[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين.
(بِقَبْضِ أَرْوَاحِ العَالَمِينَ) يعني من له روح من المكلفين دون غيرهم، وذلك لِدِلَالَةْ ظاهر الآية على ذلك بقوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ الخطاب للمُكَلَّفين من الجن والإنس.
ولفظ (العَالَمينَ) له في القرآن عدة إطلاقات: 1- الإطلاق الأول: وهوالمعروف وهو أنه اسم لكل ما سوى الله - عز وجل -، وهذا هو الذي يُذْكَرْ عند قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول العلماء: العالمون اسم لكل ما سوى الله - عز وجل -، فكل ما سوى الله عَالَمْ وأنا واحِدٌ من هذا العالم.
لكن هذا الاستدلال أو هذا التفسير ليس تفسيراً وحيداً؛ يعني ليس إطلاق لفظ (العَالَمينَ) على هذا المعنى فقط، فإنَّ العالمين كلفظ في الكتاب والسنة يطلق على هذا المعنى ويُطْلَقُ إطلاقات أُخَرْ.
2- الإطلاق الثاني: أنَّهُ يراد بـ (العَالَمينَ) الناس الذين تُشَاهِدُهُم، كما في قوله - عز وجل - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾، ومعلومٌ أنَّ ﴿الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ لا يشمل الملائكة لأنهم ليسوا بإناث ولا يشمل الجن لأنهم لا يدخلون في هذا اللفظ.
فقوله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ يعني به - عز وجل - أو معنى الآية يعني الناس الذين يأتُونَهُم ويَرَونَهُم.
3 - الإطلاق الثالث: يأتي لفظ (الْعَالَمِينَ) ويُرَادُ به أهل الزمان الواحد من الإنس والجن، أهل الزمان الواحد يقال لهم عالمَوُنْ، وهذا يُسْتَدَلُّ عليه بقول الله - عز وجل - ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:32]؛ يعني بهم بني إسرائيل اخْتِيرُوا على العالمين المراد بهم أهل الأرض في ذلك الوقت، أهل ذلك الزمان من الجن والإنس، وقد اختار الله - عز وجل - بني إسرائيل على علم لأنَّهم أصلح ذلك الزمان.
وهذه الإطلاقات الثلاث موجودة أيضاً في السنة.
ومن أهل العلم من يُقَسِّمْ هذا التقسيم ومنهم من يقول إنَّ المراد هو الأول فقط.
وهذا الإطلاق الأول (عَالَمْ) وهو أنَّ كل ما سوى الله - عز وجل - عَالَمْ وأنا واحد من هذا العالم، هذا عامٌّ يُرَادُ به الخصوص في مواضع.
وهذا وَجْهْ هو قوي وواضح؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على إخراج بعض ما دل عليه العموم، فقول الله - عز وجل - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ معلومٌ أنَّهُ لا يدخل فيهم الجن ولا يدخل فيهم من ليس مُشَاهَدَاً لهم إلى آخره، فلم يأتوا كُلَّ ذَكَر وإنما أَتَوا بعض الذكور الذين رَأَوهُمْ، فيكون هذا من العام الذي أُرِيْدَ به الخصوص، كذلك قوله ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يُرَادُ به العَالَموُن الذين في زمانهم فهذا من العام المخصوص؛ لأنهم لم يُفَضَّلُوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يُفَضَّلُوا على الملائكة فيكون هذا من العام المراد به الخصوص.
المقصود من ذلك أنَّ قوله هنا (الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) يُرَادُ به العالَمون الذين لهم روح ومن المكلّفين.
نقف عند هذا إن شاء الله تعالى، ونكمل غَدَاً بإذن الله.
وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ.
وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا
1 - قول الله - عز وجل - لمَّا ذَكَرَ آل فرعون قال ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:46]. 2 - وقال أيضاً - عز وجل - ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:101]. 3 - وقال - عز وجل - أيضاً ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال:50-51]. 4 - في آية الأنعام ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:93] فقوله - عز وجل - هنا ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ هذا متعلقٌ بإخراج الرُّوحِ من بدن الكافر، و ﴿الْيَوْمَ﴾ دِلَالَة على بداية العذاب وهو بداية الحياة البرزخية. 5 - وكذلك من الأدلة في القرآن قول الله - عز وجل - ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:48]، ويَعْنِي بـ ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ العذاب الأكبر يوم القيامة، وهو ما يكون في البرزخ، وهكذا في أنواعٍ من الأدلة. وهذه كما ذكرنا لك ربما تَأَوَّلَهَا المُعَارِضُ من الفِرَقِ الضالة؛ لكن كثرتها وظهور كلام السلف فيها يدلّ على أنها في عذاب القبر والبرزخ. وأما السنة فهي كثيرة جدا منها: 1 - قوله صلى الله عليه وسلم «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».1
2 - ومنها «أنَّ المسؤول في القبر إذا أجاب بالإجابة الصائبة فيُفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها ونسيمها، إلى آخره، وأما الذي لم يُحسن الجواب أو الكافر أو الفاجر أو المنافق فيُفتح له باب إلى النار فيأتيه من حَرِّهَا وسمومها»2إلى آخره.
3 - ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما مَرَّ على قبرين «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير»3فأثبت أنهما يعذبان. 4 - وذكر صلى الله عليه وسلم أنَّ المسؤول «يُضْرَبْ إذا لم يحسن الجواب بمطرقة أو بمِرْزَبَّةٍ من حديد يسمعها من يليه إلا الجن والإنس».4
5 - وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم «لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر».5
6 - ومنه أيضاً سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة بأنواع الأدعية للميت أن يقيه الله - عز وجل - عذاب القبر، وربما دعا لصغير لم يبلغ الحلم أن يقيه الله عذاب القبر.6
والأدلة في السنة على هذا كثيرة جداً كما ذكرنا تبلغ مبلغ التواتر المعنوي المختلف.
فإذاً الأدلة على ذلك من الكتاب متنوعة، ومن السنة متواترة، وهذا يُثبت هذا الأصل العظيم، ويكون فيه أعظم رد على المخالفين من الفِرَقِ الضالة.
إذا تبيَّن ما قرَّرَهُ هنا الماتن نذكر هاهنا عدَّة مسائل:
[المسألة الأولى] : قوله (بِعَذَابِ الْقَبْرِ) عذاب القبر اسم1لما بعد الموت، وقيل عنه عذاب القبر تَغْلِيباً، وقد يكون عذاباً في القبر وقد يكون عَذَابَاً في غير القبر.
يعني أنَّ من فارَقَتْ روحه جسده فإنَّهُ إمَّا أن يُنَعَّمْ وإما أن يُعَذَّبْ، وغالب الناس من جميع الملل والنِّحَلْ والديانات يُقْبَرون، فلذلك صارت سِمَةً للمسألة اسم نعيم القبر أو عذاب القبر، وإلا فحقيقتها عذاب البرزخ ونعيم البرزخ؛ لأنَّ الحياة المقصود بالتَّنَعُّمِ أو العذاب فيها هي الحياة الثانية وهي الحياة البرزخية.
فالحياة ثلاث: - الحياة الدنيا.
- والحياة البرزخية.
- والآخرة.
والمقصود هنا الحياة البرزخية ولذلك من دُفِنَ أو من لم يُدْفَنْ وأُحْرِقَ وذُرَّ أو من أُكِل فَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ أو مَنْ رُمِيَ في البحر ولم يُقْبَرْ أو إلى آخره، أو من رُفِعَ في مكان ولم يُجْعَلْ تحت الأرض في قبر، فالجميع صاروا إلى حياةٍ برزخية.
فإذاً قول العلماء عذاب القبر أو ما جاء في الدليل في بعض النصوص من تسميته عذاب القبر هذا من باب التغليب؛ لأنَّ غالب الناس يُدْفَنُون.
وقوله هنا (لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا) يعني بِحَسَبِ عِلْمِ الله - عز وجل - فيه، فمن هُوَ أهل للعذاب عُذِّبْ، ومن هو أهل للنعيم صار في نعيم.
[المسألة الثانية] : عذاب القبر مُسَلَّطٌ على الإنسان المُكَلَّفْ، والإنسان المُكَلَّفْ اسْمْ لِرُوحِهِ وجَسَدِهِ، ولذلك الأدلة التي دَلَّتْ على حصول عذاب القبر تتناول الروح والجسد معاً، فالعذاب والنعيم يقع على الروح ويقع على الجسد.
يقع على الروح مُتَّصِلَةً بالجسد بنوع من الاتصال الذي يصلح للحياة البرزخية، ويقع على الروح مُجَرَّدَة، وربما على البدن مُجَرَّدَاً؛ يعني على البدن وحده ونحو ذلك.
ذكر هذا طائفة من العلماء لأجل دِلَالَةْ النصوص على هذا وهذا.
والظاهر أنَّ العذاب والنعيم وما يحصل في البرزخ يقع على الإنسان بروحه وجَسَدِه؛ لكن تَعَلُّقْ الروح بالجسد هنا يختلف، لهذا صار قول أهل السنة والجماعة أنَّ العذاب يقع على الروح وعلى الجسد، وأنَّ النعيم أيضاً في المقابل للروح وللجسد.
[المسألة الثالثة] : المخالف في تَعَلُّقْ الروح بالبدن هنا ربما كان من المنتسبين للسنَّة، فمن المنتسبين للسنة من العلماء من يقول العذاب على الروح والنعيم للروح وأما البدن فإنه لا يُعَذَّبْ ولا يُنَعَّمْ كما ذكرنا، ولهذا صارت أقوال أهل السنة في هذه المسألة؛ يعني المنتسبين للسنة ثلاثة أقوال: 1- القول الأول: قول أهل السنة الذي دَوَّنوه في عقائدهم وقَرَّرَهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّ العذاب -كما ذكرنا- والنعيم يقع على الروح والجسد معاً على هذا وهذا.
2- القول الثاني: أَنَّهُ على الروح فقط دون الجسد، وهذا قول طائفة منهم ابن حزم، وطائفة من المعتزلة والأشاعرة وجماعة، هذه إضافة المعتزلة والأشاعرة، وأقوال أهل السنة يدخل فيها ابن حزم.
3- القول الثالث: أَنَّ العذاب والنعيم يكون للروح والبدن ما دام باقياً، وأما إذا تحلل فإنه يكون العذاب والنعيم للروح فقط.
وظاهر الأدلة كما ذكرنا هو الأول وهو الذي قَرَّرَهُ الأئمة وللمسألة تفصيل وردود على ابن حزم وعلى غيره تُطْلَبْ من المطولات.