الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
هذه المادة الثانية، مادة الفقه، الفقه الحنبلي خصوصاً، وقد وقع الاختيار على ((عمدة الفقه)) للإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى، الشيخ الموفق صاحب "المغني" الإمام الجليل.
واليوم كذلك كما شرعنا في التوحيد، نبدأ بمقدمات توضيحية بمقدمات توضيحية وتقريرية في باب الفقه، والأمر سيكون أوسع مما كان عليه في الكلام على التوحيد.
المقدمة الأولى: في الإجابة على تساؤل: لمَ الكتب المذهبية؟
لماذا نقرأ الآن كتاباً في المذهب؟ لماذا لا نتجه مباشرة إلى كتب السنة نقرأ فيها ونأخذ بالأدلة؟ - هذا الآن على لسان معترض أنا أتكلم- وهذه الكتب نسمع أنها تربي على التعصب المذهبي، وهي في النهاية كلام إمام بشر.. اجتهاده.. أما إذا ذهبنا وقرأنا السنة فسينتهي بنا الأمر إلى أننا نقرأ كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- المعصوم، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، كما قال الإمام مالك.
والشافعي يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
والإمام الإمام أحمد يقول: "خذ من حيث أخذنا".
فلما هذه القراءة في الكتب المذهبية؟ هذا اعتراض ينقدح في ذهن كثير من محبي العلم -لأن مصطلح (طلبة علم) هذا أشوفه كبير على كثير منهم- كثير من محبي العلم ينظرون هذه النظرة، والواقع أنه يُحمَد للإخوة غيرتهم على السنة وإقبالهم على الدليل.
ومن محاسن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنها كانت تحارب التعصب، وأئمة الدعوة رحمهم الله ما كانوا متعصبين، ولهم في ذلك... -يعني الشيخ سليمان بن سحمان الخثعمي ذهب نظم اختيارات شيخ الإسلام التي يخالف المذهب- وكلامهم في ميراث الجد معروف؛ خالفوا المشهور من مذهب الحنابلة واعتبروه أباً.
غير أن هذه النظرة ليست سديدة، ونظرة هؤلاء الإخوة قاصرة تماماً، فهذه الكتب ليست كمأة هكذا نبتت من الأرض، وإنما هي كتب بنيت على أدلة الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة والقياس والاستصحاب.
وأنت إذا نظرت في كتب الحديث فلن تتمكن من فقه الأحاديث تمام فقهها حتى تستعين بتبويبات المصنفين، أليس كذلك؟
فترى مثلاً الإمام البخاري يبوب لك تبويبات تفتح لك أقفالاً ما كنت لتفتحها بنفسك، وتبويبات ابن خزيمة -رحمه الله- وتبويبات ابن حبان -أما مسلم فلم يبوب- وأيضاً ابن ماجه قوي التبويب في الفقه.
فهذه الكتب مقامها مقام تبويبات الأئمة على الأحاديث، ثم إنها تعنى بجمع خلاصة نظر الإمام لأدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس وأقوال الصحابة والاستصحاب، ثم ترتيبها على مسائل وتقسيمها بطريقة تسهل على الطالب ضبط الأمر.
وإلا لو قرأنا الآن في بعض كتب الحديث التي ليس فيها تبويبات قوية كصحيح البخاري سنضطر إلى شروح، أليس كذلك؟ لكي نفهم الأمور، سنضطر إلى الشروح لكي نفهم ماذا يريد المصنف، وما الفوائد المستفادة من الحديث، سنرجع إلى كتب الغريب.
هذا الإمام وضع لك هذا، ومن قال لك إن هذه الكتب لا يوجد فيها أحاديث؟ بل فيها أحاديث، فيها آثار، وهذا أمر مهم جداً وضروري، المذهب عندنا هناك عناية عظيمة بالآثار، فلهذا السبب جاءت العناية بهذه المتون فهي متون المباركة، وغزيرة العلم، يحفظها الإنسان ثم يدرس بعض شروحها فيكون مؤهلاً.
المقدمة الثانية: في معنى الفقه
الفقه لغة: الفهم، وبكسر القاف: (فَقِهَ) فهم، يسمونها المثناة الفوقية، وبفتحها: (فَقَهَ) أي صار أفقه من غيره: أفهم من غيره، و (فَقُهَ) يعني صار الفقه من سجيته، يحكون عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أنه مرض مرضاً فنسي، فقد الذاكرة، ونسي كل شيء إلا الفقه، فقههم هذا ما نساه ولا حيلة واحدة، حفظه كله، فهذا يضربون فيه المثل في الذي صار الفقه من سجيته.
غير أن الفقه معناه عند السلف أوسع، فترى كلام الحسن لما أفتى في مسألة فقالوا له: إن الفقهاء يخالفونك، قال: "ويحك! وهل رأيت فقيهاً قط؟"، عندهم الفقيه: الطائع، هذا هو الفقيه.
وبعضهم سمى أمر العقيدة فقهاً، كما يذكر عن أبي حنيفة أنه سماه "الفقه الأكبر"، وبعضهم سمى أمر الأخلاق فقهاً، يقولون: "فلان فقيه بدن"، كما يقول سفيان بن عيينة، يقول: "من الناس من هو فقيه بدن"، أيش فقيه بدن؟ أي إنسان تقي.
فلهذا نسمي هذه المادة "الفقه في الأحكام" أحسن، أنسب مع اصطلاح السلف، نسميه "الفقه في الأحكام"، ولا نطلق نقول "الفقه" كما يطلق اليوم.
وهنا شيء، يعني تنبيه على مصطلح استحدث في هذا العصر اسمه مصطلح "الفقه المقارن"، وهذا مصطلح حادث، بل لم يقع عليه الاصطلاح حقيقة، السلف كانوا يسمونها "كتب الخلاف".
وكلمة "مقارن" تفيد معنى فيه إشكال؛ لأنه أحياناً يكون قول الفقيه مبنياً على دليل، وقول الفقيه الآخر مبنياً على رأي، فهل تُقارن السنة بالرأي؟
لا، الرأي إذا خالف الدليل قيل فيه ما قيل، كما قال الشعبي فيما روى عبد الرزاق في "مصنفه": "ما حدثوك عن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فخذ به، وما حدثوك عن رأيهم فبل عليه".
وقيل: "ما رأي أبي فلان والبعر إلا سواء"، فهذا في مقابل النص؛ فكلمة "مقارن" هذه فيها إشكال وفي القلب منها شيء.
المقدمة الثالثة: في بيان ما يسمى بالمدارس الفقهية
كلمة "مدارس" هذه الذي يبدو أنه تعبير استشراقي، فلو استبدلناه بـ "المذاهب الفقهية" يكون أفضل، أو نقول يعني الأصول:
هناك "أهل الرأي"، وهناك "أهل الحديث"، وبينهما -من أهل الحديث- "أهل المدينة".
أهل الحديث أصولهم معروفة؛ يأخذون بالحديث والآثار، ويقدمون الحديث وقول الصاحب على القياس، ولا يتوسعون بالقياس كصنيع أهل الرأي، ولا يردون القياس ويلغونه كصنيع أهل الظاهر.
وهؤلاء هم "الفرقة الناجية والطائفة المنصورة" كما صح عن جماعة من الأئمة.
وهناك من أهل الحديث -وأحياناً يذكرونهم قسيماً لأهل الحديث- "أهل المدينة"، طبعاً أهل الحديث يتمثلونل في: مالك، وأحمد، والشافعي، أهل المدينة في مالك.
بماذا انفرد مالك عن البقية حتى صار قسيماً وسموا اسما؟
الإمام مالك رحمه الله كان يعظم "عمل أهل المدينة" جداً، فكان الحديث الذي يخالف عمل أهل المدينة لا يقول به، ويعتقد أن هذه قرينة على نسخه.
ولهذا لما قالوا له: "لماذا لا تحدث عن الزهري كما يحدث أصحابه؟ أنت سمعت الزهري ونراهم يحدثون بأمور أنت لا تحدث بها وأنت من أحفظهم" -هكذا يشيرون كما روى أبو نعيم في "الحلية"- قال مالك: "لو حدثتهم بكل ما سمعت من الزهري أضلهم إذن".
هناك أمور يعتقد أنها منسوخة؛ لهذا مثلاً لم يقل بحديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
فقال ابن أبي ذئب: "يستتاب مالك أو يقتل"؛ لأنه الحديث عنده صحيح فكيف تخالفه مالك؟ رحمهم الله، ابن أبي ذئب أيضاً كان إماماً جليلاً رحمه الله، وقال هذه الكلمة حمية على السنة وآنذاك كانوا يمتدحون الرجل على حميته وليس الأمر كما هو الآن والله المستعان وهذا قديما في فقه الأحكام.
مالك كان يعظم عمل أهل المدينة ويعتقد أن الأمر ما دام أهل المدينة لا يقولون به ولم يقل به أحد من فقهائهم فالحديث إما منسوخ وإما معلول أو.. أو..
وهناك مراسلة حصلت بينه وبين الليث بن سعد في هذا الخصوص، ذكرها الدوري في "تاريخه" عن ابن معين، مالك يراسل الليث يقول له: "أنت كنت تفتي عندنا في أمور بلغنا أنك تفتي بخلافها لما ذهبت هناك" -كان الليث في مصر- "وأنت تعلم أن هذه المدينة فيها أبناء الصحابة وأحفادهم، وأن الحق لا يخرج عنهم".
فرد عليه الليث رداً مؤدباً لطيفاً قال: "أنت تعلم أن صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- افترقوا، وأن عُمر رضي الله عنه فرق فقهاء الصحابة في البلاد، وأنه لم يكن يُقضى بشيء في حياة عمر إلا بإذن عمر" -هو كان البحث بالجمع في المطر وأمور من أمور العامة- أي أن أهل الكوفة لا يفعلون شيئاً يخالف السنة وعمر حي، أهل الشام لا يفعلون أمراً يخالف السنة وعمر حي، عمر يراقب، فقال له: "يا مالك، بهذا الاعتبار يبطل قولك في الاحتجاج بعمل أهل المدينة".
ابن تيمية رحمه الله خرج قول مالك في "عمل أهل المدينة" تخريجاً لطيفاً، قال: "مالك يريد السنن المتواترة والتي تؤخذ بالتلقي، كالصاع النبوي، وصيغ الأذان، وغيرها من الأمور التي كان أعلم الناس بها أبناء الصحابة؛ لأنهم ورثوها كابراً عن كابر، وكانوا يكثرون ويتوافرون في المدينة بالذات".
أما "أهل الرأي"، وما أدراك ما أهل الرأي! الذين قال فيهم حرب الكرماني: "وأهل الرأي مبتدعة ضلال".
أما أهل الرأي -والذين يمثلهم مذهب أبي حنيفة، المذهب الحنفي، بعض الناس يسميه مذهب الكوفيين، وأهل الرأي أنسب؛ لأن من الكوفيين سفيان الثوري وله مذهب فما ينبغي، هؤلاء انفصلوا عن أهل الحديث بأمور كثيرة وأصول خطيرة.
فكان من أصول مذهبهم مثلاً:
- أنهم لا يقبلون "خبر الواحد فيما تعم به البلوى"؛ كالحدود وغيرها، شابهوا المعتزلة في هذه الحيثية.
- وأيضاً من أقوالهم ومن أصولهم التي ذكرها الطوفي -والتي ذكر أن من أجلها أهل العلم أغلظوا فيهم القول-: أنهم لا يقبلون خبر الواحد فيما خالف القياس.
- ولا يقبلون قول الصحابي (حديث الصحابي) غير الفقيه، فمثلاً مسألة المُصَرَّاة حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من اشترى شاة مصراة».
ما الشاة المصراة؟ شاة أخذها صاحبها تركها عدة أيام لا يحلبها حتى يظهر ثديها، تأتي أنت تشتري تظنها حلوبا، فتشتريها فتحلب، بعد فترة تكتشف أنك قد خُدعت، غبنت عندك خيار الغبن، تعيد الشاة على صاحبها، طيب والحليب الذي شربته ما تصنع فيه؟ في حديث أبي هريرة: تعطي بدلاً منه صاعاً من تمر.
جاءوا الجماعة قالوا: "كيف هذا؟ لبن بدل تمر! لا نقبل هذا الحديث، هذا خلاف القياس، ثم إن راويه أبو هريرة ليس فقيهاً، ونحن لا نقبل حديث الصحابي غير الفقيه".
أبو هريرة كان يفتي في حياة عمر، أبو هريرة من كبار فقهاء الصحابة، ابن حزم قال: "جمعت فتاويه في مجلد" -يعني وهو يرد على هؤلاء القوم- فقالوا: "أبو هريرة ليس فقيهاً".
ومن هنا اشتد النكير عليهم.
وأيضاً من أصولهم "الحيل"، سنأتي نذكر بعض حيلهم، والبخاري فرغ باباً في الرد عليهم.
ثم إن كانت معرفتهم بالآثار ضعيفة، لهذا خالفوا نصوصاً كثيرة، مثل مخالفتهم للعامة في مسألة رفع اليدين قبل الركوع وبعده مع أنها سنة متواترة، و «لا نكاح إلا بولي» وغير ذلك.
ولهذا حتى الإمام أحمد كان يتعجب منهم أحياناً يقول لك: "كأنهم لم يكونوا في العراق!"؛ لأن هذه السنة معروفة عند أهل العراق، فعنايتهم بالآثار ضعيفة.
وورد عن إمامهم كبيرهم أنه رد بعض الأحاديث لأنه رآها تخالف القياس، وأطلق ألفاظاً ما أحب أن أذكرها، فلهذا اشتد عليه، ولهذا الأوزاعي يقول: "إنا لا ننقم عليه أنه يقول بالرأي، كلنا يقول بالرأي، ولكنا ننقم عليه أنه كان يأتيه الحديث ويرده".
فلهذا الاعتبار اعتبر أهل الرأي -يعني- مدرسة شاذة عن أهل الحديث، واهتموا بالرد عليهم، بل حتى ابن الجوزي له كلام في "المنتظم" يقول إنه ما كانوا أهلاً للفتيا؛ لأن إمامهم الكبير أبا حنيفة رحمه الله كان ضعيفاً في الحديث.
وقال ابن الجوزي: "هذا الرجل ضعيف في الحديث فكيف يفتي؟"؛ هذه وجهة نظر، هذا رأيه.
وحتى الشافعي؛ ذكر أبو إسماعيل الهروي الأنصاري في "ذم الكلام" عن الشافعي رحمه الله أنه قال: "لو كان يحل لأحد من أهل الرأي أن يفتي لحل لمحمد بن الحسن".
ويقول ابن القيم في "إعلام الموقعين": "لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز استفتاء أهل الرأي".
بل ذكر ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" أنه قال: أحمد رحمه الله قال: "عجبت لأهل الحديث؛ يكون في المسألة عن طاوس والحسن ويذهبون لأهل الرأي!".
حتى جاءه رجل يستفتيه يقول له: "انظر في كتب أهل الرأي؟" فقال أحمد: "لا تنظر".
فقال له رجل: "هذا رجل من أهل الحديث يريد أن يعرف قول خصمه"، قال له: "لا تنظر"؛ يعني اشتغل بالحديث أفقه لك وأحسن.
وكما في "مسائل عبد الله" أنه قال: سأل أباه إن رجلاً يكون في بلد يكون فيه رجل ضعيف الحديث ورجل من أهل الرأي، مَن يستفتي؟ قال: "يستفتي ضعيف الحديث؛ ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة".
لماذا نذكر هذا؟ لكي نعرف كيف توزن الأقوال.
بعض إخواننا يقول: "نحن نحارب التعصب المذهبي" وهذا -وكلنا نحارب التعصب- ولكن ما ينبغي أن يُجعل أهل الحديث مع أهل الرأي في مكان واحد.
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الإمام أحمد أنه قال -قال شيخ الإسلام-: "كان الإمام أحمد ينكر أن يُرد على أهل المدينة كما يُرد على أهل الرأي، يقول: هؤلاء اتبعوا الأثر".
حتى لو كان في أهل الحديث متعصبة فهم خير من أهل الرأي، فلا نأتي ونضعهم جميعاً في مكان واحد وفي ميزان واحد، ونأتي نقول: كتب الفقه الحنبلي وكتب الفقه الحنفي كلها شيء واحد! لا، هؤلاء أهل رأي وهؤلاء أهل حديث، هؤلاء إمامهم ضعيف في الحديث أصلاً وقد فاتته أخبار كثيرة، وهؤلاء إمامهم كان يحفظ ألف ألف حديث؛ فكيف تجعل هذا كذاك؟
وهناك رسالة طبعت لابن رجب، طبعت بعنوان هكذا: "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" وهذه نجعلها المقدمة الرابعة.
المقدمة الرابعة: في فضل علم الإمام أحمد وتوافر الأدلة في مذهبه
طُبعت رسالة للحافظ ابن رجب رحمه الله سُميت بـ "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة"، والعنوان في الحقيقة لا يطابق المضمون، وإن كان المؤلف هو ابن رجب؛ لأن هناك تقاطعاً كبيراً بين هذه الرسالة ورسالة "فضل علم السلف على علم الخلف".
ابن رجب يريد أن يقول باختصار: "إن إمامنا أحمد كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان معروفاً بالاتباع، ويحفظ فتاوى الصحابة والتابعين ويستحضرها عن ظهر قلبه، فينبغي لكم التريث والتؤدة عند مخالفته، والجزم بأن قوله المنصوص عنه خالف الدليل؛ فقد يكون وقف على أمر لم تقفوا عليه" هذا الذي يريد أن يقوله ابن رجب باختصار في هذه الرسالة.
هذا الكلام له حظ كبير من الصحة؛ لأننا رأينا أن كثيراً ممن يعترض على الأئمة نكتشف أنه لم يعرف دليله، ولم يفهم وجه المسألة.
فقد يكون مع الإمام فتوى صحابي، أو يكون الحديث الذي تستدل به هو معلولاً عند الإمام أصالة، ثم يأتي ويستدل عليك ثم يأتي ويقول شخص: "أنا لا أعرف دليلا على هذا، وهذا خلاف الدليل، وهذا خلاف البراءة الأصلية، وهذا خلاف كذا..". لا يا أخي، هؤلاء الأئمة لم يكن بينهم وبين السنة عداء، لتعلم هذا، ولسنا ندعو إلى تقليدهم، ولكننا ندعو إلى التريث والتؤدة عند مخالفتهم، خصوصاً الإمام أحمد رحمه الله.
ولنذكر شيئاً من فضله رحمه الله؛ نحن ذكرنا أنه يحفظ ألف ألف حديث، وكان رجلاً متبعاً.
وقد أحسن ابن الجوزي في كتابه "مناقب الإمام أحمد" حيث استدل لفضل أحمد على بقية الأربعة بطريقة بارعة؛ أتى بالمناظرة المشهورة بين الشيباني والشافعي في مسألة: "من أحفظ؛ أبو حنيفة أم مالك؟".
فالشيباني كان منصفاً واعترف أن مالكاً كان أعلم بالحديث، قال: "لكن صاحبنا أقيس".
(وفي رواية: "كان عاقلاً"، صاحبكم ليس عاقلا! مالك ليس عاقلا!).
فقال الشافعي: "إنما الحديث الأصل والقياس الفرع، فمن كان أعلم بالأصل فهو أعلم بالفرع".
وعلق ابن الجوزي: "ولو نظرت في (موطأ مالك) و(مسند أحمد) لرأيت سعة علم أحمد على مالك".
مالك كان مختصاً بحديث أهل المدينة، ولا يروي إلا عن ثقة من أهل المدينة، أما لما روى عن العراقيين روى عن بعض الضعفاء، عن عبد الكريم بن أبي أمية.
والشافعي رحمه الله اعترف أن أحمداً أعلم منه بالحديث، والذي ينظر في "مسند الشافعي" وينظر في "مسند أحمد" يكتشف البون الشاسع بين الرجلين في الرواية.
بل الشافعي كان فيه نفرة من حديث أهل العراق كان فيه نفرة عامة، ثم ذكر البيهقي أنه رجع، لكن كثيراً من مذهبه كان مبنياً على البعد عن حديث أهل العراق.
وأنتم تعلمون مَن كان بالكوفة؛ مثلا ابن مسعود كان هناك، وحذيفة كان هناك، وعبد الله بن عمرو سكن كان هناك فترة، وعمار بن ياسر كان هناك، وسلمان الفارسي كان هناك وغيرهم من الصحابة.
فكان عند أهل العراق الكثير من السنن التي حظي بها الإمام أحمد رحمه الله، أما الشافعي فكان فيه نفرة في بداية أمره من حديث العراقيين، ثم لما استدرك الأمر لم يكن في العمر فسحة ليستدرك الأمر كما ينبغي.
وأما مالك، فلم يكن يروي عن أهل العراق إلا النادر، كأيوب السختياني؛ فكان يعظمه، حتى إنه لما حدث عن أيوب، فنظر إليه أهل المدينة "تحدثنا عن عراقي!" أيوب بصري، فقال لهم: "ما حدثتكم عن رجل أجل من أيوب"، رأيت بارك الله فيك.
أما أحمد فميز، وذكر الكثير من السنن، ولهذا قال أبو حاتم الرازي -كما في "طبقات الحنابلة"-: قال: "استفاد الشافعي من أحمد أكثر مما استفاد أحمد من الشافعي"؛ لأن أحمداً كان هو يمد الشافعي بالمادة التفصيلية.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الشافعي علم أحمداً الأدلة الإجمالية، وأحمد علم الشافعي الأدلة التفصيلية التي هي الأحاديث".
ثم إن الإمام أحمد قد منَّ الله عز وجل عليه بطلبة نجباء، فكان الميموني منهم سأله عن مسائل الأوزاعي.
أما أهل -ذكرنا نحن حديث العراق وحديث أهل المدينة- أما أهل مصر فلم يكن عندهم كبير شيء (في الحديث) كما ذكر الخطيب في "الكفاية".
وأما أهل الشام فكان حديثهم عامته في الملاحم وأشراط الساعة، يعني حديثهم في الأحكام قليل -ونحن في بابنا الفقه-، هذا ذكره الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع".
وكان الإمام أحمد أحظى، فكانت له عناية كبيرة بفتاوى الصحابة والتابعين، حتى إنه رحمه الله ابن هانئ ذكر له مسألة فأفتى فيها بقول ابن عمر، فقال له قائل: "ما تقول أنت؟"، قال له: "أقول لك: قال ابن عمر، وتقول: ما تقول أنت؟!".
الرجل معظم للصحابة.
والميموني -كما ذكر شيخ الإسلام- سأل أحمداً عن مسائل الأوزاعي، وحنبل ابن عمه سأله عن مسائل أهل المدينة، والشالنجي سأله عن مسائل أهل الرأي.
فالأمور المتسعة في المذاهب الأخرى اجتمعت في مذهب أحمد.
وأحمد في بداياته طلب العلم عند أهل الرأي، فعرف مذهبهم وخبره، ثم بعد ذلك كان ينهى عن الرواية عنهم، ولم يروِ عنهم شيئاً ولم يخرج.
وتلك الفرية التي تقول: "إن الإمام أحمد لم يكن فقيهاً"؛ هذا سفه، هذا سفه كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": قال: "والجاهل لا يعرف قدر نفسه، فكيف يعرف قدر غيره من أهل العلم؟".
الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "أحمد إمام في عشر خصال"، وذكر منها الفقه، قال: "والفقه" وغيرها من الأمور؛ فكان إماماً في الحديث، إماماً في العلل، إماماً في الزهد رحمه الله.
اجتمع فيه ما تفرق في غيره، لكن كما قيل: "ومنزلة السفيه من الفقيه كمنزلة الفقيه من السفيه، فهذا زاهد في حق هذا وهذا أزهد منه فيه" هذا في شأن الإمام رحمه الله لكي نعرف ونزن الأقوال.
وهو رحمه الله اشتهر مذهبه بأمر: مسألة الروايتين والثلاث؛ حتى صنف ابن أبي يعلى كتابه "الروايتين والوجهين"، وأحياناً المسألة لا تكون روايتين لكن هو فيه فهمه ظنها روايتين، فيأتي التنبيه عليها في أماكنها.
وهذا من سعة علمه رحمه الله؛ تجد في المسألة قولين للصحابة فتجده مرة أفتى بهذا ومرة أفتى بهذا، وهو رحمه الله يرجع ويستدرك كما سيأتينا في مسألة "دباغ جلد الميتة" وكيف رجع عن الحديث المروي الذي فيه ضعف، حديث معاوية بن حيدة.
فالإمام رحمه الله هذه من أدلة سعة علمه ولا تعيبه بها.
المقدمة الخامسة: في دفع فرية تشدد المذهب الحنبلي
فيما يتعلق بما يُشاع أن مذهب الحنابلة مذهب متشدد متعنت، وأن الناس -يعني- حتى يقولون: "لا تحنبلها"، والواقع أن هذا كلام عوام جهلة، وأخشى أن يكون الأمر دعاية أشعرية؛ لأن الحنابلة كانوا معروفين أنهم على السنة.
ابن كثير رحمه الله لما تكلم على بلدة -كأنها حران بلدة شيخ الإسلام- قال: "وأهلها حنابلة لا يعيش بينهم مبتدع"؛ فهذه الدعاية الأشعرية للتنفير منهم، وإلا ففي مذهبهم -ذكرنا أن في مذهب الحنابلة- مسألة -بارك الله فيك- العناية بالدليل، والشريعة كلها سماحة، هذا أولاً.
ثانياً: ذكرُ أمر الروايتين والوجهين والثلاث؛ فالأمر.. الإنسان يخالف الإمام في مسألة واثنتين وثلاث وهو في دائرة المذهب، مذهب واسع ومرن كما يقال.
ثم إن فيه سماحة ورخصاً سيأتي ذكر كثير منها؛ في باب الشركات مثلاً، في البيوع.
الشافعي عنده تشديد، مثلاً في باب المطعومات في مذهب أبي حنيفة هناك تشديد؛ يحرم لحوم الخيل، رأيت بارك الله فيك؟ في مذهب أحمد الإباحة.
في مسألة مثلاً الوقوف بعرفة؛ كلهم عندهم الوقوف يبدأ من الزوال، أحمد عنده يبدأ من الفجر، هذا تيسير، هو ييسر تبعاً للأدلة طبعاً، لا ييسر من رأسه -أنا أكلمك عن أحمد بن حنبل رأيت بارك الله فيك، ليس عن فقهاء الفضائيات جزاك الله خيراً- أنا أكلمك عن الإمام أحمد رحمه الله.
وسيأتي ذكر كثير من هذا القبيل.
وإلا مثلاً في مذهب الشافعي في الطهارة هناك تشديد؛ مثلاً قولهم بنجاسة عذرة الحيوان مأكول اللحم وغيرها.
والأمر ليس باعتبار التشديد والتيسير، وإنما الإمام كان ورعاً يحتاط أحياناً في أمر العبادات ويوسع...
أصلاً في مذهب الحنابلة فقط -من مفردات مذهب أحمد- أنه يجوز شرب الماء في النافلة، هذا اليوم حتى العوام إذا تقول لهم هذه الكلمة يستغربون كثيراً، بناءً على أثر لعبد الله بن الزبير وهذا هو الصحيح وسيأتي معنا.
فمذهب فيه من الرخص والتيسيرات أمور كثيرة تبعاً للأدلة، والشريعة فيها سماحة ليست بحاجة إلى توسيع المتوسعين.
أي استشكال؟
السائل:....
هو نفسه لكن هو يشتد، مستعجل على الأشربة! ماء أهل المدينة فيه ملوحة فكانوا يحلونها بهذا التمر، لكنهم كانوا ينتبذون، يضعونها في مكان يقال له "الأوعية"، هذه الأوعية تساعد على التخمر؛ لهذا وفد عبد قيس لما جاءوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم باستبدال هذه الأوعية، فقالوا: "نضعها في كذا تأكلها الفئران؟"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإن أكلتها الفئران، وإن أكلتها الفئران» رأيت بارك الله فيك.
وكان الناس في العراق -هذا من فضائل الإمام أحمد- كان الناس في العراق في بغداد عامتهم على حل النبيذ، يقولون: "ما يوجد أحد يفتي بالحرمة إلا أحمد بن حنبل"، لماذا؟ لأن كان شعار الرافضة القول بحرمة النبيذ نكاية بعمر بن الخطاب؛ لأنه وردت روايات أن عمر يشرب النبيذ هو شرب النبيذ ليس نبيذهم هذا المسكر.
هذا الذي في تمر أهل المدينة يحلونه ويشربه، وانظر بارك الله فيك، وإن كان الأثرم أنكر الرواية وضعفها، لكن الرواية ثابتة وخرجها شيخ الإسلام.
فلا زال أحمد بالناس وألف كتابه الأشربة الكبير والأشربة الصغير حتى تركوها ما عاد أحد يشربها، وكان أحمد إذا خرج إلى السوق يخرج معه "كتاب الأشربة" و"كتاب الإيمان"؛ كتاب الإيمان يرد فيه على المرجئة مرجئة الفقهاء جماعة صاحبنا ذاك، وكتاب الأشربة يرد فيه على أصحاب النبيذ الذين هم أيضاً أنفسهم جماعة صاحبنا ذاك.
فهو أراد أن يدفع بارك الله فيك هذه الفتنة التي كانت في عصره، يحمي أديان الناس رحمه الله تعالى.
السائل:....
لا ليس سنة هذا في باب المباح، أما اليوم فالخمر تغير، اليوم الخمر مادة كيميائية، يقال لها الكحول هذه مادة كيميائية لا عرفها ولا رآها ولا أحد من عصره، رأيت بارك الله فيك.
هذه المادة الكيميائية توضع على أي شيء، لو وضعت على الخبز يصبح مسكرا، هذه المادة الكيميائية قليلها وكثيرها حتى على مذهب أهل الرأي تحرم لأنها مادة خبيثة أصلاً.
هم ما قياسهم؟ هم قاسوا، قالوا: "يا أخي تمر وماء تضعها في مكان معين، التمر أصلاً مباح والماء أصلاً مباح، ففي النهاية جائز".
فلما ناظرهم إياس بن معاوية قال: "أنا لو رميتك بماء الآن تموت؟" قال: "لا"، قال: "ولو رميتك بتراب تموت؟" قال: "لا"، قال: "آتي بماء وتراب وأجعله فترة وأضعه تحته النار حتى -يعني- يجمد وأضربك على رأسك به تموت؟" قال: "نعم"، قال: "أيضاً على قياسك؛ الأمر متفرقاً ليس كالأمر مركباً".
هذه كيمياء عند إياس بن معاوية، الكيمياء هذه "مالتنا" الآن، يقول: "التفاعل والمواد"، والإخوة يعرفون يدرسون في...