حرمة سب الصحابة
قال: [وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ] هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وقد ذكر مسلم له قصة وهي: أن خلافاً وقع بين خالد بن الوليد رضي الله عنه وبين عبد الرحمن بن عوف، فتكلم خالد رضي الله عنه في عبد الرحمن وسبه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تسبوا أصحابي) يقول هذا ويوجه هذا لـ خالد بن الوليد، وخالد صحابي، لكنه من الذين أسلموا بعد الفتح، أي: بعد صلح الحديبية، فهو ممن تأخر إسلامه، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين تأخر إسلامهم أن يسبوا وأن يتكلموا فيمن تقدم إسلامهم كـ عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح، فكيف بمن جاء من غير الصحابة من بعدهم؟! فإذا كان الصحابة فيما بينهم يتفاضلون هذا التفاضل ففضل الصحابة -على وجه الإجمال- على من بعدهم كفضل الأولين منهم على المتأخرين.
معنى هذا: أن هذا النهي نهي لكل مسلم عن أن يسب أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان ممن تقدم إسلامه أو ممن تأخر إسلامه؛ لأن نسبة من بعد الصحابة إلى الصحابة كنسبة المتأخرين منهم إلى المتقدمين، وهذا دليل على ما ذكرنا قبل قليل من أنه كلما ازداد وصف الصحبة في شخص فإنه يستحق من الفضل والمكانة والمحبة وسائر ما يلزم من التولي أكثر من غيره، فإن عبد الرحمن بن عوف يستحق من المحبة والتولي والاستغفار والترحم، أكثر ممن جاء بعده كـ خالد بن الوليد، وإن كان الجميع يشتركون في أصل الحق وهو التولي والمحبة والاستغفار والكف عن مساوئهم والكف عما شجر بينهم والاستغفار لهم، وما إلى ذلك مما تقدم ذكره في كلام المؤلف.
فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الإسلام عن سب أصحابه، فكل من كان صاحباً للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يجوز سبه، لكن أيهما أعظم وأشد في السب: أن يسب الإنسان أبا بكر رضي الله عنه أو أن يسب وحشياً رضي الله عنه؟