باعتبار ما حصل به من التوسعة على الناس، وهل يعني هذا أن الاتفاق عذاب؟ الجواب: لا، فكون الاختلاف رحمة لا يعني أن الاتفاق عذاب، بل الاتفاق مطلوب ولذلك قال: [واتفاقهم حجة قاطعة] وإنما كان الاختلاف رحمة لما فيه من التوسيع على المجتهدين وعلى العاملين، أما على المجتهدين فالتوسعة عليهم أنهم إذا أخطئوا لا ينالهم ذنب باجتهادهم أو بخطئهم، بل ينالون الأجر لأجل اجتهادهم وإن كانوا لم يصيبوا الصواب.
وأما الناس الذين يقلدون ويسألون العلماء، فهؤلاء أيضاً يحصل عندهم سعة إذا أخذوا بقول أحد العلماء فيما ذهب إليه، ولذلك قال يحيى بن سعيد: (لم يكن الخلاف سبباً للهلاك فيمن كان قبلنا)، يعني: من الصحابة، فإنهم كانوا يختلفون فيحلل أحدهم أمراً ويحرمه الآخر، فلا يرى من حلل أن المحرم قد هلك لتحريمه ولا يرى من حرم أن المحلل قد هلك بتحليله، فالخلاف فيه رحمة وتوسعة للناس، ولكن لا يعني ذلك أن اتفاقهم عذاب، فكون الشيء رحمة لا يلزم منه أن يكون المقابل عذاباً، ودليل ذلك أن الله عز وجل الليل رحمة لنا لنسكن فيه، فهل يعني هذا: أن النهار عذاب؟ الجواب: لا، فمقابل الليل النهار ومع ذلك لم يكن عذاباً، فالمقصود بالرحمة هو ما يحصل به من الرفق بهم والإحسان إليهم، ولا يعني هذا أن مضاده ومقابله يكون عذاباً.
قال رحمه الله: (واتفاقهم حجة قاطعة) يشير بذلك إلى الإجماع، فإن الإجماع حجة بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبإجماع السلف، لكن الاتفاق الذي يكون حجة قاطعة هو ما اتفق عليه علماء الإسلام، والإجماع المعتبر المنضبط هو ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.