أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الآنية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

((باب الآنية: لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها، كالأكل أو الزينة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»)).

طيب، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فذكر الإمام الموفق رحمه الله بعدما ذكر أحكام المياه أحكام الآنية، ويذكرون أحكام الآنية بعد أحكام المياه؛ لأنهم آنذاك كانوا يضعون الماء في الإناء ويتوضؤون فيه، أما اليوم فقد ظهرت الحنفيات، وقيل إنها سميت "حنفية" لأن أول من أباحها علماء أهل الرأي الحنفية -سباقون اللهم بارك-.

وهذه الحنفيات سبحان الله تقع فيها عادة إشكالية السرف في استخدام الماء؛ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوضأ بالمُد ويغتسل بالصاع، وورد خبر في صحته بحث ولكن معناه الصحيح: «لا تسرف وإن كنت على نهر جارٍ».
واليوم لو جرب المرء فينا أن يضع ماء وضوئه في إناء ويتوضأ؛ لكانت الكمية التي يستخدمها من الماء قليلة جداً مقارنة بما إذا فتح الحنفية وتركها تصب.
وفي الحقيقة مسألة السرف في استخدام الماء في الوضوء هذه مسألة ينبغي أن تكون منا على ذكر، وينبغي أن نبحث لها عن علاج.
أنا قديماً كنت فكرت في الأمر فكنت ماذا أصنع؟ كنت أضع الماء في إناء (أفتح الحنفية في إناء) وأتوضأ به، ولكني سبحان الله كسلت عن الاستمرار على هذا الهدي، الله المستعان.

يقول رحمه الله تعالى: ((لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»)).

الحديث في الشرب والأكل فقط، فمن أين جاء الإمام بالنهي عن التوضؤ بالماء الموجود في آنية الذهب والفضة؟ جاء من دلالة العموم في قوله: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»؛ فمعناه أننا لا نقتنيها في الدنيا لأي غرض، وإنما لا نستمتع بهذه الآنية إلا في الآخرة.
طيب.

وجاء من باب القياس؛ فما دام الأكل والشرب لا يجوز فيهما فكذلك الوضوء، وهذا قياس واضح.
واعترض بعض المتأخرين على هذا الاستدلال فقال: "إن أم سلمة رضي الله عنها كان لها قمقم من فضة" -والقمقم إناء صغير- تضع فيه شعرات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهي استخدمت هذا الإناء في حفظ شعرات النبي صلى الله عليه وسلم.
وقالوا: "إن أم سلمة رضي الله عنها روت حديثاً في النهي عن الشرب في آنية الفضة: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه النار»"، فقالوا: "وهي أعلم بما روته".

وهذا متعقب؛ اللفظة التي استُفيد منها أن استخدام آنية الذهب والفضة منهي عنه مطلقاً في شرب أو أكل أو وضوء أو ما سواه، إنما توجد في حديث حذيفة -لا توجد في حديث أم سلمة-: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
ونقل غير واحد من أهل العلم -كابن عبد البر في "التمهيد"، وصاحب "المبدع" الذي هو ابن مفلح، وصاحب "مغني المحتاج" الذي هو الخطيب الشربيني- الإجماع على عدم استخدام آنية الذهب والفضة في أمر الوضوء.

وهنا فائدة؛ بوب الشيباني الحنفي -هو في ذاك الوقت لم يكن ينتسب حنفياً، الانتساب الحنفي محدث- بوب على بعض هذه الأحاديث قال: "باب كراهية الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة"، فهذا يدل على أن مصطلح "الكراهية" عندهم يعنون به الكراهة التحريمية، وليس الكراهة التنزيهية المنتشرة عند المتأخرين.
وقد نبه على هذا ابن القيم في "إعلام الموقعين"، والسبب في هذا التنبيه الآن أن بعضهم ألف رسائل يحاول أن يبيح فيها الصلاة بين القبور وياتي ويستدل بكلام بعض الفقهاء الذين يقولون: "أكره الصلاة بين القبور"، فيقول: "هذا كره فقط"، وعندنا من ذهب إلى جواز الطواف حول القبور فيقول: "الفقهاء يقولون: يكره الطواف حول القبور فقط"، يقولون: "يكره".
وحتى مرة جلست مع بعض طلبة العلم فيقول: "كيف ابن تيمية يقول بدعة مكروهة؟ هذا نص مشكل"، هذا على لسان المتقدمين أن المكروه هو المحرم.

فأنت يأتي الشيباني ويبوب على نصوص الوعيد فيها ظاهر -مثل حديث أم سلمة «يجرجر في بطنه النار»- بالكراهة.
الترمذي بوب "كراهية الحلف بغير الله" ثم يورد النص فيه تسمية الفعل شركاً.
ولهذا نبه ابن القيم في "إعلام الموقعين" على غلط بعض المتفقهة الذين نسبوا للإمام الشافعي تجويز نكاح الابنة من الزنا؛ فقال الشافعي: "وأكره أن يتزوج ابنته من الزنا"، قالوا: "يكره كراهة تنزيهية"، لا، هو كراهة تحريمية، وبين ابن القيم غلطهم على الشافعي رحمه الله في هذه المسألة.

طيب، الآن نُهي عن الأكل والشرب والوضوء في آنية الذهب والفضة، طيب إن فعلت أنا وتوضأت في هذا هل وضوئي صحيح أم وضوئي فاسد؟ هذه تماماً تشبه المسألة المشهورة: مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة، هل هي صحيحة أم غير صحيحة؟ طبعاً الجمهور على صحتها مع الإثم لانفكاك الجهة، رأيت بارك الله فيك.
وكذلك تخريجاً على هذا الاختيار نقول: "من توضأ في آنية الذهب والفضة وضوءه صحيح مع الإثم".
بل ادعى النووي وابن رشد أن الناس قبل أحمد بن حنبل كانوا مجمعين على صحة الصلاة مع الإثم، غير أن أحمد جاء وخرق الإجماع -يعرضان أن أحمد لا يخرق الإجماع- وأحمد ليس فقط يخرق الإجماع بل يخزقه خزقاً.
والنووي -يعني- والشافعية ما ينبغي أن يدخلوا بهذه التفاصيل لأنه ادعي فيهم ادعاءات من نحو هذا؛ فمثلاً الشافعي يذهب إلى وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في التشهد، جاء القاضي عياض قال: "هذا القول أحدثه الشافعي، الناس قبله كلهم على الاستحباب".
مثلاً الشافعي يرى أنه حتى المشرك أو حتى الكتابي لا بد أن يسمي الله على الذبيحة، ادعى بعض الحنفية قال: "الناس قبل الشافعي مجمعين على خلاف هذا".
والحق أن الإمام أحمد لا شك أنه يخرق الإجماع، ولكن المسألة الصواب فيها -والله أعلم وإن لم يكن فيها إجماعاً- أن الوضوء صحيح لكن مع الإثم، أن الوضوء صحيح.

طيب، هل يقاس على آنية الذهب والفضة الآنية التي هي أغلى من ذلك؛ مثل الألماس وغيرها من الأواني الفاخرة جداً من حيث النهي؟ فبعض الناس قالوا: "لا يقاس، النص جاء في الذهب والفضة".
وهناك من قال: "لا، هي هذه أغلى فتكون من باب قياس الأولى"، والعلة: النهي عن كسر نفوس الفقراء وهذه تكسر نفوس الفقراء، والنهي عن الترف والتشبه بأهل الكفر، وهذا واقع.
أجابهم الآخرون قالوا: "العلة غير موجودة في النص، العلة غير منصوصة".

والعلة نوعان: علة منصوصة جاء فيها النص كعلة الإسكار في الخمر، أو إيقاع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر.
وهناك علة مستنبطة يستنبطها الإنسان، فقاعدة الحكم الشرعي مثل العلة في الأصناف الربوية؛ منهم من قال العلة أن هذا مطعوم، أو الكيل والوزن، أو العلة الثمنية في الذهب والفضة فيقاس عليها الأوراق النقدية؛ هذه علة مستنبطة ليست منصوصة في النص.
فقاعدة الحكم الشرعي يدور مع علته وجوداً وعدماً، أو القياس هل يدور فقط مع العلة المنصوصة؟ لا، بل يدور أيضاً مع العلة المستنبطة إذا كانت ظاهرة.

لكن ينتبه الإنسان إلى أن العلة قد تكون مركبة من أمرين؛ فمثلاً يأتي شخص يقول: "العلة من النهي عن التصوير عبادة غير الله؛ لأنه قديماً كانت هناك أصنام تعبد من غير الله، فبناء عليها اليوم ما يعبدون غير الله" -طبعاً هذا كلام فارغ لكن هو يقول ما يعبدون- فبناء عليه يصبح التصوير وتصبح التماثيل جائزة لأن الناس لا تعبد؛ هذا غلط، هناك علة أخرى للنهي عن التصوير: «مضاهاة خلق الله»، وهذه العلة لا تنفك.

يأتي شخص ويقول: "العلة من تحريم بناء المساجد على القبور عبادتها من دون الله، والناس اليوم على التوحيد" -كما قال أحمد الغماري- هذا كلام فارغ، الناس اليوم على الشرك، ولكن هذا معلل بمظنة (يعني هذا مظنة شرك)، وقالوا: "المعلل بالمظان لا يزول بزوال علته".
كيف؟ مثلاً مصافحة المرأة العجوز؛ ما سبب النهي عن مصافحة المرأة؟ مظنة شهوة، «اليد تزني وزناها البطش».
العجوز هذه تشتهى؟ لا تشتهى إلا -يعني- إذا كان شيخ مثلها، يعني رجل كبير ممكن.
فهل يجوز أن تصافح العجوز؟ على مذهب إبراهيم النخعي: نعم، لكن على مذهب الجمهور: لا.
قالوا لِمَ؟ قالوا: "هذا مظنة شهوة، والمعلل بالمظان لا يزول بزوال علته".
نبه على هذه القاعدة العلامة محمد الأمين الشنقيطي.

نحن أخذناكم بعيداً، نرجع إلى مسائلنا ها هنا.

نعم، طبعاً مسألة التحلي بالذهب وكذا هذه بابها اللباس، لا نبحثها الآن -في الذهب وفي الفضة- اللباس قد نصل إليه بعد ما أدري كم سنة، هذا آخر، الآن نحن في الطهارة.

((وحكم المضبب بهما حكمهما، إلا أن تكون ضبة يسيرة من فضة)).

((وحكم المضبب بهما حكمهما)).

والمضبب هو ما أصابه شق أو نحوه فيوضع عليه صفيحة تضمه وتحفظه المضبب هذا توضع فيه ضبة "لحمة" يعني تلحيم -نسميه نحن اليوم-، التلحيم هذا إذا لحم بذهب أو فضة صار حكمه حكم إناء الذهب والفضة، فلا يجوز استخدامه إلا أن تكون ضبة يسيرة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضبب ضبة يسيرة.

ما حكم المطلي؟ المطلي غير المضبب، ما حكم المطلي؟ بعض الناس يفرق، يقول: "هذا المطلي إن كان هذا الطلاء له جرم بحيث إنك تستطيع أن تفصله -يعني تفصل الذهب- فهذا صار ذهباً، -أو تفصل الفضة- وأما إن كان مجرد صبغة؛ فهذا لا، هذا ليس منهياً عنه".
وهذا بعيد عن اعتبار مقاصد الشريعة، بل حتى المطلي حكمه حكم الذهب والفضة نفسه؛ لِمَ؟ لأن المشابهة بالصورة معتبرة شرعاً.

الآن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بالصحابة وصلى جالساً وأشار إليهم أن اجلسوا، ماذا قال لهم؟ قال لهم: «لقد كدتم آنفاً أن تفعلوا فعل فارس والروم عند عظمائهم» -يعني يقفون عليه- فارس والروم لا يقومون للصلاة لله بل يقومون لهذا العظيم.
الصحابة كانوا واقفين لمن؟ لله عز وجل في الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلس كبراً، النبي جلس لعلة، وذاك الحاكم يجلس كبراً، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشابهة في الصورة.

بل النهي عن الصلاة في أوقات النهي لماذا؟ لأن من يعبدون الشمس يسجدون لها عند طلوعها وعند غروبها، نحن نسجد لله لا نسجد للشمس، ولكن نهينا عن مشابهتهم في الصورة.
فكذلك أنت منهي عن أن تشابه من يستخدم آنية الذهب والفضة في الصورة، وإن كان حقيقة أمرك أنك لا تستخدم ذهباً ولا فضة.


((ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها)).

نعم، يجوز استخدام الآنية كلها واستخدامها إلا خلافاً شاذاً عن بعض السلف في الصفر والنحاس والرصاص، والنبي صلى الله عليه وسلم توضأ من صُفر.

أود التنبيه على أمر فاتني التنبيه عليه في حديث شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم؛ الملائكة استخدموا -هذا في صحيح مسلم- استخدموا إناءً من ذهب، طستاً من ذهب، ومع ذلك الملائكة استخدموا ونحن لا يجوز لنا.
الملائكة يستخدمون لا إشكال، لكن نحن بني آدم لا نستخدم، فأفعال الملائكة لا تطّرد معنا عموماً إلا أن نُحث على الاقتداء بهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟».

لماذا نبهت على هذا الأمر؟ لأن بعض الناس يستدلون استدلالات غريبة بأفعال للملائكة وهم لا يستطيعون فعلها، فماذا يقولون مثلاً؟ يقول: "يجوز التمثيل فالملائكة تمثل"، كيف؟ "نعم الملائكة تمثل، عندنا حديث الأعمى والأقرع والأبرص لما جاءهم الملك وتشكل بشكل أقرع وأعمى وأبرص"، ها! أتاه ملك يمثل! ولا هو الملك أبرص ولا أعمى؟! "وجبريل لما جاء شديد بياض الثياب وعمل التمثيلية التوضيحية للصحابة".

طبعاً هذا استدلال سمج؛ لأن الملائكة الله عز وجل أعطاهم خاصية التشكل وهذا بأمر من الله عز وجل، أما أنت الآدمي لا تستطيع أن تتشكل، أنت تمثل دور امرأة! هل تستطيع أن تتشكل بشكل امرأة بحيث تصير تحيض وتفعل؟ وبعضهم يمثل أدوار الفساق، وبعضهم مثل دور إبليس؛ طيب أنت أين رأيت إبليس جزاك الله خيراً؟ يمثل دور إبليس! (هذه أذكرها عن بعض إخواننا السلفيين اللي تابوا)، فهذا استدلال سمج.
الآن على استدلالكم يجب استخدام آنية الذهب؛ لماذا؟ لأن الملائكة استخدموا طست ذهب ليغسلوا قلب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث شق الصدر في صحيح مسلم.

لو طردنا هذه الطريقة الغريبة السمجة في الاستدلال؛ وهل جبريل كذب؟ يعني جبريل جاء قال لهم: "أنا اسمي فلان بن فلان بن فلان الفلاني"؟ لا أبداً، الملائكة تتشكل.
ثم يأتي يستدل على محاكاة الناس شخصية معروفة عالم أو حتى صحابي، الله المستعان تجاسروا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الجريمة تكاد السماوات يتفطرن منها وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، هذه الجريمة العظيمة التي نسأل الله عز وجل ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، يمثلون أدوار الصحابة.
فأنت هذا الصحابي إذا كان يلبس أحمر وأنت تلبس أزرق مثلاً -ولا الصحابة لا يلبسون الأحمر- كذبت عليه.
فسبحان الله، هم هؤلاء "اعتقد ثم استدل" على هذه القاعدة الغريبة.

نعم، ويجوز: ((واستعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها)).

نعم، ويجوز استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تُعلم نجاستها، وهذا في حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في أوانيهم، قالوا: "يا رسول الله، إنا لا نجد غيرها"، قال: «إذا لم يجدوا غيرها فليغسلوها»، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص لهم في حال غسلها.
ولما رخص لهم بأواني المشركين في حال غسلها دل على أن النهي لعلة، وهي علة مظنة أن يطبخوا فيها النجاسات والميتة، فإذا تحققنا أن المشركين لم يستخدموا هذه الآنية أصالة -كالذي يأتينا معلباً- ذهبت العلة، أرأيت؟ فهمت الأمر؟

ويذكرون عادة حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة، وذكر الوضوء من مزادة المشركة غير موجود في الصحيح -هم في العادة يعزون الحديث للصحيح- بهذا النص وبهذا الوضوح غير موجود، والأصل في الأمور الطهارة وهذه قاعدة، والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً قبل دعوة اليهودية وأكل من طعامها، وطعامهم حلال وطعامهم إنما يطبخ في آنيتهم أليس كذلك؟ فما دمنا نأكل من هذا دل على أن هذا طاهر وأن هذا طيب كما أباحه الله عز وجل لنا، فما دامت الآنية طاهرة فلا إشكال في استخدامها، رأيت بارك الله فيك.


((وصوف الميتة وشعرها طاهر)).

لماذا؟ لأنها لا تحلها الحياة الحيوانية؛ فما العلة من كون الميتة نجسة؟ لأن الميتة إذا ماتت ولم تذكَّ الذكاة الشرعية تعفنت، وهذا التعفن إنما ينتج عن احتباس الدم، وفي الذكاة الشرعية الدم يخرج المخرج السليم.
أما الصوف والشعر والظفر -على الصحيح- لا تحلها الحياة، يعني لا دم فيها، وهي في حياة الدابة ممكن قصها ولا تتأذى من هذا؛ فهذا معناه أنها لا تحلها الحياة، فما دام لا تحلها الحياة -بارك الله فيك- بقيت على الأصل وهو الطهارة.
وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية قال: "حتى عظم الميتة لا دليل على نجاسته إذا نقي من الدم الذي حوله، وإنما هو في الدم واللحم وما يتبع ذلك".
فهذه -بارك الله فيك- يعني هذه المسألة.

نعم: ((وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس)).

هذا المشهور من المذهب، وهذا من الأمور التي يرونها شديدة في مذهب الحنابلة.
يقول: ((وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس))؛ هذا المذهب، طيب وماذا عن الأحاديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»؟ ما الذي جعل الحنابلة يتركون هذه الأحاديث ثم يذهبون إلى هذا المذهب الشديد؟ طبعاً لماذا تذكر هذه المسألة هنا؟ لأنه هناك أواني تصنع أو ربما وضع الماء في جلد الميتة في الإهاب.

استدلوا بحديث عبد الله بن عكيم أنه قرئ عليهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر: «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».
فقال الإمام أحمد رحمه الله: "إنه لا يمكن الجمع بين هذا الخبر وبقية الأخبار إلا بادعاء النسخ"، وبما أننا عرفنا أن هذا متأخر -قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهر- فهو يكون ناسخاً للأحاديث الأخرى كلها.

المخالفون ناقشوا الإمام قالوا: "لا، حديث «ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»؛ الإهاب هو اسم لجلد الميتة الذي لم يدبغ، فنحمل هذا الحديث على الذي لم يدبغ، ونحمل حديث «أيما إهاب دبغ فقد طهر» على المدبوغ، فنبيح المدبوغ ونحرم غير المدبوغ؛ لأن الجلد غير المدبوغ يكون نجساً لأنه ميتة".

طيب، الدعوى اللغوية أن الإهاب هو الذي لم يدبغ، هذه دعوى متعقبة وفيها نظر؛ ففي حديث عمر بن الخطاب في صحيح مسلم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه، ماذا يقول عمر؟ يقول: "رأيت أهباً معلقة" -يعني مستخدمة- سماها أهباً وهي أكيد مدبوغة، لا يستخدمونها ويعلقونها إلا تكون مدبوغة، وعمر سماها ماذا؟ أهباً.
فأقوى جواب على كلام الموفق رحمه الله أن يقال -الإهاب هو ما كان قبل الدبغ (جلد الميتة الذي لم يدبغ) والثاني يسمونه جلد ميتة مدبوغ- إن هذا الحديث رجع الإمام أحمد عن تقويته للاضطراب الذي فيه، ولهذا كان المستقر من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يذهب إلى أن دباغ جلود الميتة يطهرها، غير أنهم اختلفوا خلافاً شديداً في أي جلد؟ هم اتفقوا جميعاً على أن مأكول اللحم بمجرد أن يدبغ جلده يطهر، هؤلاء القائلون بأن دباغ جلد الميتة يطهرها، هذا الفريق كلهم متفقون أن مأكول اللحم كالشياه والخيل -خلافاً لأهل الرأي وغيرهم- هذه بمجرد أن يدبغ جلدها يصح استخدامه.

طيب، غير مأكول اللحم؟ منهم من ذهب إلى أنه حتى لو دبغ لا يطهر.
ما دليلهم؟ قالوا: "دليلنا حديث سلمة بن المحبق: «ذكاة الإهاب طهوره»"، فقالوا: "النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الدباغ مكان الذكاة، وغير مأكول اللحم لا يذكى، فدل هذا على أن الحكم مختص بمأكول اللحم".
ناقشهم الآخرون قالوا: "حديثكم هذا في سنده جهالة، في سنده راوٍ اسمه جَوْن بن قتادة، جون هذا انفرد عنه الحسن بالرواية، وقال أحمد في مسائل أبي داود: لا أعرفه، ونحن معنا عموم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»".
وهؤلاء القائلون بالعموم اختلفوا في الخنزير والكلب؛ هل يدخل في العموم أم لا يدخل؟ أما الكلب فالراجح دخوله على بحث يأتي لاحقاً في مسألة أنه طاهر أصلاً إلا سؤره، وأما الخنزير فالبحث فيه صعب وطويل وذو شجون، وعلى العموم الخنزير لا يستخدم في بلاد المسلمين أصلاً والحمد لله.

((وكذلك عظامها)).

أي أن عظام الميتة نجسة، واستدلوا على هذا القول قالوا: "العظام تحلها الحياة {قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]"، فقالوا: "بما أنها يحلها الحياة إذاً هي ميتة يحلها الموت والميتة نجسة".
وخالفهم آخرون مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: "الأصل الطهارة، وقول الله عز وجل {قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} يريد بها الجثة، وهذه تطلق في كلام العرب".
بنو إسرائيل لما هاجروا حملوا معهم عظام يوسف؛ العظام أيش؟ جثته، لأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، فكلمة عظام تطلق في لغة العرب... وقالوا: "إن الميتة هو ما يؤكل والعظام لا تؤكل، النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: «إنما حرم من الميتة أكلها» والعظام لا تؤكل، فدل على أن عظام الميتة طاهرة".

نعم: ((وكل ميتة نجسة، إلا الآدمي، وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»)).

نعم، المؤمن إذا مات لا ينجس، وغسله ليس دليلاً على نجاسته، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن لا ينجس».
لكن الآن عندنا بحث في الكافر؛ نجس نجاسة معنوية، ابن حزم يذهب إلى أن نجاستهم حسية، ولكن الله عز وجل أباح نكاح الكتابية ولو كانت نجسة لأمر بالاحتراز منها.
ثُمامة بن أُثال رُبط بالمسجد وقد كان مشركاً، فدل على أن الأصل فيه الطهارة ولا ينقل إلا بدليل.
وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه لحديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».

((وما لا نفس له سائلة إذا لم يكن متولداً من نجاسات)).

ما لا نفس له سائلة يعني الحشرات التي لا دم لها، وتعبير "ما لا نفس له سائلة" هذا التعبير أول من قال به إبراهيم النخعي رحمه الله؛ كالذباب والقمل وكذا والعقرب، هذه كلها ميتتها طاهرة، والجراد طبعاً لأنه أحل لنا.
إلا إذا كان متولداً من النجاسات كالصراصير التي تتولد من البالوعات وغيرها، هذه هي نجسة أصالة.
وما يدل على عدم نجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة حديث الذبابة: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه»، ولو كان ينجس لمَا أمر بغمسه في الماء.
وفي علم الأحياء المعاصر أثبتوا أنه لا يتولد الحيوان من غير جنسه، فقول العلماء إن "ما لا نفس له سائلة إذا كان متولداً من النجاسات يعني هو نجس"؛ يعني هو في أصله يكون نجساً لأنه متولد من النجاسات.

هذا وصلى الله وسلم على محمد.


فصول الكتاب · 12 فصل
جارٍ التحميل