: س2/ ألا يقصد المؤلف رحمه الله بأهل الحديث والأثر من ذُكِرُا في حديث (خير القرون قرني)؟ ج/ هذا قد يرد ولكن لا يُسَمَّى الصحابة أهل الأثر، لأنَّ التقسيم بين أهل الأثر وأهل النظر هذا إنما أتى بعد ذلك فلا نقول إنَّ في الصحابة أهل أثر وأهل نظر، إنما هذا نشأ في أوائل القرن الثاني من مدرسة المدينة أهل الرأي والكوفة الرأي إلخ، فانقسم أهل العلم إلى مدرستين مدرسة النظر والفقه ومدرسة الفقه والأثر.
س3/ تكثر المراثي والأشعار فيمن يموت من العلماء وغير ذلك، ويحصل من المبالغة في ذكر المحاسن والثباكي عليه وثَمَّ سؤالان: الأول: هل هذا من النياحة؟ الثاني: يرد في كثيرٍ منها بعض الألفاظ الشركية أو قريب منها والمبالغة الشديدة إلى آخره.
وذَكَرَ أمثلة من ذلك، وأظنه يقول القصائد كانت في رثاء الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وثَمَّ مدخل لأهل البدع؟ ج/ لاشك أنَّ ما رُثِيَ به سماحة الشيخ عبد العزيز رحمه الله فيه قسم منه حق وطَيِّبْ وجزى الله الرَّاثين خيراً.
والعلماء يرثون العلماء والشعراء يرثون أهل العلم ومن في فقدهم على الإسلام والمسلمين الأَثَرْ.
لكن القسم الثاني من تلك المراثي كما ذَكَرْ من الأمثلة فيها من الغلو ووسائل الشرك ونداء الميت ما فيه، وهذا مما يُبَيِّنُ لك غُرْبَةْ التوحيد، وأَنَّ الناس لا يَصِحُّ أن يقولوا التوحيد علمناه والحمد لله، الناس على الفطرة ولا يحتاجون للعقيدة والتوحيد.
هذا في موت سماحة الشيخ لمَّا سِيْرَ بجنازته من الناس من تَمَسَّحَ به وألقى عليه غترة وسمح من الجهلة، ولمَّا جاءت القصائد فيه من يُشَارُ إليهم من ناداه في قصيدته يا أبا عبد الله وغوث الملاهيف1ونحوه من المبالغات.
وهذا يدلك على أنَّ رسالة الشيخ رحمه الله في حياته والدعوة التي أقامها في ملازمة السنة وترك البدع ورَدْ وسائل الشرك ووسائل البدع فيمن هو أفضل من الشيخ رحمه الله هو النبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى آخره.
الشيخ أقام حياته لتقريض السنة والرد على البدع ووسائل الشرك، فيأتي من يغلو فيه إما لغرضٍ صالح أو لغرضٍ غير صالح أيضاً.
لاشك أنَّ هذا ذنب وإثم على من قاله ويجب عليه التوبة وسحب هذه القصائد وأن يراجعها أهل العلم إذا كان فيها شيء منكر وجَبَ عليه أن.
وهذه نتبرأ منها، نحن نتبرأ ممن غلا في مدح الأولياء، الصحابة، وفي مدح النبي صلى الله عليه وسلم غلا فيه الغُلُو الذي أوصله إلى مقامٍ لم يجعله الله - عز وجل - له، فكيف بمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم ودون الصحابة من العلماء والأولياء ومثل سماحة الشيخ رحمه الله؟ لاشك أنَّ الواجب الإنكار ولا نُقِرُّ شيئاً من ذلك ونبرأ منه.
وليس لأهل البدعة حجة في ذلك لأنَّ أهل التوحيد فيهم جَهَلَة أيضاً، مثل ما في أهل البدع جَهَلَة، فَمِنْ أهل البدع جَهَلَة يبالغون في المدح ويطرون، كذلك في المنتسبين إلى التوحيد وإلى أهل التوحيد وإلى أهل العقيدة فيهم من يجهل كثيراً فيُخْطِئْ ويتجاوز.
وذَكَّرَنِي هذا حينما رأيت بعض الأشياء، ذَكَّرَنِي هذا بحياة شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عاش حياته للعقيدة وللتوحيد ولنصرة السنة ولرد البدع ووسائل الشرك والغلو في الأموات ثُمَّ بعد ذلك جنازته صُلِّيَ عليها الظهر وظلت تمشي إلى المقبرة والناس يُلْقُونَ عمائمهم ويُلْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ على جثمان شيخ الإسلام تَبَرُّكَاً به، فما حياته إذاً؟ هؤلاء الجهلة الكثيرون حتى ولو انتسبوا إلى الثقافة وإلى العلم، هؤلاء الجهلة بحاجة إلى أن يدرسوا العقيدة ويعلمون ما يحل وما يحرُمْ.
هو يريد أن يرثي إماماً وعالماً مثل سماحة الشيخ ويقع في الإثم ويجعل الإثم أيضاً ينتشر في الأمة والبدعة ووسائل الشرك، فبَدَلَ أن نسير في دعوته وما عاش في حياته له نخالفه بعد وفاته.
وهذا لاشك أنه مما يَسُرُّ الشيطان ويأنس له.
والغلو شرٌّ، الغلو شر، وهدي الصحابة في ذلك هو الهدي الكامل، فكم المراثي في أبي بكر وكم المراثي في عمر وفي عثمان وكم المراثي في ابن عمر وابن عباس، اجمعوها أليس في زمنهم من الشعراء والعلماء من فيه؟ لكنها قليلة، مُحَافَظَةً، لا لأنهم لا يستحقون؛ لكن خشيةً من الغلو، وأحياناً بعض المسائل يُعَامِلْ فيها الإنسان الناس بنقيض القصد حتى لا يتوسعوا في الشرك والبدع.
ولهذا ينبغي عليكم جميعاً أن تَسْتَدِلُّوا بما حصل من هذه التجاوزات على غربة التوحيد ويعطيكم دليلاً على أنَّهُ في هذا البلد والذين هم قريبون من الشيخ ويعلمون دعوته ويعلمون الكتب التي شرحها ودَرَّسَها وفتاويه التي يرد فيها على أقل البدع وعلى أقل وسائل الشرك كيف أَنَّ الناس يخالفونه وهم عاشوا معه سنين عدداً.
فما أشد الغربة وما أشد حاجة الناس إلى التوحيد والعقيدة العلم الصحيح والالتزام بالسنة.
أسال الله - عز وجل - أن يرفع درجة شيخنا في عليين وأن يجزيه عنا خير الجزاء وأن يجعله مع الأئمة السابقين ممن أحبهم واقتفى أثرهم إنه سبحانه على كل شيء قدير.
س4/ ما رأيكم ما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمد من اتهام لأبي حنيفة وبالقول عليه بخلق القرآن إلى آخره؟ ج/ هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تُنْسَبْ لأبي حنيفة وهو منها براء في خلق القرآن، وكانت تنسب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس ونُقِلْ لبعض العلماء فَحَكَمُوا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنَّهُ كان العهد قريباً -عهد أبي حنيفة- وكانت الأقوال تُنْقَلْ: قول سفيان قول وكيع قول سفيان الثوري قول سفيان بن عيينة قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة.
فكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهادِ عبد الله بن الإمام أحمد قائمة في أن ينقل أقوال العلماء فيما نَقَلْ.
ولكن بعد ذلك الزمان كما ذكر الطحاوي أَجْمَعَ أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه بعد ذلك، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع هجري وكَتَبْ في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وفي كتبه جميعاً يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل ويترحم عليه وينسبه إلى شيءٍ واحد وهو القول بالإرجاء، إرجاء الفقهاء دون سلسلة الأقوال التي نُسِبَتْ إليه لأنَّهُ يوجد كتاب أبي حنيفة الفقه الأكبر وتوجد رسائل له تدل على أنَّهُ كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة، في مسألة دخول الأعمال في مُسَمَّى الإيمان.
وهكذا درج العلماء على ذلك كما قال الإمام الطحاوي إلا -كما ذكرت لك- بعض من زاد، غلا في الجانبين: إما غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث وسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةْ وسَمَّاهُم جهلة.
ومن غلا أيضاً من المنتسبين للحديث والأثر فوقع في أبي حنيفة رحمه الله أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية أو في العلماء.
والمنهج الوسط هو الذي ذكره الطحاوي وهو الذي عليه أئمة السلف.
لمَّا جاء الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصَّلَ هذا المنهج في الناس وأنْ لا يُذْكَرَ أحد من أهل العلم إلا بالجميل وأن يُنْظَرْ في أقوالهم وما رَجَّحَهُ الدليل فَيُؤْخَذُ بِهِ وأن لا يُتَابَعْ عالم فيما أخطأ فيه وفيما زل؛ بل نقول هذا كلام العالم وهذا اجتهاده والقول الثاني هو الراجح.
ولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح ورُبِّيَ عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقاً لهذا الأصل.
حتى أتينا إلى أول عهد الملك عبد العزيز رحمه الله لمَّا دَخَلْ مكة، وأراد العلماء طباعة كتابة السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة الجليل عبد الله بن حسن آل الشيخ رحمه الله رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فَنَزَعَ هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطْبَعْ لِأَنَّهُ من جهة الحكمة الشرعية كانَ لَهُ وقته وانتهى، ثُمَّ هو اجتهاد والسياسة الشرعية ورعاية مصالح الناس أن يُنْزَعْ وأن لا يُبْقَى وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا نجعل الناس يَصُدُّونَ عن ما ذكره عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نُقُولٍ نُقِلَتْ في ذلك.
وطُبِعَ الكتاب بدون هذا الفصل وانْتَشَرَ في الناس وفي العلماء على أَنَّ هذا كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد.
حتى طُبِعَت مُؤَخَّرَاً في رسالةٍ علمية أو في بحثٍ علمي وأُدْخِلَ هذا الفصل -وهو موجود في المخطوطات معروف- أُدْخِلْ هذا الفصل من جديد، يعني أُرْجِعْ إليه، وقالوا إنَّ الأمانة تقتضي إثباته إلى آخره.
وهذا لاشك أَنَّهُ ليس بصحيح، بل صنيع علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك.
ولما طُبِعْ كُنَّا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته، وكان داعياً لسماحة الشيخ عبد العزيز رحمه الله، فطَرَحْتْ عليه أول ما طُبِعْ كتاب السُّنَّة الطبعة الأخيرة التي في مجلدين إدخال هذا الباب فيما ذُكر في أبي حنيفة في الكتاب وأًنَّ الطبعة الأولى كانت خالية من هذا لصنيع المشايخ.
فقال رحمه الله في مجلس الشيخ صالح قال لي: الذي صنعه المشايخ هو المُتَعَيِّنْ ومن السياسة الشرعية أن يُحْذَفْ وإيراده ليس مناسباً.
وهذا هو الذي عليه منهج العلماء.
زاد الأمر حتى صار هناك تآليف يُطْعَنْ في أبي حنيفة وبعضهم يقول أبو جيفة ونحو ذلك، وهذا لاشك أنه ليس من منهجنا وليس من طريقة علماء الدعوة، ولا علماء السلف لأننا لا نذكر العلماء إلا بالجميل، إذا أخطؤوا فلا نتابعهم في أخطائهم، وخاصَّةً الأئمة هؤلاء الأربعة؛ لأنَّ لهم شأنَاً ومقاما لا يُنْكَرْ.
نكتفي لهذا القدر أسأل لكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: