بِالشَّرِكَةِ إذْنٌ لَهُمْ.
قَالَ: وَإِنْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَخَذَ وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ وَاشْتَرَكَا فِي الْكَسْبِ جَازَ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ كَالْمُبَاحِ وَقَالَ: تَصِحُّ شَرِكَةُ الشُّهُودِ.
(وَمُوجِبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ) فِي شَرِكَةٍ وَجَعَالَةٍ وَإِجَارَةٍ (التَّسَاوِي فِي عَمَلٍ وَأَجْرٍ) ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمْ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَضْلَ (وَلِذِي زِيَادَةِ عَمَلٍ لَمْ يَتَبَرَّعْ) بِالزِّيَادَةِ (طَلَبُهَا) مِنْ رَفِيقِهِ لِيَحْصُل التَّسَاوِي (وَيَصِحُّ جَمْعٌ بَيْنَ شَرِكَةِ عِنَانٍ وَأَبْدَانٍ وَوُجُوهٍ وَمُضَارَبَةٍ) لِصِحَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا فَصَحَّتْ مَعَ غَيْرِهَا قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَكَمَا لَوْ ضَمَّ مَاءَ طَهُورٍ إلَى مِثْلِهِ.
[فَصْلٌ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ]
فَصْلٌ: وَالضَّرْبُ الْخَامِسُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ) وَهِيَ) لُغَةً: الِاشْتِرَاكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَشَرْعًا (قِسْمَانِ) : أَحَدُهُمَا (صَحِيحٌ.
وَهُوَ) نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ (تَفْوِيضُ كُلٍّ) مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (إلَى صَاحِبِهِ شِرَاءً وَبَيْعًا فِي الذِّمَّةِ وَمُضَارَبَةً وَتَوْكِيلًا وَمُسَافَرَةً بِالْمَالِ وَارْتِهَانًا وَضَمَانًا) أَيْ: تَقَبُّلَ (مَا يَرَى مِنْ الْأَعْمَالِ) وَالنَّوْعُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ يَشْتَرِكَانِ فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا إنْ لَمْ يُدْخِلَا) فِي ذَلِكَ (كَسْبًا نَادِرًا أَوْ غَرَامَةً) ; لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ أَضْرُبِ الشَّرِكَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
(وَ) الْقِسْمُ الثَّانِي: (فَاسِدٌ، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَا) فِي الشَّرِكَةِ (كَسْبًا نَادِرًا كَوِجْدَانِ لُقَطَةٍ، أَوْ رِكَازٍ، أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (مَا يَحْصُلُ) لَهُمَا (مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَضَمَانِ عَارِيَّةٍ وَلُزُومِ مَهْرٍ بِوَطْءٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ ; وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْغَرَرِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ فِيهِ مَا لَا يَقْدِرُ الشَّرِيكُ عَلَيْهِ (وَلِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي هَذَا الْقِسْمِ (مَا يَسْتَفِيدُهُ وَ) لَهُ (رِبْحُ مَالِهِ.
وَ) لَهُ (أُجْرَةُ عَمَلِهِ) لَا يَشْرُكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ لِفَسَادِ الشَّرِكَةِ (وَيَخْتَصُّ) كُلٌّ مِنْهُمَا (بِضَمَانِ مَا غَصَبَهُ أَوْ جَنَاهُ أَوْ ضَمِنَهُ عَنْ الْغَيْرِ) ; لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ]
ِ مِنْ السَّقْيِ ; لِأَنَّهُ أَهَمُّ أَمْرِهَا بِالْحِجَازِ ; لِأَنَّ النَّخْلَ تُسْقَى بِهِ نَضْحًا مِنْ الْآبَارِ فَتَكْثُرُ مَشَقَّتُهُ، وَشَرْعًا (دَفْعُ شَجَرٍ مَغْرُوسٍ مَعْلُومٍ) لِلْمَالِكِ وَالْعَامِلِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ وَصْفٍ.
فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ أَوْ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ كَالْبَيْعِ (لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ) أَيْ: الشَّجَرِ (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ ثَمَرُهُ) النَّامِي بِعَمَلِهِ وَسَوَاءٌ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ وَالرُّمَّانُ وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالزَّيْتُونُ وَغَيْرُهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ حَاجَتَيْ رَبِّ الشَّجَرِ وَالْعَامِلِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ مُعَامَلَاتٍ فَاسِدَةٍ فَسَّرَهَا رَافِعٌ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ أَيْضًا.
قَالَ أَحْمَدُ: رَافِعٌ يُرْوَى عَنْهُ فِي هَذَا ضُرُوبٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يُوهِنُ حَدِيثَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى قُطْنٍ وَمَقَاثِي وَمَا لَا سَاقَ لَهُ وَلَا عَلَى مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مَأْكُولٌ كَسَرْوٍ وَصَفْصَافٍ وَلَوْ كَانَ لَهُ زَهْرٌ مَقْصُودٌ كَنَرْجِسِ وَيَاسَمِينٍ وَلَا إنْ جَعَلَ لِلْعَامِلِ كُلَّ الثَّمَرَةِ وَلَا جُزْءًا مُبْهَمًا كَسَهْمٍ وَنَصِيبٍ وَلَا آصُعًا وَلَوْ مَعْلُومَةً أَوْ دَرَاهِمَ وَلَا ثَمَرَةَ شَجَرَةٍ فَأَكْثَرَ مُعَيَّنَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي الْبُسْتَانِ أَجْنَاسٌ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ جُزْءًا مُشَاعًا مَعْلُومًا كَنِصْفِ الْبَلَحِ وَثُلُثِ الْعِنَبِ وَرُبُعِ الرُّمَّانِ وَهَكَذَا جَازَ أَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِالنِّصْفِ وَالْآخَرُ بِالثُّلُثِ وَنَحْوِهِ أَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ سِنِينَ، السَّنَةُ الْأُولَى بِالنِّصْفِ وَالثَّانِيَةُ بِالثُّلُثِ وَالثَّالِثَةُ بِالرُّبُعِ وَنَحْوِهِ.
جَازَ وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْبَعْلِ مِنْ الشَّجَرِ كَاَلَّذِي يَحْتَاجُ لِلسَّقْيِ.
(وَالْمُنَاصَبَةُ.) هِيَ (الْمُغَارَسَةُ دَفْعُهُ) أَيْ: الشَّجَرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ (بِلَا غَرْسٍ مَعَ أَرْضٍ لِمَنْ يَغْرِسُهُ) فِيهَا (وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الشَّجَرِ عَيْنِهِ (أَوْ مِنْ ثَمَرِهِ أَوْ مِنْهُمَا) أَيْ: الشَّجَرِ وَثَمَرِهِ نَصًّا وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ خَيْبَرَ ; وَلِأَنَّ الْعَمَلَ وَعِوَضَهُ مَعْلُومَانِ فَصَحَّتْ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى شَجَرٍ مَغْرُوسٍ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ نَاظِرَ وَقْفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرٍ بَعْدَهُ بَيْعُ نَصِيبِ الْوَقْفِ مِنْ الشَّجَرِ بِلَا حَاجَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغِرَاسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَسَدَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَكْلِيفِ رَبِّ الْغِرَاسِ أَخْذَهُ، وَيَضْمَنُ لَهُ نَقْصَهُ وَبَيْنَ تَمَلُّكِهِ بِقِيمَتِهِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ رَبُّهُ أَخْذَهُ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إبْقَائِهِ بِأُجْرَةٍ جَازَ وَإِنْ دَفَعَ أَرْضًا وَشَجَرًا لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ الشَّجَرِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لَهُ فِي الْمُسَاقَاةِ جُزْءًا مِنْ الشَّجَرِ.
(وَالْمُزَارَعَةُ دَفْعُ أَرْضٍ وَحَبٍّ لِمَنْ يَزْرَعُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ.
أَوْ) دَفْعُ (مَزْرُوعٍ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ) الْمَدْفُوعُ لَهُ (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْمُتَحَصَّلِ) وَتُسَمَّى مُخَابَرَةً مِنْ الْخَبَارِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ الْأَرْضُ اللَّيِّنَةُ وَمُوَاكَرَةً وَالْعَامِلُ فِيهَا خَبِيرٌ وَأَكَارَ وَمَوَاكِرَ، وَيَشْهَدُ لِجَوَازِهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا كَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ بَلْ الْحَاجَةُ إلَى الزَّرْعِ آكَدُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُقْتَاتًا وَحَدِيثُ رَافِعٍ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُخَابَرَةِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُهُ فِي خَيْبَرَ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَهْمَا أَمْكَنَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِاسْتِحَالَةِ نَسْخِ قِصَّةِ خَيْبَرَ لِاسْتِمْرَارِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ بِهَا.
(وَيُعْتَبَرُ) لِمُسَاقَاةٍ وَمُنَاصَبَةٍ وَمُزَارَعَةٍ (كَوْنُ عَاقِدِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (نَافِذَ التَّصَرُّفِ) بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا رَشِيدًا ; لِأَنَّهَا عُقُودُ مُعَارَضَةٍ أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ.
(وَتَصِحُّ مُسَاقَاةٌ بِلَفْظِهَا) كَسَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ وَنَحْوِهِ (وَ) تَصِحُّ بِلَفْظِ (مُعَامَلَةٍ وَمُفَالَحَةٍ.
وَ) بِلَفْظِ (اعْمَلْ بُسْتَانِي هَذَا) حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ عَلَى النِّصْفِ مَثَلًا (وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُؤَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ الْقَصْدُ.
فَأَيُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ بِهِ كَالْبَيْعِ (وَ) تَصِحُّ مُسَاقَاةٌ بِلَفْظِ إجَارَةٍ (مَعَ مُزَارَعَةٍ) أَيْ: وَتَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ أَيْضًا (بِلَفْظِ إجَارَةٍ) كَاسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ بِثُلُثِهَا أَوْ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَزْرَعَ هَذَا الْحَبَّ بِهَذِهِ الْأَرْضِ وَتَعْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتِمَّ بِالرُّبُعِ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى.
(وَ) تَصِحُّ مُسَاقَاةٌ وَمُزَارَعَةٌ (عَلَى ثَمَرَةٍ وَزَرْعٍ مَوْجُودَيْنِ يَنْمِيَانِ بِعَمَلٍ) ; لِأَنَّهُمَا إذَا جَازَا فِي الْمَعْدُومَيْنِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فَعَلَى الْمَوْجُودَيْنِ مَعَ قِلَّتِهِ أَوْلَى.
(وَتَصِحُّ إجَارَةُ أَرْضٍ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ) كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ (مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا) أَيْ: الْأَرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ طَعَامًا كَانَ كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَهِيَ إجَارَةُ حَقِيقَةً يُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُ الْإِجَارَةِ.
فَكَمَا تَصِحُّ بِالدَّرَاهِمِ تَصِحُّ بِالْخَارِجِ مِنْهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَمَنْ تَبِعَهُ هِيَ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَهُ بِآصُعٍ مَعْلُومَةٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُشَاعُ مَجْهُولًا.
(فَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ) أَرْضٌ أُجِّرَتْ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا قُلْت: أَوْ زُرِعَتْ فَلَمْ تَنْبُتْ (نُظِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (إلَى مُعَدَّلِ الْمُغَلِّ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ: إلَى الْمُغَلِّ الْمُعَدَّلِ أَيْ: الْمُوَازِنِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَوْ زُرِعَتْ (فَيَجِبُ الْقِسْطُ الْمُسَمَّى) لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنْ فَسَدَتْ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(وَ) تَصِحُّ إجَارَةٍ أَرْضٍ (بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ مِنْ جِنْسِ الْخَارِجِ) مِنْهَا (أَوْ) مِنْ (غَيْرِهِ) بِأَنْ آجَرَهَا سَنَةً لِزَرْعِ بُرٍّ بِقَفِيزِ بُرٍّ وَلَمْ يَقُلْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا أَوْ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ
وَنَحْوِهِ كَمَا لَوْ آجَرَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ.
(وَلَوْ عَمِلَا) أَيْ: الشَّرِيكَانِ (فِي شَجَرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَشَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي ثَمَرِهِ) فَإِنْ قَالَا: عَلَى أَنَّ لَك الثُّلُثَ وَلِي الثُّلُثَيْنِ مَثَلًا (صَحَّ) ; لِأَنَّ مَنْ شُرِطَ لَهُ الْفَضْلَ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى عَلَى الْعَمَلِ مِنْ الْمَفْضُولِ، وَأَعْرَفَ بِهِ مِنْهُ (بِخِلَافِ مُسَاقَاةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِنِصْفِهِ) أَوْ ثُلُثِهِ وَنَحْوِهِ.
فَلَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِمِلْكِهِ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا.
وَإِنْ شُرِطَ لَهُ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ فَقَدْ جُعِلَ لِغَيْرِ الْعَامِلِ جُزْءٌ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ وَيَسْتَعْمِلُهُ بِلَا عِوَضٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ (أَوْ) أَيْ: وَبِخِلَافِ مُسَاقَاةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ ب (كُلِّهِ) أَيْ: الثَّمَرِ فَلَا يَصِحُّ (وَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (أُجْرَتُهُ) أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِهِ (إنْ شَرَطَ الْكُلَّ لَهُ) ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(وَيَصِحُّ تَوْقِيتُ مُسَاقَاةٍ) كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ) تَوْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إبْقَاؤُهُ وَفَسْخُهُ.
فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّوْقِيتِ كَالْمُضَارَبَةِ (وَيَصِحُّ) تَوْقِيتُهَا (إلَى جِذَاذٍ وَ) إلَى (إدْرَاكٍ.
وَ) إلَى مُدَّةٍ تَحْتَمِلُهُ لَا إلَى مُدَّةٍ لَا تَحْتَمِلُهُ ; لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا إذَنْ.
(وَمَتَى انْفَسَخَتْ) الْمُسَاقَاةُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا، أَوْ مَوْتِهِ وَنَحْوَهُ (وَقَدْ ظَهَرَ ثَمَرٌ) فِيمَا سَاقَاهُ عَلَيْهِ (ف) الثَّمَرَةُ (بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ) فِي الْعَقْدِ (وَعَلَى عَامِلٍ) أَوْ وَارِثِهِ (تَمَامُ الْعَمَلِ) كَالْمُضَارِبِ يَبِيعُ الْعُرُوضَ بَعْدَ فَسْخِ الْمُضَارَبَةِ لِيَفُضَّ الْمَالَ، فَإِنْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى بَعْدَ الْفَسْخِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى الْعَامِلِ بَعْدَ الْفَسْخِ تَمَامُ الْعَمَلِ (دَوَامُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُنَاصَبَةِ وَلَوْ فُسِخَتْ) الْمُغَارَسَةُ (إلَى أَنْ تَبِيدَ) الْأَشْجَارُ الْمَغْرُوسَةُ (وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ) انْتَهَى.
وَإِنْ بَاعَ عَامِلٌ أَوْ وَارِثُهُ نَصِيبَهُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ جَازَ.
وَصَحَّ شَرْطُهُ كَالْمُكَاتَبِ يُبَاعُ عَلَى كِتَابَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُشْتَرٍ فَلَهُ الْخِيَارُ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ فِي الْإِقْنَاعِ.
(وَلَا شَيْءَ لِعَامِلٍ فَسَخَ) الْمُسَاقَاةَ (أَوْ هَرَبَ قَبْلَ ظُهُورِ) الثَّمَرِ لِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ بِرِضَاهُ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ
(وَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (إنْ مَاتَ) الْعَامِلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ (أَوْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ) الْمُسَاقَاةَ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَبَعْدَ الْعَمَلِ (أُجْرَةُ عَمَلِهِ) ; لِاقْتِضَاءِ الْعَقْدِ الْعِوَضَ الْمُسَمَّى وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِلُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يَأْتِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَفِيمَا إذَا فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ الْعَمَلِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمُسَمَّى رَجَعَ إلَى أَجْرِ الْمِثْلِ وَفَارَقَ ذَلِكَ فَسْخُ رَبِّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ ; لِأَنَّ
الْعَمَلَ هُنَا مُفْضٍ إلَى ظُهُورِ الثَّمَرِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهَا إلَى الرِّبْحِ.
(وَإِنْ بَانَ الشَّجَرُ) الْمُسَاقَى عَلَيْهِ (مُسْتَحَقًّا) أَيْ: مِلْكًا أَوْ وَقْفًا لِغَيْرِ الْمُسَاقِي بَعْدَ عَمَلِ عَامِلٍ فِيهِ (ف) لِرَبِّهِ أَخْذُهُ وَثَمَرِهِ ; لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْعَامِلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْهُ وَ (لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) عَلَى الْغَاصِبِ ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَاسْتَعْمَلَهُ وَإِنْ شَمَّسَ الْعَامِلُ الثَّمَرَةَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا أَخَذَهَا رَبُّهَا وَإِنْ نَقَصَتْ فَلِرَبِّهَا أَرْشُ نَقْصِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَتَلَفِهَا لِرَبِّهَا تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِنْ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ فَلَهُ تَضْمِينُهُ الْكُلَّ وَلَهُ تَضْمِينُهُ قَدْرَ نَصِيبِهِ ; لِأَنَّ الْغَاصِبَ سَبَبُ يَدِ الْعَامِلِ فَإِنْ ضَمَّنَهُ الْكُلَّ رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ وَرَجَعَ الْعَامِلُ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
وَإِنْ ضَمَّنَ الْعَامِلَ فَهَلْ يُضَمِّنُهُ الْكُلَّ أَوْ نَصِيبَهُ فَقَطْ احْتِمَالَانِ: وَإِنْ ضَمَّنَ كُلَّ مَا صَارَ إلَيْهِ رَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لَا غَيْرُ.
[فَصْلٌ مَا عَلَى عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْمُزَارَعَةِ]
فَصْلٌ: وَعَلَى عَامِلٍ فِي مُسَاقَاةٍ وَمُغَارَسَةٍ وَمُزَارَعَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (مَا فِيهِ نُمُوٌّ أَوْ صَلَاحٌ لِثَمَرٍ وَزَرْعٍ مِنْ سَقْيٍ) بِمَاءٍ حَاصِلٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَفْرِ بِئْرٍ وَلَا إدَارَةِ دُولَابٍ.
(وَ) إصْلَاحُ (طَرِيقِهِ وَتَشْمِيسُ) مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (وَإِصْلَاحُ مَحَلِّهِ وَ) فِعْلُ (حَرْثٍ وَآلَتِهِ وَبَقَرِهِ) أَيْ: الْحَرْثِ (وَزِبَارٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: تَحْفِيفِ الْكَرْمِ مِنْ الْأَغْصَانِ الرَّدِيئَةِ وَبَعْضِ الْجَيِّدَةِ بِقَطْعِهَا بِمَنْجَلٍ وَنَحْوِهِ (وَتَلْقِيحٍ) أَيْ: جَعْلُ طَلْعِ الْفِحَالِ فِي طَلْعِ الثَّمَرِ (وَقَطْعُ حَشِيشٍ مُضِرٍّ) بِشَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ وَقَطْعُ شَوْكٍ يَابِسٍ (وَتَفْرِيقُ زِبْلٍ وَسِبَاخٍ وَنَقْلِ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ) كَزَرْعٍ (لِجَرِينٍ وَحَصَادٍ وَدِيَاسٍ وَلِقَاطٍ) لِنَحْوِ قِثَّاءٍ وَبَاذِنْجَانٍ.
(وَتَصْفِيَةُ) زَرْعٍ (وَتَجْفِيفُ) ثَمَرَةٍ (وَحِفْظُ) ثَمَرَةٍ وَزَرْعٍ (إلَى قِسْمَةٍ) ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْعَمَلِ (وَعَلَى رَبِّ أَصْلٍ حِفْظُهُ) أَيْ: مَا يَحْفَظُ الْأَصْلَ (كَسَدِّ حَائِطٍ وَإِجْرَاءِ نَهْرٍ وَحَفْرِ بِئْرٍ وَ) ثَمَنِ (دُولَابٍ وَمَا يُدِيرُهُ) مِنْ بَهَائِمَ (وَشِرَاءِ مَاءٍ وَ) شِرَاءِ (مَا يُلَقَّحُ بِهِ) مِنْ طَلْعِ فِحَالٍ وَيُسَمَّى الْكُثْرُ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونُ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِهَا (وَتَحْصِيلُ زِبْلٍ وَسِبَاخٍ) ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ (وَعَلَيْهِمَا) أَيْ: الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ (بِقَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا جِذَاذٌ) نَصًّا أَيْ: قَطْعُ ثَمَرِهِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَكَامُلِ الثَّمَرِ وَانْقِضَاءٍ لِمُعَامَلَةٍ أَشْبَهَ نَقْلَهُ إلَى الْمَنْزِلِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَعَنْهُ عَلَى الْعَامِلِ.
(وَيَصِحُّ شَرْطُهُ) أَيْ: الْجِذَاذُ (عَلَى عَامِلٍ) نَصًّا لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ فَصَحَّ كَتَأْجِيلِ ثَمَنٍ فِي بَيْعٍ وَمَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمَا نَصًّا بِأَزْكَاهَا و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يُشْتَرَطَ (عَلَى أَحَدِهِمَا مَا عَلَى الْآخَرِ) كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ) لِمُخَالِفَتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَالْمُضَارَبَةِ إذَا شُرِطَ فِيهِمَا الْعَمَلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
(وَيُتَّبَعُ فِي الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ الْعُرْفُ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ) فَيُعْمَلُ بِهِ فَمَا عُرِفَ أَخَذَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ فَهُوَ عَلَيْهِ وَمَا عُرِفَ مِنْ الْعَامِلِ فَعَلَيْهِ، وَمَا طُلِبَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ وَظَائِفَ سُلْطَانِيَّةٍ فَعَلَى قَدْرِ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ وُضِعَتْ عَلَى الزَّرْعِ فَعَلَى رَبِّهِ وَعَلَى الْعَقَارِ فَعَلَى رَبِّهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ وَإِنْ وُضِعَ مُطْلَقًا فَالْعَادَةُ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ أَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ ; وَلِأَنَّهُ أُجْرَةُ الْأَرْضِ فَكَانَ عَلَى مَنْ هِيَ مِلْكُهُ كَمَا لَوْ زَارَعَ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ عَلَيْهِ كَمَالِكٍ فِي مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ.
(وَكُرِهَ حَصَادٌ وَجِذَاذٌ لَيْلًا) نَصًّا خَشْيَةَ ضَرَرٍ.
(وَعَامِلٌ) فِي مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ (كَمُضَارِبٍ فِيمَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ فِيهِ (أَوْ يُرَدُّ قَوْلُهُ فِيهِ) فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ وَنَحْوُهُ ; لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ ائْتَمَنَهُ دُونَ رَدِّ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا شُرِطَ لِعَامِلٍ مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ زَرْعٍ.
(وَ) فِي (مُبْطِلٍ) لِعَقْدِهَا كَجُزْءٍ مَجْهُولٍ أَوْ دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا (وَ) فِي (جُزْءٍ مَشْرُوطٍ) مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ زَرْعٍ إذَا اخْتَلَفَا لِمَنْ هُوَ.
(فَإِنْ خَانَ) عَامِلٌ فِي مُسَاقَاةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ (فَمُشْرِفٌ يَمْنَعُهُ) الْخِيَانَةَ إنْ ثَبَتَتْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ فَيَضُمُّ إلَيْهِ مَنْ يَمْنَعُهُ لِيَحْفَظَ الْمَالَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) مَنْعُ مُشْرِفٍ لَهُ مِنْ الْخِيَانَةِ بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ حِفْظُ الْمَالِ مِنْهُ (فَعَامِلٌ) يُسْتَعْمَلُ (مَكَانَهُ) لِيَحْفَظَ الْمَالَ (وَأُجْرَتُهُمَا) أَيْ: الْمُشْرِفِ وَالْعَامِلِ مَكَانَهُ (مِنْهُ) أَيْ: الْخَائِنِ لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ لِلُزُومِ الْحِفْظِ لَهُ، (وَإِنْ اُتُّهِمَ) بِخِيَانَةٍ وَلَمْ تَثْبُتْ (حَلَفَ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ رَبِّ الْمَالِ (وَلِمَالِكٍ قَبْلَ فَرَاغِ) عَمَلٍ (ضَمُّ أَمِينٍ) إلَى الْعَامِلِ الْمُتَّهَمِ لِحِفْظِ مَالِهِ (بِأُجْرَةٍ مِنْ نَفْسِهِ) أَيْ: رَبِّ الْمَالِ ; لِعَدَمِ ثُبُوتِ خِيَانَتِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِهِ) أَيْ: بِعَامِلٍ فِي مُسَاقَاةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ (نَفْعٌ لِعَدَمِ بَطْشِهِ) فِي الْعَمَلِ مَعَ أَمَانَتِهِ لَمْ تُرْفَعْ يَدُهُ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي بَقَائِهَا، وَالْعَمَلُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَ (أُقِيمَ مَقَامَهُ) مَنْ يَعْمَلُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ (أَوْ ضُمَّ إلَيْهِ) مَنْ يُعِينُهُ إنْ ضَعُفَ عَنْهُ وَأُجْرَتُهُ فِيهِمَا مِنْ عَامِلٍ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ تَوْفِيَةَ الْعَمَلِ وَهَذَا مِنْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ أَمْطَارٌ أَوْ فَاضَتْ عُيُونٌ فَأَغْنَتْ عَنْ سَقْيِ عَامِلٍ لَمْ يَنْقُصْ نَصِيبُهُ بِذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَةِ]
ِ وَشُرِطَ لَهَا عِلْمُ بَذْرٍ كَشَجَرٍ فِي مُسَاقَاةٍ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ لَا يُخْتَلَفُ مَعَهَا.
(وَ) عِلْمُ (قَدْرِهِ) أَيْ: الْبَذْرِ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُقَدَّرٍ كَالْإِجَارَةِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الْبَذْرِ (مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ) نَصًّا وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَشْتَرِكَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي نَمَائِهِ فَوَجَبَ كَوْنُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ مِنْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُقْنِعِ.
(وَ) عَلَى الْأَوَّلِ يُشْتَرَطُ كَوْنُ بَذْرٍ مِنْ رَبِّ أَرْضٍ وَ (لَوْ) كَانَ (عَامِلًا) عَلَى زَرْعٍ (وَبَقَرُ الْعَمَلِ مِنْ الْآخَرِ) فَيَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ صَاحِبِ الْبَقَرِ وَالْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ وَرَبُّ الْأَرْضِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ هُنَا إلَّا بَعْضُ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ (وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ بَذْرٍ مِنْ عَامِلٍ أَوْ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ رَبِّ أَرْضٍ وَعَامِلٍ مَعًا (وَلَا) كَوْنُ بَذْرٍ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: أَحَدِ الْمُزَارِعَيْنِ سَوَاءٌ عَمِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا.
(وَالْأَرْضُ لَهُمَا أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ (الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَذْرِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ) كَوْنُ الْأَرْضِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلِ مِنْ ثَانٍ (وَالْبَذْرِ مِنْ ثَالِثٍ أَوْ) كَوْنُ الْأَرْضِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلِ مِنْ ثَانٍ وَالْبَذْرِ مِنْ ثَالِثٍ (وَالْبَقَرِ مِنْ رَابِعٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ (أَوْ) كَوْنِ (الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ وَالْبَقَرِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمَاءِ مِنْ الْآخَرِ) فَلَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ كَوْنُ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْعَمَلِ مِنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ ; وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ.
فَلَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ أَرْضٍ آجَرْتُك نِصْفَ أَرْضِي هَذِهِ بِنِصْفِ بَذْرِك وَبِنِصْفِ مَنْفَعَتِك وَمَنْفَعَةِ بَقَرِك وَآلَتَكَ، وَأَخْرَجَ الزَّارِعُ الْبَذْرَ كُلَّهُ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
وَكَذَا لَوْ جَعَلَهَا أُجْرَةً لِأَرْضٍ أُخْرَى أَوْ دَارٍ، وَالزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ وَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْمَنْفَعَةِ وَضَبْطُهَا بِمَا لَا يُخْتَلَفُ مَعَهُ وَمَعْرِفَةُ الْبَذْرِ جَازَ وَكَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ قَالَ أَجَّرْتُكِ نِصْفَ أَرْضِي بِنِصْفِ مَنْفَعَتِك وَمَنْفَعَةِ بَقَرِكَ وَآلَتَكَ وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ فَكَالَّتِي قَبْلَهَا إلَّا أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَإِنْ شَرَطَ) رَبُّ مَالٍ (لِعَامِلٍ نِصْفَ هَذَا النَّوْعِ) أَوْ الْجِنْسِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (وَرُبُعَ) النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ (لِآخَرَ وَجُهِلَ قَدْرُهُمَا) أَيْ: النَّوْعَيْنِ بِأَنْ جَهِلَاهُمَا أَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ.
لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ النَّوْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الرُّبُعَ.
وَأَقَلُّهُ مِنْ الْآخَرِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ (أَوْ)
شَرَطَ (إنْ سَقَى) الْعَامِلُ (سَيْحًا أَوْ زَرَعَ شَعِيرًا فَ) لِعَامِلٍ (الرُّبُعُ، وَ) إنْ سَقَى (بِكُلْفَةٍ.
أَوْ) زَرَعَ (حِنْطَةً فَ) لَهُ (النِّصْفُ) لَمْ يَصِحَّ ; لِجَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالنَّصِيبِ.
وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحٍ، أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: مَا زَرَعْت مِنْ شَعِيرٍ فَلِي رُبُعُهُ وَمَا زَرَعْت مِنْ حِنْطَةٍ فَلِي نِصْفُهَا، وَمَا زَرَعْت مِنْ ذُرَةٍ فَلِي ثُلُثُهَا وَنَحْوَهُ لِجَهَالَةِ الْمَزْرُوعِ (أَوْ) قَالَ لَهُ: اعْمَلْ و (لَك الْخُمُسَانِ إنْ لَزِمَتْك خَسَارَةٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَلْزَمْكَ خَسَارَةٌ (فَ) لَك (الرُّبُعُ) لَمْ يَصِحَّ نَصًّا.
وَقَالَ: هَذَانِ شَرْطَانِ فِي شَرْطٍ وَكَرِهَهُ (أَوْ) شَرَطَا (أَنْ يَأْخُذ رَبُّ الْأَرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ) بِمَا يَحْصُلُ (وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ) لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِثْلُ الْبَذْرِ فَيَخْتَصُّ بِهِ رَبُّهَا وَهُوَ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ.
(أَوْ) قَالَ رَبُّ بُسْتَانَيْنِ فَأَكْثَرَ لِعَامِلٍ (: سَاقَيْتُكَ هَذَا الْبُسْتَانَ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيَك) الْبُسْتَانَ (الْآخَرَ بِالرُّبُعِ فَسَدَتَا) أَيْ: الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ فِيمَا سَبَقَ ; لِأَنَّهُ شَرْطُ عَقْدٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (كَمَا لَوْ شَرَطَا) أَيْ: رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مِنْ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ مَعْلُومَةً.
(أَوْ) شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا (دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أَوْ) شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا (زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الْأَرْضِ أَوْ ثَمَرَ شَجَرِ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
أَمَّا فِي الْأُولَى ; فَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يَزِيدُ عَنْ الْقُفْزَانِ الْمَشْرُوطَةِ.
وَفِي الثَّانِيَةِ قَدْ لَا يَخْرُجُ مَا يُسَاوِي تِلْكَ الدَّرَاهِمَ.
وَفِي الثَّالِثَةِ قَدْ لَا يَتَحَصَّلَ فِي النَّاحِيَةِ الْمُسَمَّاةِ أَوْ الْأُخْرَى شَيْءٌ.
وَكَذَا لَوْ شُرِطَتْ الدَّرَاهِمُ مَعَ الْجُزْءِ أَوْ جَعَلَ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ غَيْرِ السَّنَةِ الْمُسَاقَى عَلَيْهَا أَوْ ثَمَرَ شَجَرٍ غَيْرِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ عَمَلًا فِي غَيْرِ الشَّجَرِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ، أَوْ فِي غَيْرِ السَّنَةِ الْمُسَاقَى عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ كُلَّهُ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ.
وَكَذَا لَوْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا مَا عَلَى السَّوَاقِي أَوْ الْجَدَاوِلِ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ نَصِيبِهِ.
(فَالزَّرْعُ) إذَا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ لِرَبِّ الْبَذْرِ (أَوْ الثَّمَرِ) إذَا فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ (لِرَبِّهِ) أَيْ: الشَّجَرِ ; لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ يَنْقَلِبُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَيَنْمُو كَالْبَيْضَةِ تُحْضَنُ فَتَصِيرُ فَرْخًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ: رَبِّ الْبَذْرِ وَالشَّجَرِ (الْأُجْرَةُ) أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِ الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَرَجَعَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْبَذْرِ هُوَ الْعَامِلُ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا فَالزَّرْعُ لَهُمَا وَيَتَرَاجَعَانِ بِمَا يَفْضُلُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا نَصِيبُ الْعَامِلِ وَأَجْرُ الْعَامِلِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ.
(وَمَنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ) فِي أَرْضٍ شَائِعَةٍ بَيْنَهُمَا (فِي نَصِيبِهِ) مِنْهَا (بِفَضْلٍ) أَيْ: جُزْءٍ زَائِدٍ (عَنْ حِصَّتِهِ)
مِنْ الْأَرْضِ بِأَنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ نِصْفَيْنِ وَجَعَلَا لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا مِنْهُمَا الثُّلُثَيْنِ (صَحَّ) وَالسُّدُسُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ الْعَامِلِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَأَنَّ شَرِيكَهُ.
قَالَ: زَارَعْتُكَ عَلَى نَصِيبِي بِثُلُثِهِ فَيَجُوزُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(مَنْ زَارَعَ أَوْ أَجَّرَ) شَخْصًا (أَرْضًا وَسَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ بِهَا صَحَّ) ; لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَجُوزُ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَوَاءٌ قَلَّ بَيَاضُ الْأَرْضِ أَوْ كَثُرَ نَصًّا (مَا لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (حِيلَةً) عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ وُجُودِهَا أَوْ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (وَمَعَهَا) أَيْ: الْحِيلَةِ (إنْ جَمَعَهُمَا) أَيْ: الْإِجَارَةَ وَالْمُسَاقَاةَ (فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ (فَتَفْرِيقُ صَفْقَةٍ) فَيَصِحُّ فِي الْإِجَارَةِ وَيَبْطُلُ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(وَلِمُسْتَأْجِرٍ فَسْخُ الْإِجَارَةِ) لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا فِي عَقْدٍ.
بَلْ أَفْرَدَ الْإِجَارَةَ بِعَقْدٍ وَالْمُسَاقَاةَ بِآخَرَ (فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ) فَقَطْ ; لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْإِجَارَةِ بِالثَّمَرِ.
وَلَا فَسْخَ لِلْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُفْرَدَةٌ عَنْ غَيْرِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسَاقَاةٌ.
قَالَ: (الْمُنَقِّحُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ عَقْدِ الْحِيلَةِ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَسَوَاءٌ كَانَ إجَارَةً أَوْ مُسَاقَاةً جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ أَوْ فَرَّقَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَرْضِ إلَّا شَجَرَاتٌ يَسِيرَةٌ لَمْ يَجُزْ شَرْطُ ثَمَرِهَا لِعَامِلِ مُزَارَعَةٍ وَمَا سَقَطَ مِنْ حَبٍّ فِي حَصَادٍ فَنَبَتَ عَامًا آخَرَ، فَلِرَبِّ الْأَرْضِ نَصًّا.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَالِكًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا وَكَذَا مَنْ بَاعَ قَصِيلًا فَحُصِدَ وَبَقِيَ يَسِيرٌ فَصَارَ سُنْبُلًا فَلِرَبِّ الْأَرْضِ.
وَاللِّقَاطُ مُبَاحٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْخَلَ مَزْرَعَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ وَقَالَ: لَمْ يَرَ بَأْسَا بِدُخُولِهِ يَأْخُذُ كَلًّا وَشَوْكًا لِإِبَاحَتِهِ ظَاهِرًا.
عُرْفًا وَعَادَةً، وَإِذَا فَسَخَ الْعَامِلُ الْمُزَارَعَةَ قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا عَمِلَ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَمَا أَنْفَقَ فِي الْأَرْضِ وَبَعْدَ ظُهُورِ الزَّرْعِ لَهُ حِصَّتُهُ وَعَلَيْهِ تَمَامُ الْعَمَلِ كَالْمُسَاقَاةِ.
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
ِ مِنْ الْأَجْرِ وَهُوَ الْعِوَضُ.
وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ أَجْرًا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى يُعَوِّضُهُ الْعَبْدَ عَلَى طَاعَتِهِ أَوْ صَبْرِهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْإِجَارَةُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّفَقَ عَلَى إجَازَتِهَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ
إلَيْهَا ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَنَافِعِ بِالصَّنَائِعِ.
وَهِيَ لُغَةً الْمُجَازَاةُ يُقَالُ: آجَرَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِهِ إذَا جَازَاهُ عَلَيْهِ.
وَشَرْعًا (عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ) لَا مُحَرَّمَةٍ كَزِنًا وَزَمْرٍ (مَعْلُومَةٍ) لَا مَجْهُولَةٍ (مُدَّةً مَعْلُومَةً) كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ (مِنْ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ) كَسُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً أَوْ دَابَّةٍ صِفَتُهَا كَذَا لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ سَنَةً مَثَلًا (أَوْ) عَلَى (عَمَلٍ مَعْلُومٍ) كَحَمْلِهِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ ضَرْبَانِ: وَيَأْتِي (بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ) فِي الضَّرْبَيْنِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ ; لِأَنَّهَا الَّتِي تُسْتَوْفَى دُونَ الْعَيْنِ وَالْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْعَقْدُ لِلْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ كَمَا تُضَافُ الْمُسَاقَاةُ لِلْبُسْتَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الثَّمَرُ وَلَوْ قَالَ: آجَرْتُك مَنْفَعَةَ دَارِي جَازَ (وَالِانْتِفَاعُ) مِنْ قِبَلِ مُسْتَأْجَرٍ (تَابِعٍ) لِلْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا (وَيُسْتَثْنَى مِنْ شَرْطِ الْمُدَّةِ صُورَةٌ تَقَدَّمَتْ فِي الصُّلْحِ) وَهِيَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ أَوْ سَطْحِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ لِلْحَاجَةِ كَنِكَاحٍ.
(وَ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا (مَا فَعَلَهُ) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِيمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يُقْسَمْ) وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَأَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَسَوَادِ الْعِرَاقِ حَيْثُ وَقَفَهَا وَأَقَرَّهَا بِأَيْدِي أَرْبَابِهَا بِخَرَاجٍ ضَرَبَهُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ عَامٍ أُجْرَةً لَهَا وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ وَأَرْكَانُ الْإِجَارَةِ الْعَاقِدَانِ وَالْعِوَضَانِ وَالصِّيغَةُ (وَهِيَ) أَيْ: الْإِجَارَةُ (وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْعَرَايَا وَالشُّفْعَةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهَا) كَالسَّلَمِ (مِنْ الرُّخَصِ الْمُسْتَقِرِّ حُكْمُهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ) إذْ الشُّفْعَةُ انْتِزَاعُ مِلْكِ الْإِنْسَانِ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَالْكِتَابَةُ يَتَّحِدُ فِيهَا الْمُشْتَرَى وَالْمَبِيعُ وَالْبَقِيَّةُ فِيهَا الْغَرَرُ (وَالْأَصَحُّ لَا) أَيْ: أَنَّهَا عَلَى (وَفْقِ الْقِيَاسِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ الْعِلَّةَ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ مُخَالِفَةُ قِيَاسٍ صَحِيحٍ وَمَنْ خَصَّصَهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ خِلَافَ الْقِيَاسِ إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ مَوْجُودًا فِيهِ وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ.
(وَتَنْعَقِدُ) الْإِجَارَةُ (بِلَفْظِ إجَارَةٍ وَ) بِلَفْظِ (كِرَاءٍ) كَأَجَرْتُك وَأَكْرَيْتُك وَاسْتَأْجَرْت وَاكْتَرَيْت ; لِأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَوْضُوعَانِ لَهَا.
(وَ) تَنْعَقِدُ ب (مَا بِمَعْنَاهُمَا) كَأَعْطَيْتُكَ نَفْعَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مَلَّكْتُكَهُ سَنَةً بِكَذَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ وَكَذَا لَوْ أَضَافَهُ إلَى الْعَيْنِ كَأَعْطَيْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً بِكَذَا.
(وَ) تَصِحُّ (بِلَفْظِ بَيْعٍ إنْ لَمْ يُضَفْ إلَى الْعَيْنِ) نَحْوُ بِعْتُكَ نَفْعَ دَارِي شَهْرًا بِكَذَا فَيَصِحُّ ; لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ وَالْمَنَافِعُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ ; لِأَنَّهَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا وَتُضْمَنُ بِالْيَدِ وَالْإِتْلَافِ.
فَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى الْعَيْنِ كَبِعْتُكِ دَارِي شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ
التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ انْعَقَدَتْ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي عَرَفَ بِهَا الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحُدَّ حَدًّا، لِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ بَلْ ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً وَكَذَا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْإِقْنَاعِ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ]
(فَصْلٌ وَشُرُوطُهَا أَيْ: الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةٌ:) أَحَدُهَا: (مَعْرِفَةُ مَنْفَعَةٍ) لِأَنَّهَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا.
فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْمَبِيعِ (إمَّا بِعُرْفٍ) أَيْ: مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ (كَسُكْنَى دَارٍ شَهْرًا) لِتَعَارُفِ النَّاسِ بِالسُّكْنَى وَالتَّفَاوُتُ فِيهَا يَسِيرٌ فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى ضَبْطٍ (وَخِدْمَةِ آدَمِيٍّ سَنَةً) ; لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ بِالْعُرْفِ فَلَا تَحْتَاجُ لِضَبْطٍ كَالسُّكْنَى فَيَخْدُمُهُ نَهَارًا وَمِنْ اللَّيْلِ مَا يَكُونُ مِنْ خِدْمَةِ أَوْسَاطِ النَّاسِ (أَوْ بِوَصْفٍ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا إلَى مَحَلِّ كَذَا) ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ إنَّمَا تُعْرَفُ بِذَلِكَ وَكَذَا كُلُّ مَحْمُولٍ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ وَزْنِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُحْمَلُ إلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ كِتَابًا فَوَجَدَ الْمَحْمُولَ إلَيْهِ غَائِبًا فَلَهُ الْأُجْرَةُ لِذَهَابِهِ وَرَدِّهِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ إنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَالْمُسَمَّى فَقَطْ وَيَرُدُّهُ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّرْغِيبِ (أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ يَذْكُرُ طُولَهُ) أَيْ: الْحَائِطِ (وَ) يَذْكُرُ (عَرْضَهُ وَسَمْكَهُ) بِفَتْحِ السِّينِ (وَآلَتَهُ) ; لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ فَيَقُولُ: مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ لَبِنٍ وَبِالطِّينِ أَوْ الْجِصِّ وَنَحْوِهِ فَلَوْ بَنَاهُ ثُمَّ سَقَطَ فَلَهُ الْأُجْرَةُ ; لِأَنَّهُ وَفَّى بِالْعَمَلِ إلَّا إنْ كَانَ سُقُوطُهُ بِتَفْرِيطِهِ نَحْوُ إنْ بَنَاهُ مَحْلُولًا فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ وَغُرْمُ مَا تَلِفَ بِهِ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ أَذْرُعٍ مَعْلُومَةٍ فَبَنَى بَعْضَهَا وَسَقَطَ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ وَتَمَامُ الْأَذْرُعِ لِيَفِيَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ لِضَرْبِ لَبِنٍ ذَكَرَ عَدَدَهُ وَقَالَبَهُ وَمَوْضِعَ الضَّرْبِ وَلَا يَكْتَفِي بِمُشَاهَدَةِ الْقَالِبِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا كَالسَّلْمِ وَلَا يَلْزَمُهُ إقَامَتُهُ لِيَجِفَّ.
(وَ) تَصِحُّ إجَارَةُ (أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ) بِرُؤْيَةٍ لَا وَصْفٍ ; لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَنْضَبِطُ بِهِ وَتَصِحُّ لِتَجْصِيصِ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ وَتُقَدَّرُ بِالْمُدَّةِ لَا الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ (لِزَرْعٍ) مَعْلُومٍ كَبُرٍّ (أَوْ غَرْسٍ) مَعْلُومٍ كَنَخْلٍ (أَوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ) كَدَارٍ صِفَتُهَا كَذَا (أَوْ لِزَرْعِ) مَا شَاءَ (أَوْ) ل (غَرْسِ مَا شَاءَ) أَوْ لِبِنَاءِ مَا شَاءَ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِأَكْثَرَ الزَّرْعِ أَوْ الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ ضَرَرًا (أَوْ لِزَرْعِ وَغَرْسِ مَا شَاءَ) أَوْ لِغَرْسِ وَبِنَاءِ مَا شَاءَ أَوْ لِزَرْعِ وَغَرْسِ وَبِنَاءِ مَا شَاءَ (أَوْ)
(لِزَرْعٍ) وَيَسْكُتُ (أَوْ غَرْسٍ وَيَسْكُتُ) أَوْ لِبِنَاءٍ وَيَسْكُتُ، وَلَهُ فِي الْأُولَى زَرْعُ مَا شَاءَ وَفِي الثَّانِيَةِ غَرْسُ مَا شَاءَ.
وَفِي الثَّالِثَةِ بِنَاءُ مَا شَاءَ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِأَكْثَرَ ذَلِكَ ضَرَرًا (أَوْ) يَقُولُ: آجَرْتُكَ الْأَرْضَ وَ (يُطْلِقُ وَ) الْأَرْضُ (تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ أَطْلَقَ أَوْ قَالَ: انْتَفِعْ بِهَا بِمَا شِئْتَ فَلَهُ زَرْعٌ وَغَرْسٌ وَبِنَاءٌ
(وَ) إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ (لِرُكُوبٍ اشْتَرَطَ مَعَ ذِكْرِ الْمَوْضِع) الْمَرْكُوبِ إلَيْهِ (مَعْرِفَةَ رَاكِبٍ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ وَذِكْرِ جِنْسِ مَرْكُوبٍ كَمَبِيعٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا ; لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ بِالنَّظَرِ إلَى أَجْنَاسِ الْمَرْكُوبِ مِنْ كَوْنِهِ فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا.
(وَ) مَعْرِفَةَ (مَا يَرْكَبُ بِهِ مِنْ سَرْجٍ وَغَيْرِهِ) ; لِاخْتِلَافِ ضَرَرِ الْمَرْكُوبِ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ.
(وَ) مَعْرِفَةَ (كَيْفِيَّةِ سَيْرِهِ مِنْ هِمْلَاجٍ) بِكَسْرِ الْهَاء (وَغَيْرِهِ) لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِاخْتِلَافِهِ وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (ذِكْرُ ذُكُورِيَّتِهِ أَوْ أُنُوثِيَّتِهِ أَوْ نَوْعِهِ) أَيْ: الْمَرْكُوبِ كَعَرَبِيٍّ أَوْ بِرْذَوْنٍ فِي الْفَرَسِ وَلَا بُخْتِيٍّ وَلَا عَرَابِيٍّ فِي إبِلٍ ; لِأَنَّ تَفَاوَتَهُ يَسِيرٌ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا ذِكْرُ تَوَابِعِ الرَّاكِبِ الْعُرْفِيَّةِ كَدَارٍ وَأَثَاثٍ.
(وَ) يُشْتَرَطُ فِي إجَارَةٍ (لِحَمْلِ مَا يَتَضَرَّرُ) أَيْ: يُخْشَى عَلَيْهِ ضَرَرًا إذَا حُمِلَ (كَخَزْفٍ) أَيْ: فَخَّارٍ (وَنَحْوَهُ) كَزُجَاجٍ (مَعْرِفَةُ حَامِلِهِ) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ (وَمَعْرِفَتُهُ) أَيْ: الْحَامِلِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ (لِمَحْمُولٍ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ) إنْ كَانَ خَزَفًا وَنَحْوَهُ (وَذِكْرُ جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ خَزَفًا وَنَحْوَهُ.
(وَ) يُشْتَرَطُ فِي اسْتِئْجَارٍ (لِحَرْثٍ مَعْرِفَةُ أَرْضٍ) بِرُؤْيَةٍ ; لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِهَا سُهُولَةً وَضِدَّهَا وَلَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ مَعْرِفَةُ أُجْرَةٍ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ أُجْرَةٍ) لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَاعْتُبِرَ عِلْمُهُ كَالثَّمَنِ وَلِخَبَرِ «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ فِي الذِّمَّةِ وَأَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً (فَمَا بِذِمَّةٍ) مِنْ أُجْرَةٍ حُكْمُهُ (كَثَمَنٍ) أَيْ: فَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا بِذِمَّةٍ صَحَّ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فِي الذِّمَّةِ (وَمَا عُيِّنَ) مِنْ أُجْرَةٍ (كَمَبِيعٍ) مُعَيَّنٍ فَتَكْفِي مُشَاهَدَةُ نَحْو صُبْرَةٍ وَقَطِيعٍ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُهُ لِجَرَيَانِ الْمَنْفَعَةِ مَجْرَى الْأَعْيَانِ ; لِتَعَلُّقِهَا بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ بِخِلَافِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْدُومٍ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَارٍ بِسُكْنَى) دَارٍ (أُخْرَى) سَنَةً وَنَحْوَهُ لِلْعِلْمِ بِالْعِوَضَيْنِ (وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَارٍ ب (خِدْمَةٍ) مِنْ مُعَيَّنٍ (وَ) ب (تَزَوُّجٍ مِنْ مُعَيَّنٍ) وَكَذَا اسْتِئْجَارُ آدَمِيٍّ
لِخِدْمَةٍ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِقِصَّةِ شُعَيْبٍ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَحَدِيثُ «إنَّ مُوسَى أَجَّرَ نَفْسَهُ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَارٍ بِعِمَارَتِهَا لِلْجَهَالَةِ وَإِنْ أَجَّرَهَا بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ بِنَفَقَةِ مُسْتَأْجِرٍ بِحِسَابِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ صَحَّ ; لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ عَلَى الْمَالِكِ وَقَدْ وَكَّلَهُ فِيهِ وَإِنْ شَرَطَهُ خَارِجًا مِنْ الْأُجْرَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى نَحْوِ خَيَّاطٍ لِيُعَلِّمَهُ بِعَمَلِ الْغُلَامِ سَنَةً جَازَ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (حُلِيٍّ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ) لِلُبْسٍ أَوْ عَارِيَّةً نَصًّا ; لِأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ لَا فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الذَّاهِبِ بِالِاسْتِعْمَالِ بَلْ هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَإِلَّا لِمَا جَازَ إجَارَةُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (أَجِيرٍ وَمُرْضِعَةٍ) أُمٍّ أَوْ غَيْرِهَا (بِطَعَامِهِمَا وَكِسْوَتِهِمَا) وَإِنْ لَمْ يُوصَفَا وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُمَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ وَشَرَطَ مَعَهَا طَعَامَهُمَا وَكِسْوَتَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] فَأَوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ عَلَى الرَّضَاعِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَغَيْرِهَا بَلْ الزَّوْجَةُ تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تُرْضِعْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِزَوْجٍ.
وَيُسْتَدَلُّ لِلْأَجِيرِ بِقِصَّةِ مُوسَى وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " كُنْتُ أَجِيرًا لِابْنَةِ غَزْوَانٍ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَةِ رَحْلِي أَحْطِبُ لَهُمْ إذَا نَزَلُوا وَأَحْدُو لَهُمْ إذَا رَكِبُوا " وَبِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ اسْتَأْجَرُوا الْأُجَرَاءَ بِطَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ نَكِيرٌ ; وَلِأَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَةٍ فَقَامَ الْعُرْفُ فِيهِ مَقَامَ التَّسْمِيَةِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ (وَهُمَا) أَيْ: الْأَجِيرُ وَالْمُرْضِعَةُ (فِي تَنَازُعٍ) مَعَ مُسْتَأْجِرِهِمَا فِي صِفَةِ طَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ قَدْرِهِمَا (كَزَوْجَةٍ فَلَهُمَا نَفَقَةُ وَكِسْوَةُ) مِثْلِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] وَمَنْ احْتَاجَ مِنْهُمَا إلَى دَوَاءٍ لِمَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْ مُسْتَأْجِرًا لَكِنْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَعَامِ الصَّحِيحِ يَشْتَرِي بِهِ لِلْمَرِيضِ مَا يَصْلُحُ لَهُ.
وَإِنْ شَرَطَ لِلْأَجِيرِ إطْعَامَ غَيْرِهِ أَوْ كِسْوَتَهُ مَوْصُوفًا جَازَ ; لِلْعِلْمِ بِهِ وَهُوَ لِلْأَجِيرِ إنْ شَاءَ أَطْعَمَهُ أَوْ تَرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا لَمْ يَجُزْ ; لِلْجَهَالَةِ وَاحْتُمِلَتْ فِيمَا إذَا اُشْتُرِطَتْ لِلْأَجِيرِ نَفْسِهِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَجَرْيِ الْعَادَةِ بِهَا وَلِلْأَجِيرِ النَّفَقَةُ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا أَوْ عَجَزَ عَنْ الْأَكْلِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَسْقُطْ وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا ; لِأَنَّهَا عِوَضٌ فَلَا تَسْقُطُ بِالْغِنَى كَالدَّرَاهِمِ وَعَلَى الْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ مَا يَدِرُّ بِهِ لَبَنُهَا وَيَصْلُحُ بِهِ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ لِخَادِمَتِهَا وَنَحْوهَا فَأَرْضَعَتْهُ فَلَا أَجْرَ لَهَا
لِأَنَّهَا لَمْ تُوَفِّ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَتْهُ لَبَنَ دَابَّةٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ أَرْضَعَهُ فَقَوْلُهَا بِيَمِينِهَا ; لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ وَلَيْسَ لِمُسْتَأْجِرٍ إطْعَامُهُمَا إلَّا مَا يُوَافِقُهُمَا مِنْ الْأَغْذِيَةِ.
(وَسُنَّ عِنْدَ فِطَامٍ لِمُوسِرٍ اسْتَرْضَعَ أَمَةً) لِوَلَدِهِ وَنَحْوِهِ (إعْتَاقُهَا وَ) لِمُوسِرٍ اسْتَرْضَعَ (حُرَّةً) لِوَلَدِهِ (إعْطَاؤُهَا عَبْدًا أَوْ أَمَةً) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ - بِفَتْحِ الذَّالِ مِنْ الذَّمِّ - قَالَ: الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَعَلَّ هَذَا فِي الْمُتَبَرِّعَةِ بِالرَّضَاعِ.
(وَالْعَقْدُ) فِي الرَّضَاعِ (عَلَى الْحَضَانَةِ) أَيْ: خِدْمَةِ الْمُرْتَضِعِ وَحَمْلِهِ وَدَهْنِهِ وَنَحْوِهِ وَوَضْعِ الثَّدْيِ فِي فَمِهِ (وَاللَّبَنُ تَبَعٌ) كَصَبْغِ صَبَّاغٍ وَمَاءِ بِئْرٍ بِدَارٍ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ عَيْنٌ فَلَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ إجَارَةٌ كَلَبَنِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: (وَالْأَصَحُّ اللَّبَنُ) ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ دُونَ الْخِدْمَةِ ; وَلِهَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَا خِدْمَةٍ اسْتَحَقَّتْ الْأُجْرَةَ وَلَوْ خَدَمَتْهُ بِلَا رَضَاعٍ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فَرَتَّبَ إيتَاءَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْإِرْضَاعِ فَدَلَّ أَنَّهُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ كَانَ عَلَى الْخِدْمَةِ لَمَا لَزِمَهَا سَقْيُ لَبَنِهَا وَجَوَازُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ رُخْصَةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَلِضَرُورَةِ حِفْظِ الْآدَمِيِّ.
(وَإِنْ أُطْلِقَتْ) حَضَانَةٌ بِأَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِحَضَانَتِهِ وَأُطْلِقَ لَمْ يَشْمَلْ الرَّضَاعَ (أَوْ خُصِّصَ رَضَاعٌ) بِالْعَقْدِ بِأَنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكِ لِرَضَاعِهِ (لَمْ يَشْمَلْ الْآخَرَ) أَيْ: الْحَضَانَةَ ; لِئَلَّا يَلْزَمَهَا زِيَادَةٌ عَمَّا اشْتَرَطَ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى رَضَاعٍ) انْفَسَخَ بِانْقِطَاعِ اللَّبَنِ (أَوْ) وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى رَضَاعٍ (مَعَ حَضَانَةٍ انْفَسَخَ) الْعَقْدُ (بِانْقِطَاعِ اللَّبَنِ) ; لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ (وَشُرِطَ) فِي اسْتِئْجَارٍ لِرَضَاعٍ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ (مَعْرِفَةُ مُرْتَضِعٍ) بِمُشَاهَدَةٍ لِاخْتِلَافِ الرَّضَاعِ بِاخْتِلَافِ الرَّضِيعِ كِبَرًا وَصِغَرًا وَنَهْمَةً وَقَنَاعَةً.
(وَ) الثَّانِي: مَعْرِفَةُ (أَمَدِ رَضَاعٍ) إذْ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ إلَّا بِالْمُدَّةِ ; لِأَنَّ السَّقْيَ وَالْعَمَلَ فِيهَا يَخْتَلِفُ.
(وَ) الثَّالِثُ: (مَعْرِفَةُ مَكَانِهِ) أَيْ: الرَّضَاعِ ; لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَسْهُلُ فِي بَيْتِهَا.
وَ (لَا) يَصِحُّ (اسْتِئْجَارُ دَابَّةٍ بِعَلَفِهَا) فَقَطْ أَوْ مَعَ نَحْوِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَا عُرْفَ لَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَإِنْ وَصَفَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ كَشَعِيرٍ وَقَدَّرَهُ بِمَعْلُومٍ جَازَ (أَوْ) يَسْتَأْجِرُ (مَنْ يَسْلُخُهَا) أَيْ: الدَّابَّةَ (بِجِلْدِهَا) فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَيَخْرُجُ الْجِلْدُ صَحِيحًا سَلِيمًا أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ ثَخِينٌ أَوْ رَقِيقٌ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ فَإِنْ سَلَخَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ (أَوْ يَرْعَاهَا) أَيْ: الدَّابَّةَ (بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهَا) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِثُلُثِ دَرِّهَا
وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا أَوْ نِصْفِهِ وَنَحْوِهِ أَوْ جَمِيعِهِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا يَصِحُّ عِوَضًا فِي بَيْعٍ وَلَا يُدْرَى أَيُوجَدُ أَوْ لَا.
وَأَمَّا جَوَازُ دَفْعِ الدَّابَّةِ لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهَا ; فَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ فَأَشْبَهَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَأَمَّا هُنَا فَالنَّمَاءُ الْحَاصِلُ فِي الْغَنَمِ لَا يَقِفُ حُصُولُهُ عَلَى عَمَلِهِ فِيهَا فَلَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِرَعْيِهَا بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ عَيْنِهَا صَحَّ.
(وَلَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى (طَحْنِ كُرٍّ) بِضَمِّ الْكَافِ مَكِيلٌ بِالْعِرَاقِ قِيلَ: أَرْبَعُونَ إرْدَبًّا وَقِيلَ: سِتُّونَ قَفِيزًا (بِقَفِيزٍ مِنْهُ) أَيْ: الْمَطْحُونُ لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَسَبِ الْفَحْلِ وَعَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» ; وَلِأَنَّهُ جُعِلَ لَهُ بَعْضُ مَعْمُولِهِ أَجْرًا لِعَمَلِهِ فَيَصِيرُ الطَّحْنُ مُسْتَحَقًّا لَهُ وَعَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْقَفِيزِ مَطْحُونًا لَا يُدْرَى كَمْ هُوَ فَتَكُونُ الْمَنْفَعَةُ مَجْهُولَةً وَتَقَدَّمَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ كَسُدُسِهِ يَصِحُّ.
(وَمَنْ أَعْطَى صَانِعًا مَا صَنَعَهُ) كَثَوْبٍ لِيَصْبُغَهُ أَوْ يَخِيطَهُ أَوْ يُقَصِّرَهُ أَوْ حَدِيدًا لِيَضْرِبَهُ سَيْفًا وَنَحْوَهُ فَفَعَلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ (أَوْ اسْتَعْمَلَ حَمَّالًا أَوْ نَحْوَهُ) كَحَلَّاقٍ وَدَلَّالٍ بِلَا عَقْدٍ مَعَهُ (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) عَلَى عَمَلِهِ سَوَاءٌ وَعَدَهُ كَقَوْلِهِ: اعْمَلْهُ وَخُذْ أُجْرَتَهُ أَوْ عَرَّضَ لَهُ كَقَوْلِهِ: اعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَعْمَلُ بِلَا أُجْرَةٍ أَوْ لَا (وَلَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ) أَيْ: الْحَمَّالِ وَنَحْوِهِ (بِأَخْذِ) أُجْرَةٍ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ لَهُ بِإِذْنِهِ مَا لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَمْلِيكِهِ إيَّاهُ أَوْ إذْنِهِ فِي إتْلَافِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي قَبْضِ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ الضَّمَانُ وَهَذَا فِي الْمُنْتَصِبِ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ تَعْرِيضٍ (وَكَذَا رُكُوبُ سَفِينَةٍ وَدُخُولُ حَمَّامٍ) فَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَقْتَضِيهِ.
(وَمَا يَأْخُذُ حَمَّامِي) مِنْ دَاخِلِ حَمَّامِهِ (فَأُجْرَةُ مَحَلٍّ وَسَطْلٍ وَمِئْزَرٍ وَالْمَاءُ تَبَعٌ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَبَنِ الْمُرْضِعَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِهِ وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ لِلْحَاجَةِ.
(وَ) مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطٍ وَقَالَ: (إنْ خِطْته الْيَوْمَ) فَبِدِرْهَمٍ (وَ) إنْ خِطْته (رُومِيًّا فَبِدِرْهَمٍ وَ) إنْ خِطْته (غَدًا) فَبِنِصْفِهِ (أَوْ) إنْ خِطْته (فَارِسِيًّا فَبِنِصْفِهِ) أَيْ: نِصْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ.
كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُك الدَّارَ بِدِرْهَمٍ نَقْدًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ نَسِيئَةً أَوْ اسْتَأْجَرْتُ مِنْك هَذَا بِدِرْهَمٍ أَوْ هَذَا بِدِرْهَمَيْنِ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِأَحَدِهِمَا (أَوْ) دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى زَرَّاعٍ، وَقَالَ (إنْ زَرَعْتَهَا بُرًّا فَبِخَمْسَةٍ وَ) إنْ زَرَعْتَهَا (ذُرَةً فَبِعَشَرَةٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ كِتَابٍ إلَى الْكُوفَةِ وَقَالَ: إنْ أَوَصَلْته يَوْمَ كَذَا فَلَكَ عِشْرُونَ وَإِنْ تَأَخَّرْت بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ فَلَكَ عَشَرَةٌ (لَمْ يَصِحَّ)
وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ الْحَانُوتَ شَهْرًا إنْ قَعَدْتَ فِيهِ خَيَّاطًا فَبِخَمْسَةٍ أَوْ حَدَّادًا فَبِعَشَرَةٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنْ أَكْرَى دَابَّةً (وَ)
قَالَ لِمُسْتَأْجِرِهَا: (إنْ رَدَدْتهَا الدَّابَّةَ الْيَوْمَ فَبِخَمْسَةٍ وَ) إنْ رَدَدْتُهَا (غَدًا فَبِعَشَرَةٍ) صَحَّ نَصًّا قِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي.
(أَوْ عَيَّنَا) أَيْ: الْعَاقِدَانِ (زَمَنًا وَأُجْرَةً) كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ (وَ) قَالَا: (مَا زَادَ فَلِكُلِّ يَوْمٍ كَذَا) كَدِرْهَمٍ (صَحَّ) نَصًّا وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ مَكَّةَ إلَى جُدَّةَ بِكَذَا فَإِنْ ذَهَبَ إلَى عَرَفَاتٍ فَبِكَذَا فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا فَصَحَّ كَمَا لَوْ اسْتَقَى لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ.
وَ (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَكْتَرِيَ نَحْوَ دَابَّةٍ (لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ) لِجَهْلِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الدَّابَّةَ لِمُدَّةِ سَفَرِهِ فِي تِجَارَةٍ ; وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْغَزَاةِ قَدْ تَطُولُ وَتَقْصُرُ وَالْعَمَلُ فِيهَا يَقِلُّ وَيَكْثُرُ فَإِنْ تَسَلَّمَ الْمُؤَجَّرَةَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ (فَلَوْ عُيِّنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (لِكُلِّ يَوْمٍ) شَيْءٌ مَعْلُومٌ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ (أَوْ) عُيِّنَ لِكُلِّ (شَهْرٍ شَيْءٌ) مَعْلُومٌ بِأَنْ اسْتَأْجَرَهَا كُلَّ شَهْرٍ بِدِينَارٍ صَحَّ ; لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ مَعْلُومٌ مُدَّتُهُ وَأَجْرُهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: آجَرْتُكَهَا شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا أَوْ سَنَةً كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا أَوْ لِنَقْلِ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ كَوْنَهَا لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلِ مَعْلُومٍ.
(أَوْ اكْتَرَاهُ) يَسْقِي لَهُ (كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ) صَحَّ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «جُعْتُ مَرَّةً جُوعًا شَدِيدًا فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الْعَمَلَ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ جَمَعَتْ بِدَارًا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُرِيدُ بَلَّهُ فَقَاطَعْتُهَا كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ فَعَدَدْتُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَنُوبًا فَعَدَّتْ لِي سِتَّةَ عَشَرَ تَمْرَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكَلَ مَعِي مِنْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نَحْوُهُ رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ ; وَلِأَنَّ الدَّلْوَ مَعْلُومٌ وَعِوَضُهُ مَعْلُومٌ فَجَازَ كَمَا لَوْ سَمَّى دِلَاءً مَعْرُوفَةً وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدَّلْوِ وَالْبِئْرِ وَمَا يَسْقِي بِهِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ يَخْتَلِفُ وَقَوْلُهُ " بِدَارًا " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ جِلْدُ السَّخْلَةِ.
(أَوْ) اكْتَرَاهُ (عَلَى حَمْلِهِ زُبْرَةً إلَى مَحَلِّ كَذَا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَرْطَالٍ وَإِنْ زَادَتْ فَلِكُلِّ رِطْلٍ دِرْهَمٌ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُتَآجِرَيْنِ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ (الْفَسْخُ أَوَّلُ كُلِّ يَوْمٍ) إذَا قَالَ: كُلُّ يَوْمٍ بِكَذَا (أَوْ) أَوَّلَ كُلِّ (شَهْرٍ) إذَا قَالَ: كُلُّ شَهْرٍ بِكَذَا (فِي الْحَالِ) أَيْ: فَوْرًا ; لِأَنَّ تَمَهُّلَهُ دَلِيلُ رِضَاهُ بِلُزُومِ الْإِجَارَةِ فِيهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: فِي شَرْحِهِ وَكُلَّمَا دَخَلَا فِي شَهْرٍ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ فِيهِ فَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا عَقِبَ الشَّهْرِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ انْتَهَى.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَلْزَمُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الشُّرُوعَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاتِّفَاقِ يَجْرِي مَجْرَى الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ فَإِذَا تُرِكَ التَّلَبُّسُ بِهِ فَكَالْفَسْخِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَوْ يَقُولُ: إذَا مَضَى هَذَا
الشَّهْرُ فَقَدْ فَسَخْتهَا انْتَهَى، وَتَقَدَّمَ يَصِحُّ تَعْلِيقُ فَسْخٍ بِشَرْطٍ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِث فِي الْإِجَارَة كون نَفْعٍ مُبَاحًا]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ كَوْنُ نَفْعٍ) مَعْقُودٍ عَلَيْهِ (مُبَاحًا) مُطْلَقًا (بِلَا ضَرُورَةٍ) بِخِلَافِ جِلْدِ مَيْتَةٍ وَإِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ; لِعَدَمِ غَيْرِهِ (مَقْصُودًا) عُرْفًا بِخِلَافِ آنِيَةٍ لِتَجَمُّلٍ (مُتَقَوِّمًا) بِخِلَافِ نَحْوِ تُفَّاحٍ لِشَمٍّ (يُسْتَوْفَى) مِنْ عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ (دُونَ) اسْتِهْلَاكِ (الْأَجْزَاءِ) بِخِلَافِ شَمْعٍ لِشَعْلٍ وَصَابُونٍ لِغَسْلٍ (مَقْدُورًا عَلَيْهِ) بِخِلَافِ دِيكٍ لِيُوقِظَهُ لِصَلَاةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَصِحُّ نَصًّا ; لِأَنَّهُ يَقِفُ عَلَى فِعْلِ الدِّيكِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ مَعَهُ بِضَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ (لِمُسْتَأْجِرٍ) .
فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ مُؤَجَّرٍ (كَكِتَابِ) حَدِيثٍ أَوْ فِقْهٍ أَوْ شِعْرٍ مُبَاحٍ أَوْ لُغَةٍ أَوْ صَرْفٍ أَوْ نَحْوِهِ (لِنَظَرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ نَقْلٍ) أَوْ بِهِ خَطٌّ حَسَنٌ يُكْتَبُ عَلَيْهِ وَيُتَمَثَّلُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ تَجُوزُ إعَارَتُهُ لِذَلِكَ فَجَازَتْ إجَارَتُهُ وَ (لَا) تَجُوزُ إجَارَةُ (مُصْحَفٍ) ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (وَكَدَارٍ تُجْعَلُ مَسْجِدًا) يُصَلَّى فِيهِ (أَوْ تُسْكَنُ) ; لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ.
(وَ) كَاسْتِئْجَارِ (حَائِطٍ لِحَمْلِ خَشَبٍ) مَعْلُومٍ وَبِئْرٍ يَسْتَقِي مِنْهَا أَيَّامًا مَعْلُومَةً ; لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا بِمُرُورِ الدَّلْوِ، وَالْمَاءُ يُؤْخَذُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
(وَكَحَيَوَانٍ لِصَيْدٍ) كَفَهْدٍ وَبَازٍ وَصَقْرٍ (وَ) كَقِرْدٍ لِ (حِرَاسَةٍ) مُدَّةً مَعْلُومَةً فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا، وَتَجُوزُ إعَارَتُهُ لِذَلِكَ (سِوَى كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُمَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا (وك) اسْتِئْجَارِ (شَجَرٍ لِنَشْرٍ) عَلَيْهِ (أَوْ جُلُوسٍ بِظِلِّهِ) ; لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ كَالْحِبَالِ وَالْخَشَبِ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً (وَ) كَاسْتِئْجَارِ (بَقَرٍ لِحَمْلٍ وَرُكُوبٍ) ; لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُورَةٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا أَشْبَهَ رُكُوبَ الْبَعِيرِ وَكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ يَحْمِلُونَ عَلَى الْبَقَرِ وَيَرْكَبُونَهَا وَفِي بَعْضِ الْبِلَادِ يُحْرَثُ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَمَعْنَى خَلْقِهَا لِلْحَرْثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ مُعْظَمَ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ كَمَا أَنَّ الْخَيْلَ خُلِقَتْ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَيُبَاحُ أَكْلُهَا وَاللُّؤْلُؤُ خُلِقَ لِلْحِلْيَةِ وَيُتَدَاوَى بِهِ.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ
(غَنَمٍ لِدِيَاسِ زَرْعٍ) مَعْلُومٍ أَوْ أَيَّامًا مَعْلُومَةً.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (بَيْتٍ) مُعَيَّنٍ (فِي دَارٍ) مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ (وَلَوْ أُهْمِلَ) أَيْ: لَمْ يُذْكَرْ (اسْتِطْرَاقِهِ) إذْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِاسْتِطْرَاقٍ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِلتَّعَارُفِ.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (آدَمِيٍّ لِقَوْدِ) أَعْمَى أَوْ مَرْكُوبٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً ; لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ يُقْصَدُ وَكَذَا لِيَدُلَّ عَلَى طَرِيقٍ لِحَدِيثِ الْهِجْرَةِ وَلِيُلَازِمَ غَرِيمًا يَسْتَحِقُّ مُلَازَمَتَهُ نَصًّا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ غَيْرُ هَذَا أَعْجَبُ إلَيَّ وَلِيَنْسَخَ لَهُ كُتُبَ فِقْهٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ سِجِلَّاتٍ نَصًّا وَنَحْوَهَا، وَيُقَدَّرُ بِالْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ فَإِنْ قَدَّرَ بِالْعَمَلِ ذَكَرَ عَدَدَ الْأَوْرَاقِ وَقَدْرَهَا، وَعَدَدَ السُّطُورِ فِي كُلِّ وَرَقَةٍ، وَقَدْرَ الْحَوَاشِي وَدِقَّةَ الْقَلَمِ وَغِلَظَهُ.
فَإِنْ عُرِفَ الْخَطُّ بِالْمُشَاهَدَةِ.
جَازَ وَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطَهُ بِالصِّفَةِ ضَبَطَهُ، وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْأُجْرَةِ بِأَجْزَاءِ الْفَرْعِ أَوْ بِأَجْزَاءِ الْأَصْلِ، وَإِنْ قَاطَعَهُ عَلَى نَسْخِ الْأَصْلِ بِأَجْرٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَيُعْفَى عَنْ خَطَأٍ يَسِيرٍ مُعْتَادٍ وَإِنْ أَسْرَفَ فِي الْغَلَطِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَيْسَ لَهُ مُحَادَثَةُ غَيْرِهِ حَالَ النَّسْخِ، وَلَا التَّشَاغُلُ بِمَا يَشْغَلُ سِرَّهُ وَيُوجِبُ غَلَطَهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ تَحْدِيثُهُ وَشَغْلُهُ، وَكَذَا كُلُّ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَخْتَلُّ بِشُغْلِ السِّرِّ وَالْقَلْبِ.
كَالْقَصَّارَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَنَحْوِهَا، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ شَبَكَةٍ وَفَخٍّ وَنَحْوِهَا.
لِصَيْدٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَفِي الْبِرْكَةِ احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي، وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ يَجُوزُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (عَنْبَرٍ) وَصَنْدَلٍ وَنَحْوَ مِمَّا يَبْقَى (لِشَمٍّ) مُدَّةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ كَالثَّوْبِ لِلُبْسٍ
وَ (لَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ) مِنْ الطِّيبِ (كَرَيَاحِينَ) لِتَلَفِهَا عَنْ قَرِيبٍ فَتُشْبِهُ الْمَطْعُومَاتِ.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (نَقْدٍ) أَيْ: دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ (لِتَحَلٍّ وَوَزْنٍ) وَكَذَا مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ كَأَنْفٍ وَرَبْطِ سِنٍّ (فَقَطْ) مُدَّةً مَعْلُومَةً كَالْحُلِيِّ لِلتَّحَلِّي ; لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ يُسْتَوْفَى دُونَ الْأَجْزَاءِ (وَكَذَا مَكِيلٌ وَمَوْزُونٌ وَفُلُوسٌ لِيُعَايِرَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَذْكُورِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَا تَصِحُّ) إجَارَةُ نَقْدٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (إنْ أُطْلِقَتْ) أَيْ: لَمْ يُذْكَرْ التَّحَلِّي وَلَا الْوَزْنُ وَتَكُونُ قَرْضًا.
لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ الْمُعْتَادَ بِالنَّقْدِ وَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا هُوَ بِأَعْيَانِهَا.
فَإِذَا أُطْلِقَ الِانْتِفَاعُ حُمِلَ عَلَى الْمُعْتَادِ (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (عَلَى زِنًا أَوْ زَمْرٍ أَوْ غِنَاءٍ) وَنَوْحٍ وَنَسْخِ كُتُبِ بِدْعَةٍ وَشِعْرٍ مُحَرَّمٍ وَرَعْيِ خِنْزِيرٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا تُقَابَلُ بِعِوَضٍ فِي بَيْعٍ فَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا فِي الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ.
(أَوْ نَزْوِ فَحْلٍ) أَيْ: لَا تَصِحُّ إجَارَةُ فَحْلِ الضِّرَابِ.
لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
عَسَبِ الْفَحْلِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَاءُ الَّذِي يُخَلَّفُ مِنْهُ الْوَلَدُ وَهُوَ عَيْنٌ فَيُشْبِهُ إجَارَةَ الْحَيَوَانِ لِأَخْذِ لَبَنِهِ بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا قِيمَةَ لَهُ.
فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ جَازَ بَذْلُ الْكِرَاءِ وَلَيْسَ لِلْمُطْرِقِ أَخْذُهُ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي: وَإِنْ أَطْرَقَ فَحْلَهُ بِلَا إجَارَةٍ وَلَا شَرْطٍ وَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْرُوفًا فَجَازَتْ مُجَازَاتُهُ عَلَيْهِ.
(أَوْ) أَيْ: وَلَا تَصِحُّ إجَارَةٌ (دَارٍ لِتُعْمَلَ كَنِيسَةً) أَوْ بِيعَةً أَوْ صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ (أَوْ بَيْتَ نَارٍ) لِتَعَبُّدِ الْمَجُوسِ (أَوْ لِبَيْعِ خَمْرٍ) أَوْ الْقِمَارِ وَنَحْوِهِ.
سَوَاءٌ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ عُلِمَ بِقَرِينَةٍ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ فَلَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ كَإِجَارَةِ عَبْدِهِ لِلْفُجُورِ بِهِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ دَارًا وَأَرَادَ بَيْعَ الْخَمْرِ بِهَا فَلَهُ مَنْعُهُ ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
(أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ (لِحَمْلِ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا) كَدِمَاءٍ مُحَرَّمَةٍ (لِأَكْلِهَا لِغَيْرِ مُضْطَرٍّ) إلَيْهِ (أَوْ) لِحَمْلِ (خَمْرٍ لِشُرْبِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا تُقَابَلُ بِعِوَضٍ فَإِنْ كَانَ حَمْلُ الْمَيْتَةِ لِأَكْلِ مُضْطَرٍّ إلَيْهَا صَحَّتْ.
(وَتَصِحُّ) إجَارَةٌ لِحَمْلِ مَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ (لِإِلْقَاءٍ وَإِرَاقَةٍ) ; لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إبَاحَةِ الْإِجَارَةِ كَكَنْسِ الْكُنُفِ وَحَمْلِ النَّجَاسَاتِ لِتُلْقَى خَارِجَ الْبَلَدِ.
وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ لِإِلْقَاءِ مَيْتَةٍ بِشَعْرٍ عَلَى جِلْدِهَا.
إنْ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَمَنْ أَعْطَى صَيَّادًا أُجْرَةً لِيَصِيدَ لَهُ سَمَكًا لِيَخْتَبِرَ بَخْتَهُ فَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ بِشَبَكَتِهِ قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (عَلَى طَيْرٍ لِسَمَاعِهِ) أَيْ: سَمَاعِ صَوْتِهِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَيْسَتْ مُتَقَوِّمَةً وَلَا مَقْدُورَ عَلَى تَسْلِيمِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَصِيحُ وَلَا يَصِيحُ.
(وَتَصِحُّ) إجَارَةُ طَيْرٍ (لِصَيْدٍ) كَصَقْرٍ وَبَازٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً ; لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ مُتَقَوِّمٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (عَلَى تُفَّاحَةٍ لِشَمٍّ) ; لِأَنَّ نَفْعَهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ; لِأَنَّ مَنْ غَصَبَ تُفَّاحًا فَشَمَّهُ وَرَدَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ أُجْرَةُ شَمِّهِ.
(أَوْ) عَلَى (شَمْعٍ لِتَجَمُّلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) عَلَى شَمْعٍ ل (شَعْلٍ أَوْ طَعَامٍ لِأَكْلٍ) أَوْ شَرَابٍ لِشُرْبٍ أَوْ صَابُونٍ لِغَسْلٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِإِتْلَافِ عَيْنِهَا فَإِنْ اسْتَأْجَرَ شَمْعًا لِيُشْعِلَ مِنْهُ مَا شَاءَ وَيَرُدَّ بَقِيَّتَهُ وَثَمَنَ الذَّاهِبِ وَأُجْرَةَ الْبَاقِي لَمْ يَصِحَّ.
لِشُمُولِهِ بَيْعًا وَإِجَارَةً، وَالْمَبِيعُ مَجْهُولٌ فَيَلْزَمُ الْجَهْلُ بِالْمُسْتَأْجِرِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدَانِ.
(أَوْ) عَلَى (حَيَوَانٍ) كَبَقَرٍ وَغَنَمٍ (لِأَخْذِ لَبَنِهِ) أَوْ صُوفِهِ أَوْ شَعْرِهِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ النَّفْعُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْعَيْنُ، وَهِيَ لَا تُمَلَّكُ وَلَا تُسْتَحَقُّ بِإِجَارَةٍ وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الشَّمْعِ لِشَعْلِهِ وَالْحَيَوَانِ لِأَخْذِ لَبَنِهِ (غَيْرِ ظِئْرٍ) أَيْ: آدَمِيَّةٍ مُرْضِعَةٍ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ: أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهَا عَمَلٌ مِنْ وَضْعِ الثَّدْيِ فِي فَمِ الْمُرْتَضِعِ وَنَحْوِهِ.
(وَيَدْخُلُ نَفْعُ بِئْرٍ) فِي إجَارَةِ بِئْرٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (حِبْرُ نَاسِخٍ) تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (خَيْطُ خَيَّاطٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَةٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (كُحْلُ كَحَّالٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِكُحْلٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (مَرْهَمُ طَبِيبٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِمُدَاوَاةٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (صَبْغُ صَبَّاغٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِصَبْغِ ثَوْبٍ (وَنَحْوُهُ) كَدِبَاغِ دَبَّاغٍ تَبَعًا لِعَمَلِ الصَّانِعِ لَا أَصَالَةَ (فَلَوْ غَارَ مَاءُ بِئْرِ دَارٍ مُؤَجَّرَةٍ فَلَا فَسْخَ) لِمُسْتَأْجِرٍ ; لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْإِجَارَةِ نَقَلَهُ فِي الِانْتِصَارِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَفِي الْفُصُولِ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمَلَّكُ بِالْحِيَازَةِ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (فِي) جُزْءٍ (مُشَاعٍ) مِنْ عَيْنٍ تُمَلَّكُ قِسْمَتُهَا أَوَّلًا (مُفْرَدًا) عَنْ بَاقِي الْعَيْنِ (لِغَيْرِ شَرِيكِهِ) بِالْبَاقِي.
ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَلَا وِلَايَةَ لِلْمُؤَجِّرِ عَلَى مَالِ شَرِيكِهِ أَشْبَهَ الْمَغْصُوبَ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (فِي عَيْنٍ) وَاحِدَةٍ (لِعَدَدِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (وَهِيَ) أَيْ: الْعَيْنُ مِلْكٌ (لِوَاحِدٍ) بِأَنْ أَجَّرَ دَارِهِ أَوْ دَابَّتَهُ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ ; لِأَنَّهُ يُشْبِهُ إجَارَةَ الْمُشَاعِ (إلَّا فِي قَوْلٍ) وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي إجَارَةِ الْمُشَاعِ وَوَجْهٌ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ قَالَ (الْمُنَقِّحُ) : وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَلْوَانِيُّ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَابْنُ عَبْدِ الْهَادِي (وَهُوَ أَظْهَرُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) أَيْ: عَمَلُ الْحُكَّامِ إلَى زَمَنِنَا.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ شَرِيكٌ مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ أَجَّرَا مَعًا لِوَاحِدٍ صَحَّتْ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأُجْرَةُ فَإِنْ أَقَالَهُ أَحَدُهُمَا صَحَّ وَبَقِيَ الْعَقْدُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (فِي امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ بِلَا إذْنِهِ) لِتَفْوِيتِ حَقِّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ ; لِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِمَا اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا) بِلَا بَيِّنَةٍ بَعْدَ أَنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا (إنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ) فِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا (مُؤَجَّرَةٌ قَبْلَ نِكَاحٍ) فِي حَقِّ زَوْجٍ بِلَا بَيِّنَةٍ ; لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا تَدَّعِيهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (عَلَى دَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا مُؤَجِّرٌ) كَاشْتِرَاءِ دَارِهِ لَهُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ.
[فَصْلٌ الْإِجَارَةُ ضَرْبَانِ]
(فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ ضَرْبَانِ) أَحَدُهُمَا أَنْ تَقَعَ (عَلَى) مَنْفَعَةِ (عَيْنٍ) وَيَأْتِي أَنَّ لَهَا صُورَتَيْنِ إلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ أَوْ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ الْعَيْنُ إمَّا مُعَيَّنَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ فِي الذِّمَّةِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شُرُوطٌ وَبَدَأَ بِشُرُوطِ الْمَوْصُوفَةِ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَشَرْطُ اسْتِقْصَاءِ صِفَاتِ سَلَمٍ فِي مَوْصُوفَةٍ بِذِمَّةٍ)
; لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ فَإِنْ لَمْ تُوصَفْ بِمَا يَضْبِطُهَا أَدَّى إلَى التَّنَازُعِ فَإِنْ اُسْتُقْصِيَتْ صِفَاتُ السَّلَمِ كَانَ أَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ وَأَبْعَدَ مِنْ الْغَرَرِ.
(وَإِنْ جَرَتْ) إجَارَةٌ عَلَى مَوْصُوفٍ بِذِمَّةٍ (بِلَفْظِ) سَلَمٍ كَ أَسْلَمْتُك هَذَا الدِّينَارَ فِي مَنْفَعَةِ عَبْدٍ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا لِبِنَاءِ حَائِطٍ مَثَلًا وَقَبِلَ الْمُؤَجِّرُ (اُعْتُبِرَ قَبْضُ أُجْرَةٍ بِمَجْلِسِ) عَقْدٍ لِئَلَّا يَصِحَّ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ (وَ) اُعْتُبِرَ (تَأْجِيلُ نَفْعٍ) إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ كَالسَّلَمِ فَدَلَّ أَنَّ السَّلَمَ يَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ كَالْأَعْيَانِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ سَلَمٍ وَلَا سَلَفَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ.
ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى شُرُوطِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَالَ: (وَ) شُرِطَ (فِي) إجَارَةُ عَيْنٍ (مُعَيَّنَةٍ) خَمْسَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا (صِحَّةُ بَيْعٍ) كَعَبْدٍ وَدَارٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِهَا بِخِلَافِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَحْوِهِمَا (سِوَى وَقْفٍ) أَيْ: مَوْقُوفٍ (وَأُمِّ وَلَدٍ وَحُرٍّ وَحُرَّةٍ) فَتَصِحُّ إجَارَتُهَا ; لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ، وَمَنَافِعُ الْحُرِّ تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ أَشْبَهَ مَنَافِعَ الْقِنِّ (وَيَصْرِفُ) مُسْتَأْجِرُ أَجْنَبِيَّةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ (بَصَرَهُ) عَنْهَا ; لِأَنَّ حُكْمَ نَظَرِهِ إلَيْهَا وَخَلْوَتِهِ بِهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ (وَيُكْرَهُ اسْتِئْجَارُ أَصْلِهِ) كَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَإِنْ عَلَوْا (لِخِدْمَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ وَالِدِيهِ بِالْحَبْسِ عَلَى خِدْمَتِهِ.
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ زَوْجَتِهِ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ وَلَوْ مِنْهَا وَ) عَلَى (حَضَانَتِهِ) ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَهُ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ فَصَحَّ مَعَهُ كَالْبَيْعِ ; وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ لِلزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَهَا أَخْذُ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَهَا أَخْذُهُ مِنْهُ كَثَمَنِ مَالِهَا، وَاسْتِحْقَاقُهُ لِمَنْفَعَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ آخَرَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.
(وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (ذِمِّيٍّ مُسْلِمًا) لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ فِي الذِّمَّةِ كَقِصَارَةِ ثَوْبٍ أَوْ خِيَاطَتِهِ أَوْ إلَى أَمَدٍ كَأَنْ يَبْنِيَ لَهُ شَهْرًا وَنَحْوِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ قَالَ فِي الْمُغْنِي: هَذَا مُطْلَقٌ فِي نَوْعَيْ الْإِجَارَةِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا (لِخِدْمَتِهِ) نَصًّا ; لِتَضَمُّنِهَا حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ وَإِذْلَالَهُ لَهُ وَاسْتِخْدَامَهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ بِخِلَافِ إجَارَتِهِ لِغَيْرِ الْخِدْمَةِ فَلَا تَتَضَمَّنُ إذْلَالَهُ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (مَعْرِفَتُهَا) أَيْ: الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْعَاقِدَيْنِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ كَالْمَبِيعِ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِاخْتِلَافِ الْعَيْنِ وَصِفَاتِهَا.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (قُدْرَةُ) مُؤَجِّرٍ (عَلَى تَسْلِيمِهَا) أَيْ: الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ (كَمَبِيعٍ) ; لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعَ أَشْبَهَتْ بَيْعَ الْأَعْيَانِ فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ آبِقٍ وَلَا شَارِدٍ وَلَا مَغْصُوبٍ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ (اشْتِمَالُهَا) أَيْ: الْعَيْنِ (عَلَى النَّفْعِ فَلَا تَصِحُّ) إجَارَةٌ (فِي)
بَهِيمَةٍ (زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ وَلَا) أَرْضٍ (سَبِخَةٍ لِزَرْعٍ) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ.
(وَ) الْخَامِسُ (كَوْنُ مُؤَجِّرٍ يَمْلِكُهُ) أَيْ: النَّفْعَ بِمِلْكِ الْعَيْنِ أَوْ اسْتِئْجَارِهَا (أَوْ مَأْذُونًا لَهُ) بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ كَحَاكِمٍ يُؤَجِّرُ مَالًا نَحْوَ سَفِيهٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ وَقْفٍ لَا نَاظِرَ لَهُ أَوْ مِنْ قِبَلِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَنَاظِرٍ خَاصٍّ وَوَكِيلٍ فِي إجَارَةِ بَيْعِ مَنَافِعَ فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ (فَتَصِحُّ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ لِغَيْرِ حُرٍّ) أَنْ يُؤَجِّرَهُ (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ وَالتَّسَلُّطُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ مُسْتَأْجِرِ الْحُرِّ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ ; لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ وَلِمُسْتَأْجِرِ عَيْنٍ أَنْ يُؤَجِّرَهَا.
(وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا) ; لِأَنَّ قَبْضَهَا لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ فَلَا يَقِفُ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (حَتَّى لِمُؤَجِّرِهَا) أَيْ: الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ جَازَ مَعَهُ كَالْبَيْعِ (وَلَوْ بِزِيَادَةٍ) عَلَى مَا أَجَّرَهَا بِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ بِرَأْسِ الْمَالِ فَجَازَ بِزِيَادَةٍ (مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةً كَعِينَةٍ) بِأَنْ اسْتَأْجَرَهَا بِأُجْرَةٍ حَالَّةٍ نَقْدًا ثُمَّ أَجَّرَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ مُؤَجَّلًا فَلَا يَصِحُّ حَسْمًا لِمَادَّةِ رِبَا النَّسِيئَةِ.
(وَ) تَصِحُّ إجَارَةُ عَيْنٍ (مِنْ مُسْتَعِيرٍ بِإِذْنِ مُعِيرٍ فِي مُدَّةٍ يُعَيِّنُهَا) الْمُسْتَعِيرُ لِلْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا لَجَازَ فَكَذَا إجَارَتُهَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (وَتَصِيرُ) الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ (أَمَانَةً) بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لِصَيْرُورَتِهَا مُؤَجَّرَةً (وَالْأُجْرَةُ لِرَبِّهَا) أَيْ: الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ ; لِأَنَّهُ مَالِكُهَا وَمَالِكُ نَفْعِهَا وَانْفَسَخَتْ الْعَارِيَّةُ بِالْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهَا لِلُزُومِهَا.
(وَ) تَصِحُّ إجَارَةٌ (فِي وَقْفِ مَنْ نَاظَرَهُ) ، لِأَنَّهُ إمَّا مُسْتَحِقٌّ فَمَنَافِعُهُ لَهُ فَلَهُ إجَارَتُهَا كَالْمُسْتَأْجِرِ وَإِلَّا فَبِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ كَالْوَلِيِّ يُؤَجِّرُ عَقَارَ مُوَلِّيهِ.
(فَإِنْ مَاتَ مُسْتَحِقُّ) وَقْفٍ (أَجَّرَهُ وَهُوَ نَاظِرٌ بِشَرْطٍ) بِأَنْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ وَشَرَطَ لَهُ النَّظَرَ (لَمْ تَنْفَسِخْ) الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ أَجَّرَ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ وَإِنْ أَجَّرَ الْمُسْتَحِقُّ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ (أَوْ لِكَوْنِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ لَمْ تَنْفَسِخْ) الْإِجَارَةُ (فِي وَجْهٍ) كَمَا لَوْ أَجَّرَ وَلِيٌّ مَالَ مُوَلِّيهِ أَوْ نَاظِرٌ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ زَالَتْ وِلَايَتُهُ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ) فِي الْإِنْصَافِ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَإِنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ انْفَسَخَتْ، إنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بِأَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقِيلَ: لَا تَنْفَسِخُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ كَمِلْكِهِ (وَهُوَ أَشْهَرُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) انْتَهَى.
(وَكَذَا مُؤَجِّرُ إقْطَاعَهُ) إقْطَاعِ اسْتِغْلَالٍ (ثُمَّ يُقْطَعُهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْمُؤَجِّرِ فَلَا تَنْفَسِخُ فِي وَجْهٍ لِمَا تَقَدَّمَ (فَعَلَى هَذَا) الْوَجْهِ أَيْ: أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ (يَأْخُذ الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ) الِاسْتِحْقَاقَ (حِصَّتَهُ مِنْ أُجْرَةٍ قَبَضَهَا مُؤَجِّرٌ مِنْ تَرِكَتِهِ) إنْ مَاتَ (أَوْ) يَأْخُذُهَا (مِنْهُ) أَيْ: الْمُؤَجِّرِ إنْ انْتَقَلَ عَنْهُ الِاسْتِحْقَاقُ حَيًّا كَمَنْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى ابْنَتِهِ مَا دَامَتْ عَزْبَاءَ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَعَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ أَجَّرَتْ الدَّارَ مُدَّةً وَتَعَجَّلَتْ الْأُجْرَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَيَأْخُذُ زَيْدٌ مِنْهَا مَا يُقَابِلُ اسْتِحْقَاقَهُ (وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ) الْأُجْرَةَ (فَ) الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ يَأْخُذُ حِصَّتَهُ (مِنْ مُسْتَأْجِرٍ) ; لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ مِنْهَا (وَعَلَى مُقَابِلِهِ) أَيْ: الْوَجْهِ السَّابِقِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِانْتِقَالِ الِاسْتِحْقَاقِ عَنْ الْمُؤَجِّرِ غَيْرِ الْمَشْرُوطِ: لَهُ النَّظَرُ وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي التَّنْقِيحِ كَمَا سَبَقَ، يَنْتَزِعُ مَنْ آلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ أَوْ الْإِقْطَاعُ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ.
(وَيَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ) عَجَّلَ أُجْرَتَهُ (عَلَى وَرَثَةِ قَابِضٍ) مَاتَ (أَوْ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ حَيًّا، وَوَجْهُ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ إذَنْ: أَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَبِمَوْتِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَجَّرَ حَقَّهُ وَحَقَّ غَيْرِهِ فَصَحَّ فِي حَقِّهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ دَارَيْنِ: إحْدَاهُمَا لَهُ وَالْأُخْرَى لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُطْلَقِ إذَا مَاتَ مُؤَجِّرُهُ فَإِنَّ الْوَارِثَ يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثِهِ فَلَا يَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا مَا خَلَّفَهُ وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ، وَالْمَنَافِعُ الَّتِي أَجَّرَهَا قَدْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِجَارَةِ، فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ.
وَالْبَطْنُ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ يَمْلِكُونَهُ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ فَمَا حَدَثَ مِنْهَا بَعْدَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُمْ.
(وَإِنْ أَجَّرَ النَّاظِرُ الْعَامُّ) وَهُوَ الْحَاكِمُ، أَوْ مَنْ جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ (لِعَدَمِ) النَّاظِرِ (الْخَاصِّ) الَّذِي يُعَيِّنُهُ الْوَاقِفُ نَاظِرًا (أَوْ) أَجَّرَ النَّاظِرُ (الْخَاصُّ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ) بِأَنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِهِ (لَمْ تَنْفَسِخْ) إجَارَتُهُ (بِمَوْتِهِ وَلَا عَزْلِهِ) قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّتِهَا (قَوْلًا وَاحِدًا) ; لِأَنَّهُ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ وَمَنْ يَلِي النَّظَرَ بَعْدَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْأَوَّلُ.
(وَإِنْ أَجَّرَ سَيِّدٌ رَقِيقَهُ ; أَوْ) أَجَّرَ (وَلِيَّ يَتِيمًا) مَحْجُورًا لَهُ (أَوْ) أَجَّرَ (مَالِهِ) أَيْ: مَالِ مَحْجُورِهِ كَدَارِهِ أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ (ثُمَّ عَتَقَ) الرَّقِيقُ (الْمَأْجُورُ أَوْ بَلَغَ) الْيَتِيمُ (وَرَشَدَ أَوْ مَاتَ) السَّيِّدُ أَوْ الْوَلِيُّ (الْمُؤَجِّرُ) قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (أَوْ عُزِلَ) الْوَلِيُّ بِأَنْ أَقَامَ الْحَاكِمُ غَيْرَهُ (لَمْ تَنْفَسِخْ) الْإِجَارَةُ.
أَمَّا فِي السَّيِّدِ فَلِأَنَّهَا عَقْدٌ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ فَلَا تَنْفَسِخُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ اُسْتُحِقَّتْ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْعِتْقِ
فَلَمْ يَرْجِعْ بِبَدَلِهَا كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَنَفَقَةُ الْعَتِيقِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ عَلَى مُعْتِقِهِ إلَّا إنْ شَرَطَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَعَلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي الْوَلِيِّ فَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَقْدًا لَازِمًا بِحَقِّ الْوِلَايَةِ فَلَا يَبْطُلُ بِزَوَالِ وِلَايَتِهِ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ أَوْ بَاعَ دَارِهِ (إلَّا إنْ عَلِمَ) الْوَلِيُّ (بُلُوغَهُ) أَيْ: الْيَتِيمِ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ كَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَجَّرَهُ أَوْ أَجَّرَ دَارِهِ سَنَتَيْنِ فَتَنْفَسِخُ بِبُلُوغِهِ ; لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى صِحَّتِهَا عَلَى جَمِيعِ مَنَافِعِهِ طُولَ عُمْرِهِ وَإِلَى تَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِ زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَأْجُورِ (أَوْ) إلَّا إذَا عَلِمَ سَيِّدٌ (عِتْقَهُ) أَيْ: الرَّقِيقِ (فِي الْمُدَّةِ) أَيْ: الْإِجَارَةِ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ سَنَةٍ آجَرَهُ سَنَتَيْنِ فَتَنْفَسِخُ بِعِتْقِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ لِإِجَارَةِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَى مَنْفَعَتِهَا صُورَتَانِ]
فَصْلٌ وَلِإِجَارَةِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَى مَنْفَعَتِهَا مُعَيَّنَةً كَانَتْ أَوْ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ (صُورَتَانِ:) إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ (إلَى أَمَدٍ) كَهَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا أَوْ فَرَسًا صِفَتُهُ كَذَا لِيَرْكَبَهُ يَوْمًا (وَشَرْطٌ) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (عِلْمُهُ) أَيْ: الْأَمَدِ كَشَهْرٍ مِنْ الْآنِ أَوْ وَقْتِ كَذَا ; لِأَنَّهُ الضَّابِطُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمُعَرِّفِ لَهُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ سَنَةً وَأَطْلَقَ حُمِلَتْ عَلَى الْأَهِلَّةِ ; لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ شَرْعًا.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189] الْآيَةَ.
فَإِنْ قَالَا: سَنَةً عَدَدِيَّةً أَوْ بِالْأَيَّامِ فَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، وَإِنْ قَالَ: سَنَةً رُومِيَّةً أَوْ شَمْسِيَّةً أَوْ فَارِسِيَّةً.
وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ جَازَ وَلَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا (وَ) شَرْطٌ (أَنْ لَا يُظَنَّ عَدَمُهَا) أَيْ: الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ بِنَحْوِ مَوْتٍ أَوْ هَدْمٍ (فِيهِ) أَيْ: فِي أَمَدِ الْإِجَارَةِ فَتَصِحَّ (وَإِنْ طَالَ) الْأَمَدُ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْمُسْتَأْجِرِ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا غَالِبًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَ الْعَاقِدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ بَلْ الْوَقْفُ أَوْلَى قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ سَنَتَيْنِ بِأَجْرٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُشْتَرَطْ تَقْسِيطُهُ عَلَى كُلِّ سَنَةٍ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ سَنَةً لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى تَقْسِيطِ أَجْرِ كُلِّ شَهْرٍ وَ (لَا أَنْ تَلِيَ مُدَّة) الْإِجَارَةِ (الْعَقْدَ فَتَصِحَّ) إجَارَةُ عَيْنٍ (لِسَنَةِ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ) لِجَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مَعَ غَيْرِهَا فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً.
(وَلَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ (مُؤَجَّرَةً أَوْ مَرْهُونَةً أَوْ مَشْغُولَةً) بِنَحْوِ زَرْعٍ (وَقْتَ عَقْدٍ) كَمُسْلَمٍ فِيهِ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ وَقْتَ عَقْدٍ (إنْ قَدَرَ) مُؤَجِّرٌ (عَلَى تَسْلِيمِ) مَا أَجَّرَهُ (عِنْدَ وُجُوبِهِ) أَيْ: التَّسْلِيمِ وَهُوَ أَوَّلُ دُخُولِ الْمُدَّةِ (فَلَا تَصِحُّ) إجَارَةٌ (فِي) أَرْضٍ (مَشْغُولَةٍ بِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ وَنَحْوِهِمَا) كَأَمْتِعَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَذَّرُ تَحْوِيلُهَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ
(لِلْغَيْرِ) أَيْ: غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ صَاحِبِ الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِمَا ; لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ إذَنْ.
(وَلَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ عَيْنٍ (شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَيُطْلَقُ) ; لِلْجَهَالَةِ وَقِيلَ: يَصِحُّ وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ عَقْدٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ تَبَعًا لِمَا فِي الْمُغْنِي.
(وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (مِنْ وَكِيلٍ مُطْلَقٍ) لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الْمُوَكِّلُ أَمَدًا (مُدَّةً طَوِيلَةً) كَخَمْسِ سِنِينَ (بَلْ) يُؤَجِّرُ (الْعُرْفَ) الْمَعْهُودَ غَالِبًا (كَسَنَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا) كَثَلَاثِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِأَهْلِي خُبْزًا فَاشْتَرَى قِنْطَارًا مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
(وَتَصِحُّ) إجَارَةٌ (فِي آدَمِيٍّ لِرَعْيٍ وَنَحْوِهِ) كَخِدْمَةٍ (مَعْلُومَةٍ) ; لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْحَصِرُ (وَيُسَمَّى) مُؤَجِّرَ نَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً (الْأَجِيرَ الْخَاصَّ لِتَقْدِيرِ زَمَنٍ يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ نَفْعَهُ فِي جَمِيعِهِ) مُخْتَصًّا بِهِ (سِوَى) زَمَنِ (فِعْلِ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ بِسُنَّتِهَا) الرَّاتِبَةِ (فِي أَوْقَاتِهَا وَ) سِوَى زَمَنِ فِعْلِ (صَلَاةِ جُمُعَةٍ) فَهِيَ (وَ) صَلَاةُ (عِيدِ) فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا.
قَالَ الْمَجْدُ: فِي شَرْحِهِ وَظَاهِرُ النَّصِّ يَمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ إذْنٍ.
(وَلَا يَسْتَنِيبُ) أَجِيرٌ خَاصٌّ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ كَمَنْ أَجَّرَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً لِمَنْ يَرْكَبُهَا وَنَحْوَهُ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ سَنَةً) مِنْ الْعَقْدِ (فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اسْتَوْفَاهَا) أَيْ: السَّنَةَ (بِالْأَهِلَّةِ) فَيَسْتَوْفِي أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا (وَكَمُلَ عَلَى مَا بَقِيَ) مِنْ أَيَّامِ الشَّهْرِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ فِيهِ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا) ; لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهِ بِالْهِلَالِ فَيُتِمُّهُ بِالْعَدَدِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَقَدْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْهِلَالِ فَوَجَبَ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَكَذَا كُلُّ مَا يُعْتَبَرُ بِالْأَشْهُرِ كَعِدَّةٍ وَصِيَامِ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَأَجَلِ سَلَمٍ وَخِيَارٍ وَنَذْرٍ.
وَالصُّورَةُ (الثَّانِيَةُ) أَنْ تَكُونَ (لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ كَدَابَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَرْهُونَةٍ (لِرُكُوبٍ لِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (رُكُوبُ) مُؤَجَّرَةٍ (لِ) مَحَلِّ (مِثْلِهِ فِي جَادَّةٍ) أَيْ: طَرِيقٍ (مُمَاثِلَةٍ) لِلطَّرِيقِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَسَافَةً وَسُهُولَةً أَوْ حُزُونَةً وَأَمْنًا أَوْ خَوْفًا ; لِأَنَّهُ عَيَّنَ لِيَسْتَوْفِيَ بِهِ الْمَنْفَعَةَ وَيَعْلَمَ قَدْرَهَا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ كَنَوْعِ الْمَحْمُولِ وَالرَّاكِبِ (أَوْ) ك (بَقَرٍ) مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَوْصُوفَةٍ (لِحَرْثِ) أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ لَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ.
فَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْبَقَرَ وَحْدَهَا لِيَحْرُثَ هُوَ بِهَا وَأَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَعَ صَاحِبِهَا لِيَحْرُثَ بِهَا وَالْآلَةُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَأَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَعَ صَاحِبِهَا بِآلَتِهَا مِنْ سِكَّةٍ وَغَيْرِهَا وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ بِالْمَسَاحَةِ كَجَرِيبٍ وَبِالْمُدَّةِ كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَهُوَ مِنْ الصُّورَةِ الْأُولَى وَيُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ تَعْيِينُ الْبَقَرِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ (أَوْ) بَقَرٍ ل (دِيَاسٍ ل) زَرْعٍ (مُعَيَّنٍ) ; لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ أَشْبَهَ الْحَرْثَ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي
الْحَرْثِ (أَوْ آدَمِيٍّ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ (لِيَدُلَّ عَلَى طَرِيقٍ) مُعَيَّنٍ أَوْ لِخِيَاطَةٍ أَوْ قِصَارَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ قَطْعِ سِلْعَةٍ أَوْ قَلْعِ سِنٍّ أَوْ ضِرْسٍ مُعَيَّنَيْنِ أَوْ فَصْدٍ أَوْ خَتْنٍ أَوْ كُحْلٍ أَوْ نَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ (أَوْ رَحًى لِطَحْنِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ) ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَمِنْهُ مَا يَسْهُلُ وَمِنْهُ مَا يَعْسُرُ.
(وَشُرِطَ عِلْمُ عَمَلٍ) اُسْتُؤْجِرَ لَهُ (وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ) لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مَجْهُولًا فَمَنْ أَجَّرَ بَهِيمَةً لِإِدَارَةِ رَحًى اُشْتُرِطَ عِلْمُهُ بِالْحَجَرِ إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ الصِّفَةِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ وَأَنْ يُقَدَّرَ الْعَمَلُ إمَّا بِالزَّمَانِ كَيَوْمٍ أَوْ بِالطَّعَامِ بِأَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهُ وَكَيْلَهُ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّتَيْنِ لِمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ اُشْتُرِطَ التَّعْيِينُ، وَيَصِحُّ اكْتِرَاءُ ظَهْرٍ يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْهِ.
وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِكُحْلٍ أَوْ لِمُدَاوَاةٍ اُشْتُرِطَ تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ كَشَهْرٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ يَخْتَلِفُ وَتَقْدِيرُهُ بِزَمَنِ الْبُرْءِ مَجْهُولٌ.
[فَصْلٌ الْإِجَارَةُ إذَا كَانَتْ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّة]
(فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ ضَرْبَيْ الْإِجَارَةِ) : أَنْ تَكُونَ (عَلَى مَنْفَعَةٍ بِذِمَّةٍ) وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ كَاسْتَأْجَرْتُك لِحَمْلِ هَذِهِ الْغِرَارَةِ الْبُرِّ إلَى مَحَلِّ كَذَا عَلَى بَعِيرٍ تُقِيمُهُ مِنْ مَالِكَ بِكَذَا وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ مَوْصُوفٍ كَاسْتَأْجَرْتُك لِحَمْلِ غِرَارَةِ بُرٍّ صِفَتُهُ كَذَا إلَى مَكَّةَ بِكَذَا (وَشَرْطٌ ضَبْطُهَا) أَيْ: الْمَنْفَعَةِ (بِمَا) أَيْ: وَصْفٍ (لَا يَخْتَلِفُ) بِهِ الْعَمَلُ (كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ) يَذْكُرُ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ وَصِفَتَهُ وَصِفَةَ الْخِيَاطَةِ (وَبِنَاءِ دَارٍ) يَذْكُرُ الْآلَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا تَقَدَّمَ (وَحَمْلٍ) لِشَيْءٍ يَذْكُرُ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ وَأَنْ يَكْتَرِيَ لِرُكُوبِهِ عُقْبَةً بِأَنْ يَرْكَبَ شَيْئًا وَيَمْشِيَ شَيْئًا مَعْلُومًا كَفَرْسَخٍ وَفَرْسَخٍ أَوْ يَرْكَبَ نَهَارًا لَا لَيْلًا وَعَكْسُهُ (وَ) شَرْطٌ (كَوْنِ أَجِيرٍ فِيهَا جَائِزَ التَّصَرُّفِ) ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ (وَيُسَمَّى) الْأَجِيرُ فِيهَا (الْمُشْتَرَكَ لِتَقْدِيرِ نَفْسِهِ بِالْعَمَلِ) وَلِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِجَمَاعَةٍ فَمَنْفَعَتُهُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ.
(وَ) شَرْطٌ (أَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ وَعَمَلٍ ك) قَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُك (لِتَخِيطَهُ) أَيْ: هَذَا الثَّوْبَ (فِي يَوْمٍ) ; لِأَنَّهُ قَدْ يَفْرُغُ مِنْهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي بَقِيَّتِهِ فَقَدْ زَادَ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ زَمَنِهِ فَيَكُونُ غَرَرًا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ (الشُّرُوعُ) فِي الْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ (عَقِبَ الْعَقْدِ) لِجَوَازِ
مُطَالَبَتِهِ بِهِ إذَنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ قَالَ شَيْخُنَا: بِلَا عُذْرٍ فَتَلِفَ بِسَبَبِهِ ضَمِنَ.
(وَ) شُرِطَ (كَوْنُ عَمَلٍ) مَعْقُودٍ عَلَيْهِ (لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ لِكَوْنِهِ مُسْلِمًا) أَيْ: يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ (كَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) وَإِمَامَةٍ (وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ وَفِقْهٍ وَحَدِيثٍ وَنِيَابَةٍ فِي حَجٍّ وَقَضَاءٍ وَلَا يَقَعُ إلَّا قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ وَيَحْرُمُ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «إنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ.
فَأَهْدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا قَالَ: قُلْتُ: قَوْسٌ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ قَالَ: قُلْتُ: أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ: إنْ سَرَّكَ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» .
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَأَهْدَى إلَيْهِ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّكَ لَوْ لَبِسْتَهَا أَلْبَسَكَ اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ ; وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَوْنَهَا قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَصِحَّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا يُصَلِّي خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ أَوْ التَّرَاوِيحَ وَ (لَا) يَحْرُمُ أَخْذُ (جَعَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ) ; لِأَنَّهَا أَوْسَعُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَلِهَذَا جَازَتْ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ.
(أَوْ عَلَى رُقْيَةٍ) نَصًّا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى إذَا نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَذَا الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ بَعْضُ شَيْءٍ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي وَاَللَّهِ لَأَرْقِي وَلَكِنْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ ﴿" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "﴾ [الفاتحة: 2] فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْتَسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ الَّذِي يَأْمُرُنَا بِهِ فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَصَبْتُمْ اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا وَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.
(كَ) مَا لَا يَحْرُمُ أَخْذٌ عَلَى ذَلِكَ بِلَا شَرْطٍ وَحَدِيثُ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ قَضِيَّتَانِ فِي عَيْنٍ وَمَا لَا يَخْتَصُّ
فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَتَعْلِيمِ خَطٍّ وَحِسَابٍ وَشِعْرٍ مُبَاحٍ وَنَحْوِهِ وَبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَنَاطِرَ وَذَبْحِ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَنَحْوِهِ وَتَفْرِيقِ صَدَقَةٍ فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ وَأَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَقَعُ تَارَةً قُرْبَةً وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ أَشْبَهَ غَرْسَ الْأَشْجَارِ وَبِنَاءَ الْبُيُوتِ.
(وَ) يَحْرُمُ أَخْذُ (رِزْقٍ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ وَقْفٍ عَلَيْهِ (عَلَى مُتَعَدٍّ نَفْعُهُ كَقَضَاءٍ) وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنِيَابَةٍ فِي حَجٍّ وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَأَدَائِهَا وَأَذَانٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ فَجَرَى مَجْرَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَا وَلَيْسَتْ بِعِوَضٍ بَلْ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً وَلَا يَقْدَحُ فِي الْإِخْلَاصِ وَإِلَّا لِمَا اُسْتُحِقَّتْ الْغَنَائِمُ وَسَلَبُ الْقَاتِلِ.
وَ (لَا) يَجُوزُ أَخْذُ رِزْقٍ عَلَى (قَاصِرٍ) مِنْ الْقُرَبِ عَلَى فَاعِلِهِ (كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ خَلْفَهُ وَنَحْوِهِمَا) كَحِجَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ وَاعْتِكَافِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَصَالِحِ إذْ لَا تَدْعُو حَاجَةُ بَعْضِ النَّاسِ إلَى بَعْضٍ مِنْ أَجْلِهِ.
(وَصَحَّ اسْتِئْجَارٌ لِحَجْمٍ كَفَصْدٍ) وَلَا يَحْرُمُ أُجْرَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَلَوْ عَلِمَهُ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ " لَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ "، وَلِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ أَشْبَهَ الْبِنَاءَ وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَكُرِهَ لِحُرٍّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ وَ) أَكْلُ (مَأْخُوذٍ بِلَا شَرْطٍ عَلَيْهِ) أَيْ: الْحَجْمِ (وَيُطْعِمُهُ) الْحَاجِمُ (رَقِيقًا وَبَهَائِمَ) لِحَدِيثِ «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " وَقَالَ: أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ " فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَقَدْ سَمَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الثُّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ مَعَ عَدَمِ تَحْرِيمِهِمَا وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِلْحُرِّ تَنْزِيهًا لَهُ لِدَنَاءَةِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ وَكَذَا أُجْرَةُ كَسْحِ كَنِيفٍ.
[فَصْلٌ وَلِمُسْتَأْجِرٍ اسْتِيفَاءُ نَفْعٍ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ وَلِمُسْتَأْجِرٍ اسْتِيفَاءُ نَفْعٍ) مَعْقُودٍ عَلَيْهِ (بِمِثْلِهِ) ضَرَرًا كَبِدُونِهِ (وَلَوْ اشْتَرَطَا) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرَانِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مُسْتَأْجِرٌ النَّفْعَ (بِنَفْسِهِ) ; لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ مِلْكُ النَّفْعِ وَالتَّسْلِيطُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ (فَتُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ رَاكِبٍ) لِمُسْتَأْجِرٍ (فِي طُولٍ وَقِصَرٍ وَغَيْرِهِ) كَثِقَلٍ وَخِفَّةٍ فَلَا يَرْكَبُهَا أَطْوَلُ وَلَا أَثْقَلُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ وَلَهُ اسْتِيفَاؤُهَا بِدُونِهِ ; لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ لِبَعْضِ مَا يَمْلِكُهُ وَ (لَا) تُعْتَبَرُ مُمَاثَلَتُهُ أَيْ: الرَّاكِبِ (فِي مَعْرِفَةِ رُكُوبٍ) ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ فَعُفِيَ عَنْهُ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي الْإِجَارَةِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: شَرْطِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ (شَرْطُ زَرْعِ بُرٍّ فَقَطْ) فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَلَهُ زَرْعُ بُرٍّ
وَمِثْلِهِ وَأَخَفَّ مِنْهُ ضَرَرًا لَا أَكْثَرَ وَلِمُسْتَأْجِرِ عَيْنٍ إعَارَتُهَا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (وَلَا يَضْمَنُهَا مُسْتَعِيرٌ بِتَلَفٍ عِنْدَهُ) بِلَا تَفْرِيطٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُسْتَأْجِرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ.
(وَجَازَ) اسْتِيفَاءُ مُسْتَأْجِرٍ وَنَائِبِهِ (بِمِثْلِ ضَرَرِهِ) أَيْ: مَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ مِنْ زَرْعٍ وَغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ وَنَحْوِهِ (لَا أَكْثَرَ) ضَرَرًا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ (أَوْ مُخَالِفٌ) كَمَنْ اسْتَأْجَرَ لِبِنَاءٍ فَلَا يَغْرِسُ وَعَكْسُهُ وَكَذَا مَنْ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا لِيَرْكَبَهَا بِسَرْجٍ لَمْ يَجُزْ عُرْيًا وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّ ظَهْرَهَا يُحْمَى بِذَلِكَ فَرُبَّمَا عَقَرَهَا (فَ) مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا (لِزَرْعِ بُرٍّ) أَوْ نَوْعٍ مِنْهُ فَلَهُ زَرْعُ بُرٍّ.
وَ (لَهُ زَرْعُ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ) كَبَاقِلَّاءَ ; لِأَنَّهُ دُونَهُ ضَرَرًا، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ دُونَ الْبُرِّ.
وَلِهَذَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْعِوَضُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إذَا تَسَلَّمَ الْأَرْضَ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُرَّ لِتَتَقَدَّرَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ.
وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ زَرْعُ (دُخْنٍ وَنَحْوِهِ) كَذُرَةٍ وَقُطْنٍ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْ الْبُرِّ (وَلَا غَرْسٌ أَوْ بِنَاءٌ) ; لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ الزَّرْعِ.
(وَ) إنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ (لَا يَمْلِكُ الْآخَرَ) ; لِاخْتِلَافِ ضَرَرِهِمَا.
فَالْغَرْسُ يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءُ يَضُرُّ بِظَاهِرِهَا (وَ) إنْ اكْتَرَاهَا (لِغَرْسٍ، لَهُ الزَّرْعِ) ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ.
وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِبِنَاءٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الزَّرْعُ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ ضَرَرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ.
(وَدَارٌ) اُسْتُؤْجِرَتْ (لِسُكْنَى) لِمُسْتَأْجِرِهَا أَنْ يَسْكُنَ وَيُسْكِنَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الضُّرِّ أَوْ دُونَهُ، وَيَضَعَ فِيهَا مَا جَرَتْ عَادَةُ السَّاكِنِ بِهِ مِنْ الرَّحْلِ وَالطَّعَامِ وَيُخَزِّنَ فِيهَا الثِّيَابَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَضُرُّهَا، وَ (لَا يَعْمَلُ فِيهَا حِدَادَةً وَلَا قِصَارَةً) ; لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا (وَلَا يُسْكِنُهَا دَابَّةً) لِأَنَّهَا تُفْسِدُهَا بِرَوْثِهَا وَبَوْلِهَا (وَلَا يَجْعَلُهَا مَخْزَنًا لِطَعَامٍ) لِإِفْضَائِهِ إلَى تَخْرِيقِ الْفَأْرِ أَرْضَهَا وَحِيطَانَهَا، وَلَا يَجْعَلُ شَيْئًا ثَقِيلًا فَوْقَ السَّقْفِ ; لِأَنَّهُ يُثْقِلُهُ وَيَكْسِرُ خَشَبَهُ، وَلَا يَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا يَضُرُّ بِهَا كَسِرْجِينٍ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ فَوْقَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَهُ إسْكَانُ ضَيْفٍ وَزَائِرٍ.
(وَ) مَنْ اسْتَأْجَرَ (دَابَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ لَا يَمْلِكُ الْآخَرَ) ; لِاخْتِلَافِ ضَرَرِهِمَا لِأَنَّ الرَّاكِبَ يُعْيِي الظَّهْرَ بِحَرَكَتِهِ لَكِنَّهُ يَقْعُدُ فِي مَوْضِع وَاحِدٍ فَيَشْتَدُّ عَلَى الظَّهْرِ وَالْمَتَاعُ لَا مَعُونَةَ فِيهِ لَكِنَّهُ يَتَفَرَّقُ عَلَى الْجَنْبَيْنِ.
(وَ) إنْ اكْتَرَاهَا (لِحَمْلِ حَدِيدٍ أَوْ قُطْنٍ لَا يَمْلِكُ حَمْلَ الْآخَرِ) ; لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا مُخْتَلِفٌ.
فَالْقُطْنُ يَتَجَافَى وَتَهِبُّ فِيهِ الرِّيحُ فَيُتْعِبُ الظَّهْرَ، وَالْحَدِيدُ يَكُونُ فِي مَوْضِع وَاحِدٍ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَ) مُكْتَرٍ مَا لَا
يَمْلِكُهُ بِأَنْ اكْتَرَى لِزَرْعِ بُرٍّ فَزَرَعَ دُخْنًا مَثَلًا (أَوْ سَلَكَ طَرِيقًا أَشَقَّ) مِمَّا اسْتَأْجَرَ لَهُ.
(فَ) عَلَيْهِ الْأَجْرُ (الْمُسَمَّى) فِي الْإِجَارَةِ (مَعَ تَفَاوُتِهِمَا) أَيْ: الْمَنْفَعَتَيْنِ (فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ) فَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ أُجْرَتُهَا لِزَرْعِ بُرٍّ ثَمَانِيَةٌ وَلِلدُّخْنِ عَشَرَةٌ فَيَأْخُذُ مُؤَجِّرُهَا مَعَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ اثْنَيْنِ نَصًّا ; لِأَنَّهُ لِمَا عَيَّنَ الْبُرَّ مَثَلًا لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَإِذَا زَرَعَ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ ضَرَرًا فَقَدْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ وَزِيَادَةً عَلَيْهَا، فَوَجَبَ لِلْمُؤَجِّرِ الْمُسَمَّى لِلْمَنْفَعَةِ وَالتَّفَاوُتُ فِي أَجْرِ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ.
(وَ) مَنْ اكْتَرَى (لِحُمُولَةِ قَدْرٍ) كَمِائَةِ رِطْلِ حَدِيدٍ (فَزَادَ) عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَمَّلَهَا مِائَةً وَعَشَرَةً فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى وَلِزَائِدٍ أُجْرَةُ مِثْلِهِ (أَوْ) اكْتَرَى لِيَرْكَبَ أَوْ يَحْمِلَ (إلَى مَوْضِع مُعَيَّنٍ فَجَاوَزَهُ) أَيْ: زَادَ عَلَيْهِ (فَ) عَلَيْهِ الْأَجْرُ (الْمُسَمَّى) ; لِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ (وَ) عَلَيْهِ (لِزَائِدٍ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) لِتَعَدِّيهِ كَالْغَاصِبِ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) دَابَّةٌ فِي زِيَادَةٍ أَوْ بَعْدَ رَدِّهَا إلَى مَكَانِ عَيَّنَهُ أَوْ بَعْدَ وَضْعِ حَمْلٍ عَنْهَا (فَ) عَلَى الْمُكْتَرِي (قِيمَتُهَا كُلُّهَا، وَلَوْ أَنَّهَا) أَيْ: الدَّابَّةَ (بِيَدِ صَاحِبِهَا) بِأَنْ كَانَ مَعَهَا وَلَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالتَّعَدِّي.
وَسُكُوتُ رَبِّهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ كَمَا لَوْ بِيعَ مَالُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ أَوْ حُرِقَ ثَوْبُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ; وَلِأَنَّ الْيَدَ لِلرَّاكِبِ وَصَاحِبِ الْحَمْلِ.
وَ (لَا) ضَمَانَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ (إنْ تَلِفَتْ) الْمُسْتَأْجَرَةُ (بِيَدِ صَاحِبِهَا.
وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهَا شَيْءٌ بِسَبَبٍ غَيْرِ حَاصِلٍ مِنْ الزِّيَادَةِ) بِأَنْ افْتَرَسَهَا سَبُعٌ أَوْ جَرَحَهَا إنْسَانٌ أَوْ سَقَطَتْ مِنْهُ فِي هُوَّةٍ فَمَاتَتْ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ وَإِنْ تَلِفَتْ بِيَدِهِ بِتَعَبِهَا بِتَعَدِّيهِ ضَمِنَهَا وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ غَيْرَهُ مَعَهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي (فِي صِفَةِ الِانْتِفَاعِ) بِأَنْ قَالَ مُسْتَأْجِرٌ: اسْتَأْجَرْتُهَا لِلْغَرْسِ، فَقَالَ مُؤَجِّرٌ: بَلْ لِلزَّرْعِ وَلَا بَيِّنَةَ (فَقَوْلُ مُؤَجِّرٍ) بِيَمِينِهِ كَمَا لَوْ أَنْكَرَ الْإِجَارَةَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.
[فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَى مُؤَجِّرٍ مَعَ الْإِطْلَاقِ كُلُّ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ أَوْ عُرْفٌ]
ٌ مِنْ آلَةٍ كَزِمَامِ مَرْكُوبٍ) لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالْبَرَّةِ الَّتِي فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي (وَرَحْلِهِ وَحِزَامِهِ) وَقَتَبِ بَعِيرٍ وَلِفَرَسٍ لِجَامٌ وَسَرْجٌ، وَلِحِمَارٍ وَبَغْلٍ بَرْذعَةٌ أَوْ إكَافٌ ; لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ (أَوْ فِعْلٍ) عُطِفَ عَلَى آلَةٍ (كَقَوْدٍ وَسَوْقٍ) لِدَابَّةٍ (وَرَفْعٍ وَشَدٍّ وَحَطٍّ) لِمَحْمُولٍ،
لِأَنَّهُ الْعُرْفُ وَبِهِ يَتَمَكَّنُ الْمُكْتَرِي مِنْ الِانْتِفَاعِ (وَلُزُومِ دَابَّةٍ لِنُزُولِ الْحَاجَةِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَكَذَا طَهَارَةٌ (وَوَاجِبٍ) كَفَرْضِ صَلَاةٍ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ: وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ كَالْعَيْنِ، وَيَدَعُ الْبَعِيرَ وَاقِفًا حَتَّى يَقْضِيَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ ذَلِكَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُمْكِنُ رَاكِبًا (وَ) عَلَى مُؤَجِّرٍ (تَبْرِيكُ بَعِيرٍ لِامْرَأَةٍ وَشَيْخٍ وَمَرِيضٍ) لِرُكُوبٍ وَنُزُولٍ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ ضَعُفَ عَنْ الرُّكُوبِ وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ لِسِمَنٍ وَنَحْوِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ مُكْتَرٍ إتْمَامَ الصَّلَاةِ وَطَلَبَهُ الْجَمَّالُ بِقَصْرِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَلْ تَكُونُ خَفِيفَةً فِي تَمَامٍ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَمَنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لِإِنْسَانٍ يَرْكَبُهُ لِنَفْسِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَفَاءٌ لَهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَقَدَ عَلَى أَنْ يُسَافِرَ مَعَهُ (وَ) عَلَى مُؤَجِّرٍ (مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ) مُسْتَأْجِرٌ (مِنْ نَفْعٍ كَتَرْمِيمِ دَارٍ) مُؤَجَّرَةٍ (بِإِصْلَاحِ مُنْكَسِرٍ وَإِقَامَةِ مَائِلٍ) مِنْ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَبَلَاطٍ (وَعَمَلِ بَابٍ وَتَطْيِينِ سَطْحٍ وَتَنْظِيفِهِ مِنْ ثَلْجٍ وَنَحْوِهِ) كَإِصْلَاحِ بِرْكَةِ دَارٍ وَأَحْوَاضِ حَمَّامٍ وَمَجَارِي مِيَاهِهِ وَسَلَالِيمِ الْأَسْطِحَةِ ; لِأَنَّ بِذَلِكَ وَشَبَهِهِ يَتَمَكَّنُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ النَّفْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُجْبَرُ) مُؤَجِّرٌ (عَلَى تَجْدِيدِ) بَيْتٍ زَائِدٍ عَمَّا فِي الدَّارِ حَالَ الْإِجَارَةِ وَلَا عَلَى هَدْمِ عَامِرٍ وَإِعَادَتِهِ جَدِيدًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ.
(وَلَوْ) أَجَّرَ دَارًا أَوْ حَمَّامًا وَنَحْوَهُ وَ (شَرَطَ) مُؤَجِّرٌ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَقُومَ بِأُجْرَتِهَا (مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا) إنْ تَعَطَّلَتْ لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (أَنْ يَأْخُذَ) أَيْ: يَنْتَفِعَ بِمُؤَجَّرَةٍ (بِقَدْرِهَا) مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا (بَعْدَ) مُدَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (الْعِمَارَةَ) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ جَعَلَهَا) أَيْ: الْعِمَارَةَ فِي الْمُؤَجَّرَةِ (أُجْرَةً) لَهُ (لَمْ يَصِحَّ) أَمَّا فِي الْأُولَى ; فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ مُدَّةً لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ فِي بَعْضِهَا.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ بِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ; فَلِأَنَّ الْعِمَارَةَ لَا تَنْضَبِطُ فَيُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْأُجْرَةِ (لَكِنْ لَوْ عَمَّرَ) مُكْتَرٍ (بِهَذَا الشَّرْطِ) الْمَذْكُورِ رَجَعَ (أَوْ) عَمَّرَ مُكْتَرٍ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمُكْرِي لَهُ فِي الْعِمَارَةِ (رَجَعَ) مُكْتَرٍ عَلَى مُكْرٍ ; لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى عَيْنٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.
أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَهُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ دَابَّتِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فِي الْعِمَارَةِ وَلَا بَيِّنَةَ رَجَعَ (بِمَا قَالَ مُكْرٍ) بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى مُكْتَرٍ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ، بَلْ إنْ أَرَادَهُ مُكْتَرٍ فَمِنْ مَالِهِ (مَحْمِلٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَمَجْلِسٍ شِقَّتَانِ عَلَى الْبَعِيرِ يُحْمَلُ فِيهِمَا الْعَدِيلَانِ (وَمِظَلَّةٌ) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: مِنْ الْأَخْبِيَةِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: (وَوِطَاءٌ فَوْقَ الرَّحْلِ وَحَبْلُ قِرَانٍ وَبَيْنَ الْمَحْمِلَيْنِ وَدَلِيلٌ) إنْ جَهِلَا الطَّرِيقَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمُكْتَرِي وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الدَّابَّةِ وَآلَتِهَا.
أَشْبَهَ الزَّادَ، وَإِذَا اكْتَرَى لِلْحَجِّ رَكِبَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ لِلْعَوْدِ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى رَمْيِ الْجِمَارِ.
وَإِنْ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ لَمْ يَتَجَاوَزْهَا.
(وَ) مَنْ اكْتَرَى بِئْرًا لِيَسْقِيَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَيْ: الْمُكْتَرِي (بَكَرَةٌ وَحَبْلٌ وَدَلْوٌ) كَمُكْتَرٍ أَرْضًا لِزَرْعٍ فَآلَةُ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ عَلَيْهِ.
(وَ) عَلَى مُكْتِرِ دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ وَنَحْوَهُ (تَفْرِيغُ بَالُوعَةٍ وَكَنِيفٍ وَدَارٍ مِنْ قُمَامَةٍ وَزِبْلٍ وَنَحْوِهِ) كَرَمَادٍ (إنْ حَصَلَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: الْمُكْتَرِي كَمَا لَوْ أَلْقَى فِيهَا جِيفَةً أَوْ تُرَابًا وَنَحْوَهُ (وَعَلَى مُكْرٍ تَسْلِيمُهَا) أَيْ: الْمُؤَجَّرَةِ (فَارِغَةً) بَالُوعَتِهَا وَكَنِيفِهَا وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ مَعَ امْتِلَائِهِ (وَ) عَلَى مُكْرٍ (تَسْلِيمُ مِفْتَاحٍ) لِأَنَّ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَيُتَوَصَّلُ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْمِفْتَاحُ (أَمَانَةٌ بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ) كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فَإِنْ ضَاعَ بِلَا تَفْرِيطٍ فَعَلَى مُؤَجِّرٍ بَدَلُهُ، وَلَا يَلْزَمُ تَحْسِينُ وَلَا تَزْوِيقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِدُونِهِ.
[فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ]
(فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا بِلَا مُوجِبٍ.
لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ مُسْتَأْجِرٌ) مُؤَجَّرَةً لِعُذْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ لَا فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ (أَوْ تَحَوَّلَ) مُسْتَأْجِرٌ مِنْهَا (فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) ; لِاقْتِضَاءِ الْإِجَارَةِ تَمْلِيكَ الْمُؤَجِّرِ الْأَجْرَ، وَالْمُسْتَأْجِرِ النَّفْعَ، فَإِذَا تَرَكَهُ مُسْتَأْجِرٌ اخْتِيَارًا مِنْهُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمَنَافِعِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَتَرَكَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِمُؤَجِّرٍ تَصَرُّفٌ فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ وَيَدُ مُسْتَأْجِرٍ عَلَيْهَا كَأَنْ سَكَّنَ الدَّارَ أَوْ أَجَّرَهَا لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرٍ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُسْتَأْجِرٍ، وَعَلَى مُسْتَأْجِرٍ الْأُجْرَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا لَهُ.
وَإِنْ تَصَرَّفَ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَإِنْ سَلَّمَهَا لَهُ فِي أَثْنَائِهَا انْفَسَخَتْ فِيمَا مَضَى وَوَجَبَ أَجْرُ الْبَاقِي بِالْحِصَّةِ.
(وَإِنْ حَوَّلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرَ (مَالِكُ) الدَّارِ وَنَحْوِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلَا أُجْرَةَ لِمَا سُكِنَ قَبْلَ أَنْ يُحَوِّلَهُ الْمُؤَجِّرُ نَصًّا.
(أَوْ امْتَنَعَ) مُؤَجِّرُ دَابَّةٍ (مِنْ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ) الْمُؤَجَّرَةِ (فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ) فِي أَثْنَاءِ (الْمَسَافَةَ) الْمُؤَجَّرَةِ لِلرُّكُوبِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا فَلَا أُجْرَةَ لِرُكُوبِهِ أَوْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَنْعِ مِنْهُ (أَوْ) امْتَنَعَ (الْأَجِيرُ) لِعَمَلٍ (مِنْ تَكْمِيلِ الْعَمَلِ فَلَا أُجْرَةَ) لَهُ لِمَا عَمِلَهُ قَبْلُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ
شَيْئًا، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْمِلُ لَهُ كِتَابًا إلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ فَحَمَلَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ، أَوْ لِيَحْفِرَ لَهُ أَذْرُعًا فَحَفَرَ بَعْضَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ حَفْرِ الْبَاقِي.
(وَإِنْ شَرَدَتْ) دَابَّةٌ (مُؤَجَّرَةٌ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ بَاقِي النَّفْعِ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ (فَ) عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ (الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى) مِنْ النَّفْعِ قَبْلَ ذَلِكَ لِعُذْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ هَرَبَ أَجِيرٌ) مُدَّةَ الْعَمَلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ النَّفْعِ حَتَّى انْقَضَتْ انْفَسَخَتْ (أَوْ) هَرَبَ (مُؤَجِّرُ عَيْنٍ بِهَا) أَيْ: قَبْلَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ النَّفْعِ حَتَّى انْقَضَتْ انْفَسَخَتْ.
(أَوْ شَرَدَتْ) دَابَّةٌ مُؤَجَّرَةٌ (قَبْلَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ النَّفْعِ حَتَّى انْقَضَتْ) مُدَّةُ الْإِجَارَةِ (انْفَسَخَتْ) الْإِجَارَةُ لِفَوَاتِ زَمَنِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ عَادَتْ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا تَنْفَسِخُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
، وَلَا أُجْرَةَ لِزَمَنِ هَرَبٍ (فَلَوْ كَانَتْ) الْإِجَارَةُ (عَلَى عَمَلٍ) مَوْصُوفٍ بِذِمَّةٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ، أَوْ حَمْلٍ إلَى مَحَلٍّ مَعْلُومٍ وَهَرَبَ الْأَجِيرُ (اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ) كَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ إذَا هَرَبَ وَنَحْوَهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) اسْتِئْجَارُ مَنْ يَعْمَلُهُ مِنْ مَالِهِ (خُيِّرَ مُسْتَأْجِرٌ بَيْنَ فَسْخِ) إجَارَةٍ (وَ) بَيْنَ (صَبْرٍ) إلَى قُدْرَةٍ عَلَيْهِ فَيُطَالِبُهُ بِعَمَلِهِ ; لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَفُوتُ بِهَرَبِهِ.
(وَإِنْ هَرَبَ) جَمَّالٌ أَوْ نَحْوُهُ (أَوْ مَاتَ جَمَّالٌ أَوْ نَحْوُهُ) كَحَمَّارٍ وَبَغَّالٍ (وَتَرَكَ بَهَائِمَهُ) الَّتِي أَكْرَاهَا (وَلَهُ) أَيْ: الْهَارِبِ (مَالٌ) مَقْدُورٌ عَلَيْهِ (أَنْفَقَ عَلَيْهَا) أَيْ: الْبَهَائِمِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمَالِ (حَاكِمٌ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ وَالْحَاكِمُ نَائِبُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ لِلْهَارِبِ عَلَى مَالٍ (فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مُكْتَرٍ بِإِذْنِ حَاكِمٍ) رَجَعَ لِقِيَامِ إذْنِ الْحَاكِمِ مَقَامَ إذْنِ رَبِّهَا (أَوْ) أَنْفَقَ عَلَيْهَا مُكْتَرٍ بِدُونِ إذْنِ حَاكِمٍ (بِنِيَّةِ رُجُوعٍ رَجَعَ) عَلَى مَالِكِهَا بِمَا أَنْفَقَهُ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ أَوْ لَا، أَشْهَدَ عَلَى نِيَّةِ رُجُوعِهِ بِأَنْ قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي مَا أَنْفَقْتُ عَلَى هَذِهِ الْبَهَائِمِ إلَّا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَوْ لَا، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا أَنْفَقَهُ وَكَانَ الْحَاكِمُ قَدَّرَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فِي ذَلِكَ دُونَ مَا زَادَ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ: (فَإِذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ بَاعَهَا) أَيْ: الْبَهَائِمَ (حَاكِمٌ وَوَفَّاهُ) مَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْبَهَائِمِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا لِذِمَّةِ الْغَائِبِ وَإِيفَاءَ الْمُنْفِقِ (وَحِفْظَ بَاقِي ثَمَنِهَا لِمَالِكِهَا) ; لِأَنَّ عَلَيْهِ حِفْظَ مَالِ الْغَائِبِ.
(وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ) مَحَلٍّ (مَعْقُودٍ عَلَيْهِ) كَدَابَّةٍ أَوْ عَبْدٍ مَاتَ أَوْ دَارٍ انْهَدَمَتْ قَبَضَهَا الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ لَا ; لِزَوَالِ الْمَنْفَعَةِ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَقَبْضُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِاسْتِيفَائِهَا أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ.
(وَ) إنْ تَلِفَ مُؤَجَّرٌ (فِي الْمُدَّةِ وَقَدْ مَضَى) مِنْهَا (مَا لَهُ أُجْرَةٌ) عَادَةً انْفَسَخَتْ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ كَتَلَفِ إحْدَى صُبْرَتَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِجَائِحَةٍ، وَيُعْطِيهِ بِحِسَابِ مَا انْتَفَعَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَجْرُ بِحَسَبِ الزَّمَنِ كَمَوْسِمٍ وَتَفَرُّجٍ اُعْتُبِرَ بِحَسَبِهِ.
(وَ) تَنْفَسِخُ إجَارَةٌ ب (انْقِلَاعِ ضِرْسٍ اكْتَرَى لِقَلْعِهِ، أَوْ) اكْتَرَى (مُدَّةً مَعْلُومَةً لِبُرْئِهِ) ; لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْمَوْتِ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ أَوْ امْتَنَعَ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ فِعْلِهِ لَمْ يُجْبَرْ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ، كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِيَقْتَصَّ مِنْ آخَرَ أَوْ يَحُدُّهُ فَمَاتَ أَوْ لِيُدَاوِيه فَبَرِئَ أَوْ مَاتَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ كَقَتْلِهِ الْعَبْدَ الْمُؤَجَّرَ أَوْ لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ كَمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ، كَالْمَرْأَةِ تَقْطَعُ ذَكَرَ زَوْجِهَا تَضْمَنُهُ وَتَمْلِكُ الْفَسْخَ.
(وَ) تَنْفَسِخُ إجَارَةٌ ب (مَوْتِ مُرْتَضِعٍ) أَوْ امْتِنَاعِهِ مِنْ الرَّضَاعِ مِنْهَا ; لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِارْتِضَاعِ لِاخْتِلَافِ الْمُرْتَضِعِينَ فِيهِ، وَقَدْ يُدَرُّ اللَّبَنُ عَلَى وَاحِدٍ دُونَ آخَرَ، وَكَذَا إنْ مَاتَتْ مُرْضِعَةٌ.
(لَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ (رَاكِبٍ اكْتَرَى لَهُ) مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ لَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُكْتَرِيَ أَوْ غَيْرَهُ اكْتَرَى لَهُ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الدَّابَّةِ دُونَ الرَّاكِبِ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ مَنْ يُمَاثِلُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّاكِبَ لِتَتَقَدَّرَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا مُعَيَّنًا فَتَلِفَ (وَلَا) تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ (مُكْرٍ، أَوْ) أَيْ: وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ (مُكْتَرٍ) لِلُزُومِهَا كَالْبَيْعِ.
وَكَمَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ أَمَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدَانِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَنْفَسِخُ ب (عُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا بِأَنْ يَكْتَرِيَ) جَمَلًا مَثَلًا لِيَحُجَّ عَلَيْهِ (فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ) فَلَا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ (أَوْ) يَكْتَرِيَ دُكَّانًا مَثَلًا لِيَبِيعَ مَتَاعَهُ فَ (يَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ) ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
فَلَمْ يَجُزْ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْإِبَاقِ (فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (أَوْ انْهَدَمَتْ) الدَّارُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ لِتَعَطُّلِ النَّفْعِ فِيهِ (وَيُخَيَّرُ مُكْتَرٍ فِيمَا) أَيْ: مُؤَجَّرٍ (انْهَدَمَ بَعْضُهُ) كَدَارٍ انْهَدَمَ مِنْهَا بَيْتٌ خُيِّرَ بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْسَاكٍ لِلْعَيْبِ (فَإِنْ أَمْسَكَ فَبِالْقِسْطِ مِنْ الْأُجْرَةِ) ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا.
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَضِيَ بِالْمَبِيعِ مَعِيبًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بِلَا مَاءٍ) لِلزَّرْعِ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنْ لَا مَاءَ لَهُمَا.
صَحَّ ; لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَرْعِهَا رَجَاءَ الْمَاءِ وَمِنْ النُّزُولِ وَوَضْعِ رَحْلِهِ وَجَمْعِ الْحَطَبِ فِيهَا.
وَلَهُ زَرْعُهَا بَعْدَ حُصُولِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَلَا يَغْرِسَ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ، وَتَقْدِيرُ الْإِجَارَةِ بِمُدَّةٍ تَقْتَضِي تَفْرِيغَهَا عِنْدَ انْقِضَائِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ; لِأَنَّ
التَّصْرِيحَ يَصْرِفُ التَّقْدِيرَ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِظَاهِرِهِ فِي التَّفْرِيغِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (أَوْ أَطْلَقَ) بِأَنْ قَالَ: أَجَّرْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ سَنَةً بِكَذَا.
فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: قَبِلْت (مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا) أَيْ: أَنْ لَا مَاءَ لَهَا (صَحَّ) ; لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا مَاءَ لَهَا.
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَاهُ، وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَمَا فِي الْأُولَى وَالْأَرْضُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ غَيْرُ دَائِمٍ أَوْ الظَّاهِرُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ لَا يَكْفِي الزَّرْعَ كَالَّتِي لَا مَاءَ لَهَا.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِأَرْضٍ لَا مَاءَ لَهَا (إنْ ظَنَّ إمْكَانَ تَحْصِيلِهِ) أَيْ: الْمَاءِ.
أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لَا مَاءَ لَهَا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُؤَجَّرَ يَحْصُلُ لَهُ، وَأَنَّهُ يَكْتَرِيهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ تَعَذُّرِهَا (وَإِنْ عَلِمَ) مُسْتَأْجِرٌ وُجُودَهُ (أَوْ ظَنَّ وُجُودَهُ) أَيْ: الْمَاءِ (بِأَمْطَارٍ) مُعْتَادَةٍ (أَوْ زِيَادَةٍ) مُعْتَادَةٍ، كَالْأَرْضِ الَّتِي تَشْرَبُ مِنْ الْمُعْتَادِ غَالِبًا فِي النِّيلِ أَوْ الْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا (صَحَّ) الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَلَوْ مَعَ عَدَمِ مَائِهَا ; لِأَنَّ حُصُولَهُ مُعْتَادٌ.
وَالظَّاهِرُ وُجُودُهُ، وَالْأَرْضُ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا لَكِنْ مَا زُرِعَ أَوْ غُرِسَ فِيهَا يَكْفِيهِ الشُّرْبُ بِعُرُوقِهِ لِنَدَاوَتِهَا وَقُرْبِهَا مِنْ الْمَاءِ فَكَالَّتِي لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ، لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْقِطَاعِهِ أَوْ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا مُدَّةً لَا تُؤَثِّرُ فِي الزَّرْعِ.
وَالْأَرْضُ الَّتِي يَنْدُرُ مَجِيءُ الْأَمْطَارِ إلَيْهَا كَالَّتِي لَا يَكْفِيهَا إلَّا الْمَطَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَنْدُرُ وُجُودُهُ أَوْ تَشْرَبُ مِنْ فَيْضِ وَادٍ مَجِيئُهُ نَادِرًا أَوْ مِنْ زِيَادَةٍ نَادِرَةٍ فِي نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ عَالِيَةٍ فَإِجَارَتُهَا بَعْدَ وُجُودِ مَا يَسْقِيهَا تَصِحُّ وَإِنْ أُجِّرَتْ قَبْلَهُ لِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ تَوَقُّعًا لِحُصُولِ الْمَاءِ لَمْ تَصِحَّ لِتَعَذُّرِ النَّفْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، كَإِجَارَةِ الْآبِقِ.
(وَلَوْ زَرَعَ) مُسْتَأْجِرٌ (فَغَرِقَ) الزَّرْعُ (أَوْ تَلِفَ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ لَمْ يَنْبُتْ) الزَّرْعُ (فَلَا) ضَمَانَ عَلَى مُؤَجِّرٍ وَلَا (خِيَارَ) لِمُسْتَأْجِرٍ (وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) نَصًّا ; لِأَنَّ التَّالِفَ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَسَبَبُهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُؤَجِّرِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ زَرْعُ) مُؤَجَّرَةٍ (لِغَرَقٍ) حَصَلَ بِهَا (أَوْ قَلَّ الْمَاءُ قَبْلَ زَرْعِهَا) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الزَّرْعُ (أَوْ) قَلَّ الْمَاءُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ زَرْعِهَا بِحَيْثُ لَا يَكْفِي لِلزَّرْعِ (أَوْ عَابَتْ) الْأَرْضُ (بِغَرَقٍ يَعِيبُ بِهِ الزَّرْعُ) أَوْ يَهْلِكُ بَعْضُهُ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (الْخِيَارُ) لِنَقْصِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ بَعْدَ زَرْعٍ بَقِيَ الزَّرْعُ إلَى الْحَصَادِ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْمُسَمَّى بِحِصَّتِهِ إلَى الْفَسْخِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مُتَّصِفَةً بِذَلِكَ الْعَيْبِ، وَأَرْضٌ غَارِقَةٌ بِالْمَاءِ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا قَبْلَ انْحِسَارِهِ وَهُوَ تَارَةً يَنْحَسِرُ وَتَارَةً لَا يَنْحَسِرُ، لَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا إذَنْ ; لِتَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ غَالِبًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَا لَمْ يُرْوَ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَالَ فِي الْإِجَارَةِ:
مَقِيلًا وَمَرَاحًا أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ عَقْدٌ كَالْبَرِّيَّةِ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا) أَيْ: الْأَرْضَ (سَنَةً فَزَرَعَهَا) زَرْعًا جَرَتْ الْعَادَةُ بِنَبَاتِهِ فِيهَا (فَلَمْ يَنْبُتْ إلَّا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (الْأُجْرَةُ) لِلْأَرْضِ (مُدَّةَ احْتِبَاسِهَا) كَمَا لَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا ثُمَّ رَجَعَ (وَلَيْسَ لِرَبِّهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (قَلْعُهُ) أَيْ: الزَّرْعِ (قَبْلَ إدْرَاكِهِ) ; لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِتَأْخِيرِهِ أَشْبَهَ زَرْعَ الْمُسْتَعِيرِ.
(وَإِنْ غُصِبَتْ مُؤَجَّرَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعَمَلٍ) بِأَنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ مِنْك هَذِهِ الْفَرَسَ لِأَرْكَبَهَا إلَى مَحَلِّ كَذَا، أَوْ هَذَا الْعَبْدَ لِيَبْنِيَ لِي هَذَا الْحَائِطَ بِكَذَا.
فَغُضِبَتْ الْفَرَسُ أَوْ الْعَبْدُ (خُيِّرَ) مُسْتَأْجِرٌ (بَيْنَ فَسْخِ) إجَارَةٍ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ مَبِيعٍ (وَ) بَيْنَ (صَبْرٍ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا) ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُ فَإِذَا أَخَّرَهُ جَازَ.
(وَ) إنْ غُصِبَتْ مُؤَجَّرَةٌ مُعَيَّنَةٌ (لِمُدَّةٍ) كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الْعَبْدَ سَنَةً لِلْخِدْمَةِ.
فَغُصِبَ (خُيِّرَ) مُسْتَأْجِرٌ (بَيْنَ فَسْخٍ وَ) بَيْنَ (إمْضَاءٍ) أَيْ: إبْقَاءِ الْعَقْدِ بِلَا فَسْخٍ (وَمُطَالَبَةِ غَاصِبٍ بِأَجْرِ مِثْلٍ) وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ غَصْبٍ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا بَلْ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقِيمَةُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ آدَمِيٌّ (مُتَرَاخِيًا وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ (فَإِنْ فَسَخَ) الْإِجَارَةَ (فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْفَسْخِ بِالْقِسْطِ.
وَإِنْ أَمْضَى فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى تَامًّا، وَيَرْجِعُ عَلَى غَاصِبٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ رُدَّتْ) مُؤَجَّرَةٌ مَغْصُوبَةٌ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ (قَبْلَ فَسْخِ) مُسْتَأْجِرٍ (اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ (وَخُيِّرَ فِيمَا مَضَى) وَالْعَيْنُ بِيَدِ غَاصِبٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَيُطَالِبُ الْغَاصِبَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (بَدَلٌ مَوْصُوفَةٌ بِذِمَّةٍ) غُصِبَتْ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعِيبًا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْبَدَلُ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (الْفَسْخُ) وَالصَّبْرُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَتَنْفَسِخُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إنْ كَانَتْ إلَى مُدَّةٍ.
(وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ) لِلْمُؤَجَّرَةِ (الْمُؤَجِّرَ) لَهَا (فَلَا أُجْرَةَ لَهُ مُطْلَقًا) نَصًّا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ أَوْ إلَى مُدَّةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَوْصُوفَةٍ، وَسَوَاءٌ غَصَبَهَا قَبْلَ الْمُدَّةِ أَوْ فِيهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَحُدُوثُ خَوْفٍ عَامٍّ) يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِمُؤَجَّرَةٍ (كَغَصْبٍ) فَلِمُسْتَأْجِرٍ الْخِيَارُ فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ خَاصًّا بِمُسْتَأْجِرٍ كَخَوْفِهِ مِنْ السَّفَرِ لِقُرْبِ عَدُوِّهِ مِنْ مَحَلٍّ يُرِيدُ سُلُوكِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ ; لِأَنَّهُ عُذْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَشْبَهَ مَرَضَهُ.
(وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ)
كَخِيَاطَةٍ وَبِنَاءٍ (وَلَمْ تُشْتَرَطْ مُبَاشَرَتُهُ) لَهُ فِي الْعَقْدِ (فَمَرِضَ أُقِيمَ عِوَضُهُ) مَنْ يَعْمَلُهُ لِيَخْرُجَ مِمَّا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ (وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَرِيضِ ; لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا لَزِمَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إنْظَارُهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَمَلِ (الْقَصْدُ، كَنَسْخٍ) لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْخُطُوطِ (وَنَحْوه) كَتِجَارَةٍ لِاخْتِلَافِهَا بِاخْتِلَافِ الْحِذْقِ فَلَا (أَوْ وَقَعَتْ) الْإِجَارَةُ (عَلَى عَيْنِهِ) كَالْأَجِيرِ الْخَاصِّ فَلَا (أَوْ شُرِطَتْ مُبَاشَرَتُهُ) الْعَمَلَ (فَلَا) يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ قَبُولُ عَمَلِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَحْصُلُ بِهِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي نَوْعٍ فَسَلَّمَ إلَيْهِ غَيْرَهُ.
(وَلِمُسْتَأْجِرٍ الْفَسْخُ) ; لِتَعَذُّرِ تَعْجِيلِ حَقِّهِ الْوَاجِبِ تَعْجِيلُهُ.
(وَإِنْ ظَهَرَ) بِمُؤَجَّرَةٍ عَيْبٌ بِأَنْ كَانَ بِهَا حِينَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ مُسْتَأْجِرٌ كَمَا لَوْ وَجَدَ الدَّابَّةَ جَمُوحًا أَوْ عَضُوضًا أَوْ عَرْجَاءَ بِحَيْثُ تَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْ الْقَافِلَةِ وَنَحْوَهُ كَعَمًى (أَوْ حَدَثَ) بِمُؤَجَّرٍ، عَيْبٌ كَجُنُونِ أَجِيرٍ أَوْ مَرَضِهِ وَنَحْوِهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْعَيْبُ (مَا يَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتُ الْأُجْرَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَعَهُ دُونَهَا مَعَ عَدَمِهِ (فَلِمُسْتَأْجِرٍ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
أَشْبَهَ الْعَيْبَ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ لَا يَحْصُلُ قَبْضُهَا إلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا.
فَإِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ فَقَدْ وُجِدَ قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَ الْفَسْخَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا (إنْ لَمْ يَزُلْ) الْعَيْبُ (بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرَ.
فَإِنْ اسْتَدَّتْ الْبَالُوعَةُ وَفَتَحَهَا مُؤَجِّرٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا تَتْلَفُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ تَضُرُّ بِالْمُسْتَأْجِرِ فَلَا خِيَارَ لَهُ (وَ) لِمُسْتَأْجِرٍ أَيْضًا (الْإِمْضَاءُ مَجَّانًا) بِلَا أَرْشٍ لِعَيْبٍ قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ لِرِضَاهُ بِالنَّقْصِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ لَهُ الْأَرْشُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْجُودِ هَلْ هُوَ عَيْبٌ؟ رُجِعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (وَيَصِحُّ بَيْعُ) عَيْنٍ (مُؤَجَّرَةٍ) نَصًّا سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُدَّةً لَا تَلِي الْعَقْدَ ثُمَّ بِيعَتْ قَبْلَهَا أَوْ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ فَلَا تَمْنَعُ الْبَيْعَ كَبَيْعِ الْمُزَوَّجَةِ.
وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إجَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ (وَلِمُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ) أَنَّ الْمَبِيعَ مُؤَجَّرٌ (فَسْخٌ أَوْ إمْضَاءٌ) لِلْبَيْعِ (مَجَّانًا) أَيْ: بِلَا أَرْشٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: الْفَسْخُ أَوْ الْأَرْشُ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ عَيْبٌ (وَالْأُجْرَةُ) مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ (وَلَهُ) نَصًّا وَاسْتُشْكِلَ بِكَوْنِ الْمَنَافِعِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَائِعِ فَلَا تَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِوَضُهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ لِلْمُشْتَرِي؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ عِوَضَهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ لَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لَرَجَعَتْ الْمَنَافِعُ إلَى الْبَائِعِ.
فَإِذَا بَاعَ الْعَيْنَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَنَافِعُ وَلَا عِوَضُهَا
مُسْتَحَقًّا لَهُ لِشُمُولِ الْبَيْعِ لِلْعَيْنِ وَمَنَافِعِهَا، فَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ فِيمَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ عِوَضِ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَاءِ الْأُجْرَةِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ الْمُسْتَأْجِرِ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ الْأُجْرَةُ وَالثَّمَنُ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَشْمَلْ الْمَنَافِعَ الْجَارِيَةَ فِي مِلْكِهِ بِعَقْدِ التَّاجِرِ ; لِأَنَّ شِرَاءَ الْإِنْسَانِ لِمِلْكِ نَفْسِهِ مُحَالٌ.
(وَلَا تَنْفَسِخُ) الْإِجَارَةُ (بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ) لِعَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ أَوْ الْهِبَةُ (لِمُسْتَأْجِرٍ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ثُمَّ مَلَكَ الْعَيْنَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ، فَلَمْ يَتَنَافَيَا، كَمَا لَوْ مَلَكَ الثَّمَرَةَ بِعَقْدٍ ثُمَّ مَلَكَ الْعَيْنَ بِعَقْدٍ آخَرَ.
(وَلَا) تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ (بِوَقْفِ) عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ (وَلَا بِانْتِقَالِ) الْمِلْكِ فِيهَا (بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ صُلْحٍ وَنَحْوِهِ) كَجَعَالَةٍ، لِوُرُودِهَا عَلَى مَا يَمْلِكُهُ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْعَيْنِ الْمَسْلُوبَةِ النَّفْعِ زَمَنَ الْإِجَارَةِ.
فَإِنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ أَبِيهِ دَارًا أَوْ نَحْوَهَا ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَخَلَّفَ الْمُسْتَأْجِرَ وَأَخَاهُ فَالدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِهَا لِبَقَاءِ الْإِجَارَةِ فِيهَا، وَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ قَبَضَ الْأُجْرَةَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَخِيهِ وَلَا تَرِكَةَ أَبِيهِ وَمَا خَلَّفَهُ أَبُوهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
[فَصْلٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرٍ خَاصٍّ]
(فَصْلٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرٍ خَاصٍّ، وَهُوَ مَنْ اسْتَأْجَرَ مُدَّةَ سَلَّمَ نَفْسَهُ) لِمُسْتَأْجِرٍ كَأَنْ عَمِلَ بِبَيْتِهِ (وَلَا) بِأَنْ عَمِلَ بِبَيْتِ نَفْسِهِ (فِيمَا يَتْلَفُ بِيَدِهِ) أَيْ: الْأَجِيرِ نَصًّا كَمَا لَوْ انْكَسَرَتْ مِنْهُ الْجَرَّةُ الَّتِي يَسْتَقِي بِهَا أَوْ الْآلَةُ الَّتِي يَحْرُثُ بِهَا أَوْ الْمَكِيلُ الَّذِي يَكِيلُ بِهِ أَوْ نَحْوَهُ، لِأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ " كَانَ يُضَمِّنُ الْأُجَرَاءَ، وَيَقُولُ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هَذَا " فَهُوَ مُرْسَلٌ وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّوَّاغَ، وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ.
; وَلِأَنَّ الْخَاصَّ نَائِبٌ عَنْ الْمِلْكِ فِي صَرْفِ مَنَافِعِهِ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يُضَمَّنْ (إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ) إتْلَافًا فَيُضَمَّنُ لِإِتْلَافِهِ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي (أَوْ يُفَرِّطَ) أَيْ: يُقَصِّرُ فِي الْحِفْظِ فَيُضَمَّنُ كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ.
(وَلَا) ضَمَانَ عَلَى (حَجَّامٍ أَوْ خَتَّانٌ أَوْ بَيْطَارٍ أَوْ طَبِيبٍ خَاصًّا) كَانَ (أَوْ مُشْتَرَكًا) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ (حَاذِقًا) أَيْ: عَارِفًا فِي صِنَاعَتِهِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ مُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ، فَيَضْمَنُ بِسِرَايَتِهِ كَمَا لَوْ تَعَدَّى بِهِ، وَأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِفِعْلِهِ مَا لَا يَنْبَغِي تَجَاوُزَهُ بِأَنْ (لَمْ تَجْنِ يَدُهُ) فَإِنْ تَجَاوَزَ بِالْخِتَانِ إلَى
الْحَشَفَةِ أَوْ بِقَطْعِ السَّلْعَةِ أَوْ نَحْوِهَا مَحَلَّ الْقَطْعِ، أَوْ قَطَعَ فِي وَقْتٍ لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَطْعُ، أَوْ بِآلَةٍ كَالَّةٍ وَنَحْوِهَا ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَإِتْلَافِ الْمَالِ (وَأَذِنَ فِيهِ) أَيْ: الْفِعْلِ (مُكَلَّفٌ) وَقَعَ الْفِعْلُ بِهِ (أَوْ) أَذِنَ فِيهِ (وَلِيُّ) صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَقَعَ بِهِ الْفِعْلُ.
فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ فِي طِفْلَةٍ مَاتَتْ مِنْ الْخِتَانِ بِدِيَتِهَا عَلَى عَاقِلَةِ خَاتِنَتِهَا ".
(وَلَا) ضَمَانَ عَلَى (رَاعٍ لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطُ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْبَتِهَا) أَيْ: الْمَاشِيَةِ (عَنْهُ وَنَحْوِهِ) كَإِسْرَافٍ فِي ضَرْبٍ أَوْ سُلُوكِهِ مَوْضِعًا يَتَعَرَّضَ لِتَلَفِهَا بِهِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى حِفْظِهَا، فَلَا يَضْمَنُهَا بِدُونِ مَا ذُكِرَ كَالْمُؤَجَّرَةِ فَإِنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَ كَالْوَدِيعِ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَقَوْلُ رَاعٍ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَإِنْ فَعَلَ فِعْلًا وَاخْتُلِفَا فِي أَنَّهُ تَعَدٍّ أَوْ لَا رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (وَإِنْ ادَّعَى) رَاعٍ (مَوْتًا) لَهَا أَوْ لِبَعْضِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (وَلَوْ لَمْ يُحْضِرْ جِلْدًا) وَلَا غَيْرَهُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ كَالْوَدِيعِ.
وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ.
(أَوْ ادَّعَى مُكْتَرٍ أَنَّ) الرَّقِيقَ (الْمُكْتَرَى أَبَقَ أَوْ مَرِضَ، أَوْ) أَنَّ الْحِمْلَ الْمُكْتَرَى (شَرَدَ أَوْ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ) لِلْإِجَارَةِ (أَوْ بَعْدَهَا قُبِلَ) قَوْلُهُ (بِيَمِينِهِ) ; لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ انْتِفَاعِهِ، وَسَوَاءٌ جَاءَ بِهِ صَحِيحًا أَوْ لَا.
وَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُ مَالِكٌ عَلَى وُجُودِ نَحْوِ إبَاقٍ وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِمَالِكٍ فَقَوْلُ مُسْتَأْجِرٍ.
فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَمَلِ.
وَلِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِوَقْتِهِ (كَدَعْوَى حَامِلٍ تَلَفَ مَحْمُولٍ) عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُهُ، فَيُقْبَلُ بِيَمِينِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَامِلِ (أُجْرَةُ حَمْلِهِ) إلَى مَحَلِّ تَلَفِهِ.
ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّ مَا عَمِلَ فِيهِ مِنْ عَمَلٍ بِإِذْنٍ، وَعَدَمُ تَمَامِ الْعَمَلِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ.
ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ.
وَلَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِيمَا إذَا تَلِفَ الْمَحْمُولُ ; لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ هُنَاكَ لَكِنْ يَأْتِي: إنْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ عَمَلَهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ.
(وَإِنْ عَقَدَ) إجَارَةٌ (عَلَى) رَعْيِ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مُعَيَّنَةٍ تَعَيَّنَتْ) كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ (فَلَا تُبَدَّلُ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيمَا تَلِفَ) مِنْهَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَوْتِ الرَّضِيعِ (وَ) إنْ عَقَدَ (عَلَى) رَعْيِ (مَوْصُوفٍ) فِي ذِمَّةٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نَوْعِهِ) فَلَا يَكْفِي ذِكْرُ الْجِنْسِ كَإِبِلٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نَوْعِهَا كَبَخَاتِيٍّ أَوْ عِرَابٍ لِاخْتِلَافِ أَتْعَابِ الرَّاعِي (وَ) لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ (كِبَرِهِ أَوْ صِغَرِهِ أَوْ عَدَدِهِ) لِاخْتِلَافِ الْعَمَلِ بِاخْتِلَافِهِ، وَالْعَادَةُ تَخْتَلِفُ فِيهِ وَتَتَبَايَنُ كَثِيرًا.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الرَّاعِيَ (رَعْيُ سِخَالِهَا)
; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَشْمَلْهَا الْعَقْدُ.
(وَإِنْ عَمِلَ) أَجِيرٌ خَاصٌّ (لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ فَأَضَرَّهُ فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْأَجِيرِ (قِيمَةُ مَا فَوَّتَهُ) عَلَيْهِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ وَفَّاهُ عَمَلَهُ عَلَى التَّمَامِ، كَمَا لَوْ عَمِلَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ (وَيَضْمَنُ) الْأَجِيرُ (الْمُشْتَرَكُ) وَهُوَ مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِالْعَمَلِ، سَوَاءٌ تَعَرَّضَ فِيهِ لِلْمُدَّةِ كَكَحَّالٍ يُكَحِّلُهُ شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ كَذَا كَذَا مَرَّةً أَوْ لَا كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ.
وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ (مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرَكِ (مِنْ تَخْرِيقِ) قَصَّارٍ الثَّوْبَ بِدَقِّهِ أَوْ مَدِّهِ أَوْ عَصْرِهِ أَوْ بَسْطِهِ (وَغَلَطِ) خَيَّاطٍ (فِي تَفْصِيلٍ) وَكَذَا طَبَّاخٌ وَحَائِكٌ وَخَبَّازٌ وَمَلَّاحٌ فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ يَدِهِ أَوْ حَذَفَهُ أَوْ مَا يُعَالِجُ بِهِ السَّفِينَةَ، سَوَاءٌ كَانَ رَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ أَوْ لَا وَيَضْمَنُ جَمَّالٌ مَا تَلِفَ بِقَوْدِهِ وَسَوْقِهِ وَانْقِطَاعِ حَبْلٍ شَدَّ بِهِ حِمْلَهُ.
(وَ) يَضْمَنُ حَامِلٌ مَا تَلِفَ (بِزَلْقِهِ) أَوْ عَثْرَتِهِ وَسُقُوطِهِ عَنْهُ كَيْفَ كَانَ (وَسُقُوطٍ عَنْ دَابَّةٍ، وَ) يَضْمَنُ أَيْضًا مَا نَقَصَ (بِخَطَئِهِ) فِي فِعْلِهِ، كَصَبَّاغٍ أُمِرَ بِصَبْغِ ثَوْبٍ أَصْفَرَ فَصَبَغَهُ أَسْوَدَ، وَخَيَّاطٍ أُمِرَ بِتَفْصِيلِهِ قَبَاءً فَفَصَّلَهُ قَمِيصًا، أَوْ ثَوْبَ رَجُلٍ فَقَطَعَهُ قَمِيصَ امْرَأَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّيَّاغَ، وَيَقُولُ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ " وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْأُجَرَاءَ وَيَقُولُ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هَذَا " ; وَلِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ.
وَدَلِيلُ ضَمَانِ عَمَلِهِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْفِعْلِ وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ، وَسَوَاءٌ حَضَرَهُ رَبُّ الْمَالِ أَوْ لَا ; لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِجِنَايَةِ يَدِهِ كَالْعُدْوَانِ.
فَإِنْ تَبَرَّعَ قَصَّارٌ وَنَحْوَهُ بِعَمَلِهِ لَمْ يُضَمَّنْ جِنَايَةَ يَدِهِ نَصًّا لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضٌ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ أَجِيرٌ أَوْ مُتَبَرِّعٌ فَقَوْلُ قَصَّارٍ وَنَحْوِهِ.
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ (وَلَوْ بِدَفْعِهِ) أَيْ: الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (إلَى غَيْرِ رَبِّهِ) أَيْ: غَلَطًا فَيَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لُبْسُهُ إذَا عَلِمَ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ لِلْقَصَّارِ نَصًّا، (وَغَرِمَ قَابِضٌ) لَهُ (قَطَعَهُ أَوْ لَبِسَهُ جَهْلًا) أَنَّهُ ثَوْبُ غَيْرِهِ (أَرْشُ قَطْعِهِ وَأُجْرَةُ لُبْسِهِ) ; لِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ (وَرَجَعَ) قَابِضٌ (بِهِمَا) أَيْ: بِأَرْشِ قَطْعِهِ وَأُجْرَةِ لُبْسِهِ (عَلَى دَافِعٍ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
وَيُطَالِبُهُ بِثَوْبِهِ إنْ وَجَدَهُ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ الْأَجِيرُ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ كَمَا لَوْ عَلِمَ.
وَ (لَا) يُضَمَّنُ أَجِيرٌ (مَا تَلِفَ بِحِرْزِهِ أَوْ) بِسَبَبٍ