أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى

  • قال يحيى بن معاذ (^٣): "الفقر أن لا يستغني بشيء غير الله،

(^١) أثبت ناشر "ط" البيتين نثرا، والبيت الأولى ذكره المصنف في إغاثة اللهفان (٩٣٣)، وفيه: "حرا عزة وصيانة".
(^٢) من حديث زيد بن ثابت، أخرجه أحمد (٢١٥٩٠) مطولا، والترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠) مختصرا، وابن ماجه (٤١٠٥) مطولا، وابن حبان (٦٧) مختصرا.
وليس عندهم لفظ "وكان الله بكل خير إليه أسرع"، والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والبوصيري.
وقد جاء الحديث عن أنس وأبي هريرة نحوه (ز).
(^٣) الرازي أبو زكريا، الواعظ، من كبار المشايخ.
مات في نيسابور سنة (٢٥٨ هـ). =

الجزء: 1 - الصفحة: 96

ورسمه عدم الأسباب كلها" (^١).

قلت: يريد عدمها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدما بالنسبة إلى سبق مسببها بالأولية، وتفرده بالأزلية.

  • وسئل محمد بن عبد الله الفرغاني (^٢) عن الافتقار إلى الله تعالى والاستغناء به أيهما أكمل (^٣)؟ فقال: "إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، واذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر" (^٤).

قلت: الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به.
فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه.
فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى "غنى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرا" بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على الله عز وجل.
فهي همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير "غنى"، وسفرها إلى الله "فقر".
فإذا وصلت إليه استغنت به لكمال (^٥) فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول

= طبقات الصوفية (١٠٧)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥). (^١) الرسالة القشيرية (٢٧٢). (^٢) نزل بغداد، ولزم الجنيد واشتهر بصحبته، وروى عنه كلامه.
الأنساب (٤/ ٣٦٨). (^٣) "أيهما أكمل" ساقط من "ك، ط".
(^٤) نقله القشيري (٢٧٣) من كلام الجنيد.
(^٥) "ك، ط": "بكمال".

الجزء: 1 - الصفحة: 97

فقر آخر غير فقرها الأول، وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول.

  • وسئل رويم (^١) عن الفقر فقال: "إرسال النفس في أحكام الله تعالى" (^٢).

قلت: إن أراد الحكم الديني فصحيح، وإن أراد الحكم الكوني القدري فلا يصح هذا الإطلاق، بل لا بد فيه من التفصيل كما تقدم بيانه (^٣).
وإرسال النفس في أحكامه التي يسخطها ويبغضها، أو إرسالها في أحكامه التي يجب منازعتها ومدافعتها بأحكامه خروج عن العبودية.

  • وقيل: "نعت الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سره، وأداء فرضه، وصيانة فقره" (^٤).

قلت: حفظ السر كتمانه صيانة له من الأغيار، وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمن عليه.
وأداء الفرض قيام بحق العبودية.
وصيانة الفقر حفظه عن لوث مساكنة الأغيار، وحفظه عن كل سبب يفسده، وكتمانه ما استطاع.

  • وقال إبراهيم بن أدهم (^٥): "طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى، وطلب

(^١) رويم بن أحمد بن يزيد البغدادي.
من جلة المشايخ، كان مقرئا وفقيها على مذهب داود الظاهري، توفي سنة (٣٠٣ هـ). طبقات الصوفية (١٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٣٤). (^٢) الرسالة القشيرية (٢٧٣). (^٣) انظر ما سلف في ص (٧٤). (^٤) القشيرية (٢٧٣). (^٥) العجلي -وقيل: التميمي- البلخي، نزيل الشام، الزاهد المشهور، توفي سنة (١٦٢ هـ)، طبقات الصوفية (٢٧)، السير (٧/ ٣٨٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 98

الناس الغنى فاستقبلهم الفقر" (^١).

  • وسئل يحيى بن معاذ عن الغنى فقال: "هو الأمن بالله عز وجل" (^٢).

  • وسئل أبو حفص (^٣): بماذا ينبغي أن يقدم الفقير على ربه؟ فقال: "ما ينبغي للفقير أن يقدم على ربه بشيء سوى فقره" (^٤).

  • وقال بعضهم (^٥): إن الفقير الصادق ليخشى من الغنى حذارا (^٦) أن يدخله فيفسد عليه فقره، كما يخشى الغني الحريص من الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه".

  • وقال بشر بن الحارث (^٧): "أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر" (^٨).

قلت: ومن ههنا قال القائل (^٩):

(^١) القشيرية (٢٧٣). (^٢) المصدر السابق (٢٧٤)، وقد تقدم قوله في الفقر في أول الفصل.
(^٣) عمرو بن سلمة النيسابوري الزاهد، شيخ خراسان.
قال السلمي: هو أول من أظهر طريقة التصوف بنيسابور، توفي سنة ٢٦٤ هـ، وقيل غير ذلك.
طبقات الصوفية (١١٥)، السير (١٢/ ٥١٠). (^٤) القشيرية (٢٧٤)، وسيأتي له قول آخر.
(^٥) وهو ابن الكريني كما في القشيرية (٢٧٤)، وهو أبو جعفر محمد بن كثير، من صوفية البغداديين.
انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٤١٣)، والأنساب (٤/ ٦٣). (^٦) "ط": "حذرا".
(^٧) المروزي ثم البغدادي المعروف بالحافي، الزاهد المشهور (١٥٢ - ٢٢٧ هـ)، السير (١٠/ ٤٦٩). (^٨) القشيرية (٢٧٤). (^٩) من أربعة أبيات أوردها أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٠) لأبي بكر الشبلي (٣٣٤ هـ)، وهي في القشيرية (٢٧٨)، وعوارف المعارف (٢٣٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 99

قالوا: غدا العيد ماذا أنت لابسه؟ ... فقلت: خلعة ساق حبه جرعا (^١)

فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا (^٢)

الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد مادمت لي مرأى ومستمعا (^٣)

  • وسئل ابن الجلاء (^٤): متى يستحق الفقير اسم الفقر؟ فقال: "إذا لم يبق عليه بقية منه".
    فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: "إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له" (^٥).

قلت: معنى هذا أنه لا يبقى عليه بقية من نفسه، فإذا كان لنفسه فليس لها، بل قد أضاع حقها، وضيع سعادتها وكمالها.
وإذا لم يكن لنفسه، بل كان كله لربه، فقد أحرز كل حظ له، وحصل لنفسه سعادتها.
فإنه إذا كان لله كان الله له، وإذا لم يكن لله لم يكن الله له، فكيف تكون نفسه له؟ فهذا من الذين خسروا أنفسهم.

  • وقيل: "حقيقة الفقر أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره" (^٦).

  • وقال أبو حفص (^٧): "أحسن ما توسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر

(^١) الحلية: أتى العيد.
العوارف: "عبده الجرعا".
(^٢) العوارف: "يرى ربه".
(^٣) في الحلية والقشيرية: "ما كنت لي".
(^٤) أبو عبد الله أحمد بن يحيى، أصله من بغداد، أقام بالرملة ودمشق، وكان من كبار مشايخ الشام.
طبقات الصوفية (١٧٦). (^٥) القشيرية (٢٧٥). (^٦) المصدر السابق.
(^٧) قد سبق آنفا قول آخر لأبي حفص.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

إليه على جميع الأحوال، وملازمة السنة في جميع الأفعال، وطلب القوت من وجه حلال" (^١).

  • وقال بعضهم (^٢): "ينبغي للفقير أن لا تسبق همته خطوته".

قلت: يشير إلى تعلق همته بواجب وقته، وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل إكماله.
وأيضا يشير إلى قصر أمله، وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحذث نفسه ببلوغه.
وأيضا يشير إلى جمع الهمة على حفظ الوقت، وأن (^٣) لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات.

  • وقيل: "أقل ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء: علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه" (^٤).

  • وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربي (^٥): "إنما هو فقر وذل"، فقال منصور: "بل فقر وعز"، فقال أبو سهل: "فقر وثرى"، فقال منصور: "بل فقر وعرش" (^٦).

قلت: أشار أبو سهل إلى البداية، ومنصور إلى الغاية.

  • وقال الجنيد: "إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم، فإن

(^١) القشيرية (٢٧٥). (^٢) وهو أبو محمد المرتعش النيسابوري المتوفى ببغداد سنة (٣٢٨ هـ). انظر: القشيرية (٢٧٥) وطبقات الصوفية (٣٤٩). (^٣) "ك، ط": "ولا".
(^٤) القشيرية: (٢٧٦). (^٥) منصور بن خلف المغربي من شيوخ أبي القاسم القشيري.
(^٦) القشيرية (٢٧٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 101

الرفق يؤنسه، والعلم يوحشه"، فقلت (^١): يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: "نعم، الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص في النار".

  • وقال أبو المظفر القرميسيني (^٢): "الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة".
    قال أبو القاسم القشيري: "وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم، وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاء الاختيار (^٣)، والرضى بما يجريه الحق تبارك وتعالى" (^٤).

قلت: وبعد فهو كلام مستدرك خطأ، فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس، إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتفلة في بحر.
فإن حاجته إلى الله في كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله، ويثبت قلبه، ويرقيه في مقامات العبودية، ويصرف عنه ما يفسدها عليه، ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وآفاتها (^٥)، ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها، ومواقع سخطه ليعزم على تركها (^٦) ويجتنبها.
فأي حاجات أكثر وأعظم

(^١) القائل أبو محمد المرتعش.
انظر: القشيرية (٢٧٦). وطبقات الصوفية (١٦٠). (^٢) كذا في الأصل وغيره.
ولعله سهو، فإنه في القشيرية -مصدر المؤلف- وغيره "المظفر" لا "أبو المظفر".
وهو من كبار مشايخ الجبل، صحب عبد الله الخراز الرازي المتوفى قبل (٣١٠ هـ) ومن فوقه من المشايخ.
طبقات الصوفية (٣٩٦). (^٣) "ك، ط": "الاختيارات".
(^٤) القشيرية (٢٧٧). (^٥) "ك، ط": "أوقاتها"، تحريف.
(^٦) "على تركها" سقط من "ف" سهوا.

الجزء: 1 - الصفحة: 102

من هذه؟

فالصواب أن يقال: الفقير هو الذي حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبد له في كل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها، فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها.
وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة -على أن منها كل بد! - فيقال: هو الذي لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء.
وأما أن يقال: لا حاجة له إلى الله، فشطح قبيح.

وأما حمل أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجاري الأقدار، فإنما يحسن في بعض الحالات، وهو في القدر الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم (^١).
وأما إذا كان مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر هو أحب إلى الله منه، وهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب، فإسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار فيه والسعي عين العجز، والله تعالى يلوم على العجز.

  • وقال ابن خفيف (^٢): "الفقر عدم الأملاك، والخروج عن أحكام الصفات" (^٣).

(^١) انظر: ص (٧٧). (^٢) أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي المتوفى سنة (٣٧١ هـ) كان شيخ المشايخ في وقته.
طبقات الصوفية (٦٤٢). (^٣) القشيرية (٢٧٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 103

قلت: يريد به (^١) عدم إضافة شيء إليه إضافة ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه، ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده.
مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي توجب له دعوى الملكة (^٢) والتصرف والإضافات، ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجب له العجز والفقر والفاقة، كما في دعاء الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر (^٣)، وأنت علام الغيوب" (^٤)، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس.

  • وقال أبو حفص (^٥): "لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ، وليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم، وإنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد" (^٦).

  • وقال بعضهم (^٧): "الفقير: الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه تبارك وتعالى".

(^١) "به "ساقط من "ك، ط".
(^٢) "ط": "الملك".
وفي "ك": "دعوة الملك".
(^٣) "ك، ط": "من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم".
وكذا في صحيح البخاري.
(^٤) من حديث جابر رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في كتاب التهجد (١١٦٢)، وانظر رقم (٧٣٩٠). (^٥) قد سبق له قولان آخران في ص (٩٩، ١٠٠). (^٦) القشيرية (٢٧٧). (^٧) هو محمد المسوحي، انظر: المصدر السابق (٢٧٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 104

  • وسئل سهل بن عبد الله (^١): متى يستريح الفقير؟ فقال: "إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه".

*وقال أبو بكر بن طاهر (^٢): "من حكم الفقير أن لا يكون (^٣) له رغبة، وإن كان لا بد فلا تجاوز رغبته كفايته" (^٤).

  • وسئل بعضهم (^٥) عن الفقير الصادق، فقال: "الذي لا يملك ولا يملك".

*وقال ذو النون (^٦): "دوام الفقر إلى الله تعالى مع التخليط أحب إلي من دوام الصفاء مع العجب" (^٧).

فصل

فجملة نعت الفقير حقا أنه المتخلي من الدنيا تظرفا (^٨)، والمتجافي عنها تعففا، لا يستغني بها تكثرا (^٩)، ولا يستكثر منها تملكا.
وإن كان

(^١) التستري، انظر: المصدر السابق.
(^٢) اسمه عبد الله بن طاهر الأبهري، من أقران الشبلي.
وكان من أجل المشايخ بالجبل.
توفي نحو (٣٣٠ هـ)، طبقات الصوفية (٣٩١). (^٣) "ف": "تكون"، والأصل غير منقوط.
وفي "ك، ط" والقشيرية كما أثبتنا.
(^٤) القشيرية (٢٧٨). (^٥) هو أبو بكر المصري كما في القشيرية.
وهو محمد بن أحمد بن محمد الكناني المصري الشافعي ابن الحداد، لازم النسائي وتخرج به، توفي سنة (٣٤٥ هـ). السير (١٥/ ٤٤٥). (^٦) القشيرية (٢٧٨). (^٧) بعده في "ك، ط": "والله أعلم".
(^٨) "ك": "تطرقا"، "ط": "تطرفا"، وكلاهما تصحيف.
(^٩) "ن": "تكبرا".

الجزء: 1 - الصفحة: 105

مالكا لها بهذا الشرط لم تضره (^١)، بل هو فقير غناه في فقره، وغني فقره في غناه.

ومن نعته أيضا أن يكون فقيرا من حاله، وهو خروجه عن الحال تبريا، وترك الالتفات إليه تسليا، وترك مساكنة الأحوال، والرجوع عن موافقتها؛ فلا (^٢) يستغني بها اعتمادا عليها، ولا يفتقر إليها مساكنة لها.

ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله في (^٣) الصبر والرضى والتوكل والإنابة، فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه، وهو تحصيل مراده من الله.
فالفقير خالص بكليته لله عز وجل، ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظ ولا نصيب (^٤)، بل عمله بقيام شاهد الحق وفناء شاهد نفسه.
قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه، فهو يريد الله بمراد الله، فمعوله على الله، وهمته لا تقف دون شيء سواه.
قد فني بحبه عن حب ما سواه، وبأمره عن هواه، وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه.
فهو في واد، والناس في واد!

خاضع، متواضع، سليم القلب، سلس القياد (^٥) للحق، سريع القلب إلى ذكر الله، بريء من الدعاوى لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله.
زاهد في كل ما سوى الله، راغب في كل ما يقرب إلى الله، قريب من الناس، أبعد شيء منهم، يأنس بما يستوحشون منه،

(^١) "ف": "لم يضره" تصحيف.
(^٢) "فلا" ساقط من "ط" ومستدرك في القطرية.
(^٣) "ط": "والصبر"، وصحح في القطرية.
(^٤) "ط": "ونصيب".
(^٥) "ط": "القيادة"، وصحح في القطرية.

الجزء: 1 - الصفحة: 106

ويستوحش مما يأنسون به، متفرد (^١) في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه العوائد (^٢)، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود.

من جالسه قرت عينه به، ومن رآه ذكرته رؤيته بالله.
قد حمل كله ومؤنته عن الناس، واحتمل أذاهم، وكف (^٣) أذاه عنهم.
وبذل لهم نصيحته، وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز.
لا يدخل فيما لا يعنيه، ولا يبخل بما لا ينقصه.

وصفه الصدق والعفة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال.
لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عوضا (^٤)، ولا مدحة.
لا يعاتب، ولا يخاصم، ولا يطالب، ولا يرى له على أحد حقا، ولا يرى له على أحد فضلا.

مقبل على شأنه، مكرم لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافر في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضغ عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه.

قد رفع له علم الحب، فشمر إليه، وناداه داعي الاشتياق، فأقبل بكليته عليه.
أجاب منادي المحبة إذ دعاه: حي على الفلاح، وواصل السرى (^٥) في بيداء الطلب، فحمد عند الوصول مسراه (^٦)، وإنما يحمد

(^١) "ك، ط": "منفرد".
(^٢) "ك، ط": "الفوائد"، تحريف.
(^٣) "ك": "بكف أذاه".
(^٤) "ط": "عوضا منهم".
(^٥) "ك": "وصل السير".
"ط": "وصل السرى".
(^٦) "ط": "سراه".

الجزء: 1 - الصفحة: 107

القوم السرى عند الصباح:

فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم (^١)

ولكننا سبي العدو، فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم

وحي على روضاتها وخيامها ... وحي على عيش بها ليس يسأم

وحي على يوم المزيد وموعد الـ ... ـمحبين، طوبى للذي هو منهم

وحي على واد بها [هو أفيح ... وتربته من أذفر المسك أعظم] (^٢)

منابر من نور [هناك وفضة ... ومن خالص العقيان لا يتفصم] (^٣)

(^١) هذه القصيدة الميمية للمصنف رحمه الله.
وقد أورد ٤٨ بيتا منها في حادي الأرواح (٣٠ - ٣٢)، وطبعت كاملة ضمن مجموعة لم أقف عليها بعنوان "أربح بضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة" سنة ١٣١٦ هـ في الهند.
ثم نشرتها مع النونية مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنه ١٤٠٧ هـ. (^٢) كذا ورد البيت في "ك، ط" وحادي الأرواح.
وفي الأصل: وحي على واد بها أفيح به ... منابر من نور.
. . . . . . . . . كذا ورد ناقضا، وبعده بياض، فأراد بعضهم استدراك النقص فقال في الحاشية: "لعله "لدى الرسل تعلم" أو "بها الرسل تكرم".
وقد أثبت ناسخ "ف" الاقتراح الأول، ولكن نبه على أنه "ليس هذا من كلام المصنف رحمه الله".
وفي "ن" أيضا ورد البيت كما في الأصل، فضرب بعضهم على "به منابر من نور"، وكتب بعده الشطر الثاني كما ورد في "ك".
وقد تبين من "ك" وحادي الأرواح أن "منابر من نور" ليس جزءا من هذا البيت، بل هو بداية البيت التالي.
هذا، وقد كتب بإزائه في الحاشية اليسرى: "تضيء بهم تلك المنابر" كأنه بداية بيت جديد لم يكتمل! (^٣) تكملة هذا البيت من "ك"، ولم يرد في الأصل وغيره إلا أوله مع صدر البيت السابق.
"لا يتفصم": كذا بالفاء في "ك".
وتفصم الشيء: انكسر دون بينونة.
=

الجزء: 1 - الصفحة: 108

يرون به الرحمن جل جلاله ... كرؤية بدر التم لا يتوهم

أو الشمس صحوا ليس من دون أفقها ... ضباب ولا غيم هناك يغيم

وبيناهم في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم

إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم ... فقيل: ارفعوا أبصاركم، فإذا هم

بربهم من فوقهم وهو قائل: ... سلام عليكم طبتم وسلمتم

فياعجبا، ما عذر من هو مؤمن ... بهذا ولا يسعى له ويقدم

فبادر إذا ما دام في العمر فسحة ... وعدلك مقبول وصرفك قيم

فما فرحت بالوصل نفس مهينة ... ولا فاز قلب بالبطالة ينعم

فجد وسارع واغتنم ساعة السرى ... ففي زمن الإمكان يسعى ويغنم (^١)

وسر مسرعا فالسيل (^٢) خلفك مسرع ... وهيهات ما منه مفر ومهزم

فهن المنايا أي واد نزلته ... عليها القدوم أو عليك ستقدم

وإن تك قد عاقتك سعدى فقلبك الـ ... ـمعنى رهين في يديها مسلم

وقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى ... لها منك والواشي بها يتنعم

فدعها وسل النفس عنها بجنة ... من الفقر في روضاتها الدر يبسم

ومن تحتها الأنهار تخفق دائما ... وطير الأماني فوقها يترنم

= وفي حادي الأرواح بالقاف.
(^١) "ط": "تسعى وتغنم".
(^٢) "ط": "فالسير"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

وقد ذللت منها القطوف فمن يرد ... جناها ينله كيف شاء وينعم

وقد فتحت أبوابها وتزينت ... لخطابها (^١) فالحسن فيها مقسم

أقام على أبوابها داعي الهدى ... هلموا إلى دار السعادة تغنموا

وقد طاب منها نزلها ومقيلها ... فطوبى لمن حلوا بها وتنعموا

وقد غرس الرحمن فيها غراسه ... من الناس، والرحمن بالغرس أعلم

فمن كان من غرس الإله فإنه ... سعيد وإلا فالشقا متحتم

فيا مسرعين السير بالله ربكم ... قفوا بي على تلك الربوع وسلموا

وقولوا: محب قاده الشوق نحوكم ... قضى نحبه فيكم تعيشوا وتسلموا

قضى الله رب العالمين قضية ... بأن الهوى يعمي القلوب ويبكم

وحبكم أصل الهدى ومداره ... عليه وفوز للمحب ومغنم

وتفنى عظام الصب بعد مماته ... وأشواقه وقف عليه محرم

فياأيها القلب الذي ملك الهوى ... أعنته، حتام هذا التلؤم

وحتام لا تصحو وقد قرب المدى ... ودقت كؤوس السير والناس نوم

بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... ويبدو لك الأمر الذي كنت تكتم

ويا موقدا نارا لغيرك ضؤوها ... وحر لظاها بين جنبيك يضرم

أهذا جنى العلم الذي قد غرسته ... وهذا الذي قد كنت ترجوه تطعم

(^١) "ك": "لخاطبها".

الجزء: 1 - الصفحة: 110

وهذا هو الحظ الذي قد رضيته ... لنفسك في الدارين لو كنت تفهم

وهذا هو الربح الذي قد كسبته ... لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم

بخلت بشيء لا يضرك بذله ... وجدت بشيء مثله لا يقوم

وبعت نعيما لا انقضاء له ولا ... نظير ببخس عن قليل سيعدم

فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم لو (^١) كنت تعلم

وتهدم ما تبني بكفك جاهدا ... فأنت مدى الأيام تبني وتهدم

وعند مراد الحق تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدي وتلحم

وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهير على الرحمن للجبر يزعم (^٢)

تنزه تلك النفس عن سوء فعلها ... وتعتب (^٣) أقدار الإله وتظلم

وتزعم مع هذا بأنك عارف ... كذبت يقينا في الذي (^٤) أنت تزعم

وما أنت إلا جاهل ثم ظالم ... وإنك بين الجاهلبن مقدم

إذا كان هذا نصح عبد لنفسه ... فمن ذا الذي منه الهدى يتعلم

وفي مثل هذي الحال (^٥) قد قال من ... مضى وأحسن فيما قاله المتكلم:

(^١) "ط": "إن".
(^٢) كذا في الأصل و"ف".
وفي غيرهما: "ظهيرا.
. . تزعم".
وفي "ن": "ظهير" فزاد قارئ آنفا! (^٣) "ط": "وتغتاب".
(^٤) "ك": "بالذي".
(^٥) "ك": "هذا الحال".
"ط": "هذا كان".

الجزء: 1 - الصفحة: 111

(فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم)

ولو تبصر الدنيا وراء ستورها ... رأيت خيالا في منام سيصرم

كحلم بطيف زار في النوم وانقضى الـ ... ـمنام وراح الطيف والصب مغرم

وظل أرته الشمس عند طلوعها ... سيقلص في وقت الزوال ويفصم

ومزنة صيف طاب منها مقيلها ... فولت سريعا والحرور تضرم

فجزها ممرا لا مقرا، وكن بها ... غريبا تعش فيها حميدا (^١) وتسلم

أو ابن سبيل قال في ظل دوحة ... وراح وخلى ظلها يتقسم

أخا سفر (^٢) لا يستقر قراره ... إلى أن يرى أوطانه ويسلم

فيا عجبا كم مصرع وعظت به ... بنيها (^٣) ولكن عن مصارعها عموا

سقتهم بكأس الحب حتى إذا انتشوا (^٤) ... سقتهم كؤوس السم والقوم قد ظموا

وأعجب ما في العبد رؤية هذه الـ ... ـعظائم منها وهو فيها متيم

وأعجب من ذا أن أحبابها الألي ... تهين وللأعداء ترعى (^٥) وتكرم

وذلك برهان على أن قدرها ... جناح بعوض أو أدق وألأم

وحسبك ما قال الرسول ممثلا ... لها ولدار الخلد والحق يفهم

(^١) "ك": "سعيدا".
(^٢) رسمه في الأصول: "أخى سفر" غير أن ناسخ "ف" ضبط الخاء بالفتحة.
(^٣) "ط": "عطبوا به بنيها"! الضمير في "وعظت" راجع إلى الدنيا.
(^٤) "ط": "انثنوا"، تصحيف.
(^٥) "ط": "للأعداء تراعي".

الجزء: 1 - الصفحة: 112

كما يدخل الإنسان في اليم إصبعا ... وينزعها منه فما ذاك يغنم

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... على حذر منها وأمري محكم

وهل أردن ماء الحياة وأرتوي ... على ظمأ من حوضه وهو مفعم

وهل تبدون أعلامهم بعدما سفت ... عليها السوافي (^١) تستبين وتعلم

وهل أفرشن خدي ثرى عتباتهم ... خضوعا لهم كيما يرقوا ويرحموا

وهل أرين نفسي طريحا ببابهم ... وطير أماني الحب فوقي تحوم

فوا أسفا تفنى الحياة وتنقضي ... وعتبكم باق، بقيتم وعشتم

فما منكم بد ولا عنكم غنى ... وما لي من صبر فأسلو عنكم

فمن شاء فليغضب سواكم فلا إذا (^٢) ... إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم

وعقبى اصطباري في رضاكم حميدة ... ولكنها عنكم عقاب ومغرم (^٣)

وما أنا بالشاكي لما ترتضونه ... ولكنني أرضى به وأسلم

وحسب انتسابي من بعيد إليكم ... وذلك حظ مثله يتيمم

إذا قيل: هذا عبدهم ومحبهم ... تهلل بشرا ضاحكا يتبسم

وها هو قد أبدى الضراعة قائل (^٤) ... لكم بلسان الحال والحال يعلم

(^١) السوافي: الرياح التي تحمل الغبار وتذرو التراب.
(^٢) "ط": "أذى"، خطأ.
(^٣) "ط": "رضاكم هوى لكم حميد ولكنه عقاب".
(^٤) كذا في الأصل وغيره.
وفي "ط": "قائلا".

الجزء: 1 - الصفحة: 113

أحبتنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ، والمورد العذب أنتم

فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى ... صريع الأماني عن قليل ستندم

أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده ... سوى جنة أو حر نار تضرم

وبالسنة الغراء كن متمسكا ... هي العروة الوثقى التي ليس تفصم

تمسك بها مسك البخيل بماله ... وعض عليها بالنواجذ تسلم

وإياك مما أحدث الناس بعدها ... فمرتع هاتيك الحوادث أوخم

وهيئ جوابا عندما تسمع الندا ... من الله يوم العرض: ماذا أجبتم

به رسلي لما أتوكم، فمن يجب ... سواهم سيخزى عند ذاك ويندم

وخذ من تقى الرحمن أسبغ جنة ... ليوم به تبدو عيانا جهنم

وينصب ذاك الجسر من فوق متنها ... فهاو ومخدوش وناج مسلم

ويأتي إله العالمين لوعده ... فيفصل ما بين العباد ويحكم

ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقه ... فياويح من قد كان للخلق يظلم

وينشر ديوان الحساب وتوضع الـ ... ـموازين بالقسط الذي لا يظلم (^١)

فلا مجرم يخشى هناك ظلامة ... ولا محسن من أجره الذر يهضم

وتشهد أعضاء المسيء بما جنى ... لذاك على فيه المهيمن يختم

(^١) كذا في الأصل وغيره، وضبط في الأصل و"ف" بفتح الظاء واللام المشددة المفتوحة.
والمعنى: الذي لا ينسب إلى الظلم.
وفي "ط": "ليس يظلم".

الجزء: 1 - الصفحة: 114

ويا ليت شعري كيف حالك عندما ... تطاير كتب العالمين وتقسم

أتأخذ باليمنى كتابك أم [ترى] (^١) ... بيسراك خلف الظهر منك تسلم

وتقرأ فيه كل شيء عملته ... فيشرق منك الوجه أو هو يظلم

تقول: كتابي هاؤم فاقرؤو لي ... يبشر بالجنات حقا ويعلم (^٢)

وإن تكن الأخرى فإنك قائل ... ألا ليتني لم أوته فهو مغرم

فلا والذي شق القلوب وأودع الـ ... ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

وحملها قلب المحب وإنه (^٣) ... ليضعف عن حمل القميص ويألم

وذلل فيها أنفسا دون ذلها ... حياض المنايا فوقها هي حوم

[فلقد فاز أقوام وحازوا مرابحا ... بتركهم الدنيا والاقبال منهم (^٤)

على ربهم طول الحياة وحبهم ... على نهج ما قد سنه فهم هم] (^٥)

(^١) زيادة من "ط" لإقامة الوزن، ولم ترد في الأصل وغيره.
(^٢) "ك، ط": "اقرؤوه.
. . تبشر.
. . تعلم".
(^٣) "ف": "فإنه".
(^٤) قد أضيف هذا البيت والذي يليه إلى الأصل قديما قبل أن تنسخ منها "ف".
ولم يردا في أصل "ن" أيضا، فزادهما بعضهم فيها بخط حديث.
(^٥) بعد هذا البيت بياض في الأصل بقدر نصف صفحة؛ لأن هذا الجزء من الأصل نسخ مستقلا عما يليه.
وكتب في الحاشية اليمنى: "علق منها لنفسه نسخة علي بن زيد بن علوان بن صبرة بن مهدي بن حريز الزبيدي الأثري اليمني داعيا لناظمها ومالكها ولكل مسلم بالموت على الإسلام والسنة".
وصاحب الحاشية من علماء القرن الثامن.
ولد في "ردما" سنة ٧٤١ هـ. وتوفي بالقاهرة سنة ٨١٣ هـ. انظر ترجمته في شذرات الذهب (٤/ ١٠٢ - ١٠٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 115

قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، بل وإلى الروح التي بين جنبيه (^١)

اعلم أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب.
فلا بد له (^٢) من أمرين: أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ (^٣) به، والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود، والمانع لحصول المكروه، أو الدافع (^٤) له بعد وقوعه.

فهاهنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود، والثاني: أمر مكروه مطلوب العدم، والثالث: الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.
فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حي سوى الله، لا يقوم صلاحه إلا بها.

إذا عرف هذا فالله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه، ولا معين على المطلوب غيره؛ وما سواه هو المكروه

(^١) من هنا إلى ص (١٣٢) قارن بمجموع الفتاوى (١/ ٢١ - ٣٣)، فقد بنى المصنف كلامه في هذه القاعدة وما تبعها من فصلين وأول الفصل الثالث على كلام شيخه، ونقل معظمه بنصه.
وكذا فعل في "إغاثة اللهفان": الباب السادس (٧٠ - ٩٦) غير أنه رتبه هناك على نحو آخر.
(^٢) "له" ساقط من "ك، ط".
(^٣) "ك، ط": "به ويتلذذ".
(^٤) في "ك، ط": "والدافع".

الجزء: 1 - الصفحة: 116

المطلوب (^١) بعده، وهو المعين على دفعه.
فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥]، فإن العبادة (^٢) تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه.
فالأول من مقتضى ألوهيته، والثاني من مقتضى ربوبيته؛ لأن الإله هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما، والرب هو الذي يرب عبده فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التي بها كماله، ويهديه إلى اجتناب المفاسد التي بها فساده وهلاكه.

وفي القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين:

أحدها: قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥].

الثاني: قوله تعالى: ﴿عليه توكلت وإليه أنيب (٨٨)﴾ [هود/ ٨٨].

الثالث: قوله تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود/ ١٢٣].

الرابع: قوله تعالى: ﴿عليك توكلنا وإليك أنبنا﴾ [الممتحنة/ ٤].

الخامس: قوله: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده﴾ [الفرقان/ ٥٨].

السادس: قوله: ﴿عليه توكلت وإليه متاب (٣٠)﴾ [الرعد/ ٣٠].

السابع: قوله: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (٨) رب المشرق والمغرب لا

(^١) "ط": "والمطلوب" وقد صحح في القطرية.
(^٢) "ط": "هذه العبادة".

الجزء: 1 - الصفحة: 117

إله إلا هو فاتخذه وكيلا (٩)﴾ [المزمل/ ٨ - ٩].

ومما يقرر هذا أن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له.
فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم.
ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحب إليهم من الإيمان به، ومحبتهم له، ومعرفتهم به.

وحاجتهم إليه في عبادتهم له وتألههم له كحاجتهم إليه -بل أعظم- في خلقه لهم (^١)، وربوبيته لهم، ورزقه لهم.
فإن ذلك هو الغاية المقصودة التي بها سعادتهم وفوزهم، وبها ولأجلها يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال.
فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا، ويحشره يوم القيامة أعمى.
ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئا، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أفضل الحسنات، وكان توحيد الإلهية الذي كلمته "لا إله إلا الله" رأس الأمر.

فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي وحده، وإن كان لا بد منه، وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وأن يكرمهم إذا قدموا عليه.

وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه، وبه سروره ولذته ونعيمه، فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذي يرضى

(^١) "لهم" ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 118

به.
ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها (^١)، وهذا أعظم فرع يكون.

وكذلك العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه، وأنسه به، وطاعته له، وإقباله عليه، وطمأنينته بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوق إلى لقائه.
فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه.
ومن عبد غيره وأحبه -وإن حصل له نوع من اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده- ففساده به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي الذي هو عذب في مبدئه، وعذاب في نهايته، كما قال القائل:

مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذابا، فصارت في المشيب عذابا (^٢)

﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (٢٢)﴾ [الأنبياء/ ٢٢]، فإن قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة أخر (^٣) غير الله لم يكن إلها حقا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق.
كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار،

(^١) يشير إلى حديث الصحيحين، وسيأتي في ص (٥١٢). (^٢) تمثل به المؤلف في روضة المحبين (٦٣٣)، والداء والدواء (٢٦٦، ٣٦١)، والفوائد (٤٦). (^٣) "ط": "إله آخر".

الجزء: 1 - الصفحة: 119

ومستحيل (^١) أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين.

إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده، ولا يشرك (^٢) به شيئا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب = أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها.
بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه (^٣)، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو.
فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولابد لها من لقائه؛ ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها.

ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، ثم يتعذب به (^٤) -ولا بد- في وقت آخر.
وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده (^٥)، ويضره ذلك.
وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد

(^١) "ك، ط": "يستحيل".
(^٢) "ك، ط": "وحده لا يشرك".
(^٣) "ك، ط": "وروحه وقلبه".
(^٤) "ك": "يعذب به".
"ط": "يعذب ولابد".
(^٥) في الأصل وغيره: "عنه"، وهو سهو.
والصواب ما أثبتنا من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 120

وتحرقه (^١) وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة.
وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله، هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة، لا تزيد لذته على لذة حك الجرب.
والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحجة البالغة، كما له النعمة السابغة.

والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو (^٢) الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، الذي (^٣) أينما كان فهو معه.
وضرورته إليه (^٤) وحاجته إليه لا تشبهها (^٥) ضرورة ولا حاجة، بل هي فوق كل ضرورة، وأعظم من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لا أحب الآفلين (٧٦)﴾ [الأنعام/ ٧٦] (^٦).

(^١) "ط": "تخرقه".
(^٢) "ط": "هو".
(^٣) "ط": "والذي".
(^٤) "إليه" ساقط من "ك، ط".
(^٥) "ف، ك": "يشبهها".
(^٦) زاد بعدها في "ك، ط": "والله أعلم".

الجزء: 1 - الصفحة: 121

فصل

وهذا مبني على أصلين أحدهما: أن نفس الإيمان بالله، وعبادته، ومحبته، وإخلاص العمل له، وإفراده بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه؛ كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن؛ لا كما يقوله من يقوله (^١) إن عبادته تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته، بل (^٢) لمجرد الامتحان والابتلاء، كما يقوله منكرو الحكمة والتعليل؛ أو لأجل التعويض بالأجر لما (^٣) في إيصاله إليه بدون معاوضة منة (^٤) تكدره، أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول العقليات، كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة.

بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل، بل أوامر المحبوب قرة العيون، وسرور القلوب، ونعيم الأرواح، ولذات النفوس، وبها كمال النعيم.
فقرة عين المحب في الصلاة والحج، وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك، وفي الصيام والذكر والتلاوة؛ وأما الصدقة فعجب من العجب.

وأما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والصبر على أعداء الله، فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف، ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم.

(^١) "ط": "يقول".
(^٢) "بل" ساقط من "ط"، ومستدرك في القطرية.
(^٣) "ف": "كما"، تحريف.
(^٤) "ط": "منه"، وصحح في القطرية.

الجزء: 1 - الصفحة: 122

ومن غلظ فهمه وكثف طبعه عن إدراك هذا فليتأمل إقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم، ومفارقة أوطانهم، وبذل نحورهم لأعدائهم، ومحبتهم للقتل، وإيثارهم له على البقاء، وإيثار لوم اللائمين، وذم المخالفين على مدحهم وتعظيمهم.
ووقوع هذا من البشر بدون أمر يذوقه قلبه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع.
والواقع شاهد بذلك، بل ما قام بقلوبهم من اللذة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذي يتحمل ما يتحمله في موافقة رضى معشوقه، فهو (^١) يلتذ به، ويتنعم به، لما يعلم من سرور معشوقه به:

فيا منكرا هذا تأخر فإنه ... حرام على الخفاش أن يبصر الشمسا

فمن كان مراده وجه (^٢) الله، وحياته في معرفته ومحبته، ونعيمه في التوجه إليه وذكره، وطمأنينته به وسكونه إليه وحده = عرف هذا وأقر به.

الأصل الثاني: أن (^٣) كمال النعيم في الدار الآخرة أيضا به تعالى: برؤيته، وسماع كلامه، وقربه، ورضوانه؛ لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح.
بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال.

وفي دعاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان

(^١) "ف": "وهو"، قراءة محتملة.
(^٢) "ك، ط": "وحبه" تصحيف.
(^٣) "أن" ساقطة من "ط".
وفي "ك": "والأصل الثاني أن".

الجزء: 1 - الصفحة: 123

والحاكم في صحيحيهما: "وأسألك (^١) لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة" (^٢).

ولهذا قال تعالى في حق الكفار: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٥) ثم إنهم لصالو الجحيم (١٦)﴾ [المطففين/ ١٥ - ١٦].

فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذي يعذب به أعداؤه، ولذة النظر إلى وجهه (^٣) الكريم أعظم أنواع اللذات التي ينعم بها أولياؤه، ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم من رؤيته، وسماع كلامه، والدنو منه وقربه.

وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة، وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم فيهما مشايخ الطرق العارفون، وعليهما أهل السنة والجماعة، وهما من فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة، وبالذوق والوجد تارة، وبالفطرة تارة، وبالقياس والأمثال تارة.

وقد ذكرنا مجموع هذه الطرق في كتابنا الكبير في المحبة الذي سميناه "المورد الصافي، والظل الضافي" (^٤) في المحبة وأقسامها

(^١) "ط": "أسألك" دون واو العطف.
(^٢) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥). والنسائي في الكبرى (١٢٢٩) وابن حبان (١٩٧١) والحاكم (١/ ٥٢٤ - ٥٢٥) من حديث عمار.
والحديث صححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي.
(ز).
وقد شرح المؤلف هذا الحديث في إغاثة اللهفان (١/ ٢٧). (^٣) "ك، ط": "وجه الله".
(^٤) وهو الذي ذكر المصنف في مفتاح دار السعادة (١/ ٢١٦) أنه سيتبعه بعد الفراغ =

الجزء: 1 - الصفحة: 124

وأنواعها وأحكامها وبيان وجوب (^١) تعلقها بالإله الحق دون ما سواه، وقد ذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه (^٢).

ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرا أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع، بل ربه سبحانه الذي خلقه، ورزقه، وبصره، وهداه، وأسبغ عليه نعمه، وتحبب إليه بها مع غناه عنه، ومع تبغض العبد إليه بالمعاصي مع فقره إليه.
فإذا مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمة فلا راد لها ولا مانع؛ كما قال تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (١٠٧)﴾ [يونس/ ١٠٧]. ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (٢)﴾ [فاطر/ ٢].

فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله، فالأمر كله لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، هو مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء،

= منه "كتابا في الكلام على المحبة وأقسامها وأحكامها.
. " وانظر كتاب "ابن قيم الجوزية حياته، آثاره، موارده" (٣٠٥، ٢٨٥). (^١) "وجوب" ساقط من "ط".
(^٢) قد أحال المصنف على ثلاثة كتب له أفاض الكلام فيها في هذا الموضوع.
أحدها: "التحفة المكية" (بدائع الفوائد: ٨٤٦)، والثاني: "قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين"، (مدارج السالكين: ١/ ١٥٦)، ولعله هو الذي أشار إليه بالكتاب الكبير فيما بعد (المدارج ٢/ ٥٩٨). والثالث: "المورد الصافي" هذا، وقد وصفه هنا بالكبير.
فيبدو أن "قرة عيون المحبين" و"المورد الصافي" اسمان لكتاب واحد.
أما كتاب "روضة المحبين" المطبوع فهو كتاب مستقل، ولم تذكر فيه الوجوه التي أشير إليها هنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 125

المتفرد بالضر والنفع، والعطاء والمنع، والخفض والرفع ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ [هود/ ٥٦]، ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (٥٤)﴾ [الأعراف/ ٥٤].

وهذا الوجه أظهر (^١) لعموم الناس من الوجه الأول، ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول.
لكن من تدبر القرآن تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول (^٢).
فهذا الوجه يقتضي التوكل على الله، والاستعانة به، والدعاء له، ومسألته دون ما سواه.
ويقتضي أيضا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه؛ فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه دخل في الوجه الأول.

وهذا كمن (^٣) نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أوخوف مقلق، فجعل يدعو الله ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته له وباب الإيمان به (^٤) والإنابة إليه ما (^٥) هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا، لكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه، فعرفه إياه بما أقامه له من الأسباب التي أوصلته إليه.

والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد (^٦) إلى الله دون ما سواه، ومن

(^١) "ط": "أعظم"، ولعله غلط.
(^٢) "ط": "بهذا إلى الوجه الأول".
(^٣) في الأصل: "هكذا كمن"، وهو سهو، وكذا في "ف".
وفي "ك، ط": "هكذا من".
والصواب ما أثبتنا من "ن" غير أنه قد سقط منها "نزل".
(^٤) في مطبوعة إغاثة اللهفان (٨٤): "عظيم الإيمان به".
(^٥) "ط": "مناجاته له باب الايمان.
. . إليه وما هو".
(^٦) "ك": "العبد".
"ط": "العبيد".

الجزء: 1 - الصفحة: 126

ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا.
فهذا الوجه يحقق التوكل على الله، والشكر له، ومحبته على إحسانه.

ومما يوضح ذلك ويقويه أن تعلق (^١) العبد بما سوى الله مضرة عليه، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله، ومحبته، وتفريغ قلبه له.
فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته (^٢) ضره أو أهلكه، وكذلك من النكاح واللباس.
وإن أحب شيئا بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، فإن فقد تعذب بالفراق وتألم، وان وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة.
وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئا دون الله لغير الله، فإن مضرته أكثر من منفعته، وعذابه به (^٣) أعظم من نعيمه.

يزيد (^٤) ذلك إيضاحا أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة.
وهذا أيضا معلوم بالاعتبار والاستقراء.
فإنه (^٥) ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغيره إلا خذل.

قال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (٨١) كلا

(^١) "ط": "أن في تعلق".
(^٢) "ط": "حاجاته".
(^٣) "به" ساقط من "ف، ك، ط".
وفي "ن": "أكبر من نعيمه".
(^٤) "ف": "سنزيد".
ورسم الأصل يحتمل "سيزيد"، ولكن الراجح ما أثبتنا من "ن" وغيرها.
(^٥) "ط": "أنه".

الجزء: 1 - الصفحة: 127

سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (٨٢)﴾ [مريم/ ٨١، ٨٢].

وقال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (٧٤) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (٧٥)﴾ [يس: ٧٤، ٧٥].

وقال تعالى عن إمام الحنفاء إنه قال للمشركين: ﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا﴾ [العنكبوت/ ٢٥].

ولما كان غاية صلاح العبد في عبادة الله وحده، واستعانته به (^١) وحده كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته.

ومما يوضح الأمر في ذلك ويبينه أن الله سبحانه غني حميد، كريم رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانا وجودا محضا.
فإنه رحيم لذاته، محسن لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته؛ كما أنه غني لذاته، قادر لذاته، حي لذاته.
فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك، كما أن حياته (^٢) وقدرته وغناه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك.

وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه، ويعنهموه، ويجلبوا (^٣) له منفعة، ويدفعوا عنه مضرة.
وذلك من تيسير الله وإذنه لهم به، فهو في الحقيقة ولي هذه

(^١) "به" ساقط من "ن، ك، ط".
(^٢) "حياته و" ساقط من "ك، ط".
(^٣) "ك": "يجلبوا"، ط: "ليجلبوا".

الجزء: 1 - الصفحة: 128

النعم (^١) ومسديها ومجريها على أيديهم.
ومع هذا فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواء أحبوه لجماله الباطن أوالظاهر.

فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء، وطلبوا (^٢) لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك.
وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك.

وإن جلبوا له منفعة كخدمة ومال (^٣)، أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو -ولو بالدعاء- فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله.
فأجناد الملوك، وعبيد المالك (^٤)، وأجراء المستأجر، وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، ولا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى، فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة؛ وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه.

وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه، إذ قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا (^٥).

(^١) "ط": "النعمة".
(^٢) "ك، ط": "فطلبوا".
(^٣) "كخدمة ومال" ساقط من "ك، ط".
(^٤) "ك": "الممالك".
"ط": "المماليك"، تحريف.
(^٥) اقتبس من الآية (٣٢) من سورة الزخرف.

الجزء: 1 - الصفحة: 129

فصل

إذا تبين هذا ظهر أن أحدا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه.
وأما الرب تبارك وتعالى فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها.

فتدبر هذا حق التدبر وراعه حق المراعاة، فملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك، فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلا أو آجلا، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه.
فتأمل ذلك، فإن فيه منفعة عظيمة، وراحة، ويأشا من المخلوقين، وسدا (^١) لباب عبوديتهم، وفتحا لباب عبودية الله وحده.
فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها!

ولا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، فكما لا تخفهم فلا ترجهم (^٢).

ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك، وإن كان ذلك ضررا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى (^٣) لا يرى إلا قضاءها.

(^١) "ط": "سدا" دون واو العطف.
(^٢) كذا في الأصل و"ف".
وفي "ن": "لم تخفهم".
وفي "ك، ط": "فكما لا تخافهم لا ترجوهم".
(^٣) "أعمى" ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 130

فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجاتهم (^١)، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك.

وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة.
فهم يريدون أن يصيروك (^٢) كالكير، تنفخ بطنك وتعصر أضالعك (^٣) في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة! وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر.
وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمت! وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك، ورحت صفر اليدين! وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين، وقطعوك عنها، وحالوا بينك وبينها؛ وقطعوا عليك (^٤) طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها، وقالوا: نحن أحبابك، وخدمك، وشيعتك، وأعوانك، والساعون في مصالحك؛ وكذبوا! والله إن هم إلا أعداء (^٥) في صورة أولياء، وحرب في صورة مسالمين، وقطاع طريق في صورة أعوان.
فواغوثاه ثم واغوثاه (^٦) بالله الذي يغيث ولا يغاث!

﴿ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم

(^١) "ط": "حاجتهم".
(^٢) "ك": "يضروك"، تحريف.
(^٣) كتبت الكلمة في الأصل بالظاء، وكذا في "ف".
وفي "ك، ط": "أضلاعك"، وفي حاشية "ك" إشارة إلى ما في الأصل.
وفيها أيضا: "ينفخ.
. . يعصر".
(^٤) "عليك" ساقط من "ك، ط".
(^٥) "ك، ط": "إنهم لأعداء".
(^٦) "ثم واغوثاه" سقط من "ط" واستدرك في القطرية.

الجزء: 1 - الصفحة: 131

فاحذروهم﴾ [التغابن/ ١٤].

﴿ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (٩)﴾ [المنافقون/ ٩].

فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم، ولم يعاملهم في الله.
وخاف الله فيهم، ولم يخفهم في الله؛ وأرضى الله بسخطهم، ولم يرضهم بسخط الله.
وراقب الله فيهم، ولم يراقبهم في الله؛ وآثر الله عليهم، ولم يؤثرهم على الله.
وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه، وأحيا حب الله وخوفه ورجاءه فيه.
فهذا (^١) هو الذي يكتب عليهم، وتكون معاملته لهم كلها ربحا، بشرط أن يصبر على أذاهم، ويتخذه مغنما لا مغرما، وربحا لا خسرانا.

ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة، إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره.
فهو في الحقيقة الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾ [يونس/ ١٠٧].

قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لعبد الله بن عباس: "واعلم أن الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك" (^٢).

(^١) "ن": "وهذا".
(^٢) أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦). والحديث صححه الترمذي وابن رجب.
وأشار العقيلي إلى لين أسانيده عن ابن عباس.
انظر: الضعفاء للعقيلي (٣/ ٥٤)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٢) (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 132

وإذا كانت هذه حال الخليقة، فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع (^١).

فصل

وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك، ولا قادر عليها، ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك، ولا قادرا عليها، ولا مريدا لها.
والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله (^٢) لا لمعاوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا لتكثر بك، ولا لتعزز بك؛ ولا يخاف الفقر، ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق.
ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليه (^٣) واستغناء به (^٤)، بحيث إذا أخرجه أثر ذلك في غناه.

وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما:

أحدهما: أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك، وأنت المعوق لوصول فضله إليك، وأنت حجر في طريق نفسك.
وهذا الأمر (^٥) هو الأغلب على الخليقة، فإن الله سبحانه قضى فيما قضى به أن ما عنده

(^١) بعده في "ك، ط": "والله أعلم".
(^٢) انتهى هنا ما نقله المصنف من كلام شيخه مع بسطه، انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٣٣). (^٣) "ك، ط": "إليك".
(^٤) "ن، ك، ط": "استغنائه"، تحريف.
(^٥) "الأمر" ساقط من "ك، ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 133

لا ينال إلا بطاعته، وأنه ما استجلبت نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته.
وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنما أنت السبب (^١) في سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (٥٣)﴾ [الأنفال/ ٥٣].

فما أزيلت نعم الله بغير معصيته: (^٢)

إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم (^٣)

فآفتك من نفسك، وبلاؤك منك (^٤)، وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك، وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك، كما قيل:

ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه (^٥)

(^١) "ك": "المتسبب"، "ط": "المسبب".
(^٢) زاد في "ك": "شعر".
(^٣) من ثمانية أبيات ذكرها المؤلف في الداء والدواء (١١٩)، وهذا البيت وحده في بدائع الفوائد (٧١٢) وسيأتي مرة أخرى في كتابنا ص (٥٨٢). وفي "ك، ط": "فإن المعاصي".
وقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٧٠) بسنده أن عمر بن عبد العزيز كان يتمثل بهذا البيت وبيت آخر بعده: ولا تحقرن صغير الذنوب ... فإن الإله شديد النقم وانظر أيضا: تاريخ دمشق (٥١/ ١٠٣). (^٤) "ك، ط": "من نفسك".
(^٥) ذكره المصنف في الداء والدواء (١٥٩)، والمدارج (١/ ٢٦٤)، والمفتاح =

الجزء: 1 - الصفحة: 134

ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك، وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره وتعاتبها (^١) وتلومها! فقد ضيعت فرصتك، وفرطت في حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال! فأنت المعني بقول القائل:

وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا (^٢)

ولو شعرت بدائك (^٣)، وعلمت من أين دهيت ومن أين أصبت، لأمكنك تدارك ذلك.
ولكن قد فسدت الفطرة، وانتكس القلب، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضت عمن أصل بلائك ومصيبتك منه، وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه.
فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين، وقد رأى رجلا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به (^٤): يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك!

وإذا عرتك مصيبة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أرحم (^٥)

= (٣/ ٣٨)، والبدائع (١١٨٨). وهو لصالح بن عبد القدوس.
انظر: التمثيل والمحاضرة (٧٧)، والحماسة البصرية (٨٧٤). (^١) "ط": "تعانيها"، تصحيف.
(^٢) تمثل به المصنف في الروح (٢٩)، والفوائد (١٨١). وقد أنشده الجاحظ في البيان (٢/ ٣٥٠)، ونسب في المنتخل (١/ ٤٦٣) إلى الخليل بن أحمد.
(^٣) "ك، ط": "برأيك"، تحريف.
(^٤) زاد في "ط" بعد "به": "فقال".
(^٥) "ط": "وإذا أتتك".

الجزء: 1 - الصفحة: 135

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (^١)

وإذا علم العبد حقيقة الأمر، وعرف من أين أتي، ومن أي الطرق أغير على سرحه (^٢)، ومن أي ثغرة سرق متاعه وسلب = استحيا من نفسه -إن لم يستحي من الله- أن يشكو أحدا من خلقه، أو يتظلمهم، أو يرى مصيبته وآفته (^٣) من غيره.

قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (٣٠)﴾ [الشورى/ ٣٠].

وقال: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران/ ١٦٥].

هذا، ومن المخاطب بهذا الخطاب؟ (^٤) وقال تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء/ ٧٩].

(^١) قول العارف مع البيتين في المدارج (٢: ١٩٢). ونسب البيتان في الكشكول (١: ٧٤) إلى الإمام زين العابدين -مع اختلاف في الألفاظ- والبيت الثاني مع آخر في عيون الأخبار (٢/ ٢٦٠). (^٢) السرح: الماشية الراعية.
(^٣) "ف": "وافية"، تحريف.
(^٤) "هذا.
. . الخطاب" كذا في الأصل وغيره، وهو ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 136

[الاحتجاج بالقدر، والنصوص الواردة في إثباته]

فإن أصررت (^١) على اتهام القدر، وقلت: فالسبب الذي أصبت به (^٢)، وأتيت منه، ودهيت منه، قد سبق به القدر والحكم، وكان في الكتاب مسطورا، فلا بد منه على الرغم مني.
وكيف لي أن أنفك منه، وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة، والكتاب الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم، وأنا في ظلمات الأحشاء، حين أمر الملك بكتب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة؛ فلو جريت إلى سعادتي ما جريت حتى بقي بيني وبينها شبر لغلب علي الكتاب، فأدركتني الشقاوة.
فما حيلة من قلبه بيد غيره، يقفبه كيف يشاء، ويصرفه كيف أراد؛ إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه.
فهو (^٣) الذي يحول بين المرء وقلبه، وهو الذي يثبت قلب العبد إذا شاء، ويزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته.

قال أعلم الخلق بربه صلوات الله وسلامه عليه: "ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، ثم قال: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" (^٤) وكانت (^٥) أكثر يمينه: "لا، ومقلب القلوب" (^٦).

(^١) سيأتي جواب هذا الشرط، والرد على الاحتجاج بالقدر في ص (١٧٧). (^٢) "ط": "منه".
(^٣) هذه قراءة "ن".
وفي "ف" وغيرها: "وهو".
(^٤) تقدم تخريجه في ص (١٧). (^٥) "ك، ط": "كان".
(^٦) أخرجه البخاري في كتاب القدر (٦٦١٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 137

وقال بعض السلف: "مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن" (^١).

فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهل له مشيئة بدون مشيئته؟ كما قال تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير/ ٢٩].

وروى (^٢) عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: تلا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله عز وجل: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤)﴾ [محمد/ ٢٤] وغلام جالس عند رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: بلى، والله يا رسول الله، إن عليها لأقفالها، ولا يفتحها إلا الذي أقفلها.
فلما ولي عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله وقال: "لم يقل ذلك إلا من عقل" (^٣).

وقال طاووس: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقولون: كل شيء بقدر" (^٤).

(^١) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٤٩٩) ومسدد في مسنده (١/ ٦٠ مصباح الزجاجة).
وذكره أحمد في المسند (١٩٧٥٧) وغيرهم عن أبي موسى موقوفا.
وقد اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب.
وقد روى معناه عن أبي عبيدة رضي الله عنه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٢) وغيره، وفيه انقطاع.
(ز).
(^٢) "ط": "وروي عن".
(^٣) أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٩٨) (٢١٤٦)، والبيهقي في القضاء والقدر (٣٨٦). قال الدارقطني: "غريب من حديثه، عن سهل (يعني أبا حازم)، تفرد به ذؤيب بن عمامة، عن عبد العزيز، عن أبيه".
(ز).
(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥٣٥، ٦٦١). وسيأتي بلفظ آخر في ص (١٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 138

وقال أيوب السختياني: "أدركت الناس، وما كلامهم إلا: إن قضي، إن قدر" (^١).

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩] قال: "كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة".
قال: "والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يوما بيوم، فذلك قوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩] " (^٢).

وفي الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه (^٣).

وقد يقال وهو الأظهر: إن الآية تعم الأمرين، فيأمر الله ملائكته فتنسخ (^٤) من أم الكتاب أعمال بني آدم، ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة ولا تنقصها (^٥).

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر (٤٩)﴾ [القمر/ ٤٩]: "خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق الخير والشر؛ فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة" (^٦).

وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الديلي (^٧) قال: قال لي عمران بن

(^١) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٢١٣)، وسنده صحيح.
(ز).
(^٢) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥٦). (^٣) المصدر السابق، زاد المسير (٧/ ٣٦٥). (^٤) "ك، ط": "فتستنسخ".
(^٥) وانظر: شفاء العليل (٥٤). (^٦) تفسير الطبري (٢٧/ ١١١). (^٧) "ط": "الدؤلي".
وهكذا يقول البصريون.
وكان ابن إسحاق وأبو عبيد وابن =

الجزء: 1 - الصفحة: 139

حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟ قال قلت: لا، بل فيما قضي عليهم ومضى.
قال: أفيكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت فزعا شديدا وقلت: إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.
فقال: سددك الله، إنما سألتك لأحزر (^١) عقلك.
إن رجلا من مزينة -أو جهينة- أتى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟ قال: "فيما قضي عليهم ومضى".
فقال الرجل: ففيم العمل؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها.
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿ونفس وما سواها (٧) فألهمها فجورها وتقواها (٨)﴾ [الشمس/ ٧، ٨] (^٢).

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة/ ٣٠].
قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها (^٣).

وقال تعالى: ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾ [الأعراف/ ٣٠]،

= حبيب يقولون: "الديلي"، كما جاء في الأصل وغيره.
انظر: تقييد المهمل (١/ ٢٤٩ - ٢٥١) وفرحة الأديب (٣٥). (^١) أي لأمتحن عقلك، وأصل الحزر: التقدير والخرص.
وفي "ط": "لأحرز"، تصحيف.
(^٢) أخرجه مسلم في كتاب القدر (٢٦٥٠). (^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٦٥) (٣٦) والطبري في تفسيره (١/ ٤٧٧)، وسنده صحيح (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 140

قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم (^١) مؤمنا وكافرا، ثم قال: ﴿هو الذي خلقكم منكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن/ ٢]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم: مؤمن وكافر (^٢).

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال/ ٢٤] قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان (^٣) وطاعة الله (^٤).

وقال ابن عباس ومالك وجماعة مني السلف في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين (١١٨) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود/ ١١٨، ١١٩] قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف (^٥).

وقال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة/ ٢٥٣]، ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة/ ١٣]، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ [يونس/ ٩٩]، ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام/ ١١٢].

وقال تعالى: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ [الأعراف/ ٣٧]، أي نصيبهم مما كتب لهم (^٦).

(^١) "ط": "خلق آدم"، وصحح في القطرية.
(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٨٢). وفيه: "مؤمنا وكافرا".
وسنده حسن.
(ز).
(^٣) "بين" لم يرد في "ك، ط".
(^٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٦٨). (^٥) انظر تفسير الطبري (١٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦). (^٦) تفسير الطبري (١٢/ ٤١٣).

الجزء: 1 - الصفحة: 141

وقال: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (٢٠٠)﴾ [الشعراء/ ٢٠٠]، قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب (^١).

وقال تعالى: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (٧)﴾ [المطففين/ ٧]، قال محمد بن كعب القرظي: رقم الله عز وجل كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رقم في ذلك الكتاب.
ورقم كتاب الأبرار، فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب (^٢).

وقال ابن عباس: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ [المسد/ ١]: بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ (^٣).

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا﴾ [يس/ ٩] قال: "عن الحق" (^٤).
وفي قوله: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ [الإسراء/ ٤٦] قال: "كالجعبة فيها السهام" (^٥).

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وأضله الله على علم﴾ [الجاثية/ ٢٣]، قال: "أضله في سابق علمه" (^٦).
وقال في قوله حكاية عن عدوه إبليس

(^١) تفسير الطبري (١٩/ ١١٥). (^٢) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٥٣٤)، وسنده حسن (ز).
(^٣) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٤٩١) بسند صحيح، ولفظه: "أول ما خلق الله القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن، فكتب فيما كتب: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ (ز).
(^٤) تفسير الطبري (٢٢/ ١٥٢). (^٥) تفسير الطبري (٢٤/ ٩١). (^٦) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥١).

الجزء: 1 - الصفحة: 142

﴿فبما أغويتني﴾ [الأعراف/ ١٦] قال: "أضللتني" (^١).

وقال في قوله: ﴿ما أنتم عليه بفاتنين (١٦٢) إلا من هو صال الجحيم (١٦٣)﴾ [الصافات/ ١٦٢، ١٦٣] قال: "من قضيت له أنه صالي الجحيم" (^٢).

وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس، وقد فصل لكم وبين لكم: ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدر له (^٣) أن يصلى الجحيم (^٤).

وقال وهيب بن خالد: حدثنا خالد قال: قلت للحسن: ألهذه خلق آدم -يعني السماء- أم للأرض؟ فقال: "لا بل للأرض".
قال: قلت: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها، أكان ترك في الجنة؟ قال: "سبحان الله كان (^٥) له بد من أن يعملها؟ " (^٦).

وقال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرن﴾ [الأنبياء/ ٧٣]، وقال: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص/ ٤١]، وقال: ﴿واجعلنا للمتقين إماما (٧٤)﴾ [الفرقان/ ٧٤]، أي أئمة يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضالين يدعون إلى النار.

(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٣٣٢). (^٢) تفسير الطبري (٢٣/ ١٠٩). (^٣) "له" ساقط من "ط".
(^٤) أخرجه الآجري في الشريعة (٢٣٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٧٣) (ز).
(^٥) "ن، ط": "أكان".
(^٦) أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠٠٦) (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 143

وقال تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام/ ٢٨].

وقال: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام/ ١١٠].

وقال: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ [الأنعام/ ١١١].

وقال زيد بن أسلم: "والله ما قالت القدرية كما قال الله عز وجل، ولا كما قال رسوله، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس.
قال الله عز وجل: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان/ ٣٠، التكوير/ ٢٩]، وقالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة/ ٣٢]، وقال شعيب: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله﴾ [الأعراف/ ٨٩]، وقال أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف/ ٤٣]، وقال أهل النار: ﴿غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمنون/ ١٠٦]، وقال أخوهم إبليس: ﴿رب بما أغويتني﴾ [الحجر/ ٣٩] " (^١).

وقال مجاهد في قوله عز وجل: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء/ ١٣] قال: "مكتوب في عنقه شقي أو سعيد" (^٢).

وقال ابن عباس في قوله: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾ [المائدة/ ٤١] "يقول: ومن يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئا" (^٣).

(^١) أخرجه اللالكائي (١٠١٢) (ز).
(^٢) نحوه في تفسير الطبري (١٥/ ٥١). (^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٣٣) (٦٣٧٠، ٦٣٧١) وسنده حسن (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 144

وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعيد (^١) عن سوار بن مصعب عن أبي حمزة عن مقسم عن ابن عباس: صعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بسط يده اليمنى فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل (^٢) أولهم على آخرهم، لا ينقص منهم ولا يزاد فيهم، فرغ ربكم.
وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل (^٣) هم هم، فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها قبل موته بفواق ناقة.
وقد يسلك بأهل الشقاء طريق السعادة حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل هم هم، فيردهم ما سبق لهم من الله، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفواق ناقة.
فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل عمل أهل النار، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة".
ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "الأعمال بخواتيمها" (^٤).

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إن الذين

(^١) "ط": "سعد" خطأ.
(^٢) "ف": "فحمل" بالحاء، وأكد ناسخها بوضع حاء صغيرة تحتها، وهو تصحيف.
وفي "ك، ط": "فجمل"، وهي قراءة محتملة.
وستأتي الكلمة مرة أخرى في ص (١٦٧). جمل الشيء: جمعه عن تفرق.
وفي رواية: "أجمل على آخرهم" أي أحصوا وجمعوا.
انظر: النهاية (١/ ٢٩٨). (^٣) سقطت "بل" من "ط".
وفي القطرية: "بلى"! (^٤) أخرجه اللالكائي (١٠١٧). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وسنده ضعيف جدا (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 145

كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦)﴾ [البقرة/ ٦]، وفي قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، وقوله (^١): ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ [الأنعام/ ١٢٥]، وفي قوله (^٢): ﴿ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ [الأنعام/ ١١١]، وقوله (^٣): ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة/ ١٣]، وقوله: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا﴾ (^٤) [يس/ ٨]، وقوله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ [الكهف/ ٢٨] ونحو هذا من القرآن: "وإن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله عز وجل أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول.
ثم قال لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (٣)﴾ [الشعراء/ ٣]، ويقول: ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (٤)﴾ [الشعراء/ ٤]، ثم قال: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾ [فاطر/ ٢].
ويقول: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران/ ١٢٨] (^٥).

وفي صحيح مسلم عن طاوس: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقولون: كل شيء بقدر.
وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول

(^١) "ك، ط": "وفي قوله".
(^٢) "ط": "وفي قوله تعالى".
(^٣) "ط": "وفي قوله".
(^٤) في الأصل وغيره: "وجعلنا"، وهو سهو.
(^٥) انظر: تفسير الطبري (١/ ٢٥٢)، والأسماء والصفات (١٠٤) للبيهقي، وليس فيها آية فاطر وآية آل عمران.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس" (^١).

وفي صحيح مسلم أيضا (^٢) عن عبد الله بن عمرو (^٣) قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^٤).

وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء (^٥) فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" (^٦).

وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئا لم يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرجه" (^٧).

وفي حديث جبريل وسؤاله للنبي (^٨) -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الإيمان قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره" (^٩).

(^١) أخرجه مسلم في كتاب القدر (٢٦٥٥). (^٢) سقط "أيضا" من "ك، ط".
(^٣) "ك، ط": "عمر"، خطأ.
(^٤) كتاب القدر (٢٦٥٣). (^٥) "ط": "ما شاء الله".
(^٦) كتاب القدر (٢٦٦٤). (^٧) كتاب النذر (١٦٤٠)، وانظر: صحيح البخاري (٦٦٩٤). (^٨) "ك، ط": "النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-".
(^٩) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٨) من حديث عمر رضي الله عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق، وفيه: "فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار.
وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها" (^١).

ذكر (^٢) الطبري عن الحسن بن علي الطوسي، حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري محدث البصرة قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في النوم فقلت: يا رسول الله، حديث عبد الله بن مسعود حدثني الصادق المصدوق -أعني حديث القدر- فقال: "إي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به، رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله زيد بن وهب حيث حدث به، ورحم الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من يحدث به بعد الأعمش" (^٣).

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره" (^٤).

وقد روي حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأم من حديث عبد الله بن مسعود (^٥)، وأنس بن مالك (^٦)، وعبد الله بن

(^١) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٤) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٣). (^٢) "ن، ط": "وذكر".
(^٣) انظر اللالكائي (١٠٤٣). (^٤) كتاب القدر (٢٦٤٥). (^٥) انظر التعليق السابق.
(^٦) البخاري (٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 148

عمر (^١)، وعائشة أم المؤمنين (^٢)، وحذيفة بن أسيد (^٣)، وأبي هريرة (^٤).

وقال أبو الحسن علي بن عبيد (^٥) الحافظ: سمعت أبا عبد الله بن أبي خيثمة يقول: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول: انحدرت من سر من رأى إلى بغداد في حاجة لي، فبينما أنا أمشي في بعض الطريق إذا بجمجمة قد نخرت فأخذتها، فإذا على الجبهة مكتوب: "شقي"، والياء مكسورة إلى خلف! (^٦) وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ، ذكره الطبري في "السنة".

وفي الصحيحين حديث علي عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى (٥) وصدق بالحسنى (٦) فسنيسره لليسرى (٧) وأما من بخل واستغنى (٨) وكذب بالحسنى (٩) فسنيسره للعسرى (١٠)﴾ [الليل/ ٥ - ١٠] (^٧).

(^١) عند ابن وهب في القدر (٣٠) وغيره.
وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصواب أنه موقوف كما في القدر للفريابي (١٣٨، ١٣٩) والسنة لابن أبي عاصم (١٨٨، ١٩٠) (ز).
(^٢) عند اللالكائي (١٠٥٣)، والآجري فى الشريعة (٣٦٥)، وهو حديث منكر (ز).
(^٣) في صحيح مسلم (٢٦٤٤). (^٤) عند اللالكائي (١٠٥٥، ١٠٥٦) وغيره، وسنده صحيح (ز).
(^٥) "علي" ساقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
(^٦) اللالكائي (١٠٦١) (ز).
(^٧) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز وغيره (١٣٦٢، ٤٩٤٥ - ٤٩٤٨)، ومسلم في =

الجزء: 1 - الصفحة: 149

وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سئل: أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم"، قيل له (^١): ففيم يعمل العاملون؟ قال: "نعم، كل ميسر لما خلق له" (^٢).

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: دعي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك السوء ولم يعمله.
قال: "أو غير ذلك، إن الله تعالى خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم.
وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^٣).

وفي الصحيحين (^٤) عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا".

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره".
وفي لفظ: "فجعلهم في ظلمة واحدة، فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة، فمن أصابه النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول:

= القدر (٢٦٤٧). (^١) "له" ساقط من "ك، ط".
(^٢) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٦)، ومسلم في القدر (٢٦٤٩). (^٣) كتاب القدر (٢٦٦٢). (^٤) كذا عزاه المصنف إلى الصحيحين هنا، وفي تهذيب السنن (١٢/ ٣٢٠)، وشفاء العليل (٥٠)، ولكن لم يرد هذا اللفظ إلا في صحيح مسلم في كتاب القدر (٢٦٦١).

الجزء: 1 - الصفحة: 150

جف القلم على علم الله" (^١).

وذكر راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة (^٢) السلمي سمع (^٣) النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "خلق الله آدم وأخرج الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي" قال: قيل علام (^٤) نعمل؟ قال: على مواقع القدر" (^٥).

وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبد الله بن مسعود أنه مر على رجل

(^١) أخرجه أحمد (٦٦٤٤)، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن حبان (٦١٦٩، ٦١٧٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه ابن حبان (ز).
(^٢) "أبي قتادة": كذا وقع في الأصل وغيره، وكذا نقله المصنف في إسناد آخر "عن إسحاق بن راهويه، أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة البصري عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام.
. . ". الروح (٣٧٩)، أحكام أهل الذمة (٥٤٧)، شفاء العليل (٣١) (وليس فيه "البصري").
ثم قال في أحكام أهل الذمة (٥٥٩): "وأبو قتادة البصري، وهو مجهول".
قلت: لم أجد من سمى أبا عبد الرحمن: "أبا قتادة" سواء في هذا السند أو السند السابق.
فالصحابي المعروف: عبد الرحمن بن قتادة السلمي، كما في طبقات ابن سعد (٧/ ٤١٧)، والإصابة (٤/ ٣٥٢) وغيرهما.
أما "البصري" فهو في مطبوعتي الروح وأحكام أهل الذمة تصحيف "النصري".
وانظر الكلام على نسب الصحابي واضطراب هذا السند في تفسير الطبري (١٣/ ٢٤٦ - ٢٤٨) (حاشية المحقق).
(^٣) "ط": "راشد بن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي أن أبا قتادة سمع"! (^٤) رسمها في الأصل وغيره: "على ما".
وفي المسند: "على ماذا".
(^٥) أخرجه أحمد (١٧٦٦٠)، وابن حبان (٣٣٨)، والحاكم (١/ ٣١)، وصححاه.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٨٦): "ورجاله ثقات".
وقد وقع فيه اختلاف كثير، راجع القدر للفريابي (٢٢ - ٢٦) (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 151

فقالوا: هذا هذا.
. ونالوا منه.
فقال عبد الله: أرأيتم لو قطعتم يده، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدا؟ قالوا: لا، قال: فلو قطعتم رجله، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلا؟ قالوا: لا (^١)، قال: فلو قطع رأسه، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا؟ قالوا: لا.
قال: فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خلقه.
إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله إليه (^٢) ملكا، فيكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقي أو سعيد (^٣).

وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعا: "إنما هما اثنتان: الهدي والكلام.
فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد.
وشر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وإن كل ما هو آت قريب.
وإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره" (^٤).

وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن هنيدة (^٥) حدثه أن عبد الله بن عمر (^٦) قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا أراد

(^١) "قال: فلو قطعتم رجله.
. . " إلى هنا ساقط من "ط".
(^٢) "إليه" ساقط من "ط".
(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٨٨٤)، والفريابي في القدر (١٣٠)، والبيهقي في القضاء والقدر (٤٧٩) بنحوه.
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٦) "ورجاله ثقات" (ز).
(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٦) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا.
وسنده ضعيف، لضعف عبيد بن ميمون، فقد جهله أبو حاتم الرازي كما في تهذيب الكمال (١٩/ ٢٣٧) (ز).
(^٥) في حاشية الأصل: "نسخة: بن أبي هنيدة"، وانظر: تهذيب التهذيب (٦/ ٢٩١). (^٦) في الأصل وغيره: "عمرو"، هو سهو.

الجزء: 1 - الصفحة: 152

الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معرضا (^١): يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره.
ثم يقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره.
ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها" (^٢).

وقال الليث عن عقيل (^٣) عن ابن شهاب: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال، فذكره سواء.
قال الزهري: وحدثني عبد الرحمن بن أذينة (^٤) عن ابن عمر مثل ذلك.

وذكر أبو داود أيضا عن عائشة ترفعه: "إن الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل على الرحم فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام، أو جارية، أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم، فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي، أو سعيد.
فيقول: أي رب، ما أجله؟ فيقول كذا وكذا، فيقول: أي رب، ما خلقه؟ فيقول كذا وكذا.
قال: [فيقول] (^٥): يا رب، ما خلائقه؟ فيقول كذا وكذا.
قال: "فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم" (^٦).

(^١) ضبط في الأصل بتشديد الراء، وفي "ف" بتخفيفها، وفي "ك": "تعرضا"، و"ط": "تعرفا".
(^٢) القدر لابن وهب (٣٠)، وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٠٦٦)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠٥١) من حديث ابن عمر موقوفا.
وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح الموقوف كما تقدم في ص (١٤٧) (ز).
(^٣) "ن": "وقال أحمد بن عقيل"، تحريف.
(^٤) قال ابن حجر: "صوابه: ابن هنيدة، قاله جماعة عن الزهري، وتفرد به هارون بن محمد عن الليث عن عقيل عنه بقوله: ابن أذينة".
تهذيب التهذيب (٦/ ١٣٥). (^٥) ما بين الحاصرتين من "ك، ط".
(^٦) أخرجه اللالكائي (١٠٥٣)، وهو حديث منكر كما تقدم في ص (١٤٩). =

الجزء: 1 - الصفحة: 153

وذكر ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي ذر أن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب تعالى في راحته فيقول: يا رب، عبدك ذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض.
أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق بين عينيه.
قال أبو تميم: وزاد (^١) أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات (^٢).

وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن كعب بن علقمة، عن عيسى ابن هلال، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين يوما جاءها ملك، فاختلجها (^٣)، ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل فقال: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره، ثم تدفع (^٤) إلى الملك، فيسأل الملك عن ذلك، فيقول: يا رب، سقط أم تم؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب، واحد أو توأم؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيبين له، فيقول: يا رب، أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له (^٥)، ثم يقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب، اقطع رزقه مع خلقه، فيهبط بهما جميعا.
فوالذي

= انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ٢٢٧) (ز).
(^١) "ط": "وقرأ".
(^٢) أخرجه ابن وهب في القدر (٣٦) من حديث أبي ذر مرفوعا، والفريابي في القدر موقوفا.
والحديث مداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف، وهذا الاضطراب منه.
راجع الفوائد المجموعة للشوكاني مع تعليق المعلمي (٤٥١) (ز).
(^٣) يعني: انتزعها.
(^٤) هذه قراءة "ن"، وكذا في القدر لابن وهب.
وفي "ف" وغيرها: "يدفع".
(^٥) "ك، ط": "له ذلك".

الجزء: 1 - الصفحة: 154

نفسي بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قسم له، فإذا أكل رزقه قبض" (^١).

وفي صحيح مسلم (^٢): عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص".

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك -ورفع الحديث- قال: "إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة.
فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك: أي رب، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه" (^٣).

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (^٤).

ففي (^٥) حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور

(^١) أخرجه ابن وهب في القدر (٤٥)، والفريابي في القدر (١٤٥). وحسنه الحافظ في الفتح (١١/ ٤٧٩). قلت: فيه ابن لهيعة ضعيف الحديث.
وعيسى بن هلال مجهول (ز).
(^٢) كتاب القدر (٢٦٤٤). (^٣) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٥) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٦). (^٤) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٤)، وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٣). (^٥) "ك، ط": "وفي".

الجزء: 1 - الصفحة: 155

الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه، وفي الأحاديث التي ذكرت (^١) آنفا أن ذلك في الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة، وفي رواية صحيحة (^٢): "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها" (^٣)، وفي رواية (^٤): أن ذلك يكون في بضع وأربعين ليلة (^٥).

فصل

الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة لحال (^٦) النطفة، وأنه يقول: يارب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها.
فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى، وهو أعلم بها منه (^٧).

ولكلام الملك وتصرفه أوقات: أحدها حين يخلقها (^٨) الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد، لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني.
ولهذا -والله أعلم- وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله ﴿اقرأ

(^١) "ك، ط": "ذكرت أيضا".
(^٢) "ن": "وفي حديث صحيح".
(^٣) أخرجه مسلم في القدر (٢٦٤٥) من حديث حذيفة بن أسيد.
(^٤) في صحيح مسلم أيضا.
انظر الموضع السابق.
(^٥) زاد في "ك، ط": "والله أعلم".
(^٦) "ك، ط": "بحال".
(^٧) "منه" ساقط من "ك، ط".
(^٨) "ك، ط": "بكلام الملك، فتصرفه في أوقات.
. ". "ف": "بكلام الملك، فيصرفه أوقات أخذها حتى يخلقها".
والصواب ما أثبتنا من الأصل.
وكذا في "ن" إلا أن فيها: "حين يجعلها"، وهو تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 156

باسم ربك الذي خلق (١) خلق الإنسان من علق (٢)﴾ [العلق/ ١ - ٢] إذ خلقه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته.

ثم للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته.
وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه، لأن (^١) نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره.

فههنا تقديران وكتابتان (^٢):

التقدير الأول عند ابتداء تعلق (^٣) التخليق في النطفة، وهو إذا مضى عليها أربعون، ودخلت في طور العلقة، ولهذا في إحدى الروايات: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة".

والتقدير الثاني والكتابة الثانية إذا (^٤) كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى.

فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره.

ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه في تلك السنة، وهو ما يقدر ليلة القدر من العام إلى العام.
فهذا التقدير أخص من التقدير

(^١) "ك، ط": "فيها فإن".
(^٢) "ط": "كتابان".
(^٣) "ك، ط": "تعليق".
(^٤) "ك، ط": "الثاني الكتابة إذا".

الجزء: 1 - الصفحة: 157

الثاني، والثاني أخص من الأول.

ونظير هذا أيضا أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدر مقادير هذا الخلق حين خلقه وأوجده (^١)، ثم يقدر كل سنة في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام.

وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم، وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدم ذلك (^٢) تقدير شأنها قبل خلق السموات والأرض، فهو تقدير بعد تقدير.

ونظير هذا أيضا رفع الأعمال وعرضها على الله، فإن عمل العام يرفع في شعبان، كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: "فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (^٣).
ويعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- (^٤).
ويعرض عمل اليوم في آخره والليلة في آخرها، كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري (^٥) عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض

(^١) "ك، ط": "خلقهم وأوجدهم".
(^٢) "ط": "تقدم ذكر تقدير"، خطأ.
(^٣) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧) واللفظ له، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وسنده حسن (ز).
(^٤) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣، ٢١٧٨١)، وأبو داود (٢٤٣٦)، والنسائي في الكبرى (٢٧٨١، ٢٧٨٢) من حديث أسامة بن زيد، وسنده لا بأس به.
وله طريق آخر عن أسامة عند ابن خزيمة (٢١١٩) (ز).
(^٥) وكذا في روضة المحبين (٥٦٥). وفي تهذيب السنن (١٣/ ٢٤) عزاه إلى الصحيحين، وهو سهو.
فإنما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (١٧٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 158

القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل".

فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الاثنين والخميس، والعرض فيهما (^١) أخص من العرض في شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله، وعرض على الله، وطويت الصحف، وهذا عرض آخر.

وهذه المسائل العظيمة القدر هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر، فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة وهادي الأمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.

فإن قيل: فما (^٢) تقولون في قوله: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها (^٣) وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك".
وهذه بعض ألفاظ مسلم في الحديث.
وهذا يوافق الرواية الأخرى "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة (^٤) وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد (^٥)؟ "، ويوافق الرواية الأخرى: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك".
وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى.

(^١) "ط": "فيها"، خطأ.
(^٢) "ك، ط": "ما".
(^٣) "ف": "ومخها"، خلاف الأصل.
(^٤) كذا في الأصل وغيره، وفي "ط": "خمس".
(^٥) "ط": "أو سعيد".

الجزء: 1 - الصفحة: 159

قيل: لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأولى، هذا أمر معلوم بالضرورة، فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة، وسمى المضغة فيها نطفة اعتبارا بأول أحوالها وما كانت عليه.
أو يكون المراد بها الأربعين الأولى، وسمى كتابة تصويرها وتخليقها (^١) وتقديره تخليقا اعتبارا بما يؤول؛ فيكون قوله "صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدر ذلك وكتبه وأعلم به، ثم يفعله (^٢) بعد الأربعين الثالثة.

أو يكون المراد به (^٣) الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر.
فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينئذ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس.
ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد.

فأحد التقديرات الثلاثة متعين (^٤)، ولا بد؛ ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم.
وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدرة (^٥)، والله أعلم بمراد رسوله.
غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم

(^١) "ط": "تصويره وتقديره"، وفيه سقط وتحريف.
(^٢) "ك، ط": "يفعله به".
"ن": "ثم يكون ذلك".
(^٣) "ط": "به أي الأربعين".
"ك": "به أي بالأربعين المراد به الأربعين الأولى حقيقة".
(^٤) "ط": "يتعين".
(^٥) "ك، ط": "القدر".

الجزء: 1 - الصفحة: 160

واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة.
والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاق، عند أول تخليقه.

ويحتمل وجها رابعا وهو أن النطفة في الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتنى بشأنها (^١)، فإذا جاوزتها وقعت في أطوار التخليق طورا بعد طور، ووقع حينئذ التقدير والكتابة.
فحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أسيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين، ولم يوقت فيها البعدية (^٢) بل أطلقها، وقد قيدها ووقتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب.
فأخبر بما يكون للنطفة (^٣) بعد الطور الأول من تفاصيل شأنها وتخليقها، وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة، وكله بعد الأربعين الأولى، وبعضه متقدم على بعض؛ كما أن كونها علقة متقدم (^٤) على كونها مضغة، وكونها مضغة متقدم (^٥) على تصويرها، والتصوير متقدم على نفخ الروح، ومع (^٦) ذلك فيصح أن يقال: إن النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة، ويصور خلقها، وتركب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها الروح، ويكتب شقاوتها وسعادتها.
وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل.

(^١) قراءة "ف": "ولا يعتبر شأنها".
(^٢) "ف": "التعدية" تصحيف.
(^٣) "ف، ط": "تكون النطفة"، "ك": "يكون بالنطفة".
(^٤) "ف، ك، ط": "يتقدم"، والصواب ما أثبتنا، وهي قراءة "ن".
(^٥) "وكونها مضغة" ساقط من "ن، ك".
وفي "ن" هنا: "يتقدم".
(^٦) سقطت الواو من "ك، ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وهذا وجه حسن جدا (^١).

والمقصود: أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار الدنيا، فأسكنه الجنة والنار وهو في بطن أمه.

[أحاديث أخرى في إثبات القدر]

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة" الحديث (^٢).

وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر، وتحضه عليه.
والمعصوم من عصم (^٣) الله" (^٤).

وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم أنه قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: "يا عدي أسلم تسلم، قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها" (^٥).

(^١) وانظر: شفاء العليل (٤٦)، والتبيان (٢١٩). (^٢) أخرجه البخاري في القدر (٦٦١٢) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٥٧). (^٣) "ط": "عصمه".
(^٤) أخرجه البخاري في الأحكام (٧١٩٨). (^٥) أخرجه ابن ماجه (٨٧)، وهو حديث ضعيف جدا، ضعفه البوصيري لاتفاقهم على ضعف عبد الأعلى بن أبي المساور الزهري، كذبه ابن معين، وكذلك في سنده يحيى بن عيسى الجرار، ضعيف.
(ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 162

وفي صحيح البخاري من حديث الحسن عن (^١) عمرو بن تغلب قال: أتى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مال، فأعطى قوما ومنع آخرين، فبلغه أنهم عتبوا، فقال: "إني أعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي.
أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى (^٢) والخير" الحديث (^٣).

وفي الصحيحين (^٤) من حديث عمران بن حصين عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "كان الله، ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق (^٥) السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء".

وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة".
قال: يا رسول الله خلقين تخلقت بهما، أم جبلت عليهما؟ قال: "بل جبلت عليهما".
قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله (^٦).

وقال أبو هريرة: قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "جف القلم بما أنت لاق".
رواه البخاري تعليقا (^٧).

(^١) "الحسن عن" ساقط من "ط".
(^٢) "ك، ط": "القناعة".
(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة (٩٢٣) وغيره.
(^٤) وكذا في تهذيب السنن (١٢/ ٣١٥)، وهو سهو.
وإنما أخرجه البخاري في بدء الخلق (٣١٩١). (^٥) "ط": "وخلق".
وهو لفظ الحديث في الصحيح.
(^٦) أخرجه مسلم في الإيمان (١٧). (^٧) في النكاح (٥٠٧٦)، وانظر: كتاب القدر، باب جف القلم على الله.
وقد وصله الإسماعيلي في المستخرج، والفريابي في القدر (٤٣٧)، وابن وهب في =

الجزء: 1 - الصفحة: 163

وذكر البخاري أيضا (^١) عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (٦١)﴾ [المؤمنون/ ٦١] قال: سبقت لهم السعادة.

وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت: "أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته (^٢) خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار".
وقاله زيد بن ثابت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- (^٣).

وفي سنن أبي داود عن أبي حفص الشامي قال: قال عبادة بن الصامت: يا بني إنك لن تجد (^٤) طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال:

= القدر (١٦)، والجوزقي في الجمع بين الصحيحين، كما في تغليق التعليق (٤/ ٣٩٦) والتعليق عليه، وسنده صحيح.
(ز).
(^١) في كتاب القدر، باب جف القلم على علم الله.
(^٢) "ط": "رحمته لهم".
(^٣) أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وأحمد (٢١٥٨٩)، وابن حبان (٧٢٧) من حديث زيد بن ثابت.
وظاهر سنده حسن، ولكن وقع فيه اختلاف، وأنه موقوف على أبي بن كعب.
انظر: القدر للفريابي (١٥٠)، والقضاء والقدر للبيهقي (١٩٩، ٤٨٢، ٤٨٣). (ز).
(^٤) "ك، ط": "لم تجد".

الجزء: 1 - الصفحة: 164

رب (^١) وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة".
يا بني، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" (^٢).

وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة فيها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فجلس ومعه مخصرة، فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: "ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من النار أو الجنة (^٣)، إلا قد كتبت: شقية أو سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا نبي الله أو لا نمكث (^٤) على كتابنا، وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقوة (^٥) ليكونن إلى الشقاوة؟ قال: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة".
ثم قرأ نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ﴿فأما من أعطى واتقى (٥) وصدق بالحسنى (٦) فسنيسره لليسرى (٧) وأما من بخل واستغنى (٨) وكذب بالحسنى (٩) فسنيسره للعسرى (١٠)﴾ [الليل/ ٥ - ١٠] (^٦).

وفي السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم

(^١) "ك، ط": "يا رب".
(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، وفي سنده جهالة، وقد وقع فيه اختلاف، وروي من غير وجه عن عبادة، وفيها نظر.
انظر: القدر للفريابي (٣١ - ٣٣). (ز).
(^٣) "ك، ط": "في النار أو في الجنة".
(^٤) "ط": "نتكل".
(^٥) "ط": "الشقاوة".
(^٦) تقدم تخريجه في ص (١٤٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 165

ذريتهم﴾ [الأعراف/ ١٧٢] (^١)، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- سئل (^٢) عنها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "خلق آدم (^٣)، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون.
ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون".
قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة.
وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار" (^٤).

وفي الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب".
قال الترمذي: حديث حسن

(^١) وردت الآية في الأصل والنسخ الأخرى على قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو: "ذرياتهم".
انظر: الإقناع (٢/ ٦٥١). (^٢) كذا في الأصل و"ن".
وفي "ف" وغيرها: "قد سئل".
(^٣) "ك، ط": "خلق الله آدم".
(^٤) قول المصنف: "في السنن الأربعة" سهو، فإن الحديث أخرجه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (١١٩٠)، قال الترمذي: "هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٦): "وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من وجوه كثيرة ثابتة.
. . " (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 166

صحيح (^١).

وذكر الطبري من حديث مالك بن عبد أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال لابن مسعود: "لا تكثر (^٢) همك، ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك" (^٣).

وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "بعثت داعيا ومبلغا، وليس إلي من الهدى شيء، وخلق إبليس مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء" (^٤).

وقال ابن وهب: أخبرنا عبد الرحمن بن سلمان (^٥)، عن عقيل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فسمع ناسا من أصحابه يذكرون (^٦) فقال: "إنكم قد أخذتم في شعبتين بعيدتي الغور (^٧)، فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكم".
ولقد أخرج يوما كتابا، فقال: "هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل (^٨) على آخرهم لا ينقص منهم أحد: فريق

(^١) الترمذي (٢٩٥٥)، وأخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، وابن حبان (٦١٦٠) وغيرهما.
(^٢) "ط": "لا يكثر".
(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨٠٦)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠٨٠). والحديث فيه إرسال مع الاختلاف في أسانيده، وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٦٢٦٤) (ز).
(^٤) أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٧١ - ٤٧٢)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٨١)، وهو حديث ضعيف كما في تنزيه الشريعة (١/ ٣١٥) لابن عراق.
(ز).
(^٥) "ف، ك، ط": "سليمان" تحريف.
(^٦) زاد في "ط": "القدر".
(^٧) "ف": "شعبين بعيدي الغور".
(^٨) "ف، ك": "فجمل".
وفي "ط" بالحاء، تصحيف.
وانظر ما سلف في =

الجزء: 1 - الصفحة: 167

في الجنة وفريق في السعير" (^١).

وفي الترمذي عن ابن عباس قال: ردفت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يوما فقال: يا غلام، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك.
تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.
رفعت الأقلام، وجفت الصحف.
لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو جهدت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" (^٢).

وفي بعض روايات الحديث في غير الترمذي: "فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئا لم يعطه الله لم يقدروا عليه، ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قدره الله لك وكتبه لك (^٣) ما استطاعوا، فاعبد الله بالصبر مع اليقين" (^٤).

= ص (١٤٥). (^١) تقدم من طريق آخر في ص (١٤٥). (^٢) تقدم في ص (١٣٢). (^٣) "وكتبه لك" ساقط من "ط".
(^٤) "ك، ط": "مع الصبر على اليقين".
والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٢٣١) (١١٢٤٣)، والحاكم (٣/ ٦٢٤) (٦٣٠٤) من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس.
وقد ضعفه الذهبي من هذا الطريق فقال: "عيسى -يعني ابن محمد القرشي- ليس بمعتمد".
وتقدم الحديث من طريق حنش عن ابن عباس، وهو أصح الطرق عن ابن عباس كما قاله ابن منده وغيره.
انظر: جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦١) (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 168

وقال علي بن الجعد: حدثنا (^١) عبد الواحد بن سليم (^٢) البصري، عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت (^٣) ابن (^٤) عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: جعل يقول: "يا بني اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
قلت: يا أبت كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: "تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فإن مت على غير هذا دخلت النار.
سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد" (^٥).

وذكر الطبري من حديث بقية حدثنا (^٦) أبو بكر العنسي (^٧) عن يزيد بن أبي حبيب (^٨) ومحمد بن يزيد قالا: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تزال نفسك في كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التي أكلتها، قال: "ما أصابني من (^٩) شيء منها إلا وهو

(^١) "ط": "أنبأنا".
(^٢) "بن سليم" لم يرد في "ك، ط".
(^٣) "سألت" سقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
(^٤) سقطت كلمة "ابن" من "ط"، فزاد بين حاصرتين: "الوليد بن".
(^٥) أخرجه علي بن الجعد في مسنده (٣٤٤٤)، وفيه عبد الواحد بن سليم، ضعيف، وقد تقدم الحديث في ص (١٦٤) من طريق آخر.
(^٦) "ط": "أنبأنا".
(^٧) "ن، ط": "العبسي"، تصحيف.
انظر: تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٤). (^٨) "ك، ط": "زيد بن أم حبيب"، تحريف.
انظر: تهذيب التهذيب (١١/ ٣١٨). (^٩) "من" ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 169

مكتوب على، وآدم في طينته" (^١).

وفي صحيح مسلم (^٢) من حديث ابن عباس في خطبة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله".

وفي صحيحه (^٣) أيضا عن زيد بن أرقم: كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها".

وفي صحيحه (^٤) أيضا عن علي عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في دعاء الاستفتاح: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيىء الأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت".

وفي الترمذي والمسند من حديث عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- علم أباه هذا الدعاء: "اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي" (^٥).

(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٥٤٦)، والفريابي في القدر (٤١٨). قال البوصيري: هذا إسناد فيه أبو بكر العنسي وهو ضعيف.
مصباح الزجاجة (٣/ ١٤٢) (ز).
(^٢) كتاب الجمعة (٨٦٨). (^٣) كتاب الذكر والدعاء (٢٧٢٢). (^٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١). (^٥) أخرجه أحمد (١٩٩٩٢) والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣)، والترمذي (٣٤٨٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٩٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٦٥)، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب".
وفي سنده شبيب بن شيبة، وهو ضعيف، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (٦٩٠). (ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 170

وروى سفيان الثوري عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن الخطاب بالجابية (^١) خطيبا فقال في خطبته: "من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له" وعنده الجاثليق (^٢) يسمع ما يقول، قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر، فقال عمر: ما يقول؟ (^٣) قالوا: يا أمير المؤمنين، يزعم أن الله لا يضل أحدا، قال: "كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله.
أما والله، لولا ولث عهد (^٤) لك لضربت عنقك، إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل النار وما هم عاملون، قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه" (^٥).

وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال: "خلق الله الخلق فكانوا في قبضته، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي، فذهبت إلى يوم القيامة" (^٦).

وقال ابن عمر: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنى بقدر الله؟ فقال: نعم.
قال: فإن الله قدره على ثم يعذبني؟ قال: "نعم يا ابن اللخناء، أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ

(^١) "الجابية" ساقط من "ك، ط".
(^٢) رئيس الأساقفة عند النصارى.
انظر: القول الأصيل (٧٤). (^٣) "ط": "تقولون".
(^٤) "ولث" ساقط من "طـ". والولث: بقية العهد، وقيل: الضعيف من العهد.
اللسان (ولث).
(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٢٩)، والآجري في الشريعة (٤١٧)، واللالكائي (١١٩٧) وغيرهم (ز).
(^٦) أخرجه الآجري في الشريعة (٤١٥)، واللالكائي (١٢٠٤)، وفي سنده انقطاع.

الجزء: 1 - الصفحة: 171

أنفك" (^١).

وذكر عن علي رضي الله عنه أنه ذكر عنده القدر يوما، فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى في فيه، فرقم بهما باطن يده، فقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب (^٢).

وذكر عنه أيضا أنه قال: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن (^٣) ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله" (^٤).

وذكر البخاري (^٥) عن ابن مسعود أنه قال في خطبته: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره".

وقال ابن مسعود: "لأن أعض على جمر (^٦) أو أقبض (^٧) عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن" (^٨).

(^١) أخرجه اللالكائي (١٢٠٥)، وسنده ضعيف، وفيه اختلاف.
انظر: اللالكائي (١٢٩٣). (^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٥٥)، واللالكائي (١٢١٣) وغيرهما، وفي سنده ضعف (ز).
(^٣) "أن" ساقطة من "ك، ط".
(^٤) أخرجه اللالكائي (١٢١٤)، وفي سنده انقطاع، ميسرة لم يدرك عليا، قاله الإمام أحمد، جامع التحصيل (٨١٦). (ز).
(^٥) كذا قال هنا، والصواب أنه في صحيح مسلم (٢٦٤٥)، كما ذكر المصنف في ص (١٤٨). (^٦) "ن، ط": "جمرة".
(^٧) "ك، ط": "أو أن أقبض".
(^٨) أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٧١)، واللالكائي (١٢١٧) من طريقين عن ابن =

الجزء: 1 - الصفحة: 172

وقال: "لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث من بعد الموت" (^١).

وقال الأعمش، عن خيثمة (^٢)، عن ابن مسعود: "إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة، حتى يتيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار.
قال: فيصرفه الله عنه.
قال: فيقول: من أين دهيت؟ أو نحو هذا، وما هو إلا فضل الله عز وجل" (^٣).

وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا، أغمي عليه فأفاق (^٤) فقال: أغمي علي؟ قالوا: نعم، قال: إنه أتاني رجلان غليظان، فأخذا بيدي، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين.
فانطلقا بي، فتلقاهما رجل، فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين.
فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه (^٥).

وقال ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أشهد لسمعت ابن

= مسعود رضي الله عنه (ز).
(^١) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٠٨١)، والفريابي في القدر (١٩٥، ١٩٦) وغيرهما.
وهو لا يثبت، فيه الحارث الأعور.
متهم بالكذب، وقد اختلف عليه.
(ز).
(^٢) عن "خيثمة" ساقط من "ك، ط".
(^٣) أخرجه اللالكائي (١٢١٩)، وفي سنده انقطاع.
(^٤) "ك، طـ": "وأفاق".
(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٦٥)، والآجري (٤٣٦)، واللالكائي (١٢٢٠) وغيرهم، والأثر صحيح.
(ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 173

عباس يقول: "العجز والكيس بقدر" (^١).

وقال مجاهد: قيل لابن عباس: إن ناسا يقولون في القدر.
قال: "يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنضونه (^٢).
إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق القلم، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" (^٣).

وقال ابن عباس أيضا: "القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا (^٤) للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها" (^٥).

وقال عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: "يا ابن عباس (^٦)، أرأيت من صدني عن الهدى، وأوردني دار الضلالة والردى (^٧)، ألا تراه قد ظلمني؟ فقال: "إن كان الهدى شيئا كان لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلم

(^١) تقدم تخريجه في ص (١٤٧). (^٢) وردت هذه الجملة في "ط" محرفة، وقال في الحاشية: "بياض في الأصل، وفي الجملة تحريف،، ولا بياض في أصولنا.
وقوله "لأنضونه" أي: لأنزعنه وأخلعنه.
(^٣) أخرجه اللالكائي (١٢٢٣). (ز).
(^٤) "ط": "نقصا" بالصاد المهملة.
(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٢٥)، والآجري (٤٥٦)، واللالكائي (١٢٢٤)، وفي سنده ضعف (ز).
(^٦) في الأصل: "يا با عباس" سهو، وكذا في "ف".
(^٧) "ط": "الضلالة واردا" تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 174

يظلمك (^١).
قم، لا تجالسني (^٢) " (^٣).

وقال عكرمة عن ابن عباس: "كان الهدهد يدل سليمان على الماء".
فقلت له: وكيف ذاك والهدهد (^٤) ينصب له الفخ عليه التراب؟ فقال: "أعضك الله بهن أبيك، إذا جاء القضاء ذهب البصر" (^٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا (^٦) إسماعيل، أنبأنا أبو هارون (^٧) الغنوي، حدثنا (^٨) أبو سليمان (^٩) الأزدي، عن أبي يحيى مولى بني عفراء (^١٠) قال: أتيت ابن عباس، ومعي رجلان من الذين يذكرون القدر، أو ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس، ما تقول في القدر؟ فإن هؤلاء يسألونك عن القدر، إن زنى وإن سرق (^١١) وإن شرب، قال (^١٢): فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه وقال: "يا أبا يحيى (^١٣) لعلك من الذين ينكرون

(^١) "ط": "فلا يظلمك".
(^٢) "ك، ط": "فلا تجالسني".
(^٣) أخرجه اللالكائي (١٢٢٧). (ز).
(^٤) "ك، ط": "فكيف ذاك؟ الهدهد".
(^٥) أخرجه اللالكائي (١٢٢٨) وسنده صحيح (ز).
(^٦) "ط": "أنبأنا".
(^٧) "ن": "أبو إبراهيم"، خطأ.
(^٨) "ط": "أنبأنا".
(^٩) سقط "أبو" من "ط".
(^١٠) في الأصل: "غفراء" بالمعجمة، ولعله سهو، وكذا في "ف".
(^١١) "ك، ط": "وإن شرب وان سرق".
(^١٢) "قال" ساقط من "ك، ط".
(^١٣) "ك، ط": "يايحي".

الجزء: 1 - الصفحة: 175

القدر (^١) ويكذبون به.
والله لو أعلم أنك منهم أو (^٢) هذين معك لجاهدكم.
إن زنى فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر" (^٣).

وصح عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر قال له: إن ناسا يقولون: لا قدر، وإن الأمر أنف (^٤).
فقال: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء (^٥)، وأنهم برآء منه" (^٦).

وقد تقدم قول أبي بن كعب، وحذيفة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: "لو أنفقت مثل أحد (^٧) ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن (^٨) ما أخطاك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار" (^٩).

وتقدم قول عبادة بن الصامت: "لن تؤمن حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك" (^١٠).

(^١) "القدر" سقط من "ك"، وزيد في "ط" بين حاصرتين.
(^٢) "ط": "وهذين".
(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٣٧)، واللالكائي (١٢٣٠). (ز).
(^٤) أي مستأنف، من غير أن يكون سبق به قضاء.
النهاية (١/ ٧). (^٥) "ك، ط": "بريء منهم".
(^٦) أخرجه مسلم في الإيمان (٨). (^٧) "ط": "مثل جبل أحد".
(^٨) "أن" ساقطة من "ط".
(^٩) انظر: ص (١٦٤). (^١٠) انظر: ص (١٦٤، ١٦٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 176

وقال قتادة، عن أبي السوار، عن الحسن بن علي قال: "قضي القضاء، وجف القلم، وأمور تقضى (^١) في كتاب قد خلا" (^٢).

وقال عمرو بن العاص: "انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه.
ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها.
ويكون في دابته الضغن (^٣) فيقومها جهده، ويكون في نفسه الضغن فلا يقومها" (^٤).

وقال أبو الدرداء: "ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب" (^٥).

وقال الحجاج الأزدي: سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر؟ فقال: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك" (^٦).

وقال سلمان أيضا: "إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو

(^١) "ن، ك، ط": "بقضاء"، تصحيف.
(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٨٧٥، ٨٨١)، واللالكائي (١٢٣٤) (ز).
(^٣) رسمها في الأصل بالظاء (انظر ما سبق في رسم "أضالع" في ١٣١) والغين مع إهمالهما، فتقرأ: "الطعن"، كما في "ف، ن".
وكذا في "ط" وفسرت فيها بالوثوب والاندفاع.
وفي كتاب اللالكائي: "الصعر".
والصواب ما أثبتنا.
و"الضغن" في الدابة أن تكون عسرة الانقياد.
قاله الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٤٨٢). وانظر: الفائق (٢/ ٣٤٢). والنهاية (٣/ ٩٢). (^٤) أخرجه اللالكائي (١٢٣٥)، والبيهقي في القضاء والقدر (٥٠١). (ز).
(^٥) أخرجه اللالكائي (١٢٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٦). (ز).
(^٦) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٠٨٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٩٢٣)، وسنده لا بأس به.
(ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 177

ذارئ (^١) إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال (^٢) والشقوة (^٣) والسعادة.
فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر (^٤) ومجالس الشر" (^٥).

وقال جابر بن عبد الله: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره (^٦)، ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" (^٧).

وقال هشام (^٨) عن أبيه عن عائشة: "إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار" (^٩).

والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة.

فصل

فالجواب (^١٠) أن ههنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك، زلت فيه أقدام، فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء.

(^١) "ك، ط": "منه ذراري إلى".
(^٢) "ك، ط": "وكتب الآجال والأعمال والأرزاق".
(^٣) "ط": "الشقاوة".
(^٤) "ك، ط": "عمل الشر".
(^٥) أخرجه اللالكائي (١٢٤١)، وسنده صحيح (ز).
(^٦) زاد في "ط" بعده بين حاصرتين: "وأن".
(^٧) أخرجه اللالكائي (١٢٤٢)، وسنده ضعيف (ز).
(^٨) زاد في "ط" بين حاصرتين: "بن عروة بن الزبير".
(^٩) أخرجه اللالكائي (١٢٤٣)، وسنده ضعيف.
(ز).
(^١٠) وهو جواب قوله: "فإن أصررت على اتهام القدر.
. . " الذي سبق في ص (١٣٧). وبدأ المؤلف من هذا الفصل بالرد على الاحتجاج بالقدر، والإجابة عن الإشكال الوارد بسببه.

الجزء: 1 - الصفحة: 178

فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأنه (^١) ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه (^٢) الناس.
وهذه الآثار التي ذكرت (^٣) كلها تحقق هذا المقام، وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه، وهذا في كل كتاب أنزله الله على كل رسول أرسله (^٤).

وأما المقام الثاني -وهو مقام الضلال والردى والهلاك- فهو الاحتجاج به على الله (^٥)، وحمل العبد ذنبه على ربه، وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء، وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس؛ كما صرح به بعضهم، واحتج عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته ولا تطاق مغالبته، حتى يقول قائل هؤلاء:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء (^٦)

(^١) "ك، ط": "وأن".
(^٢) "ك، ط": "شاء".
(^٣) "التي ذكرت": ساقط من "ط".
(^٤) "ط": "على رسله".
(^٥) "ط": "على ذنبه على الله".
(^٦) أنشده المؤلف في مدارج السالكين (١/ ٢٦٢)، وشفاء العليل (٢٠)، وهو منسوب إلى الحلاج في وفيات الأعيان (٢/ ١٤٣). وأثبت في "طـ" بيتا آخر قبله: ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه في كل حال أيها الرائي وهما في ديوانه (٢٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 179

ويقول قائلهم:

دعاني وسد الباب دوني فهل إلى ... دخولي سبيل؟ بينوا لي قصتي (^١)

ويقول الآخر:

وضعوا اللحم للبزا ... ة على ذروتي عدن

ثم لاموا البزاة إذ ... خلعوا عنهم الرسن

لو أرادوا صيانتي ... ستروا وجهك الحسن (^٢)

وقال بعضهم -وقد ذكر له من (^٣) يخاف من إفساده- فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره!

وصعد رجل يوما على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجر بجاريته، فنزل، وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك.
فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل

(^١) أنشده المؤلف في المدارج (١/ ٢٦٤). "قصتي": كذا في الأصول.
وفي أعيان العصر (٣/ ٢٩٢) وفي المدارج وغيره: "قضيتي".
والبيت من قصيدة شاعت في الشام في ذلك العهد، وذكر ابن حجر أن محمد بن أبي بكر السكاكيني عملها على لسان ذمي (الدرر الكامنة ١/ ١٥٦). ويقال إن ناظمها ابن البققي المتهم بالزندقة، فانبرى للرد عليها نظفا كبار علماء مصر والشام.
منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى ٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥) والعلاء الباجي، والعلاء القونوي وغيرهم.
انظر قصائدهم في طبقات الشافعية (١٠/ ٣٥٢ - ٣٦٦). (^٢) ذكرها المؤلف في المدارج (١/ ٢٦٢)، وهي للشبلي في تاريخ بغداد (١٢/ ٩٥)، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(^٣) "ط": "ما".

الجزء: 1 - الصفحة: 180

شيء، أنت حر لوجه الله (^١).

ورأى آخر رجلا (^٢) يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول: القضاء والقدر.
فقال: يا عدوة الله أتزني وتعتذري (^٣) بمثل هذا؟ فقالت: أوه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباد (^٤)! فتنبه ورمى السوط (^٥) من يده، واعتذر إليها، وقال: لولاك لضللت!

ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره.
فقال: الخيرة فيما قضى الله! فلقب بـ "الخيرة فيما قضى الله"، وكان إذا دعي به غضب!

وقيل لبعض هؤلاء: أليس الله عز وجل (^٦) يقول: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر/ ٧] فقال: دعنا من هذا، رضيه وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيره!

(^١) نقل ابن النديم حكاية تشبه هذه عن سلام القارئ من متكلمة الجبرية.
انظر الفهرست (٢٣٥). (^٢) "رجلا" ساقط من "ك، ط".
(^٣) كذا في الأصل و"ف، ن".
وفي "ك، ط": "تزنين وتعتذرين" حسب القاعدة.
(^٤) كذا في الأصل و"ف، ن".
وفي "ك، ط": "ابن عباس"، وهو خطأ، فإن المقصود بمذهب ابن عباد هنا إنكار القدر.
والمشهور بابن عباد هو الصاحب المتوفى سنة ٣٢٥. وقد يكون المراد محمد بن عباد بن كاسب صديق ثمامة بن الأشرس (٢١٣ هـ). ذكره الجاحظ في البيان (١/ ٤٤) والحيوان (١/ ٢٦٥). (^٥) "ط": "بالسوط".
(^٦) "ك، ط": "أليس هو يقول".

الجزء: 1 - الصفحة: 181

ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال: القدر عذر لجميع العصاة، وإنما مثلنا في ذلك كما قيل:

إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر (^١)

وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال: "بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم".
فقيل: من غرهم؟ فقال: "الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والأماني".
فقال هذا القائل: كان علي قدريا، وإلا فالله غرهم، وفعل بهم ما فعل، وأوردهم تلك الموارد.

واجتمع جماعة من هؤلاء يوما، فتذاكروا القدر، فجرى ذكر الهدهد وقوله: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [النمل/ ٢٤] (^٢)، فقال: كان الهدهد قدريا، أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان، وجميع ذلك فعل الله (^٣).

وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص/ ٧٥]: أيمنعه، ثم يسأله ما منعه؟ فقال (^٤): نعم، قضى عليه في السر ما منعه منه (^٥) في العلانية، ولعنه عليه! قال له: فما معنى قوله:

(^١) أنشده المؤلف في المدارج (٢/ ٣٩٦)، وهو من قصيدة مشهورة للمؤمل بن أميل المحاربي من مخضرمي شعراء الدولتين، توفي نحو ١٩٠ هـ. معجم المرزباني (٢٩٨)، معجم الأدباء (٢٧٣٣). (^٢) في الأصل و"ف": ﴿وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (٤٣)﴾ وهو جزء من الآية (٤٣) من سورة الأنعام، ولكن المقصود هنا آية النمل كما أثبتنا من "ك، ط".
(^٣) "ف": "قول الله"، غلط من الناسخ.
(^٤) "ط": "قال".
(^٥) "منه" ساقط من "ك، ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 182

﴿وماذا عليهم لو آمنوا﴾ [النساء/ ٣٩] (^١) إذا كان هو الذي منعهم؟ قال: استهزاء بهم! قال: فما معنى قوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء/ ١٤٧] قال: قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه، بل ابتدأهم بالكفر ثم عذبهم عليه، وليس للآية معنى!

وقال بعض هؤلاء -وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله فقال-: إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لإرادته (^٢).

وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه، فقال: إلى متى هذا (^٣) اللوم؟ ولو خلي لسجد، ولكن منع.
وأخذ يقيم عذره، فقال له (^٤) بعض الحاضرين: تبا لك سائر اليوم، أتذب عن الشيطان، وتلوم الرحمن؟

وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء، فلم يجدوه، فلما رجع قال: كنت أصلح بين قوم.
فقيل له: وأصلحت بينهم؟ قال: أصلحت، إن لم يفسد الله.
فقيل له: بؤسا لك، أتحسن الثناء على نفسك، وتسيء الثناء على ربك؟ (^٥)

ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء فقال: مسكين، مظلوم، أجبره على السرقة، ثم قطع يده عليها!

(^١) "ك، ط": ﴿. . . آمنوا بالله﴾.
(^٢) سبق في ص (٥٥). (^٣) سقط "هذا" من "ط"، واستدرك في القطرية.
(^٤) "له" سقط من "ك، طـ". (^٥) انظر ترجمة عبد الله بن داود من المجبرة في الفهرست (٢٣٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 183

وقيل لبعضهم: أترى الله كلف عباده ما لا يطيقون، ثم يعذبهم عليه؟ قال: والله قد فعل ذلك، ولكن لا نجسر أن نتكلم! (^١)

وأراد رجل من هؤلاء السفر، فودع أهله وبكى.
فقيل له (^٢): استودعهم الله، واستحفظهم إياه.
فقال: ما أخاف عليهم غيره!

وقال بعض هؤلاء: زنية أزنيها (^٣) أحب إلي من عبادة الملائكة.
قيل؟ ولم؟ قال: لعلمي بأن الله قضاها علي وقدرها، ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها.

وقال بعض هؤلاء: العارف لا ينكر منكرا، لاستبصاره بسر الله في القدر (^٤).

ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدا، فأول ما بدأ به من المزارات (^٥) زيارة المواخير المشتملة على البغايا والخمور، فجعل يقول: كيف أنتم في قدر الله؟ كيف أنتم في قدر الله؟ (^٦)

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عاتبت بعض شيوخ هؤلاء فقال لي: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون

(^١) نقل ابن قتيبة نحوه عن هشام بن الحكم شيخ الإمامية.
انظر: تأويل مختلف الحديث (٩٨). (^٢) "له" ساقط من "ك، ط".
(^٣) "ك، ط": "ذنبة أذنبها"، تصحيف.
(^٤) نقله المصنف في شفاء العليل (٣٩) من إشارات ابن سينا، وسيأتي مرة أخرى في ص (٧٣٥). (^٥) "ط": "الزيارات".
(^٦) وردت هذه الجملة في "ك، ط" مرة واحدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 184

كله مراد، فأي شيء أبغض منه؟ قال: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم، فأحببتهم أنت وواليتهم، أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له؟ قال: فكأنما ألقم حجرا (^١).

وقرأ قارئ بحضرة بعض هؤلاء: ﴿قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص/ ٧٥] فقال: هو والله منعه! ولو قال إبليس ذلك كان (^٢) صادقا، وقد أخطأ إبليس الحجة، ولو كنت حاضرا لقلت (^٣): أنت منعته!

وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت/ ١٧] فقال: ليس من هذا شيء، بل أضلهم وأعماهم.
قالوا: فما معنى الآية؟ قال: مخرقة يمخرق بها (^٤).

فيقال: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا نزهوه عما يليق به، وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه، وأساؤوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم.

وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث: "يقال يوم القيامة: أين خصماء الله؟ فيؤمر بهم إلى النار" (^٥).

(^١) نقله المؤلف عن شيخ الإسلام في المدارج (٢/ ٥٩٤)، وشفاء العليل (١٩)، وسينقله مرة أخرى في هذا الكتاب (٦٥٨)، وانظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٢١٠، ٤٨٦). (^٢) "ط": "لكان".
(^٣) "ك، ط": "لقلت له".
(^٤) المخرقة: الخداع، والشعوذة.
(^٥) أخرجه اللالكائي (١٢٣٢) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 185

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته: (^١)

ويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا فرقة القدرية

سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة (^٢)

وسمعته يقول: القدرية المذمومون في السنة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة (^٣): نفاته، وهم القدرية المجوسية.
والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ [الأنعام/ ١٤٨] وهم القدرية المشركية (^٤).
والمخاصمون به للرب، وهم أعداء الله وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: ﴿فبما أغويتني﴾ [الأعراف/ ١٦] ولم يعترف بالذنب ويبؤ به، كما اعترف به آدم.
فمن أقر بالذنب، وباء به، ونزه ربه، فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم (^٥).
ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس (^٦).

ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والمشركية (^٧) شر من القدرية

(^١) وهي التي رد بها على أبيات "الذمي" التي سبق ذكرها في ص (١٧٨). (^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٤٦). (^٣) "ط": "الثلاث".
والذي في الأصل وغيره صحيح لا غبار عليه.
(^٤) "ط": "الشركية".
والصواب ما في الأصل وغيره.
وسماهم "المشركية" لكونهم قد تشبهوا بالمشركين في قولهم.
انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١١١)، (٨/ ٢٥٦). (^٥) انظر: المثل في مجمع الأمثال (٣/ ٣١٢). (^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦ - ٢٦١). (^٧) "ط": "الشركية" هنا وفيما يأتي، تحريف.
وانظر ما سلف آنفا في الحاشية الرابعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 186

النفاة، لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب تعالى وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب، ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة، بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه وحوله (^١) ونحو ذلك.
كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة فأتي بطرار (^٢) أحول، فقال له الوالي: ما ترى فيه؟ فقال: اضربه خمسة عشر سوطا (^٣).
فقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر: بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا: خمسة عشر لطره، ومثلها لحوله.
فقال الجبري: كيف يضرب على الحول، ولا صنع له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطر، ولا صنع له فيه عندك، فبهت الجبري.

وأما القدرية الإبليسية والمشركية فكثير منهم منسلخ من (^٤) الشرع، عدو لله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي.
وتلك وراثة عن شيوخه (^٥) الذين قال الله فيهم: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨)﴾ [الأنعام/ ١٤٨].

وقال تعالى: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على

(^١) "وحوله" لم يرد في: "ك، ط".
(^٢) الطرار: النشال يشن ثوب الرجل ويسل ما فيه.
(^٣) "ك، ط": "يعني سوطا".
(^٤) "ك، ط": "عن".
(^٥) "ك، ط": "شيوخهم".

الجزء: 1 - الصفحة: 187

الرسل إلا البلاغ المبين (٣٥)﴾ [النحل/ ٣٥].

وقال تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (٢٠)﴾ [الزخرف/ ٢٠].

وقال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (٤٧)﴾ [يس/ ٤٧].

فهذه أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل.

وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع (^١) فرق:

الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجة حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على الله.
ثم افترق هؤلاء فرقتين:

فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلما، والله لا يظلم من خلقه أحدا.

وفرقة صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وقالت: ليس ذلك بظلم، والله يتصرف في ملكه كما (^٢) يشاء، ويعذب (^٣) العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده، إذ

(^١) في الأصل و"ف": "أربعة"، ولعله سهو.
وذلك أن المؤلف كتب في الأصل أولا: "فرقا أربعة"، ثم ضرب على "فرقا"، وترك العدد على حاله، وكتب بعده: "فرق".
والمثبت من "ك، ط".
(^٢) "ك، ط": "كيف".
(^٣) "ف": "تعذيب"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

العبد لا فعل له، والملك ملكه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التي حكاها الله عنهم استهزاء منهم، ولو قالوها اعتقادا للقضاء والقدر وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر ذلك (^١) عليهم! ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء، فيكون للمشركين على الله الحجة.
وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا.

الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة، إذ لو صحت المشيئة العامة، وكان الله عز وجل قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان، لكانوا قد قالوا الحق، وكان الله عز وجل يصدقهم عليه، ولم ينكر عليهم.
فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب، ونفى عنهم العلم، دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنهم كاذبون فيه.
إذ لو كان علما لكانوا صادقين في الإخبار به، ولم يقل لهم: ﴿هل عندكم من علم﴾ [الأنعام/ ١٤٨].

وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر، وزعمت بها أنه (^٢) يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة، بل (^٣) ولا على أفعال الحيوانات، وأنه لا يقدر أن يضل أحدا ولا يهديه، ولا يوفقه (^٤) أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر،

(^١) "ذلك" ساقط من "ط".
(^٢) "ك، ط": "أن".
(^٣) "بل" لم يرد في "ك، ط".
(^٤) "ف": "يؤتيه".
تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 189

ولا يلهمه رشده، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي جعل المصلي مصليا، والبر برا، والفاجر فاجرا، والمؤمن مؤمنا، والكافر كافرا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك.

فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيزت إلى القدر، وحاربت الشرع.
والثانية تحيزت إلى الشرع، وكذبت بالقدر.

والطائفتان ضالتان، وإحداهما أضل من الأخرى.

الفرقة (^١) الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرت بالأمر والنهي، ونزلوا كل واحد منزلته.
فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يمتثل ويطاع.
فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله.
وقالوا: من لم يقر بالقضاء والقدر ويقم (^٢) بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين، وإن نطق بهما بلسانه.

ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين:

فرقة قالت: إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك.
فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه (^٣)، فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه.

(^١) "ك، ط": "والفرقة".
(^٢) في الأصل: "ويقوم"، وكذا في "ف، ن"، والصواب ما أثبتنا من "ك، ط".
(^٣) "ك، ط": "بينه وبينهم".

الجزء: 1 - الصفحة: 190

وإذا (^١) لم يمنع من وقوعه لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته، وكلاهما ممتنع في حق الله، فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به!

وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها، ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف قولهم، وخالفهم في الشطر الآخر.

وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره.
وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم، وأنكر عليهم، وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون، فإن محبة الله تعالى للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرد خلقه له (^٢).
فإنه خلق إبليس وجنوده، وهم أعداؤه، وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم، وهم خلقه.
فهكذا في الأفعال خلق خيرها وشرها، وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه، ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه، وكلاهما خلقه.
ولله تعالى الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كل صادر عن حكمته وعلمه، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته.

وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر، ودفع الأمر بالمشيئة.
فلما قامت عليهم حجة الله، ولزمهم أمره ونهيه دفعوه

(^١) "ك": "وإذ".
(^٢) "له" ساقط من "ك، ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 191

بقضائه وقدره، فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ودفعا لما جاؤوا به.
وشاركهم في ذلك إخوانهم وورثتهم (^١) الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم، وخالفوهم في النصف الآخر، وهو إقرارهم بالأمر والنهي.

فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام، وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم إما في جميع تركتهم، وإما في كثير منها، وإما في جزء منها.

وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد.
وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا، والمصلي مصليا، والمتقي متقيا.
وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار.
وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.
وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه، ولو شاء لخذلهم فعصوه؛ وأنه حال بين الكفار وقلوبهم، فإنه يحول بين المرء وقلبه، فكفروا به، ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من يهده (^٢) الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه، ويقبل منهم، ويرضى به عنهم.
وأنه لو شاء ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه

(^١) "ك، ط": "ذريتهم".
(^٢) "ط": "يهد الله".

الجزء: 1 - الصفحة: 192

فذرهم وما يفترون (١١٢)﴾ [الأنعام/ ١١٢].

والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب (^١) جاء بها نبيهم، وأخبربها عن ربه:

الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم.

الثانية: كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض.

الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته، كما لا خروج له عن علمه.

الرابعة: خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء، فالخالق عندهم واحد، وما سواه فمخلوق، ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق.

ويؤمنون مع ذلك بحكمته، وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه، وأن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك.
وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأمات فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل وهدى، ومنع وأعطى.

وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم

(^١) انظر: شفاء العليل (٦٥).

الجزء: 1 - الصفحة: 193

لنفي الوسيلة، فنفي الوسيلة -وهي الفعل- لازم لنفي الغاية وهي الحكمة.
ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل.
وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته.
وهذا لازم لمن نفى ذلك، لا محيد (^١) له عنه وإن أبى التزامه.

وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة، بل قوله حق، ولازم الحق حق كائنا ما كان.

والمقصود: أن ورثة الرسل وخلفاءهم -لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد.
فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد (^٢) والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب.
فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما -كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر (^٣) فكانوا (^٤) أسعد الناس بالحق (^٥) وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل

(^١) "ك، ط": "ولا محيد".
(^٢) "ن": "إثبات الوعد".
(^٣) "وبالقدر" سقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
(^٤) "ك، ط": "وكانوا".
(^٥) "ط": "بالخلق"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

العظيم.

واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم.
وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني (^١)، ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه، ويفسر (^٢) مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر.
وكذلك الحكمة، فإن الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد (^٣) حقيقتها، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه، وإرادته لمراده.
فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته.
والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقة، ويثبتون حكمة زائدة على ذلك، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته.
فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة، وجحدوا معناها وحقيقتها.

وكذلك الأمر والشرع، فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا؛ وجميع الكائنات محبوبة له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحب، ولا يحب (^٤)، ولا يرضى، ولا يغضب؛ ولا فرق في نفس الأمر بين

(^١) "ف": "والنهي"، تحريف.
(^٢) "ط": "نفس"، تحريف.
(^٣) "ك، ط": "يجحدون".
(^٤) "ولا يحب" ساقط من "ك، ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 195

الصدق والكذب، والبر والفجور (^١)، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين (^٢) السجود له.
ولم يكلف أحدا ما يقدر عليه، بل كل تكاليفه (^٣) تكليف ما لا يطاق، ولا قدرة للمكلف عليه البتة.
ويجوز أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالا، وسودا حيث لم يكونوا بيضا، وعكسه (^٤).
ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين، ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور.

ولا ريب (^٥) أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها.

والمقصود: أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتهم.

والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: "القدر قدرة الله" (^٦).
واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد

(^١) "ط": "الصدق والفجور والكذب والفجور"، وحذفت "الفجور" الأولى من القطرية، والصواب ما أثبتنا من الأصل وغيره.
(^٢) "النجوم وبين" ساقط من "ط".
(^٣) "ط": "تكليفه".
(^٤) مكان "عكسه" في "ط": "وبيضا حيث لم يكونوا سودا".
(^٥) كذا في الأصل وغيره، وهو في المعنى خبر "فإن" الواردة في أول الفقرة السابقة.
(^٦) مسائل ابن هانئ (٢/ ١٥٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٨).

الجزء: 1 - الصفحة: 196

غاية الاستحسان، وقال: إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر (^١).

ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته، وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة.
وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى، وصرحت بأن الله لا يقدر عليها.
فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمال علمه.
وقابلتهم الجبرية، فحافظت (^٢) على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة.

ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين (^٣) من هذه الثلاث (^٤) كثيرا كقوله: ﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (٦)﴾ [النمل/ ٦]، وقال: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (١)﴾ [الزمر/ ١].
وقال: ﴿حم﴾ [غافر/ ١ - ٢].

وقال في حم فصلت (^٥) بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذلك تقدير العزيز العليم (١٢)﴾ [فصلت/ ١٢].
وذكر نظير هذا في الأنعام، فقال: ﴿فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز

(^١) وانظر شفاء العليل (٦٣). (^٢) "ط": "فجاءت".
(^٣) "والصفتين" ساقط من القطرية.
(^٤) "ك، ط": "الثلاثة".
وانظر في افتران الأسماء المذكورة ما سيأتي في ص (٢٣٠). (^٥) "فصلت" ساقط من القطربة.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

العليم (٩٦)﴾ [الأنعام/ ٩٦] (^١).

فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى.
وكذلك ارتباط (^٢) أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه وأمره، حكيم في خلقه (^٣) وأمره، عزيز في خلقه وأمره (^٤).

ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة (^٥) من صفاته العلى.
والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة.
والحكمة هي سنة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهي تتضمن العلم بالحق، والعمل به، والخبر عنه، والأمر به؛ فكل (^٦) هذا يسمى "حكمة".
وفي الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن" (^٧).
وفي

(^١) هذه قراءة عاصم وغيره من الكوفيين، والوارد في الأصل وغيره قراءة الباقين، ومنهم أبو عمرو، ويظهر أن قراءته هي المعتمدة فيها، وهي: "وجاعل الليل".
انظر: الإقناع (٢/ ٦٤١). (^٢) سقط "ارتباط" من "ط".
(^٣) "ف": "بخلقه"، سهو.
(^٤) "عزيز في خلقه وأمره" سقط من "ط".
وأما القطرية فأسقطت ما قبله أيضا، وهو: "حكيم في خلقه وأمره".
(^٥) "ف": "فالحكمة"، خلافا للأصل.
وكذا في "ك، ط".
(^٦) "ف": "وكل"، وهي قراءة محتملة.
(^٧) أخرجه الترمذي (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩) من حديث أبي هريرة.
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه.
وأخرجه البيهقي في =

الجزء: 1 - الصفحة: 198

الحديث: "إن من الشعر حكمة" (^١).

فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده.
وهو (^٢) محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره.
فمصدر ذلك كله عن الحكمة، فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة (^٣).

فصل

وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به، وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأن جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبي (^٤) -صلى الله عليه وآله وسلم- في دعاء الاستفتاح: "لبيك وسعديك، الخير في يديك، والشر ليس إليك" (^٥).

فهذا النفي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله.
فإن ذاته تعالى منزهة عن كل شر، وصفاته كذلك، إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب،

= المدخل (٨٤٤) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وجاء عن معاوية، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن عبيد بن عمير.
انظر: تبييض الصحيفة لمحمد عمرو عبد اللطيف (١/ ٦٧). (ز).
(^١) أخرجه البخاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه في كتاب الأدب (٦١٤٥). (^٢) "ف": "فهو" خلافا للأصل.
(^٣) زاد في "ك، ط": "والله أعلم".
(^٤) "النبي" لم يرد في "ك، ط".
(^٥) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 199

وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة؛ وهو المحمود على ذلك كله، فيستحيل إضافة الشر إليه.

وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوبتها، كما في خطبته -صلى الله عليه وآله وسلم-: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا" (^١).
فتضمن ذلك الاستعاذة من شرور النفوس، ومن سيئات الأعمال وهي عقوباتها.
وعلى هذا فالإضافة على معنى "اللام" من باب (^٢) إضافة المتغايرين.
أو يقال: المراد السيئات من الأعمال، فعلى هذا الإضافة بمعنى "من"، وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه.

ويدل على الأول قوله تعالى: ﴿وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته﴾ [غافر/ ٩].
قال شيخنا رحمه الله (^٣): وهذا أشبه، لأنه (^٤) إذا أريد السيئات من الأعمال، فإن أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنما تكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعه؛ وإن استعاذ منها قبل وقوعها لئلا يقع، فهذا هو الاستعاذة (^٥) من شر النفس.

وأيضا فلا يقال في هذه التي لم توجد بعد: "سيئات أعمالنا"، فإنها

(^١) أخرجه أحمد (٣٧٢١، ٤١١٦)، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجه (١٨٩٢) بإسناد صحيح.
(^٢) "ن": "وهي من باب".
(^٣) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وانظر قوله في مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٨٩). (^٤) "لأنه" ساقط من "ط".
(^٥) "لا يمكن رفعه.
. . الاستعاذة" ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 200

لم تكن بعد أعمالا فضلا عن أن تكون سيئات، وإضافة الأعمال إلينا تقتضي وجودها، إذ ما (^١) لم يوجد بعد ليس هو من أعمالنا، إلا أن يقال: من سيئات الأعمال التي إذا عملناها كانت سيئات.

ولمن رجح التقدير الثاني أن يقول: العقوبات ليست لجميع الأعمال، بل للمحرمات منها، والأعمال أعم، وحملها على المحرمات خاضة خلاف ظاهر اللفظ.
بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى "من"، فتكون الأعمال على عمومها، والسيئات بعضها، فتكون السيئات على عمومها، والأعمال على عمومها (^٢).

ويترجح أيضا بأن (^٣) الاستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر كله، وهي (^٤) شر النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل، وشر العمل الخارج الذي سولته النفس.
فالأول شر الطبيعة والصفة التي في النفس، والثاني شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة.
ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبهما، وهو العقوبة؛ فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم.
وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم، فإن هذا من جوامع كلمه البديعة العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان (^٥).

(^١) "ما" سقط من "ط" واستدرك في القطرية.
(^٢) "والأعمال على عمومها" ساقط من "ط".
(^٣) "ك، ط": "أن".
(^٤) "ط": "هو".
(^٥) وانظر: إغاثة اللهفان (١/ ١٥١)، وبدائع الفوائد (٧١٦)، والداء والدواء (١٧٨).

الجزء: 1 - الصفحة: 201

وإذا عرف هذا، وأنه (^١) ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، وكونها ذنوبا ناشئ (^٢) من نفس العبد، فإن سبب الذنب الظلم والجهل، وهما من نفس العبد؛ كما أن سبب الخير والحمد العلم (^٣) والحكمة والغنى، وهي أمور ذاتية للرب تعالى.

فذات (^٤) الرب تعالى مستلزمة للحكمة والخير والجود، وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم، وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه، وهو أمر خارج عن نفسه.
فمن أراد الله به خيرا أعطاه هذا الفضل، فصدر منه موجبه (^٥) من الإحسان والبر والطاعة.
ومن أراد به شرا أمسكه عنه، وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها، فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح.
وليس منعه لذلك ظلما منه تعالى، فإنه فضله، وليس من منع فضله ظالما، لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به.

وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده، ويوفقه، ويعينه، ولا يخلي بينه وبين نفسه؛ وهذا محض فعله وفضله، وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل، ويليق به، ويثمر فيه (^٦)، ويزكو به.

(^١) قراءة "ف": "فإنه".
(^٢) "ك، ط": "تأتي"، ولعله تصحيف.
(^٣) "ط": "الخير الحمد والعلم".
(^٤) "ك، ط": "وذات".
(^٥) "موجبه من" ساقط من "ط".
(^٦) "ك، ط": "به".

الجزء: 1 - الصفحة: 202

وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (٥٣)﴾ [الأنعام/ ٥٣] فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها.
فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها؛ ومن عرفها ولم يعرف (^١) المنعم بها لم يشكرها أيضا؛ ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه (^٢) فقد كفرها.
ومن عرف النعمة والمنعم، وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له، ويحبه، ويرض به (^٣) وعنه، لم يشكرها أيضا.
ومن عرفها، وعرف المنعم بها، وأقر بها (^٤)، وخضع للمنعم بها، وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها.

فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له، كما في صحيح البخاري (^٥) عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
من قالها إذا أصبح موقنا

(^١) قوله: "النعمة بل" إلى هنا سقط من "ك" لانتقال النظر.
(^٢) "ك، ط": "عليه بها".
(^٣) "ف": "يرضى".
قراءة محتملة.
وإثبات حرف العلة في موقع الجزم لغة لبعض العرب.
انظر: شواهد التوضيح (٢١). (^٤) "وأقر بها" ساقط من "ط".
(^٥) كتاب الدعوات (٦٣٠٦، ٦٣٢٣)، وسيأتي مرة أخرى مع تفسيره في (٣٥٢).

الجزء: 1 - الصفحة: 203

بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة".

فقوله: "أبوء لك بنعمتك علي" يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته، فإن المباءة هي التي يبوء إليها الشخص، أي يرجع إليها رجوع استقرار، والمباءة هي المستقر.
ومنه قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (^١) أي ليتخذ مقعده من النار مباءة يلزمه ويستقر فيه، لا كالمنزل الذي ينزله ثم يرحل عنه.

فالعبد يبوء إلى الله عز وجل بنعمته عليه، ويبوء بذنبه، فيرجع (^٢) إليه بالاعتراف بهذا وبهذا، رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه، ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه، بل رجوع من لا يعرض عن ربه، بل لا يزال مقبلا عليه، إذ (^٣) كان لا بد له منه (^٤).
فهو معبوده، وهو مستعانه (^٥)، لا صلاح له إلا بعبادته، فإن لم يكن معبوده هلك وفسد، ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته.
وفي الحديث: "مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته (^٦): يجول ثم يرجع إلى آخيته.
كذلك المؤمن يجول ثم يرجع

(^١) أخرجه البخاري في العلم (١١٠) وغيره، ومسلم في المقدمة (٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(^٢) "ن": "فرجع".
"ك، ط": "ويرجع".
(^٣) "ط": "إذا"، خطأ.
(^٤) "ليس رجوع من أقبل.
. . " إلى هنا ساقط من "ن".
(^٥) "ك، ط": "مستغاثه"، تصحيف.
(^٦) الآخية بالمد والتشديد، ويجوز بالتخفيف: العروة تشد بها الدابة مثنية في الأرض.
قاله أبو عبيد.
اللسان (أخا).

الجزء: 1 - الصفحة: 204

إلى الإيمان" (^١).

فقوله: "أبوء" يتضمن أني وإن جلت كما يجول الفرس -إما بالذنب وإما بالتقصير في الشكر- فإني راجع منيب أواب إليك، رجوع من لا غنى له عنك.

وذكر النعمة والذنب لأن (^٢) العبد دائما يتقلب بينهما، فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو، كما في الأثر الإلهي: "ابن آدم خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد.
كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك! وكم تتبغض إلي بالمعاصي، وأنت فقير إلي! ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح" (^٣).

وكان في زمن الحسن البصري شاب لا يرى إلا وحده، فسأله الحسن عن ذلك فقال: إني أجدني بين نعمة في الله وذنب مني، فأريد أن أحدث

(^١) أخرجه أحمد (١٥٢٦)، وابن حبان (٦١٦)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣٥٢) وغيرهم.
وفي سنده ضعف.
تفرد به أبو سليمان الليثي عن أبي سعيد الخدري.
وأبو سليمان مجهول.
وفيه عبد الله بن الوليد، فيه ضعف.
قال ابن طاهر المقدسي: حديث غريب لا يذكر إلا بهذا الإسناد.
انظر: تعجيل المنفعة (٢/ ٤٧٣). (ز).
(^٢) "ف": "أن"، خلافا للأصل.
(^٣) نقله المصنف في المدارج (١/ ٥٤٥)، والزاد (٢/ ٤٠٩)، وشفاء العليل (٣٦٤)، وسيأتي مرة أخرى في ص (٦٨٧). أخرجه نعيم في الحلية (٤/ ٣١) عن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب فوجدت الله تعالى يقول.
. . (ص).
وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٤٣) عن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب: إن الله عز وجل يقول.
. . فذكره.
(ز).

الجزء: 1 - الصفحة: 205

للنعمة شكرا وللذنب استغفارا، فذلك الذي شغلني عن الناس، أو كما قال.
فقال له: "أنت أفقه عندي (^١) من الحسن" (^٢).

فالخير كله من الله كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل/ ٥٣].
وقال تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (٧) فضلا من الله ونعمة والله﴾ [الحجرات/ ٧ - ٨].

وقال تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (١٧)﴾ [الحجرات/ ١٧].

وقال تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ [الفاتحة/ ٦ - ٧]. وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (٦٩)﴾ [النساء/ ٦٩].

فالنعم كلها -من (^٣) نعم الدين والدنيا، وثواب الأعمال في الدنيا والآخرة (^٤) - من نعم الله ومنه (^٥) وفضله على عبده.
وهو تعالى، وإن

(^١) لم يرد "عندي"، في "ك، ط".
(^٢) نقله المصنف في عدة الصابرين (٢٤٣)، وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١٩٦). (^٣) "من" ساقط من "ك".
(^٤) قوله "من نعم الدين.
. . " إلى هنا ساقط من "ط".
(^٥) "ومنه" ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 206

كان أجود الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فإنه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله.

ولو رأى العقلاء أحدا منهم قد وضع المسك في الحشوش والأخلية، ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة لاشتد نكيرهم عليه والقدح في عقله، ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة.
وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان، والإحسان موضع العقوبة لسفهوه، وقدحوا في عقله، كما قال القائل:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى (^١)

وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء، والغذاء موضع الدواء، والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه، والإمساك حيث يليق الاستفراغ.
وكذلك وضع الماء موضع الطعام، ووضع (^٢) الطعام موضع الماء، وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة، بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع.
فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها؟

ومن المعلوم أن أجل نعمه على عبده نعمة الإيمان به، ومعرفته، ومحبته، وطاعته، والرضا به، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتزام عبوديته.
ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث

(^١) للمتنبي في ديوانه (٥٣٣). (^٢) "وضع" ساقط من "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 207

منه، ومنها الطيب، وبين ذلك؛ وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي، والقلب الخسيس الخبيث.
وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار، والبر والبحر (^١)، والحر والبرد (^٢)، والداء والدواء، والعلو والسفل؛ وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها، وإيداعها عندها، ويزكو بذرها (^٣) فيها، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم (^٤) كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر.
فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ (^٥)، وفاعل ذلك غير حكيم، فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال.

فالله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا، فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة، والنصيحة، وتعظيم المرسل، والقيام بحقه، والصبر على أوامره، والشكر لنعمه، والتقرب إليه؛ ومن لا يصلح لذلك.
وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله، والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلغوه عن ربهم.

قال عبد الله بن مسعود: "إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- خير قلوب أهل الأرض، فاختصه برسالته.
ثم نظر في

(^١) "والبر والبحر" ساقط من "ك، ط".
(^٢) "ك، ط": "البرد والحر".
(^٣) "ط": "بذورها"، وصحح في القطرية.
(^٤) "ط": "النعمة".
(^٥) جمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

قلوب العباد، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته" (^١).
وفي أثر إسرائيلي (^٢): أن الله تعالى قال لموسى: أتدري لم اخترتك لكلامي؟ قال: لا يا رب.
قال: لأني (^٣) نظرت في قلوب العباد، فلم أر فيها أخضع من قلبك لي.
أو نحو هذا (^٤).

فالرب سبحانه إذا علم من المحل (^٥) أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليه ذلك، ووضعه فيه، وكتبه في قلبه، ووفقه له، وأعانه عليه، ويسر له طرقه، وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك.
ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظم (^٦) من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه.
فلا يزال يعامله بلطفه، ويختصه بفضله، ويؤثره برحمته، ويمده بمعونته، ويؤيده بتوفيقه، ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به؛ فيزداد العبد به معرفة، وله محبة، وإليه إنابة، وعليه توكلا؛ ولا يتولى معه غيره، ولا يعبد (^٧) سواه.
وهذا هو الذي عرف قدر النعمة، وعرف المنعم، وأقر بنعمته، وصرفها في مرضاته؛ فاقتضت (^٨) حكمة الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر

(^١) أخرجه أحمد (٣٦٠٠)، والبزار كما في كشف الأستار (١٣٠)، وسنده حسن.
(ز).
(^٢) "ط": "أثر بني إسرائيل".
وكذا كان في "ك" ثم عدل في المتن.
(^٣) "ط": "إني".
(^٤) نقل الذهبي نحو هذا عن وهب بن منبه في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٩٨). (^٥) "ك، ط": "محل".
(^٦) "ط": "أحسن".
(^٧) "ك، ط": "ولا يعبد معه".
(^٨) "ك، ط": "واقتضت".

الجزء: 1 - الصفحة: 209

في هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة، وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح، وأطلع عليه من نوره شمس الهداية، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة، فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم، كما في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال:

"مثل ما بعثني الله به (^١) من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا.
وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع في بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (^٢).

فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات والثمار، ومثل الوحي الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزله على الأرض.
فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات، فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع به الآدميون والبهائم: أقوات (^٣) المكلفين وغيرهم.
وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه، المستعد لزكائه (^٤) وثمرته ونمائه، وهذا خير قلوب العالمين.

ومن الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية، قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها، ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات؛ فلما

(^١) لم يرد "به" في "ك، ط".
(^٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم (٧٩)، ومسلم في كتاب الفضائل (٢٢٨٢). (^٣) "ط": "وأقوات" بزيادة الواو.
(^٤) "ف": "لزكاته".

الجزء: 1 - الصفحة: 210

حصل فيها الماء أمسكته وحفظته، فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم، وسقوا منه زروعهم (^١).
وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي، وضبطه، وأداه إلى من هو أفهم له منه، وأفقه منه فيه (^٢)، وأعرف بمراده؛ وهذا في الدرجة الثانية.

ومن الأرض أرض قيعان -وهي المستوية التي لا تنبت إما لكونها سبخة (^٣) أو رمالا، ولا يستقر فيها الماء- فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا لم تمسكه لشرب الناس، ولم تنبت به كلأ، لأنها غير قابلة لحفظ الماء ولا لنبات الكلأ والعشب.
وهذا حال أكثر الخلق، وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا، ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين.
بل لابد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه، فينبت من العمل الصالح، والكلم الطيب، ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته.
فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير البتة، فهذا من أشقى الأشقياء.
فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله (^٤).

والمقصود: أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومن يصلح لها ممن (^٥) لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن تضع (^٦) ذلك عند

(^١) "ك": "زرعهم".
(^٢) "فيه" ساقط من "ك، ط".
(^٣) في الأصل: "صبخة"، ولعله سبق قلم، وكذا في "ف، ن".
(^٤) وانظر شرح الحديث المذكور في مفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٦)، والرسالة التبوكية (٦١). (^٥) "ط": "ومن".
(^٦) "ط": "يضع".

الجزء: 1 - الصفحة: 211

غير أهله، كما تأبى أن تمنعه (^١) من يصلح له.
وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا، فمنه الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب.

ومن اعترض بقوله: فهلا جعل المحال كلها كذلك، وجعل القلوب على قلب واحد! فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم، وهو بمنزلة من يقول: لم خلق الأضداد، وهلا جعلها كلها شيئا (^٢) واحدا! فلم خلق الليل والنهار، والفوق والتحت، والحر والبرد، والداء والدواء (^٣)، والشياطين والملائكة، والروائح الطيبة والكريهة، والحلو والمر، والحسن والقبيح؟ وهل يسمح خاطر من له أدنى مسكة من عقل بمثل هذا السؤال الدال على حمق سائله وفساد عقله؟ وهل ذلك إلا موجب (^٤) ربوبيته وإلهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته، ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها.

وهل حقيقة الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأعداء؟ وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات، وترتيب آثارها عليها، وإيصال ما يليق بكل منها إليه؛ وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته في العالم إلا من لوازم ربوبيته وملكه؛ فهل يكون رزاقا وغفارا وعفوا (^٥) ورحيما وحليما (^٦)، ولم يوجد من يرزقه، ولا من يغفر له،

(^١) "ط": "يمنعه".
(^٢) "ط": "سببا"، تصحيف.
(^٣) "ك، ط": "الداء والدواء".
(^٤) "ط": "بموجب"، وصحح في القطرية.
(^٥) "ك": "غفورا"، تحريف.
(^٦) "ط": "حليما رحيما"، وسقط "رحيما" من القطرية.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

ويعفو عنه، ويحلم عنه، ويرحمه؟ وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فممن ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم، ويري أولياءه كمال نعمته واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه؟

وهل في الحكمة الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئي يكون من لوازمه؟ فهذا الغيث الذي يحيى الله به (^١) البلاد والعباد والشجر والدواب، كم يحبس من مسافر، ويمنع من قصار (^٢)، ويهدم من بناء، ويعوق عن مصلحة (^٣)؟ ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح؟ وهل (^٤) هذه المفاسد في جنب مصالحه إلا كتفلة في بحر؟ وهل تعطيله لئلا تحصل به هذه المفاسد إلا موجبا (^٥) لأعظم المفاسد والهلاك؟

وهذه الشمس التي سخرها الله لمنافع عباده (^٦) وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان الحيوانات والطير، وفيها من المنافع والمصالح ما فيها = كم تؤذي مسافرا وغيره بحرها، وكم تجفف رطوبة وكم تعطش حيوانا، وكم تحبس عن مصلحة، وكم تنشف من مورد، وتحرق من زرع! ولكن أين يقع هذا في جنب ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية، والمكملة؟ فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر

(^١) "ك، ط": "يحيى به الله".
(^٢) "ط": "قصاد" بالدال، تحريف.
والقصار: الذي يدق الثياب بالقصرة -قطعة من الخشب- ويبيضها.
(^٣) "ك، ط": "من مصلحة".
(^٤) في "ن": "فهل".
(^٥) كذا بالنصب في الأصل وغيره، وموضعه الرفع لكونه خبر المبتدأ.
(^٦) "ك": "العباد".

الجزء: 1 - الصفحة: 213

اليسير شر كبير (^١)، وهو خلاف موجب الحكمة الذي تنزه الله سبحانه عنه.

قلت لشيخ الإسلام (^٢): فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد، مشتملة على المصلحة الخالصة.
فقال: خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه، ولكان عالما آخر غير هذا.

قال: ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من الأمور لا ينفك عنه، كالحركة مثلا المستلزمة لكونها لا تبقى.
فإذا قيل: لم لم تخلق الحركة المعينة باقية؟ قيل: لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى مكان والتحول من حال إلى حال، فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة.
ونفس الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل/ ٧٨] وإنما يأتيها العلم والقدرة والغنى من الله بفضله ورحمته، فما حصل لها من كمال وخير فمن الله، وماحصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها.
وهذه أمور عدمية، وليس لها من نفسها وجود ولا كمال.
والأمور العدمية من لوازم وجودها، ولو خلقت (^٣) على غير ذلك لم تكن هي هذه النفس الإنسانية بل مخلوقا آخر.

فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة، والشر الذي يحصل لها نوعان: عدم، ووجود.

(^١) هذه قراءة "ف، ن".
وفي "ك، ط": "كثير".
(^٢) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما في نسخة "ف" تحت السطر.
(^٣) "ك، ط": "جعلت".

الجزء: 1 - الصفحة: 214

فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات، وعدم العمل بها.
وهذا العدم ليس له فاعل، إذ العدم المحض لا يكون له فاعل؛ لأن تأثير الفاعل إنما هو في أمر وجودي.
وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم محض ليس له فاعل، فإن العدم ليس بشيء (^١) أصلا، وما ليس بشيء لا يقال إنه مفعول لفاعل، فلا يقال إنه من الله، إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية.
ولهذا من قول المسلمين كلهم: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"، فكل كائن فبمشيئته كان، وما لم يكن فلعدم مشيئته (^٢).

والعدم يعلل بعدم السبب أو الشرط تارة، وبوجود المانع أخرى.
وقد يقال: علة العدم عدم العلة.
وبعض الناس يقول: الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر (^٣) إلا بمرجح، فلا يوجد إلا بسبب، ولا يعدم إلا بسبب.
قال (^٤): والتحقيق في هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة فاعلة أصلا، بل (^٥) إذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة، أي عدم العلة استلزم عدم المعلول، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط، فإذا قيل: عدم لعدم علته (^٦)، أي عدم علته (^٧)

(^١) في الأصل: "لشيء" باللام هنا وفي الجملة التالية.
وكذا في "ف"، ولعله سهو.
(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ١٦). (^٣) "على الآخر" ساقط من "ط".
(^٤) يعني شيخ الإسلام (^٥) "بل" ساقطة من "ك".
وفي "ط": "أصلا وإذا".
(^٦) "ط": "علة".
(^٧) "أي عدم علته" ساقط من "ف، ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 215

مستلزم (^١) لعدمه.
والنفس تطلب سبب العدم، فتقول: لم لم يوجد كذا؟ فيقال: لعدم كذا، فيضاف عدم المعلول (^٢) إلى عدم علته، لا إضافة تأثير، ولكن إضافة استلزام وتعريف.
وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيا للعدم، وأما إذا أريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضى موجودا أو لم يكن.

والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها، فإنها لا تقتضي إلا العدم، أي عدم استعداد نفسه (^٣) وقوتها هو السبب في عدم هذا الكمال.
فإنه كما يكون أحد الوجودين سببا للآخر، فكذلك أحد العدمين يكون سببا لعدم الآخر.
والموجود الحادث يضاف إلى السبب المقتضي لإيجاده، وأما المعدوم فلا يحتاج استمراره على العدم إلى فاعل يحدث العدم، بل يكفي في استمراره عدم مشيئة الفاعل المختار له.
فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن لانتفاء مشيئته، فانتفاء مشيئة كونه سبب عدمه.

وهذا معنى قولهم: "عدم علة الوجود علة العدم".
وبهذا الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد طرفيه (^٤) إلا بمرجح، فمرجح عدمه عدم مرجحه، ومعنى الترجيح والسببية ههنا الاستلزام لا التأثير، كما تقدم.
فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى الله عز وجل.

(^١) في الأصل: "مستلزمة" ولعله سهو، وكذا في "ف، ك، ط"، والصواب ما أثبتنا من "ن"؛ لأن الخبر للعدم لا للعلة.
(^٢) "ط": " المعلوم"، تحريف.
(^٣) "ط": "نفسها"، خطأ.
(^٤) زاد في "ك، ط": "على الآخر".

الجزء: 1 - الصفحة: 216

وأما الشر الثاني، وهو الشر الوجودي -كالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة- فهو من لوازم ذلك العدم.
فإنه متى عدم العلم (^١) النافع والعمل الصالح من النفس لزم أن يخلفه الشر والجهل وموجبهما، ولا بد، لأن النفس لا بد لها من أحد الضدين، فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد الضار الفاسد.

وهذا الشر الوجودي هو من خلقه تعالى، إذ لا خالق سواه، وهو خالق كل شيء، لكن كل ما خلقه الله فلا بد أن يكون له في خلقه حكمة لأجلها خلقه، فلو لم يخلقه فاتت تلك الحكمة.

وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة التي هي أحب إليه سبحانه من الخير الحاصل بعدمها، فإن في وجودها من الحكمة (^٢) والغايات التي يحمد عليها سبحانه أضعاف ما في عدمها من ذلك، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.
وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل للنفس من الشر، مع ما حصل من الخيرات التي لم تكن تحصل بدون هذا الشر، ووجود الشيء (^٣) لا يكون إلا مع وجود لوازمه وأنتفاء أضداده، فانتفاء لوازمه يكون ممتنعا لغيره، وحينئذ فقد يكون هدي هذه النفوس الفاجرة وسعادتها (^٤) مشروطا بلوازم لم تحصل، أو بانتفاء أضداد لم تنتف.

فإن قيل: فهلا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد؟ فهذا هو

(^١) "ك": "ذلك العلم".
(^٢) "ن": "الحكم".
(^٣) "ووجود الشيء" ساقط من "ف".
(^٤) "ك، ط": "شهادتها، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

السؤال الأول، وقد بينا أن لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالم لا بد منها، فلو قدر عدمها لم يكن هذا العالم بل عالما آخر ونشأة أخرى وخلقا آخر.

وبينا أن هذا السؤال بمنزلة أن يقال: هلا تجرد الغيث والأنهار عما يحصل به من تغريق وتعويق (^١) وتخريب وأذى؟ وهلا تجردت الشمس عما يحصل منها من حر وسموم وأذى؟ وهلا تجردت طبيعة الحيوان عما يحصل له من ألم وموت وغير ذلك؟ وهلا تجردت الولادة عن (^٢) مشقة الحمل والطلق وألم الوضع؟ وهلا تجرد بدن الإنسان (^٣) عن قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغير أحواله؟ وهلا تجردت فصول العام عما يحدث (^٤) فيها من البرد الشديد القاتل، والحر الشديد المؤذي؟

فهل يقبل عاقل هذا السؤال أو يورده؟ وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: لم كان المخلوق فقيرا محتاجا، والفقر والحاجة صفة نقص، فهلا تجرد منها وخلعت عليه خلعة الغنى المطلق والكمال المطلق؟ فهل يكون مخلوقا إذا كان غنيا غنى مطلقا، ومعلوم أن لوازم الخلق لا بد منها فيه؟

ولا بد للعلو من سفل، وللسفل (^٥) من مركز.
ولوازم العلو من السعة والإضاءة والبهجة والخيرات، وما هناك من الأرواح العلوية النيرة المناسبة لمحلها، وما يليق بها ويناسبها من الابتهاج والسرور والفرح والقوة

(^١) "وتعويق" ساقط من "ط".
(^٢) "ط": "من"، وأصلح في القطرية.
(^٣) "ك": "الحيوان".
(^٤) "يحدث" ساقط من "ك، ط".
وفي "ن": "يحصل".
(^٥) "ط": "والسفل".

الجزء: 1 - الصفحة: 218

والتجرد من علائق المواد السفلية (^١) لا بد منها.
ولوازم السفل والمركز من الضيق والحصر، ولوازم ذلك من الظلمة والغلظ والشر، وما هنالك من الأرواح السفلية المظلمة الشريرة وأعمالها وآثارها لا بد منها (^٢).

فهما عالمان علوي وسفلي، ومحلان وساكنان تناسبهما مساكنهما وأعمالهما وطبائعهما، وقد خلق كل (^٣) من المحلين معمورا بأهليه وساكنيه، حكمة بالغة وقدرة قاهرة.
وكل من هذه الأرواح لا يليق بها غير ما خلقت له مما يناسبها ويشاكلها.
قال تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء/ ٨٤] أي على ما يشاكله ويناسبه ويليق به، كما يقول الناس: "كل إناء بالذي فيه ينضح" (^٤).

فمن أراد (^٥) من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصدق بين الملأ الأعلى فقد أراد ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين.
ولو أن ملكا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقطهم وغرثهم (^٦) الذين

(^١) "ط": "العلية"، تحريف، وكذا كان في "ك"، فأصلح في المتن.
(^٢) "ك": "منه".
(^٣) "ك، ط": "كلا".
(^٤) ويروى "يرشح".
انظر: مجمع الأمثال (٣/ ٥٨)، وعلى الوجهين روي قول كشاجم (ديوانه: ٩٢): ويأبى الذي في القلب إلا تبينا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح (^٥) "ط": "أرادت".
(^٦) كذا في الأصل وغيره.
وفي ط: "غرتهم".
لم تثبت كتب اللغة ما ورد في الأصل، وقد اقتبسه المؤلف من قول الجنة في حديث المحاجة بينها وبين النار: "ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وغرثهم وسقطهم".
أخرجه مسلم (٢٨٤٦). وضبطه القاضي عياض في إكمال المعلم (٨/ ٣٧٧) بفتح الغين =

الجزء: 1 - الصفحة: 219

تناسبت (^١) أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم في القبح والرداءة والدناءة لقدح الناس في ملكه وقالوا: لا يصلح للملك.
فما الظن بمجاوري الملك الأعظم مالك الملوك في داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم؟

أفيليق بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت إلى الأرض، وعكفت على ما تقتضيه طباعها (^٢) مما يشاركها (^٣) فيه بل قد يزيد عليها (^٤) الحيوان البهيم، وقصرت همتها عليه، وأقبلت بكليتها عليه، لا ترى نعيما (^٥) ولا لذة ولا سرورا إلا ما وافق طباعها من مأكل (^٦) ومشرب ومنكح من أين كان وكيف اتفق.
فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد، وإلا فالقلب والطبع على قلوب (^٧) هذه الحيوانات

= المعجمة وفتح الراء وثاء بعدها مثلثة، وقال: هذه رواية الأكثرين من شيوخنا، وفسرها بمعنى أهل الفاقة والجوع.
وقال في مشارق الأنوار (٢/ ١٣٠): "كذا في حديث عبد الرزاق عند كافة الرواة".
وقد رويت الكلمة على وجهين آخرين: "عجزتهم" جمع عاجز، و"غرتهم" أي البله الغافلون.
قال النووي: وهو الأشهر في نسخ بلادنا.
انظر شرحه لصحيح مسلم (١٧/ ١٨٧ - ١٨٨). (^١) "ك، ط": "تتناسب".
(^٢) "ك، ط": "طبائعها".
(^٣) "ط": "تشارك فيه".
(^٤) "ك، ط": "تزيد على الحيوان".
(^٥) "ن": "مغنما"، تحريف.
(^٦) "ط": "كل مأكل".
(^٧) "ط": "على [شاكلة] قلوب" والزيادة التي بين الحاصرتين لا حاجة إليها.
انظر ما سبق في ص (٢١٢): "وجعل القلوب على قلب واحد".

الجزء: 1 - الصفحة: 220

وطباعها، وربما كانت طباع الحيوانات خيرا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير.
ولهذا جعلهم سبحانه شر الدواب، فقال: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (٢٢) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (٢٣)﴾ [الأنفال/ ٢٢، ٢٣].

فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شر البرية وشر الدواب في دار واحدة، يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب؛ قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين (٣٥) ما لكم كيف تحكمون (٣٦)﴾ [القلم/ ٣٥ - ٣٦]. فأنكر عليهم الحكم بهذا، وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار، لينبه العقول على أن هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة.
وقال تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (٢٠)﴾ [الحشر/ ٢٠].
وقال تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (٢٨)﴾ [ص/ ٢٨].
وقال تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (٩)﴾ [الزمر/ ٩].

بل الواحد من الخلق لا تستوي أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر.
والله (^١) عز وجل قد خلق الخبيث والطيب، والسهل والحزن، والضار والنافع.
وهذه أجزء الأرض: منها ما يصلح جلاء للعين، ومنها ما يصلح للأتون (^٢) والنار.

وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة.
فكمال القدرة

(^١) "ك، ط": "فالله".
(^٢) وهو الموقد الكبير.

الجزء: 1 - الصفحة: 221

بخلق الأضداد، وكمال الحكمة بتنزيلها (^١) منازلها ووضع كل منها في موضعه.
والعالم من لا يلقي الحرب بين قدرة الله وحكمته، فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها، وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقضها (^٢)؛ بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولهما لجميع ما خلقه الله ويخلقه، فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته، فكذلك لا يكون إلا بحكمته.

وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلا، فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد، وتعتبر ما علمت بما لم تعلم (^٣).
وقد ضرب الله سبحانه الأمثال لعباده في كتابه، وبين لهم ما في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الذي به حياتهم وأقواتهم وحياة الأرض والدواب، وما خلقه لهم من النار (^٤) التي بها صلاح أبدانهم وأقواتهم وصنائعهم، من الشر الجزئي (^٥) المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك، فقال تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (١٧)﴾ [الرعد/ ١٧].

فأخبر سبحانه أن الماء بسبب مخالطته الأرض (^٦) إذا سال فلا بد من

(^١) "ك، ط": "تنزيلها".
(^٢) الأصل غير منقوط، والمثبت من "ف" وغيرها.
(^٣) كذا في الأصل وغيره، ولعل الصواب: "وتعتبر بما علمت ما لم تعلم".
(^٤) في الأصل: "النار" وهو الصواب هنا، ولكن كأنه مضروب عليه، وفي "ف": "المعارف"، وفي "ك، ط": "المعادن "ويشبهه رسمه في "ن".
(^٥) "ك، ط": "الشر والخير وبين المغمور"، تحريف.
(^٦) "ك": "الأرض".
"ط": "الماء بمخالطته سبسب الأرض"، تحريف.

الجزء: 1 - الصفحة: 222

أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدا عاليا على وجه السيل.
فالذي لا يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه، ولا يرى إلا غثاء ووسخا ونحو ذلك، ولا يرى ما تحته من مادة الحياة.
وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس (^١) وغيرها، إذا أوقد عليها في النار لتتهيأ للانتفاع (^٢) بها خرج منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به.
وهذا لا بد منه في هذا وهذا (^٣).

وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين، وعمي عما في القرآن مما به ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير في الدنيا والآخرة، ولم يجاوز (^٤) بصره وسمعه رعود وعيده وبروقها وصواعقها، وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه، الذي هو -بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح، ومن (^٥) المعارف الإلهية، وتبيين (^٦) طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد- يسير (^٧)، وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه.

قال تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (١٧) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (١٨) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق

(^١) "ف": "النحاس والحديد" خلافا للأصل وغيره.
(^٢) "ك، ط": "ليتهيأ الانتفاع".
(^٣) في "ط" زيادة: "يجاوزه بصره"، ولعلها من آثار مجاوزة البصر! (^٤) "ط": "لمن لم يجاوز".
(^٥) "من" ساقط من "ك".
(^٦) ك": "وتبين"، "ط": "يبين".
(^٧) "يسير" سقط من "ك، ط"، فاختل معنى الجملة مع إصلاحها في "ط".

الجزء: 1 - الصفحة: 223

حذر الموت والله محيط بالكافرين (١٩) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (٢٠)﴾ [البقرة/ ١٧ - ٢٠]. فهكذا حال كل من قصر نظره في بعض مخلوقات الرب تعالى على ما لابد منه من شر جزئي جدا بالإضافة إلى الخير الكثير.

ولو لم يكن (^١) في هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرا ومصلحة، ومن عداهم (^٢) -وإن كانوا أضعاف أضعافهم- فهم كالقش والزبالة وغثاء السيل، لا يعبأ بكثرتهم، ولا يقدح في الحكمة الإلهية، بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه آلاف (^٣) مؤلفة من النوع الآخر.
فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود أضداده، وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته (^٤)، بتفويت ذلك الشر المقابل له.

وهذا كالشمس، فإن الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشر المقابل له بها.
وأين نفع الشمس وصلاح النبات والحيوان بها من نفع الرسل وصلاح الوجود بهم؟ بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم، وصلاح القلوب و(^٥) الأبدان والدنيا والآخرة به؟

وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثل بدولاب أو

(^١) "ط": "تكن".
(^٢) "ط": "عاداهم"، وكذا كان في "ك" ثم أصلح في المتن.
(^٣) "ك، ط": "لآلاف".
(^٤) "ط": "فوته"، وأصلح في القطرية.
(^٥) "ك، ط": "صلاح الأبدان والدين والدنيا".

الجزء: 1 - الصفحة: 224

طاحون شديد الدوران، أي شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده، وعنده قيمه الذي يديره (^١)، وقد أحكم أمره لينتفع به ولا يضر أحدا.
فربما جاء الغر الذي لا يعرف فيتقرب منه (^٢)، فيخرق ثوبه أو بدنه، أو يؤذيه.
فإذا قيل لصاحبه: لم لم تجعله ساكنا لا يؤذي من اقترب منه؟ قال: هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابا وطاحونا، ولو جعل (^٣) على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه.

وكذلك إذا قدرنا (^٤) نار الأتون التي تحرق ما وقع فيها، وعندها وقاد حاذق يحشها (^٥)، فإذا غفل عنها أفسدت.
وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره، فإذا استغفله من قرب منها حتى أحرقته لم يقل لصاحب النار: هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب (^٦) منها وتحرقه؟ فإنه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها، ولو جعلتها دون ذلك لم تحرق أحجار الكلس (^٧)، ولم تطبخ الآجر، ولم تنضج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك.

فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله ورحمته، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خلقت عليها، التي (^٨) لا تكون نارا إلا بها، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارا،

(^١) "ك": " يدبره".
(^٢) "ك، ط": "فيقترب"، وأصلح في القطرية.
(^٣) "جعل" سقط من القطرية.
(^٤) كذا في الأصل و"ف".
وفي "ك": "أوقد".
وفي "ط": "أوقدنا".
(^٥) أي يوقدها.
وفي "ك": "يحشيها"، تحريف، وفي "ط": "يحشوها".
(^٦) قراءة: "ف": "تقرب"، وهي غير منقوطة في الأصل.
(^٧) الكلس: الجير.
(^٨) "ط": "والتي".

الجزء: 1 - الصفحة: 225

وكذلك النفس، ما (^١) يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها، وما حصل لها من خير فهو من فضل الله ورحمته.
والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك.

فأما (^٢) الأمور العدمية فهي باقية على ما كانت عليه من العدم، والإنسان جاهل ظالم بالضرورة، كما قال تعالى: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (٧٢)﴾ [الأحزاب/ ٧٢]، فإن الله أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا.
والظلم هو النقص، كما قال تعالى: ﴿آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا﴾ [الكهف/ ٣٣]، أي لم تنقص منه شيئا (^٣)، وهي ظالمة نفسها فهي الظالمة المظلومة، إذ كانت منقوصة من كمالها بعدم بعض الكمالات أو أكثرها منها (^٤).
وتلك الكمالات التي عدمت كان وجودها سببا لكمالات أخر، فصار عدمها مستلزما لعدم تلك الكمالات، فعظم النقص، واشتد العيب بحسبه، وفقدت من لذاتها وسرورها ونعيمها (^٥) وبهجتها وروحها بحسب ما فقدت من تلك الكمالات (^٦) التي لا سعادة لها بدونها، فإن أحد الموجودين قد يكون مشروطا بالآخر فيستحيل وجوده بدونه، لأن عدم الشرط يستلزم عدم المشروط.
فإذا عدمت النفس هذا الكمال المستلزم لكمال آخر مثله أو أعلى منه، وهي موصوفة بالنقص الذي هو

(^١) "ك، ط": "فما".
(^٢) "ك": "وأما".
(^٣) العبارة "والظلم هو النقص" إلى هنا ساقطة من "ط".
(^٤) "ك، ط": "بها".
(^٥) "ف": "ونعيمها وسرورها" خلافا للأصل.
(^٦) العبارة "فعظم النقص.
. . " إلى هنا ساقطة من "ك، ط" لانتقال النظر، وقد استدركت فيما بعد في حاشية "ك".

الجزء: 1 - الصفحة: 226

الظلم والجهل ولوازمها من أصل الخلقة = صارت مستلزمة للشر، وقوة شرها وضعفه بحسب قوتها وضعفها في ذاتها.

وتأمل أول نقص دخل على أبي البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم والعزم.
قال تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (١١٥)﴾ [طه/ ١١٥]. والنسيان سواء كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما ههنا فهو أمر عدمي، ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣].
فإنه (^١) اعترف بنقص حظ نفسه (^٢) -بما حصل لها من عدم العلم والصبر- بالنسيان الذي أوجب فوات حظه من الجنة.
ثم قال: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣] فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية، فيمنع أثرها وعقابها، ويقي (^٣) العبد ذلك (^٤) وإلا ضرته آثارها ولا بد، كآثار الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوي بشرب الترياق ونحوه وإلا (^٥) ضره ولا بد.
وإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما به تصلح (^٦) النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر، فالمغفرة (^٧) تمنع الشر، والرحمة توجب الخير، والرب

(^١) "ك، ط": "فإنه إذا".
(^٢) "ط": "بنقصه خص نفسه" تحريف.
(^٣) كذا في الأصل وغيره، وهي لغة، انظر ما سبق في ص (٢٠٣). وفي "ط" "يق" على الجادة.
(^٤) كذا في الأصل.
وفي "ف" فوق العبد: "صح".
وفي "ك، ط": "من ذلك".
(^٥) "إلا" في هذه الجملة، وفي الجملة السابقة وفي الجمل الآتية واقعة في غير موقعها.
انظر ما سلف في ص (٤٤). (^٦) "ك، ط": "يصلح به".
(^٧) "ط": "والمغفرة".

الجزء: 1 - الصفحة: 227

سبحانه إن لم يغفره للإنسان فيقيه السيئات، ويرحمه فيؤتيه (^١) الحسنات وإلا هلك ولا بد، إذ كان ظالما لنفسه ظلوما بنفسه.
فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، وهي متحركة بالذات، فإن لم تتحرك إلى الخير تحركت إلى الشر فضرت صاحبها.
وكونها متحركة بالذات من لوازم كونها نفسا لأن ما ليس حساسا متحركا بالإرادة فليس نفسا.

وفي (^٢) الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "أصدق الأسماء حارث وهمام" (^٣) فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: الكثير الهم، والهم مبدأ الإرادة، فالنفس لا تكون إلا مريدة عاملة؛ فإن لم توفق للإرادة الصالحة وإلا وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضار (^٤).

وقد قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا (١٩) إذا مسه الشر جزوعا (٢٠) وإذا مسه الخير منوعا (٢١) إلا المصلين (٢٢)﴾ [المعارج/ ١٩ - ٢٢] فأخبر تعالى أن الإنسان خلق على هذه الصفة، وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه.

وقال تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾ [النساء/ ٢٨] قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء (^٥).
وقال الحسن: هو خلقه من

(^١) "فيقيه.
. فيؤتيه" كذا ورد الفعلان بثبوت حرف العلة، انظر ما علقناه آنفا.
(^٢) "ط": "ففي"، "ك": "في".
(^٣) أخرجه أحمد (١٩٠٣٢)، وأبو داود (٤٩٥٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٨١٤) وغيرهم عن أبي وهب الجشمي.
وهو معلول.
أعله أبو حاتم الرازي بالإرسال.
انظر: علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣١٢ - ٣١٣). (ز).
(^٤) وانظر إغاثة اللهفان (٦٩)، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٢٩٤)، (٢٠/ ١٢٢). (^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٦، ٥١٧٧). (ز)، وانظر: معالم التنزيل (٢/ ١٩٩)، زاد المسير (٢/ ٦٠).

الجزء: 1 - الصفحة: 228

ماء مهين (^١).
وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى (^٢).
والصواب أن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أعظم من هذا وأكثر، فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر.
والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في الحدور (^٣).
فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخفى عنه هذا المسعد (^٤) المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه.

وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الرب جل جلاله ويثنى عليه بها، وهو موجب حكمته وعزته.
فكل ما يحدث من هذه الخلقة وما (^٥) يلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه خير وعدل وحكمة، إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته.
وبالنسبة إلى العبد ينقسم (^٦) إلى خير وشر وحسن

(^١) معالم التنزيل (٢/ ١٩٩)، زاد المسير (٢/ ٦٠). (^٢) زاد المسير (٢/ ٦٠). وفي معاني الزجاج (٢/ ٤٤): "أي يستميله هواه".
(^٣) الحدور: الموضع المنحدر.
وفي "ك، ط": "صيب الحدور" وهو تصحيف وغلط.
وصواب الكلمة الأولى: "صبب" وهو بمعنى الحدور.
ولعل سبب الغلط أن في الأصل: "الصبب الحدور" وضرب على الكلمة الأولى، ولكن خط الضرب لم يشملها كفها، فظن بعض الناسخين أن المضروب عليه لام التعريف فقط.
وأن المقصود: "صبب الحدور"، ثم صحفت الموحدة بالمثناة.
وسيأتي المثل مرة أخرى في ص (٦٤٤) وقد ذكره حمزة الأصفهاني في أمثاله (١٨٩) بلفظ ". . . إلى الحدور" (^٤) من أسعد: أعان.
وكتب فوقه في (ك): "صح".
وفي الحاشية: "ظ المساعد".
وفي "ط": "المساعد"، ولعله تغيير من الناشر.
(^٥) "ما" ساقط من "ك، ط".
وفي "ن": "أو يلزم".
(^٦) "ك، ط": "تنقسم"، والمثبت من "ف".

الجزء: 1 - الصفحة: 229

وقبيح، كما يكون (^١) بالنسبة إليه طاعة ومعصية وبرا وفجورا، بل أخص من ذلك، مثل كونه (^٢) صلاة وصياما وحجا وزنى وسرقة وأكلا وشربا، إذ ذلك موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، وموجب أمر الله له ونهيه.
فلله (^٣) سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاء (^٤) لخلقه، وعلى توفيقه الموجب لطاعته، وعلى خذلانه الموقع في معصيته.

وهو سبحانه سبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله سبحانه في ذلك أعظم حكمة مطلوبة، وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها، فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة.

ولهذا يقرن سبحانه في كتابه بين اسمه "الحكيم" واسمه "العليم" تارة، وبينه (^٥) وبين اسمه "العزيز" تارة (^٦)، كقوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ [النساء/ ٢٦، الأنفال/ ٧١]، ﴿والله عزيز حكيم﴾ [البقرة/ ٢٤٥، المائدة/ ٣٨]، وقوله: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء/ ١٥٨، ١٦٥، الفتح/ ٧، ١٩]، ﴿وكان الله عليما حكيما﴾ [الفتح/ ٤]، ﴿وإنك لتلقى القرآن

(^١) "ط": "تكون".
(^٢) "ط": "كونها".
(^٣) "ك، ط": "ولله".
(^٤) "ك، ط": "شاءه".
(^٥) "وبينه" ساقط من "ط".
(^٦) انظر ما سبق في ص (١٩٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 230

من لدن حكيم عليم (٦)﴾ [النمل/ ٦]، فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعا.

يقال: عز يعز -بفتح العين- إذا اشتد وقوي، ومنه الأرض العزاز للصلبة (^١) الشديدة؛ وعز يعز -بكسر العين- إذا امتنع ممن يرومه، وعز يعز -بضم العين- إذا غلب وقهر.
فأعطوا أقوى الحركات -وهي الضمة- لأقوى المعاني وهو الغلبة والقهر للغير، وأضعفها -وهي الفتحة- لأضعف هذه المعاني وهو كون الشيء في نفسه صلبا، ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عمن يرومه؛ والحركة المتوسطة -وهي الكسرة- للمعنى المتوسط وهو القوي الممتنع عن غيره، ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه.
فأعطوا الأقوى للأقوى، والأضعف للأضعف، والمتوسط للمتوسط (^٢).

ولا ريب أن قهر المريد (^٣) عما يريده من أقوى أوصاف القادر، فإن قهره عن إرادته وجعله غير مريد كان أقوى أنواع القهر، والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز، ف

فصول الكتاب · 53 فصل
طريق الهجرتين وباب السعادتين
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى — 21 من 53
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنىالعز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائحالثاني: حمد النعم والآلاءقاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريفالمقدمةالرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حدود أخرى للمحبة]الفصل الأول في حقيقتهفصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسانالطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاةثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل