شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائلالأسئلة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

: س1/ قد يُفهم من الدرجة الثانية من توحيد الربوبية نفي الأسباب أو آثارها؟ ج/ لا يُفْهَم ذلك؛ لأنَّ المقصود أن يرى، أن يشهد آثار الأسماء والصفات، وشُهود آثار الأسماء والصفات، هذا ليس نفياً للأسباب، بل هو جعل الأسباب أسباباً، وعدم مجاوزتها لكونها أسباباً، فيرى أنّ الفاعل هو الله - عز وجل -، وأنه سبحانه أجرى الأسباب بجعلها أسباباً، وأنْتَجَ سبحانه وتعالى عنها مسبباتها، وأنَّ العِلَلْ تُنْتِجُ معلولاتها، وأنَّ المؤثرات تنتج الآثار، إلى غير ذلك مما هو معلوم من اعتقاد أهل التوحيد.
س2/ ما نكاد نقرأ كتابا من كتب السنة، كالسنة لعبد الله، واللالكائي، والإبانة إلا ونجد فصلاً أو بابا في طعن الأئمة في أبي حنيفة فما هو السبب؟ وما موقفنا من هذه الآثار؟ ج/ هذا كان في ذلك الزمان لأنَّ أبا حنيفة رحمه الله خالف السنة والآثار في مسائل كثيرة جداً، ورَدَّ عليه أهل السنة والحديث حتى لا يأخذ الناس بكلامه في ذلك، فالتآليف هذه لأجل انتشار مذهب الحنفية في البلاد، فكتبوا ذلك تحذيراً من اتِّبَاعِهِ فيما أخطأ فيه، لكن لمَّا استَقَرَّتْ المذاهب، واستقرت الفرق، وصار أبو حنيفة رحمه الله أحد الأئمة الأعلام الذين يشار إليهم، والذين يُتَّبعون في مسائل الفقه، ترك أهل السنة إيراد ذلك بعد نهاية القرن الخامس، واجتمعوا على عدم ذكرها، بل عَدُّوهُ من الأئمة الأعلام كما عَقَدَ ذلك شيخ الإسلام في كتابه المعروف (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وذكر منهم أبا حنيفة رحمه الله.
فأخطأ هو في مسائل، وخالف السنة في مسائل، وعُدَّ من مرجئة الفقهاء، لكن ما ورد في تلك الكتب من شتمه ولعنه وسبه أو نحو ذلك، هذا تَرَكَهُ أهل السنة؛ فلم يَصِرْ من شعار أهل السنة أن يُفعَلَ ذلك، كما قرَّرَهُ الأئمة وفي كتبهم وتركوه في مؤلفاتهم بعد نهاية القرن الخامس.
س3/ بعض أهل العلم يقسّم التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الإلهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الحاكمية فهل هذا التقسيم صحيح أم لا؟ ج/توحيد الحاكمية داخِلٌ إما في توحيد الربوبية أو في توحيد الإلهية أو فيهما معاً؛ لأنَّ الله - عز وجل - جعل الحكم إليه سبحانه بقوله ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾1، وقال - عز وجل - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:10]، ونحو ذلك من الآيات، وكقوله ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:12].
فالحاكمية من جهة تحاكم الناس هذا فِعْلُ العبد، وفِعْلُ العبد داخلٌ في توحيد الإلهية، ولهذا أَدْخَلَ إمام الدعوة مباحث هذا النوع من التوحيد في (كتاب التوحيد) فعَقَدَ عدة أبواب في بيان هذه المسألة العظيمة المهمة، ولهذا نقول إنَّ إفراده بالذكر لا يصلح؛ لدخوله في توحيد الإلهية، فهو من ضمن مسائله الكثيرة.
لكن قد يُقْسَمْ التوحيد عند طائفة من أهل العلم إلى أربعة أقسام ويجعلون الرابع توحيد المتابعة؛ يعني متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يقصدون بهذا التقسيم ما دلَّتْ عليه الشهادتان.
فإذا قالوا (توحيد الله) قالوا ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
وإذا قالوا (التوحيد) بدون الإضافة إلى الله - عز وجل -، جعلوه أربعة أقسام؛ ثلاثة مختصة بالله - عز وجل -، والرابع هو توحيد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنْ لا يُتَّبَعَ في التشريع غير المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ

[المسألة الأولى] : أنَّ قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) مأخوذٌ من قول الله - عز وجل - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، ومن قوله - عز وجل - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:4]، ومن قوله - عز وجل - ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:65]، ومن قوله سبحانه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال َإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:74]، وأشباه هذه الأدلة التي تدل على أنَّ الله سبحانه لا يماثله شيء من مخلوقاته.

[المسألة الثانية] : أنَّ قوله (لا شيءَ مثْلُهُ) راجِعٌ لنفي المماثلة.
وهذا هو الذي جاء في الكتاب والسنة أنْ يُنْفَى عن الله - عز وجل - أن يُمَاثِلَ أحداً أو شيئاً من خلقه، وكذلك يُنْفَى عن المخلوق أن يكون مُمَاثِلَاً لله - عز وجل -. وإذا كان كذلك، فالمماثلة أو التمثيل أو المِثلِيَّة تُعَرَّفُ بأنها المساواة في الكيف والوصف: والمساواة في الكيفية راجعة إلى أَنْ يكون اتصافه بالصفة من جهة الكيفية مُمَاثِلٌ لاتصاف المخلوق، كقولهم: يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا وأشباه ذلك.
وأما المماثلة في الصفات فهي أن يكون معنى الصفة بكماله التام في الخالق كما هو في المخلوق.
إذا تِقِرَّرَ ذلك، فإنَّ اعتقاد المماثلة في الكيفية أو في الصفات على النحو الذي ذكرتُ هذا تمثيل يَكْفُر صاحبه.
ولهذا كَفَّرَ أهلُ السنة النصارى، وكَفَّرَ أهلُ السنة المُجَسِّمَة؛ لأنَّ النصارى شَبَّهُوا المخلوق بالخالق، وشَبَّهُوا عيسى بالله - عز وجل -، والمُجَسِّمَة شَبَّهُوا الله - عز وجل - ومثَّلُوه بخلقه.

[المسألة الثالثة] : الفرق ما بين المماثلة والمثلية وبين التشبيه.
ولتقرير ذلك تنتبه إلى أنَّ الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة.
أما نفي المشابهة؛ -مشابهة الله لخلقه- فإنها لم تُنْفَ في الكتاب والسنة؛ لأنَّ المشابهة تحتملُ أن تكون مشابهةً تامة، ويحتمل أن تكون مشابهةً ناقصة.
فإذا كان المراد المشابهة التامة فإنَّ هذه المشابهة هي التمثيل وهي المماثلة، وذلك منفِيٌ، لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11].
فإذاً لفظ المشابهة ينقسم: - إلى مُوَافِقٍ للمماثلة، الشَبِيهْ موافِقٌ للمثيل وللمِثِلْ.
- وإلى غير موافق.
يعني قد يشترك معنى الشبيه والمثيل ويكون المعنى واحداً، إذا أُريْدَ بالمشابهة المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة.
وأمَّا إذا كان المراد بالمشابهة المشابهة الناقصة وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإنَّ هذا ليس هو التمثيل المنفي، فلا يُنْفَى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثَمَّ مشابهة بمعنى أن يكون ثَمَّ اشتراك في أصل المعنى.
وإذا كان كذلك فإنَّ لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق -كما قَرَّرْتُ لك- ولفظ المشابهة لفظ مجمل لا يُنْفَى ولا يُثْبَتْ.
وأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إنَّ الله - عز وجل - لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء يعنون بالمشابهة المماثلة.
أما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى فنعلم قَطْعَاً أنَّ الله - عز وجل - لم ينفها؛ لأنه سبحانه سَمَّى نفسه بالملك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:4]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾1وسَمَّى بعض خلقه بالمَلِكْ ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾2وأشباه ذلك من الآيات، وكذلك سَمَّى نفسه بالعزيز، وسَمَّى بعض خلقه بالعزيز، وكذلك جَعَلَ نفسه سبحانه سميعاً، وأخبرنا بصفة السمع له، والبصر، والقوّة، والقدرة، والكلام، والاستواء، والرحمة، والغضب، والرضا وأشباه ذلك، وأثبت هذه الأشياء للإنسانِ فيما يناسبه منها.
فَدَلَّ على أَنَّ الاشتراك في اللفظ وفي بعض المعنى ليس هو التمثيل الممتنِع؛ لأنَّ كلام الله - عز وجل - حق وبعضه يفسر بعضاً.
فَنَفَى المماثلة سبحانه بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، وأثبت اشتراكاً في الصفة.
وإذا قلتُ اشتراكَاً ليس معنى ذلك أنها من الأسماء المُشْتَرَكَة في الصفات، ولكن أثْبَتَ اشتراكاً في الوصف يعني شَرِكَةً فيه، فإنَّ الإنسان له مُلْكْ والله - عز وجل - له الملك، والإنسان له سمع والله - عز وجل - له سمع، والإنسان له بصر والله - عز وجل - له بصر، وهذا الإثبات فيه قَدْرٌ من المشابهة، لكنَّهَا مُشَابَهَةٌ في أصل المعنى، وليست مشابهة في تمام المعنى ولا في الكيفية.
فتحَصَّلَ من ذلك أنَّ المشابهة ثلاثة أقسام: 1 - الأول: مشابهة في الكيفية، وهذا ممتنع.
2 - الثاني: مشابهةٌ في تمام الاتصاف ودلالة الألفاظ على المعنى لكمالها، وهذا ممتنع.
3 - الثالث: مشابهة في معنى الصفة - في أصل المعنى - وهو مطلق المعنى وهذا ليس بمنفي.
ولهذا صار لفظ التمثيل، ونفي التمثيل، ونفي المِثْلِيَّة شرعياً؛ لأنه واضح، دلالته غير مجملة.
وأما لفظ المشابهة فإنَّ دلالته مجملة فلم يأتِ نفيه.
ونحن نقول إنَّ الله - عز وجل - لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء - سبحانه وتعالى -. ونعني بقولنا (لا يشابهه شيء) معنى المماثلة في الكيفية أو المماثلة في تمام الاتصاف بالصفة وتمام دلالة اللفظ على كمال معناه.

[المسألة الرابعة] : أَنَّ إثبات الصفات لله - عز وجل - قاعدته مأخوذةٌ من هذه الجملة (وَلا شيءَ مثْلُهُ).
فإثبات الصفات مأخوذ من قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، فنفى - سبحانه وتعالى - وأَثْبَتْ.
وعند أهل السنة والجماعة أنَّ النفي يكون مُجْمَلَاً (لا شيءَ مثْلُهُ)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأنَّ الإثبات يكون مُفَصَّلَاً ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وهذا بخلاف طريقة أهل البدع فإنهم يجعلون الإثبات مُجْمَلَاً، والنفي مُفَصَّلَاً، فيقولون في صفة الله - عز وجل -: إن الله ليس بجسمٍ ولا بشبحٍ ولا بصورةٍ ولا بذي أعضاء ولا بذي جوارح ولا فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال ولا قُدّام ولا خلف وليس بذي دم ولا هو خارج ولا داخل.
إلى آخر تصنيفهم للمنفيات، وإذا أتى الإثبات، إنما أثبتوا مُجْمَلَاً.
فصار نفيهم وإثباتهم على خلاف ما دَلَّتْ عليه الآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
فطريقة أهل السنة أنَّ النفي يكون مُجْمَلَاً وأن الإثبات يكون مُفَصَّلَاً على قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
والنفي المُجْمَلْ فيه مدح، والإثبات المُفَصَّلْ فيه مدح.
والنفي المُجْمَلْ والإثبات المُفَصَّلْ من فروع معنى استحقاق الله - عز وجل - للحمد.
والله سبحانه أثْبَتَ أنه مَحْمُودٌ ومُسَبَّحٌ في سماواته وفي أرضه - عز وجل -، كما قال سبحانه ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:44]، وكقوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم:18]، وكقوله ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:17]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾1، ونحو ذلك.
والجمع بين التسبيح والحمد هو جَمْعٌ بين النفي والإثبات؛ لأنَّ التسبيح نفي النقائص عن الله فجاء مُجْمَلَاً، والحمد إثبات الكمالات لله - عز وجل - فجاء مفصلاً.
فإثبات الكمالات من فروع حمده ـ، ولهذا صار محموداً - عز وجل - على كل أسمائه وصفاته، وعلى جميع ما يستحقه سبحانه، وعلى أفعاله - عز وجل -. وتنزيهه سبحانه بالنفي - يعني بالتسبيح - أنْ يكون ثَمَّ مُمَاثِلْ له سبحانه وتعالى.
فمعنى (سبحان الله) تنزيهاً لله - عز وجل - عن أن يماثله شيء أو عن النقائص جميعاً.
والحمد إثبات الكمالات بالتفصيل.
فإذاً من نَفَى مُجْمَلَاً وأثْبَتَ مُفَصَّلَاً، فإنه وافق مقتضى التسبيح والحمد الذي قامت عليه السموات والأرض.
ومن نفى مُفَصَّلَاً وأثبت مُجْمَلَاً، فقد نافى طريقة الحمد والتسبيح الذي قامت عليه السماوات والأرض.
لهذا صارت طريقة القرآن أن يكون النفي مُجْمَلَاً والإثبات مُفَصَّلَاً، وطريقة أهل البدع بعكس ذلك.

[المسألة الخامسة] : أنَّ قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11]، الذي هو دليل (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، قد اختلَفَ فيه المفسرون في معنى الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
والكاف هنا، على أي شيء تدل؟ على أقوال: 1 - القول الأول: أنَّ الكاف هذه بمعنى مِثْل، فيكون معنى قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ليس مِثْلَ مِثْلِه شيء، مبالغة في النفي عن وجودِ مِثْلِ المِثْل، فكيف يوجد المِثْلْ، فنَفْيُه من باب أولى.
ومجيء الكاف بمعنى الاسم هذا موجود في القرآن وكذلك في لغة العرب: - فأما مجيئه في القرآن -مجيء الكاف بمعنى الاسم، وهي حرف- كما في قوله - عز وجل - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:74]، فقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) عَطَفَ الاسم على الكاف التي هي في قوله (كَالْحِجَارَةِ)؛ (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ)، ومعلوم أنَّ الاسم إنما يُعْطَفُ على الاسم فقوله (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) يعني فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
- ومجيئه في اللغة أيضاً ظاهر ومحفوظ، كقول الشاعر: لو كان في قلبي كقدر قُلَامَةٍ ****** حبا لغيركِ ما أتتكِ رسائلي فقوله (لو كان في قلبي كقدر قلامة) هذا جَعَلَ شبه الجملة الجارّ والمجرور (في قلبي) مُقَدَّمْ، وجَعَلَ الاسم (كقدر) لكون الكاف بمعنى (مِثْل)؛ يعني لو كان في قلبي مِثْلُ قَدْرِ قُلَامة.
وهذا التوجيه الأول لطائفة من المفسرين في أنَّ الكاف هنا بمعنى (مِثْل) على ما ذكرنا.
وهذا التوجيه لهم وجيهٌ وظاهرٌ في اللغة ومستقيمُ المعنى أيضاً في الآية.
2 - القول الثاني: أنَّ الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هذه صلة، وهي التي تُسَمَّى عند النحويين زائدة؛ وزيادتها ليس زيادَةً للفظ، وإنما هو زيادَةٌ لها لكون المعنى زائداً.
فليست زائدة بمعنى أن وجودها وعدم وجودها واحد، حاشا وكلا أنْ يكون في القرآن شيء من ذلك، وإنما تُزادْ ليكون مبالغةً في الدلالة على المعنى.
فقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تكون الكاف صلة ومجيء الصلة في مقام تَكْرَارِ الجملة تأكيداً.
كما حَرَّرَهُ ابن جِنِّي النحوي المعروف في كتابه (الخصائص) حيث قال: إنَّ الصلة والزيادة تكون في الجمل لتأكيدها وتكون مقام تكريرها مرتين أو أكثر.
أو كما قال.
فيكون معنى قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) : ليس مِثْلَه شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وهو السميع البصير.
وهذا تفهمه العرب في كلامها.
وجاءت الزيادة بالصلة في مواضع كثيرة من القرآن كقول الله - عز وجل - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159]. فقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ﴾ يعني: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم.
يعني ليس من جهتك وإنما هو رحمة من الله سبحانه وتعالى.
وكقوله - عز وجل - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:13] يعني: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، وكقوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:1] في أحد وجهي التفسير.
إذا تقرر لك ذلك فإنَّ الوجه الأَوْلى من هذين التفسيرين هو الثاني من كون الكاف صلة زائدة في مقام تكرير الجملة؛ يعني أنَّ النفي أُكِّد فتكون أبلغ من أنْ يُنْفَى مِثْلْ المِثْل؛ لأنه قد يُشْكِلْ في نفي مثل المثل أن يكون1: [[الشريط الثاني]] : نفيُ المِثْليِةِ الأولى ليس مستقيماً دائماً، أو ليس مفهوماً دائماً.
أما الثاني فإنه واضح من جهة العربية، وواضح من جهة العقيدة، وواضح من جهة دلالته على تأكيد النفي الذي جاء في الآية.
هذا خلاصة الكلام على قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ).

ثم قال رحمه الله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)

[المسألة الأولى] : أن هذا منتزع من قوله الله - عز وجل - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:44]، فنفى سبحانه أن ثَمَّ شيءٌ يعجزه في السماوات وكذلك في الأرض، وعلَّلَ ذلك بكونه (عَلِيمًا قَدِيرًا).
ونفي العجز في الآية جاء مُعَلَّلاً بكمال علمه وقدرته؛ وذلك لأنَّ العجز في الجملة: - إما أن يرجع إلى عدم علم، فلأجل عدم علمه بالأمر عجز عنه.
- وإما أن يرجع لعدم القدرة، فَعَلِمَ ولكن لا يقدر على إنفاذ ما علم أو ما يريد.
- وإما أن يرجع إليهما معا.
ولذلك لما قال ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ عَلَّلَه بقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، ومن المتقرر في علم الأصول في مسالك العلة من أبواب القياس: أنّ التعليل في القرآن والسنة يُستفادُ من جهات؛ ومنها مجيء (إنَّ) بعد الخبر أو بعد الأمر والنهي.
وهنا لما أخبر عن نفسه بعدم العجز، وعلل ذلك بكونه سبحانه عليما قديرا، عَلِمْنَا أنَّ سبب عدم العجز هو كمال علمه سبحانه وكمال قدرته.

[المسالة الثانية] : أن هذه الجملة نأخذ منها قاعدة قَعَّدها أئمة أهل السنة والجماعة وهي أنَّ النفي إذا كان في الكتاب والسنة فإنه لا يُراد به حقيقة النفي، وإنما يُراد به كمال ضده.
يعني أنّّ كل نَفْيٍ نُفِيَ عن الله - عز وجل -. أنَّ كل نَفْيٍ أُضِيفَ لله - عز وجل - فنُفِيَ عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله في القرآن أو في السنة، فإن المقصود منه إثبات كمال الضِّد.
لأنَّ النفي المحض ليس بكمال، فقد يُنفَى عن الشيء الاتصاف بالصفة؛ لأنه ليس بأهلٍ لها، فيقال: فلان ليس بعالم.
لأنّه ليس أهلاً لأن يتّصف بذلك، ويقال: فلان ليس بظالم لأنه ليس بقادر أصلا، كما قال الشاعر في وصف قوم يذمهم: قُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ****** وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْذَلِ لأنهم لا يستطيعون أصلا أنْ يظلموا أو أن يعتدوا لعجزهم عن ذلك؛ لأن العرب كانت تفتخر بأنّ من لم يَظلِمْ يُظلَم كقول الشاعر وهو زهير: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ****** ومن لا يظلم الناس يظلم فتقرر أنَّ النفي المحض ليس بكمال، ولذلك نقرر القاعدة: أنّ النفي في الكتاب والسنة إنما هو لإثبات كمال الضد.
وأخذنا ذلك من قوله - عز وجل - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، فصار النفي نفي العجز عنه سبحانه فيه إثبات كمال علمه وقدرته.
وهذا خُذْهُ مطّرِداً في مثله قوله - عز وجل - ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:255]، وفي قوله - عز وجل - في أول آية الكرسي ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾ [البقرة:255]، لكمال حياته وكمال قيوميته سبحانه، ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ فيه إثبات كمال قدرته - عز وجل - وكمال قوته، وفي قوله ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:49] لكمال عدله سبحانه، وفي قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:4] وذلك لكمال اتصافه بصفاته، وفي قوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:3] لكمال استغنائه سبحانه.
ففي كل نفيٍ جاء في الكتاب والسنة تأخذ إثبات الصفة التي هي بضد ذلك النفي.
ولهذا تُثْبَتُ بعض الصفات وتُثبتُ بعض الأسماء عند طائفة من أهل العلم بألفاظ لم ترد صراحة وأخذوها من النفي الذي جاء في الكتاب والسنة.

[المسألة الثالثة] : أنّ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) كما ذكرتُ لك من أفراد توحيد الربوبية.
والتمثيل عن العام ببعض أفراده في التوحيد صحيح؛ لأنَّ دِلالة الخاص على العام مؤكَّدةٌ واضحة لا يمكن أن تخرج دلالة الخاص عن الأمر الكلي العام.
ولهذا يجيء الإثبات مفصلا كما ذكرنا لأجل أنَّ الإثبات العام لله - عز وجل - في جميع الصفات حق، فيُثْبَتُ في كل موضع بحسبه.
فمن مثَّل في موضع ببعض أفراد الربوبية، فإن تمثيله لذلك حق وإنْ لم يُمَثِّل بجميع أفراد الربوبية، بخلاف الأسماء والصفات فإنَّ الأسماء والصفات تُمَثِّل عليها بأنواعها.
أهل السنة إذا ذكروا الأسماء والصفات تمثيلاً في هذا المقام فإنهم يذكرون تلك الأسماء والصفات والأفعال التي تدل على أنواع الصفات.
فيذكرون مثالاً للصفات الذاتية، ومثالاً للصفات الاختيارية، ومثالاً للصفات الفعلية حتى يكون ذلك عامّا لأجل أن لا يشترك أهل السنة مع أهل البدع في التعبير.
فإذا أتى مثلا في إثبات الصفات لا يقولون إننا نثبت صفات الرب - عز وجل - كالحياة والقدرة والسمع والعلم والبصر والإرادة والكلام ويسكتون، لأنَّ هذه السبع هي التي أثبتها الكُلَّابِيَّة والأشاعرة وطائفة، ولا يقولون نثبت الحياة والكلام لله والسمع والبصر ويسكتون، ولكن يذكرون هذا وهذا، فإذا ذكروا هذه السبع يقولون أيضا معها فهو سبحانه سميع بصير أو موصوف بالسمع والبصر والقدرة والكلام والإرادة والحياة والاستواء والنزول والرحمة والغضب والرضا فيجمعون -والوجه واليدان، إلى آخره- فذكر الصفات ما جرى عليه الاتفاق وما لم يجرِ عليه الاتفاق - يعني بينهم وبين أهل البدع - تمييزًا لقول أهل السنة عن غيرهم.
وأما في الربوبية لأجل أنه لم يَجْرِ فيها الخلاف فإنه يسوغ أن يمثل لها ببعض أفرادها.

[المسالة الرابعة] : أنَّ العجز هنا كما في الآية؛ جاء نفيه متعلقاً بالأشياء، ودِلالة الآية على النفي أبلغ وأعظم في قول المصنف (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، لأنه جاء في الآية زيادة (مِنْ) التي تنقل العموم من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه، فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر:44]، فقوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لو قال: وما كان الله ليعجزه شيء لصَحَّ النفي وصار ظاهرا في العموم، وأما لمَّا قال (مِنْ شَيْءٍ) جاءت زيادة (مِنْ) هذه، لتنقل العموم المستفاد من مجيء النكرة في سياق النفي من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه.
ومعنى الظهور في العموم: أنّه قد يَتَخَلَّفُ بعض الأفراد على سبيل النُّدْرَة.
وأما النَّصِّيَّة في العموم: فإنه لا يتخلَّفُ عن العموم شيء.
فلما نفى بمجيء النكرة في سياق النفي وجاء بزيادة (مِنْ) التي دلت على انتقال هذه النكرة المنفية من ظهورها في العموم إلى كونها نصاً صريحاً في العموم.
إذا تقرر هذا فالمَنْفِيُّ أن يعجزه سبحانه وتعالى هو الأشياء.
والأشياء جمع شيء، والشيء الذي جاء في الآية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وفي قوله هنا (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، وكذاك في قوله قبل (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، تعريف شيء عندنا: أنّه ما يصح أن يُعْلَمَ أو يَؤُولُ إلى العلم، سواءً كان في الأعيان والذّوات، أو كان من الصفات والأحوال.
فكلمة (شيء) في النصوص تُفَسَّر عند المحققين من أهل السنة بأنها: ما يصح أن يُعلم أو يؤول إلى العلم.
قولنا (يصح أن يعلم) مما هو موجود أمامك أو ما يؤول إلى العلم لعدم وجوده ذَاتاً ولكنه موجود في القَدَرْ، كقول الله - عز وجل - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:1]، وقد كان شيئا لكن لا يذكره الناس؛ لأنهم لم يروه، ولكنه شيء يُعْلَمُ في حق الله - عز وجل -، وسيؤول إلى العلم في حق المخلوق والذِّكْرْ.
ولهذا في قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، وقوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) راجع هنا إلى ما هو موجود وإلى ما ليس بموجود من الذوات والصفات والأحوال؛ لأنها جميعا إما أن تكون معلومة، أو تكون آيلة إلى العلم.

قال بعدها رحمه الله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ).

[المسألة الأولى] : أنَّ هذه الكلمة هي معنى كلمة؛ أو هي مطابقة لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) معناها (لا إلهَ غَيْرُهُ).
والإله في كلمة التوحيد وفي قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) هذا دخل عليه النفي.
فالمَنْفِيُّ جنس الآلهة التي تستحق العبادة، والله - عز وجل - ليس داخلا في هذا النفي -كما سيأتي بيانه في إعراب كلمة التوحيد-.
وكلمة (إلا الله) موافقة لـ (غَيْرُهُ)؛ لأن الغَيرِيَّةْ: - ربما كانت غيرية في الذوات كقولك: ما دخل رجل غيرُ زيد، فهنا ذات الرجال غير ذات زيد.
- أو في الصفات كقولهم: جاءكم بوجه غير الذي ذهب به.
الوجه من حيث هو واحد لكن من حيث الصفة اختلف.
فإذاً الغَيرِيَّةْ قد ترجع إلى غيرية الذات، وقد ترجع إلى غيرية الصفات.
وفي النفي (لا إله إلا الله) هنا الإله المنفي هو جنس الآلهة التي تستحق العبادة.
* و (إلا الله) ليس هذا مُخْرَجاً من الآلهة؛ لأنه لم يدخل أصلاً فيها حتى يخرج منها لأن النفي راجع إلى الآلهة الباطلة.

[المسألة الثانية] : أنَّ قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) مشتمل على كلمة (إله) وكلمة (الإله) هذه اختلف الناس في تفسيره.
- فالتفسير الأول لها: أنّ الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستغني عمَّا سواه، المفتقر إلى كل ما عداه.
وهذا قول أهل الكلام، في أنّ الإله هو الرب؛ يعني هو الذي يَقْدِرُ على الخَلْقِ والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عمَّا سواه وكل شيء يفتقر إله.
كما ذكرنا إليكم مرارا عبارة صاحب السَّنوسية وعبارة أهل الكلام في ذلك.
وهذا التفسير بكون الإله هو القادر على الاختراع وهو الرب لأهل الكلام، من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد وتوحيد العبادة وفي فهم الصفات وفي تحديد أول واجب على العباد.
- التفسير الثاني لها: نأتي للجملة هذه [.....]1وأنّ الإله، إله (فِعَالْ) بمعنى مَفْعُولْ يعني مَأْلُوهْ.
سُمِّيَ إلهً لأنه مألوهٌ.
والمألُوهُ مفعول من المصدر وهو الإلهَةْ.
والإلهة مصدر أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهَةً وأُلُوهَةً إذا عَبَدَ مع الحب والذل والرضا.
فإذاً صارت كلمة الإله هي المعبود، والإلهة والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا.
فصار معنى الإله إذاً هو الذي يُعْبَدُ مع المحبة والرضا والذل.
وهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأنَّ كلمة (إله) هذه لها اشتقاقها الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَك﴾ [الأعراف:127] يعني ويذرك وعبادتك، وأما مجيؤُها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا: لله درّ الغانيات المُدّهِ ****** سبّحن واسترجعن من تألهِ يعني من عبادتي.
فالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسَّر الإله بمعنى الرب مطلقاً.
لأنَّ الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية.
فالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم، كما قال - عز وجل - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:81-82]، وكقوله ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:5] يعني أَجَعَلَ المعبودات معبوداً واحداً.
وهذا يدلك على أنَّ هذا النفي في قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) راجعٌ إلى نفي العبادة.
وهذا القول الثاني هو قول أهل السنة وقول أهل اللغة وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعاً، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله.
وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يعني لا معبود بحق إلا الله جل جلاله.

[المسألة الثالثة] : راجعة إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ما معناها؟ معناها: لا معبود حق إلا الله - عز وجل -. وكما هو معلوم الخبر في قوله (لا)، خبر (لا) النافية للجنس محذوف (لا إله)، ثم قال (إلا الله).
وحذْفُ الخبر؛ خبر (لا) النافية للجنس شائع كثير في لغة العرب كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لاَ عَدْوىَ، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ، وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُولَ)1فالخبر كله محذوف.
وخبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا وبشيوعٍ إذا كان معلوما لدى السامع، كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور: وشاع في ذا الباب -يعني باب لا النافية للجنس: وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ ****** الخَبَر إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَر فإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط.
وسبب الإسقاط؛ إسقاط كلمة (حق)، (لا إله حق إلا الله) أنّ المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله - عز وجل -، وإنما نازعوا في أحقِّيةِ الله - عز وجل - بالعبادة دون غيره، وأنّ غيره لا يستحق العبادة.
فالنزاع لمَّا كان في الثاني دون الأول؛ يعني لمَّا كان في الاستحقاق دون الوجود، جاء هذا النفي بحذف الخبر لأن المراد مع سقوطه ظاهر وهو نفي الأحقية.
في (لا إله) صار الخبر راجعاً أو صار الخبر تقديره حق كما قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:92]، وفي الآية الأخرى قال - عز وجل - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:30]، فلما قال سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرن بين أحقّية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دلّ على أن المراد في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله - عز وجل -. فإذاً صار تقدير الخبر بكلمة (حق) صوابا من جهتين: - الجهة الأولى: أنّ النّزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.
- الجهة الثانية: أنّ الآية بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله وعلى أحقية الله - عز وجل - بالعبادة دون ما سواه.
إذا تقرر ذلك فكما ذَكَرْتُ لك الخبر مقدر بكلمة (حق)؛ (لا إله حق).
و (لا) نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة.
نفت جنس المعبودات الحقّة، فلا يوجد على الأرض ولا في السماء معبود عَبَدَهُ المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله - عز وجل - وحده وهو الذي عبده أهل التوحيد.
وتقدير الخبر بـ (حق) كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم، حيث قدروا الخبر بـ (موجود) أو بشبه الجملة بقولهم (في الوجود) (لا إله في الوجود) أو (لا إله موجود).
وهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى (الإله) لأنهم فهموا من معنى (الإله) الرب، فنفوا وجود رب مع الله - عز وجل -، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك وهي قوله - عز وجل - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:22]، وكقوله في آية الإسراء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:42]، ففسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب؛ بالرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.
إذا تقرر ذلك فنقول: إن عبادة غير الله - عز وجل - إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية.

فصول الكتاب · 115 فصل · 758 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل · 758 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةالأسئلة[المسألة الرابعة] :في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).الأسئلة:[المسألة الثانية] :ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى؟قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ).الأسئلةالأسئلةالأسئلة[المسألة الثالثة] :نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسولالأسئلة[المسألة الرابعة] :أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة.[المسألة الأولى] :أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال - عز وجل - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:[المسألة الخامسة] :أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم - عز وجل - عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضاً،الأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلة:قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا - عز وجل - مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ.)الأسئلة[المسألة الثانية] :متى وقع الإسراء والمعراج؟الأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:الأسئلةالأسئلة:[المسألة العاشرة] :1الأسباب التي بها يُحَصِّل المرء المسلم شفاعة نبيهالأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلةقوله (وَفَوْقَهُ)الأسئلةالأسئلةالأسئلة:الأسئلة[المسألة الخامسة] :الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله -الأسئلة.[المسألة الثانية] :الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله -[المسألة الخامسة] :من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين،(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)الأسئلة.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الحادية عشرة] :قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة.الأسئلةالأسئلةنَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.[المسألة الأولى] :أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:[المسألة الثانية] :الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً.[المسألة الثالثة] :الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء.الأسئلةالأسئلة:الأسئلة:[المسألة الثالثة] :الله - عز وجل - وليٌّ للعبد، والعبد أيضاً وليٌّ لله - عز وجل -،[المسألة الرابعة] :الأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:- مقتصدون.- وسابقون مُقَرَّبون.الأسئلة[المسألة الثانية1] :هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟الأسئلة[المسألة الخامسة] :من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:[المسألة السادسة] :الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي.قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)[المسألة الثالثة] :قوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إماماً مُرَتَّبَاً، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة.الأسئلةالأسئلة[المسألة الثانية] :قوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة؛[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين.[المسألة الرابعة] :الروح والبدن ذكر العلماء أن لها أربعة1أنواع من التعلق
[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه.
الأسئلةالأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:[المسألة الثانية] :لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ،[المسألة الثانية] :عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَالأسئلةالأسئلة:[المسألة التاسعة] :الكرامة إذا أعطاها الله - عز وجل - الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة.الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةقوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) :الأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :عِظَمِ شأن الدعاء،الأسئلة
جارٍ التحميل