: فيه كثير من الاخوة سألني في المسائل التي كنا تكلمنا فيها الأسبوع الماضي كمسألة التسلسل؛ التسلسل الماضي والمستقبل وحلول الحوادث، وكلام الشارح أيضا في هذا الموضع، في هذا الموطن، والمسألة يعني شائكة لكن ما ذكرته لك هو الحد الأدنى في فهمها، فينبغي أن لا تكثر من الخوض فيها لأنها عسرة بعض الشيء.
س1/ يقول: ما أفضل كتاب تكلم عن القدر وتعريفه ومراتبه وجميع ما يتصل به؟ ج/ أفضل كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ومن الكتب المعاصرة كتاب القدر للدكتور عبد الرحمن المحمود كتاب قرّب فيه المسألة لطالب العلم فهو كتاب نافع في هذا الباب جداً.
س2/ ألا نستفيد من قوله سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:39-38] , ألا نستفيد منه تغيير الأجل لقوله سبحانه (يَمْحُوا)؟ ج/ لا، (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) يعني ما في صحف الملائكة أما الآجال فهي ثابتة.
س3/ (لا يرد القدر إلا الدعاء)1؟. ج/ هذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح. س4/ ذكرتم في الدرس السابق أنَّ الخلق في اللغة يشمل مراتب منها التقدير، فأرجو إيضاح هذه المرتبة بتفصيل أكثر؟ ج/ لعلك ترجع إليها لأنها تحتاج إلى تفصيل. س5/ ذكرتم في الدرس السابق أن صفات الله سبحانه وتعالى متلازمة وله الكمال المطلق، معنى قولكم متلازمة؟ وهل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير)؟. ج/ أما كون الصفات متلازمة فنعم الصفات بعضها ملازم للآخر، أو الصفة تدل على الصفة الأخرى بالتلازم؛ يعني لا يُتَصَوَّرْ أن صفة الرحمة بلا صفة الحياة، ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة قهر بلا صفة القدرة ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة علم بلا صفة إرادة، ولا أن هناك صفة كلام بلا صفة إرادة وملك وقوة. إذاً فصفات الله - عز وجل - متلازمة، لهذا أهل العلم لما تكلموا على الأسماء الحسنى قالوا إنَّ الاسم من أسماء الله الحسنى يدل على: مسماه ومعناه جميعا بالمطابقة. ويدل على أحدهما بالتضمن. ويدل على الصفة الأخرى أو على الاسم الآخر باللزوم، كما هو معروف في موضعه. قال هل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) كنا ذكرنا لكم تفصيلات الكلام عليها، (على ما يشاء قدير) هذه عبارة الأشاعرة وأشباههم؛ لأنهم علَّقُوا القدرة، قدرة الله - عز وجل - بما يشاؤه، وأما ما لم يشأه فعندهم أن الله - عز وجل - ليس بقادر عليه، هذا كلام الأشاعرة. المعتزلة علقوا القدرة بما هو مقدور له، وما لم يكن مقدورا له فليس بقادر عليه، يعني عندهم أنَّ ثَمَّ أشياء ليست بمقدورة لله - عز وجل -، فليس بقادر عليها. مثل الظلم، أصل الظلم هو ليس قادر عليه، لم؟ لأنه ليس ظالما فليس بمقدور له - عز وجل - أن يظلم - عز وجل -. وعندنا الله - عز وجل - قادر على كل شيء، ما يشاؤه وما لم يشأه، والظلم لم يشأه سبحانه بل حرَّمه على نفسه (إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا).2
إذن فتعلُّقْ القدرة، هذه مسائل تعلق الصفات، يعني القدرة لها مُتَعَلَّقْ، العلم له متعلَّق -عند الطوائف جميعا- الكلام له متعلق، الرحمة لها متعلق، وهكذا فتعلق الصفات هذه تختلف فيها الفرق المختلفة، وهو معلوم في موضعه.
المقصود أن قول القائل إن الله على ما يشاء قدير هذا من البدع التي لا تجوز، وقائلها ينبه على مخالفته بما جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
س6/ هل أوضحتم ثمرة الخلاف المرتبة الناتجة عن الاختلاف لكون الموت صفة وجودية أو عدمية؟ ج/ المقصود الكلام على هل الموت صفة وجودية أو صفة عدمية؟ هذا متعلق بحياة الروح والعذاب والنعيم، هذا الخلاف بين أهل السنة وبين الفلاسفة الذين يقولون إن الموت عدم أو الموت حياة، يعني هل أن الموت حياة جديدة أو هو عدم حياة وزوالها؟ الفلاسفة لهم مذهب في هذا، في أن الموت هنا موت البدن، الروح هذه تذهب إلى مكان لها ثم تعود في جسد جديد تناسبه، فعندهم الموت عدم الحياة، انتهى.
عندنا لا، الروح كل روح مستقلة، روح المكلف هذه باقية، خُلقت للبقاء، لا تنتقل من فلان إلى فلان كما هو قول الفلاسفة ومن شابههم، بعض من ينطق بهذه الكلمة يعني بأن الموت صفة عدمية قد لا يستحضر أو قد لا يقول بهذا المذهب، لكن هو من أنشأ هذا الكلام ويقول بهذا المذهب من أن الأرواح محدودة والأجساد متعددة فالأرواح تتنقل فيها.
يعني مثلا عندهم نعيم الروح، كيف روح منعمة؟
يقول الروح تعذب بمصيرها في جسد حياته شقاء، يعني الآن فلان مثلا- أعوذ بالله ما نريد أن نقلق أسماعكم بهذا الباطل نعوذ بالله منه - لكن ما من مسأله نتكلم عنها إلا ولها ثمرات، يعني في العقيدة ما فيه خلاف لا ثمرة له، خذها كلية.
س7/ كيف عرف ميل الإمام الطحاوي إلى مذهب الأشاعرة في مسألة اتصاف الله بصفاته؟ ج/ لا، ليس في مسألة الصفات، مسألة التسلسل.
س8/ هل يصح أن يقال إن العلم بالله لا يكون إلا بالعلم النظري، لا الضروري؟ ج/ يعني يصح مع أحد الاعتبارات، لكنه قد يصل العكس إلى أن يكون علمه بالله ضروريا ما يحتاج معه إلى استدلال، صار واضحا عنده بحيث لا يحتاج منه إلى نظر، نَظَرَ واسْتَقَرَ الإيمان في قلبه واتضح له حتى صار عنده وجود الحق - عز وجل - ضرورة لا يحتاج إلى استدلال، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:10] أصبح ضروريا؛ لأن الضروري هو ما لا يُحْتَاجُ له إلى استدلال، والنظري ما يحتاج في إثباته إلى نظر واستدلال.
س9/ ذكرت أن الروح لها صفة البقاء، فكيف نوفق بين هذا وبين المراد من المستثنى عند قوله تعالى (إلا من شاء الله) وهل معنى هذا أن أرواحهم غير ميتة؟ ج/ لا، ما لها علاقة (إلا من شاء الله) في الاستثناء يعني أرواح الشهداء أو أشبه ذلك، الأرواح لا يحلها الموت، تجتمع في الصور فيُنفخ فيه فتعود إلى الأجساد.
س10/ هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟ ج/ الموت صفة إذا سَمَّيْتَ الصفات أعراض فلا بأس، الموت حياة جديدة؛ حالة فيها حياة جديدة، يعني سمي الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية سمي موتا، هو انتقال إلى حياة جديدة، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:169] وكذلك كل مؤمن حي عند ربه يرزق.
هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟ في الآخرة يؤتى بالموت على صفة كبش فيكون قد قُلِبَ إلى عين.
س11/ هل لابد أن يكون لله مخلوقات ليوصف بالخلق أو أنه يوصف بالخلق ولو لم يخلق شيئا أبدا؟ ج/ هذا سؤال في غير مكانه لأنه سبحانه وتعالى خالق وله مخلوقات، ولم يزل سبحانه وتعالى خالقا - عز وجل - يعني هذه صفة ملازمة له سبحانه.
س12/ هل ابن حزم من أهل السنة والجماعة؟ ج/ لا، ابن حزم ليس سنيا بل له مذهب خاص، ابن عبد الهادي وغيره يعتبرونه من الجهمية، طائفة تعتبره من الفلاسفة يعني خليط، هو في العقيدة مخلّط لا يتبع مذهب من المذاهب عنده تجهم، وعنده أشعريات، وعنده فلسفة يعني مختلط.
س13/ ما هو الرد على من استدل بحديث (إن أول شيء خلقه الله القلم)1على عدم التسلسل في الماضي بالنسبة للمخلوقات؟ ج/ الأخ سألني قبل الصلاة أظن عن ذلك، وقلت اترك المسألة إلى وقت آخر، وحديث (إن أول شيء خلق الله القلم) هذا لفظ، واللفظ الآخر المعروف (إن أول ما خلق الله القلم)2أول هنا بمعنى حين، إنه حين خلق الله القلم قال له أكتب، لماذا فسرنا بهذا التفسير؟ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)3هذا التقدير هل هو راجع إلى العلم علم الله؟ الجواب: لا؛ لأن عِلْمَ الله ما يُعَلَّقْ بقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إذاً يتعلق بالكتابة، كتب الله مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة، هذا الحديث (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) وفي رواية (فقال له أكتب) هنا يعني خلق القلم فأمره بالكتابة؛ يعني التقدير، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فالمراد من الحديث أنَّ الله - عز وجل - خلق القلم فأمره بكتابة المقادير فوْر خلقه له، هذا الذي نفهمه مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن التقدير هناك لابد أن يكون للكتابة، والأولية هنا إن كانت أولية مطلقة قبل المخلوقات يعني وُجد قلم وليس ثم مخلوق البتة، فقوله (فقال له أكتب) تقتضي الترتيب (خلق فقال) وهذا يعني أنه هناك زمن طويل ما بين خلقه وما بين ابتداء الكتابة، وهذا يشوش على الموضوع.
إذن فهذا الحديث فُهِمَ منه منع التسلسل في الماضي كما هو معلوم، وأن أول المخلوقات القلم وهذا عند المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم الذين ضمّوا الأحاديث في هذا الباب وفهموها مع صفات الله - عز وجل - وما دل عليها من الآيات وكلام السلف، فهموا أن القلم في هذا الحديث أوليته هنا بالنسبة إلى الكتابة، فحين خُلق القلم كتب، (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) أو (فقال له أكتب) يعني حين خلق القلم قيل له أكتب فجرى بما هو كائن على قيام الساعة، فالحديث ليس في أولية المخلوقات، الأولية بالنسبة لغيرها وإنما الأولية من جهة التقدير والكتابة.
ولهذا تنازع العلماء مع ورود هذا الحديث، تنازعوا في أول هذه المخلوقات من هذا العالم المعلوم في الكتاب والسنة.
هل أول المخلوقات من هذا العالم المعلوم العرش أو القلم؟ والصواب أنّ العرش كان قبل لأنه في حديث عمرو بن العاص قال صلى الله عليه وسلم (قَدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) صار عندنا خلق للقلم كتابة المقادير، وجود العرش على الماء، وهذا هو الذي عقده ابن القيم في النونية بقوله: والناس مختلفون في القلم الذي *** كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده *** قولان عند أبى العلا الهمداني والحق أن العرش قبل لأنه *** عند الكتابة كان ذا أركان والمسألة فيها بحث أطول من هذا نرجئه إلى وقته إن شاء الله تعالى.
وفقكم الله ونلتقي إن شاء الله على خير وتقوى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.1
: [[الشريط السادس]] : وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى، وإنَّه خَاتمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين، وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى، وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّةِ الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء.
[المسألة الأولى] : تعريف النبي والرسول.
والنبي والرسول لفظان موجودان في لغة العرب، فتعريفهما في اللغة يؤخذ من موارده في اللغة.
وهو أنَّ: النبي: مأخوذ من النَّبْوَة وهي الارتفاع وذلك لأنَّه بالإيحاء إليه وبالإخبار إليه أصبح مرتفعاً على غيره.
والرسول: هو من حُمِّل رسالةً فبُعث بها.
ولهذا نقول إنَّ كلمة نبي جاءت في القرآن في القراءات على وجهين؛ يعني على قراءتين متواترتين: الأولى (النبي) بالياء.
والثانية (النبيء)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ).
والفرق ما بين (النبي) و (النبيء) أنَّ النبيء هو من نُبِّئَ.
وكلا الأمرين حاصل في النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل نبي، فهو مرتفع ولأجل ذلك فهو نبي، وهو مُنَبَأٌ ولأجل ذلك فهو نبيءٌ.
ولهذا نقول إن كلمة (نبي) صارت من الرفعة لأجل (نبيء) لأجل أنه نبيء؛ يعني أنه نُبِّئَ فصار في نَبْوَةٍ وارتفاع عن غيره من الناس.
أما في الاصطلاح -التعريف الاصطلاحي للنبي والرسول- فهذا مما اختلف فيه أهل العلم كثيراً، والمذاهب فيه متنوعة: 1 - المذهب الأول: قول من قال إنه لا فرق بين الرسول والنبي، فكل نبي رسول وكل رسول نبي.
2 - المذهب الثاني: أنَّ النبي والرسول بينهما فرق، وهو أنَّ النبي أدنى مرتبةً من الرسول فكل رسول نبيٌ وليس كل نبيٍ رسولاً.
3 - المذهب الثالث: أنَّ النبي أرفع من الرسول، وهو قول غلاة الصوفية وأنَّ الرسول دون النبي.
& المذهب الأول: قال به طائفة قليلة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين، ومنهم من يُنْسَبُ إلى السنة.
& والمذهب الثاني: وأنَّهُ ثَمَّةَ فرق بين النبي والرسول وأنَّ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، هذا قول جمهور أهل العلم وعامة أهل السنة، وذلك لأدلةٍ كثيرة استدلوا بها على هذا الأصل مبسوطة في مواضعها، ونختصر لكم بعضها: @ الدليل الأول: قوله - عز وجل - في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:52] قال سبحانه هنا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ : 1 - ووجه الاستدلال أنَّ الإرسال وهو فعل (أَرْسَلْنَا) وقع على الرسول وعلى النبي، فإذاً الرسول مرسل والنبي مرسل؛ لأنّ هذا وقع على الجميع.
2 - وجه الاستدلال الثاني أنه عطف بالواو فقال (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ)، والعطف بالواو يقتضي المغايرة؛ مغايرة الذات أو مغايرة الصفات، وهنا المقصود منه أنَّ الصفة التي صار بها رسولاَ غير النعت الذي صار به نبياَ، وهو المقصود مع تحقق أنَّ الجميع وقع عليهم الإرسال.
3 - والوجه الثالث من الاستدلال أنه عطف ذلك بـ (لَا) أيضا في قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، ومجيء (لَا) هنا في تأكيد النفي الأول؛ في أول الآية وهو قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا)، فهي في تقدير تكرير الجملة مَنْفِيَّةً من أولها، كأنه قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا أرسلنا من قبلك من نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته.
@ الدليل الثاني: أنَّ النبوة ثبتت لآدم عليه السلام، فآدم كما صح في الحديث (نبي مُكَلَّم)1وأن هناك أنبياء جاؤوا بعد آدم عليه السلام كإدريس وشيث وكغيرهما.
وإدريس ذكره الله - عز وجل - في القرآن، والرسل أولهم نوح عليه السلام.
وجعل الله - عز وجل - أولي العزم من الرسل خمسة، وجعل أولهم نوحا عليه السلام.
فهذا يدل على أنّ آدم عليه السلام لم يحصل له وصف الرسالة، بل جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم «آدم نبي مُكَلَّمْ»، ووُصف نوح بأنه رسول، ووُصف إدريس بأنه نبي، فدل هذا على التفريق بين المقامين.
@ الدليل الثالث: الذي أورده أصحاب هذا القول ما جاء في حديث أبي ذر من التفريق ما بين عدد الأنبياء وعدد المرسلين، فجُعِلَ عدد الأنبياء أكثر من مائة ألف؛ مائة وأربعة وعشرين ألف أو نحو ذلك، وجُعل عدد الرسل أكثر من الثلاثة مائة بقليل؛ بضعة عشرة وثلاثمائة رسول.
والله - عز وجل - قص علينا خبر بعض الرسل وحجب عنا قَصص البعض الآخر فقال - عز وجل - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:164]، وهذا الحديث -حديث أبي ذر- حسّنه بعض أهل العلم وإن كان إسناده عند التحقيق فيه ضعف؛ لكن فيه جمل صحيحة وهو حديث طويل رواه ابن حبان غيره.
وثَمَّ أدلة أخرى في هذا المقام، قد لا تكون دالة بوضوح على المراد.
إذا تبين لكَ ذلك، وأنَّ الصحيح هو قول الجمهور وهو أن ثمة فرقاً بين النبي والرسول، فما تعريف النبي وما تعريف الرسول في الاصطلاح؟ قلنا إنَّ النبي يقع عليه الإرسال؛ ولكن لا يسمى رسولاً عند الإطلاق.
والرسول يقع عليه الإرسال وهو الذي يسمى رسولا عند الإطلاق.
والله - عز وجل - جعل ملائكة مرسلين، وإذا قلنا الرسول فلا ينصرف بالإطلاق على المُبَلِّغ للوحي جبريل عليه السلام.
والله - عز وجل - أرسل الريح وأرسل المطر وأرسل أشياء من العذاب، ولا يقع عند الإطلاق أنْ يقال هذه مرسلة أو هذه رسالة الله أو هذه الأشياء رسول من إطلاق المفرد وإرادة الجمع به.
ولهذا نقول قد يقال عن هذه الأشياء كما جاء في القرآن، قد يقال عنها إنها مرسلة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:1]، ولكن إذا أُطلق لفظ الرسول فلا ينصرف إلى من أُرْسِلَ من الملائكة وإنما ينصرف إلى من أرسل من البشر.
وهذا يدل على أنَّ الفرق قائم ما بين النبي وما بين الرسول، وأنّ النبي إرساله خاص وأنَّ الرسول إرساله مطلق.
فلهذا نقول دلّت آية سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ على أنّ كلا من النبي والرسول يقع عليه إرسال.
فما الفرق بينهما من جهة التعريف؟ الجواب: أنَّ العلماء اختلفوا على أقوال كثيرة في تعريف هذا وهذا، ولكن الاختصار في ذلك مطلوب: وهو أنَّ تعريف النبي–وهي مسألة اجتهادية-: النبي هو من أَوْحَى الله إليه بشرعٍ لنفسه أو أَمرَه بالتبليغ إلى قوم موافقين؛ يعني موافقين له في التوحيد.
والرسول: هو من أَوْحى الله إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم مخالفين.
وتلحظ أنَّ هذا التعريف للنبي وللرسول أَنه لا مَدْخَلَ لإيتاء الكتاب في وصف النبوة والرسالة، فقد يُعطى النبي كتاباً وقد يعطى الرسول كتاباً، وقد يكون الرسول ليس له كتاب وإنما له صحف ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:19]، وقد يكون له كتاب.
فإذاً من جَعَلَ الفيصل أو الفرق بين النبي والرسول هو إيتاء الكتاب، وحي جاءه بكتاب مُنَزَّلْ من عند الله - عز وجل -، فهذا ليس بجيد، بل يقال كما ذكرت لك في التعريف أنَّ المدار على: -النبي مُوحَى إليه، والرسول موحى إليه.
-النبي يوحى إليه بشرع أو بفصلٍ في قضية؛ شرع يشمل أشياء كثيرة، -وكذلك الرسول يوحى إليه بشرع.
-النبي يُوحى إليه لإبلاغه إلى قوم موافقين أو ليعمل به في خاصة نفسه كما جاء في الحديث (ويأتي النبي وليس معه أحد)1، الرسول يُبعث إلى قوم مخالفين له.
ولهذا جاء في الحديث أن (العلماء ورثة الأنبياء)2ولم يجعلهم ورثة الرسل، وإنما قال (وإن العلماء ورثة الأنبياء)، وذلك لأنّ العالم في قومه يقوم مقام النبي في إيضاح الشريعة التي معه، فيكون إذاً في إيضاح شريعته، في إيضاح الشريعة يكون ثَمَّ شَبَه ما بين العالم والنبي، ولكن النبي يُوحى إليه فتكون أحكامه صواباً؛ لأنها من عند الله - عز وجل -، والعالم يوضِحُ الشريعة ويعرض لحُكْمِهِ الغلط.
يتعلق بهذه المسألة بحث أنَّ الرسول قد يكون متابعاً لشريعة مَنْ قَبْلَهْ، كما أنَّ النبي يكون متابعاً لشريعة مَنْ قَبْلَهْ.
فإذاً الفرق ما بين النبي والرسول في إتباع الشريعة -شريعة مَنْ قَبْلْ- أَنَّ النبي يكون متابعا لشريعة مَنْ قَبْلَهْ، والرسول قد يكون متابعاً -كيوسف عليه السلام جاء قومه بما بعث به إبراهيم عليه السلام ويعقوب-، وقد يكون يُبْعَثُ بشريعة جديدة.
وهذا الكلام؛ هذه الاحترازات لأجل أنَّ ثمة طائفة من أهل العلم جعلت كل مُحْتَرَزٍ من هذه الأشياء فرقا ما بين النبي والرسول.
فإذاً كما ذكرت لكم: - الكتاب قد يُعطاهُ النبي وقد يُعطاهُ الرسول.
- بَعْثُهُ لقوم موافقين أو مخالفين هذا مدار فرق ما بين النبي والرسول.
- الرسول قد يبعث بشريعة مَنْ قَبْلَهْ بالتوحيد بالديانة التي جاء بها الرسول لمن قبله، لكن يُرْسل إلى قوم مخالفين، وإذا كانوا مخالفين فلا بد أن يكون منهم مَنْ يُصَدِّقُهُ ويكون منهم من يُكَذِّبُه؛ لأنه ما من رسول إلا وقد كُذِّب، كما جاء في ذلك الآيات الكثيرة.
[المسألة الثانية] : نبوة الأنبياء هل هي واجبة أو ممكنة؟ الصواب أنَّ نبوة الأنبياء وإرسال الرسل مما جعله الله - عز وجل - على نفسه، كما قال سبحانه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]. وقد اختلف الناس في ذلك: $ فقالت طائفة إرسال الرسل جائز.
$ وقالت طائفة إرسال الرسل واجب على الله - عز وجل -. $ وقالت طائفة إرسال الرسل ونبوة الأنبياء لا يقال فيها جائزة ولا واجبة بل هي تبع للمصلحة.
$ وكما ذكرنا أنّ قول أهل السنة في ذلك: أنَّ إرسال الرسل جعله الله - عز وجل - حجة على الناس كما في الآية، ولا يُطلق القول بوجوبها ولا بإمكانها أو جوازها أو ردِّ ذلك، بل يُتَّبع في ذلك النص الوارد لأنّ أفعال الله - عز وجل - والإيجاب عليه والتحريم إنما يكون من عنده - عز وجل -.