أنواع العبادة التي أمر الله بها
يقول الإمام رحمه الله:
وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، ومنها الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى.
والدليل قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}.فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.
والدليل قوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة".
والدليل قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
ودليل الخوف قوله تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
ودليل الرجاء قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.ودليل التوكل قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وقوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}.
ودليل الخشية قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}.
ودليل الإنابة قوله: {وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}.ودليل الاستعانة قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله".ودليل الاستعاذة قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}.
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.ودليل الاستغاثة قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}.
ودليل الذبح قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.
ومن السنة: "لعن الله من ذبح لغير الله".ودليل النذر قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}.
تعريف العبادة (كلام شيخ الإسلام)
هذا الفصل النافع للإمام رحمه الله يتكلم فيه عن أنواع العبادة.
ودائماً يذكرون تعريف شيخ الإسلام للعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وقد نقول إن العبادة هي كل ما إذا فعلته امتثالا أو تركته امتثالاًً أُجرت عليه، من الواجبات والمستحبات.
ما إذا فعلته امتثالاً أو تركته امتثالاً.
لأنه أحياناً قد يترك الإنسان أمراً على جهة التعبد، فينال الأجر، شيئاً مكروهاً أو محرماً فينال الأجر.
العبادة بين التوسيع والتضييق
الناس يحبون توسيع مفهوم العبادة إذا تعلق الأمر بالفضائل.
فعندنا حديث: "كل معروف صدقة".
و"تبسمك في وجه أخيك صدقة".
وإلى غير ذلك.
فهم هذا مفهوم ترغيبي محبب إلى نفوس الناس.
لكن يأتي الإشكال وأين يقف الناس وقفة؟ حين يتعلق الأمر بتعريف العبادة بأنك إذا صرفتها لغير الله تكون مشركاً.
فهنا يكون الميل إلى إيش؟ إلى تضييق مفهوم العبادة.
والأمر ليس لنا أننا نحن من نضيق أو نوسع.
أهمية العبادات القلبية
وقد أحسن المجدد إحساناً عظيماً حين أورد العبادات القلبية لأنها هي الأساس وهي أعظم شيء.
وقديماً كان التصوف، التصوف عند الصوفية الأوائل، يهتم بهذه الأمور بشكل أصيل وكبير جداً.
فتجد حتى أنهم يصنفون المصنفات مثل كتاب المحبة لابن الجنيد، في هذه الأبواب، في أبواب الرجاء والرغبة والرهبة.
وهذه الأبواب كان حتى الأئمة الكبار يتكلمون فيها.
فيُسأل الإمام أحمد رحمه الله عن الرجاء والخوف، الإنسان ماذا يقدم؟ يقدم الرجاء أم الخوف؟ فقال: يكونان كالجناحين، يكون كالطائر بجناحين.
فهذا من الأبواب التي عني بها الأئمة وهذا لب التزهد، أو التصوف بصورته القديمة التي لم تكن محل إشكال، التي كانت في مثل أبي سليمان الداراني والجنيد، على خلافٍ في شأن الجنيد وغير ذلك.
الدعاء
فمثلاً ذكر أولاً الدعاء.
الدعاء هذا عني به السلف.
فعلى سبيل المثال الطبراني ألف كتاباً كاملاً في الدعاء.
وتجد دائماً كتاب الأدعية موجوداً في عموم الكتب.
وهناك الدعوات الكبير للبيهقي.
والدعاء هذا هو خاصية أهل الإيمان، هو يبرز فيه إيمانهم.
والمشركون كانوا يدعون الله ولكن لم يكونوا يوحدونه: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}.
يشركون بإيش؟ بالدعاء.
لأنه يدعون غيره.
ولهذا في نقاش السلف مع الجهمية، حضر موضوع الدعاء بقوة.
فالإمام أحمد كان يستدل بالآيات الدالة على أنه لا يُدعى إلا الله ليرد على الجهمية القائلين بأن أسماء الله مخلوقة.
فيقول كيف ندعو مخلوقاً؟ لا يجوز، لا يكون.
طيب.
في كتاب أحمد الذي رواه الخضر بن المثني عن عبد الله بن أحمد تكلم في هذا الأمر، وهو موجود أيضاً في السنة للخلال.
فأمر الدعاء هذا معروف.
الخوف
والخوف من المشاعر: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}، {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ}.
اليوم دائماً يذكرون عن الصوفية كلمة رابعة العدوية ولا تصح عنها، أنها تقول: يا رب لو عبدتك خوفاً من نارك فأدخلنيها، ولو عبدتك حباً في جنتك فاحرمنيها، وإن عبدتك حباً فيك فلا تحرمني منك.
وهذا خطأ يعني، هذا خطأ كبير.
فإن من عذاب النار الحرمان من رؤية الله عز وجل، ومن ثواب الجنة رؤية الله تبارك وتعالى.
فثوابه أصلاً لا ينفصل عنه سبحانه وتعالى انفصالاً تاماً.
اليوم يتحدثون عن موضوع الخوف على أنه شعور سلبي.
وهذا ليس صحيحاً.
فإن الخوف من الأمور الضارة ينفع، ينفع الإنسان.
والخوف ليس شعوراً يستبد بالإنسان.
فعندنا نحن هناك خوف وهناك رجاء.
فمن خشي شيئاً ابتعد عنه.
فلم يقل لك يا أخي هؤلاء يخوفوننا من عذاب القبر وهؤلاء يخوفوننا من النار.
نعم، يخوفك من النار ويرغبك في الجنة.
يخوفك من عذاب القبر ويرغبك بنعيم القبر.
فأصلاً ما فيه وعظ فيه تخويف فقط.
بل الوعظ دائماً يكون فيه تخويف وفيه ترغيب.
{وَالشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}.
يخوف أولياءه.
ما معنى يخوف أولياءه؟ يعني يجعلكم تخافون من أوليائه.
يعظم أولياءه في قلوبكم.
اليوم الناس ماذا يقولون؟ يقولون أنا أخاف من الله وأخاف ممن لا يخاف الله.
لا لا لا، من لا يخاف الله لا تخافه.
من لا يخاف الله تخاف الله منه.
طيب يقول القائل: طيب يعني كل الناس، كلنا نخاف من أمور يميناً وشمالاً.
أليس كذلك؟ فهل نحن صرنا مشركين والحال هذه؟ هذا كلام المجدد الآن؟ لا، لا يوجد أحد من أهل العلم يقصد هذا.
هم يقصدون الخوف القلبي، الخوف أن هذا يثيبك، أن هذا يعاقبك، وأن هذا بيده كل شيء.
وهذا أمر مرتبط.
يعني غالباً، غالباً من يستغيث بالأولياء من يفعل من كذا تجده يخافهم.
فتجد مثلاً من يحلف بولي كذباً يخاف أن الولي هذا يصنع به شيئاً.
هذا الذي كان يعنيه المجدد.
فتجد بعضهم يعني، وهذا هو مشهور في أهل الشرك في هذا الزمان خصوصاً في الرافضة، أنه يحلف بالله كذباً ويخشى أن يحلف مثلاً بالعباس كذباً.
لماذا؟ يقول والله عز وجل يرحم والعباس لا يرحم.
هكذا يفعلون.
هذا خوف شركي واضح.
لأن ترتب عليه سلوك.
نحن لا نتحدث عن مجرد خوف هكذا.
لا لا لا، هو يقصد هذا النوع من الخوف الذي يكون مترتباً عليه سلوك داخل في أمر الخضوع.
أما الخوف من أنه يؤذيك ومعه أسباب الأذية الواضحة، اسمه خوف طبيعي، هذا لا يضر.
لكنك إن خلوت بنفسك إن كذا، وخوف مع التعظيم.
وقالوا الفرق بين الخوف والخشية أن الخشية مع التعظيم وكذا.
حتى الخوف من التسلط على الباطن.
فهناك معروف عند البوذيين وعند بعض الطرق الصوفية، يخاف أن شيخه يطلع على باطنه، يعلم ما في أحواله وما في كذا وما… وهذا سبحان الله شيء عجيب يعني.
الرجاء
يقول: والرجاء.
الرجاء، وهذا هو الرجاء.
والإنسان لا يعيش بلا رجاء.
{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.
الرجاء والشوق لله عز وجل هذه من علامات سلامة الفطرة.
وهذا هوى أهل الإيمان.
فدائماً تجد أهل الباطل عندهم هوى هو الذي يدفعهم إلى معارضة البينات: شهوات، حب رياسة، حب كذا.
أهل الإيمان لهم هوى أيضاً، لكن هذا ليس هوى باطلاً، وإنما هوى سليم: يريد رؤية الله، يريد جنته، يريد كذا، يريد كذا وكذا.
التوكل
قال: والتوكل.
والتوكل معنى قلبي لكنه يتصل بالفعل: "اعقلها وتوكل".
والتوكل هذا أيضاً كتبت فيه مؤلفات، لأبي نعيم كتاب في التوكل.
هذا المفهوم خبط وخلط فيه كثير من الصوفية.
فذكر الخلال في "الحث على التجارة والصناعة" أنهم كانوا لا يبذلون الأسباب ويقولون نحن متوكلون.
وقد ذم السلف هذه الحال.
فموضوع التوكل أنك تبذل الأسباب لكن تعلم أن هذه الأسباب ليست مؤثرة بذاتها، ليست علة تامة.
يعني كيف؟ يعني هذا السبب يؤثر لا شك، ولكن تأثيره مرتبط بإذن الله تبارك وتعالى.
الآن مثلاً ترى على علبة السجائر أن التدخين سبب رئيسي للسرطان.
طيب ليس كل المدخنين أصابهم السرطان، لكن كل من أصابه السرطان، للتدخين مدخل.
هؤلاء الذين دخنوا ولم يصبهم السرطان جاءت موانع منعت من ذلك.
والذين أصابهم السرطان توفر بهم الأمر السبب.
طيب فهو هذا مفهوم تأثير الأسباب.
مثل حديث النبي ﷺ أنه: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله".
وقول الله عز وجل: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
العمل سبب، ولكنه ليس علة تامة.
إيش معنى العلة التامة؟ العلة التامة هي المستغنية عن توفر الشروط وانتفاء الموانع.
وهذا فقط فعل الله.
وأما أفعالنا فكلها لابد فيها من توفر شروط وانتفاء موانع حتى تؤثر.
لكن لابد أن تفعل، لابد أن تعمل.
وهذا الآن معنى التوكل أنني أفعل.
مثلاً إنسان يريد ولداً.
هو يتزوج، لكن بعد الزواج هي الأسباب، لكن بعد ما بذل الأسباب يبقى قدر لله، لا يستطيع أن يصنع فيه شيئاً.
هو مريض بعقم، هو سليم، هو كذا.
هو حتى حين يمرض.
حتى حين يمرض، كيف يشفى؟ ما الذي سيشفى به؟ كله بيد الله تبارك وتعالى.
وهذا أمر نشاهده جميعاً.
حتى مثلاً المزارع يزرع ويفعل ويفعل، لكن يبقى أمر المطر يأتي من الله.
وكم مقدار المطر؟ إن أمطرت، كيف ستخرج النبتة؟ دائماً تجد جانباً خفياً.
وهذه، وهذه هي القصة أنه دائماً في زحمة، لا يوجد شيء إلا وله زحمة أسباب، ليس سبباً واحداً.
مثلاً مجلسنا هذا له أسباب كثيرة: السيارة التي جاءت بي والسيارة التي جاءت بك، والطريق وخلو الطريق وكذا.
نحن نقدر سببا أو سببين بأيدينا نستطيع أن نفعلها، وأيضاً بتقدير الله.
وحصلت بسلامة الصحة وبسلامة الذهن وبكذا وبعدم وجود عائق.
وفي أسباب أخرى حولنا هذه الأسباب لا نستطيع أن نؤثر فيها شيئاً.
ففي زحمة الأسباب كثير من الناس يغفل عن الأثر الإلهي المحض.
ولا حتى الأسباب نفسها فيها أثر.
هنا يغفل لأنه في عدة أسباب، فيختفي بين هذا السبب الأثر الإلهي.
المتوكل ماذا يفعل؟ يشاهد هذا.
يشاهد هذا الأمر الذي هو في الحقيقة هو الذي يضبط كل شيء.
طيب فالصوفية الأوائل كانوا يتركون الأسباب حتى لا يتوهموا الشرك.
الموجودون الآن لا، هو يتعلق بأضرحة ويتعلق بأسباب باطلة.
حتى سبحان الله.
الرغبة والرهبة والخشوع
يقول: والرغبة والرهبة.
الرغبة والرهبة هما أخوا الرجاء والخوف.
طيب والخشوع؟ والخشوع دائماً يفسر بأثره: بسكون الجوارح، بسكون القلب.
حتى هناك رجل كان يسمى بالخشوعي.
ما المقصود بالخشوعي؟ قالوا إنه مات وهو ساجد.
فسمي الخشوعي.
الخشوع هو أثر التعظيم الظاهر على البدن والقلب.
فهو أثر عقيدة باطنة على النفس.
وأنت تجد هذا في الساحات، تجد أناساً عند الأضرحة وغير ذلك تجد خشوعاً وسكوناً.
حتى النصارى تجدهم عند كذا.
الرافضة تجد خشوعاً وسكوناً وربما تنزل دموعهم وكذا.
فهو هذا الأمر الذي تحدث عنه المصنف.
الخشية
والخشية تكلمنا على باب الخشية والخوف.
الإنابة
والإنابة: {وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}.
الإنابة العودة، أن ننيب إلى ربنا.
وهذا يكون بالتوبة مع الأعمال الصالحة.
التوبة مع الأعمال الصالحة.
الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة
والاستعانة.
طيب الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، الثلاثة هذه طبعاً الاستعانة هي مطلق طلب العون.
الاستعاذة لدفع الشر.
الاستغاثة عند حصول الخطر العظيم.
ويقال مطر غيث، غيث إذا جاء والناس بحاجة شديدة له.
والألف والسين والتاء للطلب كما نقول الاستسقاء، يعني طلب السقيا.
ممكن الإنسان يستعين بإنسان حي قادر موجود فيما يقدر عليه.
الكلام على غير هذا.
ممكن حتى يستعيذ من إنسان بإنسان.
الكلام ليس على هذا.
واليوم الناس يخبطون خبطاً عشوائياً في هذا الباب.
موضوع الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، السلف لما احتجوا على الجهمية بحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق".
وقالوا لا يستعاذ بمخلوق، كما ذكر عن نعيم بن حماد وغيره.
واستدل بهم المروذي في الرسالة التي أشرف عليها أحمد يرد بها على بعض الواقفة.
هناك استغاثة واستعاذة لا تكون إلا لله.
وهي أن تستغيث بهذا الشيء أو أن تستغيث به أو تستعين به أو تستعيذ به من دفع مطلق الشر أو طلب مطلق الخير دون أن يكون له سبب حسي.
الآن أنا قد أذهب إلى طبيب، هذا الطبيب أقول له أعني على أن أعالج مرضي.
هذا طبيب يكون له سبب حسي محدود.
طبعاً أنا أعتقد كما فهمنا في التوكل أنه مجرد سبب ليس علة تامة.
لكن هذا الطبيب أنا لو احتجت أمراً في الهندسة لن آتيه.
لكن معبودي الذي أعبده في كل حاجة: طب، هندسة، كذا، قل يا رب.
انظر الذين يعبدون الأضرحة، في كل حاجة يسألون البدوي، يسألون علياً، يسألون الحسين، في كل حاجة.
أنت أحياناً تستعين بمخلوق تعرف نقصه وتعرف أنه قد يعارضه من هو بمثله، وأنه قد يريده ومن مثله لا يريد، لا.
لكن حين تستغيث بمعبودك، لا، أنت تعلم أنه لو أراد انتهى الأمر.
وهذا ما يعتقده عموم من يعبدون غير الله بالمعبود.
فهي هذه الاستغاثة على أنه علة تامة، والاستغاثة به على كل حال.
وطبعاً استغاثة بالمقبورين أيضاً، يسألونهم الحوائج على مسافات، كأنهم، كأنهم يعني سمعهم كسمع الله عز وجل.
فمن هذا الوجه، ومن مطلق الشر ويسألونه مطلق الخير.
فهذا شرك واضح جداً.
ولهذا السلف أنكروا على الجهمية.
لهذا قال ابن خزيمة: لا أحد يقول أعوذ بالكعبة.
فأنكر، ولم يشترط أن يعتقد أن في هذه الأشياء أنها خالق ورازق.
فالكفار أصلاً لا يعتقدون هذا.
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ}.
قالوا يقولون الله خالقنا رازقنا ويشركون به في عبادته، هذا تفسير السلف.
{فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}.
هم وحدوا إذاً في الدعاء، في الاستغاثة.
فأشركوا بالاستغاثة.
كان يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي.
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}.
حتى القرطبي يعترف بهذا يقول إنه استغاثوا استعاذوا بهم.
فهذا أمر واضح بين.
الآن يسمون هذا توسلاً، وهذا من اللبس والتخبط.
فإن التوسل أمره مختلف.
التوسل أن تدعو الله بجاه فلان بجاه علان، لكن يكون الدعاء لله.
أما الاستغاثة لا، أنت تستغيث بالولي مباشرة لا تذكر الله.
الذبح والنذر
قال: والذبح والنذر.
والذبح والنذر من أعظم الأبواب، حتى أن جمهور القبورية ينهون عن الذبح والنذر لغير الله.
لكن يجعلونه شركاً أصغر.
البربهاري يقول: وجب عليك تكفيره في شرح السنة.
شيخ الحنابلة لما تكلم عن الذبح لغير الله.
والله أعلم أن هذا كان ظاهراً في الروافض فيهم، لهذا نبه عليه.
فهو البربهاري هذا قبل المجدد بألف ومئة سنة والنذر نفس الشيء.
طبعاً الحمقى ينسبون لأحمد أنه يجيز الذبح لغير الله، بعض الحمقى.
أحمد سئل عن الذبح للزهرة، فقال يعني… كل منه.
هذا في ذبح النصراني الكتابي حين يذبح للزهرة.
فأهل الكتاب حلت ذبائحهم.
ثم بعد ذلك حصل نقاشات، إذا كان هو ذبح لغير الله أصلاً؟ إذا كان هو سمى غير الله؟ ثم إذا هو كذا؟ تجد نزاعات بين الفقهاء.
فجاء بعض الناس مساكين أو في عقولهم شيء فظنوا أن الأئمة يميعون الأمر بأنهم يقرأون المسألة ولا يفهمونها أو يقرأونها في كتب فقهية أخرى.
"لعن الله من ذبح لغير الله".
لا يوجد أحد أصلاً يعتد بقوله يخالف هذا.
وما يذكر عن بعض الشافعية مثل الموجود في "روضة الطالبين" أنهم يقولون بجواز الذبح للنبي وللكعبة، أعوذ بالله، هذا باطل.
وأيضاً تسمية النبي عند التسمية يقولون يقول بسم الله ومحمد، أعوذ بالله.
أصلا الإمام أحمد رحمه الله نهى عن الصلاة على النبي ﷺ عند التسمية لأن هذا باب يفرد به الله.
الشافعي سهل، أحمد لا.
فما بالك بأنه سيسمي اسم الله واسم النبي؟ ها؟ استعانة به؟ سبحان الله، هذا أجازه بعض المتأخرين وسبحان الله ويقول لك الفقه المذهبي والظاهرية.
والله كل أخطاء الظاهرية يعني أمرها هين أمام هذا الكلام.
والله صحيح.
يعني أمرها هين.
يعني أمرها هين أمام أن تقول الحلف بالنبي ﷺ ينعقد.
وتبطل حجتنا على الجهمية في من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين.
الله المستعان.
صحيح يعني لا إله إلا الله.
على أننا لسنا مع الظاهرية لكن…
حكم صرف شيء من العبادة لغير الله
{فَمَن صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِّغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ}.
والدليل قوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.
هذا في أمر الدعاء.
خلف البزاز يقول من قال أسماء الله مخلوقة فكفره عندي مثل الشمس.
لماذا؟ لأنه يدعو مخلوقاً.
فكلام المجدد هذا معتضد بكلام السلف.
الأدلة على أن الدعاء عبادة
وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة".
وهذا حديث مضاعف.
وهناك حديث أصح: "الدعاء هو العبادة".
بعض الناس ضعفه، وماذا قال؟ قال يعني أن راويه مرجئ.
قال وهذا يناقض مذهبه.
الدعاء هو العبادة.
وهذا مضحك.
النبي قال: "التقوى ها هنا.
التقوى ها هنا" وأشار إلى قلبه.
ولا يقصد أنها محصورة بهذا.
يقصد أن الدعاء هو أعظم العبادة.
وأن أفعال الناس إما دعاء مسألة وإما دعاء ثناء.
والدليل قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
{ادْعُونِي} ثم قال {عَنْ عِبَادَتِي}.
فدل أن الدعاء عبادة سواء كانت استغاثة أو غيره.
الأدلة على عبادة الخوف والرجاء والتوكل
ودليل الخوف: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
ودليل الرجاء قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.
عامة المفسرين يفسرون {أَحَدًا} بالرياء.
والرياء من الشرك الأصغر.
لكن إذا استقر في القلب وكثر وكثر قد يقود للشرك الأكبر.
ولاحظ أن الرياء مع أنه من عمل القلب اليسير صار شركاً أصغر.
فما بالك بالذبح والنذر وغير ذلك؟
ودليل التوكل قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
يعني كافيه.
وأيضاً لا يقال توكلت على الله وعليك.
لا، هي لا "وعليك" ولا "ثم عليك".
لأنه ما يتوكل على مخلوق البتة.
الأدلة على عبادة الرغبة والرهبة والخشوع والخشية
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}.
ودليل الخشية قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}.
الأدلة على عبادة الإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة
ودليل الإنابة: {وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}.
ودليل الاستعانة قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يستفاد منها إفراد العبادة.
اليس كذلك؟ تقديم ما حقه التأخير دليل على الحصر.
وهي أصلاً عبادة الله عز وجل لا تتم إلا بالاستعانة به.
وأنت إذا عبدته مستعيناً به سبحانه وتعالى كان ذلك مطهراً لقلبك من أربع آفات تضر عبادتك: اللي هي الرياء والسمعة (الرياء بالقلب، والسمعة التسميع، تحديث الناس)، والكبر والعُجب.
فهذه الآفات تدخل قلبك لما أنت تعبد الله عز وجل وأنت لست مستعيناً بالله.
تعبد الله عز وجل على جهة الكمال في نفسك.
وهذه مهمة جداً حتى الناس اللي فيها وسواس.
تجده يأتي يصلي وهو ليس مقتنعاً بهذه الصلاة.
أنت أصلاً لن تعبد الله عز وجل العبادة التي يستحقها ولا العبادة الكاملة.
أنت تعبد الله عز وجل بما هو مجزئ شرعاً.
والنقص لابد منه.
وهذا النقص تستغفر الله عز وجل منه ثم تمضي في أمرك وترجو أن رب العالمين يكمل لك الأمر.
فهو من البداية قال فالحسنة بعشرة أمثالها.
فمن البداية التكميل منه والمضاعفة منه، لا منك لا من جهدك.
وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله".
ودليل الاستعاذة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}.
و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
ودليل الاستغاثة: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}.
وأيضاً: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.
الأدلة على عبادة الذبح والنذر
ودليل الذبح قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.
ومن السنة: "لعن الله من ذبح لغير الله".
لعن الله، خلاص ما هذه ما فيها نقاش.
وصور الذبح لغير الله.
طيب بعض الناس يقول يا أخي أنا هذا فيه ذبح لضيف فيه كذا.
هذا ليس ذبحاً تعبدياً نسكياً.
هذا عادة ليؤكل.
لكن في ذبح للجن، يذبح لهم الذبح ثم يترك تعظيماً.
فهذا هذا خطير.
بعضهم يذبحون للسيارة ثم يدمون سيارته أو كذا من باب هكذا باب التعظيم أن هذا ذبحت لكرامة لك هكذا.
فهذا خطير وهذا عظيم.
وهذه النسائك اللي هي الذبح والنذر، ها؟ تدخل في إيش؟ يقول: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي}.