تثقيف اللسان وتلقيح الجنانالمقدمة

تثقيف اللسان وتلقيح الجنان للإمام الفقيه أبي حفص عمر بن خلف ابن مكي الصقلي النحوي اللغوي المتوفى سنة 501 هـ

قدم له وقابل مخطوطاته وضبطه مصطفى عبد القادر عطا

دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

الطبعة الأولى 1410 هـ - 1990 م

بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن قال الشيخ الجليل الفاضل أبو حفص عمر بن مكي الصقلي النحوي: الحمد لله الذي فضلنا باللسان العربي, والنبي الأمي, الذي آتاه جوامع الكلم, وفضله على جميع الأمم, وجعل معجزته قائمة, وآيته دائمة, بعد أن بعثه عند تناهي الفصاحة, وتكامل البلاغة ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ بالسيف القاهر، والحجة البالغة صلى الله عليه وسلم.
فلما تمت الحجة، ووضحت المحجة, هجم الفساد على اللسان، وخالطت الإساءة الإحسان، ودُخِلت لغة العرب، فلم تزل كل يوم تنهدم أركانها، وتموت فرساها، حتى استبيح حريمها، وهجن صميمها، وعفت آثارها، وطفئت أنوارها، وصار كثير من الناس يخطئون وهم يحسبون أنهم مصيبون، وكثير من العامة يصيبون وهم لا يشعرون، فربما سخر المخطئ من المصيب، وعنده أنه قد ظفر بأوفر نصيب، وتساوى الناس في الخطإ واللحن إلا قليلاً.
وإنما يتميز أولئك القليل -على مابهم من تقصير- عند المباحثة والمكاتبة وقراءة الكتب ومواضع التحقيق.
فأما عند المخاطبة والمحاورة فلا يستطيعون مخالفة [ما تداوله] الجمهور واستعمله الجم الغفير.

ثم لم يزل الغلط ينتشر في الناس ويستطير، حتى وقع بهم في تصحيف المشهور من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، واللحن في الواضح المتداول منه، وتعمد الوقف في مواضع لا يجوز الوقوف عليها، من كتاب الله عز وجل، وتغيير أشعار العرب وتصحيفها، وتصنيف كتب الفقه وغيرها ملحونة، تقرأ كذلك فلا يؤبه إلى لحنها، ولا يفطن إلى غلطها، بل إذا سمعوا الصواب أنكروه ونافروه، لطول ما ألفوا فقده, وركبوا ضده.
ولقد وقفت على كتاب بخط رجل من خاصة الناس وأفاضلهم فيه: أحب أن تشتهد لي في كذا وكذا بالشين يريد تجتهد.
ورأيت بخط آخر أكبر منه وأعلى منزلة، بيت شعر على ظهر كتاب, وهو قول الشاعر: (زوامل للأسفار لاعلم عندهم ... يجيدها إلا كعلم الأباعر) كتبه للأصفار بالصاد، وأكثر الرواية فيه للأشعار وبعده: (لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأحماله، أوراح، مافي الغرائر) وكتب إليّ آخر من أهل العلم رقعة فيها: وقد عزمت على الإيتيان إليك بزيادة ياء.
وشهدت يوماً رجلاً قِبَلَهُ تخصصٌ وفِقْه وحفظ للأخبار والأشعار، وقد سمع كلاماً فيه ذكر الشدق، فلما يسمعه بالدال -غير معجمة- أنكره، وتعجب من أن يجوز ذلك، وليس يجوز سواه، ثم سألني، ورغب إليّ أن

أجمع له مما يصحف الناس في ألفاظهم، وما يغلط فيه أهل الفقه، وما قدرت على جمعه.
فأجبته إلى ما سأل، عالماً يأتي [؟ بأني] من العجز في الغاية، ومن التخلف والتقصير في النهاية ولو قَبِل التاليف في مثل هذا الزمان الفاسد، لا يسلم من حاسد ينعى عليه، أو جاهلٍ يتطاول بالزراية إليه.
لكني تحملت المضرة، وتسربلت هذه المعرة, كراهية معتبة هذا الصديق -أيده الله تعالى- واستبقاء مودته.
فلما أتيت على مراده, وأردت الوقوف على نفاده، قلت كما قال الأول: أنا الغريق فما خوفي من البلل فأضفت إلى ذلك غيره من الأغاليط التي سمعتها من الناس، على اختلاف طبقاتهم، مما لا يوجد في كتب المتقدمين التنبيه على أكثره، لأن كل من ألف كتاباً في هذا المعنى، فإنما نبه على غلط أهل عصره وبلده، وأهل البلدان مختلفون في أغاليطهم، فربما يصيب هؤلاء فيما يغلط هؤلاء، وربما اتفقوا في الغلط.
ألا ترى أن أهل المشرق يقولون: النَّسَيان، وآمِّين-عند الدعاء- بالتشديد، وأخذت للأمر أهْبَتَهُ، وليس في بلدنا أحد يقول إلا النِّسيان، وآمِين، بالتخفيف، وأخذت للأمر أُهْبَتَهُ.

ومثل ذلك كثير، مما ذكره علماؤهم، وأخذوه عليهم، وقد يغلطون فيما لا يلفظ به أهل بلدنا، ولا سمعوا به قط، مثل قولهم: قاقزَّة في القاقوزة، وعنب مُلّاحِيّ، وهو مخفف اللام، وقارورة في القارية، وتُوثر وتُحمد، في تُوفر وتُحمد وفي أشباه لذلك كثيرة، مما ملأوا به كتبهم، فإذا قرأه من لا يعرفه ولا يستعمله، لم ينتفع به كبير منفعة، وكان معرفة ما يستعمله ويغلط فيه أولى به، وأعود بالفائدة عليه.
وكذلك غَلَطُ أهلِ الأندلس، ربما [؟ وافق] غَلَط أهل بلدنا، وربما خالفه، حكى الزبيدي: أَنهم يقولون في التِبْن: تَبْن، وفي النَوْتِي: نَوتى، وفي القُبَّيط: قُبَّيد, ومثل ذلك كثير, مما لا غلط عندنا فيه، ولا حاجة بنا إلى التنبه عليه.
فجمعت من غلط أهل بلدنا ما سمعته من أفواههم، مما لا يجوز في لسان العرب، أو مما غيره أفصح منه وهم لا يعرفون سواه، ونبهت على جواز ما أنكر قوم جوازه، وإن كان غيره أفصح منه، لأن إنكار الجائز غلط.
وعلقت بذلك ما تعلق به الأوزان، والأبنية، والتصريف، والاشتقاق، وشواهد الشعر، والأمثال، والأخبار.
ثم أضفت إليه أبواباً مُستطرفة، ونتفاً مستملحة، وأصولاً يُقاس عليها.
ليكون الكتاب تثقيفاً للسان، وتلقيحاً للجَنان، ولينشط إلى قراءته العالم والجاهل، ويشترك في مطالعته الحالي والعاطل.
وجعلته خمسين باباً، هذا ثَبَتُها: 1 - باب التصحيف.
2 - باب التبديل.
3 - باب ما غَيروه من الأسماء بالزيادة.

4 - باب ما غيروه من الأسماء بالنقص.
5 - باب ما جاء ساكناً فحركوه.
6 - باب ما جاء متحركاً فأسكنوه.
7 - باب ما غيروا حركاته من الأسماء.
8 - باب ما غيروا حركاته من الأفعال.
9 - باب ما غيروه من الأفعال بالزيادة.
10 - باب ما غيروه من الأفعال بالنقص.
11 - باب ما غيروه بالهمز أو تركه.
12 - باب ما غيروه بالتشديد.
13 - باب ما غيروه بالتخفيف.
14 - باب ما غيروه من أسماء الفاعلين والمفعولين.
15 - باب ما غيروا بناءه من أنواع مختلفة.
16 - باب ما أَنثوه من المذكر.
17 - باب ما ذكّروه من المؤنث.
18 - باب ما يجوز تذكيره وتأنيثه وهم لايعرفون فيه غير أحدهما.
19 - باب غلطهم في التصغير.
20 - باب غلطهم في النسب.
21 - باب غلطهم في الجموع.
22 - باب ما جاءَ جمعاً فتوهموه مفرداً.
23 - باب ما أفردوه مما لايجوز إفراده, وما جمعوه مما لايجوز جمعه.
24 - باب في أنواع شتى.
25 - باب ما وضعوه في غير موضعه.
26 - باب ماجاء لشيئين أو لأشياء فقصروه على واحد.
27 - باب ماجاء لواحد فأدخلوا معه غيره.

28 - باب ما جاء فيه لغتان فتركوهما واستعملوا ثالثة لا تجوز.
29 - باب ماجاء فيه ثلاث لغات فتركوهن واستعملوا ثالثة لا تجوز.
30 - باب ما غلطوا في لفظه ومعناه.
31 - باب ما تنكره الخاصة على العامة وليس بمنكر.
32 - باب ما خالفت العامة فيه الخاصة وجميعهم على غلط.
33 - باب ما جاء فيه لغتان استعمل العامة أفصحهما.
34 - باب ما فيه العامة على صواب والخاصة على الخطإ.
35 - باب غلط قُراء القرآن.
36 - باب غلط أهل الحديث.
37 - باب غلط أهل الفقه.
38 - باب غلط أهل الوثائق.
39 - باب غلط أهل الطب.
40 - باب غلط أهل السماع.
41 - باب ما يجري من ألفاظ الناس ولا يعرفون تأويله.
42 - باب ما تأولوه على غير تأويله.
43 - باب من الهجاء.
44 - باب حروف تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها.
45 - باب حروف تتقارب ألفاظها وتتضاد معانيها.
46 - باب حروف تتفق في المباني وتتقارب في المعاني.
47 - باب علامات ترفع الإشكال من حروف متقاربة الأشكال.
48 - باب في ضد الذي قبله.
49 - باب ما يكون فضيلة لشيء ورذيلة لغيره.
50 - باب ما ظاهر لفظِه مخالف لمعناه.

وإنما ابتدأت بالتصحيف، لأن ذلك كان سَبب تأليف الكتاب، ومفتاح النظر في تصنيفه, ثم أتبعته كلاماً يليق به أو يقاربه.
وعرضت جميع ذلك على الإمام الأوحد, والعلم المفرد, أبي بكر محمد بن علي بن الحسن ابن البر التميمي- أيده الله - فأثبتُّ جميع ما عرفه وارتضاه, ومحوت ما انكره وأباه, لأزول عن مواقف الاستهداف، وأريح نفسي من عهدة التغليط, وأقطع لسان كل حاسد, وأَفُلَّ عَزْبَ [؟ غرب] كل مكابر ومعاند.
واستفتحت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم تيمناَ باسمه، وتبركاً بذكره.
واستعنت الله - عز وجل- على ما حاولته من ذلك، ورغبت إليه في العصمة من التزين والتصنع فيه.
فهو حسبي لا إله إلا هو عليه توكلت, وهو رب العرش العظيم.

جارٍ التحميل