الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل
على مراتبهم من تفضيلهم بعضهم على بعض.
الطبقة الثالثة: الأنبياء ١ الذين لم يرسلوا إلى أممهم، وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة، فاختصوا عن الأمة بإيحاء الله إليهم، وإرساله ملائكته إليهم، واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة يدعونهم ٢ إلى الله بشريعته وأمره، واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم.
الطبقة الرابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علما وعملا ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم.
وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية.
ولهذا قرنهم الله تعالى في كتابه بالأنبياء فقال: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (٦٩)﴾ [النساء/ ٦٩]، فجعل درجة الصديقية تلي ٣ درجة النبوة.
وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وأمته.
فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه، وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ٤ حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ [الحديد/ ١٩].
وقد ٥ قيل: إن الوقف على قوله: ﴿هم الصديقون﴾ ٦ ثم يبتدئ ﴿والشهداء عند ربهم﴾ فيكون الكلام
جملتين: أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله سبحانه بالتعليم والصبر عليه، وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم، لهم أجرهم ونورهم ١.
ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء، ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين: هنا وفي سورة النساء.
وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء في كلام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" ٢.
ولهذا كان ندت الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ٣.
ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت لقبا ٤ له رضي الله عنه.
وقيل ٥: إن الكلام كله جملة واحدة، وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم، وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة، وهو قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة/ ١٤٣] وهم المؤمنون.
فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا
شهداء ١ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفا لجملة المؤمنين الصديقين.
وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين، ويكون قوله "والشهداء" مبتدأ خبره ما بعده؛ لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدا في سبيل الله.
ويرجحه أيضا أنه لو كان "الشهداء" داخلا في جملة الخبر عن المؤمنين ٢ لكان قوله: ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾ [الحديد/ ١٩] داخلا أيضا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصديقون، والثاني: أنهم الشهداء، والثالث: أنهم ٣ لهم أجرهم ونورهم.
وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردا عن العطف.
وهذا كما تقول: "زيد كريم وعالم له مال".
والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف، أو تعطفها جميعا، فتقول: "زيد كريم عالم له مال".
أو "كريم وعالم وله مال".
فتأمله.
ويرجحه أيضا أن الكلام يصير جملا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء، وهم: الصديقون، والشهداء، والصالحون وهم المذكورون في أول الآية ٤، وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضا حسنا، فهؤلاء ثلاثة أصناف.
ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا
رسلنا بالبينات﴾ [الحديد/ ٢٥] فتناول ١ ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء.
ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون؛ فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (١٩)﴾ [الحديد/ ١٩].
وذكر المنافقين ٢ في قوله: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا﴾ ٣ [الحديد/ ١٣].
فهؤلاء أصناف العالم كلهم.
وترك سبحانه ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلطين غالبا لسر اقتضته حكمته سبحانه وتعالي.
فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده المطلق.
ولا ييأس من روح الله، فإنه ليس من الكفار الذين قد ٤ قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار، واقف بين الوعد والوعيد، كل منهما يدعوه الي موجبه لأنه أتي بسببه.
وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار.
ولو نزلوه منزلة بين المنزلين، ووكلوه إلى المشيئة، وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه، لأصابوا.
ولكن "منزلة بين منزلتين وصاحبها ٥ مخلد في النار" مما لا يقتضيه عقل ولا سمع، بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم، والله أعلم.
وأيضا فصاحب الشائبتين يعلم حكمه من نصوص الوعد والوعيد، فإن الله سبحانه رتب على كل عمل جزاء في الخير والشر، فإذا أتى العبد بهما كان فيه سبب الجزائين، والله لا يضيع مثقال ذرة.
فإن كان عمل الشر مما يوجب سقوط أثر الحسنة كالكفر كان التأثير له ١، وإن لم يسقطه كالمعصية ترتب في حقه الأثران، ما لم يسقط أحدهما بسبب من الأسباب التي سنذكرها ٢ إن شاء الله فيما بعد ٣.
والمقصود أن درجة الصديقية والربانية، ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأمة.
ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل من علم.
بتعليمهم وإرشادهم أو علم غيره شيئا من ذلك كان لهم ٤ مثل أجره ما دام ذلك جاريا في الأمة على آباد الدهور.
وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال لعلي بن أبي طالب: "والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ٥.
وصح عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص ذلك ٦ من أجورهم شيئا" ٧.
وصح عنه أنه قال: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ١.
وصح عنه أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ٢.
وفي السنن عنه أنه قال: "إن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتي النملة في جحرها" ٣.
وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير" ٤.
وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ٥.
وعنه: "العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس بعد" ١.
وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها إلى من سمعها" ٢.
والأحاديث في هذا كثيرة جدا ٣، وقد ذكرنا مائتي دليل على فضل العلم وأهله في كتاب مفرد ٤.
فيا لها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلها وأسناها، أن يكون المرء في حياته مشغولا ببعض أشغاله، أو في قبره قد صار أشلاء متمزقة وأوصالا متفرقة، وصحف حسناته متزايدة تملى فيها الحسنات كل وقت، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب.
تلك -والله- المكارم والغنائم! وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون، وعليه يحسد الحاسدون! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وحقيق بمرتبة هذا شأنها أن تنفق نفائس الأنفاس عليها، ويستبق ١ السابقون إليها، وتوفر ٢ عليها الأوقات، وتتوجه نحوها الطلبات.
فنسأل الله الذي بيده مفاتيح كل خير أن يفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنه وكرمه.
وأصحاب هذه المرتبة يدعون عظماء في ملكوت السماء، كما قال بعض السلف: "من علم وعمل وعلم فذلك يدعي عظيما في ملكوت السماء" ٣.
وهؤلاء هم العدول حقا بتعديل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لهم، إذ يقول فيما روي ٤ عنه من وجوه يسند ٥ بعضها بعضا: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ٦، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ٧.
وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد في خطبة كتابه ١ "الرد على الجهمية": "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ٢، ومن ضال جاهل قد هدوه.
فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين" ٣.
وذكر ابن وضاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ٤.