الجواب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد إسماعيل المقدم
- الكتاب
- سلسلة علو الهمة
- المؤلف
- محمد أحمد إسماعيل المقدممصدر
- الكتاب
- دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 18 درسا]
لا، لهذا نحن نحتاج إلى مراجعة أنفسنا، فنحن محتاجون إلى التزام من جديد، والساحة محتاجة الآن إلى صحوة، والتزامنا يحتاج إلى التزام، وتوبتنا تحتاج إلى توبة؛ لأن أوضاعنا لا ترضي الله سبحانه وتعالى في كثير منها، فالله المستعان.
يقول: الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة، بشرط أنها لا تمنع من الخير، وذلك بأن يحضر الجماعة، ويتبع الجنائز، ويعود المرضى، لكن حالة العزلة -حتى مع هذه العبادات- حياة الجبناء، أما الشجعان فهم يتعلمون ويعملون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام.
وهذا الشيخ الداعية القدوة عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى كان رجلاً قد تكلم كثيراً، وصاح بأهل العراق صيحات بليغة رفيعة المعنى والمبنى، ويلتقط لنا أحد تلامذته من تلك الصيحات كلمات ندونها سريعاً، وكان الإمام الكيلاني يخطب خطبه الأسبوعية سنة (545هـ)، فأودع هذه النصائح في كتابه (الفتح الرباني والفيض الرحماني).
يقول الشيخ عبد القادر رحمه الله: المتزهد المبتدئ في زهده يهرب من الخلق، والزاهد الكامل في زهده لا يبالي بهم، ولا يهرب منهم، بل يطلبهم.
أي أن الشخص الذي كمل في زهده وحقق معنى الزهد الصحيح لا يهرب من الخلق، بل هو الذي يطارد الخلق ويجري وراءهم كي ينتشلهم، وكي ينقذهم، وكي يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول: بل يطلبهم؛ لأنه يصير إذا حقق الزهد عارفاً بالله عز وجل، ومن عرف الله لا يهرب من شيء، ولا يخاف من شيء سواه.
فالمبتدئ يهرب من الفساق والعصاة؛ لأنه ضعيف يخشى أن يتأثر بهم، والمنتهي يطلبهم؛ لأن الفاسق ضالة الداعية؛ لأن الداعية إذا ظل يدعو بين جماعات الصالحين فهذا تحصيل الحاصل، لكن الداعية إلى الحق تكون ضالته هي الفاسق غير المستقيم؛ لأنه يريد أن يضمه إلى عباد الله سبحانه وتعالى، وكيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده؟! ولهذا قال بعضهم رحمة الله عليه: لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف.
يعني: لا يضحك في وجه الفاسق تألفاً وتأليفاً له في أثناء دعوته إلى الله إلا العارف الذي كمل في عرفانه.
فمن كملت معرفته بالله عز وجل صار دالاً عليه، أي أن هذا الشخص الذي كملت معرفته يصبح مثل الشبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا، ويعطى القوة حتى يهزم إبليس وجنده ويأخذ الخلق من أيدهم.
يقول: يا من اعتزل بزهده مع جهله! تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض! تقدموا، خربوا صوامعكم، واقربوا مني، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا.
هذه صيحة من صيحات الشيخ: عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى، وكان يقول هذا الكلام وهو في سن الشيخوخة رحمه الله.
وبعض المعاصرين من الدعاة -وهو الأستاذ: محمد أحمد الراشد حفظه الله- يقول: لا ينبغي للداعية أن يبتئس إذا لم يجد فضل وقت لقيام الليل يومياً.
يعني: إن كان بسبب اشتغاله بالدعوة لا يستطيع المواظبة يومياً على قيام الليل، أو أنه بسبب اشتغاله بالدعوة يقل عدد ختماته للقرآن الكريم فإن ما هو فيه من الدعوة وتعليم الناس وتربية الشباب خير وأجزل أجراً، وقدوته في ذلك ورائده أئمة الدعاة من السلف الصالح الذين كانوا يسيحون لنشر الدعوة وتبليغها، ويبادئون الناس بالكلام، ويحتكون بهم احتكاكاً هادفاً، ولا ينتظرون مجيء الناس إليهم ليسألوهم.
وانظر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه لما أمَّ الناس يوماً، فانتقى في الصلاة من مواضع متفرقة من القرآن الكريم، ثم اعتذر بعدما صلى بهم وقال: لقد شغلني الجهاد عن كثير من قراءة القرآن.
لأنه اشتغل بفتح البلاد وتمصير الأمصار والدعوة إلى الإسلام، فأبواب الخير متعددة.
وكانت رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام، وتبشر به، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة، أي: لم يكونوا ينتظرون أن يأتوا إلى المدينة، وإنما كانوا يخرجون إليهم، وذلك الأعرابي الذي سأل الرسول صلى الله عليه وآله سلم عن أركان الإسلام، فلما أخبره بها قال: (لا أزيد عليهن ولا أنقص) هذا الأعرابي بدأ حواره مع النبي صلى الله عليه وسلم بأن قال له: (يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا: أنك تزعم أن الله أرسلك…) فإذاً: هناك حائط، وهناك إيجابية، فمن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية؛ فإن الناس يؤتون وينتقل إليهم، ولو فصلت كلمة هذا الأعرابي لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لقوم هذا الرجل، فارق أهله وبيته وأولاده، واجتاز المفاوز والصحراء، وتعرض للمخاطر والحر والبرد ليصل إلى قوم هذا الرجل ويبلغهم دعوة الإسلام، فلا بد من أن نكو