شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائلصفحات 529-568
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه.

صفحات 529-568

فيقولون: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فأمَّا المؤمن المُسَدَّدْ الصالح يُثَبِّتُهُ الله - عز وجل - بالقول الثابت ويقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما الفاجر المنافق فإنه يقول: ها ها، ها ها -يعني لا أعلم أو لا يُحْسِنْ الجواب- سمعت الناس يقولون شيئا فقلته؛ يعني لا يُلْهِمُهُ الله - عز وجل - حُسْنَ الجواب ولا يثبته عند السؤال.
والرب المسؤول عنه هنا (من ربك؟) المقصود به المعبود.
(من ربك؟) يعني من تعبد، فالربوبية هنا بمعنى العبادة؛ لأنَّ الربوبية في النصوص تُطْلَقُ ويُرَادُ بها الألوهية في مواضع إذا دَلَّ عليها السياق، وهنا الحال يقتضي أنَّ السؤال ليس هو عن الخالق الرازق المحيي المميت الذي يجير ولا يجار عليه؛ لأنَّ هذه يُقِرُّ بها الجميع، والسؤال عن العبادة لأنها هي محل الابتلاء، فمعنى (من ربك؟) يعني من تعبد؟ ثم سؤال الثاني (ما دينك؟) يعني الذي تدين به، فإن كان يدين بعبادة الله وحده لا شريك له، بالإسلام أخبر بذلك، وإن كان يدين بعبادة الأوثان أخبر عن نفسه فيكون إقراراً على نفسه بعبادة غير الله - عز وجل -، وهكذا في السؤال الثالث.

[المسألة الثانية] : هذا السؤال هل هو مختص بهذه الأمة أم هو لجميع الأمم؟ هذه بَحَثَها العلماء، ولهم أقوال.
والقول الظاهر الصحيح منها أنَّ هذا السؤال لهذه الأمة ولجميع الأمم، فالجميع يُسْأَلُ إذا أُدْخِلَ القبر لأجل عدم ورود التخصيص.
وأما ما جاء في بعض الأدلة من بعض الأحاديث «إنه أوحي إلي أن هذه الأمة تبتلى في قبورها»1هذا لا يقتضي التخصيص؛ لأنَّ هذا ليس له مفهوم مخالفة، فإثباته لهذه الأمة لا يعني أنها مخصوصة بذلك.

[المسألة الثالثة] : سؤال منكر ونكير، هل يكون للكافر أم لمن أجابَ النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً؟، أيضاً اختلف فيها علماء السنة على أقوال.
والصحيح منها أنَّ السؤال -لا نطيل الكلام فيها تجدونها في الكتب المطولة- والصحيح أن السؤال يكون لكل مُكَلَّفْ -من المسلمين المؤمنين، ومن المنافقين، ومن الكفار-، وهذا يدل له ورود لفظ الكافر في بعض روايات حديث البراء فيقول «وأما الكافر أو الفاجر»1، وفيها «أما المنافق أو الفاجر» فَذُكِرَ في الروايات المنافق والفاجر والكافر، وهذه سواء حملناها على ورودها بالمعنى أو أنَّ الجميع محفوظ؛ لكن التخصيص ليس له وجه، فالجميع يُسأل عن هذه المسائل؛ لأنها هي فاتحة ما سيكون بعدها في الحياة البرزخية.

قال رحمه الله بعد ذلك (وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ)

قال رحمه الله بعدها (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ).

[المسألةالأولى] : قوله (نُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وَجَزَاءِ الأعْمَالِ) لمَّا عَطَفْ دَلَّ على أنه يريد بالبعث بعض ما يكون في اليوم الآخر، وهو بعث الناس من قبورهم.
والذي دلّت عليه الأدلة أنَّ الله - عز وجل - يأمر المَلَكْ فينفخ في الصور نفخة الصعق فيَصْعَقْ الناس وتموت الخلائق، ثم تمضي أربعون بعد النفخة الأولى ثم يأمر الملك فينفخ نفخة ثانية -وقبلها يأمر الله - عز وجل - الأرواح فتجتمع في الصور الذي ينفخ فيه الملك-، فينفخ فتذهب الأرواح جميعاً من هذا القرن العظيم، والذي ينفخ فيه إسرافيل، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، روح كل إنسان إلى جسده.
قبل هذا فيما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية تحصل أشياء حتى تحصل حياة الإنسان من جديد وهي أنَّ الله - عز وجل - يُغَيّر الأرض ويُغَيّر معالمها، وتُسَيَّر الجبال وتُدَكْ، والأرض تكون مستوية وتُعَدْ لمسير الناس إلى أرض محشرهم، ويُمْطِرُ الله - عز وجل - مطراً تنبت منه الأجساد شيئاً فشيئاً حتى تتكامل، وتُخرج الأرض أثقالها من المدفونين، ثم بعد ذلك تكون الأجسام كالأشجار بلا أرواح.
فينفخ إسرافيل فتعود الأرواح فتهتزُّ تلك الأجسام فإذا هم قيام ينظرون.
هنا يعني هو الظاهر من مراد الطحاوي بالبعث، يعني قيام الأجساد من القبور.
وهذا الأدلة عليه في الكتاب والسنة كثيرة كقوله - عز وجل - مثلاً في القرآن ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:68-69]، وكقوله - عز وجل - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:51-52] إلى آخره، وكقوله ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:85-86]، ونحو ذلك من الأدلة، ثم بعد البعث يسير الناس إلى محشرهم.

[المسألة الثانية] : في قوله (جَزَاء الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الجزاء المراد به المُجَازَاةْ؛ يعني أنهم يُجْزَونَ على أعمالهم الصالحة ويُجْزَونَ على أعمالهم السيئة، على هذا وهذا.
والجزاء لا يكون بعد البعث مباشرة؛ بل يكون متأخراً، ولهذا الطحاوي هنا لم يُرَتِّبْ ما يحصل يوم القيامة الشيء بعد الشيء مما يكون في ذلك اليوم العظيم، وإنما قَدَّمَ وأَخَّرْ بحسب أغراضٍ له في ذلك-يأتينا الترتيب إن شاء الله في مسألة لاحقة-.
الجزاء بمعنى المجازاة ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني بعد أن يُقَرَّرَ على أعماله ويحاسب والوزن إلى آخره يُجْزَى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

[المسألة الثالثة] : في قوله (الْعَرْض) العرض جاء في الأدلة ذِكْرُهُ نصاً ومعنىً كقوله - عز وجل - ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:18-19] الآيات ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ هذا العرض. وكذلك ما جاء في السنة من قوله صلى الله عليه وسلم «عرضتان جدال ومعاذير».1
فالعرض على الرب - عز وجل - كثير في القرآن وفي السنة ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً﴾ [الكهف:48] ونحو ذلك.
العرض معناه: أنْ يُعْرَضَ المُكَلَّفْ وأن يُعْرَضَ عمل المكلف.
فهناك عرْضٌ للمُكَلَّفِين على رب العالمين، ثُمَّ رب العالمين يَعْرِضُ أعمال كل مُكَلَّفْ عليه.
ومعنى العرض أنه يُقَالُ له: عملت كذا في يوم كذا، يعني يعرض عليه أنه عملت وعملت وعملت إلى آخره، فيُعْرَضُ الإنسان ويُعْرَضُ عمله بحيث يراه، وقد يُجَادِلْ وقد يعتذر إلى آخره ثم يكون بعد ذلك الكتاب والحساب إلى آخره.

[المسألة الرابعة] : في قوله (الْحِسَاب) الْحِسَاب المقصود منه المحاسبة، يعني بعد أن يقرأ الكتاب فإنه يُحَاسَب هذا خير سَتُجْزَى عليه وهذا شرٌ سَتُجْزَى عليه، يحاسب الله - عز وجل - المؤمن حسابَاً يسيراً، ويحاسب الكافر والمنافق حساباً عسيراً.
والحساب من حيث هو تقريرٌ للعمل مع الجزاء والعقاب هذا يكون بعد أخذ الكتاب وقبل أخذ الكتاب؛ لأنَّ حقيقة المحاسبة أنَّ الله - عز وجل - يُحَاسِبُهُم على ما عَمِلُوا بعرض ما عملوا من خيرٍ أو شر، وهذا يكون بالشهادة عليه من جسده ومن الكتاب، ويكون قبل ذلك بذكر الله - عز وجل - له.
وهذا كله يحصل في سرعةٍ خاطفة، كما قال - عز وجل - ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:62] قال علماء التفسير: يحاسب الخلائق في ساعة، جميع الخلائق في ساعة ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؛ يعني تكون المحاسبة بسرعة لهذا وهذا جميع الخلائق.

[المسألة الخامسة] : في قوله (وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ) ويعني بالكتاب الصحف التي كُتِبَتْ فيها أعماله وهو الكتاب الذي يلقاه العبد يوم القيامة منشوراً ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:13-14]1: [[الشريط الثامن والثلاثون]] : وهذا الكتاب هو الصحف.
والصحف هذه تُنْشَرْ للإنسان وتُوَزَع على الناس في الموقف؛ يعني أنَّ الناس في ذلك الموقف تُنْشَر لهم السِّجِلَّاتْ والكتب، ويُؤْمَرُون بأخذها وتتطاير أيضاً إليهم؛ يعني على اختلاف الصفات فمن آخذٍ كتابه بيمينه وآخذٍ كتابه بشماله وراء ظهره.
فقِرَاءَةْ الكتاب، العبد يَقْرَأ والله - عز وجل - يُقَرِّرْ العبد على ما عَمِلْ حتى يكون عليه شاهداً.

[المسألة السادسة] : في قوله (وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب) يعني بعد الوزن؛ لكن هنا أراد الإيمان بأنَّ هذه الأشياء حاصلة لأجل ورود الدليل بها؛ بل معنى البعث إنما هو حصول الثواب والعقاب، فحَقِيْقَةْ معنى يوم البعث واليوم الآخر أن يُثَابْ المطيع وأن يُعَاقب الكافر.

[المسألة السابعة] : في قوله (الصِّرَاط) الصراط هو الطريق، والصراط طريق موضوع على ظهر جهنم؛ يعني فوقها -فوق جهنم-، وهو طريق يُوصِلُ من العَرَصَات من أرض المحشر إلى ساحات الجنة؛ يعني ما قبل دخول الجنة.
وهذا العبور على الصراط هو المذكور في قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:71-72]. والصراط جاءت صفته في السّنّة، وجاء ذِكْرُهُ مُجملاً في القرآن.
أما صفته في السنة فإنه: دقيق جداً وطويل، وأنَّ على جَنَبَاتِهِ كلاليب تخطَفُ من قضى الله - عز وجل - أن يكون من أهل النار، وأنَّ الناس في العبور عليه يخافون خوفاً شديداً، فالأنبياء يقولون قبل العبور اللهم سَلِّم سَلِّم.
ودون هذا الصراط ظُلْمَةْ لا يَتَبَيَّنْ أحد ممن يريد أن يعبر طريق الصراط إلا المؤمنين بما فيهم العصاة.
وأما الكافرون والمنافقون فإنهم يجتمعون في الظلمة ويسيرون ويتهافتون في النار تهافت الجراد.
وغير ذلك مما جاء في وصفه وأنه أَدَقُّ من الشعرة وأحَدُّ من السيف، إلى آخره.
وهذه الصفات أنكرها المعتزلة وأنكرها العقلانيون والفلاسفة، وقالوا: هذه لا يُعْقَلْ أن يكون الطريق من صفته كذا وكذا.
وإذا كان هذا الأمر قد جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وثَبَتَتْ به السنة فالإيمان به واجب على نحو ما ورد على ما ذكرنا لكم من أنَّ عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة.

[المسألة الثامنة] : في قوله (الْمِيزَان) الميزان ذَكَرَهُ الله - عز وجل - في كتابه وجاء في السنة وصفه وذِكْرُهُ، فالإيمان به واجب. والميزان حقيقةً وليس هو العدل كما تقوله المعتزلة؛ لأنَّ المعتزلة أنكروا حقيقة الميزان -كما سيأتي-، وقالوا: الميزان هو العدل مطلقاً، الله يحاسبهم بالعدل. والله - عز وجل - بَيَّنْ أنَّ الميزان يوزن فيه العمل ولو كان مثقال ذرة، قال - عز وجل - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47]، وقال - عز وجل - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:102-103] الآية، وقال - عز وجل - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:8]، الآية التي ذكرت لكم في الأعراف ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الوزن والموازين. والميزان هنا أفرده قال (وَالْمِيزَانِ) وهو قولٌ لكثيرٍ من العلماء بأنه يوم القيامة ليس ثَمَّ إلا ميزان واحد، وأنَّ الجمع هنا في بعض الآيات في قوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أنَّ هذا على تعدد الموزونات وليس على تعدد الموازين. والصحيح أنَّ الموازين متعددة لأنَّ الله - عز وجل - جَمَعَهَا فقال ﴿نَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ وهذا ظاهِرٌ في إرادة الموازين حقيقة وليست الموزونات؛ لأنَّ الموزونات لا يقال عنها إنها تُوضَعْ، قال ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ والموزونات لا توصف بأنها تُوضَعْ ولا تُوصَفْ بأنها قسط أيضاً. فإذاً ﴿الْقِسْطَ﴾ يعني العادلة التي لا تظلم في الوزن هذه متعددة على ظاهر الآية. وجاء في السنة أنَّ الميزان له كِفتان: كفة توضع فيها السيئات وكفة توضع فيها الحسنات، فمن ثقلت كفة حسناته أفْلَحْ وأَنْجَحْ ودَخَلَ الجنة، ومن ثقلت كفة سيئاته فهو مُعَرَّضٌ لوعيد الله - عز وجل -. قال بعض العلماء من السنة في عقائدهم: إنَّ الميزان له كفتان وله لسان. وكون الميزان له لسان كما ذكره ابن قدامة في اللمعة وذكره غيره، هذا لا أحفظ فيه دليلاً واضحاً -أو ما اطَّلَعْتُ فيه على دليل واضح-؛ لكن أخذوه من أنَّ ظاهر الوزن في الرُّجْحَان يتبين باللسان، فأَعْمَلُوا ظاهر اللفظ وجعلوا ذلك مثبتاً لوجود اللسان، فينبغي أن تكون محل بحث. الذي يوزن في الميزان ثلاثة أشياء: 1 - يوزن الإنسان نفسه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ضَحِكُوا من دقة ساقي عبد الله بن مسعود قال «أتضحكون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من أحد».1
2 - ويوزن أيضاً العمل، فالعمل الصالح يُوضَع في كفة، والعمل السيئ يوضع في كفة.
3 - ويوزن أيضاً صحائف العمل، الصحائف التي تُكْتَبُ فيها الأعمال توزن.
وهذا من عِظَمِ عدل الله - عز وجل - وعِظَمِ إرادته أن يقطع عن العبد العذر، وأن يكون حجة العبد عليه من نفسه وعمله وصحائف عمله.

[المسألة التاسعة] : وهذه المسألة في ترتيب هذه الأشياء يوم القيامة، وهي مسألة مهمة.
فإنَّ ما يحصل يوم القيامة وما يكون فيه الذي جاء في الكتاب والسنة أشياء كثيرة، مثل ما ذَكَرْ قيام الناس، الحوض، الميزان، الصحف، الحساب، العرض، القراءة، تطاير الصحف، الكتاب، الصراط، الظلمة، وهذه أشياء متنوعة، فكيف ترتيبها؟ الظاهر والذي قرَّرَهُ المحققون من أهل العلم أنَّ ترتيبها كالتالي: 1 - إذا بُعث الناس وقاموا من قبورهم ذهبوا إلى أرض المحشر، ثم يقومون في أرض المحشر قياماً طويلا، تشتد معه حالهم وظمؤُهُم، ويخافون في ذلك خوفاً شديداً؛ لأجل طول المقام ويقينهم بالحساب وما سيُجري الله - عز وجل - عليهم.
2 - فإذا طال المُقام رَفَعَ الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم أولاً حوضه المورود، فيكون حوض النبي صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة إذا اشتد قيامهم لرب العالمين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
فمن مات على سنّته غير مًغَيِّرٍ ولا مُحْدِثٍ ولا مُبَدِّلْ وَرَدَ عليه الحوض وسُقِيَ منه فيكونُ أول الأمان له أن يكون مَسْقِيَاً من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها يُرْفَعُ لكل نبي حوضه، فيُسْقَى منه صالح أمته.
3 - ثم يقوم الناس مُقاماً طويلاً ثم تكون الشفاعة العظمى -شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم- بأن يُعَجِّلَ الله - عز وجل - حساب الخلائق في الحديث الطويل المعروف أنهم يسألونها آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم إلى آخره، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون له: يا محمد، ويصِفُونَ له الحال وأن يقي الناس الشدة بسرعة الحساب، فيقول صلى الله عليه وسلم بعد طلبهم اشفع لنا عند ربك، يقول «أنا لها، أنا لها»، فيأتي عند العرش فيخر فيحمد الله - عز وجل - بمحامد يفتحها الله - عز وجل - عليه، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ.
فتكون شفاعته العظمى في تعجيل الحساب.14 - بعد ذلك يكون العرض -عرض الأعمال-.
5 - ثم بعد العرض يكون حساب.
6 - وبعد الحساب الأول تتطاير الصحف، والحساب الأول من ضمن العرض؛ لأنه فيه جدال ومعاذير، ثُمَّ بعد ذلك تتطاير الصحف ويُؤْتَى أهل اليمين كتابهم باليمين وأهل الشمال كتابهم بشمالهم فيكون قراءة الكتاب.
7 - ثم بعد قراءة الكتاب يكون هناك حساب أيضاً لقطع المعذرة وقيام الحجة بقراءة ما في الكتب.
8 - ثم بعدها يكون الوزن، الميزان، فتوزن الأشياء التي ذكرنا.
9 - ثم بعد الميزان ينقسم الناس إلى طوائف وأزواج؛ أزواج بمعنى كل شكل إلى شكله، وتُقَامْ الألوية -ألوية الأنبياء- لواء محمد صلى الله عليه وسلم، ولواء إبراهيم، ولواء موسى إلى آخره، ويتنوع الناس تحت اللواء بحسب أصنافهم، كل شَكْلٍ إلى شكله.
والظالمون والكفرة أيضاً يُحْشَرُونَ أزواجاً يعني متشابهين كما قال ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات:22-23]؛ يعني بأزواجهم يعني أشكالهم ونُظَرَاءَهُمْ، فيُحْشَرْ علماء المشركين مع علماء المشركين، ويُحْشَرْ الظلمة مع الظلمة، ويُحْشَرْ منكري البعث مع منكري البعث، ويُحْشَرْ منكري الرسالة وهكذا في أصناف.
10 - ثُمَّ بعد هذا يَضْرِبُ الله - عز وجل - الظُّلمة قبل جهنم والعياذ بالله، فيسير الناس بما يُعْطَونَ من الأنوار، فتسير هذه الأمة وفيهم المنافقون، ثُمَّ إذا ساروا على أنوارهم ضُرِبَ السُّور المعروف ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد:13-14] الآيات، فيُعْطِيْ الله - عز وجل - المؤمنين النور فيُبْصِرُون طريق الصراط، وأما المنافقون فلا يُعْطَون النور فيكونون مع الكافرين يتهافتون في النار، يمشون وأمامهم جهنم والعياذ بالله.
11 - ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم أولاً ويكون على الصراط، ويسأل الله - عز وجل - له ولأمته فيقول: «اللهم سلّم سلم، اللهم سلّم سلم».
فَيَمُرْ صلى الله عليه وسلم وتَمُرُّ أمته على الصراط، كُلٌ يمر بقدر عمله ومعه نور أيضاً بقدر عمله، فيمضي مَنْ غَفَرَ الله - عز وجل - له، ويبقى في النار يسقط في النار في طبقة الموحّدين من شاء الله - عز وجل - أن يُعَذبه.
ثم إذا انتهوا من النار اجتمعوا في عَرَصَات الجنة يعني في السّاحات التي أعدها الله - عز وجل -؛ لأن يُقْتَصَّ أهل الإيمان بعضهم من بعض ويُنْفَى الغل حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل.
12 - فيدخل الجنة أول الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقراء المهاجرين، فقراء الأنصار إلى آخره ثم فقراء الأمة، ويُؤَخَرْ الأغنياء لأجل الحساب الذي بينهم وبين الخلق ولأجل محاسبتهم على ذلك.
إلى آخر ما يحصل في ذلك مما جاء في القرآن العظيم.

أسأل الله - عز وجل - أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة، وأن يعيذنا من سَخَطِهِ والنار.
اللهم لَقِّنَّا حُجَّتَنَا في القبور واجعلنا ممن يأخذه كتابه باليمين وتُحَاسِبُهُ حساباً يسيراً يا أكرم الأكرمين.
أسأل الله - جل جلاله - لي ولكم ولأحبابنا جميعاً ولمن له حق علينا المغفرة والرضوان، وأن لا يؤاخذنا بسيئات أعمالنا وأن يغفر لنا ذنوبنا فإنه سبحانه أهل للجود والكرم والمغفرة والرحمة.
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.

وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ

[المسألة الأولى] : قوله (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ) يعني به أنَّ خَلْقَهُما قد تَمَّ، ليس موقوفاً على قيام الساعة، وليس حال الجنة والنار كحال السموات والأرض ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:48]، فذاك شان والجنة والنار شأنهما آخر، فهما مخلوقتان يعني الآن حين قال وحين بعث الله نبيه وقبل ذلك، فهما مخلوقتان لا يُعْلَمُ متى خَلَقَهُمَا الله - جل جلاله -، وإنما خَلَقَهُمَا الله - عز وجل - قبل خَلْقِ الخَلْقْ -يعني قبل خلق آدم قبل خَلْقِ المُكَلَّفِين- وهذا يدلّ عليه قوله ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:35، الأعراف:19] والألف واللام في ﴿الْجَنَّةَ﴾ للعهد يعني الجنة المعهودة التي هي دار النعيم.

[المسألة الثانية] : قوله (لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ) يعني أنَّ الجنة خُلِقَتْ للبقاء والنار خُلِقَتْ للبقاء، وهذا هو الذي دَلَّ عليه القرآن والسنة؛ لأنَّ أهل الجنة خالدين فيها أبداً، وأنَّ أهل النار خالدين فيها أبداً، قال - عز وجل - في ذكر النار ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:63-65]، وفي الجنة آيات كثيرة جداً فيها ذكر الأبدية، وأنَّ من دخلها فهو خالد فيها أبداً.
وهذه الأبدية في الجنة والنار معاً مما أَجْمَعَ عليه أهل السنة والجماعة؛ بأنَّ الجنة والنار مخلوقتان للبقاء أبداً.
والمقصود بالنار هنا في الإجماع جنس النار، فإنَّ الإجماع مُنْعَقِدْ على أنَّ جنس النار باقٍ أبداً.
والفِرَقْ المخالفة لهم عدة أقوال في هذه المسألة تبلغ ستة أقوال أو أكثر، وأهمها: 1- القول الأول من الأقوال الضالة: إنَّ الجنة والنار تفنيان في وقتٍ ويبقى نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار بالاستصحاب، لا بِتَجَدُدْ النعيم؛ يعني يحصل لهم نعيمٌ تَتَنَعَّمْ به أبدانهم ثم يَقِفْ، وتفنى الجنة.
وهذا منهم لأَصْلٍ أَصِّلُوه وهو أنَّ العقل اقتضى أنَّ الحركة التي تبدأ فإنها ستنتهي، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ بَدَأَ بحركة فلابد أن ينتَهِيَ بلا حركة، لهذا قالوا: أهل النار أيضاً لا يستمرون في العذاب بل تفنى النار ويبقى أهل النار ليسوا في نعيم وبذلك يَصِحُّ أنْ يُقَال عنهم إنهم في عذاب دائم.
وهذا منسوب إلى الفِرَقْ الضالة الكافرة كالجهمية وطائفة أيضاً من غيرهم.
2- القول الثاني من الأقوال الضالة: إنَّ الجنة تبقى والنار تبقى لكن النعيم ينقطع والعذاب ينقطع، ويكون الجنة يفعل الله - عز وجل - بها ما يشاء والنار يفعل الله بها ما يشاء، وهذا لأجل الأصل السابق ولأجل النظر في القَدَرْ؛ حيث إنَّ استدامة النعيم عندهم على عملٍ صالحٍ قليل لا يُوَافِقُ العدل، واستدامة العذاب على عمل سيئٍ قليل الزمن لا يوافق العدل، ولهذا نفوا هذا الأصل.
وثَمَّ أقوال أُخَرْ ليس مناسبا أن تُذْكَر في مثل هذا المكان.
أمَّا قول أهل السنة المعروف هو ما ذكرته لك من أنَّ الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان ولا تفنيان أبد الآبدين، يُنَعَّمُ أهل الجنة في الجنة أبد الآبدين، ويُعَذَّب الكفار في النار أبد الآبدين.
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال «يؤتى يوم القيامة بالموت على هيئة كبش فيُذْبَحْ بين الجنة والنار ثم ينادي المنادي يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت»1، والتنصيص على الأبدية في نعيم أهل الجنة وخلودهم فيها يدل على أنَّ المكان الذي يخلدون فيه يبقى، حيث قال - عز وجل - في الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾2، وقال في النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾3فَهُمْ خالدون في المكان فيقتضي أنَّ المكان أيضاً يبقى أبد الآبدين. * ومن أهل السنة من قال: إنَّ النار منها ما يَفْنَى وينتهي بإنهاء ربِّ العالمين له وهو طبقة أو دَرَكُ الموحّدين من النار، وهي الطَّبَقَةُ العليا من النار؛ لأنَّ الموحدين موعودون بأن يخرُجُوا من النار، فلا يَخْلُدْ في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، لابد لهم من يوم يخرجون منها؛ لأنَّ معهم التوحيد ولو طالت مدتهم، ثم تبقى تلك الطبقة لا أحد فيها فيُفنيِهَا الله - عز وجل -. وهذا منسوبٌ إلى بعض السلف، وجاء في الأثر عن عمر وفي إسناده مقال وضعف: أنَّ أهل النار لو لبثوا فيها كقدر رمل عَالجْ -موضع فيه رمل كثير-، لكان لهم يوم يخرجون منها، وليأتين عليها يوم تَصْطَفِقُ أبوابها ليس فيها أحد.4
ومما يُنسَبُ أيضاً إلى بعض أهل السنة من أئمة أهل السنة أنَّ فناء النار ممكن وأنَّ فناءها لا يمتنع، وهو القول المشهور عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وعن غيره كابن القيم وجماعة من المتقدمين أيضاً ومن الحاضرين.

وهذا القول مَنْشَؤُهُ -مع عِلْمِ هؤلاء بالدليل وبالنصوص- على وجه الاختصاص النظر في صفات الله - عز وجل -، وذلك أنَّ من المتقرر في النصوص أنَّ صفة الرحمة ذاتية ملازمة للرب - عز وجل -، والجنة من آثار رحمة الله - عز وجل - «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء»1والنار أَثَرُ غضب الله - عز وجل - والغضب صفة فعلية اختيارية لا تنقَلِبُ إلى أن تكون صفة ذاتية كالرحمة، ولو بقي أثَرُ الغضب لبقي الأصل وهو الغضب، لو بقيت النار وهو أثر الغضب لبقي الغضب أبد الآبدين، وهذا يعني أنَّهُ أصبح صفة ملازمة، وهذا هو مأخذ هؤلاء الأئمة في هذه المسألة.
وهذا فيه بحث ونظر معروف في تقرير هذه المسألة؛ لكن من بَحَثَهَا وكثيرٌ من الناس كتبوا فيها لم يلحَظُوا علاقة المسألة في قول هؤلاء بصفات الله - عز وجل -، وهي أصلُ منشأ هذه المسألة.
قد قال ابن القيم (سألت ابن تيمية عنها فقال: هذه مسألةٌ عظيمة)2، وذَكَرَ في موضع بعد أن ذَكَرَ أدلة الجمهور أهل السنة وأدلة هؤلاء، فقال في آخره: فإن قلت إلى أي شيءٍ انتهت أقدامكم في هذه المسالة العظيمة؟ قلنا انتهت أقدامنا إلى قول الله - عز وجل - ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:107]. ومما لا ينبغي أن يُخَاضَ في هذه المسألة؛ لكن لمَّا أوردها الشارح وهي مسألةٌ مشهورة عند طلبة العلم أَوْرَدْتْ عليها هذا التقرير الموجز وهي معروفة بتفاصيل من التعليل لقول ابن تيمية وابن القيم.
* ولم يُصِبْ من زَعَمْ أنه لا يَصِحْ نسبة هذا القول إلى الشيخين ابن تيمية وابن القيم.

[المسألة الثالثة] : قال في ذِكْرِ خلق الجنة والنار (خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ) وهذا مأخَذُهُ قول الله - عز وجل - ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:19]، وهذه الجنة معناه أنَّها موجودة بعد أن نُفِخَ الروح في آدم، وهذا يعني أنَّها تَقَدَّمَتْ قبل خلق آدم.
وهذه الجنة التي سكنها آدم للعلماء فيها أقوال أشهرها: - الأول: أنها جَنَّةٌ مخلوقة في الأرض وليست بجنة الخلد.
- الثاني: أنَّها الجنة المعروفة دار الكرامة عند رب العالمين.
ويُرَجِّحْ جماعة منهم ابن القيم وكثير من المفسرين من المعتزلة ومن أهل السنة أنَّ الجنة هذه ليست هي جنة الخلد، ولهم في ذلك أدلة طَوَّلَ عليها ابن القيم في أول مفتاح دار السعادة بأكثر من أربعين صحيفة في ذكر هذه المسألة.
* والصحيح أنَّ الجنة هي الجنة المعهودة لأسباب كثيرة وأدلة من القرآن ومن السنة: من أعظمها قوله - عز وجل - في وصف الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾1[طه:118-120] إلى آخر الآيات وهذه الصفات (إن لك فيها..) إلى آخره هذه ليست مناسبة للأرض، فالأرض وإنْ كان فيها مكان مرتفع جَنَّةْ إلى آخره مُخْتَلِفْ عن بقية الأرض فلا يوصف مَنْ فيه بهذه الصفات أنَّهُ لا يظمأ ولا يضحى، يعني ما يأتيه شمس فيها ولا يجوع ولا يعرى ونحو ذلك من الصفات، فهذه صفات تدل على أنَّ المكان مُغَايِرْ للأرض.
ومن الأدلة أنَّ الله - عز وجل - قال في ذكرها لَّما عصى آدم ﴿اهْبِطَا مِنْهَا﴾ [طه:123]، وهذا الاهباط والخروج يقتضي أن يكون من جهةٍ عالية، والمكان الذي هو من جنسه فإنَّه وإنْ هَبَطَ منه فإنَّه ليس خارِجاً إلى غيره؛ بل هو منه إلى جنسه ولا تحصل العقوبة بالإهباط وإنَّما العقوبة بالإخراج، والله - عز وجل - جعل في القرآن هذا وهذا، الإخراج والإهباط، إلى أدلةٍ أخرى معروفة.
المقصود أنَّ قوله (خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ) الجنة واحدة هي المعروفة وكل الأدلة التي فيها ذِكْرْ الجنة الغيبية فهي دار الكرامة التي أعدَّهَا الله لعباده.

قال رحمه الله (وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا)

[المسألة الأولى] : الفضل هو الإكرام، والله - عز وجل - عَلَّقَ دخول الجنة بالعمل الصالح ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:32]، وعَلَّقَ دخول النار بالعمل السيئ وبالكسب السيئ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:28]، ونحو ذلك من الآيات، وهذه الباء في المقامين هي باء السبب فإنَّ الله - عز وجل - جعل الأعمال الصالحة وأعظمها التوحيد سبباً في دخول الجنة، وجعل الأعمال السيئة وأعظمها الشرك بالله سبباً لدخول النار.
ولكن هذا السبب ليس كافياً في تحقيق المراد؛ بل لا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله - عز وجل -، لهذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال «لن يُدْخِلَ أحدكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا»1، فدلّ على أنَّ أصل دخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك لأنَّ: - الفضل هنا هو الامتنان، الفضل هنا هو الإعطاء والإكرام، والأعمال وإنْ كان للعبد فيها أجور فلو قوبِلَتْ بالنعم لصارت القسمة أو لصار الشأن واضحاً في أنَّ العبد قوبلت أعماله بالنِّعَمْ التي كرّمه الله - عز وجل - بها.
- وأيضاً لو نظرت إلى أنَّ العمل الصالح أصلاً ما كان من العبد إلا بإعانة وتوفيق من الله - عز وجل -، فأصلاً نشوء العمل الصالح هو بفضل من الله وهدى من الله وإعانة وتوفيق فما يكون نتيجة فلابد أنَّهُ فضل أيضاً من العدل معناه أن يُعَامَل المرء بما يستحقه دون تَفُضُّلٍ عليه، يعني أن يُنظَرَ ويُنَاقَشْ الحساب ويُعْطَى ما يستحق.
وأهل النار دَخَلُوا النار بما يستحقون عدلاً مِنَ الله - عز وجل -؛ لأنَّهُ سبحانه لِمَا عَلِمَ بما في صدورهم لم يُعِنْهُمْ إعانةً خاصة ولم يوفقهم للعمل الصالح؛ بل خذلهم يعني لم يوفقهم، ترك إعانتهم على أنفسهم، فوُكِلُوا إلى أنفسهم، وهذا عَدْلٌ أن تَعْمَلَ بما لديك، وبما عندك من الاستعدادات والآلات إلى آخره.
ولهذا قال الله - عز وجل - في بيان مِنَّتِهِ لأهل الإيمان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:7]، فدلّ على أنَّ الله - عز وجل - مَنَّ على هؤلاء بشيء، ولم يتفضّل على أولئك بل عاملهم بالعدل.
وذلك بسبب أنَّ هؤلاء في قلوبهم الخير وهم يريدونه وأقبلوا عليه، وأولئك لا يريدون الخير ولا يحبون سماعه ولم يريدوا الإهتداء أصلاً، فعاملهم الله - عز وجل - بعدله، قال - عز وجل - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:6-7] الآية.
فقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أنَّ الكفر وُجِدَ منهم، الكفر أصلاً في قلوبهم، ولهذا قال في آية النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:137]، ﴿لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:168-169] الآية، فَدَلَّ هذا على أنَّ المعاملة بالعدل أن يُوكَلَ إلى نفسه، وهو أصلاً لم يُعَنْ ويُتَفَضَّلْ عليه لأنَّهُ لم يسع إلى الخير، لم يُوَفَّقْ لأنه لم يسعَ، وفي قلبه حب للشر ونوع بغض للخير، فلذلك لم يُعِنْهُ الله - عز وجل - على نفسه.

قال بعدها (وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ)

قال (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ)

[المسألة الأولى] : أنَّ الخير والشر المُقَدَّرَيْنْ على العباد؛ يُعنَى بهما ما يصيب العبد من خيرٍ له ومن شرٍ عليه، أمَّا في فعل الله - عز وجل - فليس في أفعاله سبحانه إلا الخير، كما قال صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاته «والشر ليس إليك»1يعني أنَّ أفعال الله - عز وجل - لا توصف بالشر؛ بل كلها عدل أو فَضْلٌ وخير لما فيها من الغايات المحمودة؛ لكن ما يُضَافُ للعبد يكون شرّاً بالنسبة له؛ لكن بالنسبة للقدر هو خير.
مثلاً أصيب فلان بفقد والده، أصيب بفقد ماله فهذا بالنسبة له سوء وشر؛ لكن بالنسبة إلى الَقَدْر وفعل الله - عز وجل - هو خير؛ لأنَّهُ لا يُنْظَرُ إلى المسألة بمجردها؛ بل إلى الغاية المحمودة من ورائها، والغاية المحمودة من ورائها أن يَبْتَلِيَ العباد بذلك، يبتلي الحي يبتلي الميت ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:2].
فإذاً أفعال الله - عز وجل - كلها خير، وأما ما يضاف إلى العبد فينقسم إلى الخير والشر.
فقوله (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) يعني الخير والشر الذي يحصل للعبد مُقَدَّرٌ.

[المسألة الثانية] : القَدَرْ هنا في قوله (مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) يعني أنَّهما لم يقعا استئنافاً؛ بل الله - عز وجل - يعلم ما سيحصل على العبد وكتب ذلك.
وذَكَرْتُ لك أنَّ الفِرَقْ المخالفة في هذه المسألة -في القَدَرْ - أنها طرفان: 1 - الجبرية: والجبرية تنقسم إلى فرقتين: @ الفرقة الأولى الجبرية الغلاة: وهم الجهمية الذين يقولون: الله - عز وجل - يُجْبِرْ العبد على كل شيء، على الخير وعلى الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح إلى آخره.
ويستدلون على ذلك بقوله - عز وجل - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:17]، يقولون إنَّ الذي رَمَى في الحقيقة هو الله - عز وجل - ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ما رَمَى.
وهذا قول الغلاة منهم -غلاة الجبرية-، ويُرَدُّ عليهم في هذا الاستدلال على وجه الاختصار بجوابين: & الجواب الأول: أنَّ الله - عز وجل - قال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ يعني حين رميت فإنَّ الله - عز وجل - هو الذي رَمَى، وظاهر الآية كما هو واضح أنَّهُ أثْبَتَ للنبي صلى الله عليه وسلم رمياً فقال ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رمياً بقوله ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، والنظر الصحيح يدلُّ على أنَّهُ لا بد من الجمع ما بين الرمي المَنْفِي والرمي المُثْبَتْ، وهذا يتضح بأنَّ العبد إذا فَعَلَ الفعل فإنَّ الفعل الذي يفعله سَبَبٌ في حدوث المُسَبَّبْ، ولا يحصل المُسَبَّبْ ولا تحصل النتيجة بفعل العبد وحده في أكثر أو في جُلِّ المسائل؛ بل لابد من إعانة من الله - عز وجل -. وهذا ظاهِرٌ في الرمي بخصوصه؛ لأنَّ الرمي عن بعد له ابتداءْ وله انتهاءْ، فابتداء الرمي من النبي صلى الله عليه وسلم لكن الانتهاء بأن يصيب رمي النبل أو رمي الحصاة أن يصيب فلاناً المشرك ويموت منه هذا من الله - عز وجل -؛ لأنَّ العبد ما يملك أن تكون رميته ماضية فتصيب.
ولهذا فيكون العبد هنا مُتَخَلِّصَاً مِن رؤيته لنفسه ومِن حَوْلِه وقُوَّتِهْ مع فعله، فأراد - عز وجل - أن يُعَلِّمَ نبيّه والمؤمنين أن يتخلصوا من إعجابهم ورؤيتهم لأفعالهم وأنفسهم، فقال: افعلوا ولكن الذي يَمُنُّ عليكم ويُسَدِّدْ رميكم هو الله - جل جلاله -. فيكون إذاً معنى [.....] أصاب بما أعان على التسديد.
& الجواب الثاني: أنَّهُ لو قيل على قول الجبرية: إنَّ الله هو الذي يفعل الأشياء لكان تقدير الآية كما قاله جماعة أن يقال في كل فعل فعله العبد (ما فعله ولكن الله فعله) كأن تقول: ما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما زكيت إذ زكيت ولكن الله زَكَّى، وما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى وهكذا في الأعمال القبيحة المشينة التي يُنَزَهْ الله - عز وجل - عنها بالإجماع كقول القائل -أعوذ بالله - وما سرقت إذ سرقت ولكن الله سرق، وما زنيت إذ زنيت ولكن الله إلى آخره، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل يدل على فساده وعدم اعتباره؛ لأنَّ القول الحقيق القول الصحيح القول الحق لا يلزم منه لوازم باطلة.
والقول الباطل هو الذي ينشأ عنه لوازم باطلة، ما الفرق بين هذه وهذه؟ @ الفرقة الثانية الجبرية المتوسطة: والجبرية المتوسطة -أو يعني الذين هم ليسوا بالغلاة-، هم الذين يتوسطون، فيقولون: العبد مجبور باطناً لكنه في الظاهر مختار، يعني ظاهراً هو يَخْتَارُ فيمشي ويروح ويأتي للمسجد ويذهب إلى المكان الثاني باختياره؛ لكنَّهُ في الباطن مُجْبَرْ.
وهذا قول كثير من أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية وجماعة ممن ينحون هذا المنحى بأنَّ الإنسان مجبور لكنه في الظاهر ليس بمجبور.
وإذا كان كذلك فإنهم يجعلون أفعال الإنسان له ولكنَّهَا عديمة الفائدة، لا معنى لها.
وهؤلاء هم الذين يقال عنهم نُفَاةْ الأسباب.
يعني إنَّ الإنسان إذا جامع زوجته فَحَمَلَتْ، يقولون: لم يحدث الحمل بالجماع.
إذاً كيف حدث الحمل؟ يقولون: أَحْدَثَ الله الحمل عند التقاء الرجل بالمرأة؛ لكن أنَّ ماء الرجل يلتقي بماء المرأة أو ببويضة المرأة ويحدث منهما حمل بما أجرى الله الأسباب عليه ينفون ذلك، ويطرُدُونَ هذا في كل شيء.
فيقولون: إنَّ فعل الإنسان فيما يفعله كحركة السّكين في قَطْعِهَا للورق أو قطعها للخبز أو قطعها لما تقطع، فيقولون بالتمثيل: إنَّ الله هو الذي كأنه يحمل السكين والسكين تتحرك هي التي تقطع؛ لكن في الواقع هي مجبورة على القطع وإن كانت ظاهرا تتحرك وقَطَعَتْ.
وهذا القول وهو قول هؤلاء مع زعمهم أنَّهُمْ عقلاء وأنَّهُمْ متكلمون وأنهم فلاسفة إلى آخره، هؤلاء قولهم هذا ينفيه العقل البسيط، فضلاً عن العقل الرصين، وأحْدَثُوا قولاً على هذا يسمى الكسب سيأتي بيانه في موضعه.
فالماء عندهم لم يُنْبِتْ الأرض، الله - عز وجل - يقول ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق:9] ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ بإيش؟ بالماء.

﴿أَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني أن النبات خرج بإيش؟ بالماء، الماء سبب والتراب سبب.
لكن هل هذا يعني أنَّ الله لم يفعل لم يخلق لم يُنَمِيْ؟ لا.
الجماع سبب، لكن هل معناه أنَّ الله لم يفعل؟ لا.
فإذاً إثبات الأسباب هو سبيل العقلاء في أنَّ السبب ينتج عنه المُسَبَّبْ، وأنَّ الشيء تَنْتُجُ عنه نتيجته، الفعل ينتج عنه نتيجته، الأثر يقتضي أن يُوجَدَ مؤثر، وهكذا.
فإذا صار هنا هواء بارد لابد أنَّ فيه مصدر لهذا الهواء البارد الذي يأتينا.
يقول هؤلاء الأشاعرة ونحوهم -نفاة الأسباب- يقولون: لا، الهواء أرسله الله - عز وجل - عند تشغيل الجهاز.
وهذا مما يقتضي العقل أن ينفيه لأنَّهُ غير مطابق للعقل أصلاً.
وهؤلاء تجد ذكرهم في كثير من كتب أهل العلم بعنوان نفاة الأسباب.
إذا قيل لك نفاة الأسباب يعني الجبرية المتوسطة من الأشاعرة ونحوهم.
عمل العبد بين فعل الله - عز وجل - -لأنهم يقولون بخلق الله للأفعال- وبين فعل العبد الحاصل يُسَمُّونَهُ كَسْبَاً ويأتي عند قوله (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ).
2 - القدرية: والقدرية أيضاً فرقتان: @ الفرقة الأولى القدرية الغلاة: وهم الذين ينكرون علم الله السابق، ويقولون الأمر مُسْتَأْنَفْ جديد.
هل الخير والشر مُقَدَّرْ؟ لا، إنما هو مستأنف جديد، لا يعلم الله الخير حتى يقع، ولا يعلم الشر حتى يقع، تعالى الله عن قولهم عُلُواً كبيراً ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:40] سبحانه وتعالى.
فهؤلاء هم الذين صاح بهم السلف وكفَّرُوهم فقال فيهم الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقرُّوا به خُصِمُوا وإن أنكروا العلم -يعني عِلْمَ الله - عز وجل -- كفروا.
هؤلاء فرقة كانت موجودة وانتهت.
@ الفرقة الثانية المعتزلة وأشباه المعتزلة: وهم الذين يُسَمَّونْ القدرية، وهم الذين يقولون: إنَّ الإنسان يخلق فعل نفسه، وأنَّ الله - عز وجل - لا يُضَافُ إليه خَلْقَاً كل ما هو سيئ، لا يُضَافُ إليه خَلْقَاً الشر ولا القتل ولا إلى آخره.
ويقولون أيضاً: إنَّ فعل العبد واستطاعة العبد وقدرة العبد، هذه ليس لله - عز وجل - فيها مأخذ؛ بل قدرة المطيع وقدرة العاصي وقدرة المؤمن وقدرة الكافر، إرادة المؤمن، إرادة الكافر للعمل واحدة.
وهذا الأصل الذي قالوه وذهبوا إليه لأجل شبهةٍ عندهم وضلالٍ عندهم، وهو أنهم قالوا: إنَّ العدل يوجب على الله - عز وجل - أن يساوي بين العباد، والظلم بالتفريق ما بين هذا وهذا، ما بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي هذا ظلم.
فَحَكَّمُوا عقولهم وآراءهم في فعل الله - عز وجل - وفي تَصَرُّفِهِ وصفاته - عز وجل -، والله سبحانه وتعالى يقول ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:107، البروج:16] ويقول - عز وجل - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23].
وقوله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لجهتين: - الجهة الأولى: أنَّ الله - عز وجل - له التصرف في ملكه كيف يشاء.
- الجهة الثانية: أنَّ الله - عز وجل - له الحكمة البالغة فيما يفعل، وفيما يُجْرِيه في ملكوته ويشاؤه، والعباد قاصرون عن معرفة الحِكَمْ في أنفسهم، فكيف بالحِكَمْ في أفعال الله - عز وجل - وصفاته وتصرفه في ملكوته.
وهؤلاء المعتزلة هم الذين يكثر رد الأشاعرة عليهم في مسائل القدر وهم كالأشاعرة في المخالفة لما دَلَّتْ عليه الأدلة.
* الخلاصة: أنَّ هؤلاء وهؤلاء كُلٌ نَزَعَ بأدلة مختلفة، فهدى الله - عز وجل - أهل السنة ومَنَّ عليهم بأنهم لم يُفَرِّقُوا بين الكَلِمْ، ولم يُفَرِّقُوا بين الكتاب؛ بل اخذوا بكل الأدلة فقالوا: - بخلق الله - عز وجل - لفعل العبد.
- وأنّ العبد يفعل حقيقة.
- وأنَّ الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
فأعملوا كل النصوص والأدلة، وقالوا إنَّ ربك فعال لما يريد سبحانه وتعالى، لا مُعَقِّبَ لحكمه ولا رادَّ لقضائه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، جرى الأمر على ما يريده الرب - جل جلاله - وتقدست أسماؤه.
ثم أَعْمَلُوا العقل الصحيح في أنَّ الإنسان يُحِسُّ من نفسه أنَّهُ مُخْتَار، يُحِسُّ من نفسه أنَّهُ يذهب إلى الخير ويذهب إلى الشر، يذهب إلى الخير فينشرح صدره له، ويذهب إلى الشر فيقتل ثُمَّ يندم وتُعَاقِبُهُ نفسه وتؤنبه نفسه على ذلك.
ففي الإنسان ما يُحِسُّ به أنَّهُ يختار ويختار؛ يختار الشر ويختار الخير، وهذه ضرورة في قَلْبِ كل أحد لا مَفَرَّ منها، فالإنسان مختار لهذا ومختار لهذا.
ثم ثالثاً يُقال: إنَّ أهل السنة نظروا إلى المسألة في قولهم في القدر في أنَّ الخير والشر مُقَدَّرَانِ على العباد بأنَّ من احتج على القدر فإنه يناقض نفسه، لماذا؟

لأنَّهُ كل من قال في القدر قولاً؛ يقول مثلاً: إنَّ الله - عز وجل - كتب علي السيئات وجعلني أفعل الشر وكذا ثُمَّ يُعَذبني بالنار؛ لكنهم لا يتجاسرون أن يُحَكِّمُوا القضية المقابلة لذلك وهي أن يقول القائل: كذلك إذا جعلني أصلي جعلني أطيع الله - عز وجل - وجعلني أفعل من الخيرات، فلماذا يثيبني؟ والمسألة هذه بمقابل هذه.
فإذا قال القائل كتب علي السيئات فلماذا يعذب؟ فكذلك لابد أن يقول وكتب علي الخير فلماذا يُثِيْبْ؟ والإنسان بطبيعته يهرب مما هو عليه، فلا يُقِر على نفسه بما فيه مصلحته بأنَّ الخير الذي هو مصلحة له فيذهب ويسكت عنه؛ لأنَّهُ فيه مصلحة له.
لكن يأتي بما فيه مضرة عليه أو بما فيه تبرير لفعله ليهرب من الواقع.
والحقيقة أنَّ العقل الصحيح وإدراك الإنسان لنفسه وفطرته وضرورياته يَجِدْ أنَّهُ يفعل الخير اختياراً ويفعل الشر اختياراً، يفعل الخير فتنشرح نفسه له، ويفعل الشر فتنكره نفسه عليه؛ لأنه مفطورٌ على حب الخير وعلى كراهة الشر.
فإذاً اختياره دليل فطري في كل إنسان، مثل إحساس الإنسان، تحس بالشيء، الأعمى يحس ويقول هذا كذا ويستدل به ويكون مُتَيَقِّنَاً؛ لأن دليله صار ضرورياً، وكذلك يُحِسْ بالأمر الآخر فيكرهه لنفسه لأنَّ دليله صار ضرورياً.
نكتفي بهذا القدر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]. وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ.

قال الطحاوي رحمه الله (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ- يعني الاستطاعة- مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[المسألة الأولى] : هذه المسألة متصلة بالقدر والإيمان به وأَصْلُ بَحْثِهَا من المعتزلة.
وذلك أنهم قَعَّدُوا قاعدة وهي أنَّ الناس في فعل الله - عز وجل - سواء، وهو أنَّ العاصي والمؤمن، الكافر والمؤمن، العاصي والمطيع كلهم أُعْطُوا شيئاً واحداً، فهذا فَعَلَ الخير، وهذا فَعَلَ الشر بمحض قدرته.
فهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أنْ يكون هناك أمراً زائداً خُصَّ به هذا ومُنِعَ ذاك.
فجعلوها جميعاً قبل الفعل، وأمَّا مع الفعل في أثناء الفعل فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.
وبالتالي فلو جُعِلَ هذا مُسْتَطِيعَاً للفعل وهذا غير مستطيع للفعل لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله - عز وجل -، وبالتالي يترتب على هذا أنَّ هذا ظُلِمْ وهذا أُعْطِيَ ما لم يُعْطَ غيره.
فإذاً أصل بحث المسألة هي عند المعتزلة.
ولماذا بحثوها؟ للقاعدة التي قَعَّدُوهَا هي أنَّ الجميع يجب أن يكونوا في فعل الله واحد، حتى لا يُظْلَمَ هذا ويُتْرَكْ ذاك.
إذا فهمت هذا الأساس تفهم لماذا افْتَرَقَ الناس في هذه المسألة.
فلمَّا قالوا الاستطاعة لا تكون إلا على هذا النحو؛ وهي أن تكون قَبْلْ، أما المُقَارِنَة فالعبد هو الذي يخلق فعل نفسه، هو الذي يقدر ويفعل، الله - عز وجل - لا يَجْعَلُ هذا مستطيعاً وذاك غير مستطيع؛ لأنَّ هذا ظلم.
وإذا كان كذلك فقابلهم من يُثْبِتُ الاستطاعة المُقَارِنَة وهم الجبرية ونفوا أصلاً أن يكونَ للإنسان قدرة على فعل أي شيء.
لهذا قالوا: ليس هناك استطاعة سابقة، وإنما الاستطاعة هي أنَّه يقدر على الفعل وهذه القُدْرَة في الواقع من الله - عز وجل -، لهذا الإنسان أصلاً لا يستطيع لأنَّ الله - عز وجل - نَفَى قال ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:101]، وقال ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:20]، ونفى أيضاً عنهم الرمي فقال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:17].
إذاً لا يمكن أن يفعلوا شيئاً، فقابلوا القدرية في مسألة الاستطاعة لا في مسألة القَدَرْ والجبر.
القَدَرْ والجبر أصلاً الجبرية سبقوا القدرية في مسألة الجبر المُعَيَّنْ، أما القَدَرْ اللي هو نفي العلم فهو الذي كان أولاً.
يعني الجهمية الذين هم الجبرية سابقين المعتزلة الذين هم القدرية، يعني كفرقة.
الجهمية هم الذين أظهروا الجبر ونَصَرُوهُ، من جهة وجود الجهمية قبل وجود المعتزلة الذين هم القدرية.
فإذاً نقول: إنَّ الجبرية قبل لأنَّ الذي مَثَّلَهُمْ الجهمية، وأولئك مَثَّلَهُمْ المعتزلة وهم متأخرون عنها.
أما من جهة القَدَرْ والجبر كقول القدرية سابقون لأنَّ نفاة العلم ظهروا في زمن الصحابة، وأما الجبرية فجاؤوا بعد ذلك؛ لكن تفاصيل أقوال الجبرية والقدرية ما نشأت إلا مع ترسُّخْ المذهبين في الجهمية وفي القدرية المعتزلة.

[المسألة الثانية] : قَرَّرَ الطحاوي هنا أن الاستطاعة على قسمين: - استطاعة مُتَقَدِّمَةْ، وهذه لا يجب أن تكونَ مع الفعل؛ بل تتقدم وهي المُتَعَلَّقْ بها الأمر والنهي.
- واستطاعة مُقَارِنَة يَجِبُ بها الفعل؛ يعني إذا وُجِدَتْ الاستطاعة حصل الفعل دون تأخر.
1 - أولاً: الاستطاعة قبل الفعل: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً» عدم الاستطاعة هنا هل هي خاضعة لِأَنْ يُجَرِّبْ إذا أراد أن يصلي، أو لعدم تمكن آلته من القيام، معروف قبل أن يدخل أصلاً في الصلاة.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، يَبْدَأْ يَحِجْ ثم ينظر هل هو مستطيع أو لا، أم أنَّ الاستطاعة التي هي الزاد والراحلة وغير هذين أيضاً، هذه تكون قبله؟ تكون قبله.
إذاً هذه معلومة قبل.
فإذاً التكليف الأمر والنهي والعُذْرْ إلى آخره، هذه مُتَقَدِّمَة، استطاعة؛ قدرة، وُسْعْ، آلات، سلامة، صحة، إلى آخره متقدمة.
أيضاً ليست الاستطاعة المرادة في الشرع هي الاستطاعة الكونية؛ بل المراد الاستطاعة الشرعية.
-وهذا أوضحت لكم أنَّ الدليل دلَّ عليه-.
والاستطاعة الكونية هذه أخصُّ من الاستطاعة الشرعية، فإنَّه قد يكون المرء مُستطيعاً كوناً ولكنه ليس بمستطيعٍ شرعاً.
مثاله: يمكن له أن يُسِيْلَ الماء على جُرْحِهِ الذي لم يندمل، يمكن أن يغتسل ويُسِيْلْ الماء عليه، هذا يمكنه كونَاً ويستطيع، يمدُّ يده ويصب الماء عليه إلى آخره.
يمكنه أن يصلي الصلوات قائماً لأنَّه غير مشلول؛ لكنه شرعاً لا يُسَمَّى مُستطيعاً لأنَّ: الأول يورثه زيادة في المرض والشريعة مُتَشَوِّفَة للتيسير.
والثاني يورثه أيضاً عدم الخشوع في الصلاة والتعب إلى آخره ومجاهدة النفس وربما أورثه زيادة المرض، والشريعة متشوفة في الصلاة إلى خشوعه وحضور قلبه وإلى أن لا يزيد مرضه إلى آخره.
فإذاً مما لم ينظُرُوا إليه في البحث أيضاً أنَّ الاستطاعة التي هي سلامة الآلات المُرَادَةْ في القَدَرْ والمرادة في تحقيق المسألة هي الاستطاعة الشرعية لا الاستطاعة الكونية.
أما كونه يقدر، سليم الآلات إلى آخره، هذا قد يُدْخِلُنَا في تكليفه ما هو فوق طاقته أو فوق ما فيه مصلحته شرعاً.
ولهذا نقول: الاستطاعة التي هي قبل الفعل نقسمها إلى قسمين: - استطاعة كونية.
- واستطاعة شرعية.
والاستطاعة الشرعية هي المُرَادَةْ؛ لأنها هي التي تَعَلَّقَ بها التكليف والأمر والنهي.
فإذاً حَصَلَ من هذه المسألة أنَّ الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل، والتي قبل الفعل تنقسم إلى قسمين، يعني من حيث النظر إليها.
2 - ثانياً: الإستطاعة مع الفعل: أما الاستطاعة التي مع الفعل (وهي المهمة في هذا الباب، وهذه المسألة عَرْضُهَا في الكتب غير واضح، ويُدْخِلُونْ بعض البحث في بعض، وأنا أُرَتِّبْهَا لك، فكن حاضر القلب معي حتى تستوعب الخطوات).
فالفعل لا يكون ولا يحصل لأي إنسان -ما يمكن أن يَفْعَلْ الشيء ولا أن يَحْدُثَ هذا الشيء- إلا بوجود ثلاثة أشياء، إذا تَخَلَّفَ واحدٌ منها ما حَصَلَ هذا الشيء أبداً: @ - القدرة التامة على إيجاد الفعل: القدرة التَّامَّة ما معناها؟ معناه أنَّهُ إذا لم يكن عنده القدرة على الفعل فإنَّه لا يمكن أن يحصل الفعل.
الأعمى إذا أراد أن يقرأ كتاباً فهل يمكنه؟ يأخذ الكتاب هذا الذي معي ويقرأه، وحروف الكتاب هي الحروف التي يقرأها الُمْبِصْر غير الحروف الثانية التي يستدل بها باللمس.
لو وَضَعَهُ أمام عينيه فإنه لا يمكنه، لو أخذ المصحف ووضعه أمام عينيه فإنه لا يمكن أن يقرأ شيئاً، واضح، لماذا؟ لأنه ليس عنده القدرة.
الذي لم يتعلم الكتابة لو أخذ القلم بيده بين أنامله وأراد أن يَخُطَّ جملة لم يستطع، لماذا؟ لأنَّهُ لم يتعلم.
المتعلم للكتابة باللغة العربية لا يمكن أن يكتب باللغة الصينية؛ لأنَّهُ وإن كان يعرف الحروف باللغة العربية؛ لكن لا يمكنه أن يكتب بالصينية، لأنه لا يقدر على هذا بخصوصه.
فإذاً القدرة التامة هي التي يحصل بها الفعل.
@ - الإرادة الجازمة: ونعني بالجازمة غير المترددة، فإذا وُجِدَتْ الإرادة الجازمة مع بقية الشروط وُجِدَ الفعل.
لكن لو وُجِدَتْ الإرادة فقط ولم توجد بقية الشروط -ونذكر مثالنا الآن الذي ذكرنا القدرة- فهل يمكن أن يحصل الفعل؟ لا يمكن أن يحصل الفعل.
يريد أن يذهب إلى مكة لكن ما عنده قدرة مالية، يمكن يذهب؟ ما يمكن.
يريد أن يكون حافظاً لكتاب الله لكن ليس عنده القدرة على الحفظ هل يمكن؟ ولو كانت إرادته جازمة ويتمنى وإلى آخره، لا يمكن.
فإذاً الإرادة الجازمة غير المترددة شرطٌ في حصول الفعل، لا يمكن أن يحصل الفعل بإرادةٍ مترددة [.....] @ - أن يشاء الله - عز وجل - حصول هذا الفعل: فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئته الكونية في هذا، إذا شاء أن يكون الفعل ممن عنده قدرة وإرادة فإنه يُعِينُ العبد على حصول هذا الفعل، كيف يعين العبد؟

يعينه بأشياء: - الأول التوفيق.
- الثاني أن يُعْدِمَ المُعَارِضْ.
مثلاً هو يريد أن يذهب إلى مكة وعنده القدرة المالية وعنده الإرادة الجازمة، ويريد أن يحج هذا العام.
المُعَارِضْ الذي يُعَارِضْ أن يكون هذا من حصول خللٍ له في بدنه، من حصول خللٍ في الطائرة، من عدم تَمَكُّنِهِ، من سرقة المال، من أسباب كثيرة لا تُحْصَى من المُعَارِضَاتْ، هذه هل هي في قدرة العبد؟ ليست في قدرة العبد.
إذاً هذا يدخل في الأمر الغيبي الذي لا يدخل العبد فيه.
إذا اجتمعت هذه الثلاثة حَصَل الفعل، إذا تَخَلَّفَ واحدٌ منها لم يحصل الفعل.
فإذاً الاستطاعة التي يجب بها الفعل، وهي القدرة التي يجب بها الفعل -يعني يحصل معها الفعل- المراد بوجوب حصول الفعل مع وجود الإرادة الجازمة، ووجود إعانة الله - عز وجل - ومشيئته وتوفيقه ودَفْعْ المُعَارِضْ إلى آخر ذلك من الأسباب الذي هو الأمر الغيبي المختص بالرب - جل جلاله -. القدرة في نفسها -قدرة العبد على الفعل- هل هو الذي أوجدها في نفسه أم الله الذي خلقها فيه؟ الله - عز وجل - الذي خلقها فيه.
الإرادة الجازمة للفعل، تَوَجُّهْ العبد للفعل هذا اختيارٌ منه أم هو مفروض عليه؟ هو اختيار منه.
& ولذلك جاءت الجبرية وقالت: القدرةُ منفية، لا قدرة له.
والإرادة هو مُرْغَمٌ على أن يريد.
والمشيئة: العبد خَضَعَ للمشيئة فَعَمِلَ ما يريده الرب.
فإذاً: الفعل كله فعل الرب - عز وجل - بلا اختيار، فصار فعل العبد بعد أن حَدَثْ كحركات الأشجار والورقة في الماء والريشة في مهب الريح إلى آخره.
& جاءت القدرية في المقابل وقالت: القدرة بيد العبد، والإرادة عنده هو، ولا علاقة لفعل الله - عز وجل - به؛ بل العبد هو الذي يَقْدِرْ، فالقدرة خَلْقُهُ، هُوَ الذي خَلَقَ الفعل بقدرته، والإرادة تَوَجَّهَتْ إليه، والقُدْرَة والإرادة يستوي الناس فيها.
فهذا خَلَقَ أفعال الطاعات وهذا خَلَقَ أفعال المعاصي، فنفوا الجزء الثاني.
& أما أهل السنة والجماعة فنظروا إلى الأدلة فوجدوا فيها الثلاثة جميعاً فأثبتوها.
فإذاً حقيقة بحث القدر وبحث الاستطاعة وبحث تكليف ما لا يُطَاق إلى آخره من المباحث، مَبْنِيَّةٌ على الفعل إذا وُجِدْ كيف وُجِدْ؟ فَبَحَثُوا الفعل إذا وُجِدْ كيف وُجِدْ؟ منهم من بَحَثَ في أوائله فتَكَلَّمَ في الاستطاعة المقارنة والاستطاعة السابقة إلى آخره في الكلام الذي بحثنا.
ومنهم من نَظَرَ إلى نتائجه وهو أنَّ هذا فيه فعل طاعة فينتج عنه الجنة وهذا فيه فعل كفر فينتج عنه النار، فلما نَظَرَ إلى نتائجه والظلم والعدل إلى آخره حَكَمَ على المسألة بالنتائج.
والذي ذهب إليه أهل الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143]، وسط في المِلَلْ ووسط في المذاهب وهم أهل السنة والجماعة قالوا: الفعل لا يوجد إلا بهذه الثلاثة أشياء.
لهذا الطحاوي هنا أشار إلى هذا بإدخال التوفيق بقوله (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ) وهذه الجملة في الواقع ليس لها علاقة بالكلام، والشارح عندكم -شارح الطحاوية- ما تَكَلَمَ على هذه الجملة لماذا أدخلها الطحاوي، وإلا الكلام يستقيم بدونها أن يقول (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْل فهي مَعَ الفِعْلِ) يريد الطحاوي أن يقول لك: إنَّ الفعل لا يمكن أن يكون إلا بالقدرة والإرادة وفِعْلُ الله - عز وجل - الذي فيه المشيئة وفيه التوفيق والإعانة وفيه دفع المعارض إلى آخره من المسائل.
س/ [.....] لأ، هذا أمرٌ خارج، هذا فِعْلُ الله - عز وجل -، تنظر الآن فيه شيء ظاهر أنَّ العبد يملكه وهو قدرته وإرادته لكن فيه شيء ما يملكه، وهو دفع المُعَارِضْ.
مثلاً شخص رَكِبَ طائرة جديدة من أحسن الطائرات سليمة ما طار عليها وكل أجهزتها جديدة وإلى آخره وأثناء طيرانها جاءتها زوبعة واحترقت أو ضَرَبَتْ في الأرض إلى آخره فتحطمت، أو جاءتها طائرة ثانية وهو لا يدري وضربتها، فهذا من جهة من؟ ليس من جهة العبد.
مثلاً معك سيارة جديدة، جميع الآلات فيها سليمة، احتطت بجميع الاحتياطات، وأخذت بوسائل السلامة فهل ستنتج السلامة بهذه الأشياء التي عملتها؟ لا، فقد يأتي بعير في الطريق وتصدمه وأنت لا تدري، أيضا قد تأتي أمامك شاحنة وتصدمك إلى آخره.
ولهذا من أعظم النظر في الأسباب أن تنظر في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
النظر في الهجرة يعطيك ما يجب على العبد أن يفعله، وما ليس للعبد أن يُحَقِّقَهُ من أسباب السلامة.
النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أراد الهجرة إلى المدينة عَمِلَ جميع الاحتياطات:

رأى الطريق البعيد الذي ما يمكن أن يظن المشركون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يسير فيه، واستأجر رجلاً هاديا خريتاً يقال له ابن أرقد لِيَدُلَّ على هذا الطريق البعيد، ثُمَّ بعد ذلك أيضاً مع هذا الطريق أَمَرَ راعي الغنم أن يمشي على أثره هو وأبو بكر والذي معهم حتى لا ينظروا إلى الأقدام، واختبؤوا في غار.
هذه الأشياء التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وواجبٌ عليه أن يفعلها؛ لأنَّ الله أَمَرَ باتخاذ الأسباب.
وقف المشركون على رأس الغار.
يقول أبو بكر رضي الله عنه لو أَبْصَرَ أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا.
الآن الأشياء التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ويتحقق بها قَدَرُ السلامة، فعلها أو لم يفعلها؟ فعلها.
لكنها هل نَفَعَت؟ لم تنفع، فالمشركون وقفوا على رأس الغار، أقرب شيء؛ لكن بَقِيَ لو أبصر أحدهم موضع قدمه لرأهما، لم يقدر أحد أن يُنْزِلْ عينيه إلى أسفل، هذا ليس من جهة فعل العبد.
ولهذا المعتزلة في ضلالهم لمَّا جعلوا العبد يخلق فعل نفسه فقط، وهو الذي يتصرّف في نفسه، في مثل هذا لا يستطيعون تفسيره.
كيف هو لم يستطع أن يُنْزِلَ رقبته تحت؟ كأنَّ في رقابهم غُلاًّ يمنعهم من النظر، وهم عدد ما فيهم أحد ينظر أسفل ولو بالغلط؟؟ إذاً هذا فِعْلْ شيء لا يملكه العبد.
لهذا المؤمن ينظر في باب الاستطاعة وباب الأفعال إلى ما يفعله هو وما يُكْرِمُهُ الله - عز وجل - به.
ولهذا ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾.

[المسألة الثالثة] : - الاستطاعة التي قبل الفعل كما ذَكَرْ هي مناط التكليف: الأمر والنهي.
- والاستطاعة التي مع الفعل -ولم يَذْكُرْها- هي مناط الثواب والعقاب.1- والاستطاعة التي قبل الفعل من جهة السلامة ومن جهة البلوغ مثلاً واليقظة إلى آخره من جميع الأسباب، هذه تتعلق بها الأوامر والنواهي وهي التي يتكلم عنها الفقهاء.
@ أما التي مع الفعل وهي المنوط بها الثواب والعقاب، فمعلوم أنَّ فِعْلَ العبد -كما ذكرنا- لم يستَقِلْ بتحصيل النتيجة، وبالتالي فالثواب إذاً لم يستقل العبد بتحصيل أسبابه.
ولهذا فتقول إذاً: أنَّ إثابة الله - عز وجل - لعبده هو مِنَّةٌ من الله على عبده.
لم؟ لأنَّ أصل تحقيق الفعل لم يكن مُجَرَّدَاً باختيار العبد؛ بل هناك أمر زائد وهو مِنَّةْ الله وفضله على العبد وإعانته عليه.
ولهذا سألني أحد الإخوان الأسبوع الماضي سؤالاً متعلق بهذا المبحث وهو أنَّ رضا الله - عز وجل - عن العبد وإثابته للعبد هو نتيجة لشيءٍ فَعَلَهُ الله - عز وجل - وهو هداية العبد لأن يفعل.
ولهذا المؤمن الصالح كلما زاد علماً عَلِمَ أنَّهُ ليس منه شيء وليس إليه شيء، مثل ما كان يقول ابن تيمية (اللهم ليس مني شيء ولا فِيَّ شيء ولا إِلَيَّ شيء؛ لكن مع ذلك ليس مجبوراً).
هُوَ ينظر إلى أنَّهُ يختار وعنده قُدْرَة ويعرف أنه مُحَاسَبْ؛ لكن إنْ أعانه الله - عز وجل - ووَفَّقَهُ على الفعل وصار من أهل الطاعة، فإنَّه يعلم أنَّهُ بِسَبَبٍ أَحْدَثَهُ الله - عز وجل - له وهداه إليه.
وهذا معنى نصوص الهداية في القرآن، ليس معنى نصوص الهداية ونصوص القَدَرْ السابق، أنها إجبار على العبد وإنما معناها أنَّ الله هيأ لهذا العبد الأسباب التي تعينه على تحصيل المراد، وأعانه عليها.
وهذا هو تفسير أهل السنة للتوفيق.
في المقابل من جهة العاصي فإنَّ الله - عز وجل - منعه أسباب الهدى.
لماذا منعه؟ لأمْرٍ يرجع إلى نفسه وفِعْلِهْ؛ لأنَّهُ كما أعطى ذاك بسبب فإنَّه مَنَعَ هذا بسبب وهو أنَّهُ رَغِبَ في هواه وتَرَكَ التخلي من هواه ومن شهوته.
ولهذا قال - عز وجل - في وصف الكفار ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:43]، وقال - عز وجل - في الآية الأخرى في سورة الجاثية ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:23]، أضَلَّهُ الله على علم.
إذاً فالذي أُعْطِيَ أُعِيْنْ، والذي حُرِمْ عُومِلَ بسبب فِعْلِهِ هو ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:30].
فإذاً نَظَرْ المعتزلة في المسألة وهي أنَّ الذي أُعْطِيَ والذي مُنِعْ إنما من أنفسهم، لم يُعْطِ الله هذا ولم يمنع هذا، هذا في الواقع نَظَرْ منهم إلى الظلم والعدل بما يُحَكِّمُونَ فيه فعل العبد.
مثل أن يُعْطِي ولده هذا ويمنع هذا ويقول لهذا تزوج وهذا ما تزوج، هذا فيه تفريق، لأنَّهُ أُعْطِيَ هذا ومُنِعَ هذا.
لكن هنا الإعطاء صار للجميع، أين الإعطاء الذي صار للجميع؟ هو ما قبل الفعل وهو الاستطاعة المُثْبَتَةْ، لم يُكَلِّفْ الله - عز وجل - المجنون الكافر ورَفَعْ التكليف عن المجنون المؤمن، الجميع سواء لأنَّ هذا تكليف واستطاعة قبل الفعل.
لكن الاستطاعة التي مع الفعل، ينتج عنها الفعل، فَأُعِيْنَ هذا بسبب وحُرِمَ ذاك بسبب، ولو أنَّ الكافر أو الذي ضل لو أنَّهُ سَلَكَ سبيل الهدى ورَغِبَ بإرادته لأعانه الله - عز وجل - ووفَّقَه؛ لكن كما قال - عز وجل - في وصفهم ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
ويُمَثِّلْ هذا قول أبي جهل قال (حتى إذا تنازعنا نحن وبنو هاشم الشَرَفْ وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء وليس منكم نبي، والله لا نؤمن به أبداً)2، هنا دخل الهوى، دخلت الشهوة، ودخلت الدنيا فصدَّتْ.
فإذاً تحقيق القول في المسألة هنا أنَّ سبب ضلال المعتزلة في باب الاستطاعة وباب القَدَرْ في هذه أنهم جَعَلُوا الظلم واحداً، جعلوا هذا وهذا متساويين في القُدْرَة وفي الآلات، ولهذا نَفَوا خلق الله - عز وجل - للأفعال، وقالوا العبد يخلق فعل نفسه لأجل أن لا ينتج عنها أنَّ الله ظَلَمْ فأدخل الجنة هذا وأدخل النار ذلك.
ونَظَرْ أهل السنة أنَّ الله - عز وجل - ساوى بين الناس في التكليف في الآلات في الاستطاعة التي هي قبل الفعل، أمَّا الاستطاعة التي مع الفعل، لا يحدث الفعل إلا بأشياء الله سبحانه وتعالى أعان هذا بأسباب، ومنع هذا بأسباب، وهو سبحانه وتعالى الحكم العدل في هذا كله.

قال بعدها رحمه الله (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ)

[المسألة الأولى] : خَلْقْ الله - عز وجل - لأفعال العباد اختلف الناس فيه على أقوال ثلاثة: 1- القول الأول: هو قول أهل الحق والسنة والهدى أنَّ الله - عز وجل - خَلَقَ العبد وخَلَقَ عمله أيضاً، فأعمال العبد من الخير والشر من الحسنات والسيئات هي خَلْقٌ من الله - عز وجل -؛ لأنَّهُ لا يحدث في ملك الله شيء إلا وهو خالقه سبحانه وتعالى.
2- القول الثاني: قول المعتزلة بأنَّ الله - عز وجل - لا يَخْلُقُ فعل المكلفين أما غير المُكَلَّفْ فهو خالق كل شيء أما فعل المُكَلَّفْ فلا يخلقه سبحانه وتعالى؛ بل العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ويستدلون لذلك: - بأدلةٍ عقلية واضحة على مذهبهم.
- وأدلة نقلية محتملة.
أمَّا الأدلة العقلية فهم يقولون: إنَّ الله لا يُوصَفُ بأنَّهُ يخلق فعل العبد لسببين: @ السبب الأول: أنَّ فعل العبد فيه الأشياء المشينة، فيه الكفر وفيه الزنا وفيه السرقة وفيه القتل وفيه إلى آخره، ولو قيل أنَّ الله هو الذي يخلق هذه الأشياء لصار نسبةً للأشياء السيئة إلى الله وهو منزهٌ عنها.
@ والسبب الثاني: أنَّ خَلْقَ الفعل من الله يقتضي التفريق بين المُكَلَّفِين، هذا خَلَقَ فعل طاعته فأدخله الجنة، وهذا خَلَقَ فعل معصيته فأدخله النار، وهذا ظلم لأنَّهُ لم يساوي بينهم في خلقه وفعله.
3- القول الثالث: قول الجبرية بأنَّ العبد لا يخلق فعل نفسه، بل الله يخلق فعله وهو ليس له فِعْلْ حقيقة، وليس له تَصَرُّفْ حقيقة، ولا كسب حقيقة، وإنما هذه أمور مَجَازِيَّة، وفِعْلُ العبد في الحقيقة هو فِعْلُ الله - عز وجل - لكن أُضِيفَ للعبد اقتراناً ولم يُضَفْ إليه حقيقةً، وأخرجوا لفظ الكسب كما سيأتي وعلَّلُوا به.

[المسألة الثانية:] قول أهل السنة إنَّ العبد فِعْلُهُ مخلوق لله - عز وجل - استدلوا له بـ: -أدلةٍ نقلية.
و -أدلة عقلية.
$ أولاً: من الأدلة النقلية: قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:16، الزمر:62] وهذا عموم لأنَّ كلمة ﴿كُلِّ﴾ في الأصول من الألفاظ الظاهرة في العموم، وهي في عموم كل شيء بحسبه.
فهنا لم يدخل في ذلك صفات الرب سبحانه وتعالى، يعني الله - عز وجل - وذاته وصفاته لم تدخل لأنه سبحانه ليس بمخلوق بذاته وصفاته وأفعاله - جل جلاله -؛ لأنَّ المخلوق حَادِثْ والله - عز وجل - مُتَنَزِّهٌ عن أن يكون حادثاً بل هو - عز وجل - هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
ويُسْتَدَلْ أيضاً لهم بقوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:96].
والعلماء يبحثون كلمة ﴿مَا﴾ هنا ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ هل ﴿مَا﴾ هنا مصدرية أو موصولة بمعنى الذي؟1- فقالت طائفة ﴿مَا﴾ هنا مصدرية فيكون المعنى: والله خلقكم وعملكم.
فعند هؤلاء واضح الاستدلال بأنّ العمل مخلوق لله - عز وجل -. - وقال آخرون وهم أحظى بالتحقيق أنَّ ﴿مَا﴾ هنا ليست مصدرية بل بمعنى الذي فتقرير الآية: والله خلقكم والذي تعملون.
@ فمن قال إنها مصدرية وليست موصولة ففيه ضعف من جهة أنَّهُ احْتَجَّ عليهم في عبادتهم لَِما نُحِتَ، فقال - عز وجل - في قول إبراهيم في سورة الصافات صلى الله عليه وسلم ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:95-96]، فإذا كانت مصدرية صار المعنى: والله خلقكم وعملكم.
وعَمَلُهُمْ إيش؟ النحت.
فيصير معنى الكلام والله خلقكم ونحتكم وهم لم يعبدوا النحت إنما عبدوا المنحوت.
@والقول الثاني إنها موصولة أوضح في الاستدلال وموافق لقصة إبراهيم الخليل عليه السلام ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعني والذي تعملون، والاستدلال على هذا واضح وهو موافق للسياق.
وتقدير ﴿مَا﴾ بمعنى الذي أفاد فائدتين: - الفائدة الأولى: أنَّهُ موافق لقوله ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ والذي يعملون هو ما ينحتون وهي الأصنام؛ يعني يقول: أنَّ الله خَلَقَكُم وخلق الأصنام التي تعلمونها.
- الفائدة الثانية: أنه في إثبات هذا إثبات أنَّ الأصنام هذه التي عملوها أنها مخلوقة أيضاً؛ لأنهم مخلوقون، قال ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وخَلْقُهُمْ يشمل خلق ذواتهم وخلق تصرفاتهم، فرجع الأمر إلى أنَّ هذه الأصنام التي تعملونها مخلوقة لله وأيضاً هي عملكم الذي هو مخلوق لأنكم مخلوقون.
فتحصَّلَ من هذا القول أنَّهُ مناسبٌ للسياق، ويشمل خلق الأصنام والاحتجاج عليهم بعبادتها -يعني في عدم عبادتها- وكذلك فعلهم لذلك.
$ ثانياً: من الأدلة العقلية: أنَّ الفعل لا يكون -مثل ما ذكرنا- إلا: بقدرةٍ وإرادة.
وقدرة العبد لم يخلقها هُوَ وإنما خلقها الله.
والإرادة نفسها، وجودها في العبد لم يخلقها هو وإنما خلقها الله.
ثم الثالث وهو مشيئة الله.
هذه الثلاث يحصل بها الفعل، والأول والثاني مخلوقة لله - عز وجل - والثالث هو فعل الله - عز وجل - مشيئته صفته سبحانه وتعالى.
فإذاً ما ينتج عنها يكون مخلوقاً.
فإذا كان العَمَلْ حَصَلَ بقدرة وإرادة، والقدرة مخلوقة والإرادة مخلوقة إذاً فالعمل مخلوق.
وهذا استدلالٌ عقلي صحيح وهو موافق للأدلة.
أما كلام المعتزلة والرد عليهم فله مكان آخر لأنَّ المقام يضيق عن بسطه.

[المسألة الثالثة] : في قوله (كَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) الكَسْبُ من الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة.
- فأُضيفَ الكسب إلى القلب فقال - عز وجل - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225]. - وأضيف الكسب إلى العبد فقال - عز وجل - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:267]. - وأضيف في التكليف أيضاً في قوله ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:286]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:82، 95]، ونحو ذلك.
وتفسيره في الآيات أن يُقَال: @كسب القلب هو عمله وهو قَصْدُهُ وإرادته، يعني عمل القلب هو قَصْدُهُ وإرادته وتوجهه وعزمه إلى آخره، يعني في اليمين ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يعني بما قَصَدْتُمْ أن تُوقِعُوهُ يميناَ، ولهذا في الآية الأخرى في المائدة قال ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:89] الآية.
@ أما كسب العمل ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني من طيبات ما تَمَوَّلْتُمْ من الأموال ومن التجارات ومما أُخْرِجَ لكم من الأرض نتيجة لعملكم.
@ أما الكسب الذي هو نتيجة التكليف ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فالكسب هنا بمعنى العمل، لذا قال في الآية ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:281، آل عمران:161] وفي الآية الأخرى سورة [آل عمران]، قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:111]. فإذاً كَسَبَتْ وعَمِلَتْ تتنوع في القرآن: فالكسب الذي هو نتيجة التكليف هو العمل؛ لكن قيل عنه كسب تفريقاً ما بينه وما بين الاكتساب؛ لأنَّ الله - عز وجل - لمَّا ذَكَرَ التكليف في آية البقرة قال ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ليبيِّنَ - عز وجل - أنَّ عمل العمل الصالح كسب سهل يمكن أن يعمله بدون كُلفةٍ منه ومشقة عليه، أما عمل السيئات التي عليه فيعملها بكُلفَةٍ منه ومخالفَةْ وزيادة اعتمال وتَصَرُّفْ في مخالفة ما تأمره به فطرته.
لهذا قالوا: زاد المَبْنَى في ﴿اكْتَسَبَتْ﴾ لأنَّهُ يحتاج إلى جُهدٍ منه ومشقة بخلاف العمل الصالح فإنه يُقْبِلُ عليه بنفسه.
فإذاً العمل هو الكسب، وهذا هو تفسير أهل السنة والجماعة للكسب على ما دلّت عليه الآيات.
وأما الآخرون من الفِرَقْ: الجبرية والقدرية ففسَّرُوا الكسب بتفسيرات أُخَرْ.
- أما القدرية فإنهم قالوا: الكسب هو خَلْقُ العبد لفعله؛ لأنَّهُ يوافق لمعتقدهم في ذلك.
- والجبرية الذين هم الأشاعرة في هذا الباب فأخرجوا للكسب مصطلحاً جديداً غير ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وقد ذكرته لكم عدة مرات في أنَّ الكسب عندهم هو اقتران الفعل بفعل الله - عز وجل -، اقتران ما يُحْدِثُهُ العبد بفعل الله - عز وجل -. فعندهم أنَّ الفعل حقيقة هو فعل الله، والعبد حَصَلَ له العمل؛ لكن النتيجة هي الكسب.
فالعبد في الظاهر مُخْتَارْ، العبد في الظاهر يعمل، العبد في الظاهر يُحَصِّلْ ما يريد؛ لكنه في الباطن مفعول به.
والكسب هذا عندهم مما اختلفوا فيه على أقوال كثيرة جداً وليس تحتها حاصل.
المقصود من الكلام أنَّ الكسب عند الجبرية عند الأشاعرة ما يُفَسَّر بتفسيرٍ صحيح، وهو من الألفاظ المبتدعة التي ضَلُّوا بسببها في باب القدر، أَحْدَثَهُ الأشعري ولم يُفَسِّرْهُ بتفسيرٍ صحيح، وأصحابه أيضاً لم يُفَسِّرُوهُ بتفسير صحيح إلا بدعوى الاقتران.
إذا تبيَّنَ هذا، فإذاً حقيقة الكسب الذي أثبته الطحاوي هنا بقوله (خَلْقُ اللهِ، وَكَسْبٌ مِنَ العِبَادِ) نحمِلُهُ على قول أهل السنة والجماعة، مع أنَّهُ يمكن أن يُحْمَلَ على قول الأشاعرة والماتريدية في ذلك.
والأَوْلَى أن يُحْمَلْ على الأصل وهو ما يوافق القرآن والسنة؛ لأنَّهُ هو في جُلِّ عقيدته يوافق طريقة أهل السنة والحديث.
كان بودي أن أذكر تفصيل أكثر؛ لكن على كل حال لها إن شاء الله موضع آخر، أو مناسبة أخرى.
نكتفي بهذا القدر، فالجملة هذه ما أعطيناها حقها (خَلْقُ اللَّهِ) المفروض أن نتكلم على الردود على المعتزلة في قولهم بأنَّ العبد يخلق فعل نفسه ونُبْطِلُ مسألة الظلم والعدل والقياس في الأفعال، ونتكلم عن الكسب عند الأشعرية بتفصيل أكثر؛ لأني سبق أن أوضحته لكم أكثر من هذا في الواسطية1؛ لكن على كل حال، بعض العلم يخدم بعضاً.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.2

: [[الشريط الأربعون]] : وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ.

فصول الكتاب · 115 فصل · 758 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل · 758 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةالأسئلة[المسألة الرابعة] :في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).الأسئلة:[المسألة الثانية] :ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى؟قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ).الأسئلةالأسئلةالأسئلة[المسألة الثالثة] :نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسولالأسئلة[المسألة الرابعة] :أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة.[المسألة الأولى] :أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال - عز وجل - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:[المسألة الخامسة] :أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم - عز وجل - عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضاً،الأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلة:قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا - عز وجل - مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ.)الأسئلة[المسألة الثانية] :متى وقع الإسراء والمعراج؟الأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:الأسئلةالأسئلة:[المسألة العاشرة] :1الأسباب التي بها يُحَصِّل المرء المسلم شفاعة نبيهالأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلةقوله (وَفَوْقَهُ)الأسئلةالأسئلةالأسئلة:الأسئلة[المسألة الخامسة] :الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله -الأسئلة.[المسألة الثانية] :الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله -[المسألة الخامسة] :من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين،(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)الأسئلة.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الحادية عشرة] :قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة.الأسئلةالأسئلةنَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.[المسألة الأولى] :أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:[المسألة الثانية] :الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً.[المسألة الثالثة] :الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء.الأسئلةالأسئلة:الأسئلة:[المسألة الثالثة] :الله - عز وجل - وليٌّ للعبد، والعبد أيضاً وليٌّ لله - عز وجل -،[المسألة الرابعة] :الأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:- مقتصدون.- وسابقون مُقَرَّبون.الأسئلة[المسألة الثانية1] :هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟الأسئلة[المسألة الخامسة] :من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:[المسألة السادسة] :الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي.قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)[المسألة الثالثة] :قوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إماماً مُرَتَّبَاً، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة.الأسئلةالأسئلة[المسألة الثانية] :قوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة؛[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين.[المسألة الرابعة] :الروح والبدن ذكر العلماء أن لها أربعة1أنواع من التعلق
[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه.
الأسئلةالأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:[المسألة الثانية] :لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ،[المسألة الثانية] :عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَالأسئلةالأسئلة:[المسألة التاسعة] :الكرامة إذا أعطاها الله - عز وجل - الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة.الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةقوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) :الأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :عِظَمِ شأن الدعاء،الأسئلة
جارٍ التحميل