وجوب الدعوة إلى الله عز وجل وبيان فضلها
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد إسماعيل المقدم
- الكتاب
- سلسلة علو الهمة
- المؤلف
- محمد أحمد إسماعيل المقدممصدر
- الكتاب
- دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 18 درسا]
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على عباد الرحمن الذين كان من دعائهم إياه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74] أي: نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا.
ولذلك لما سئل وهب بن منبه عن صفة المسلم قال رحمه الله: يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده.
يعني: يهدي من بعده.
يقول الشاعر: نحن في ذي الحياة ركب صفاء يصل اللاحقين بالماضينا قد هدانا السبيل من سبقونا وعلينا هداية الآتينا يقول الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر.
يعني أن الذي يقعد في بيته ولا يخرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يسلم من العقوبة، ولن يسلم من الإثم.
يقول: من حيث التقاعد عن إرشاد الناس، وتعليمهم، وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف في القرى والبوادي؟! يعني أن الذين في المدن هم أهل الحواضر، ومع هذا تجد عندهم الجهل بالصلاة، فكيف بأهل البوادي والصحراء والقرى؟! ومنهم الأعراب والأكراد والترك وسائر أصناف الخلق.
يقول الغزالي رحمه الله: وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم، وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه فرغ من فرض عينه، وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى ما يجاور بلده من أهل الوادي ومن العرب والأكراد وغيرهم، ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يفسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:1 - 2]، فيقول رحمه الله: فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر.
يعني: أن هذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته من بعده؛ لأن الأمة تقوم مقامه في إنذار الناس، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:122]، والجن بمجرد أن سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين.
وهذا تلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى يقول: وتبليغ سنته صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه.
وأما الآن في هذا الزمان فلا يوجد تبليغ السهام إلى نحور العدو، ولا تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله المستعان.
فعالي الهمة دائماً يطلب ويبذل أقصى وسعه لنيل الكمال الممكن، أي: أقصى ما تصل إليه طاقته من الكمال، فمن أراد المنزلة العليا من الجنة فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة الدنيا، واحدة بواحدة، ولكل سلعة ثمن.
قال الشاعر: إذا ما علا المرء رام العلاء ويطمع بالدون من كان دونا يعني: ما دمت تريد منزلة عليا في الآخرة فلابد من أن تتبوأ منزلة عليا في الدنيا، والمنزلة التي في الدنيا ليس أن تكون وزيراً، ولا أن تكون تاجراً، ولا أن تكون مليونيراً، بل أعلى منزلة وأشرف وظيفة على الإطلاق يمكن أن يرثها إنسان في هذه الدنيا هي وظيفة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذه وظيفة الأنبياء، فلا شك في أنها أشرف وظيفة يقوم بها الإنسان على وجه الأرض؛ لأنها وراثة وظائف النبوة التي لا أشرف منها إلا منزلة النبوة نفسها.
وهذا الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى ينادي كل مسلم من بعده فيقول رحمه الله تعالى: ألست تبغي القرب منه -أي: من الله سبحانه وتعالى-؟! فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد؛ لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم سبحانه وتعالى؟! ثم قال: وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق وحثهم على الخير ونهيهم عن الشر؟! ثم يقارن الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى بين الشجعان الذين يخالطون الناس ويدعونهم إلى الخير ويصبرون على أذيتهم، وبين المتخاذلين المعتذرين القاعدين عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فيقول الإمام ابن الجوزي: الزهاد -يعني المعتزلين- في مقام الخفافيش -أي: اعتزلوا في المكان المظلم كالخفافيش-، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة، واتباع جنازة، وعيادة مريض، إلا أنها حالة الجبناء، فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعملون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام.
وكم يتفطر قلب المرء إذا رأى الإخوة ينزوون، خاصة من كان منهم من حفاظ القرآن الذين فتح الله عليهم، فحين نريد أن نحفظ القرآن نجد الانزواء والسلبية والهروب من المسئولية في خدمة القرآن الذي هو أشرف العبادات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فإذا كان كل واحد عنده طاقة في خدمة كتاب الله سبحانه وتعالى فعليه أن يبذلها، فهل كانت تنتشر الأمية بالقرآن الكريم والتقصير في حقه على هذا النحو الموجود؟!