تثقيف اللسان وتلقيح الجنانباب ما جاء لشيئين أو لأشياء فقصروه على واحد

باب ما جاء لشيئين أو لأشياء فقصروه على واحد

. يقولون لضرب من سباع الطير: صقر.
والصقر: كل ما يصيد من سباع الطير.
قال العجاج: تقضي البازي من الصقور وقد زعم قوم أن كل ما يصيد يقال له صقر، إلا النسر والعقاب.
ويقولون للآس خاصة: ريحان.
والريحان: كل نبت طيب الريح.
وكذلك الأرجوان لا يعرفونه إلا الصوف الأحمر.
وليس كذلك.
بل كل أحمر أرجوان، صوفا كان أو غيره.
وكذلك العجم لا يكون عندهم إلا السودان خاصة.
وليس كذلك.
بل العجم: الروم والفرس والبربر، وجميع الناس سوى العرب.
وكذلك الصقلبي، لا يكون عندهم إلا الخصي، أبيض كان أو أسود.
وإنما الصقلبي: منسوب إلى الصقالبة، قبيلة من الروم، واحدهم: صقلبي، خصيا كان أو فحلا.
ويقال للأسود: صقلبي، إلا أن الصقالبة كثر الخصاء فيهم، فنسب غيرهم إليهم.
وكذلك قولهم لساكن القيروان خاصة: قروي.
وليس كذلك.

بل كل من سكن القرية يقال له: قار، وقروي، وكل من سكن البادية يقال لهك باد، وبدوي.
فليس القيروان أحق بهذا النسب من غيرها، لأنها واحدة من القرى، فأما النسب إلى اسمها فقيرواني بفتح الراء وضمها، لأنه يقال: قيروان، وقيروان، بالفتح والضم، وأصلها بالفارسية: كاروان.
ومن ذلك الغنم، لا يعرفونها إلا الضأن خاصة دون المعز، وليس كذلك.
إنما الغنم اسم للضأن والمعز جميعا.
وكذلك الشاة، إنما هي عندهم الأنثى من الضأن، وليس كذلك.
بل الشاة تقع على الذكر والأنثى من الغنم، ضأنها ومعزها، وعلى الذكر والأنثى من بقر الوحش.
قال الأعشى: وكان انطلاق الشاة من حيث خيما وكذلك النعجة، لا يعرفونها إلا الضائنة خاصة والنعجة تقع على الضائنة وعلى البقرة الوحشية.
وكذلك الفرس، لا يعرفونه إلا الذكر من الخيل والفرس يقع على الذكر والأنثى.
وكذلك الجواد: يقع أيضا على الذكر والأنثى منها.
قالت ليلى الأخيلية: أعيرتني داء بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال لها هلا وكذلك الفلو، يقع على ولد الفرس، كما يقع على ولد الحمار والبغل.

وكذلك البعير، يقع على الجمل وعلى الناقة.
وكذلك الإنسان، يقع على الرجل وعلى المرأة.
وكذلك الحمامة، ليست عندهم إلا الأنثى.
ولا يقال للذكر الواحد: حمام، إنما يقال: عندي حمامة ذكر.
فأما الحمام فهو جمع حمامة.
وكذلك البطة: والدجاجة.
والنعامة، والحية، والبقرة، والجرادة، وقد روى عن الكسائي أنه قال: قال لي بعض الأعراب: رأيت جرادًا على جراده.
فقلت له: أجمعا على واحدة؟ فقال: لا بل ذكرا أنثى وهذا شاذ لم يسمع بمثله.
وكذلك قولهم للأدهم من الخيل: بهيم، خاصة دون سائر الألوان.
والبهيم يقع على كل لون خالص، لا يخالطه غيره، يقال: أشقر بهيم، وورد بهيم.
كما يقال: أدهم بهيم.
ويقولون: لما تغطي به المرأة رأسها، من شقاق الحرير خاصة: خمار.
والخمار: كل ما خمرت به المرأة رأسها من ثوب، حرير وكتان، وغير ذلك.
وفي الحديث: " خمروا آنيتكم " رواه أبو عبيد.
قال: ومنه الحديث الآخر: أنه أتى بإناء من لبن فقال: لولا خمرته ولو بعود تقرضه عليه.
قال الأصمعي: تعرضه عليه بالضم.
وكذلك الملحفة: لا تكون عندهم إلا من قطن.
وليس كذلك.
بل كل ما التحق به فهو ملحفة.
وكذلك الإزار، لا يكون عندهم إلا الملحفة الخشنة من الكتان.

والإزار إنما هو كل ما اؤتزر به.
وفي الحديث: لتشد إزارها على نفسها وشأنه بأعلاها يعني الحائض ومئزرها.
ولا يقولون إسكاف، إلا للخراز خاصة.
وكل صانع عند العرب: إسكاف وأسكوف.
قال الشاعر: وشعبتا ميس براها إسكاف أي نجار.
والميس: شجر يعمل منه الرحال.
ويقولون لضرب من العود: خيزران.
والخيزران، كل عود لين ينثني.
ومنه قيل أيضا لسكان السفينة: خيزرانة، ويقال خيزران أيضا بفتح الزاي، إلا أن الضم أكثر.
ولا يقولون بحر إلا لما كان ملحا خاصة.
والبحر يقع على العذاب والملح.
قال الله عز وجل: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات﴾ فسمى العذاب بحرا، وإنما سمى البحر بحرا لاتساعه.
ويقولون لضد البكر من النساء خاصة: ثيب.
والثيب يقع على الذكر وعلى الأنثى، يقال: امرأة ثيب، ورجل ثيب، كما يقال: امرأة بكر، ورجل بكر.
وكذلك: الأرامل، لا يعرفونها إلا النساء اللائي كان لهن أزواج، ففارقوهن بموت أو حياة، وليس كذلك.
بل الأرامل: المساكين، وإن كان لهن أزواج، ويقال لجماعة المساكين الرجال أيضا: الأرامل.
قال الشاعر: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر ومن ذلك: حمو المرأة، لا يعرفونه إلا والد زوجها خاصة.

وليس كذلك.
بل هو: أخو زوجها، وابن أخيه، وابن عمه، وسائر أهله، وكل واحد منهم حموها.
قالت عائشة رضي الله عنها يوم منصرفها من البصرة: إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم، إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي، على متعبتي، لمن الأخيار.
وقال أهل اللغة: كل ما كان من قبل الزوج فهم الأحماء، وكل ما كان من قبل المرأة فهم الأختان.
والصهر يجمع ذلك كله.
ومن ذلك الحلم، لا يعرفونه إلا الصفح والتغاضي.
والحليم يكون الصفوح، ويكون العاقل، وإن كان منتصفا لنفسه غير صفوح.
قال الله عز وجل: ﴿أم تأمرهم أحلامهم بهذا﴾ أي عقولهم.
والعرب تسمى الناجز، وهو أقصى الأضراس: ضرس الحلم، وهو الذي تسميه الناس اليوم: ضرس العقل.
ومن أمثالهم: الخمر غول الحلم، والحرب غول النفوس.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: سنان بن أبي حارثة أحلم من فرخ عقاب، فقلت: وما حلمه؟ قال: يخرج من بيضة على رأس نيق، فلا يتحرك حتى يفي ريشه ولو تحرك سقط وهو مثل مستعمل: أحلم من فرخ عقاب فليس هذا من الصفح، وإنما هو من الميز.
وقال حمزة بن الحسن الأصبهاني: وأما قولهم: أخف حلما من عصفور فإن العرب تضرب العصفور مثلا لأحلام السخفاء.
قال حسان: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير ومن ذلك قولهم: اشتريت سخينة، لا يعنون بذلك إلا اللحم.
وليس اللحم بأولى بهذه التسمية من غيره، بل كل ما سخن فهو

سخين، قال عمرو ابن كلثوم: إذا ما الماء خالطها سخينا واسم السخينة مطلقا إنما يقع عند العرب على طعام يتخذ من الدقيق، دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، يؤكل في شدة الدهر، وغلاء السعر، وإياه عني الأحنف بن قيس بقوله حين مازحه معاوية: هي السخينة يا أمير المؤمنين.
ومن ذلك: السوقة، تتوهم العوام أنهم أهل الأسواق خاصة.
وليس كذلك.
إنما السوقة: كل من لم يكن ذا سلطان، وإن لم يدخل الأسواق.
ومن ذلك: السفاد، لا يكون عندهم إلا للطير خاصة.
وليس كذلك إنما السفاد يكون للتيس، والثور، والسباع كلها.
ومن ذلك: الافتقاد، لا يعرفونه إلا الزيارة خاصة، والافتقاد يقع على الزيارة وعلى الفقد جميعا، يقال: افتقدت المريض، إذا عدته، وافتقدت الشيء، إذا فقدته.

27 -

جارٍ التحميل