لا وحاشا لله، فإن الله أحاط بكل شيء ولا شيء يحيط به جل في علاه، فمعنى: في السماء على السماء.
ولكن بعض أهل اللغة يرفضون أن الحروف يستعير بعضها من بعض المعنى، والصحيح الراجح: أنه ينتقل المعنى، فقد تكون في بمعنى: على، وعلى تكون بمعنى: في، وهذا واقع مشاهد حتى في كتاب الله، فقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16] أي: أأمنتم من على السماء، ففي هنا بمعنى: على، والدلالة على ذلك قول الله تعالى عندما بين منته على عباده أنه جعل لهم الأرض ذلولاً، فقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:15] فليس هناك أحد حفر في الأرض ومشى فيها، فقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:15] يعني: امشوا على مناكبها.
وأيضاً عندما قال فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:71] ما ورد تاريخياً أنه أخذ المنشار ثم أدخلهم داخل النخل، لكن هو صلبهم على النخل، وهذا فيه دلالة على أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16] يعني: على السماء، وكثير من نسائنا تأخذ الطفل فتقول له: ربك أين؟ فيقول: ربي في السماء، فلا تعلمه أنَّ (في السماء) معناها: ربي على السماء؛ لأن ذلك معتاد عليه، فتقول له: قل: ربي فوق العرش، أو فوق السماء، أو ربي على العرش، أو على السماء.
إنَّ هذه الصفة صفة العلو لا بد للإنسان أن يعتقدها اعتقاداً جازماً، ويعلم أن ربه جل في علاه له علو العظمة والبهاء والقدرة والعزة والجبروت، فهو إن اعتقد ذلك فلن يخشى أحداً في الله، ولن يخشى لومة لائم في الله جل في علاه، ولن يخشى أحداً في هذه الدنيا إلا ربه جل في علاه؛ لأن الله قهر عباده، فهو له علو القهر، وأنه مهما اجتمع عليه القوم فلن يضروه بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وإذا اعتقد أيضاً علو الله جل في علاه على عرشه فإن همته ستعلو؛ لأن الله يكره خفيف الهمة، ويحب عالي الهمة، ومعلوم دائماً أنَّ معالي الأمور ترفع صاحبها عند الله جل في علاه، أما الرجل الذي يقول: أنا فقط أريد أن أكون كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ [آل عمران:185] فهذا من الممكن أن ينزل فيها؛ لأنه إذا قال: فقط أريد: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ [آل عمران:185] فيعمل على الزحزحة، فإنه لن يصل إلى الزحزحة، فلابد دائماً أنك إذا أردت الخير أن تعلو ببصرك حتى تنال ما تريد، والمثل يقول: إذا أردت أن تصل للمئذنة فانظر إلى السماء حتى تصل إلى المئذنة فقط.
فالصحيح: أنك إذا علمت بأن الله جل وعلا من صفاته: صفة العلو علت همتك وقلت: لم لا أكون صديقاً؟ فتدعو الله أن تكون صديقاً، ولكن لا يجوز التعدي في الدعاء، فلا يصح للإنسان أن يقول: يا رب اجعلني نبياً؟ وقد نهى الله عن التعدي في الدعاء؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، وليس هناك نبي بعده، فأنت حين تطلب النبوة كأنك تعارض بدعائك القدر الذي قد كتبه الله أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن هذا تعدٍّ في الدعاء قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:55] فالتعدي: أن تتعدى في أمر قدراً أو شرعاً؛ لأن التعدي تعدي قدري أو شرعي.
فالتعدي قدراً: أن تدعو بأمر قد نفذ قدراً وهو أن تقول: اللهم اجعلني نبياً، وهذا قد ختم في اللوح المحفوظ أنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والتعدي الشرعي: أن تدعو مثلاً بقطيعة رحم أو إثم، وهذا اسمه تعدٍّ شرعي، فالذي لا يستجاب دعاؤه الذي يتعدى قدراً وليس الذي يتعدى شرعاً.
والمهم أنَّ الغرض المقصود: أنه إذا علت همتك دون التعدي فإن الله يحب منك ذلك، لم لا تدعو أن تكون صديقاً؟ لم لا تدعو أن تكون في مصاف أبي بكر وعمر وعثمان؟ لم لا تدعو أن تكون أعلم أهل الأرض؟ لم لا تدعو أن تكون أفضل أهل الأرض عند الله جل في علاه؟ ادع بذلك، فإنك إذا علمت أن العلو صفة من صفات ربك فليكن في قلبك صفة العلو.