نعم، منها فائدة، وفائدتها بيان إعجاز القرآن، وذلك الملاحظ في جميع موارد هذه الأحرف: أنه يأتي بعدها ذكر القرآن تعظيماً وامتناناً، ولم ينخرم هذا الاطراد إلا في موضعين فقط من جميع المواطن، حيث كانت هذه الأحرف معقبة متلوة بذكر القرآن: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:1-2] ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:1-2] ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:1-2] وما أشبه ذلك من المواطن التي تذكر فيها هذه الحروف، ثم بعد ذلك يشيد الله جل وعلا بالقرآن الكريم، ولم ينخرم هذا إلا في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:1-3]. وأيضاً في العنكبوت ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:1-2]. لكن إذا تأملت في هذه السور التي لم يأت فيها ذكر القرآن صريحاً تجد أنه ذكر فيها ما لا يتلقى إلا من القرآن، فمثلاً قال تعالى في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:1-3]، هذا خبر عن واقع، وهو ما حدث من ظهور فارس على الروم: ﴿غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:2-3]، وهذا لا يتلقى من غير القرآن، فلذلك تجد أنه ما لم يذكر فيه القرآن صريحاً في المواضع التي ذكرت هذه الحروف المقطعة ذكر فيها شيء يتعلق بالقرآن، أو لا يمكن ألا يتوصل وألا يحصل إلا من القرآن، فعادت كسائر المواضع أنها بيان للإعجاز.
ووجه الإعجاز في هذه الأحرف: أنها من كلام العرب الذي يتكون من هذه الكلمات، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة من مثله.