قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا - عز وجل - مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ.)
قال بعدها (وَتَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ.)1
[المسألة الأولى] : أنَّ طائفة من العلماء لما ذَكَرُوا الاستواء على العرش لله - عز وجل - سُئِلُوا: بحدٍّ؟ قالوا: بحد.
وهم طائفة من أئمة أهل السنة كابن المبارك والثوري وجماعة من الأئمة، وهذا يُوَجَّه بأنَّ استعمالهم لفظ (الحد) مع أنه لم يأتِ في الكتاب والسنة لأجل أن يبطلوا دعوى الجهمية في أنَّ الله في كل مكان.
وإذا احتاج المُوَحِّد لبيان عقيدته في المناظرة إلى كلمات تُوضِح الأمر فإنه لا بأس باستعمالها للمصلحة؛ لكن لا تُثْبَتُ عقيدةً مُستقِلة.
يعني إذا جاء أحد يقول: ما هي عقيدتك؟ فلا تقل: عقيدتي أنَّ الله مستوى على عرشه بحد.
إنما نقول: هو - عز وجل - مستوٍ على عرشه.
إذا احتيج إلى ذلك في مقامه فقد يُقال ذلك؛ لأنَّ لفظ (بحد) يعني أنه ليس مختلطاً بخلقه - جل جلاله -. فهو سبحانه الحدود والغايات التي تنتهي إليها صفاته كما قال (تَعَالَى عَنِ)، لأنَّ الله سبحانه ليس لصفاته حد يعلمه البشر.
قال (تَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ) يعني المعلومة (وَالْغَايَاتِ) المعلومة.
[المسألة الثانية] : يُشْكِلْ على هذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره وهو قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الرب - عز وجل - «حِجَابُهُ النّورُ.
لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»1، فهل معنى ذلك أنَّ البصر محدود بالخلق؟ والجواب عن ذلك: أنَّ هذا إحالة على -يعني في قوله «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» - في أنَّ الإحراق إحراق السبحات لما انتهى إليه البصر.
والبصر لا ينتهي لحد، فكذلك الإحراق لا ينتهي لحد.
فإذاً هو بناء شيء على شيء، فلا يُثْبَتْ الثاني لأجل ورود الأول بل الثاني مَنْفِي فكذلك الأول نقول ليس له حد.
«مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» الله - عز وجل - ينْفُذُ بصره في جميع بريته ـ، وكل ما سواه - عز وجل - مخلوق.
فإذاً بصره ينتهي في جميع مخلوقاته، فإذاً لو كَشَفَ الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل مخلوقاته.
فإذاً هذا ليس فيه إثبات الحد والغاية، وإنما هذا فيه إثبات أنه - عز وجل - مُطْلَق في اتصافه بصفاته لا حد؛ يعني لذلك يُثبت؛ بل نقول: هو سبحانه كامل في صفاته.
قال (وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ)