نعم، فهذا هو الراجح، وقد بين المؤلف الأدلة التي تدل على ذلك، وبهذا فلا إشكال في القدر.
ولذلك فإن الناس يسألون الله تعالى ما يريدون، فإذا بالدعاء والقدر أقواهما يرفع الآخر، يعني: أنه يمكن للدعاء أن يرفع القدر، ولكن كيف يرفع القدر وقد قلنا: إن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ؟ نقول: نعم الدعاء يرفع القدر المكتوب في أيدي الملائكة لا المكتوب في اللوح المحفوظ.
أما الإشكال الثاني: فهل يكتب رجل في بطن أمه شقياً ويكون سعيداً؟ الجواب: نعم، فقد يكتب في بطن أمه شقياً، ولكن في اللوح المحفوظ يكون الله قدر أنه سيختم له بالصالحات فيكون سعيداً، فالذي يغير هو ما في يد الملك فقط، والدليل على ذلك.
حديث (الدعاء والقدر يعتلجان)، يعني: يتعارضان؛ وأيضاً كلام عمر بن الخطاب بسند صحيح أنه طاف حول الكعبة فكان يبكي ويقول: اللهم إن كنت قد كتبتني شقياً -يعني: في بطن أمه- فامحها واكتبني عندك سعيداً.
فهو طلب تغيير ما كتب عليه في بطن أمه فقط؛ لأن اللوح المحفوظ لا يتغير أبداً، والدليل على أن عمر يريد ذلك نهاية قوله، إذ قال في نهايته: فاكتبني عندك سعيداً، ثم يقرأ قول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:39].
والمعنى: يمحو الله ما يشاء مما في يد الملك، وعنده ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾، يعني: اللوح المحفوظ فإنه لا يتبدل ولا يتغير، فالآية هنا ظاهرة جداً في أن الذي يمحي هو ما في يد الملائكة.
وكذلك لو أن رجلاً سرق وستقطع يده، فإذا كان ذلك مكتوباً في اللوح المحفوظ فلن يتغير ذلك، وأما إذا كتب في يد الملائكة فقط بأنه سارق، فإنه سيمحى من كتاب الملائكة إن قدر الله ذلك.
فإذاً الكتابات أربع: كتابة في اللوح المحفوظ وهذه لا تتبدل ولا تتغير، وكتابة عمرية، وكتابة سنوية، وكتابة يومية، والتغيير والتبديل يكون في هذه الكتابات لا في اللوح المحفوظ.