغْ أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ مِمَّا لَا قَوَدَ فِيهِ بِحَالٍ مِثْلُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ أَوْ

تَكُونُ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَمَالِكُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْخَصْمُ فِي الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أَحَبَّ الْمُرْتَهِنُ حَضَرَ الْخُصُومَةَ.
وَإِذَا قُضِيَ عَلَى الْجَانِي بِالْأَرْشِ فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ عَفْوُهَا، وَلَا أَخْذُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ وَخُيِّرَ الرَّاهِنُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ قِصَاصًا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي فِي عُنُقِ الْعَبْدِ أَوْ يَكُونُ مَوْضُوعًا لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ إلَى أَنْ يَحِلَّ الْحَقُّ.
وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَعْقِلُ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ مَوْضُوعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا وَسَوَاءٌ أَتَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَوْ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ لَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَسَأَلَ الرَّاهِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهَا كَمَا يَتْرُكُ خِدْمَةَ الْعَبْدِ وَرُكُوبَ الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَكِرَاءَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالدَّابَّةَ وَالدَّارَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ مَعْلُومَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ وَالْعَبْدُ وَالدَّابَّةُ يَنْفَعَانِ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِمَا وَيُرَدَّانِ إلَى مُرْتَهِنِهِمَا وَالدَّارُ لَا تَحَوُّلَ، وَلَا ضَرَرَ فِي سَكْنِهَا عَلَى مُرْتَهِنِهَا وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا عَلَى رَاهِنِهَا، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهَا إلَّا بِأَنْ تُصْرَفَ فِي غَيْرِهَا.
وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ صَرْفُ الرَّهْنِ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إبْدَالُهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى إبْدَالِهَا، وَهِيَ تَخْتَلِطُ وَتُسْبَكُ، وَلَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا.
وَإِنْ كَانَ صُلْحًا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ كُنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ عَلَى إبِلٍ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى يَدَيْ مَنْ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ، وَعَلَى الرَّاهِنِ عَلْفُهَا وَصَلَاحُهَا، وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا وَيَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي إبِلٍ لَهُ لَوْ رَهَنَهَا، وَإِنْ سَأَلَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ تُبَاعَ الْإِبِلُ فَتُجْعَلَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَعَيْنِ رَهْنِهِ إذْ رَضِيَ بِهِ، كَمَا لَوْ سَأَلَ الرَّاهِنُ إبْدَالَ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ.

وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ مُصَالَحَةَ الْجَانِي عَلَى عَبْدِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا وَجَبَ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَمُصَالَحَتُهُ بِغَيْرِهِ إبْدَالٌ لَهُ كَأَنْ وَجَبَ لَهُ دَنَانِيرُ فَأَرَادَ مُصَالَحَتَهُ بِدَرَاهِمَ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا رَضِيَ بِهِ فَمَا أَخَذَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى رَهْنِهِ فَهُوَ رَهْنٌ لَهُ.

وَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْعَفْوَ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يُبَرِّئَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ يُوَفِّيَهُ الرَّاهِنُ حَقَّهُ مُتَطَوِّعًا بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِرَارًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَضَعَ شَيْئًا مِنْ الْجِنَايَةِ كَمَا لَوْ زَادَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ زِيَادَتِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ مَالِكُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ جَمِيعَ حَقِّهِ فِي الْعَبْدِ حَالًا، فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ لَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ تَرْكَ الرَّهْنِ وَأَنْ لَا يَأْخُذَ حَقَّهُ حَالًّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَجُبِرَ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ إبْطَالَ حَقِّهِ فَيَبْطُلَ إذَا أَبْطَلَهُ.

(قَالَ) :: وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، لَا تَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بِمَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ، وَلَيْسَ فِي الْعَبْدِ بِحَالٍ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَ بَطْنَهَا فَتُلْقِيَ جَنِينًا فَيُؤْخَذَ أَرْشُ الْجَنِينِ وَيَكُونَ لِمَالِكِهِ لَا يَكُونُ مَرْهُونًا مَعَهَا، وَإِنْ نَقَصَهَا نَقْصًا لَهُ قِيمَةٌ بِلَا جُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ يَبْقَى أَثَرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَانِي شَيْءٌ سِوَى أَرْشُ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ الْمَحْكُومَ فِيهِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى الْأَمَةِ جِنَايَةً لَهَا جُرْحٌ لَهُ عَقْلٌ مَعْلُومٌ أَوْ فِيهِ حُكُومَةٌ وَأَلْقَتْ جَنِينًا أُخِذَ مِنْ الْجَانِي أَرْشُ الْجُرْحِ أَوْ حُكُومَتُهُ فَكَانَ رَهْنًا مَعَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِهَا دُونَ الْجَنِينِ، وَكَانَ عَقْلُ الْجَنِينِ لِمَالِكِهَا الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الرَّهْنِ.

وَالْجِنَايَةُ عَلَى كُلِّ رَهْنٍ مِنْ الدَّوَابِّ كَهِيَ عَلَى كُلِّ رَهْنٍ مِنْ الرَّقِيقِ لَا يَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنَّ فِي الدَّوَابِّ مَا نَقَصَهَا وَجِرَاحُ الرَّقِيقِ فِي أَثْمَانِهِمْ كَجِرَاحِ الْأَحْرَارِ فِي دِيَاتِهِمْ، وَفِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ مَنْ جَنَى عَلَى أُنْثَى مِنْ الْبَهَائِمِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْجَانِي عَلَيْهَا مَا نَقَصَتْهَا الْجِنَايَةُ عَنْ قِيمَتِهَا تُقَوَّمُ يَوْمَ جُنِيَ عَلَيْهَا وَحِينَ أَلْقَتْ الْجَنِينَ فَنَقَصَتْ، ثُمَّ يَغْرَمُ الْجَانِي مَا نَقَصَهَا فَيَكُونُ مَرْهُونًا مَعَهَا، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مَكَانَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْجَنِينِ حِينَ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ جَانٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَضْمَنُ إنْ كَانَ إلْقَاؤُهُ نَقَصَ أُمَّهُ شَيْئًا أَكْثَرَ

مِنْ قِيمَةِ الْجَنِينِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُرْحًا يَلْزَمُ عَيْبُهُ فَيَضْمَنُهُ مَعَ قِيمَةِ الْجَنِينِ كَمَا قِيلَ فِي الْأَمَةِ لَا يَخْتَلِفَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْجَنِينِ وَمَا نَقَصَ أُمَّهُ وَيُخَالِفُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمَةِ يَجْنِي عَلَيْهَا فَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّهُ لَا قَوَدَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ بِحَالٍ عَلَى جَانٍ عَلَيْهَا وَلِلْآدَمِيِّينَ قَوَدٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُجْنَى عَلَيْهِمْ.

وَكُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى رَهْنِ غَيْرِ آدَمِيٍّ، وَلَا حَيَوَانٍ لَا تَخْتَلِفُ سَوَاءٌ فِيمَا جَنَى عَلَى الرَّهْنِ مَا نَقَصَهُ لَا يَخْتَلِفُ وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا، وَقِيمَةُ مَا جَنَى عَلَى الرَّهْنِ غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ يُوجَدُ مِثْلُهُ فَيَتْلَفُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ بِمِثْلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حِنْطَةِ رَهْنٍ يَسْتَهْلِكُهَا رَجُلٌ فَيَضْمَنُ مِثْلَهَا، وَمِثْلُ مَا فِي مَعْنَاهَا.
وَإِنْ جَنَى عَلَى الْحِنْطَةِ الْمَرْهُونَةِ جِنَايَةً تَضُرُّ عَيْنَهَا بِأَنْ تَعَفْنَ أَوْ تَحْمَرَّ أَوْ تَسْوَدَّ ضَمِنَ مَا نَقَصَ الْحِنْطَةَ تُقَوَّمُ صَحِيحَةً غَيْرَ مَعِيبَةٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَبِالْحَالِ الَّتِي صَارَتْ إلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يَغْرَمُ الْجَانِي مَا نَقَصَهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ وَأَيُّ نَقْدٍ كَانَ الْأَغْلَبَ بِالْبَلَدِ الَّذِي جَنَى بِهِ جُبِرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ إنْ كَانَ الْأَغْلَبُ بِالْبَلَدِ الَّذِي جَنَى بِهِ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ دَرَاهِمَ فَدَرَاهِمَ وَكُلُّ قِيمَةٍ فَإِنَّمَا هِيَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ.

وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبِيدِ كُلِّهَا دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ لَا إبِلَ، وَلَا غَيْرَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْجَانِي، وَالرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَخْذَ إبِلٍ وَغَيْرِهَا بِمَا يَصِحُّ فَيَكُونُ مَا أَخَذَ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ أَوْ مَعَهُ إنْ نَقَصَ وَيَكُونُ مَا غَرِمَ رَهْنًا مَعَ أَصْلِ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا كَمَا وَصَفْت.

وَإِذَا جَنَى الرَّاهِنُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ كَانَتْ جِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا تَبْطُلُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَلَا تُتْرَكُ بِنَقْصِ حَقِّ غَيْرِهِ وَيُؤْخَذُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِهَا الْأَجْنَبِيُّ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ بَطَلَ عَنْ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَهَكَذَا لَوْ جَنَى ابْنُ الرَّاهِنِ أَوْ أَبُوهُ أَوْ امْرَأَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ.

وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ لِلرَّاهِنِ غَيْرُ مَرْهُونٍ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ خُيِّرَ الرَّاهِنُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ مُتَطَوِّعًا أَوْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ أَوْ يُبَاعُ عَبْدُهُ فَيُؤَدَّى أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَرْهُونِ فَيَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ، وَلَا تَبْطُلُ الْجِنَايَةُ عَلَى عَبْدِهِ عَنْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَقْصًا لِلرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إلَّا فِي أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ الْعَبْدَيْنِ فَيَجْنِيَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالْجِنَايَةُ خَطَأٌ أَوْ عَمْدٌ لَا قَوَدَ فِيهِ.
لِأَنَّ الرَّاهِنَ الْمَالِكَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ مِلْكِ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعَبْدِ الْجَانِي الْمَرْهُونِ بِالرَّهْنِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْجِنَايَةِ فَبِهَذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ هَدَرًا.
وَهَكَذَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ عَبْدًا لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرَهَنَهُ أَيْضًا عَبْدًا لَهُ آخَرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِحِنْطَةٍ مَكِيلَةٍ فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ هَدَرًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُسْتَحِقٌّ لَهُمَا مَعًا بِالرَّهْنِ وَالرَّاهِنُ مَالِكٌ لَهُمَا مَعًا فَحَالُهُمَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَبَعْدَهَا فِي الرَّهْنِ وَالْمِلْكِ سَوَاءٌ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ عَبْدًا لَهُ رَجُلًا وَرَهَنَ عَبْدًا لَهُ آخَرَ رَجُلًا غَيْرَهُ فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ مَرْهُونٍ وَيُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بِجَمِيعِ رَأْسِ جِنَايَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ فَالْعَبْدُ الْجَانِي رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِيعَ الْعَبْدُ الْجَانِي فَأُدِّيَتْ الْجِنَايَةُ، وَكَانَتْ رَهْنًا فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلٌ كَانَ رَهْنًا لِمُرْتَهِنِ الْجَانِي، وَإِنْ كَانَ فِي الْجَانِي فَضْلٌ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَشَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بَيْعَهُ مَعًا بِيعَ وَرُدَّ فَضْلُهُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ السَّيِّدُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا.
وَإِنْ دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى بَيْعِهِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ كُلِّهِ إذَا كَانَ فِي ثَمَنِ بَعْضِهِ مَا يُؤَدِّي أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَجِنَايَةُ الْمُرْتَهِنِ وَأَبِ الْمُرْتَهِنِ وَابْنِهِ مَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ وَعَبْدِهِ عَلَى الرَّهْنِ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ

الْحَقُّ حَالًّا فَشَاءَ أَنْ تَكُونَ جِنَايَتُهُ قِصَاصًا كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الرَّاهِنُ أَخْرَجَ الْمُرْتَهِنُ قِيمَةَ جِنَايَتِهِ فَكَانَتْ مَوْضُوعَةً عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّهْنَ وَأَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ يَدَيْهِ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَمْدًا تُغَيِّرُ مِنْ حَالِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ.
وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ عَنْ حَالَةِ الْأَمَانَةِ إلَى حَالٍ تُخَالِفُهَا، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا فَجُنِيَ عَلَيْهِ فَسَوَاءٌ بَرِئَ الرَّاهِنُ مِمَّا فِي الْعَبْدِ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ، وَكَانَ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَرْهُونًا بِكُلِّهِ فَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَهُوَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا عَبِيدًا مَرْهُونِينَ مَعًا لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ آخِرِ الْحَقِّ.

وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ الرَّاهِنُ ضَمِنَ نِصْفَ أَرْشِ جِنَايَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا وَصَفْت وَبَطَلَ عَنْهُ نِصْفُ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى نِصْفَيْنِ نِصْفٌ لَهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِنَفْسِهِ غُرْمٌ وَنِصْفٌ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقٌّ فَلَا يَبْطُلُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ جِنَايَةً كَانَ نِصْفُهَا رَهْنًا وَنِصْفُهَا مُسَلَّمًا لِمَالِكِ الْعَبْدِ، وَلَوْ عَفَا مَالِكُ الْعَبْدِ الْجِنَايَةَ كُلَّهَا كَانَ عَفْوُهُ فِي نِصْفِهَا جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنِصْفِهِ، وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ وَعَفْوُهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي الْمُرْتَهِنُ فِيهِ حَقٌّ مَرْدُودٌ.
وَلَوْ عَفَا الْمُرْتَهِنُ عَنْ الْجِنَايَةِ دُونَ الرَّاهِنِ كَانَ عَفْوُهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْجِنَايَةَ إنَّمَا مَلَكَهَا لِلرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ احْتِبَاسَهَا بِحَقِّهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ: أَنَا أَجْعَلُ الْجِنَايَةَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ حَالٍّ، وَإِنْ كَانَ حَالًّا كَانَ ذَلِكَ لَهُ إنْ كَانَ حَقُّهُ دَنَانِيرَ، وَقُضِيَ بِالْجِنَايَةِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَقُضِيَ بِالْجِنَايَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مِثْلُ مَا لِلْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ قُضِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ دَرَاهِمُ وَالْحَقُّ عَلَى الْغَرِيمِ دَنَانِيرُ فَقَالَ: أَجْعَلُ الْجِنَايَةَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ غَيْرُ حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُضِيَ بِالْجِنَايَةِ دَرَاهِمُ وَحَقُّهُ دَنَانِيرُ أَوْ دَنَانِيرُ، وَلَهُ دَرَاهِمُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْجِنَايَةَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ غَيْرُ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قِصَاصًا مَا كَانَ مِثْلًا فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلًا فَلَا يَكُونُ قِصَاصًا، وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ إذَا لَمْ أُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ أُكْرِهْ رَبَّ الْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ بِدَنَانِيرَ طَعَامًا، وَلَا بِطَعَامٍ دَنَانِيرَ.

وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ مَرْهُونٍ فَأَرَادَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي أَنْ يُسَلِّمَهُ مُسْتَرِقًّا بِالْجِنَايَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَإِنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشَأْهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، وَلَمْ يَشَأْهُ الرَّاهِنُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي رَقَبَتِهِ أَرْشٌ لَا رَقَبَةُ عَبْدٍ وَرَقَبَةُ الْعَبْدِ عَرْضٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بِالْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ مِثْلُ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ أَكْثَرُ أَضْعَافًا وَأَبَى ذَلِكَ رَبُّ الْعَبْدِ الْجَانِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْجِنَايَةِ شَيْءٌ غَيْرُ رَقَبَتِهِ، وَإِنَّمَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ فَيَصِيرُ الْحَقُّ فِيهَا كَمَا يُبَاعُ الرَّهْنُ فَيَصِيرُ ثَمَنًا يَقْضِي مِنْهُ الْغَرِيمُ حَقَّهُ.

[الرَّهْنُ الصَّغِيرُ]

ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَصْلُ إجَازَةِ الرَّهْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى إجَازَةِ الرَّهْنِ

وَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إجَازَتِهِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْحَدِيثُ جُمْلَةٌ عَلَى الرَّهْنِ، وَلَمْ يَخُصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَلَغْنَا رَهْنًا دُونَ رَهْنٍ وَاسْمُ الرَّهْنِ يَقَعُ عَلَى مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ وَخَفِيَ وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ بِشَيْءٍ» أَيْ إنْ ذَهَبَ لَمْ يَذْهَبْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُهُ افْتِكَاكَهُ، وَلَا يَغْلَقُ فِي يَدَيْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ أَوْصَلْته إلَيَّ فَهُوَ لِي بِمَا أَعْطَيْتُك فِيهِ، وَلَا يُغَيِّرُ ذَلِكَ مِنْ شَرْطٍ تَشَارَطَا فِيهِ، وَلَا غَيْرِهِ، وَالرَّهْنُ لِلرَّاهِنِ أَبَدًا حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ يَصِحُّ إخْرَاجُهُ لَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ» ثُمَّ بَيَّنَهُ وَأَكَّدَهُ فَقَالَ «لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَغُنْمُهُ سَلَامَتُهُ وَزِيَادَتُهُ وَغُرْمُهُ عَطَبُهُ وَنَقْصُهُ.
(قَالَ) : وَلَوْ كَانَ إذَا رَهَنَ رَهْنًا بِدِرْهَمٍ وَهُوَ يَسْوَى دِرْهَمًا فَهَلَكَ ذَهَبُ الدِّرْهَمِ فَلَمْ يَلْزَمْ الرَّاهِنَ كَانَ إنَّمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ لَا مَالِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ أَخَذَ دِرْهَمًا وَذَلِكَ ثَمَنُ رَهْنِهِ فَإِذَا هَلَكَ رَهْنُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا إنَّمَا ذَهَبَ لَهُ مِثْلُ الَّذِي أَخَذَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَغُرْمُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لَا عَلَى الرَّاهِنِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ غُرْمُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لَا مِنْ الرَّاهِنِ وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ وَأَنَّهُ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَهُ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بِمَا شُرِطَ فِيهِ وَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِنَفَقَتِهِ مَا كَانَ حَيًّا وَهُوَ مُقِرُّهُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ وَمَأْخُوذٌ بِكَفَنِهِ إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي السُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ فَكَانَ الرَّاهِنُ دَفَعَهُ لَا مَغْصُوبًا عَلَيْهِ، وَلَا بَائِعًا لَهُ، وَكَانَ الرَّاهِنُ إنْ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِالشَّرْطِ فَأَيُّ وَجْهٍ لِضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَالْحَاكِمُ يَحْكُمُ لَهُ بِحَبْسِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي شَرَطَ لَهُ مَالِكُهُ فِيهِ وَعَلَى مَالِكِهِ نَفَقَتُهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ تَعَدَّى فَأَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ مَنَعَ شَيْئًا فِي يَدَيْهِ مَلَّكَهُ لِغَيْرِهِ مِمَّا مَلَّكَهُ الْمَالِكُ غَيْرَهُ مِمَّا عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ وَيَمْنَعَهُ الْبَائِعُ الْعَبْدَ فَهَذَا يُشْبِهُ الْغَصْبَ، وَالْمُرْتَهِنُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لَا هُوَ مَالِكٌ لِلرَّهْنِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيْعًا فَمَنَعَهُ مِنْ مِلْكِهِ إيَّاهُ وَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ فَلَا هُوَ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِ الرَّهْنِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَا بِمَنْعِهِ إيَّاهُ فَلَا مَوْضِعَ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهِ إنَّمَا هُوَ رَجُلٌ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ عَلَى مَالِكِ الرَّهْنِ فِي الرَّهْنِ شَرْطًا حَلَالًا لَازِمًا اسْتَوْثَقَ فِيهِ مِنْ حَقِّهِ طَلَبُ الْمَنْفَعَةِ لِنَفْسِهِ وَالِاحْتِيَاطُ عَلَى غَرِيمِهِ لَا مُخَاطِرًا بِالِارْتِهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ إذَا هَلَكَ هَلَكَ حَقُّهُ كَانَ ارْتِهَانُهُ مُخَاطَرَةً إنْ سَلَّمَ الرَّهْنَ فَحَقُّهُ فِيهِ، وَإِنْ تَلِفَ تَلِفَ حَقُّهُ.
وَلَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ شَرًّا لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَعْضِ حَالَاتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ إذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ وَفِي جَمِيعِ مَالِهِ لَازِمًا أَبَدًا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ هَلَكَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الرَّاهِنِ قَالَ، وَلَمْ نَرَ ذِمَّةَ رَجُلٍ تَبْرَأُ إلَّا بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى غَرِيمِهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ أَوْ عِوَضًا مِنْهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ فَيَمْلِكُ الْغَرِيمُ الْعِوَضَ وَيَبْرَأُ بِهِ غَرِيمُهُ وَيَنْقَطِعُ مَالِكُهُ عَنْهُ أَوْ يَتَطَوَّعُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِأَنْ يُبْرِئَ مِنْهُ صَاحِبَهُ وَالْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ لَيْسَا فِي وَاحِدٍ مِنْ مَعَانِي الْبَرَاءَةِ، وَلَا الْبَوَاءِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَلَا تَرَى أَنَّ أَخْذَ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ كَالِاسْتِيفَاءِ لِحَقِّهِ قُلْتُ لَوْ كَانَ اسْتِيفَاءً لِحَقِّهِ، وَكَانَ الرَّهْنُ جَارِيَةً كَانَ قَدْ مَلَكَهَا وَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَا عَلَيْهِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ مَا فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَتَبَايَعَا فِيهَا بَيْعًا جَدِيدًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَذَا لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ إلَى سَنَةٍ فَيَأْخُذُهُ الْيَوْمَ بِلَا رِضَا مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَالَ مَا هُوَ بِاسْتِيفَاءٍ.
وَلَكِنْ كَيْفَ؟ قُلْتَ

إنَّهُ مُحْتَبَسٌ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِحَقٍّ لَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ؟ . فَقِيلَ لَهُ بِالْخَبَرِ، وَكَمَا يَكُونُ الْمَنْزِلُ مُحْتَبَسًا بِإِجَارَةٍ فِيهِ ثُمَّ يَتْلَفُ الْمَنْزِلُ بِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّلَفِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُكْتَرِي سَلَّفَ الْكِرَاءَ رَجَعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَكَمَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤَجَّرًا أَوْ الْبَعِيرُ مُكْرًى فَيَكُونُ مُحْتَبَسًا بِالشَّرْطِ، وَلَا ضَمَانَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا فِي حُرٍّ لَوْ كَانَ مُؤَجَّرًا فَهَلَكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنَّمَا الرَّهْنُ وَثِيقَةٌ كَالْحَمَالَةِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَكَفَلَ لَهُ بِهَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ وُجُوبِهَا أَوْ بَعْدَهُ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَكَانَ الْحُمَلَاءُ ضَامِنِينَ لَهُ كُلُّهُمْ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ الْحُمَلَاءَ كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَبْرَأُ ذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ آخِرَ حَقِّهِ، وَلَوْ هَلَكَ الْحُمَلَاءُ أَوْ غَابُوا لَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ حَقَّهُ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ أَصْلُ الْحَقِّ.
وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ لَا يُنْقِصُ هَلَاكُهُ، وَلَا نُقْصَانُهُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ وَأَنَّ السُّنَّةَ الْمُبَيِّنَةَ بِأَنْ لَا يُضْمَنَ الرَّهْنُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ كَأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ وَأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ لَا مُتَعَدِّيًا بِحَبْسِهِ دَلَالَةً بَيِّنَةً أَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلُنَا فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ مِمَّا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ مِثْلُ الدَّارِ وَالنَّخْلِ وَالْعَبِيدِ وَخَالَفْنَا بَعْضَهُمْ فِيمَا يَخْفَى هَلَاكُهُ مِنْ الرَّهْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاسْمُ الرَّهْنِ جَامِعٌ لِمَا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ وَيَخْفَى، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ جُمْلَةً ظَاهِرًا وَمَا كَانَ جُمْلَةً ظَاهِرًا فَهُوَ عَلَى ظُهُورِهِ وَجُمْلَتِهِ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَمَّنْ جَاءَ عَنْهُ أَوْ يَقُولَ الْعَامَّةُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ دُونَ عَامٍّ وَبَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ، وَلَمْ نَعْلَمْ دَلَالَةً جَاءَتْ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَصِيرُ إلَيْهَا.
وَلَوْ جَازَ هَذَا بِغَيْرِ دَلَالَةٍ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الرَّهْنُ الَّذِي يَذْهَبُ بِهِ إذَا هَلَكَ هَلَكَ حَقُّ صَاحِبِهِ الْمُرْتَهِنِ الظَّاهِرُ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ مَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ فَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ أَمَانَةٍ فَهُوَ كَالرِّضَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ بِمَا فِيهِ أَوْ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ.
وَأَمَّا مَا خَفِيَ هَلَاكُهُ فَرَضِيَ صَاحِبُهُ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ يَعْلَمُ أَنَّ هَلَاكَهُ خَافٍ فَقَدْ رَضِيَ فِيهِ أَمَانَتَهُ فَهُوَ أَمِينُهُ فَإِنْ هَلَكَ لَمْ يَهْلَكْ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ فَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا قَوْلٌ أَبَدًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا جَازَ أَنْ يَصِيرَ خَاصًّا بِلَا دَلَالَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ أَمَانَةٌ كُلُّهُ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ دَفْعِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ بِرِضَاهُ وَحَقٍّ أَوْجَبَهُ فِيهِ كَالْكَفَالَةِ، وَلَا يَعْدُو الرَّهْنُ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ أَنَّ مَا ظَهَرَ وَخَفِيَ هَلَاكَهُ مِنْ الْأَمَانَةِ سَوَاءٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ أَنَّ مَا كَانَ مَضْمُونًا فَمَا ظَهَرَ وَخَفِيَ هَلَاكُهُ مِنْ الْمَضْمُونِ سَوَاءٌ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ سُنَّةٌ أَوْ أَثَرٌ لَازِمٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ نَعْرِفُهُ مَعَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَعَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِي أَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَخَالَفْنَا بَعْضَ النَّاسِ فِي الرَّهْنِ فَقَالَ فِيهِ إذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا بِحَقٍّ لَهُ فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ نَظَرْنَا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَرْجِعْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُ فِي قَوْلِهِمْ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ هَلَكَتْ الْأَلْفُ فَمِائَةٌ بِمِائَةٍ وَهُوَ فِي التِّسْعمِائَةِ أَمِينٌ أَوْ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا مِائَةً بِمِائَةٍ فَإِنْ هَلَكَتْ الْمِائَةُ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ مِائَةً ذَهَبَتْ بِمِائَةٍ أَوْ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا خَمْسِينَ دِرْهَمًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ هَلَكَتْ الْخَمْسُونَ ذَهَبَتْ بِخَمْسِينَ ثُمَّ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِخَمْسِينَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ عَرَضٌ يَسْوَى مَا وَصَفْنَا بِمِثْلِ هَذَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ هَذَا قَوْلٌ لَا يَسْتَقِيمُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ رَهْنًا وَاحِدًا مَضْمُونًا مَرَّةً كُلَّهُ وَمَضْمُونًا مَرَّةً بَعْضَهُ وَمَرَّةً بَعْضَهُ بِمَا فِيهِ وَمَرَّةً يَرْجِعُ بِالْفَضْلِ فِيهِ فَهُوَ فِي قَوْلِكُمْ لَا مَضْمُونًا بِمَا يُضْمَنُ بِهِ مَا ضُمِنَ؛ لِأَنَّ مَا

ضُمِنَ إنَّمَا يُضْمَنُ بِعَيْنِهِ فَإِنْ فَاتَ فَقِيمَتُهُ، وَلَا بِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ فَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ؟ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ إلَّا بِخَبَرٍ يَلْزَمُ النَّاسَ الْأَخْذُ بِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ إلَّا تَسْلِيمُهُ؟ . قَالُوا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ قُلْنَا فَهُوَ إذًا قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَكُمْ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ بِأَمَانَةٍ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ إنَّهُ مَضْمُونٌ كُلُّهُ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ جَمِيعِ مَا يُضْمَنُ مِمَّا إذَا فَاتَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْنَا قَدْ رَوَيْتُمْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ - وَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَنَا بِرِوَايَةِ أَصْحَابِنَا فَقَدْ خَالَفْتُمُوهُ، وَقَالَ فَأَيْنَ؟ قُلْنَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ وَأَنْتَ تَقُولُ إنْ رَهَنَهُ أَلْفًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمِائَةٌ بِمِائَةٍ وَهُوَ فِي التِّسْعِمِائَةِ أَمِينٌ وَاَلَّذِي رَوَيْت عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِتِسْعِمِائَةٍ.
قَالَ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.
قُلْنَا فَأَنْتَ أَيْضًا تُخَالِفُهُ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْنَا: أَنْتَ تَقُولُ إنْ رَهَنَهُ مِائَةً بِأَلْفٍ أَوْ خَاتَمًا يَسْوَى دِرْهَمًا بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ الرَّهْنُ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِتِسْعِمِائَةٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَبِتِسْعَةٍ فِي الْخَاتَمِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَشُرَيْحٌ لَا يَرُدُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِحَالٍ.
فَقَالَ: فَقَدْ رَوَى مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا فَرَسًا فَهَلَكَ الْفَرَسُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ حَقُّك» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ زَعَمَ الْحَسَنُ كَذَا ثُمَّ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ قَالَ إبْرَاهِيمُ كَانَ عَطَاءٌ يَتَعَجَّبُ مِمَّا رَوَى الْحَسَنُ وَأَخْبَرَنِي بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ الْحَسَنِ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَوَاهُ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَكَتَ عَنْ الْحَسَنِ.
فَقِيلَ لَهُ أَصْحَابُ مُصْعَبٍ يَرْوُونَهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ الْحَسَنِ فَقَالَ نَعَمْ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَا، وَلَكِنَّ عَطَاءً مُرْسَلٌ اتَّفَقَ مِنْ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَهْنُ هَذَا عِنْدَ عَطَاءٍ إنْ كَانَ رَوَاهُ أَنَّ عَطَاءً يُفْتِي بِخِلَافِهِ وَيَقُولُ فِيهِ بِخِلَافِ هَذَا كُلِّهِ وَيَقُولُ فِيمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ أَمَانَةٌ وَفِيمَا خَفِيَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ وَهَذَا أَثْبَتَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ يَتَرَادَّانِ مُطْلَقُهُ وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ فَلَا نَشُكُّ أَنَّ عَطَاءً إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَا يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مُثْبَتًا عِنْدَهُ وَيَقُولُ بِخِلَافِهِ مَعَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا رَوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ يَرْفَعُهُ إلَّا مُصْعَبٌ وَاَلَّذِي رَوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ يَرْفَعُهُ يُوَافِقُ قَوْلَ شُرَيْحٍ " إنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ " قَالَ، وَكَيْفَ يُوَافِقُهُ؟ قُلْنَا: قَدْ يَكُونُ الْفَرَسُ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ وَمِثْلَهُ وَأَقَلَّ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ قِيمَةِ الْفَرَسِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ قَالَهُ رَأَى أَنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ.
قَالَ فَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذْ بِهِ؟ . قُلْنَا: لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَكُنْ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُومُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ فَكَيْفَ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا بَيِّنًا مُفَسَّرًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَصَمَتْنَا عَنْهَا قَالَ فَكَيْفَ قَبِلْتُمْ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُنْقَطِعًا، وَلَمْ تَقْبَلُوهُ عَنْ غَيْرِهِ؟ . قُلْنَا: لَا نَحْفَظُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَى مُنْقَطِعًا إلَّا وَجَدْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْدِيدِهِ، وَلَا أَثَرُهُ عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَرَفْنَاهُ عَنْهُ إلَّا ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ فَمَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ قَبِلْنَا مُنْقَطِعَهُ وَرَأَيْنَا غَيْرَهُ يُسَمِّي الْمَجْهُولَ وَيُسَمِّي مَنْ يُرْغَبُ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَيُرْسِلُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَلْحَقْ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسْتَنْكَرَ الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ شَيْءٌ يُسَدِّدُهُ فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ لِافْتِرَاقِ أَحَادِيثِهِمْ، وَلَمْ نُحَابِ أَحَدًا، وَلَكِنَّا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ رِوَايَتِهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ فَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذُوا بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِ؟ . قُلْنَا: إذَا ثَبَتَ عِنْدَنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا وَعِنْدَك وَعِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ.
قَالَ: فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ شَبِيهًا بِقَوْلِنَا قُلْنَا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنْ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ أَصَحُّ

عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَقَدْ رَأَيْنَا أَصْحَابَكُمْ يُضَعِّفُونَ رِوَايَةَ عَبْدِ الْأَعْلَى الَّتِي لَا يُعَارِضُهَا مُعَارِضٌ تَضْعِيفًا شَدِيدًا فَكَيْفَ بِمَا عَارَضَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ الصِّحَّةِ وَأَوْلَى بِهَا؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ قَدْ خَرَّجْت فِيهِ مِمَّا رَوَيْت عَنْ عَطَاءٍ يَرْفَعُهُ وَمِنْ أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ شُرَيْحٍ وَمَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَوْلٍ رَوَيْته عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ خِلَافُهُ وَإِبْرَاهِيمُ لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيمَا زَعَمْت لَا يَلْزَمُ قَوْلُهُ.
وَقُلْتَ قَوْلًا مُتَنَاقِضًا خَارِجًا عَنْ أَقَاوِيلِ النَّاسِ، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلٌ إلَّا، وَلَهُ وَجْهٌ، وَإِنْ ضَعُفَ إلَّا قَوْلُكُمْ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ يَقْوَى، وَلَا يَضْعُفُ ثُمَّ لَا تَمْتَنِعُونَ مِنْ تَضْعِيفِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَ مَنْ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَدْفَعْهُ أَمَانَةً، وَلَا بَيْعًا، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ مُحْتَبِسًا بِشَيْءٍ فَإِنْ هَلَكَ تَرَادَّا فَضْلَهُ وَهَكَذَا كُلُّ مَضْمُونٍ بِعَيْنِهِ إذَا هَلَكَ ضَمِنَ مَنْ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا ضَعِيفٌ إذْ كَيْفَ يَتَرَادَّانِ فَضْلَهُ وَهُوَ إنْ كَانَ كَالْبَيْعِ فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا بِحَقٍّ فَمَا مَعْنَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ وَهُوَ لَا غَصْبَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا عُدْوَانَ عَلَيْهِ فِي حَبْسِهِ وَهُوَ يُبِيحُ لَهُ حَبْسَهُ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ أَنْ يَقُولَ قَدْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَدَلِ مِنْ الْحَقِّ وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَمَا لَمْ يَتَرَاضَيَا تَبَيَّنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ إلَى أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الرَّاهِنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالسُّنَّةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهَا - قُلْنَا، وَلَيْسَ مَعَ السُّنَّةِ حُجَّةٌ، وَلَا فِيهَا إلَّا اتِّبَاعُهَا مَعَ أَنَّهَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ مُبْتَدَأً وَمَخْرَجًا.
(قَالَ) : وَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَيْنَا: أَنْتَ أَخْطَأَتْ بِخِلَافِ السُّنَّةِ وَأَخْطَأَتْ بِخِلَافِك مَا قُلْت.
قَالَ: وَأَيْنَ خَالَفْتُ مَا قُلْتُ؟ قُلْت عِبْتَ عَلَيْنَا أَنْ زَعَمْنَا أَنَّهُ أَمَانَةٌ وَحُجَّتُنَا فِيهِ مَا ذَكَرْنَا وَغَيْرُهَا مِمَّا فِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ مِنْهُ فَكَيْفَ عِبْتَ قَوْلًا قُلْتَ بِبَعْضِهِ؟ . قَالَ لِي وَأَيْنَ؟ قُلْتُ: زَعَمْتَ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ.
قَالَ نَعَمْ قُلْنَا: فَهَلْ رَأَيْت مَضْمُونًا قَطُّ بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ إلَّا أَدَّى الَّذِي ضَمَنَهُ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؟ قَالَ لَا غَيْرَ الرَّهْنِ قُلْنَا فَالرَّهْنُ إذًا كَانَ عِنْدَك مَضْمُونًا لَمْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا إذَا كَانَ يَسْوَى أَلْفًا وَهُوَ رَهْنٌ بِمِائَةٍ؟ ؟ . لِمَ لَمْ يَضْمَنْ الْمُرْتَهِنُ تِسْعَمِائَةٍ لَوْ كَانَ مَضْمُونًا كَمَا ذَكَرْتَ.
قَالَ هُوَ فِي الْفَضْلِ أَمِينٌ.
قُلْنَا: وَمَعْنَى الْفَضْلِ غَيْرُ مَعْنَى غَيْرِهِ؟ قَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ لَيْسَ بِرَهْنٍ؟ قَالَ إنْ قُلْتُ لَيْسَ بِرَهْنٍ.
قُلْتُ أَفَيَأْخُذُهُ مَالِكُهُ.
قَالَ: فَلَيْسَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يُؤَدَّى مَا فِيهِ قُلْنَا لِمَ؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ قُلْنَا فَهُوَ رَهْنٌ وَاحِدٌ مُحْتَبَسٌ بِحَقٍّ وَاحِدٍ بَعْضُهُ مَضْمُونٌ وَبَعْضُهُ أَمَانَةٌ.
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْنَا: أَفَتَقْبَلُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّنْ يُخَالِفُك فَلَوْ قَالَ هَذَا غَيْرُك ضَعَّفْته تَضْعِيفًا شَدِيدًا فِيمَا تَرَى، وَقُلْت وَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَدْفُوعًا بِالْأَمْرِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ وَبَعْضُهُ مَضْمُونٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْنَا أَرَأَيْت جَارِيَةً تَسْوَى أَلْفًا رُهِنَتْ بِمِائَةٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ رُهِنَتْ بِمِائَةٍ أَلَيْسَتْ الْجَارِيَةُ بِكَمَالِهَا رَهْنًا بِمِائَةٍ وَالْأَلْفُ الدِّرْهَمُ رَهْنٌ بِكَمَالِهَا بِمِائَةٍ؟ قَالَ بَلَى قُلْنَا الْكُلُّ مَرْهُونٌ مِنْهُمَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا إدْخَالُ أَحَدٍ بِرَهْنٍ مَعَهُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْكُلَّ مَرْهُونٌ بِالْمِائَةِ مَدْفُوعٌ دَفْعًا وَاحِدًا بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَلَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا وَعُشْرُ الْجَارِيَةِ مَضْمُونٌ وَتِسْعَةُ أَعْشَارِهَا أَمَانَةٌ وَمِائَةٌ مَضْمُونٌ وَتِسْعُمِائَةٍ أَمَانَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَأَيَّ شَيْءٍ عِبْتَ مِنْ قَوْلِنَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَهَذَا أَنْتَ تَقُولُ فِي أَكْثَرِهِ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ؟ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقِيلَ لَهُ إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ دُفِعَتْ خَارِجًا تِسْعَةُ أَعْشَارِهَا مِنْ الضَّمَانِ وَالْأَلْفُ كَذَلِكَ فَمَا تَقُولُ إنْ نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى تَصِيرَ تَسْوَى مِائَةً؟ قَالَ الْجَارِيَةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةٌ قِيلَ فَإِنْ زَادَتْ بَعْدَ النُّقْصَانِ حَتَّى صَارَتْ تَسْوَى أَلْفَيْنِ؟ قَالَ تُخْرَجُ الزِّيَادَةُ مِنْ الضَّمَانِ وَيَصِيرُ نِصْفُ عُشْرِهَا مَضْمُونًا وَتِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عِشْرِينَ سَهْمًا غَيْرَ مَضْمُونٍ قُلْنَا ثُمَّ هَكَذَا إنْ نَقَصَتْ أَيْضًا حَتَّى صَارَتْ تَسْوَى مِائَةً؟ قَالَ نَعَمْ تَعُودُ كُلُّهَا مَضْمُونَةً قَالَ: وَهَكَذَا جَوَارٍ وَلَوْ رُهِنَّ يَسْوِينَ عَشَرَةَ آلَافٍ بِأَلْفٍ كَانَتْ تِسْعَةُ

أَعْشَارِهِنَّ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ بِضَمَانٍ وَعُشْرٌ مَضْمُونٌ عِنْدَهُ.
فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ هَذَا غَيْرُكُمْ كُنْتُمْ شَبِيهًا أَنْ تَقُولُوا مَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي الْفُتْيَا وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا تَقُولُ كَيْفَ يَكُونُ رَهْنٌ وَاحِدٌ بِحَقٍّ وَاحِدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ وَبَعْضُهُ مَضْمُونٌ ثُمَّ يَزِيدُ فَيَخْرُجُ مَا كَانَ مَضْمُونًا مِنْهُ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَفَعَ عِنْدَكُمْ بِمِائَةٍ وَهُوَ يَسْوَى مِائَةً كَانَ مَضْمُونًا كُلَّهُ، وَإِنْ زَادَ خَرَجَ بَعْضُهُ مِنْ الضَّمَانِ ثُمَّ إنْ نَقَصَ عَادَ إلَى الضَّمَانِ.
وَزَعَمْت أَنَّهُ إنْ دَفَعَ جَارِيَةً رَهْنًا بِأَلْفٍ وَهِيَ تَسْوَى أَلْفًا فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا يُسَاوُونَ آلَافًا فَالْجَارِيَةُ مَضْمُونَةٌ كُلُّهَا وَالْأَوْلَادُ رَهْنٌ كُلُّهُمْ غَيْرُ مَضْمُونِينَ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُمْ عَلَى أَخْذِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ رَهْنٌ، وَلَيْسُوا بِمَضْمُونِينَ ثُمَّ إنْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ صَارُوا مَضْمُونِينَ بِحِسَابٍ فَهُمْ كُلُّهُمْ مَرَّةً رَهْنٌ خَارِجُونَ مِنْ الضَّمَانِ وَمَرَّةً دَاخِلٌ بَعْضُهُمْ فِي الضَّمَانِ خَارِجٌ بَعْضٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لِمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِكُمْ أَعْلَمُهُ وَأَشَدُّ تَنَاقُضًا.
أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ بَعْضٍ مَنْ نُسِبَ إلَى الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ رَهَنَ الْجَارِيَةَ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَدَّى الْأَلْفَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَقَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَاهُ بِالْجَارِيَةِ فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ، وَكَانَتْ الْأَلْفُ مُسَلَّمَةً لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا فَقَدْ صَارُوا فِيهِ إلَى قَوْلِنَا وَتَرَكُوا جَمِيعَ قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَنْكَرَ مِمَّا وَصَفْنَا وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا سَكَتْنَا عَنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ لِي قَائِلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ نَقُولُ: الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ الرَّهْنَ يَعْنِي بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِأَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ قُلْنَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قُلْت.
قَالَ: وَكَيْفَ؟ . قُلْنَا: إنَّمَا تَعَامَلَا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ عَلَى مَالِكِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ وَثِيقَةٌ مَعَ الْحَقِّ كَمَا تَكُونُ الْحَمَالَةُ قَالَ كَأَنَّهُ بِأَنْ يَكُونَ رِضًا أَشْبَهُ؟ قُلْنَا إنَّمَا الرِّضَا بِأَنْ يَتَبَايَعَانِهِ فَيَكُونَ مِلْكًا لِلْمُرْتَهِنِ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ رِضًا مِنْهُمَا بِهِ، وَلَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ مِنْهُ وَهَذَا فِي قَوْلِنَا، وَقَوْلِكُمْ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَأَيُّ رِضًا مِنْهُمَا وَهُوَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَى مِلْكِ الْمُرْتَهِنِ؟ فَإِنْ قُلْت إنَّمَا يَكُونُ الرِّضَا إذَا هَلَكَ فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرِّضَا عِنْدَ الْعُقْدَةِ وَالدَّفْعِ فَالْعُقْدَةُ وَالدَّفْعُ كَانَ وَهُوَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، وَلَا يَتَحَوَّلُ حُكْمُهُ عَمَّا دَفَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا وَعِنْدَك فِي كُلِّ أَمْرٍ فِيهِ عُقْدَةٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْعُقْدَةِ.

[رَهْنُ الْمَشَاعِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ نِصْفَ أَرْضِهِ وَنِصْفَ دَارِهِ وَسَهْمًا مِنْ أَسْهُمٍ مِنْ ذَلِكَ مَشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ إذَا كَانَ الْكُلُّ مَعْلُومًا، وَكَانَ مَا رَهَنَ مِنْهُ مَعْلُومًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبُيُوعِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا مَقْسُومًا لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ وَأَحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْنَا فَلِمَ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا مَقْسُومًا، وَقَدْ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَهُوَ مَشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ؟ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَأَنْتَ لَا تَدْرِي أَيُّ النَّاحِيَتَيْنِ هُوَ؟ ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُوضًا فِي الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ؟ . فَقُلْت كَانَ الْقَبْضُ إذَا كَانَ اسْمًا وَاحِدًا لَا يَقَعُ عِنْدَك إلَّا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ بَلْ هُوَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قُلْت أَوَمَا تُقْبَضُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَمَا صَغَرَ بِالْيَدِ؟ وَتُقْبَضُ الدُّورُ بِدَفْعِ الْمَفَاتِيحِ وَالْأَرْضُ بِالتَّسْلِيمِ؟ قَالَ بَلَى فَقُلْت فَهَذَا مُخْتَلِفٌ قَالَ يَجْمَعُهُ كُلَّهُ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ قُلْت فَقَدْ تَرَكْت الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَقُلْت آخَرَ وَسَتَتْرُكُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقُلْت فَكَأَنَّ الْقَبْضَ عِنْدَك لَا يَقَعُ أَبَدًا إلَّا عَلَى مُنْفَصِلٍ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَمَا تَقُولُ فِي نِصْفِ دَارٍ وَنِصْفِ أَرْضٍ

وَنِصْفِ عَبْدٍ وَنِصْفِ سَيْفٍ اشْتَرَيْته مِنْك بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ؟ قَالَ جَائِزٌ قُلْت، وَلَيْسَ عَلَيَّ دَفْعُ الثَّمَنِ حَتَّى تَدْفَعَ إلَى مَا اشْتَرَيْت فَأَقْبِضُهُ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَإِنِّي لَمَّا اشْتَرَيْت أَرَدْت نَقْضَ الْبَيْعِ فَقُلْت بَاعَنِي نِصْفَ دَارٍ مَشَاعًا لَا أَدْرِي أَشَرْقِيَّ الدَّارِ يَقَعُ أَمْ غَرْبِيَّهَا وَنِصْفُ عَبْدٍ لَا يَنْفَصِلُ أَبَدًا، وَلَا يَنْقَسِمُ وَأَنْتَ لَا تُجِيزُنِي عَلَى قَسْمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا فَأَنَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك.
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَك، وَقَبْضُ نِصْفِ الدَّارِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ وَنِصْفِ الْعَبْدِ وَنِصْفِ السَّيْفِ أَنْ يُسَلِّمَهُ، وَلَا يَكُونُ دُونَهُ حَائِلٌ قُلْت أَنْتَ لَا تُجِيزُ الْبَيْعَ إلَّا مَعْلُومًا وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ قَالَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِعَيْنِهِ مُنْفَصِلًا فَالْكُلُّ مَعْلُومٌ وَنَصِيبُك مِنْ الْكُلِّ مَحْسُوبٌ قُلْت: وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ قَالَ: أَنْتَ شَرِيكٌ فِي الْكُلِّ قُلْت: فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُوضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ وَأَنْتَ تَقُولُ فِيمَا لَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا فَيَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ.
وَتَقُولُ: الْقَبْضُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا قَالَ قَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلًا وَغَيْرَ مُنْفَصِلٍ.
قُلْت، وَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَهُوَ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ؟ قَالَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَعْلُومٌ، وَإِذَا كَانَ الْكُلُّ مَعْلُومًا فَالْبَعْضُ بِالْحِسَابِ مَعْلُومٌ قُلْت فَقَدْ تَرَكْت قَوْلَك الْأَوَّلَ وَتَرَكْت قَوْلَك الثَّانِيَ فَلِمَ إذَا كَانَ هَذَا كَمَا وَصَفْت يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا فَجَعَلْته مَعْلُومًا وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَك لَا يَتِمُّ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَى صَاحِبِهِ بِدَفْعِ الثَّمَنِ إلَّا مَقْبُوضًا فَكَانَ هَذَا عِنْدَك قَبْضًا زَعَمْت أَنَّهُ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ قَبْضٍ فَلَا يَعْدُو أَنْ تَكُونَ أَخْطَأْت بِقَوْلِك لَا يَكُونُ فِي الرَّهْنِ قَبْضًا أَوْ بِقَوْلِك يَكُونُ فِي الْبَيْعِ قَبْضًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْقَبْضُ اسْمٌ جَامِعٌ وَهُوَ يَقَعُ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَيْفَ مَا كَانَ الشَّيْءُ مَعْلُومًا أَوْ كَانَ الْكُلُّ مَعْلُومًا وَالشَّيْءُ مِنْ الْكُلِّ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ أَجْزَاءٍ وَسُلِّمَ حَتَّى لَا يَكُونَ دُونَهُ حَائِلٌ فَهُوَ قَبْضٌ فَقَبْضُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالثِّيَابِ فِي مَجْلِسِ الرَّجُلِ وَالْأَرْضِ أَنْ يُؤْتَى فِي مَكَانِهَا فَتُسَلَّمُ لَا تَحْوِيهَا يَدٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهَا جِدَارٌ وَالْقَبْضُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إسْلَافُهَا بِأَعْلَافِهَا، وَالْعَبِيدُ تَسْلِيمُهُمْ بِحَضْرَةِ الْقَابِضِ، وَالْمَشَاعُ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا أَنْ لَا يَكُونَ دُونَهُ حَائِلٌ فَهَذَا كُلُّهُ قَبْضٌ مُخْتَلِفٌ يَجْمَعُهُ اسْمُ الْقَبْضِ، وَإِنْ تَفَرَّقَ الْفِعْلُ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَجْمَعُهُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ الْعَيْنِ وَالْكُلُّ جُزْءٌ مِنْ الْكُلِّ مَعْرُوفٌ، وَلَا حَائِلَ دُونَهُ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مَقْبُوضٌ وَاَلَّذِي يَكُونُ فِي الْبَيْعِ قَبْضًا يَكُونُ فِي الرَّهْنِ قَبْضًا لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا عِنْدَنَا مُخَالِفًا فِيمَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الرَّهْنُ وَاَلَّذِي يَخْتَلِفُ لَا يَحْتَجُّ فِيهِ بِمُتَقَدِّمٍ مِنْ أَثَرٍ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلَا مَعْقُولٍ فَيَغِيبُونَ فِي الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الْآثَارُ حَتَّى يُفَارِقُوا الْآثَارَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ؛ لَأَنْ يُجَزِّئُوا الْأَشْيَاءَ زَعَمُوا عَلَى مِثَالٍ ثُمَّ تَأْتِي أَشْيَاءُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ بِآرَائِهِمْ وَنَحْنُ وَهُمْ نَقُولُ فِي الْآثَارِ تُتَّبَعُ كَمَا جَاءَتْ وَفِيمَا قُلْت، وَقُلْنَا بِالرَّأْيِ لَا نَقْبَلُ إلَّا قِيَاسًا صَحِيحًا عَلَى أَثَرٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَبَايَعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى شَرْطِ الرَّهْنِ وَهُوَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَجَائِزٌ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إخْرَاجُهُ مِنْ حَيْثُ يَضَعَانِهِ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الرِّضَا بِأَنْ يُخْرِجَاهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ خِيفَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إنْ كَانَتْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمَانَةِ حَتَّى يَصِيرَ غَيْرَ أَمِينٍ أَنْ يُخْرِجَهُ ثُمَّ يَأْمُرَهُمَا أَنْ يَتَرَاضَيَا فَإِنْ فَعَلَا، وَإِلَّا رَضِيَ لَهُمَا كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمَا فِيمَا لَمْ يَتَرَاضَيَا فِيهِ بِمَا لَزِمَهُمَا.
قَالَ: وَإِنْ مَاتَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فَكَذَلِكَ يَتَرَاضَيَانِ أَوْ يَرْضَى لَهُمَا الْقَاضِي إنْ أَبَيَا التَّرَاضِيَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ الرَّاهِنُ وَصِيَّةً، وَلَا وَارِثُهُ قِيلَ لِوَارِثِهِ - إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ لِوَصِيِّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا -: تَرَاضَ أَنْتَ وَصَاحِبَ الرَّهْنِ فَإِنْ فَعَلَا، وَإِلَّا صَيَّرَهُ الْحَاكِمُ إلَى عَدْلٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ الْوَارِثِ، وَلَا الْوَصِيُّ.
وَلَمَّا كَانَ لِلْوَارِثِ حَقٌّ فِي احْتِبَاسِ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَانَ لَهُ مَا وَصَفْنَا مِنْ الرِّضَا فِيهِ إذَا كَانَ لَهُ أَمْرٌ فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ

فَالدَّيْنُ حَالٌّ وَيُبَاعُ الرَّهْنُ فَإِنْ أَدَّى مَا فِيهِ فَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ رُدَّ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ نَقَصَ الرَّهْنُ مِنْ الدَّيْنِ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَكَانَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيمَا يَبْقَى مِنْ دَيْنِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي ثَمَنِ رَهْنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِشَيْءٍ إنْ بَقِيَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ غَيْرُ الْمَرْهُونِ إذَا بَاعَ رَهْنَهُ فَلَمْ يَفِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَإِنْ كَانَا وَضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ فَلَهُ بَيْعُهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا مَعًا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ، وَكَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ فَلِلرَّاهِنِ مَا بَاعَ بِهِ الرَّهْنَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ثُمَّ إنْ تَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ عَلَى يَدَيْهِ إلَى مَحِلِّ الْأَجَلِ، وَإِلَّا تَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لِلرَّهْنِ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ خِلَافُ الْأَمَانَةِ، وَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ رَدَّ الْبَيْعَ إنْ شَاءَ فَإِنْ فَاتَ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَا بَلَغَتْ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى ذِي الْحَقِّ حَقَّهُ وَيَكُونُ لِمَالِكِ الرَّهْنِ فَضْلُهَا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: يَضْمَنُ مَا حَطَّ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ الْبَيْعُ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَدُّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا شَدِيدًا فِيمَا يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ وَيَخُصُّ وَيَعُمُّ فَيُدْعَى رَجُلَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ فَقَالَ أَيَتَغَابَنُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ بِمِثْلِ هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ جَازَ، وَإِنْ قَالُوا: لَا.
رَدَّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ مَا وَصَفْت.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يَتَغَابَنُ بِهِ غَيْرُ أَهْلِ الْبَصَرِ، وَإِلَى تَرْكِ التَّوْقِيتِ فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ رَجَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ، وَكَانَ صَاحِبُهُ يَقُولُ حَدُّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ الْعَشَرَةُ ثَلَاثَةٌ فَإِنْ جَاوَزَ ثَلَاثَةً لَمْ يَتَغَابَنْ أَهْلُ الْبَصَرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَهْلُ الْبَصَرِ بِالْجَوْهَرِ وَالْوَشْيِ وَعَلَيْهِ الرَّقِيقُ يَتَغَابَنُونَ بِالدِّرْهَمِ ثَلَاثَةً وَأَكْثَرَ، وَلَا يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالتَّمْرِ فِي كُلِّ خَمْسِينَ بِدِرْهَمٍ وَذَلِكَ لِظُهُورِهِ وَعُمُومِ الْبَصَرِ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ مَا يَدِقُّ وَظُهُورِ مَا يَجِلُّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَاعَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فَهَلَكَ الثَّمَنُ مِنْهُ فَهُوَ أَمِينٌ وَالدَّيْنُ عَلَى الرَّاهِنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اخْتَلَفَ مَالِكُ الرَّهْنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُؤْتَمَنِ وَالْبَائِعُ فَقَالَ: بِعْت بِمِائَةٍ، وَقَالَ بِعْت بِخَمْسِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَمَنْ جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ أَرَادَ الَّذِي يُحَالِفُهُ يَمِينَهُ قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهُ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِيهِ بِمِئَتَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَهَنْتَنِي عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ مَالِكُ الْعَبْدِ: رَهَنْتُك عَبْدِي بِمِائَةٍ أَوْ هُوَ فِي يَدَيْك وَدِيعَةً، وَقَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بَلْ رَهَنْتَنِيهِ بِأَلْفٍ فِي الْحَالَيْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَالِكِ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَصَادَقَانِ عَلَى مِلْكِهِ وَيَدَّعِي الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ فَضْلًا عَلَى مَا كَانَ يُقِرُّ بِهِ مَالِكُهُ فِيهِ أَوْ حَقًّا فِي الرَّهْنِ لَا يُقِرُّ بِهِ مَالِكُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ فِي كَيْنُونَةِ الْعَبْدِ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ فَضْلِ الرَّهْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُكَهُ بِأَلْفٍ وَدَفَعْتهَا إلَيْك، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ تَدْفَعْهَا إلَى كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَلْفٍ يَدَّعِي مِنْهَا الْبَرَاءَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك عَبْدًا فَأَتْلَفْته، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ مَاتَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ عَلَى تَضْمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك عَبْدًا بِأَلْفٍ وَأَتْلَفْته، وَلَيْسَ بِهَذَا.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: هُوَ هَذَا فَلَا يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ عَلَى تَضْمِينِ الْمُرْتَهِنِ الْعَبْدَ الَّذِي ادَّعَى، وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ الَّذِي ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْعَبْدِ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ رَهَنَهُ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ وَيَتَحَالَفَانِ مَعًا أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْأَلْفِ رَهَنْتَنِي بِهَا دَارَك، وَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ: لَمْ أَرْهَنْك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) :

وَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ كَانَ الرَّهْنُ مِثْلًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِّ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا يَرْهَنُهُ فَرَهَنَهُ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ إذَا تَصَادَقَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ كَمَا يَجُوزُ لَوْ رَهَنَهُ مَالِكُ الْعَبْدِ فَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْعَبْدِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الرَّاهِنُ أَوْ مَالِكُ الْعَبْدِ مُتَطَوِّعًا الْحَقَّ كُلَّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِمَالِكِ الرَّهْنِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّاهِنَ بِافْتِكَاكِهِ لَهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَعَارَهُ لَهُ بِلَا مُدَّةٍ كَانَ ذَلِكَ مَحِلَّ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَعَارَهُ إيَّاهُ فَقَالَ: ارْهَنْهُ إلَى سَنَةٍ فَفَعَلَ، وَقَالَ افْتَكَّهُ قَبْلَ السَّنَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِبَيْعِ مَا لَهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَتَّى يُعِيدَهُ إلَيْهِ كَمَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ لَوْ أَعَرْتُك عَبْدِي يَخْدُمُك سَنَةً كَانَ لِي أَخْذُهُ السَّاعَةَ، وَلَوْ أَسْلَفْتُك أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ كَانَ لِي أَخْذُهَا مِنْك السَّاعَةَ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُصَيِّرَ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِهِمَا فَهُوَ كَالضَّامِنِ عَنْهُ مَالًا، وَلَا يُشَبَّهُ إذْنُهُ بِرَهْنِهِ إلَى مُدَّةِ عَارِيَّتِهِ إيَّاهُ، وَلَا سَلَفِهِ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ أَعَارَهُ إيَّاهُ يَرْهَنُهُ، وَقَالَ أَذِنْت لَك فِي رَهْنِهِ بِأَلْفٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ: أَذِنْت لِي بِأَلْفَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكِ الْعَبْدِ فِي أَنَّهُ بِأَلْفٍ وَالْأَلْفُ الثَّانِيَةُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي مَالِهِ لِلْمُرْتَهِنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اسْتَعَارَ رَجُلَانِ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ فَرَهْنَاهُ مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةٍ ثُمَّ أَتَى أَحَدُهُمَا بِخَمْسِينَ فَقَالَ هَذَا مَا يَلْزَمُنِي مِنْ الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ضَامِنًا عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ اجْتَمَعَا فِي الرَّهْنِ فَإِنَّ نِصْفَهُ مَفْكُوكٌ وَنِصْفَهُ مَرْهُونٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ عَبْدًا فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ بِخَمْسِينَ فَقَالَ هَذِهِ فِكَاكُ حَقِّ فُلَانٍ مِنْ الْعَبْدِ وَحَقُّ فُلَانٍ مَرْهُونٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُفَكُّ إلَّا مَعًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ بِتِسْعِينَ فَقَالَ فُكَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ وَاتْرُكْ الْعُشْرَ مَرْهُونًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ مَفْكُوكًا وَذَلِكَ أَنَّهُ رَهْنٌ وَاحِدٌ بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَلَا يُفَكُّ إلَّا مَعًا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ جَازَ أَنْ يَفُكَّ نِصْفَ أَحَدِهِمَا دُونَ نِصْفِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا وَمِنْ آخَرَ عَبْدًا فَرَهَنَهُمَا جَازَ أَنْ يَفُكَّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَالرَّجُلَانِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُمَا فِي وَاحِدٍ لَا يَتَجَزَّأُ فَأَحْكَامُهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ حُكْمُ مَالِكَيْ الْعَبْدَيْنِ الْمُفْتَرِقَيْنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَوْ وَصِيِّهِ أَنْ يَرْهَنَا عَنْهُ كَمَا يَبِيعَانِ عَلَيْهِ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلِلْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلِلْمُكَاتَبِ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُسْتَأْمَنِ أَنْ يَرْهَنَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا الْمُصْحَفَ وَالرَّقِيقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ يَصِيرَ الْمُسْلِمُ تَحْتَ يَدَيْ الْمُشْرِكِ بِسَبَبٍ يُشْبِهُ الرِّقَّ.
وَالرَّهْنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِقًّا فَإِنَّ الرَّقِيقَ لَا يَمْتَنِعُ إلَّا قَلِيلًا مِنْ الذُّلِّ لِمَنْ صَارَ تَحْتَ يَدَيْهِ بِتَصْيِيرِ مَالِكِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ لَمْ نَفْسَخْهُ، وَلَكِنَّا نَكْرَهُهُ؛ لِمَا وَصَفْنَا، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ آخُذُ الرَّاهِنَ بِافْتِكَاكِهِ حَتَّى يُوَفَّى الْمُرْتَهِنُ الْمُشْرِكُ حَقَّهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ يَصِيرَ فِي يَدَيْهِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ ارْتِهَانُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا فَسَخْت الْبَيْعَ كَانَ مَذْهَبًا فَأَمَّا مَا سِوَاهُمْ فَلَا بَأْسَ بِرَهْنِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ رَهَنَ الْمُصْحَفَ قُلْنَا إنْ رَضِيت أَنْ تَرُدَّ الْمُصْحَفَ وَيَكُونَ حَقُّك عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَك أَوْ تَتَرَاضَيَانِ عَلَى مَا سِوَى الْمُصْحَفِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْك، وَإِنْ لَمْ تَتَرَاضَيَا فَسَخْنَا الْبَيْعَ بَيْنَكُمَا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُتْرَكَ فِي يَدَيْ مُشْرِكٍ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمَسَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا طَاهِرٌ وَنَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ.
(أَخْبَرَنَا) إبْرَاهِيمُ وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُوقَفُ عَلَى الْمُرْتَدِّ مَالُهُ فَإِنْ رَهَنَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ الْوَقْفِ فَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَلَى حَالٍ وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَمْلِكَ مَالَهُ فَيَجُوزُ الرَّهْنُ، وَإِنْ رَهَنَهُ قَبْلَ وَقْفِ مَالِهِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُشْرِكِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ قَبْلَ أَنْ

يُؤْخَذَ عَنْهُ، وَكَمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالذِّمَّةِ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَإِذَا قَامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ أَوْ يُبْرِئُوهُ مِنْهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَرْهَنَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِصَاحِبِ الْمَالِ كَانَ فِي الْمُقَارَضَةِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا مِلْكُ الْمُقَارِضِ الرَّاهِنِ شَيْئًا مِنْ الْفَضْلِ شَرْطُهُ لَهُ إنْ سَلِمَ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسُ مَالِ الْمُقَارَضِ إلَيْهِ أَخَذَ شَرْطَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَذِنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنْ يَرْهَنَ الْعَبْدَ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَهُوَ كُلُّهُ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ لَا يُفَكُّ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ.
وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الرَّاهِنَ إنْ فَكَّ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَهُوَ مَفْكُوكٌ وَيُجْبَرُ عَلَى فَكِّ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فِي الْعَبْدِ إنْ شَاءَ ذَلِكَ شَرِيكُهُ فِيهِ، وَإِنْ فَكَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْهُ فَهُوَ مَفْكُوكُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى حَقِّهِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُ الْعَبْدِ لِشَرِيكِهِ فِي أَنْ يَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَرَهَنَ الْعَبْدَ فَنِصْفُهُ مَرْهُونٌ وَنِصْفُ شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي رَهْنِهِ مِنْ الْعَبْدِ غَيْرُ مَرْهُونٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ تَعَدَّى فَرَهَنَ عَبْدَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَا يَمْلِكُهُ الرَّاهِنُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَجُوزُ رَهْنُ الِاثْنَيْنِ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا أَمَةً فَوَلَدَتْ أَوْ حَائِطًا فَأَثْمَرَ أَوْ مَاشِيَةً فَتَنَاتَجَتْ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ وَلَدُ الْجَارِيَةِ، وَلَا نِتَاجُ الْمَاشِيَةِ، وَلَا ثَمَرَةُ الْحَائِطِ رَهْنًا، وَلَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ شَيْءٌ لَمْ يَرْهَنْهُ مَالِكُهُ قَطُّ، وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ حَقًّا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ تَبَعًا فِي الْبُيُوعِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ لَمْ يَحْدُثْ قَطُّ إلَّا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ كَانَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ وَتَبَعًا فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كَانَ، وَلَمْ يُولَدْ الْمَمْلُوكُ فَلَمْ يَصِرْ إلَى أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَى حُكْمِ الْحَيَاةِ الظَّاهِرِ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ لِأُمِّهِ وَهُوَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ.
وَثَمَرُ الْحَائِطِ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ، وَإِذَا أُبِّرَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعِتْقُ وَالْبَيْعُ مُخَالِفٌ لِلرَّهْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا بَاعَ فَقَدْ حَوَّلَ رَقَبَةَ الْأَمَةِ وَالْحَائِطَ وَالْمَاشِيَةَ مِنْ مِلْكِهِ وَحَوَّلَهُ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ؟ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ لِشَيْءٍ جَعَلَهُ اللَّهُ وَمَلَكَتْ نَفْسَهَا، وَالرَّهْنُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِهِ قَطُّ هُوَ فِي مِلْكِهِ بِحَالِهِ إلَّا أَنَّهُ مُحَوَّلٌ دُونَهُ بِحَقٍّ حَبَسَهُ بِهِ لِغَيْرِهِ أَجَازَهُ الْمُسْلِمُونَ كَمَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ، وَقَدْ أَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقَّ بِمَنْفَعَتِهِ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي شُرِطَتْ لَهُ مِنْ مَالِكِ الْعَبْدِ وَالْمِلْكُ لَهُ، وَكَمَا لَوْ آجَرَ الْأَمَةَ فَتَكُونُ مُحْتَبَسَةً عَنْهُ بِحَقٍّ فِيهَا، وَإِنْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا لَمْ تَدْخُلْ الْأَوْلَادُ فِي الْإِجَارَةِ فَكَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ الْأَوْلَادُ فِي الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الرَّجُلِ عَنْ الرَّجُلِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ إلَّا مَنْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ وَوَلَدُ الْأَمَةِ وَنِتَاجُ الْمَاشِيَةِ وَثَمَرُ الْحَائِطِ مِمَّا لَمْ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ قَطُّ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَضَى فِيمَنْ ارْتَهَنَ نَخْلًا مُثْمِرًا فَلْيَحْسِبْ الْمُرْتَهِنُ ثَمَرَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ شَبِيهًا بِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَحْسَبُ مُطَرِّفًا قَالَهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ عَامِ حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا كَلَامٌ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ فَأَظْهَرُ مَعَانِيهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ تَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ رَهْنًا أَوْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا وَيَكُونَ الرَّاهِنُ سَلَّطَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَاقْتِضَائِهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا تَرَاضَيَا أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فَتَأَدَّاهَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ هِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا لِلْمُرْتَهِنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا صَنَعُوا هَذَا مُتَقَدِّمًا فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيُشْبِهُ هَذَا لِقَوْلِهِ مِنْ عَامِ حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظُهُورِ حُكْمِهِ فَرَدَّهُمْ إلَى أَنْ لَا تَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَاهِرٌ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ وَصَارَ إلَى التَّأْوِيلِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا جَازَ عَلَيْهِ وَكُلٌّ يَحْتَمِلُ مَعْنًى لَا يُخَالِفُ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ رَهْنًا مَعَ

الْحَائِطِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ لَا يَكُونُ لَهُ ظَاهِرٌ مُخَالِفٌ يَحْكُمُ بِهِ؟ قُلْت أَرَأَيْت رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا حَائِطًا فَأَثْمَرَ الْحَائِطُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الثَّمَرَةِ وَحِسَابُهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَيَكُونُ بَائِعًا لِنَفْسِهِ بِلَا تَسْلِيطٍ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّاهِنَ سَلَّطَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ أَوْ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ، وَلَا يُجِيزُ هَذَا أَحَدٌ عَلِمْته فَلَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ فِي هَذَا إلَّا بِالتَّأْوِيلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ هَكَذَا كَانَ أَنْ لَا تَكُونَ الثَّمَرَةُ رَهْنًا، وَلَا الْوَلَدُ، وَلَا النِّتَاجُ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا عِنْدَ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَالنِّتَاجُ وَالثَّمَرُ رَهْنًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَجُوزَ عِنْدِي، وَإِنَّمَا أَجْزَتْهُ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَا لَا يَكُونُ وَهَذَا يُشْبِهُ مَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَيِّنِ جِدًّا كَانَ مَذْهَبًا، وَلَوْلَا حَدِيثُ مُعَاذٍ مَا رَأَيْته يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدٍ جَائِزًا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ إذَا رَهَنَهُ مَاشِيَةً أَوْ نَخْلًا عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ النِّتَاجِ أَوْ الثَّمَرَةِ رَهْنٌ كَانَ الرَّهْنُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ مَا لَا يَعْرِفُ، وَلَا يُضْبَطُ وَيَكُونُ، وَلَا يَكُونُ، وَلَا إذَا كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الثَّمَرَةُ وَالنِّتَاجُ وَوَلَدُ الْجَارِيَةِ رَهْنٌ مَعَ الْجَارِيَةِ وَالْمَاشِيَةِ وَالْحَائِطِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ وَمَا كَسَبَ الرَّهْنُ مِنْ كَسْبٍ أَوْ وُهِبَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِمَالِكِهِ، وَلَا يُشْبِهُ كَسْبُهُ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ ثَمَنٌ لَهُ أَوْ لِبَعْضِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَفَعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ إلَى الْعَدْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدَيْهِ لِخِدْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ رَهْنًا فَيُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ فَإِنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ أَوْ مَرْدُودٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ، وَوَجْهُهُ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ بِالْحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ مَحُولًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ سَاعَةً يَخْدُمُهُ فَهُوَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَهُ أَبْعَدُ فَإِذَا كَانَ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهُ فِيهَا عِتْقُهُ وَأَبْطَلَ الْحَاكِمُ فِيهَا عِتْقَهُ ثُمَّ فَكَّهُ بَعْدُ لَمْ يُعْتَقْ بِعِتْقٍ قَدْ أَبْطَلَهُ الْحَاكِمُ.
(وَقَالَ) : بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ نَظَرْت فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَفِي بِقِيمَةِ الْعَبْدِ أَخَذْت قِيمَتَهُ مِنْهُ فَجَعَلْتهَا رَهْنًا وَأَنْفَذْت عِتْقَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْ قَضَاهُ فَرَجَعَ الْعَبْدُ إلَى مَالِكِهِ وَانْفَسَخَ الدَّيْنُ الَّذِي فِي عِتْقِهِ أَنَفَذْت عَلَيْهِ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ الَّتِي مَنَعْت بِهَا عِتْقَهُ حَقُّ غَيْرِهِ فِي عِتْقِهِ فَلَمَّا انْفَسَخَ ذَلِكَ أَنْفَذْت فِيهِ الْعِتْقَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ هُوَ حُرٌّ وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ وَاَلَّذِي يَقُولُ هُوَ حُرٌّ يَقُولُ لَيْسَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يَبِيعَهُ وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ، وَلَا يَرْهَنُهُ، وَلَا يَقْبِضُهُ سَاعَةً، وَإِذَا قِيلَ لَهُ لِمَ وَهُوَ مَالِكٌ قَدْ بَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا قَالَ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَقِيلَ لَهُ فَإِذَا مَنَعْته أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ رَهْنًا مَكَانَهُ أَوْ قَالَ أَبِيعُهُ لَا يَتْلَفُ ثُمَّ أَدْفَعُ الثَّمَنَ رَهْنًا فَقُلْت لَا إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ وَمَنَعْته وَهُوَ مَالِكٌ أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَبْطَلْت الرَّهْنَ إنْ فَعَلَ وَمَنَعْته وَهُوَ مَالِكٌ أَنْ يَخْدُمَهُ سَاعَةً، وَكَانَتْ حُجَّتُك فِيهِ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ فِيهِ شَيْئًا لِغَيْرِهِ فَكَيْفَ أَجَزْتَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ فَيُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ الْإِخْرَاجَ الَّذِي لَا يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا لَقَدْ مَنَعْته مِنْ الْأَقَلِّ وَأَعْطَيْته الْأَكْثَرَ فَإِنْ قَالَ اسْتَسْعِيهِ فَالِاسْتِسْعَاءُ أَيْضًا ظُلْمٌ لِلْعَبْدِ وَلِلْمُرْتَهِنِ.
أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ أَمَةً تُسَاوِي أُلُوفًا وَيَعْلَمُ أَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ اكْتِسَابِ نَفَقَتِهَا فِي أَيِّ شَيْءٍ تَسْعَى.
أَوْ رَأَيْت إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ إلَى أَيِّ يَوْمٍ فَأَعْتَقَهُ، وَلَعَلَّ الْعَبْدَ يَهْلَكُ، وَلَا مَالَ لَهُ وَالْأَمَةَ فَيَبْطُلُ حَقُّ هَذَا أَوْ يَسْعَى فِيهِ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ لَعَلَّهُ لَا يُؤَدِّي مِنْهُ كَبِيرَ شَيْءٍ، وَلَعَلَّ الرَّاهِنَ مُفْلِسٌ لَا يَجِدُ دِرْهَمًا فَقَدْ أَتْلَفْت حَقَّ صَاحِبِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِرَهْنِهِ فَمَرَّةً تَجْعَلُ الدَّيْنَ يَهْلَكُ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ زَعِيمٌ وَمَرَّةً تَنْظُرُ إلَى الَّذِي فِيهِ الدَّيْنُ فَتُجِيزُ فِيهِ عِتْقَ صَاحِبِهِ وَتُتْلِفُ فِيهِ حَقَّ الْغَرِيمِ وَهَذَا قَوْلٌ مُتَبَايِنٌ، وَإِنَّمَا يَرْتَهِنُ الرَّجُلُ بِحَقِّهِ فَيَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِمَّنْ لَمْ

يَرْتَهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي أَكْثَرِ قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الَّذِي لَمْ يَرْتَهِنْ وَمَا شَيْءٌ أَيْسَرُ عَلَى مَنْ يَسْتَخِفُّ بِذِمَّتِهِ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الرَّهْنِ أَنْ يُعِيرَهُ إيَّاهُ إمَّا يَخْدُمُهُ أَوْ يَرْهَنُهُ فَإِذَا أَبَى قَالَ لَأُخْرِجَنَّهُ مِنْ يَدِك فَأُعْتِقَهُ فَتَلِفَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ الرَّاهِنِ وَفَاءً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَدْرِي أَيَرَاهُ يَرْجِعُ بِالدَّيْنِ عَلَى الْغَرِيمِ الْمُعْتَقِ أَمْ لَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ أَجَزْت الْعِتْقَ فِيهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلَمْ تَقُلْ مَا قَالَ فِيهِ عَطَاءٌ؟ قِيلَ لَهُ كُلُّ مَالِك يَجُوزُ عِتْقُهُ إلَّا لِعِلَّةِ حَقِّ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ عِتْقُهُ إيَّاهُ يُتْلِفُ حَقَّ غَيْرِهِ لَمْ أُجِزْهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يُتْلِفُ لِغَيْرِهِ حَقًّا وَكُنْت آخُذُ الْعِوَضَ مِنْهُ وَأُصَيِّرُهُ رَهْنًا كَهُوَ فَقَدْ ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ الَّتِي بِهَا كُنْت مُبْطِلًا لِلْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي فِيهِ اسْتِيفَاءٌ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ إبْرَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا، وَإِنْ رَهَنَهُ رَهْنًا فَمَا قَبَضَهُ هُوَ، وَلَا عَدْلٌ يَضَعُهُ عَلَى يَدَيْهِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْقَبْضُ مَا وَصَفْت فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مُخْتَلِفٌ.
قَالَ: وَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَعَارَهُ إيَّاهُ أَوْ آجَرَهُ إيَّاهُ هُوَ أَوْ الْعَدْلُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُخْرِجُهُ هَذَا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعَارَهُ إيَّاهُ فَمَتَى شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِذَا آجَرَهُ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ يُؤَاجِرُ الرَّهْنَ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَالْإِجَارَةُ لِلْمَالِكِ فَإِذَا كَانَتْ لِلْمَالِكِ فَلِصَاحِبِ الرَّهْنِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُنْفَسِخَةٌ وَهَكَذَا تَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ فَرَهَنَهُ، وَقَبَضَ أَوْ رَهَنَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِذَا رَهَنَهُ فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَهُوَ كَالضَّمَانِ يَجُوزُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَعِنْدَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَايَعَهُ عَلَى وَثِيقَةٍ فَلَمْ تَتِمَّ لَهُ، وَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى رَهْنِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضًا.

[جِنَايَةُ الرَّهْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الْأَجْنَبِيُّ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ أَوْ تُتْلِفُ بَعْضَهُ أَوْ تُنْقِصُهُ فَكَانَ لَهَا أَرْشٌ فَمَالِكُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ الْخَصْمُ فِيهَا، وَإِنْ أَحَبَّ الْمُرْتَهِنُ حُضُورَهُ أَحْضَرَهُ فَإِذَا قُضِيَ لَهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ دَفَعَ الْأَرْشَ إلَى الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ إلَى الْعَدْلِ الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ، وَقِيلَ لِلرَّاهِنِ إنْ أَحْبَبْت فَسَلِّمْهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ قِصَاصًا مِنْ حَقِّهِ عَلَيْك، وَإِنْ شِئْت فَهُوَ مَوْقُوفٌ فِي يَدَيْهِ رَهْنًا، أَوْ فِي يَدَيْ مَنْ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ إلَى مَحِلِّ الْحَقِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَعْقِلُ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ يَقِفُ لَا يَقْبِضُهُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ إلَى مَحِلِّ الدَّيْنِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مَوْقُوفًا غَيْرَ مَضْمُونٍ إنْ تَلِفَ بِلَا ضَمَانٍ عَلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ، وَكَانَ أَصْلُ الْحَقِّ ثَابِتًا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ دَيْنِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ أَنَا آخُذُ الْأَرْشَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ لِي فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَرْشِ الْعَبْدِ فَهُوَ يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهِ وَمَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِهِ فَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ بَدَنِهِ وَالْعِوَضُ مِنْ الْبَدَنِ يَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكِهِ أَخْذُ بَدَنِ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَخْذُ أَرْشِ بَدَنِهِ، وَلَا أَرْشِ شَيْءٍ مِنْهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُرْتَهِنِ فَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ فَجِنَايَتُهُ أَيْضًا كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا أَنَّ مَالِكَ الْعَبْدِ يُخَيَّرُ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ثَمَنِ عَقْلِ

الْعَبْدِ قِصَاصًا مِنْ دَيْنِهِ أَوْ يُقِرُّهُ رَهْنًا فِي يَدَيْهِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أُخِذَ مَا لَزِمَهُ مِنْ عَقْلِهِ فَدُفِعَ إلَى الْعَدْلِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُرْتَهِنِ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ افْدِ عَبْدَك بِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ أَوْ أَسْلِمْهُ يُبَاعُ فَإِنْ فَدَاهُ فَالرَّاهِنُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ قِصَاصًا مِنْ الدَّيْنِ أَوْ يَكُونَ رَهْنًا كَمَا كَانَ الْعَبْدُ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدَ بِيعَ الْعَبْدُ ثُمَّ كَانَ ثَمَنُهُ رَهْنًا كَمَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَنَى عَبْدُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى عَبْدِ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونِ جِنَايَةً لَا تَبْلُغُ النَّفْسَ فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْجِنَايَةِ فِي النَّفْسِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسْلِمَهُ يُبَاعُ فَإِنْ أَسْلَمَهُ بِيعَ ثُمَّ كَانَ ثَمَنُهُ كَمَا وَصَفْت لَك.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ فِي الرَّهْنِ عَبْدَانِ فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَالْجِنَايَةُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ لَا فِي مَالِ سَيِّدِهِ فَإِذَا جَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَكَأَنَّمَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا هُوَ لَهُ رَهْنٌ لِغَيْرِهِ فَالسَّيِّدُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعَبْدِ الْجَانِي إلَّا مَالَهُ وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعَبْدِ الْجَانِي إلَّا مَا هُوَ مِلْكٌ لِمَنْ رَهَنَهُ وَمَا هُوَ رَهَنٌ لَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَجَنَى عَلَيْهَا وَلَدُهَا كَعَبْدٍ لِلسَّيِّدِ، لَوْ جَنَى عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ لِلرَّاهِنِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ قِيلَ لَهُ قَدْ أَتْلَفَ عَبْدُك عَبْدَك وَعَبْدُك الْمُتْلِفُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مَرْهُونٌ بِحَقٍّ لِغَيْرِك فِيهِ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ تَفْدِيَ عَبْدَك بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَإِنْ فَعَلْت فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ الدَّيْنِ أَوْ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مِنْ الرَّهْنِ يَقُومُ مَقَامَهُ أَوْ تُسَلِّمَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ فَيُبَاعَ، ثُمَّ يَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ جَنَى الرَّاهِنُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ فَقَدْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ حَقٌّ بِرَهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ سَيِّدَهُ وَيَبِيعُهُ فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِثَمَنِهِ مِنْ سَيِّدِهِ وَمِنْ غُرَمَائِهِ فَيُقَالُ أَنْتَ، وَإِنْ كُنْت جَنَيْت عَلَى عَبْدِك فَجِنَايَتُك عَلَيْهِ إخْرَاجٌ لَهُ مِنْ الرَّهْنِ أَوْ نَقْصٌ لَهُ فَإِنْ شِئْت فَأَرْشُ جِنَايَتِك عَلَيْهِ مَا بَلَغَتْ قِصَاصًا مِنْ دَيْنِك، وَإِنْ شِئْت فَسَلِّمْهُ يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ.
قَالَ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا فَأَمَّا إذَا كَانَ إلَى أَجَلٍ فَيُؤْخَذُ الْأَرْشُ فَيَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا الْجَانِي الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِأَنْ يَكُونَ قِصَاصًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَمْدًا فَلِمَالِكِ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ أَنْ يَقْتَصَّ لَهُ مِنْ الْجَانِي إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ، وَإِنْ عَرَضَ عَلَيْهِ الصُّلْحَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَالِحَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقَوَدَ، وَلَا يُبَدِّلَ مَكَانَهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْقِصَاصُ، وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي أَخْذِهِ الْقِصَاصَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْقَوْلُ بَعِيدٌ مِنْ قِيَاسِ قَوْلِهِ هُوَ يُجِيزُ عِتْقَ الرَّاهِنِ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَيَسْعَى الْعَبْدُ وَاَلَّذِي يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ يَقْتَصُّ لِلْعَبْدِ مِنْ الْحُرِّ وَيَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - حَكَمَ بِالْقِصَاصِ فِي الْقَتْلَى وَسَاوَى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَيَزْعُمُ أَنَّ وَلِيَّ الْقَتِيلِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْجَبَ لَهُ الْقِصَاصَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْقَاتِلُ وَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ فَيَصْطَلِحَا عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا زَعَمَ أَنَّ الْقَتْلَ يَجِبُ فِيهِ بِحُكْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْقَتْلِ، وَكَانَ وَلِيُّهُ يُرِيدُ لِلْقَتْلِ فَمَنَعَهُ إيَّاهُ فَقَدْ أَبْطَلَ مَا زَعَمَ أَنَّ فِيهِ حُكْمًا وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ حَقِّهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّ الْقَتْلَ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فَكَذَلِكَ قَدْ أَبْطَلَ حَقَّ الرَّاهِنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ مَاتَ بَطَلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَالِكِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى أَنَّ هَذَا أَصْلَحُ لَهُمَا مَعًا فَقَدْ بَدَأَ بِظُلْمِ الْقَاتِلِ عَلَى نَفْسِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ عِنْدَهُ قِصَاصٌ وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِمَّا زَعَمَ إنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَالْحَقُّ إلَى سَنَةٍ فَيُعْطِيهِ بِهِ رَجُلٌ لِرَغْبَتِهِ فِيهِ أَلْفَ دِينَارٍ فَيُقَالُ لِمَالِكِ الْعَبْدِ هَذَا فَضْلٌ كَثِيرٌ تَأْخُذُهُ فَتَقْضِي دَيْنَك وَيَقُولُ ذَلِكَ لَهُ الْغَرِيمُ وَمَالِكُ الْعَبْدِ مُحْتَاجٌ فَيَزْعُمُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي أَبْطَلَ الْقِصَاصَ لِلنَّظَرِ لِلْمَالِكِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَا

يُكْرِهُ مَالِكَ الْعَبْدِ عَلَى بَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُمَا مَعًا، وَلَا يُكْرِهُ النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ بِمَا لَا يُرِيدُونَ إلَّا أَنْ يَلْزَمَهُمْ حُقُوقٌ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِهِ حَقٌّ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الرَّهْنُ جِنَايَةً فَسَيِّدُهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ أَوْ يُسَلِّمُهُ يُبَاعُ فَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَسْلَمَهُ بِحَقٍّ وَجَبَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمُسَلَّمِ فَأَسْلَمَهُ فَبِيعَ دَفَعَ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَرْشَ جِنَايَتِهِ وَرَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ رَهْنًا.

[التَّفْلِيسُ]

ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . (أَخْبَرَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُعْتَمِرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ عَنْ ابْنِ خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ، وَكَانَ قَاضِيًا بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ قَالَ جِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ فَقَالَ هَذَا الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ فِي التَّفْلِيسِ نَأْخُذُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَالثَّقَفِيِّ مِنْ جُمْلَةِ التَّفْلِيسِ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ سَوَاءٌ وَحَدِيثَاهُمَا ثَابِتَانِ مُتَّصِلَانِ وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» بَيَانٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إذَا كَانَتْ سِلْعَتُهُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا نَقْضُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فِيهَا إنْ شَاءَ كَمَا جَعَلَ لِلْمُسْتَشْفِعِ الشُّفْعَةَ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ جُعِلَ لَهُ شَيْءٌ فَهُوَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ أَصَابَ السِّلْعَةَ نَقْصٌ فِي بَدَنِهَا عَوَارٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ زَادَتْ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، يُقَالُ لِرَبِّ السِّلْعَةِ: أَنْتَ أَحَقُّ بِسِلْعَتِك مِنْ الْغُرَمَاءِ إنْ شِئْت؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ ذَلِكَ إنْ اخْتَارَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ نَقْضًا لِلْعُقْدَةِ الْأُولَى بِحَالِ السِّلْعَةِ الْآنَ.
قَالَ: وَإِذَا لَمْ أَجْعَلْ لِوَرَثَةِ الْمُفْلِسِ، وَلَا لَهُ فِي حَيَاتِهِ دَفْعَهُ عَنْ سِلْعَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ بَرِيءُ الذِّمَّةِ بِأَدَائِهِ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ أَجْعَلْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ السِّلْعَةِ إنْ شَاءُوا وَمَا لِغُرَمَائِهِ يَدْفَعُونَ عَنْهُ.
وَمَا يَعْدُو غُرَمَاؤُهُ أَنْ يَكُونُوا مُتَطَوِّعِينَ لِلْغَرِيمِ بِمَا يَدْفَعُونَ عَنْهُ فَلَيْسَ عَلَى الْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ دَيْنِهِ كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَقْضِيك عَنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ مِنْهُ وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ صَاحِبِهِ أَوْ يَكُونُ هَذَا لَهُمْ لَازِمًا فَيَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوهُ فَهَذَا لَيْسَ لَهُمْ بِلَازِمٍ وَمَنْ قَضَى عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْهُمْ خَرَجَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ فَإِذَا مَنَعَهُ إيَّاهُ فَقَدْ مَنَعَهُ مَا جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَعْطَاهُ شَيْئًا مُحَالًا ظَلَمَ فِيهِ الْمُعْطَى وَالْمُعْطِيَ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْطِيَ لَوْ أَعْطَى ذَلِكَ الْغَرِيمَ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَالًا مِنْ مَالِهِ يَدْفَعُهُ إلَى

صَاحِبِ السِّلْعَةِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُفْلِسٍ يُحِقُّهُ وَجَبَرَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَجَاءَ غُرَمَاءُ آخَرُونَ رَجَعُوا بِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ قَدْ مَنَعَهُ سِلْعَتَهُ الَّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ الْغُرَمَاءِ كُلِّهِمْ وَأَعْطَاهُ الْعِوَضَ مِنْهَا وَالْعِوَضُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا فَاتَ وَالسِّلْعَةُ لَمْ تَفُتْ فَقَضَى هَا هُنَا قَضَاءً مُحَالًا إذْ جَعَلَ الْعِوَضَ مِنْ شَيْءٍ قَائِمٍ ثُمَّ زَادَ أَنْ قَضَى بِأَنْ أَعْطَاهُ مَا لَا يُسَلَّمُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ إذَا جَاءُوا وَدَخَلُوا مَعَهُ فِيهِ، وَكَانُوا أُسْوَتَهُ وَسِلْعَتُهُ قَدْ كَانَتْ لَهُ مُنْفَرِدَةً دُونَهُمْ عَنْ الْمُعْطِي فَجَعَلَهُ يُعْطِي عَلَى أَنْ يَأْخُذَ فَضْلَ السِّلْعَةِ ثُمَّ جَاءَ غُرَمَاءُ آخَرُونَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ تَطَوَّعَ بِهِ قِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَ تَطَوَّعَ بِهِ فَلِمَ جَعَلْت لَهُ فِيمَا تَطَوَّعَ عِوَضَ السِّلْعَةِ وَالْمُتَطَوِّعُ مَنْ لَا يَأْخُذُ عِوَضًا مَا زِدْت عَلَى أَنْ جَعَلْته لَهُ بَيْعًا لَا يَجُوزُ وَغَرَرًا لَا يُفْعَلُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ نَخْلًا فِيهِ ثَمَرٌ أَوْ طَلْعٌ قَدْ أُبِّرَ اسْتَثْنَاهُ الْمُشْتَرِي، وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي وَأَكَلَ الثَّمَرَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ حَائِطَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَيَكُونُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي حِصَّةِ الثَّمَرِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ فَاسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ يَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى الْحَائِطِ وَالثَّمَرِ فَيَنْظُرُ كَمْ قِيمَةُ الثَّمَرِ مِنْ أَصْلِ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الرُّبُعَ أَخَذَ الْحَائِطَ بِحِصَّتِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الثَّمَرِ وَهُوَ الرُّبُعُ، وَإِنَّمَا قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ لَا يَوْمَ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ فِي مَالِهِ.
وَلَوْ قَبَضَهُ سَالِمًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا أَصَابَتْهُ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ الْحَائِطَ وَالثَّمَرَ قَدْ أَخْضَرَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَرُ رُطَبٌ أَوْ ثَمَرٌ قَاتِمٌ أَوْ بُسْرٌ زَائِدٌ عَنْ الْأَخْضَرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَالنَّخْلَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، وَإِنْ زَادَ كَمَا يَبِيعُهُ الْجَارِيَةَ الصَّغِيرَةَ فَيَأْخُذُهَا كَبِيرَةً زَائِدَةً، وَلَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ وَأَدْرَكَ بَعْضَهُ زَائِدًا بِعَيْنِهِ أَخَذَ الْمُدْرَكَ وَتَبِعَهُ بِحِصَّةِ مَا بَاعَ مِنْ الثَّمَرِ يَوْمَ بَاعَهُ إيَّاهُ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ وُدْيًا صِغَارًا أَوْ نَوًى قَدْ خَرَجَ أَوْ زَرْعًا قَدْ خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ أَرْضٍ فَأَفْلَسَ وَذَلِكَ كُلُّهُ زَائِدٌ مُدْرَكٌ أَخَذَ الْأَرْضَ وَجَمِيعَ مَا بَاعَهُ زَائِدًا مُدْرَكًا، وَإِذَا فَاتَ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ يَوْمَ وَقَعَ الْبَيْعُ كَمَا يَكُونُ.

لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ جَارِيَةً أَوْ عَبْدًا بِحَالِ صِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ فَمَاتَ فِي يَدَيْهِ أَوْ أَعْتَقَهُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْهُ، وَلَوْ كَبُرَ الْعَبْدُ أَوْ صَحَّ، وَقَدْ اشْتَرَاهُ سَقِيمًا صَغِيرًا كَانَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ صَحِيحًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْهُ لَا مِنْ صَنْعَةِ الْآدَمِيِّينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ فَعَلَّمَهُ أَخَذَهُ مُعَلَّمًا، وَلَوْ كَسَا الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ وَهَبَ لَهُ مَالًا أَخَذَ الْبَائِعُ الْعَبْدَ وَأَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَ الْعَبْدِ، وَلَيْسَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُهُ وَمَالٌ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ بِيعَ، وَلَهُ مَالٌ اسْتَثْنَاهُ الْمُشْتَرِي فَاسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي مَالَهُ أَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَسَوَاءٌ وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ فَيَأْخُذُهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَبِقِيمَةِ الْمَالِ مِنْ الْبَيْعِ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ.

وَلَوْ بَاعَهُ حَائِطًا لَا ثَمَرَ فِيهِ فَأَثْمَرَ ثُمَّ فَلِسَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ يَوْمَ فَلِسَ الْمُشْتَرِي مَأْبُورًا أَوْ غَيْرَ مَأْبُورٍ فَسَوَاءٌ وَالثَّمَرُ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ يُقَالُ لِرَبِّ النَّخْلِ إنْ شِئْت فَالنَّخْلُ لَك عَلَى أَنْ نُقِرَّ الثَّمَرَ فِيهَا إلَى الْجِدَادِ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ النَّخْلَ وَكُنَّ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ أَمَةً فَوَلَدَتْ ثُمَّ فَلِسَ كَانَتْ لَهُ الْأَمَةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَلَدُ، وَلَوْ فَلِسَ وَالْأَمَةُ حَامِلٌ كَانَتْ لَهُ الْأَمَةُ وَالْحَمْلُ تَبَعٌ يَمْلِكُهَا كَمَا يَمْلِكُ بِهِ الْأَمَةَ.
وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ أَمَةً فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا قَبْلَ إفْلَاسِ الْغَرِيمِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ رَجَعَ بِالْأُمِّ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِالْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا فِي مِلْكِ الْغَرِيمِ، وَإِنَّمَا نَقَضْت الْبَيْعَ الْأَوَّلَ بِالْإِفْلَاسِ الْحَادِثِ وَاخْتِيَارِ الْبَيْعِ نَقْضُهُ لَا بِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ مَفْسُوخًا مِنْ الْأَصْلِ، وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ دَارًا فَبُنِيَتْ أَوْ بُقْعَةً فَغُرِسَتْ ثُمَّ أَفْلَسَ وَالْغَرِيمُ رَدَدْت الْبَائِعَ بِالدَّارِ كَمَا كَانَتْ وَالْبُقْعَةُ كَمَا

كَانَتْ حِينَ بَاعَهَا، وَلَمْ أَجْعَلْ لَهُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي صَفْقَةِ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ مُتَمَيِّزٌ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ خَيَّرْته بَيْنَ أَنْ يُعْطَى قِيمَةَ الْعِمَارَةِ وَالْغِرَاسِ وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ مَا كَانَ مِنْ الْأَرْضِ لَا عِمَارَةَ فِيهَا وَتَكُونُ الْعِمَارَةُ الْحَادِثَةُ تُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ سَوَاءً بَيْنَهُمْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ وَالْغَرِيمُ أَنْ يَقْلَعُوا الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ وَيَضْمَنُوا لِرَبِّ الْأَرْضِ مَا نَقَصَ الْأَرْضَ الْقَلْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ.

وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ شَيْئًا مُتَفَرِّقًا مِثْلَ عَبِيدٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ فَاسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهُ وَوَجَدَ الْبَائِعُ بَعْضَهُ كَانَ لَهُ الْبَعْضُ الَّذِي وَجَدَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَ نِصْفًا قَبَضَ النِّصْفَ، وَكَانَ غَرِيمًا مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَهَكَذَا إنْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ.
قَالَ: وَإِذَا جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ فَالْبَعْضُ عَيْنُ مَالِهِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ الْكُلِّ وَمَنْ مَلَكَ الْكُلَّ مَلَكَ الْبَعْضَ إلَّا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْبَعْضَ نَقَصَ مِنْ مِلْكِهِ وَالنَّقْصُ لَا يَمْنَعُهُ الْمِلْكَ.

وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَغَرَسَهَا ثُمَّ فَلِسَ الْغَرِيمُ فَأَبَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِقِيمَةِ الْغِرَاسِ وَأَبَى الْغَرِيمُ أَنْ يَقْلَعُوا الْغِرَاسَ وَيُسَلِّمُوا الْأَرْضَ إلَى رَبِّهَا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهُ وَيُبْقِيَ الثَّمَرَ فِيهَا إلَى الْجِدَادِ إنْ أَرَادَ الْغَرِيمُ وَالْغُرَمَاءُ أَنْ يُبْقُوهُ فِيهَا إلَى الْجِدَادِ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْغَرِيمِ مَنْعُهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدَعَهَا وَيَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا كَانَ لَهُ فَعَلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا بَيْضَاءَ فَزَرَعَهَا ثُمَّ فَلِسَ كَانَ مِثْلَ الْحَائِطِ يَبِيعُهُ ثُمَّ يُثْمِرُ النَّخْلُ فَإِنْ أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَوْ رَبُّ النَّخْلِ أَنْ يَقْبَلَهَا وَيُبْقِيَ فِيهَا الزَّرْعَ إلَى الْحَصَادِ وَالثِّمَارَ إلَى الْجِدَادِ ثُمَّ عَطِبَتْ النَّخْلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا عَطِبَتْ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ جَاءَ سَيْلٌ فَخَرَقَ الْأَرْضَ وَأَبْطَلَهَا فَضَمَانُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهَا الَّذِي قَبِلَهَا لَا مِنْ الْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَمَا قَبِلَهَا صَارَ مَالِكًا لَهَا إنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ بَاعَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَهَبَ وَهَبَ.
فَإِنْ قِيلَ وَمِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ الْمَرْءُ شَيْئًا لَا يَتِمُّ لَهُ جَمِيعُ مِلْكِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ الَّذِي جَعَلْت لَهُ أَخَذَهُ مِلْكًا تَامًّا؛ لِأَنَّهُ مَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِمَارِ النَّخْلِ وَالْجَرِيدِ وَكُلِّ مَا أَضَرَّ بِثَمَرِ الْمُفْلِسِ وَمَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْأَرْضِ بِئْرًا أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَضُرُّ ذَلِكَ بِزَرْعِ الْمُفْلِسِ؟ قِيلَ لَهُ بِدَلَالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمْلِكَ الْمُبْتَاعُ النَّخْلَ وَيَمْلِكَ الْبَائِعُ الثَّمَرَ إلَى الْجِدَادِ.
قَالَ: وَلَوْ سَلَّمَ رَبُّ الْأَرْضِ الْأَرْضَ لِلْمُفْلِسِ فَقَالَ الْغُرَمَاءُ اُحْصُدْ الزَّرْعَ وَبِعْهُ بَقْلًا، وَأَعْطِنَا ثَمَنَهُ.
وَقَالَ الْمُفْلِسُ: لَسْتُ أَفْعَلُ وَأَنَا أَدَعُهُ إلَى أَنْ يُحْصَدَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْمَى لِي وَالزَّرْعُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَاءِ، وَلَا الْمُؤْنَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغُرَمَاءِ فِي أَنْ يُبَاعَ لَهُمْ.
وَلَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ فَتَطَوَّعَ رَجُلٌ لِلْغَرِيمِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَ نَفَقَةَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَهَا إلَى مَنْ يَلِي الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ وَزَادَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ إنْ سُلِّمَ لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ إبْقَاءُ الزَّرْعِ إلَى الْحَصَادِ، وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ بَيْعُهُ، وَإِذَا جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ فَالْبَعْضُ عَيْنُ مَالِهِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ الْكُلِّ وَمَنْ مَلَك الْكُلَّ مَلَكَ الْبَعْضَ إلَّا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْبَعْضَ نَقَصَ مِنْ مِلْكِهِ وَالنَّقْصُ لَا يَمْنَعُهُ الْمِلْكَ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ عَبْدًا فَأَخَذَ نِصْفَ ثَمَنِهِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ شَرِيكًا بِهِ لِلْغَرِيمِ وَيُبَاعُ النِّصْفُ الَّذِي كَانَ لِلْغَرِيمِ لِغُرَمَائِهِ دُونَهُ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرْت، وَلَا يَرُدُّ مِمَّا أَخَذَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِمَا أَخَذَهُ، وَلَوْ زَعَمْت أَنَّهُ يَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ جَعَلْت لَهُ لَوْ أَخَذَ الثَّمَنَ كُلَّهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا فَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ، وَالْقِيَاسُ عَلَيْهَا.

وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ثَوْبَيْنِ فَبَاعَهُمَا بِعِشْرِينَ فَقَبَضَ عَشَرَةً وَبَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِمَا عَشَرَةٌ كَانَ شَرِيكًا فِيهِمَا بِالنِّصْفِ يَكُونُ نِصْفُهُمَا لَهُ وَالنِّصْفُ لِلْغُرَمَاءِ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَاقْتَضَى نِصْفَ الثَّمَنِ وَهَلَكَ نِصْفُ الْمَبِيعِ وَبَقِيَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ أَوْ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ، وَقِيمَتَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ عِنْدَ مُعْدِمٍ، وَاَلَّذِي قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ، فَكَمَا كَانَ لَوْ كَانَا قَائِمَيْنِ أَخَذَهُمَا ثُمَّ أَخَذَ

بَعْضَ الْبَدَلِ وَبَقِيَ بَعْضُ السِّلْعَةِ كَانَ ذَلِكَ كَقِيَامِهِمَا مَعًا فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ الْبَدَلُ مِنْهُمَا مَعًا فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ ثَمَنِ ذَا وَنِصْفَ ثَمَنِ ذَا، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يُبَيِّنُ مَا قُلْت غَيْرَ مَا ذَكَرْت؟ . قِيلَ نَعَمْ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا ثَمَنَ ذَا مِثْلَ ثَمَنِ ذَا مُسْتَوِيَيْ الْقِيمَةِ فَيُبَاعَانِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَيُقْبَضَانِ وَيَقْبِضُ الْبَائِعُ مِنْ ثَمَنِهِمَا خَمْسِينَ وَيَهْلَكُ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ وَيَجِدُ بِالْآخَرِ عَيْبًا فَيَرُدُّهُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ وَيَكُونُ مَا أَخَذَ ثَمَنَ الْهَالِكِ مِنْهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا بَيْعًا، وَكَانَا رَهْنًا بِمِائَةٍ فَأَخَذَ تِسْعِينَ وَفَاتَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْآخَرُ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ لَوْ كَانَا قَائِمَيْنِ، وَلَا يُبَعَّضُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا، وَلَكِنَّهُ يُجْعَلُ الْكُلُّ فِي كِلَيْهِمَا وَالْبَاقِي فِي كِلَيْهِمَا.
وَكَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ لَوْ كَانُوا عَبِيدًا رَهْنًا بِمِائَةٍ فَأَدَّى تِسْعِينَ كَانُوا مَعًا رَهْنًا بِعَشَرَةٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ آخِرَ حَقِّهِ فَلَمَّا كَانَ الْبَيْعُ فِي دَلَالَةِ حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْقُوفًا فَإِنْ أَخَذَ ثَمَنَهُ، وَإِلَّا رَجَعَ بَيْعُهُ فَأَخَذَهُ فَكَانَ كَالْمُرْتَهِنِ قِيمَتَهُ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِ الْمُرْتَهِنِ فِي أَنَّهُ أَخَذَهُ كُلَّهُ لَا يُبَاعُ عَلَيْهِ كَمَا يُبَاعُ الرَّهْنُ فَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ وَيَرُدُّ فَضْلَ الثَّمَنِ عَلَى مَالِكِهِ فَكَانَ فِي مَعْنَى السُّنَّةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الشَّرِيكَيْنِ يُفْلِسُ أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُ الشَّرِيكَ الْآخَرَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ أَدَانَهُ لَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ هُمَا مَعًا فَيَكُونُ كَدَيْنٍ أَدَانَهُ لَهُ بِإِذْنِهِ بِلَا شَرِكَةٍ كَانَتْ، وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَاطِلَةٌ لَا شَرِكَةَ إلَّا وَاحِدَةً.

قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى ذِي دَيْنٍ سَبِيلًا فِي الْعُسْرَةِ حَتَّى تَكُونَ الْمَيْسَرَةُ، وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطْلَهُ ظُلْمًا إلَّا بِالْغِنَى فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا فَهُوَ لَيْسَ مِمَّنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ إلَّا أَنْ يُوسِرَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ فَلَا سَبِيلَ عَلَى إجَارَتِهِ؛ لِأَنَّ إجَارَتَهُ عَمَلُ بَدَنِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ سَبِيلٌ، وَإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى مَالِهِ لَمْ يَكُنْ إلَى اسْتِعْمَالِهِ سَبِيلٌ، وَكَذَلِكَ لَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ هَذِهِ.

وَإِذَا قَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى رَجُلٍ فَأَرَادُوا أَخْذَ جَمِيعِ مَالِهِ تُرِكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ قَدْرُ مَا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهُ، وَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ وَأَهْلَهُ يَوْمَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَقَدْ قِيلَ إنْ كَانَ لِقَسْمِهِ حَبْسٌ أُنْفِقَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَقَلُّ مَا يَكْفِيهِمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِ مَالِهِ وَيَتْرُكُ لَهُمْ نَفَقَتَهُمْ يَوْمَ يَقْسِمُ آخِرَ مَالِهِ، وَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ مِنْ كِسْوَتِهِ فِي شِتَاءٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ صَيْفٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنًا كَثِيرًا بِيعَ عَلَيْهِ، وَتُرِكَ لَهُ مَا وَصَفْتُ لَك مِنْ أَقَلِّ مَا يَكْفِيهِ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَتْ ثِيَابُهُ كُلُّهَا غَوَالِيَ مُجَاوِزَةَ الْقَدْرِ اُشْتُرِيَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا أَقَلَّ مَا يَكْفِيهِ مِمَّا يَلْبَسُ أَقْصِدُ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ فِي، وَقْتِهِ ذَلِكَ شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا، وَإِنْ مَاتَ كُفِّنَ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ الْغُرَمَاءِ وَحُفِرَ قَبْرُهُ بِأَقَلَّ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ اُقْتُسِمَ فَضْلُ مَالِهِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْخَادِمِ بُدًّا، وَقَدْ يَجِدُ الْمَسْكَنَ

. قَالَ: وَإِذَا جُنِيَتْ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ قَبْلَ التَّفْلِيسِ فَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهَا إلَّا بَعْدَ التَّفْلِيسِ فَالْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ إذَا قَبَضَهَا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مِنْ مَالِهِ لَا ثَمَنَ لِبَعْضِهِ.

وَلَوْ وُهِبَ لَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ هِبَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهَا فَلَوْ قَبِلَهَا كَانَتْ لِغُرَمَائِهِ دُونَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَعْطَاهُ أَحَدٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مُتَطَوِّعًا بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، وَلَا يَدْخُلُ مَالَهُ شَيْءٌ إلَّا بِقَبُولِهِ إلَّا الْمِيرَاثَ، فَإِنَّهُ لَوْ وَرِثَ كَانَ مَالِكًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ الْمِيرَاثِ، وَكَانَ لِغُرَمَائِهِ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ.

وَلَوْ جُنِيَتْ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ عَمْدًا فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ الْأَرْشِ أَوْ الْقِصَاصِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِلْمَالِ إلَّا بِأَنْ يَشَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ الْمَالَ.

وَلَوْ اسْتَهْلَكَ لَهُ شَيْئًا قَبْلَ التَّفْلِيسِ ثُمَّ صَالَحَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ التَّفْلِيسِ فَإِنْ كَانَ مَا صَالَحَ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ لَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفِ الْقِيمَةِ فَأَرَادَ مُسْتَهْلِكُهُ أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي مَوْضِعِ الْهِبَةِ.

فَإِنْ فَلِسَ الْغَرِيمُ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ عَلَى آخَرَ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ

أَبْطَلْنَا حَقَّهُ إذَا أَحَلَفْنَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَلَمْ نَجْعَلْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بَعْدَ الْيَمِينِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَرَدَّ الْيَمِينَ فَامْتَنَعَ الْمُفْلِسُ مِنْ الْيَمِينِ بَطَلَ حَقُّهُ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ فِي حَالٍ أَنْ يَحْلِفُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مَالِكِينَ إلَّا مَا مَلَكَ، وَلَا يَمْلِكُ إلَّا بَعْدَ الْيَمِينِ.

وَلَوْ جَنَى هُوَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ جِنَايَةً عَمْدًا أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَهْلِكُ لَهُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِهِ الْمَوْقُوفِ لَهُمْ، بِيعَ أَوْ لَمْ يُبَعْ مَا لَمْ يَقْتَسِمُوهُ فَإِذَا اقْتَسَمُوهُ نَظَرْنَا فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَبْلَ الْقَسْمِ دَخَلَ مَعَهُمْ فِيمَا اقْتَسَمُوا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَزِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ مَالَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بَعْدَ الْقَسْمِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوا مَا قُسِمَ لَهُمْ وَخَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُفْلِسِ وَالْجِنَايَةُ وَالِاسْتِهْلَاكُ دَيْنٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ.

وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ حَجَرَ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِوَقْفِ مَالِهِ لِيُبَاعَ فَجَنَى عَبْدٌ لَهُ جِنَايَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَأَمَرَ الْقَاضِي بِبَيْعِ الْجَانِي فِي الْجِنَايَةِ حَتَّى يُوَفِّيَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ أَرْشَهَا فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ رَدَّهُ فِي مَالِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ غُرَمَاءَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ جِنَايَتَهُ بَطَلَتْ جِنَايَتُهُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ دُونَ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدُ الْمُفْلِسِ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ كَانَ سَيِّدُهُ الْخَصْمَ لَهُ فَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْجَانِي عَلَيْهِ عَبْدًا فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيهَا قِصَاصٌ وَأَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ تَرْكَ الْقِصَاصِ وَأَخْذَ الْمَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ إلَّا بَعْدَ اخْتِيَارِهِ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ إنَّمَا فِيهِ الْأَرْشُ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ عَفْوُ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ وَجَبَ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ لَهُ هِبَتُهُ هُوَ مَرْدُودٌ فِي مَالِهِ يَقْضِي بِهِ عَنْ دَيْنِهِ.

وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْحِنْطَةَ أَوْ الزَّيْتَ أَوْ السَّمْنَ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ خَلَطَهُ بِأَرْدَأَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ ثُمَّ فَلِسَ غَرِيمُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ كَمَا كَانَ وَيُقَاسِمُ الْغُرَمَاءَ بِكَيْلِ مَالِهِ أَوْ وَزْنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ خَلَطَهُ فِيمَا دُونَهُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ فَضْلًا إنَّمَا يَأْخُذُ نَقْصًا فَإِنْ كَانَ خَلَطَهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا سَبِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّا لَا نَصِلُ إلَى دَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ إلَّا زَائِدًا بِمَالِ غَرِيمِهِ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُعْطِيَهُ الزِّيَادَةَ، وَكَانَ هَذَا أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ أَقُولُ.
قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا، الثَّوْبَ يُصْبَغُ، وَلَا السَّوِيقَ يُلَتُّ الثَّوْبُ يُصْبَغُ وَالسَّوِيقُ يُلَتُّ مَتَاعُهُ بِعَيْنِهِ فِيهِ زِيَادَةٌ مُخْتَلِطَةٌ فِيهِ وَهَذَا إذَا اخْتَلَطَ انْقَلَبَ حَتَّى لَا تُوجَدَ عَيْنُ مَالِهِ إلَّا غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ مِنْ عَيْنِ مَالِ غَيْرِهِ وَهَكَذَا كُلُّ ذَائِبٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ عَسَلِهِ، وَقِيمَةِ الْعَسَلِ الْمَخْلُوطِ بِهِ مُتَمَيِّزَيْنِ ثُمَّ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِقَدْرِ قِيمَةِ عَسَلِهِ مِنْ عَسَلِ الْبَائِعِ وَيَتْرُكَ فَضْلَ كَيْلِ عَسَلِهِ أَوْ يَدَعَ وَيَكُونَ غَرِيمًا كَأَنَّ عَسَلَهُ كَانَ صَاعًا يَسْوَى دِينَارَيْنِ، وَعَسَلَ شَرِيكِهِ كَانَ صَاعًا يَسْوَى أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِثُلُثَيْ صَاعٍ مِنْ عَسَلِهِ وَعَسَلِ شَرِيكِهِ كَانَ لَهُ، وَكَانَ تَارِكًا لِفَضْلِ صَاعٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ لَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ إنَّمَا هَذَا وَضِيعَةٌ مِنْ مَكِيلَةٍ كَانَتْ لَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ هَذَا أَشْبَهُهُمَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ أَقُولُ.
وَهُوَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّقِيقَ وَيُعْطِيَ الْغُرَمَاءَ قِيمَةَ الطَّحْنِ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَالِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ كَانَ لَهُ ثَوْبُهُ وَلِلْغُرَمَاءِ صَبْغُهُ يَكُونُونَ شُرَكَاءَ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِي قِيمَةِ الثَّوْبِ وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا فَخَاطَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ وَلِلْغُرَمَاءِ مَا زَادَتْ الْخِيَاطَةُ.
وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ فَقَصَّرَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ وَلِلْغُرَمَاءِ بَعْدَمَا زَادَتْ الْقِصَارَةُ فِيهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَأْخُذُ فِي الْقِصَارَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا أَثَرٌ قُلْنَا الْمُفْلِسُ مُخَالِفٌ لِلْغَاصِبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُفْلِسَ إنَّمَا عَمِلَ فِيمَا يَمْلِكُ وَيَحِلُّ لَهُ الْعَمَلُ فِيهِ وَالْغَاصِبَ عَمِلَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْعَمَلُ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفْلِسَ يَشْتَرِي الْبُقْعَةَ فَيَبْنِيهَا، وَلَا يُهْدَمُ بِنَاؤُهُ وَيُهْدَمُ بِنَاءُ الْغَاصِبِ وَيَشْتَرِي الشَّيْءَ فَيَبِيعُهُ فَلَا يُرَدُّ بَيْعُهُ وَيُرَدُّ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَيَشْتَرِي الْعَبْدُ فَيُعْتِقُهُ فَنُجِيزُ عِتْقَهُ، وَلَا نُجِيزُ عِتْقَ الْغَاصِبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَفْلَسَ الرَّجُلُ، وَقَدْ

قَصَّرَ الثَّوْبَ قَصَّارٌ أَوْ خَاطَهُ خَيَّاطٌ أَوْ صَبَغَهُ صَبَّاغٌ بِأُجْرَةٍ فَاخْتَارَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ أَخَذَهُ فَإِنْ زَادَ عَمَلُ الْقَصَّارِ فِيهِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَكَانَتْ إجَارَتُهُ فِيهِ دِرْهَمًا أَخَذَ الدِّرْهَمَ، وَكَانَ شَرِيكًا بِهِ فِي الثَّوْبِ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَكَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَكَانَتْ الْأَرْبَعَةُ الدَّرَاهِمُ لِلْغُرَمَاءِ شُرَكَاءَ بِهَا لِلْقَصَّارِ وَصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ زَادَ فِي الثَّوْبِ دِرْهَمًا، وَإِجَارَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ كَانَ شَرِيكًا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ بِالدِّرْهَمِ وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ.
وَلَوْ كَانَتْ تَزِيدُ فِي الثَّوْبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَالْإِجَارَةُ دِرْهَمٌ أَعْطَيْنَا الْقَصَّارَ دِرْهَمًا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا فِي الثَّوْبِ؟ وَلِلْغُرَمَاءِ أَرْبَعَةٌ يَكُونُونَ بِهَا فِي الثَّوْبِ شُرَكَاءَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ جَعَلْتَهُ أَحَقَّ بِإِجَارَتِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الثَّوْبِ.
فَإِنَّمَا جَعَلْتُهُ أَحَقَّ بِهَا إذَا كَانَتْ زَائِدَةً فِي الثَّوْبِ فَمَنَعَهَا صَاحِبُ الثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا زَادَ عَمَلُ هَذَا فِي الثَّوْبِ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، فَإِنْ قَالُوا: فَمَا بَالُهَا إذَا كَانَتْ أَزْيَدَ مِنْ إجَارَتِهِ لَمْ تَدْفَعْهَا إلَيْهِ كُلَّهَا، وَإِذَا كَانَتْ أَنْقَصَ مِنْ إجَارَتِهِ لَمْ تَقْتَصِرْ بِهِ عَلَيْهَا كَمَا تَجْعَلُهَا فِي الْبُيُوعِ؟ قُلْنَا: إنَّهَا لَيْسَتْ بِعَيْنِ بَيْعٍ يَقَعُ فَاجْعَلْهَا هَكَذَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ إجَارَةً مِنْ الْإِجَارَاتِ لَزِمَتْ الْغَرِيمَ الْمُسْتَأْجِرَ فَلَمَّا وَجَدْتُ تِلْكَ الْإِجَارَةَ قَائِمَةً جَعَلْتُهُ أَحَقَّ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ إجَارَتِهِ كَالرَّهْنِ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ رَهْنٌ يَسْوَى عَشَرَةً بِدِرْهَمٍ أَعْطَيْته مِنْهَا دِرْهَمًا وَالْغُرَمَاءَ تِسْعَةً، وَلَوْ كَانَ رَهْنٌ يَسْوَى دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَعْطَيْته مِنْهَا دِرْهَمًا وَجَعَلْته يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِتِسْعَةٍ فَإِنْ قَالَ فَمَا بَالُهُ يَكُونُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى بِالرَّهْنِ مِنْهُ بِالْبَيْعِ؟ . قُلْت كَذَلِكَ تَزْعُمُ أَنْتَ فِي الثَّوْبِ يَخِيطُهُ الرَّجُلُ أَوْ يَغْسِلُهُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ أَجْرَهُ كَمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي الرَّهْنِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ عَمَلًا قَائِمًا فَلَا يُسَلِّمُهُ إلَيْهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْعَمَلَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قُلْتُ لَا أَجْعَلُ لَهُ حَبْسَهُ، وَلَا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَخْذَهُ وَآمُرُ بِبَيْعِ الثَّوْبِ فَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ إذَا أَفْلَسَ فَإِنْ أَفْلَسَ صَاحِبُ الثَّوْبِ كَانَ الْخَيَّاطُ أَحَقَّ بِمَا زَادَ عَمَلُهُ فِي الثَّوْبِ فَإِنْ كَانَتْ إجَارَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا زَادَ عَمَلُهُ فِي الثَّوْبِ أَخَذَ مَا زَادَ عَمَلُهُ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، وَكَانَتْ بَقِيَّةُ الْإِجَارَةِ دَيْنًا عَلَى الْغَرِيمِ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ.
وَإِنْ لَمْ يُفْلِسْ، وَقَدْ عُمِلَ لَهُ ثَوْبٌ فَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِكَيْنُونَةِ الثَّوْبِ فِي يَدِ الْخَيَّاطِ أَخَذَ مَكَانَهُ مِنْهُمَا حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِمَا وَصَفْتُ أَوْ يُبَاعُ عَلَيْهِ الثَّوْبُ فَيُعْطَى إجَارَتُهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَبِهِ أَقُولُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ غَرِيمٌ فِي إجَارَتِهِ؛ لِأَنَّ مَا عُمِلَ فِي الثَّوْبِ لَيْسَ بِعَيْنٍ، وَلَا شَيْءَ مِنْ مَالِهِ زَائِدٌ فِي الثَّوْبِ إنَّمَا هُوَ أَثَرٌ فِي الثَّوْبِ وَهَذَا يَتَوَجَّهُ.

قَالَ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَجِيرًا فِي حَانُوتٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ شَجَرٍ بِإِجَارَةٍ مَعْلُومَةٍ لَيْسَتْ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ إمَّا بِمَكِيلَةِ طَعَامٍ مَضْمُونٍ، وَإِمَّا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا يَبِيعُ فِيهِ بَزًّا أَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يُعَلِّمُ لَهُ عَبْدًا أَوْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا أَوْ يُرَوِّضُ لَهُ بَعِيرًا ثُمَّ أَفْلَسَ فَالْأَجِيرُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأُجَرَاءِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ مُخْتَلِطٌ بِهَذَا زَائِدٌ فِيهِ كَزِيَادَةِ الصَّبْغِ وَالْقِصَارَةِ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ مِنْ مَالِ الصَّبَّاغِ وَزِيَادَةُ الْخِيَاطَةِ فِي الثَّوْبِ مِنْ مَالِ الْخَيَّاطِ وَعَمَلِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا غَيْرُ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ وَغَيْرُ شَيْءٍ قَائِمٍ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ قِيمَةَ الثَّوْبِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ، وَقِيمَتَهُ مَصْبُوغًا، وَقِيمَتَهُ غَيْرَ مَخِيطٍ وَغَيْرَ مَقْصُورٍ، وَقِيمَتَهُ مَخِيطًا وَمَقْصُورًا مَعْرُوفَةٌ حِصَّةُ زِيَادَةِ الْعَامِلِ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الثِّيَابِ الَّتِي فِي الْحَانُوتِ، وَلَا فِي الْمَاشِيَةِ الَّتِي تُرْعَى، وَلَا فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ شَيْءٌ قَائِمٌ مِنْ صَنْعَةِ غَيْرِهِ فَيُعْطِي ذَلِكَ صَنْعَتَهُ أَوْ مَالَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ غَرِيمٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَوَلَّى الزَّرْعَ كَانَ الزَّرْعُ وَالْمَاءُ وَالْأَرْضُ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَكَانَتْ صَنْعَتُهُ فِيهِ إنَّمَا هِيَ إلْقَاءٌ فِي الْأَرْضِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ زَائِدٍ فِيهِ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا صَنْعَةَ فِيهَا لِلْأَجِيرِ.
أَوَلَا تَرَى أَنَّ الزَّرْعَ لَوْ هَلَكَ كَانَتْ لَهُ إجَارَتُهُ وَالثَّوْبَ لَوْ هَلَكَ فِي يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ إلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ؟ .

وَلَوْ تَكَارَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا وَاشْتَرَى مِنْ

آخَرَ مَاءً ثُمَّ زَرَعَ الْأَرْضَ بِبَذْرِهِ ثُمَّ فَلِسَ الْغَرِيمُ بَعْدَ الْحَصَادِ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْمَاءِ شَرِيكَيْنِ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَا بِأَحَقَّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا بِالْمَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا فِيهِ عَيْنُ مَالِ الْحَبِّ الَّذِي نَمَا مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ لَا مِنْ مَالِهِمَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ نَمَا بِمَاءِ هَذَا وَفِي أَرْضِ هَذَا قُلْنَا عَيْنُ الْمَالِ لِلْغَرِيمِ لَا لَهُمَا وَالْمَاءُ مُسْتَهْلَكٌ فِي الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ وَالْأَرْضُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الزَّرْعِ وَتَصَرُّفُهُ فِيهَا لَيْسَ بِكَيْنُونَةٍ مِنْهَا فِيهِ فَنُعْطِيهِ عَيْنَ مَالِهِ، وَلَوْ عَنَى رَجُلٌ فَقَالَ أَجْعَلُهُمَا أَحَقَّ بِالطَّعَامِ مِنْ الْغُرَمَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُمَا غَيْرَ عَيْنِ مَالِهِمَا ثُمَّ أَعْطَاهُمَا عَطَاءً مُحَالًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا الْمُحَالُ فِيهِ؟ . قُلْنَا: إنْ زَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الزَّرْعِ وَصَاحِبَ الْأَرْضِ وَصَاحِبَ الْمَاءِ شُرَكَاءُ فَكَمْ يُعْطَى صَاحِبُ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الْمَاءِ وَصَاحِبُ الطَّعَامِ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَهُمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَا حَقَّهُمَا فَقَدْ أَبْطَلَ حِصَّةَ الْغُرَمَاءِ مِنْ مَالِ الزَّارِعِ وَهُوَ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنْ الْغُرَمَاءِ إلَّا بَعْدَ مَا يُفْلِسُ الْغَرِيمُ فَالْغَرِيمُ فَلِسَ وَهَذِهِ حِنْطَتُهُ لَيْسَتْ فِيهَا أَرْضٌ، وَلَا مَاءٌ، وَلَوْ أَفْلَسَ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فِي أَرْضِهِ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِقَدْرِ مَا أَقَامَتْ الْأَرْضُ فِي يَدَيْ الزَّارِعِ إلَى أَنْ أَفْلَسَ ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُفْلِسِ وَغُرَمَائِهِ لَيْسَ لَك، وَلَا لَهُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا بِأَرْضِهِ، وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ الْآنَ إلَّا أَنْ تَطَوَّعُوا فَتَدْفَعُوا إلَيْهِ إجَارَةَ مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يَحْصُدَ الزَّرْعَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاقْلَعُوا عَنْهُ الزَّرْعَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِتَرْكِهِ لَكُمْ وَذَلِكَ أَنَّا نَجْعَلُ التَّفْلِيسَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَفَسْخًا لِلْإِجَارَةِ فَمَتَى فَسَخْنَا الْإِجَارَةَ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقَّ بِهَا إلَّا أَنْ يُعْطِيَ إجَارَةَ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الزَّارِعَ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ.

قَالَ: وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا فَرَهَنَهُ ثُمَّ فَلِسَ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ يُبَاعُ لَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ بَقِيَّةٌ كَانَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِذَا جَعَلْتَ هَذَا فِي الرَّهْنِ فَكَيْفَ لَمْ تَجْعَلْهُ فِي الْقِصَارَةِ وَالْغُسَالَةِ كَالرَّهْنِ فَتَجْعَلُهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ رَبِّ الثَّوْبِ؟ قِيلَ لَهُ لِافْتِرَاقِهِمَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَأَيْنَ يَفْتَرِقَانِ؟ قُلْنَا الْقِصَارَةُ وَالْغُسَالَةُ شَيْءُ يَزِيدُهُ الْقَصَّارُ وَالْغَسَّالُ فِي الثَّوْبِ فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ إجَارَتَهُ وَالزِّيَادَةَ فِي الثَّوْبِ فَقَدْ أَوْفَيْنَاهُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَلَا نُعْطِيهِ أَكْثَرَ فِي الثَّوْبِ وَنَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فِي مَالِ غَرِيمِهِ.
قَالَ: وَلَوْ هَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْقَصَّارِ أَوْ الْخَيَّاطِ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ زِيَادَةٌ يُحْدِثُهَا فَمَتَى لَمْ يُوَفِّهَا رَبَّ الثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَالرَّهْنُ مُخَالِفٌ لِهَذَا لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِي الْعَبْدِ، وَلَكِنَّهُ إيجَابُ شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ يُشْبِهُ الْبَيْعَ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ كَانَ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ مَوْلَاهُ الرَّاهِنِ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ كَمَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِهَلَاكِ الثَّوْبِ فَإِنْ قَالَ فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي مَوْضِعٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي آخَرَ قِيلَ: نَعَمْ فَنَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ اجْتَمَعَا وَنُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ افْتَرَقَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا رَهَنَ الْعَبْدَ فَجَعَلْنَا الْمُرْتَهِنَ أَحَقَّ بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْغُرَمَاءِ فَقَدْ حَكَمْنَا لَهُ فِيهِ بِبَعْضِ حُكْمِ الْبَيْعِ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ رَدَدْنَا الْمُرْتَهِنَ بِحَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا حُكْمَ الْبَيْعِ بِكَمَالِهِ لَمْ يَرُدَّ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ فَإِنَّمَا جَمَعْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ حَيْثُ اشْتَبَهَا وَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا حَيْثُ افْتَرَقَا.

وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ أَرْضًا فَقَبَضَ صَاحِبُ الْأَرْضِ إجَارَتَهَا كُلَّهَا وَبَقِيَ الزَّرْعُ فِيهَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ السَّقْيِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَفَلِسَ الزَّارِعُ وَهُوَ الرَّجُلُ قِيلَ لِغُرَمَائِهِ إنْ تَطَوَّعْتُمْ بِأَنْ تُنْفِقُوا عَلَى الزَّرْعِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ثُمَّ تَبِيعُوهُ وَتَأْخُذُوا نَفَقَتَكُمْ مَعَ مَالِكُمْ فَذَلِكَ لَكُمْ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَكُمْ إلَّا بِأَنْ يَرْضَاهُ رَبُّ الزَّرْعِ الْمُفْلِسُ فَإِنْ لَمْ يَرْضَهُ فَشِئْتُمْ أَنْ تَطَوَّعُوا بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَالنَّفَقَةِ، وَلَا تَرْجِعُوا بِشَيْءٍ فَعَلْتُمْ، وَإِنْ لَمْ تَشَاءُوا وَشِئْتُمْ فَبِيعُوهُ بِحَالِهِ تِلْكَ لَا تُجْبَرُونَ عَلَى أَنْ تُنْفِقُوا عَلَى مَا لَا تُرِيدُونَ قَالَ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ فَمَرِضَ بِيعَ مَرِيضًا بِحَالِهِ، وَإِنْ قَلَّ ثَمَنُهُ.

قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ عَبْدًا أَوْ دَارًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ شَيْئًا مَا كَانَ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى فَلِسَ الْبَائِعُ فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهِ بِمَا بَاعَهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ لَهُ كَرِهَ أَوْ كَرِهَ الْغُرَمَاءُ.
وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا مَوْصُوفًا مِنْ ضَرْبِ السَّلَفِ مِنْ رَقِيقٍ مَوْصُوفِينَ أَوْ إبِلٍ مَوْصُوفَةٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ بُيُوعِ الصِّفَةِ وَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ

لِبَعْضِ مَا اشْتَرَى مِنْ هَذَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ دَارًا بِعَيْنِهَا أَوْ ثِيَابًا بِعَيْنِهَا بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ غَيْرِهِ كَانَ الْبَائِعُ لِلدَّارِ الْمُشْتَرَى بِهَا الطَّعَامُ أَحَقَّ بِدَارِهِ؛ لِأَنَّهُ بَائِعٌ مُشْتَرٍ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ بَيْعِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّفَ فِي الطَّعَامِ فِضَّةً مَصُوغَةً مَعْرُوفَةً أَوْ ذَهَبًا أَوْ دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا فَوَجَدَهَا قَائِمَةً يُقِرُّ بِهَا الْغُرَمَاءُ أَوْ الْبَائِعُ كَانَ أَحَقَّ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُعْرَفُ أَوْ اُسْتُهْلِكَتْ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.

وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الدَّارَ ثُمَّ فَلِسَ الْمُكْرِي فَالْكِرَاءُ ثَابِتٌ إلَى مُدَّتِهِ ثُبُوتَ الْبَيْعِ مَاتَ الْمُفْلِسُ أَوْ عَاشَ وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فِي الْكِرَاءِ وَزَعَمَ فِي الشِّرَاءِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ فَإِنَّمَا هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَقَدْ خَالَفَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ فِي الْكِرَاءِ فَفَسَخَهُ إذَا مَاتَ الْمُكْتَرِي أَوْ الْمُكْرِي؛ لِأَنَّ مِلْكَ الدَّارِ قَدْ تَحَوَّلَ لِغَيْرِ الْمُكْرِي وَالْمَنْفَعَةَ قَدْ تَحَوَّلَتْ لِغَيْرِ الْمُكْتَرِي، وَقَالَ لَيْسَ الْكِرَاءُ كَالْبُيُوعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكْتَرِي الدَّارَ فَتَنْهَدِمُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْرِيَ أَنْ يَبْنِيَهَا وَيَرْجِعُ الْمُكْتَرِي بِمَا بَقِيَ مِنْ حِصَّةِ الْكِرَاءِ؟ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا بَيْعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ فَيُثْبِتُ صَاحِبُنَا - وَاَللَّهُ يَرْحَمُنَا وَإِيَّاهُ - الْكِرَاءَ الْأَضْعَفَ؛ لِأَنَّا نَنْفَرِدُ بِهِ دُونَ غَيْرِنَا فِي مَالِ الْمُفْلِسِ، وَإِنْ مَاتَ يَجْعَلُهُ لِلْمُكْتَرِي وَأَبْطَلَ الْبَيْعَ فَلَمْ يَجْعَلْهُ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَكَانَ الْبَيْعُ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ مِنْ الْكِرَاءِ لِلْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ تَامٍّ، وَإِذَا جَمَعْنَا نَحْنُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا.

قَالَ: وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ حَمْلَ طَعَامٍ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُكْتَرِي أَوْ مَاتَ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ يَكُونُ الْمُكْرِي أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الطَّعَامِ صَنْعَةٌ، وَلَوْ كَانَ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ الطَّعَامَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا دُونَ غُرَمَائِهِ، وَلَا أُجْبِرُ الْمُكْرِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ غَرِيمِ الْمُفْلِسِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ حَمَلَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ ثُمَّ أَفْلَسَ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ مَا حَمَلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْحُمُولَةَ فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ - إنْ كَانَ مَوْضِعٌ لَا يَهْلِكُ فِيهِ الطَّعَامُ مِثْلُ الصَّحْرَاءِ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا.

وَإِذَا تَكَارَى النَّفَرُ الْإِبِلَ بِأَعْيَانِهَا مِنْ الرَّجُلِ فَمَاتَ بَعْضُ إبِلِهِمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُكْرِي أَنْ يَأْتِيَهُ بِإِبِلٍ بَدَلَهَا فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَوْ أَفْلَسَ الْمُكْرِي، وَمَاتَ بَعْضُ إبِلِهِمْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَا فِي مَالِ الْمُكْرِي بِشَيْءٍ إلَّا بِمَا بَقِيَ مِمَّا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ كِرَائِهِ يَكُونُ فِيهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَتَكُونُ الْإِبِلُ الَّتِي أَكْتُرِيَتْ عَلَى الْكِرَاءِ فَإِذَا انْقَضَى كَانَتْ مَالًا مِنْ مَالِ الْمُكْرِي الْمُفْلِسِ، وَلَوْ كَانُوا تَكَارَوْا مِنْهُ حُمُولَةً مَضْمُونَةً عَلَى غَيْرِ إبِلٍ بِأَعْيَانِهَا يَدْفَعُ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إبِلًا بِأَعْيَانِهَا كَانَ لَهُ نَزْعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِبْدَالُهُمْ غَيْرَهَا فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَحَقُّهُمْ فِي ذِمَّتِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَلَوْ مَاتَتْ إبِلٌ كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَأَفْلَسَ الْغَرِيمُ كَانُوا جَمِيعًا أُسْوَةً فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْإِبِلِ بِقَدْرِ حُمُولَتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي مَالِهِ لَا فِي إبِلٍ بِأَعْيَانِهَا فَيَكُونُ إذَا هَلَكَتْ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ غُرَمَاءُ غَيْرُهُمْ مِنْ غُرَمَائِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ لَهُمْ الدَّيْنُ عَلَيْهِ ضَرَبَ هَؤُلَاءِ بِالْحُمُولَةِ وَهَؤُلَاءِ بِدُيُونِهِمْ وَحَاصُّوهُمْ.

وَإِذَا اكْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْإِبِلَ ثُمَّ هَرَبَ مِنْهُ فَأَتَى الْمُتَكَارِي السُّلْطَانَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مِمَّنْ يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ أَحْلَفَ الْمُتَكَارِيَ أَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ لَثَابِتٌ فِي الْكِرَاءِ مَا يَبْرَأُ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَسَمَّى الْكِرَاءَ وَالْحُمُولَةَ ثُمَّ تَكَارَى لَهُ عَلَى الرَّجُلِ كَمَا يَبِيعُ لَهُ فِي مَالِ الرَّجُلِ إذَا كَانَتْ الْحُمُولَةُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحُمُولَةُ إبِلًا بِأَعْيَانِهَا لَمْ يَتَكَارَ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُكْتَرِي أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَكْتَرِيَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَرُدَّك بِالْكِرَاءِ عَلَيْهِ؛ لِفِرَارِهِ مِنْك أَوْ آمُرُ عَدْلًا فَيَعْلِفُ الْإِبِلَ أَقَلَّ مَا يَكْفِيهَا وَيُخْرِجُ ذَلِكَ مُتَطَوِّعًا بِهِ غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ وَأَرُدُّك بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْإِبِلِ دَيْنًا عَلَيْهِ وَمَا أَعْلَفَ الْإِبِلَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ لِلْجَمَّالِ فَضْلٌ مِنْ إبِلٍ بَاعَ عَلَيْهِ وَأَعْلَفَ إبِلَهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ

يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَفْسَخْ الْكِرَاءَ إنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ إبِلٍ.
قَالَ: وَإِذَا بَاعَ عَلَيْهِ فَضْلًا مِنْ إبِلِهِ وَمَالًا لَهُ سِوَى الْإِبِلِ ثُمَّ جَاءَ الْجَمَّالُ لَمْ يَرُدَّ بَيْعَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ وَأَمَرَهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى إبِلِهِ قَالَ: وَالِاحْتِيَاطُ لِمَنْ تَكَارَى مِنْ جَمَّالٍ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَنْ يُوَكِّلَ رَجُلًا ثِقَةً وَيُجِيزَ أَمْرَهُ فِي بَيْعِ مَا رَأَى مِنْ إبِلِهِ وَمَتَاعِهِ فَيَعْلِفُ إبِلَهُ مِنْ مَالِهِ وَيَجْعَلُهُ مُصَدَّقًا فِيمَا أَدَانَ عَلَى إبِلِهِ وَعَلَفِهَا بِهِ لَازِمًا لَهُ ذَلِكَ وَيُحَلِّفُهُ لَا يَفْسَخُ، وَكَالَتَهُ فَإِنْ غَابَ قَامَ بِذَلِكَ الْوَكِيلُ.

قَالَ: وَإِذَا تَكَارَى الْقَوْمُ مِنْ الْجَمَّالِ إبِلًا بِأَعْيَانِهَا ثُمَّ أَفْلَسَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَرْكَبَ إبِلَهُ بِأَعْيَانِهَا، وَلَا تُبَاعُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا الْحُمُولَةَ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا وَدَفَعَ إلَى كُلِّ إنْسَانٍ بَعِيرًا دَخَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إذَا ضَاقَتْ الْحُمُولَةُ كَمَا يَدْخُلْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي سَائِرِ مَالِهِ حَتَّى يَتَسَاوَوْا فِي الْحُمُولَةِ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ غُرَمَاؤُهُ الَّذِينَ لَا حُمُولَةَ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا مِنْ إبِلِهِ بِقَدْرِ مَالِهِمْ وَأَهْلُ الْحُمُولَةِ بِقِيمَةِ حُمُولَتِهِمْ.

وَمَنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَهُوَ لَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَهُ فَإِنَّ وَهْبَهُ لِرَجُلٍ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ صَدَقَةً غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى فَلِسَ فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ، وَلَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْضُهُ فَإِنْ قَبَضَهُ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ الْقَاضِي مَالَهُ كَانَ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ مِلْكَ هَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّحَلِ.

وَإِذَا أَفْلَسَ الْغَرِيمُ بِمَالٍ لِقَوْمٍ قَدْ عَرَفَهُ الْغَرِيمُ كُلَّهُ وَعَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَدَفَعَ إلَى غُرَمَائِهِ مَا كَانَ لَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَإِنْ كَانُوا ابْتَاعُوا مَا دَفَعَ إلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ بِمَا لَهُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَبْرَءُوهُ مِمَّا لَهُمْ عَلَيْهِ حِينَ قَبَضُوهُ مِنْهُ فَهُوَ بَرِئَ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِمْ مَا بَلَغَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ بِقَدْرِ مَا لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ فَلِصَاحِبِ الْمِائَتَيْنِ سَهْمَانِ وَلِصَاحِبِ الْمِائَةِ سَهْمٌ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَبَايَعُوهُ، وَلَمْ يُبْرِئُوهُ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَالًا يُبَلِّغُهُ ثَمَنَ مَالِهِ فَهَذَا لَا بَيْعَ لَهُمْ، وَلَا رَهْنَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيعَ فَجَاءَ غُرَمَاءُ آخَرُونَ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إنَّمَا أَفْلَسَ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِمْ وَالْمَالُ مَالُهُ بِحَالِهِ إلَّا أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ لَهُ بِقَبُولِهِمْ إيَّاهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ اُسْتُؤْنِفَ فِيهِ الْبَيْعُ وَدَخَلَ مَنْ حَدَثَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَعَهُمْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِيعَ فَالْمُفْلِسُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ مَا بِيعَ بِهِ يَقْبِضُونَهُ وَمَنْ حَدَثَ مِنْ غُرَمَائِهِ دَاخِلٌ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَوْ يُضَمِّنُهُمْ قِيمَةَ الْمَالِ إنْ كَانَ فَاتَ يُقَاصُّهُمْ بِهِ مِنْ دَيْنِهِ وَمَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَكَّلَهُمْ بِبَيْعِهِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ كَمَا يَجُوزُ عَلَى مَنْ وَكَّلَ بَيْعُ وَكِيلِهِ.

وَإِذَا بِيعَ مَالُ الْمُفْلِسِ لِغُرَمَاءَ أَقَامُوا عَلَيْهِ بَيِّنَةً ثُمَّ أَفَادَ بَعْدُ مَالًا وَاسْتَحْدَثَ دَيْنًا فَقَامَ عَلَيْهِ أَهْلُ الدَّيْنِ الْآخَرِ وَأَهْلُ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ بِبَقَايَا حُقُوقِهِمْ فَكُلُّهُمْ فِيمَا أَفَادَ مِنْ مَالٍ سَوَاءٌ قَدِيمُهُمْ وَحَدِيثُهُمْ وَكُلُّ دَيْنٍ أَدَانَهُ قَبْلَ يَحْجُرُ عَلَيْهِ الْقَاضِي لَزِمَهُ يَضْرِبُ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَهَكَذَا لَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ثُمَّ بَاعَ مَالَهُ، وَقَضَى غُرَمَاءَهُ ثُمَّ أَفَادَ مَالًا وَأَدَانَ دَيْنًا كَانَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ مِنْ غُرَمَائِهِ سَوَاءً فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ وَبِيعَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ إنَّمَا حَجَرَ فِي وَقْتٍ لِبَيْعِ مَالِهِ فَإِذَا مَضَى فَهُوَ عَلَى غَيْرِ الْحَجْرِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَحَضَرَ لَهُ غُرَمَاءُ كَانُوا غُيَّبًا دَايَنُوهُ قَبْلَ تَفْلِيسِهِ الْأَوَّلِ أَدْخَلْنَا الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ دَايَنُوهُ قَبْلَ تَفْلِيسِهِ الْأَوَّلِ فِي مَالِهِ الْأَوَّلِ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَالَهُ بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلْنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا وَالْآخَرِينَ الْمُدْخَلَ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ وَالْغُرَمَاءَ الْآخَرِينَ مَعًا فِي الْمَالِ الْمُسْتَحْدَثِ الَّذِي فَلَّسْنَاهُ فِيهِ الثَّانِيَةَ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لِأُولَئِكَ وَمَا لِهَؤُلَاءِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ.

وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلْعَةَ، وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَفَلِسَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ هُمَا قَبْلَ الثَّلَاثِ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَلَهُمَا إجَازَةُ الْبَيْعِ وَرَدُّهُ لِأَيِّهِمَا شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنَّمَا زَعَمْت أَنَّ لَهُمَا إجَازَةَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ حَادِثٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمَا فِي الْبَيْعِ بِرَدٍّ، وَلَا إجَازَةٍ حَتَّى تَمْضِيَ الثَّلَاثُ جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَخْتَارَا، وَلَمْ يَرُدَّا، وَلَا وَاحِدٌ

مِنْهُمَا حَتَّى تَمْضِيَ الثَّلَاثُ كَانَ الْبَيْعُ لَازِمًا كَالْبَيْعِ بِلَا خِيَارٍ.

قَالَ: وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ كَانَ أَحَقَّ بِهِ إنْ شَاءَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُفْلِسًا فَتَرَكَهُ أَوْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَخْذَهُ أَوْ غَيْرَ مُفْلِسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَلَا أُجْبِرُهُ عَلَى مِلْكِ مَا لَا يَشَاءُ إلَّا الْمِيرَاثَ فَإِنَّهُ لَوْ وَرِثَ شَيْئًا فَرَدَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهُ كَمَا يَأْخُذُونَ سَائِرَ مَالِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إجَازَةُ الْبَيْعِ وَرَدُّهُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ أَحَبَّ ذَلِكَ الْغُرَمَاءُ أَوْ كَرِهُوا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ، وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ فِيهَا خِيَارٌ.

قَالَ: وَلَوْ أَسْلَفَ رَجُلٌ فِي طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ بِصِفَةٍ فَحَلَّتْ وَفَلِسَ فَأَرَادَ أَخْذَهُ دُونَ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا لَمْ يَرْضَ ذَلِكَ الْغُرَمَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مَا لَمْ يَشْتَرِ.
قَالَ: وَلَوْ أَعْطَى خَيْرًا مِمَّا سَلَّفَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا سَلَّفَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْغُرَمَاءُ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ هِبَةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّهِبَ، وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْغَرِيمِ مَا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا سَلَّفَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَخْذُهُ إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ، وَإِنْ كَرِهَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ فِي الْعَبِيدِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا لَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ مُخَالِفَةً غَيْرَ الزِّيَادَةِ خِلَافًا لَا تَصْلُحُ الزِّيَادَةُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ النَّقْصُ.

[بَابٌ كَيْفَ مَا يُبَاعُ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إذَا أَمَرَ بِالْبَيْعِ عَلَى الْمُفْلِسِ أَنْ يَجْعَلَ أَمِينًا يَبِيعُ عَلَيْهِ وَيَأْمُرَ الْمُفْلِسَ بِحُضُورِ الْبَيْعِ أَوْ التَّوْكِيلِ بِحُضُورِهِ إنْ شَاءَ وَيَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ الْمَبِيعُ عَلَيْهِ وَالْمَبِيعُ لَهُ أَوْ بَعْضُهُمْ بَاعَ الْأَمِينُ وَمَا يُبَاعُ مِنْ مَالِ ذِي الدَّيْنِ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَرْهُونٌ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ.
وَالْآخَرُ: غَيْرُ مَرْهُونٍ.
فَإِذَا بَاعَ الْمَرْهُونَ مِنْ مَالِهِ دَفَعَ ثَمَنَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ سَاعَةَ يَبِيعُهُ إذَا كَانَ قَدْ أَثْبَتَ رَهْنَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَحَلَفَ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّهِ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ رَهْنِهِ شَيْءٌ، وَقَفَهُ وَجَمِيعُ مَا بَاعَ مِمَّا لَيْسَ بِرَهْنٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ مَالُهُ وَغُرَمَاؤُهُ فَيُفَرَّقَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ رَهْنَهُ فَعَجَزَ عَنْ مَبْلَغِ حَقِّهِ دَفَعَ إلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَكَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
وَلَوْ كَانَ ذُو الدَّيْنِ رَهَنَ غَرِيمَهُ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا، وَكَانَ الْغُرَمَاءُ فِيهِ أُسْوَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا، وَقَبَضَهُ ثُمَّ فَسَخَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فَاسِدًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا، وَكَانَ فِيهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
وَلَوْ رَهَنَهُ رَجُلَيْنِ مَعًا كَانَا كَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ رَهَنَهُ رَجُلًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ آخَرَ بَعْدَهُ فَأَعْطَى الْأَوَّلَ جَمِيعَ حَقِّهِ وَبَقِيَتْ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ بَقِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ فِيهَا إلَّا مَا لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ الْآخَرَ شَيْئًا قَدْ رَهَنَهُ فَصَارَ غَيْرَ جَائِزٍ لِأَمْرٍ فِيهِ.
قَالَ وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ وَأَفْلَسَ الرَّجُلُ الرَّاهِنُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَكُلُّ رَهْنٍ مَفْسُوخٍ بِوَجْهٍ فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ غُرَمَائِهِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدِهِمْ فِيهِ مَعًا أُسْوَةٌ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الثَّمَرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَلَا الزَّرْعِ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَضُ، وَلَا يُعْرَفُ، وَيَجُوزُ بَعْدَ مَا يُجَدُّ وَيُحْصَدُ فَيُقْبَضُ.

[بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُجْمَعُ مِمَّا يُبَاعُ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الدَّيْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ مَالَ الْغَرِيمِ حَتَّى يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ مَنْ حَضَرَ مِنْ غُرَمَائِهِ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُ ارْتَضُوا بِمَنْ أَضَعُ ثَمَنَ مَا بِعْتُ عَلَى غَرِيمِكُمْ لَكُمْ حَتَّى أُفَرِّقَهُ عَلَيْكُمْ

وَعَلَى غَرِيمٍ إنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ مَعَكُمْ فَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى ثِقَةٍ لَمْ يَعْدُهُ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ لَمْ يَقْبَلْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُوَلِّيَ إلَّا ثِقَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُ الْغَرِيمِ حَتَّى يَقْضِيَ عَنْهُ، وَلَوْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ كَانَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ كَانَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ يَطْرَأُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِهِمْ كَبَعْضِ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ تَفَرَّقُوا فَدَعَوْا إلَى ثِقَتَيْنِ ضَمَّهُمَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ إذَا قَبِلُوا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَطْلُبُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا، وَإِنْ طَلَبُوا جُعْلًا جَعَلَهُ إلَى وَاحِدٍ لِيَكُونَ أَقَلَّ فِي الْجُعْلِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ خَيْرَهُمْ لَهُمْ وَلِغَائِبٍ إنْ كَانَ مَعَهُمْ وَيَقُولُ لِلْغُرَمَاءِ: أَحْضِرُوهُ فَأَحْصُوا أَوْ وَكِّلُوا مَنْ شِئْتُمْ وَيَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَيَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الْمَالُ ضَامِنًا بِأَنْ يُسَلِّفَهُ سَلَفًا حَالًّا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَجْعَلْهُ أَمَانَةً وَهُوَ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا، وَإِنْ وَجَدَ ثِقَةً مَلِيًّا يُضَمِّنُهُ وَوَجَدَ أَوْثَقَ مِنْهُ لَا يُضَمِّنُهُ دَفَعَهُ إلَى الَّذِي ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُوا إلَى أَحَدٍ أَوْ دَعَوْا إلَى غَيْرِ ثِقَةٍ اخْتَارَ لَهُمْ.
قَالَ وَأَحَبُّ إلَيَّ فِيمَنْ وَلِيَ هَذَا أَنْ يُرْزَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا حَتَّى يُشَارِطُوهُ هُمْ فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا اجْتَهَدَ لَهُمْ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا وَهُوَ يَجِدُ ثِقَةً يَقْبَلُ أَقَلَّ مِنْهُ وَهَكَذَا يَقُولُ لَهُمْ فِيمَنْ يَصِيحُ عَلَى مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ بِمَنْ يَزِيدُ، وَفِي أَحَدٍ إنْ كَالَ مِنْهُ طَعَامًا أَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ بِسُوقٍ وَكُلُّ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمَبِيعِ إنْ جَاءَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ هُمْ بِمَنْ يَكْفِي ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَكْفِيهِ بِأَقَلَّ مَا يَجِدُ، وَإِذَا بِيعَ مَالُ الْمُفْلِسِ لِغَرِيمٍ بِعَيْنِهِ أَوْ غُرَمَاءَ بِأَعْيَانِهِمْ فَسَوَاءٌ هُمْ وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُمْ حَقًّا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ الْمَالَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا إلَى مَنْ اشْتَرَاهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَوْ يَدَيْ الْبَائِعِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فَهَلَكَ فَمِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ لَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَقْبِضَهُ فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مَكَانَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ ثُمَّ هَرَبَ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَأَفْلَسَ فَذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ لَا مِنْ مَالِ أَهْلِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَضَ الْعَدْلُ ثَمَنَ مَا اشْتَرَى أَوْ بَعْضَهُ فَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الْغُرَمَاءِ حَتَّى هَلَكَ فَمِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ لَا يَكُونُ مِنْ مَالِ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَقْبِضُوهُ وَالْعُهْدَةُ فِيمَا بَاعَ عَلَى الْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ لَهُ مِلْكُهُ فِي حَقٍّ لَزِمَهُ فَهُوَ بَيْعٌ لَهُ وَعَلَيْهِ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ مَالِكُ الْمَالِ الْمَبِيعِ، وَلَا يَضْمَنُ الْقَاضِي، وَلَا أَمِينُهُ شَيْئًا، وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمَا، وَلَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ بِيعَ لِلْغَرِيمِ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ شَيْءٌ ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجَعَ بِهِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعُهْدَةِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ فِي دَيْنٍ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ فِي تَفْلِيسِهِ أَوْ بَاعَهُ هُوَ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ لَا نَرَاهُ لِمَنْ بَاعَ لِلْمَيِّتِ كَهِيَ لِمَنْ بَاعَ لِحَيٍّ وَالْعُهْدَةُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ كَهِيَ فِي مَالِ الْحَيِّ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي.
وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ أَوْ أَفْلَسَ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ دَارًا فَبِيعَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَبَضَ أَمِينُ الْقَاضِي الْأَلْفَ فَهَلَكَتْ مِنْ يَدِهِ وَاسْتُحِقَّتْ الدَّارُ فَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي بَاعَهَا لَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ أَوْ الْمُفْلِسِ فَإِنْ وُجِدَ لِلْمَيِّتِ أَوْ الْمُفْلِسِ مَالٌ بِيعَ ثُمَّ رُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُعْطِي الْأَلْفَ أَلْفُهُ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ بِبَيْعٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَأَعْطَى الْغُرَمَاءَ حُقُوقَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاضِي، وَلَا أَمِينِهِ وَتَرْجِعُ الدَّارُ إلَى الَّذِي اسْتَحَقَّهَا وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ: قَدْ

هَلَكَتْ أَلْفُك فَأَنْتَ غَرِيمٌ لِلْمَيِّتِ وَالْمُفْلِسِ مَتَى مَا وَجَدْتُ لَهُ مَالًا أَخَذْتهَا.
وَيُقَالُ لِلْغَرِيمِ: لَمْ تَسْتَوْفِ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْك فَمَتَى وَجَدْتُ لِلْمَيِّتِ مَالًا أَعْطَيْنَاك مِنْهُ، وَإِذَا وَجَدْتُمَاهُ تَحَاصَصْتُمَا فِيهِ لَا يُقَدَّمُ مِنْكُمَا وَاحِدٌ عَلَى صَاحِبِهِ.
.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأَنِّي بِمَالِ الْمُفْلِسِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَيَوَانُ أَوْلَى مَالِ الْمُفْلِسِ وَالْمَيِّتِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ وَيُعَجِّلَ بِبَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ بِبِلَادٍ جَامِعَةٍ لَمْ يَتَأَنَّ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ أَنَاةَ ثَلَاثٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَدْ يَرَوْنَ أَنَّهُ إنْ تُؤَنَّى بِهِ ثَلَاثٌ بَلَغَ أَكْثَرَ مِمَّا يَبْلُغُ فِي يَوْمٍ أَوْ اثْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْحَيَوَانِ دُونَ بَعْضٍ تُؤَنَّى بِمَا كَانَ ذَلِكَ فِيهِ ثَلَاثٌ دُونَ مَا لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ صَلَاحٌ لَهُ كَمَا يُعْطَى فِي الْقِيَامِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ قَالَ وَيَتَأَنَّى بِالْمَسَاكِنِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَهْلُ الْبَصَرِ بِهَا أَنْ قَدْ بَلَغَتْ أَثْمَانَهَا أَوْ قَارَبَتْهَا أَوْ تَنَاهَتْ زِيَادَتُهَا عَلَى قَدْرِ مَوَاضِعِ الْمَسَاكِنِ وَارْتِفَاعِهَا وَيَتَأَنَّى بِالْأَرْضِينَ وَالْعُيُونِ وَغَيْرِهَا بِقَدْرِ مَا وَصَفْتُ مِمَّا يَرَى أَهْلُ الرَّأْيِ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بِهَا أَوْ قُورِبَ أَوْ تَنَاهَتْ زِيَادَتُهَا وَمَا ارْتَفَعَ مِنْهَا تُؤَنَّى بِهِ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ إذَا عَلِمُوا زَادُوا فِيهِ تُؤَنَّى بِهِ إلَى عِلْمِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَإِذَا بَاعَ الْقَاضِي عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ الْمُفْلِسِ وَفَارَقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ ثُمَّ زِيدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ ذَلِكَ الْبَيْعِ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِ الْمُشْتَرِي وَأُحِبُّ لِلْمُشْتَرِي لَوْ رَدَّهُ أَوْ زَادَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَلِلْقَاضِي طَلَبُ ذَلِكَ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَظْلِمْهُ وَأَنْفَذَهُ لَهُ وَالْبَيْعُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْمُفْلِسِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْعُهْدَةِ كَبَيْعِ الرَّجُلِ مَالَ نَفْسِهِ لَا يَفْتَرِقُ.
.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ الرَّجُلِ وَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ وَإِقْرَارِهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: شِرَاءُ الرَّجُلِ وَبَيْعُهُ وَعِتْقُهُ، وَإِقْرَارُهُ، وَقَضَاؤُهُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُفْلِسٍ وَذَا دَيْنٍ كَانَ أَوْ غَيْرَ ذِي دَيْنٍ فِي إجَازَةِ عِتْقِهِ وَبَيْعِهِ لَا يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَا مِمَّا فَضَلَ مِنْهُ، وَلَا إذَا قَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَيِّرُوهُ إلَى الْقَاضِي وَيَنْبَغِي إذَا صَيَّرُوهُ إلَى الْقَاضِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَوْقَفَ مَالَهُ عَنْهُ فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَبِيعَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَهَبَ، وَلَا يُتْلِفَ وَمَا فَعَلَ مِنْ هَذَا فَفِيهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ قَضَى دَيْنَهُ وَفَضَلَ لَهُ فَضْلٌ أَجَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ وَقْفَهُ لَيْسَ بِوَقْفِ حَجْرٍ إنَّمَا هُوَ وَقْفٌ كَوَقْفِ مَالِ الْمَرِيضِ فَإِذَا صَحَّ ذَهَبَ الْوَقْفُ عَنْهُ فَكَذَلِكَ هَذَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ ذَهَبَ الْوَقْفُ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا صَنَعَ مِنْ هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَ مَالَهُ وَالْحُكْمَ فِيهِ.
قَالَ: وَلَا يَمْنَعُهُ حَتَّى يَقْسِمَ مَالَهُ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ، وَإِذَا بَاعَ تَرَكَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ قُوتَ يَوْمِهِمْ وَيُكَفَّنُ هُوَ وَمَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ إنْ مَاتَ أَوْ مَاتُوا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بِمَا يُكَفَّنُ بِهِ مِثْلُهُ.
قَالَ: وَيَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي مَالَهُ، وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بَعْدَ وَقْفِ الْقَاضِي مَالَهُ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَزِمَهُ قَبْلَ وَقْفِ مَالِهِ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إقْرَارَهُ لَازِمٌ لَهُ وَيَدْخُلُ مَنْ أَقَرَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَعَ غُرَمَائِهِ الَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ قَبْلَ وَقْفِ مَالِهِ، وَقَامَتْ لَهُمْ الْبَيِّنَةُ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ أَجْعَلُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَرِيضِ يُقِرُّ بِحَقٍّ لَزِمَهُ فِي مَرَضِهِ فَيَدْخُلُ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ أَهْلِ الدَّيْنِ الَّذِينَ

أَقَرَّ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ، وَكَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْقِيَاسَ وَيَدْخُلُهُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا عَرَفَ لَهُ أَنَّهُ لِأَجْنَبِيٍّ غَصَبَهُ إيَّاهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ كَانَ لَهُ بِوَجْهٍ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ.
وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَهُ فِي كُلِّ مَنْ وُقِفَ مَالُهُ وَأَجَازَ عَلَيْهِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِمَّا فِي يَدَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي حَالِهِ تِلْكَ كَمَا يُجِيزُهُ فِي الْحَالِ قَبْلَهَا وَبِهِ أَقُولُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ لَزِمَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فِي شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِمَّا فِي يَدَيْهِ جَعَلَ إقْرَارَهُ لَازِمًا لَهُ فِي مَالٍ إنْ حَدَثَ لَهُ بَعْدَ هَذَا وَأَحْسَنُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ: وَقْفِي مَالَهُ هَذَا فِي حَالِهِ هَذِهِ لِغُرَمَائِهِ كَرَهْنِهِ مَالَهُ لَهُمْ فَيَبْدَءُونَ فَيُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ كَانَ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ فَضْلٌ كَانَ مَالُهُمْ فِي ذِمَّتِهِ وَيَدْخُلُ هَذَا الْقَوْلَ أَمْرٌ يَتَفَاحَشُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ عَلَى الْمَرِيضِ يُوقَفُ مَالُهُ، وَلَا عَلَى الْمَحْجُورِ فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَيَدْخُلُهُ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعْرُوفًا بِمَعْرُوفٍ وَيَدْخُلُ هَذَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْ غُرَمَائِهِ أَدْخَلَهُ فِي مَالِهِ وَمَا وَجَدَ لَهُ مِنْ مَالٍ لَا يَعْرِفُهُ، وَلَا غُرَمَاؤُهُ أَعْطَاهُ غُرَمَاءَهُ.
وَيَدْخُلُهُ أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ مَشْهُودًا عَلَيْهِ بِالْفَقْرِ، وَكَانَ صَائِغًا أَوْ غَسَّالًا مُفْلِسًا وَفِي يَدِهِ حُلِيٌّ ثَمَنُ مَالٍ وَثِيَابٌ ثَمَنُ مَالٍ جَعَلْتُ الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ لَهُ حَتَّى يُوَفِّيَ غُرَمَاءَهُ حُقُوقَهُمْ.
وَيَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَزْعُمَ هَذَا فِي دَلَّالَةٍ يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهَا الْجَوَارِي ثَمَنُ أُلُوفٍ دَنَانِيرَ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ كَبِيرَ شَيْءٍ فَتُفْلِسُ يَجْعَلُ لَهَا الْجَوَارِيَ وَيَبِيعُهُنَّ عَلَيْهَا وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ مَا فِي يَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا أَحَدٌ فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ إلَى أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ هَذَا تَرَكَ الْقِيَاسَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ ثُمَّ لَعَلَّهُ يَلْزَمُهُ لَوْ بِيعَ عَلَيْهِ عَبْدٌ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَبَقَ فَقَالَ الْغُرَمَاءُ أَرَادَ كَسْرَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فَيُبَاعُ مَالُهُ وَعَلَيْهِ عُهْدَتُهُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَدْخُولٌ كَثِيرُ الدَّخْلِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْلِي وَأَسْأَلُ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - التَّوْفِيقَ وَالْخِيَرَةَ بِرَحْمَتِهِ.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي هِبَةِ الْمُفْلِسِ]

. بَابُ مَا جَاءَ فِي هِبَةِ الْمُفْلِسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ هِبَةً لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يُثِيبَهُ فَقَبِلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَقَبَضَ ثُمَّ أَفْلَسَ بَعْدَ الْهِبَةِ قَبْلَ أَنْ يُثِيبَهُ فَمَنْ أَجَازَ الْهِبَةَ عَلَى الثَّوَابِ خَيَّرَ الْمَوْهُوبَ لَهُ بَيْنَ أَنْ يُثِيبَهُ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هِبَتَهُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا لَمْ تُنْتَقَصْ ثُمَّ جَعَلَ لِلْوَاهِبِ الْخِيَارَ فِي الثَّوَابِ فَإِنْ أَثَابَهُ قِيمَتَهَا أَوْ أَضْعَافَ

قِيمَتِهَا فَلَمْ يَرْضَ جَعَلَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَتَكُونَ لِلْغُرَمَاءِ، وَإِنْ أَثَابَهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا فَرَضِيَ أَجَازَ رِضَاهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْغُرَمَاءُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا وَهَبَ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِالْعِوَضِ فَلَمَّا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا كَانَتْ الْهِبَةُ بَاطِلَةً كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَهَذَا مَلَكَهُ بِعِوَضٍ، وَالْعِوَضُ مَجْهُولٌ فَكَانَ بِالْبَيْعِ أَشْبَهَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ بِعِوَضٍ وَهَذَا بِعِوَضٍ فَلَمَّا كَانَ مَجْهُولًا بَطَلَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ فَاتَتْ الْهِبَةُ فِي يَدَيْ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ فَمَا أَثَابَهُ فَرَضِيَ بِهِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ قِيمَةُ هِبَتِهِ، وَلَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ هِبَةً لِيُثِيبَهُ الْمَوْهُوبَةَ لَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْوَاهِبُ وَالْهِبَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا فَمَنْ جَعَلَهُ عَلَى هِبَتِهِ أَوْ يُثَابُ مِنْهَا كَانَ الثَّوَابُ إلَى الْوَاهِبِ فَإِنْ رَضِيَ بِقَلِيلٍ، وَكَرِهَ ذَلِكَ غُرَمَاؤُهُ جَازَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَضِيَ تَرْكَ الثَّوَابَ، وَقَالَ لَمْ أَهَبْهَا لِلثَّوَابِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِقِيمَتِهَا كَانَ عَلَى هِبَتِهِ سَوَاءٌ نَقَصَتْ الْهِبَةُ أَوْ زَادَتْ.
وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَإِنْ فَاتَتْ بِمَوْتٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ فَلَا شَيْءَ لِلْوَاهِبِ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِذَا كَانَ عَلَى هِبَتِهِ فَفَاتَتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَدْ كَانَ لَهُ قَدْ فَاتَ، وَلَا يُضْمَنُ لَهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ كَمَا يَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ فَتَتْلَفُ الشُّفْعَةُ فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ.

[بَابُ حُلُولِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَالدَّيْنِ عَلَيْهِ]

. بَابُ حُلُولِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَالدَّيْنِ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ، وَلَهُ عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ إلَى أَجَلٍ فَهِيَ إلَى أَجَلِهَا لَا تَحِلُّ بِمَوْتِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الدُّيُونُ عَلَى الْمَيِّتِ إلَى أَجَلٍ فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيتُ بِأَنَّهَا حَالَّةٌ يَتَحَاصُّ فِيهَا الْغُرَمَاءُ فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ كَانَ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ وَوَصَايَاهُ إنْ كَانَتْ لَهُ قَالَ وَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ تَتَابُعِهِمْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولُوا لَمَّا كَانَ غُرَمَاءُ الْمَيِّتِ أَحَقَّ بِمَالِهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْهُ كَانُوا أَحَقَّ بِمَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ فَلَوْ تَرَكْنَا دُيُونَهُمْ إلَى حُلُولِهَا كَمَا يَدَعُهَا فِي الْحَيَاةِ كُنَّا مَنَعْنَا الْمَيِّتَ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ وَمَنَعْنَا الْوَارِثَ أَنْ يَأْخُذَ الْفَضْلَ عَنْ دَيْنِ غَرِيمِ أَبِيهِ، وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ» . (أَخْبَرَنَا) إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا كَانَ كَفَنُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ دُونَ غُرَمَائِهِ وَنَفْسُهُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، وَكَانَ الْمَالُ مِلْكًا لَهُ أَشْبَهَ أَنْ يُجْعَلَ قَضَاءَ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمَيِّتِ زَائِلًا عَنْهُ فَلَا يَصِيرُ إلَى غُرَمَائِهِ، وَلَا إلَى وَرَثَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَرَثَتُهُ دُونَ غُرَمَائِهِ، وَلَوْ وَقَفَ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ عَلَّقَ رُوحَهُ بِدَيْنِهِ، وَكَانَ مَالُهُ مُعَرَّضًا أَنْ يَهْلِكَ فَلَا يُؤَدِّي عَنْ ذِمَّتِهِ، وَلَا يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْزِلَةٌ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَحِلَّ دَيْنُهُ ثُمَّ يُعْطَى مَا بَقِيَ وَرَثَتُهُ.
.

[بَابُ مَا حَلَّ مِنْ دَيْنِ الْمُفْلِسِ وَمَا لَمْ يَحِلَّ]

. بَابُ مَا حَلَّ مِنْ دَيْنِ الْمُفْلِسِ وَمَا لَمْ يَحِلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفْتِينَ مِمَّنْ حَفِظْتُ عَنْهُ إلَى أَنَّ دُيُونَهُ الَّتِي إلَى أَجَلٍ حَالَّةً حُلُولَ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَهَذَا قَوْلٌ يَتَوَجَّهُ مِنْ أَنَّ مَالَهُ وُقِفَ وَقْفَ مَالِ الْمَيِّتِ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقْضِيَ مَنْ شَاءَ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ إذَا حَكَمُوا لَهُ حُكْمَ الْمَيِّتِ

انْبَغَى أَنْ يُدْخِلُوا مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ مَعَ غُرَمَائِهِ، وَكَذَلِكَ يُخْرِجُونَ مِنْ يَدَيْهِ مَا أَقَرَّ بِهِ لِرَجُلٍ كَمَا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِالْمَرِيضِ يُقِرُّ ثُمَّ يَمُوتُ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاعَ لِمَنْ حَلَّ دَيْنُهُ وَيُؤَخِّرَ الَّذِينَ دُيُونُهُمْ مُتَأَخِّرَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَيِّتٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ وَالْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَالَ: وَمَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ لَا يَحِلُّ مَالُهُ بِمَوْتِهِ، وَلَا بِتَفْلِيسِهِ.
.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي حَبْسِ الْمُفْلِسِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مَالٌ يُرَى فِي يَدَيْهِ وَيَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ ثُمَّ قَامَ أَهْلُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ فَأَثْبَتُوا حُقُوقَهُمْ فَإِنْ أَخْرَجَ مَالًا أَوْ وُجِدَ لَهُ ظَاهِرٌ يَبْلُغُ حُقُوقَهُمْ أُعْطُوا حُقُوقَهُمْ، وَلَمْ يُحْبَسْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يَبْلُغُ حُقُوقَهُمْ حُبِسَ وَبِيعَ فِي مَالِهِ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنْ ذَكَرَ حَاجَةً دَعَا بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا وَأَقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَاجَةِ وَأَنْ لَا شَيْءَ لَهُ إذَا كَانُوا عُدُولًا خَابِرِينَ بِهِ قَبْلَ الْحَبْسِ، وَلَا أَحْبِسُهُ وَيَوْمَ أَحْبِسُهُ وَبَعْدَ مُدَّةٍ أَقَامَهَا فِي الْحَبْسِ وَأُحَلِّفُهُ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِاَللَّهِ مَا يَمْلِكُ، وَلَا يَجِدُ لِغُرَمَائِهِ قَضَاءً فِي نَقْدٍ، وَلَا عَرَضٍ، وَلَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ثُمَّ أُخَلِّيهِ وَأَمْنَعُ غُرَمَاءَهُ مِنْ لُزُومِهِ إذَا خَلَّيْتُهُ ثُمَّ لَا أُعِيدُهُ لَهُمْ إلَى حَبْسٍ حَتَّى يَأْتُوا بِبَيِّنَةٍ أَنْ قَدْ أَفَادَ مَالًا فَإِنْ جَاءُوا بِبَيِّنَةٍ أَنْ قَدْ رُئِيَ فِي يَدَيْهِ مَالٌ سَأَلْتُهُ فَإِنْ قَالَ مَالُ مُضَارَبَةٍ لَمْ أَعْمَلْ فِيهِ أَوْ عَمِلْتُ فِيهِ فَلَمْ يَنِضَّ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ فَضْلٌ قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُ وَأَحْلَفْتُهُ إنْ شَاءُوا، وَإِنْ جَحَدَ حَبَسْتُهُ أَيْضًا حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ كَمَا جَاءَ بِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَأَحْلَفْتُهُ كَمَا أَحَلَفْته فِيهَا، وَلَا أُحَلِّفُهُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَبْسَتَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ وَأَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ بِهِ فَيُخْبِرُونِي بِحَاجَتِهِ، وَلَا غَايَةَ لِحَبْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْكَشْفِ عَنْهُ فَمَتَى اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَا وَصَفْتُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُغْفِلَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ.
قَالَ وَجَمِيعُ مَا لَزِمَهُ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ سَوَاءٌ مِنْ جِنَايَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ مُضَارَبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يُحَاصُّونَ فِي مَالِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مَالٌ بِعَيْنِهِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَلَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلَا يُؤْخَذُ الْحُرُّ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا يُحْبَسُ إذَا عُرِفَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَإِذَا حُبِسَ الْغَرِيمُ وَفَلِسَ وَأُحْلِفَ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ حَبْسٌ، وَلَا يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ لَهُ يُسْرٌ بَعْدَ الْحَبْسِ فَيُحْبَسُ لِلثَّانِي وَالْأَوَّلِ، وَإِذَا حُبِسَ وَأُحْلِفَ وَفَلِسَ وَخُلِّيَ ثُمَّ أَفَادَ مَالًا جَازَ لَهُ فِيمَا أَفَادَ مَا صَنَعَ مِنْ عِتْقٍ وَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ السُّلْطَانُ وَقْفًا آخَرَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ وَقْفًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ، وَإِنَّمَا وَقَفَ لِيَمْنَعَهُ مَالَهُ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَمَا أَفَادَ آخَرَ فَلَا وَقْفَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا فَلِسَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ عُرُوضٌ مَوْصُوفَةٌ وَعَيْنٌ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَجِنَايَةٍ وَمَهْرِ امْرَأَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَزِمَهُ بِوَجْهٍ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ يُحَاصُّ أَهْلَ الْعُرُوضِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ يُفْلِسُ فَمَا أَصَابَهُمْ اشْتَرَى لَهُمْ بِهِ عَرَضًا مِنْ شَرْطِهِمْ فَإِنْ اسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفُوا أَوْ اسْتَوْفُوا أَنْصَافَهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَلِأَهْلِ الْعُرُوضِ أَنْ يُقَوَّمَ لَهُمْ مَا بَقِيَ مِنْ عُرُوضِهِمْ عِنْدَ التَّفْلِيسَةِ الثَّانِيَةِ فَيَشْتَرِي لَهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا عُرُوضَهُمْ إذَا وَجَدُوا لَهُ مَالًا وَبَعْضَهَا إذَا لَمْ يَجِدُوا كُلَّهَا إذَا وَجَدُوهُ.

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخِلَافِ فِي التَّفْلِيسِ]

ِ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ خَالَفَك أَحَدٌ فِي التَّفْلِيسِ؟ فَقَالَ نَعَمْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي التَّفْلِيسِ

فَزَعَمَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا فَهِيَ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي يَكُونُ الْبَائِعُ فِيهَا وَغَيْرُهُ مِنْ غُرَمَائِهِ سَوَاءً فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمَا احْتَجَّ بِهِ؟ فَقَالَ قَالَ لِي قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَرَأَيْتَ إذَا بَاعَ الرَّجُلُ أَمَةً وَدَفَعَهَا إلَى الْمُشْتَرِي أَمَا مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي مِلْكًا صَحِيحًا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؟ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَفَرَأَيْتَ لَوْ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ثُمَّ أَفْلَسَ أَتَرُدُّ مِنْ هَذَا شَيْئًا وَتَجْعَلُهَا رَقِيقًا؟ قُلْتُ لَا فَقَالَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا مِلْكًا صَحِيحًا.
قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ تَنْقُضُ الْمِلْكَ الصَّحِيحَ؟ فَقُلْت نَقَضْته بِمَا لَا يَنْبَغِي لِي، وَلَا لَك، وَلَا لِمُسْلِمٍ عَلِمَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُضَهُ لَهُ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إنْ لَمْ أُثْبِتْ لَك الْخَبَرَ؟ قُلْت إذًا تَصِيرُ إلَى مَوْضِعِ الْجَهْلِ أَوْ الْمُعَانَدَةِ قَالَ إنَّمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ فَقُلْت مَا نَعْرِفُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِوَايَةً إلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، وَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَكِفَايَةً تَثْبُتُ بِمِثْلِهَا السُّنَّةُ قَالَ أَفَتُوجِدُنَا أَنَّ النَّاسَ يُثْبِتُونَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً لَمْ يَرْوِهَا غَيْرُهُ أَوْ لِغَيْرِهِ؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ وَأَيْنَ هِيَ؟ قُلْت قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» ؟ فَأَخَذْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ بِهِ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَثْبُتُ رِوَايَتُهُ غَيْرُهُ قَالَ أَجَلْ.
وَلَكِنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا عَلَيْهَا فَقُلْت فَذَلِكَ أَوْجَبُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْك أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، وَلَا يَذْهَبُونَ فِيهِ إلَى تَوْهِينِهِ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ.
وَقَالَ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] ، وَقُلْت لَهُ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» فَأَخَذْنَا بِحَدِيثِهِ كُلِّهِ وَأَخَذْت بِجُمْلَتِهِ فَقُلْت الْكَلْبُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا وَلَغَ فِيهِ، وَلَمْ تُوهِنْهُ بِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ رَوَى «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهِرَّةِ أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ» وَنَحْنُ وَأَنْتَ نَقُولُ لَا تُؤْكَلُ الْهِرَّةُ فَتَجْعَلُ الْكَلْبَ قِيَاسًا عَلَيْهَا فَلَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ، وَلَمْ يَرْوِهِ إلَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ قَبِلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَبِلُوهُ قُلْت فَإِذَا قَبِلُوهُ فِي مَوْضِعٍ وَمَوَاضِعَ وَجَبَ عَلَيْك وَعَلَيْهِمْ قَبُولُ خَبَرِهِ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ تَحْكُمُ فَتَقْبَلُ مَا شِئْت وَتَرُدُّ مَا شِئْت.
فَقَالَ: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى أَشْيَاءَ لَمْ يَرْوِهَا غَيْرُهُ مِمَّا ذَكَرْت وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ وَحَدِيثُ الْأَجِيرِ وَغَيْرِهِ أَفَتَعْلَمُ غَيْرَهُ انْفَرَدَ بِرِوَايَةٍ؟ قُلْت نَعَمْ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» فَصِرْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ إلَيْهِ وَتَرَكْتَ قَوْلَ صَاحِبِك وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ الصَّدَقَةُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ، وَقَدْ يَجِدَانِ تَأْوِيلًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَلَمْ يَذْكُرْ قَلِيلًا، وَلَا كَثِيرًا وَمِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِيمَا سُقِيَ بِالسَّمَاءِ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّالِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» قَالَ أَجَلْ.
قُلْنَا وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» لَا يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ عَلِمْته إلَّا مِنْ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ الرِّجَالِ فَقَبِلْنَاهُ نَحْنُ وَأَنْتَ وَخَالَفَنَا الْمَكِّيُّونَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فَزَعَمْنَا أَنَّ الرِّوَايَةَ الْوَاحِدَةَ تَثْبُتُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَلَا حُجَّةَ فِي تَأْوِيلٍ، وَلَا حَدِيثٍ عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: أَمَّا مَا وَصَفْتَ فَكَمَا وَصَفْتُ.
قُلْت: فَإِذَا جَاءَ مِثْلُ هَذَا فَلِمَ لَمْ تَجْعَلْهُ حُجَّةً؟ قَالَ مَا كَانَتْ حُجَّتُنَا فِي أَنْ لَا نَقُولَ قَوْلَكُمْ فِي التَّفْلِيسِ إلَّا هَذَا قُلْنَا، وَلَا حُجَّةَ لَك فِيهِ؛ لِأَنِّي قَدْ وَجَدْتُك تَقُولُ وَغَيْرُك وَتَأْخُذُ بِمِثْلِهِ فِيهِ قَالَ آخَرُ إنَّا قَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَبِيهًا بِقَوْلِنَا قُلْنَا وَهَذَا مِمَّا لَا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك؛ لِأَنَّ مَذْهَبَنَا مَعًا إذَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ أَنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَهُ.
قَالَ: فَإِنَّا

قُلْنَا لَمْ نَعْلَمْ أَبَا بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَضَوْا بِمَا رَوَيْتُمْ فِي التَّفْلِيسِ قُلْنَا، وَلَا رَوَيْتُمْ أَنَّهُمْ، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» «، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا خَالَتِهَا» ، وَلَا تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ.
قَالَ فَاكْتَفَيْنَا بِالْخَبَرِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا.
قُلْنَا فَفِيهِ الْكِفَايَةُ الْمُغْنِيَةُ عَمَّا سِوَاهَا وَمَا سِوَاهَا تَبَعٌ لَهَا لَا يَصْنَعُ مَعَهَا شَيْئًا إنْ وَافَقَهَا تَبَعُهَا، وَكَانَتْ بِهِ الْحَاجَةُ إلَيْهَا، وَإِنْ خَالَفَهَا تُرِكَ وَأُخِذَتْ السُّنَّةُ قَالَ وَهَكَذَا نَقُولُ.
قُلْنَا: نَعَمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا تَفِي بِذَلِكَ فِي التَّفْرِيعِ قَالَ فَإِنِّي لَمْ أَنْفَرِدْ بِمَا عِبْتَ عَلَيَّ قَدْ شَرِكَنِي فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِك وَغَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بِأَحَادِيثَ وَرَدُّوا أُخْرَى.
قُلْت: فَإِنْ كُنْتَ حَمِدْتَهُمْ عَلَى هَذَا فَأَشْرِكْهُمْ فِيهِ.
قَالَ: إذَا يَلْزَمُنِي أَنْ أَكُونَ بِالْخِيَارِ فِي الْعِلْمِ.
قُلْت: فَقُلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّك ذَمَمْتَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَعَلَهُ فَانْتَقِلْ عَنْ مِثْلِ مَا ذَمَمْتَ، وَلَا تَجْعَلْ الْمَذْمُومَ حُجَّةً.
قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُك عَنْ شَيْءٍ.
قُلْت: فَسَلْ قَالَ كَيْفَ نَقَضْتَ الْمِلْكَ الصَّحِيحَ؟ قُلْت أَوَتَرَى لِلْمَسْأَلَةِ مَوْضِعًا فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ لَا، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُعَلِّمَنِي هَلْ تَجِدُ مِثْلَ هَذَا غَيْرَ هَذَا؟ . قُلْت: نَعَمْ أَرَأَيْتَ دَارًا بِعْتهَا لَك فِيهَا شُفْعَةٌ أَلَيْسَ الْمُشْتَرِي مَالِكًا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَصَدَاقُهُ وَصَدَقَتُهُ فِيمَا ابْتَاعَ، وَيَجُوزُ لَهُ هَدْمُهُ وَبِنَاؤُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِذَا جَاءَ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَةُ أَخَذَ ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْت أَفَتَرَاك نَقَضْتَ الْمِلْكَ الصَّحِيحَ؟ قَالَ نَعَمْ، وَلَكِنِّي نَقَضْته بِالسُّنَّةِ وَقُلْت أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُصْدِقُ الْمَرْأَةَ الْأَمَةَ فَيَدْفَعُهَا إلَيْهَا وَالْغَنَمَ فَتَلِدُ الْأَمَةُ وَالْغَنَمُ أَلَيْسَ إنْ مَاتَ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا كَانَ مَا أَصْدَقهَا لَهَا قَبْلَ مَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ لَهَا عِتْقُ الْأَمَةِ وَبَيْعُهَا وَبَيْعُ الْمَاشِيَةِ وَهِيَ صَحِيحَةُ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ . قَالَ: بَلَى قُلْت: أَفَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ تَفُوتُ فِي الْجَارِيَةِ، وَلَا الْغَنَمِ شَيْئًا وَهُوَ فِي يَدَيْهَا بِحَالِهِ؟ . قَالَ: يُنْتَقَضُ الْمِلْكُ وَيَصِيرُ لَهُ نِصْفُ الْجَارِيَةِ وَالْغَنَمِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَادٌ أَوْ نِصْفُ قِيمَتِهَا إنْ كَانَ لَهَا أَوْلَادٌ؛ لِأَنَّهُمْ حَدَثُوا فِي مِلْكِهَا قُلْنَا فَكَيْفَ نَقَضْتَ الْمِلْكَ الصَّحِيحَ؟ قَالَ بِالْكِتَابِ قُلْنَا فَمَا نَرَاك عِبْتَ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ شَيْئًا إلَّا دَخَلَ عَلَيْك فِي الشُّفْعَةِ وَالصَّدَاقِ مِثْلُهُ أَوْ أَكْثَرُ.
قَالَ: حُجَّتِي فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ قُلْنَا: وَكَذَلِكَ حُجَّتُنَا فِي مَالِ الْمُفْلِسِ سُنَّةٌ فَكَيْفَ خَالَفْتهَا؟ . قُلْت لِلشَّافِعِيِّ: فَإِنَّا نُوَافِقُك فِي مَالِ الْمُفْلِسِ إذَا كَانَ حَيًّا وَنُخَالِفُك فِيهِ إذَا مَاتَ وَحُجَّتُنَا فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الَّذِي قَدْ سَمِعْتَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ كَانَ فِيمَا قَرَأْنَا عَلَى مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» فَقَالَ لِي فَلِمَ لَمْ تَأْخُذْ بِهَذَا؟ قُلْت: لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ وَمَنْ خَالَفَنَا مِمَّنْ حَكَيْت قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي لَهُ بِهِ عُذْرٌ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَأَنْتُمْ أَثْبَتُّمْ الْحَدِيثَ فَلَمَّا صِرْتُمْ إلَى تَفْرِيعِهِ فَارَقْتُمُوهُ فِي بَعْضٍ وَوَافَقْتُمُوهُ فِي بَعْضٍ.
فَقَالَ: فَلِمَ لَمْ تَأْخُذْ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ؟ . فَقُلْت: الَّذِي أَخَذْتُ بِهِ أَوْلَى بِي مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا أَخَذْتُ بِهِ مَوْصُولٌ يَجْمَعُ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ مُنْقَطِعٌ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ حُجَّةٌ إلَّا هَذَا انْبَغَى لِمَنْ عَرَفَ الْحَدِيثَ تَرْكُهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ مُرْسَلًا إنْ كَانَ رَوَى كُلَّهُ فَلَا أَدْرِي عَمَّنْ رَوَاهُ، وَلَعَلَّهُ رَوَى أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ بِرَأْيِهِ آخِرَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ انْتَهَى بِالْقَوْلِ» فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَا زَادَ عَلَى هَذَا قَوْلًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ لَا رِوَايَةً، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الرَّجُلَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَكُونُ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ يَجُوزُ لَهُ فِيهَا مَا يَجُوزُ لِذِي الْمَالِ فِي الْمَالِ مِنْ وَطْءِ أَمَةٍ وَبَيْعِهَا وَعِتْقِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ

ثَمَنَهَا فَإِذَا أَفْلَسَ وَالسِّلْعَةُ بِعَيْنِهَا فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي كَانَ لِلْبَائِعِ التَّسْلِيطُ عَلَى نَقْضِ عُقْدَةِ الْبَيْعِ.
كَمَا يَكُونُ لِلْمُسْتَشْفِعِ أَخْذُ الشُّفْعَةِ، وَقَدْ كَانَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا فَكَانَ الْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ لَوْ مَاتَ كَانَ لِلْمُسْتَشْفِعِ أَخْذُ الشُّفْعَةِ مِنْ وَرَثَتِهِ كَمَا لَهُ أَخْذُهَا مِنْ يَدَيْهِ فَكَيْفَ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الَّذِي يَجِدُ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُعْدِمٍ، وَإِنْ مَاتَ كَمَا كَانَ لِبَائِعِهِ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ مَالِكِهِ، وَكَمَا قُلْنَا فِي الشُّفْعَةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْوَرَثَةُ يَمْلِكُونَ عَنْ الْمَيِّتِ مَنْعَ السِّلْعَةِ، وَإِنَّمَا عَنْهُ وَرِثُوهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَنْعُهَا مِنْ أَنْ يَنْقُضَ بَائِعُهَا الْبَيْعَ إذَا لَمْ يُعْطِ ثَمَنَهَا كَامِلًا فَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ فِي حَالِ مَا وَرِثُوا عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، وَقَدْ جَعَلْتُمْ لِلْوَرَثَةِ أَكْثَرَ مِمَّا لِلْمُورِثِ الَّذِي عَنْهُ مَلَكُوهَا، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ عَيْنَ مَالِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ لَا يُفِيدُ شَيْئًا أَبَدًا وَالْحَيُّ يُفْلِسُ فَتُرْجَى إفَادَتُهُ وَأَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ فَضَعَّفْتُمْ الْأَقْوَى، وَقَوَّيْتُمْ الْأَضْعَفَ وَتَرَكْتُمْ بَعْضَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخَذْتُمْ بِبَعْضِهِ.
قَالَ: فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا رَوَيْنَا.
قُلْنَا: وَإِنْ لَمْ تَرْوُوهُ فَقَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ فَلَا يُوهِنُهُ أَنْ لَا تَرْوُوهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَمْ تَرْوُوهُ فَلَمْ يُوهِنْهُ ذَلِكَ.

[بُلُوغُ الرُّشْدِ وَهُوَ الْحَجْرُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَالُ الَّتِي يَبْلُغُ فِيهَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ رُشْدَهُمَا حَتَّى يَكُونَا يَلِيَانِ أَمْوَالَهُمَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6] . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْحَجْرَ ثَابِتٌ عَلَى الْيَتَامَى حَتَّى يَجْمَعُوا خَصْلَتَيْنِ: الْبُلُوغَ وَالرُّشْدَ فَالْبُلُوغُ اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَحْتَلِمَ الرَّجُلُ أَوْ تَحِيضَ الْمَرْأَةُ قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَيَكُونَ ذَلِكَ الْبُلُوغَ وَدَلَّ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] عَلَى أَنَّهُمْ إذَا جَمَعُوا الْبُلُوغَ وَالرُّشْدَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَكَانُوا أَوْلَى بِوِلَايَةِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَجَازَ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا يَجُوزُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ الْوِلَايَةِ مِمَّنْ وُلِّيَ فَخَرَجَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يُوَلَّ وَأَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِيهِمَا سَوَاءٌ.
وَالرُّشْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ حَتَّى تَكُونَ الشَّهَادَةُ جَائِزَةً وَإِصْلَاحُ الْمَالِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إصْلَاحُ الْمَالِ بِأَنْ يُخْتَبَرَ الْيَتِيمُ وَالِاخْتِبَارُ يَخْتَلِفُ بِقَدْرِ حَالِ الْمُخْتَبَرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الرِّجَالِ مِمَّنْ يَتَبَذَّلُ فَيَخْتَلِطُ النَّاسُ اسْتَدَلَّ بِمُخَالَطَتِهِ النَّاسَ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّهُ يُحِبُّ تَوْفِيرَ مَالِهِ وَالزِّيَادَةَ فِيهِ وَأَنْ لَا يُتْلِفَهُ فِيمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ كَانَ اخْتِبَارُ هَذَا قَرِيبًا وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُصَانُ عَنْ الْأَسْوَاقِ كَانَ اخْتِبَارُهُ أَبْعَدَ قَلِيلًا مِنْ اخْتِبَارِ الَّذِي قَبْلَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَدْفَعُ إلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ نَفَقَةَ شَهْرٍ فَإِنْ أَحْسَنَ إنْفَاقَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَأَحْسَنَ شِرَاءَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا مَعَ النَّفَقَةِ اُخْتُبِرَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ فَإِذَا أُونِسَ مِنْهُ تَوْفِيرٌ لَهُ وَعَقْلٌ يَعْرِفُ بِهِ حُسْنَ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فِي إبْقَاءِ مَالِهِ دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ.
وَاخْتِبَارُ الْمَرْأَةِ مَعَ عِلْمِ صَلَاحِهَا بِقِلَّةِ مُخَالَطَتِهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا قَلِيلًا فَيَخْتَبِرُهَا النِّسَاءُ وَذَوُو الْمَحَارِمِ بِهَا بِمِثْلِ مَا وَصَفْنَا مِنْ دَفْعِ النَّفَقَةِ وَمَا يُشْتَرَى لَهَا مِنْ الْأُدْمِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا آنَسُوا مِنْهَا صَلَاحًا لِمَا تُعْطَى مِنْ نَفَقَتِهَا كَمَا وَصَفْت فِي الْغُلَامِ الْبَالِغِ فَإِذَا عُرِفَ مِنْهَا صَلَاحٌ دُفِعَ إلَيْهَا الْيَسِيرُ مِنْهُ فَإِنْ هِيَ أَصْلَحَتْهُ دُفِعَ إلَيْهَا مَالُهَا نُكِحَتْ أَوْ لَمْ تُنْكَحْ لَا يَزِيدُ فِي رُشْدِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ النِّكَاحُ وَلَا تَرْكُهُ كَمَا لَا يَزِيدُ فِي رُشْدِ الْغُلَامِ وَلَا

يَنْقُصُ مِنْهُ وَأَيُّهُمَا نَكَحَ وَهُوَ غَيْرُ رَشِيدٍ وَوُلِدَ لَهُ وُلِّيَ عَلَيْهِ مَالُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ إذَا جَمَعَ الرُّشْدَ مَعَ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ النِّكَاحُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَيُّهُمَا صَارَ إلَى وِلَايَةِ مَالِهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي مَالِهِ مَا يَفْعَلُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَمْوَالِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ وَذَاتُ زَوْجٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرُ ذَاتِ زَوْجٍ، وَلَيْسَ الزَّوْجُ مِنْ وِلَايَةِ مَالِ الْمَرْأَةِ بِسَبِيلٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْته أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إذَا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى أَنْ يَجْمَعَ الْبُلُوغَ وَالرُّشْدَ سَوَاءٌ فِي دَفْعِ أَمْوَالِهِمَا إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْيَتَامَى فَإِذَا صَارَا إلَى أَنْ يَخْرُجَا مِنْ الْوِلَايَةِ فَهُمَا كَغَيْرِهِمَا يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ مَا يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْمَرْأَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ مُفَارِقَةٌ لِلرَّجُلِ لَا تُعْطِي الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا قِيلَ لَهُ كِتَابُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي أَمْرِهِ بِالدَّفْعِ إلَى الْيَتَامَى إذَا بَلَغُوا الرُّشْدَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قُلْت؛ لِأَنَّ مَنْ أَخْرَجَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ الْوِلَايَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِ إلَّا بِحَالٍ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ سَفَهٍ وَفَسَادٍ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ أَوْ حَقٌّ يَلْزَمُهُ لِمُسْلِمٍ فِي مَالِهِ فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ فَإِنْ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا فَعَلَيْك أَنْ تَأْتِيَ بِبُرْهَانٍ عَلَى فَرْقِك بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ رُوِيَ أَنْ «لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعْطِيَ مِنْ مَالِهَا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا» . قِيلَ: قَدْ سَمِعْنَاهُ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ بِهِ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ ثُمَّ السُّنَّةُ ثُمَّ الْأَثَرُ ثُمَّ الْمَعْقُولُ فَإِنْ قَالَ فَاذْكُرْ الْقُرْآنَ قُلْنَا الْآيَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ وَسَوَّى فِيهَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خَبَرٍ لَازِمٍ.
فَإِنْ قَالَ أَفَتَجِدُ فِي الْقُرْآنِ دَلَالَةً عَلَى مَا وَصَفْت سِوَى هَذَا؟ قِيلَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى الْمَرْأَةِ نِصْفَ مَهْرِهَا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى الْأَجْنَبِيَّيْنِ مِنْ الرِّجَالِ مَا وَجَبَ لَهُمْ.
وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مُسَلَّطَةٌ عَلَى أَنْ تَعْفُوَ مِنْ مَالِهَا وَنَدَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إلَى الْعَفْوِ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَسَوَّى بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ عَفْوِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وَجَبَ لَهُ يَجُوزُ عَفْوُهُ إذَا دَفَعَ الْمَهْرَ كُلَّهُ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِهِ فَعَفَاهُ جَازَ، وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْهُ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ نِصْفَهُ فَعَفَتْهُ جَازَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] فَجَعَلَ فِي إيتَائِهِنَّ مَا فَرَضَ لَهُنَّ مِنْ فَرِيضَةٍ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِنَّ دَفْعَهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الرِّجَالِ مِمَّنْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ بِوَجْهٍ وَحَلَّ لِلرِّجَالِ أَكْلُ مَا طَابَ نِسَاؤُهُمْ عَنْهُ نَفْسًا كَمَا حَلَّ لَهُمْ مَا طَابَ الْأَجْنَبِيُّونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَنْهُ نَفْسًا وَمَا طَابُوا هُمْ لِأَزْوَاجِهِمْ عَنْهُ نَفْسًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُكْمِهِمْ وَحُكْمِ أَزْوَاجِهِمْ وَالْأَجْنَبِيِّينَ وَغَيْرِ أَزْوَاجِهِمْ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ دَفْعِ حُقُوقِهِنَّ، وَأَحَلَّ مَا طِبْنَ عَنْهُ نَفْسًا مِنْ أَمْوَالِهِنَّ وَحَرَّمَ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ مَا حَرَّمَ مِنْ أَمْوَالِ الْأَجْنَبِيِّينَ فِيمَا ذَكَرْت.
وَفِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] الْآيَةَ وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] فَأَحَلَّهُ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ كَمَا حَلَّ لِلرَّجُلِ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّينَ بِغَيْرِ تَوْقِيتِ شَيْءٍ فِيهِ ثُلُثٌ، وَلَا أَقَلُّ، وَلَا أَكْثَرُ وَحَرَّمَهُ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ كَمَا حَرَّمَ أَمْوَالَ الْأَجْنَبِيِّينَ أَنْ يَغْتَصِبُوهَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] الْآيَةَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ فِي أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُوصِيَ فِي مَالِهِ وَفِي أَنَّ دَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ لَهُ فِي مَالِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ مِنْ مَالِهَا مَنْ

فصول الكتاب · 22 فصل · 390 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأم للشافعي · 390 صفحة
المقدمة
َ وَقْتُ الْعَصْرِ
بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ،
وَقْتِ الْجُمُعَةِ
ِالْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
فدية الجراد
ِ بَابُ النُّذُورِ الَّتِي كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ أَيْمَانٍ
[بَابُ السَّلَفِ فِي الْحِنْطَةِ] .
ُ الْغَصْبِ
ِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ
ْ الصَّدَقَةُ
مَا جَاءَ فِي نِكَاح إمَاء الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِر أَهْل الْكتاب وَإِمَائِهِمْ
ُ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي تَحِيضُعدة الْحُرَّة مِنْ أَهْل الْكتاب عِنْد الْمُسْلِم وَالْكِتَابِيّ
َالْإِحْدَادُ
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ
َجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ
اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ وَالْفَارِسَيْنِ
َدَعْوَى الْأَعَاجِمِ
ِ بَابُ الدِّيَاتِ
َمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ
جارٍ التحميل