[سائل] هنا تعليق لبعض الإخوان.
[الشيخ] اقرأ التعليق.
[السائل] بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين: اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافاً كثيراً، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة رحمهم الله، وأهل الظاهر، وجماعة من التابعين إلى أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.1قال: وهو قول المعتزلة أيضاً، فإنهم قالوا: الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحته والسلف جعلوها شرطاً في كماله.
وانظر شرح السنة إلى آخره.2ج/ هذا غلط، التعليق هذا غلط: أولا: ليس هو قول المعتزلة.3ثانياً: ليس الفرق بين أهل السنة والمعتزلة، أهل السنة لا يرون العمل شرط يرونه ركن لأنَّ ما أُدْخِلَ في المسَمَّى فهو ركن.
هذا تعليق شعيب؟ [السائل] نعم.
هذا ليس بسليم، هذا الكلام غلط، هذه أي طبعة، رقم 1413؟، لا هذا ما هو صحيح؛ تعليقه غلط.
كل تعليقه غلط، هو جَعَلَ أَنَّ قول أهل السنة أنَّ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان جعله قولاً للمعتزلة، وهذا ليس بصحيح، ثم جعل أيضاً الأعمال عند السلف شرطاً في الكمال، وجعله عند المعتزلة شرطاً في صحة الإيمان، وهذا أيضا ليس بصحيح، كل تعليقه مبني على فهم الماتريدية في الغالب؛ يعني ينحو منحى الماتريدية في هذه المسألة.
س2/ يقول: ما يقول الأئمة الأعلام في مخالفي أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات من المعطلة والمشبهة وغيرهم، هل هم كفار أم لا؟ وأي نوعي الكفر وقعوا فيه وما سبب ذلك؟ هل لقولهم على الله بغير علم أم لإنكارهم بعض نصوص الوحي أم ماذا؟ وما تأويل الإمام أحمد رحمه الله عندما قال: الواقفة أو المفوّضة أشد ضلالاً من غيرهم أو كما قال؟ ج/ شُوف بعض الأسئلة كأنها أسئلة اختبارات، يعني هل هم كذا وهل؟؟، هل هم كفار أم لا وأي نوعي الكفر وقعوا فيه؟ وما سبب ذلك هل لقولهم على الله بغير علم؟؟ على كل حال الإفادة مطلوبة.
الضالون في باب الأسماء والصفات درجات وأقسام، منهم الجهمية ومن شابههم ممن ينفون جميع الأسماء والصفات، إلا صفة الوجود المطلق، وهؤلاء هم الذين اشتد عليهم صوت السلف والأئمة؛ بأنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة وإنما هم خارجون أصلاً.
فجهم ومن معه لا يُعتبرون أصلاً في الإسلام، يعني الجهمية الأصليين الذين ينفون جميع صفات الرحمن - عز وجل - وجميع أسماء الرحمن - عز وجل - إلا صفة الوجود المطلق، وهؤلاء لا وجود لهم اليوم بادوا في ذلك الوقت، هؤلاء ليسوا من المسلمين.
والفئة الثانية التي أيضاً يُحكم بكفرهم: المشبهة الذين يقولون وجه الله كوجه الإنسان، أو يده كأيدينا، أو عيناه - عز وجل - كأعيننا أو سمعه كسمعنا، يجعل المماثلة في ذلك في تمام الاتصاف بالصفة، هؤلاء أيضاً المجسمة على هذا النحو والممثلة فإنهم أيضا ليسوا من أهل الإسلام؛ لأنهم شبّهوا الخالق بالمخلوق أو شبهوا المخلوق بالخالق - عز وجل -. أما من ليسوا كذلك وإنما هم مبتدعة على درجاتٍ في الصفات، منهم المعتزلة ومنهم الأشاعرة والكلابية والماتريدية ومن على هذا النحو، فإنَّ هؤلاء منهم من يُثبت بعض الصفات، منهم من يُثبت سبع صفات أو ثمان أو أكثر أو أقل على خلافٍ بينهم، فلا يُطلَقْ القول بتكفير الطائفة، ولا يُطلَقْ القول بعدم التكفير أيضاً، وإنما يُقال هؤلاء أهل بدع، وبحسب ما نفى يكون الحكم عليه، ليسوا على بابٍ واحد، لكن الأصل أنَّ من أثبت بعض الصفات وتأوَّلَ في الباقي ونفى أو أوَّلْ فإنه لا يُحكَمُ بكفره، وإنما يُقال هذا من أهل البدع.
لهذا أهل السنة والجماعة لمَّا تكلّموا في المعتزلة وحَكَمُوا بكفرهم، يعني بكفر أهل الاعتزال، ذكروا أنَّ ذلك متعلِقٌ بالقول بخلق القرآن أو ببعض المسائل الأخرى، أما نفي الصفات أصلاً فهو مردود وكفر كما هو عليه الجهمية، أما تأويل الصفات في إثبات بعضٍ أو نفي بعض فلا يُطلَقْ القول بتكفير هذه الفئة.
ومن أهل العلم -من أهل السنة والجماعة- من خصّ مسألة علو الرحمن - عز وجل - لأجل ظهور دليلها (علو الذات للرّب - عز وجل -)، لأجل ظهور دليلها وقوّة برهانها وعدم وجود مجال للتأويل فيها خَصَّهَا بأنَّ من أنكر علو الذات للرب - عز وجل - فإنه يَكْفُرْ، لكن الأصل الذي عليه أئمة أهل السنة والجماعة أنهم يستعملون في هذا الباب عبارات الابتداع، البدعة والضلالة والمخالفة وطريقة الخلف وأشباه ذلك.
وليس كل من نفى صفة أو تَأَوَلَهَا يعتبر كافراً خارجاً من الدّين، وإنما ذلك الاتفاق مخصوص بالجهمية والمجسمة، وأما المعتزلة ففيهم تفصيل بحسب المسألة التي تُتَنَاوَلْ، أما الأشاعرة والماتُريدية والكلابية فلا أعلم أحدًا من أهل السنة أطلق عليهم الكفر.
نكتفي بهذا.
واللهُ تَعالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيَقْضِي الحَاجَاتِ.
[المسألة الأولى] : الله - عز وجل - ذَكَرَ في القرآن كثيراً إجابته للدعاء وللسؤال وإعطاءه، كقوله - عز وجل -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60]، وأثنى الله - عز وجل - على الأنبياء بأنهم يدعون الله - عز وجل - خوفاً وطمعا، وبيَّنَ - عز وجل - أنه يُجيب دعوة المضطر فقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل:62]، بل بَيَّنَ - عز وجل - أنه أجاب دعاء إبليس، إذ قال سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:36-37]، وبَيَّنَ الله - عز وجل - أنه ربما أجاب دعاء أولياء الشيطان والكفرة فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان.32].، ونحو ذلك من الآيات كقوله ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:67]، وهذا مُنَوَّعٌ في القرآن كثيراً في أنَّ الله سبحانه خَلَقَ الخلق جميعاً، فهو رب المؤمن ورب الكافر، وربوبيته للكافر تقتضي إعطاءه، وربوبيته للمؤمن تقتضي إعطاءه، وهكذا، ربما أعطى المؤمن فكان في حقه نعمة وربما أعطى الكافر فكان في حقه عذاباً ونقمة، فهم يَسْأَلُونْ والله - عز وجل - يجيب الداعي ويجيب المضطرّ إذا دعاه.
وقضاء الحاجات أيضاً يبتدئه الرب - عز وجل - ويُعْطِيْ عبده إذا سأله قضاء حاجة، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:15-17]، وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث سلمان: «إن الله حييٌ [ستِّير]1يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا خائبتين»2رواه أبو داوود، والإمام أحمد وجماعة بإسنادٍ صحيح، وأيضاً جاء في سنن ابن ماجه وعند غيره: «من لم يسأل الله يغضب عليه»3، وفي إسناده نظر، وأيضاً صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ الله ينزل آخر كلّ ليلة إلى السماء الدنيا فيُنادي هل من داع فأستجيبَ له، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له»4، وهذا يدلّ على أنَّ الرّب - جل جلاله - يقضي حاجات العباد ويُفيض عليهم من الخيرات وهو سبحانه الذي دعا إلى دعائه وهو الذي يُجيب، وهذا يدل -كما سيأتي- على أنَّ الدعاء سبب من الأسباب العظيمة النّافعة التي جعلها الله - عز وجل - سبباً.
[المسألة الثانية] : سبب مخالفة من خالف -ولأجلها أورد الطحاوي هذه الجملة- من غلاة المتصوّفة وطائفة من الفلاسفة، فهؤلاء يقولون: الدعاء لا حاجة إليه وسؤال الرب - عز وجل - قَضَاءَ حاجة العبد لا حاجة إليه، وعَلَّلُوا ذلك بأمرين: 1- الأمر الأول: أنه سبحانه قَدَّرْ الأشياء وجعل لكل أمرٍ سيحصلُ قَدَرَاً مقدوراً، فإذا كان مُقَدَّرَاً فسيقع، وإن لم يكن مُقَدَّرَاً قالوا: فلن يقع، فإذاً لا حاجة إلى الدعاء ولا فائدة منه. 2- الأمر الثاني: أنهم قالوا إنَّ الله - عز وجل - عَوَّدَ خلقه وسُنَّةُ الله فيهم على أنَّهُ يعطيهم ما يحتاجون، ولم يجعل قلوبهم مُعَلَّقَة بـ: هل يأتي الأمر أم لا يأتي، فتمام إخلاص القلوب عندهم أن ترضى بما هي عليه من الحال وأن تنتظر إفاضة الله - عز وجل - لما يريده ولما يعطيه. وهذا عندهم هو مقام الصديقين والعارفين والأولياء، وهذا الذي ذكروه لا شك أنَّ أهله انقرضوا إلا ما نَدَرْ بحيث أنه لا توجد الآن فئة تُنسب إليهم هذه المقالة. وسبب ذلك أنَّ الرَّدَ عليهم وبيان بطلان ما قالوا واضح بيِّنْ، لأنَّ: @ التعليل الأول الذي ذكروه وهو أنَّهُ لا حاجة إلى الدعاء لأنه إما أن يكون مُقَدَّرَاً أو غير مقدرٍ، فيُجاب عليهم ويُرد على ما قالوا بأنَّ الله - عز وجل - أَنَاطَ أشياء كثيرة جداً، بل أناط أكثر ما يُوجِدُهُ في خلقه بالأسباب المقتضية بمُسَبَّبَاتِهَا، فأناط إخراج الولد وانعقاد الحمل بأن ينزوي الرجل على المرأة ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49]، لكن لا يهب إلا بسبب، وكذلك قَدَّرَ - عز وجل - أن فلاناً يمرض لكنه لم يُقَدِّرْ هذا المرض إلا -غالبا- بسبب، وكذلك هو - عز وجل - جعل فلاناً عالماً وقَدَّرَ ذلك لكن لا يكون إلا بسبب وهو أن يتعلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم».1
فإذاً قول غلاة الصوفية هو مصيرٌ منهم إلى نفي الأسباب ونفي النظر إليها وأنَّ الأمور بِجَبْرْ وليست منوطة بأسباب بل الله - عز وجل - يُجْبِرُ الأشياء على أن تكون على وفق ما يراد دون أن يرتبط شيء بسببه.
وهذا لا شك قدحٌ في العقل لأنه إلغاء لما يُدركه كل عقل من أنَّ الشيء منوط بسببه.
من جملة الأسباب التي أناط الله - عز وجل - بها إيقاع ما قدّر: الدعاء.
فَكَونُ العبد يدعو الله - عز وجل - يكون الدعاء سبباً في حصول ما قَدَّرَ الله - عز وجل -، فيكون ما قَدَّرَهُ الله - عز وجل - لا يقع إلا بعد وجود السبب، كما أنَّ الحمل لا ينعقد إلا بعد وجود السبب.
بل الدعاء في الحقيقة أعظم أنواع الأسباب لأنَّ به يحصل إِمْدَادْ الله - عز وجل - في كلّ شيء ونفع الرب - عز وجل - بكل سبب يعمله العبد، فالدعاء أعظم أنواع الأسباب.
@ أما التعليل الثاني: فإن ذاك مبني على أنَّ حالة النبي صلى الله عليه وسلم وحالة الصحابة رضوان الله عليهم ليست هي الحال الكاملة؛ بل كيف ينظرون إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أحواله كلها وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك الدعاء لنفسه ولأهله ولأمته صلى الله عليه وسلم، بل أرشد الصديق وعمر إلى أن يُعْظِمُوا الرّجاء والدعاء وهذا يدل على أنَّ حال الكاملين بأن يتعرضوا لدعاء الله - عز وجل -، فكم دعا النبي صلى الله عليه وسلم من دعاء في صلاته في آخر الليل وفي أوقات الإجابة صلى الله عليه وسلم، وهذا لأنه أعرف الناس وأعلم الناس بربّه - جل جلاله - وتقدّست أسماؤه.
أما قول الفلاسفة، فالفلاسفة أنواع: - منهم من يوقن بنفع الدعاء؛ لكنهم يقولون: إنَّ الدعاء ينفع لأنه يؤثِّرُ فيما عقدته الأفلاك، لأنَّ عندهم أنَّ الأثر للفلك الثامن الذي يؤثر في مجموعة الأفلاك، فينقل فيها التأثيرات التي تؤثر على سلوك أهل الأرض وما يكون في الأرض.
- ومنهم من يقول الدعاء أصلاً لا ينفع لأنَّ الأمور بنظام، وكل شيء يقع على مقتضى الطبيعة، والدعاء ليس سبباً طبيعياً، وهذا قول الملاحدة منهم، وظاهِرٌ فيه أنهم لا يؤمنون بحال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
[المسألة الثالثة] : دعاء العبد لله - عز وجل - وتَضَرُّعْ العبد عند الله - عز وجل - فيه أمور: 1- الأمر الأول: أنَّهُ تَعَرُضٌ لرحمة الله - عز وجل - ولآثار ربوبيته، فهو سبحانه وتعالى يُعْطِي من سأله ويجيب من دعاه - عز وجل -، لأنه هو الرب.
ولهذا قد يُعطي الله - عز وجل - الكافر كما أجاب دعاء إبليس، فقد يَمْرَضُ الكافر فيسأل الله - عز وجل - فيُشْفَى، وقد يَتَعَرَّضْ الكافر لمصيبة فيسأل الله - عز وجل - أن يكفيه شرها فيُجاب.
بل يأتي المشرك والخرافي والمشرك المتعلق بالأموات فيأتي عند القبر بقلب مُضطرّ فيسأل الله - عز وجل - بصاحب هذا القبر أو يسأل الله - عز وجل - ثُمَّ يسأل صاحب القبر، فيُجاب الدعاء لما في قلبه من الاضطرار لله - عز وجل -، ويكون في حقه ابتلاء ويكون أيضاً فتنةً للآخرين.
فإذن العطاء لا يقتضي الرضا عن المُعطَى، وإجابة الدعاء لا تقتضي الرضا عن من أُجِيبَ دعاه فهذا إبليس أُجِيبَ دعاه وقد دعا بأعظم دعوةٍ عنده وهي أن يطول عمره حتى يكون إلى يوم القيامة، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي﴾ يعني أمد في عمري ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:36]، إلى أن ينتهي تكليف آدم وأبناءه، فأعطاه الله - عز وجل - هذا السؤال الذي لم يُعْطِهِ نبياً من الأنبياء في إطالة العمر إلى هذا الحد، وهذا كما أعطى الكفار بعض ما سألوا، وكما يُعْطِي بعض من يعبدون المسيح أو يعبدون عزيراً أو يعبدون غير الله، فيُعطيهم لأمر، لا لأجل كفرهم، ولكن لحكمةٍ يعلمها الله أو لأجل اضطرارهم أو لأنَّ هذا الإعطاء أصلاً من مقتضيات ربوبيته - عز وجل - لهم وهم بحاجة إليه، والله هو الذي خلقهم وجعل لهم قدَراً مقدورا.
2- الأمر الثاني: أنَّ الدعاء فيه إثباتْ لصفاتٍ كثيرة من صفات الرب - عز وجل -. فمن دعا الله - عز وجل - بحق فإنه يستحضر إذ دعا، ولو لم يستحضر فإنَّ هذا متضمنٌ لدعائه: - الصفة الأولى: أنَّهُ موقن بوجود الرب - عز وجل -. - الصفة الثانية بأنه سبحانه وتعالى يسمع دعاءه مع أنه في عليائه - عز وجل -، وهو يهمس همساً لا يجهر، وهو يعتقد أنَّ الرب - عز وجل - سميعٌ لدعائه.
- الصفة الثالثة: يوقن أنَّهُ - عز وجل - قدير على إجابة دعائه.
- الصفة الرابعة: يوقن أنّه سبحانه وتعالى غني يُعْطِي بغير حساب.
- الصفة الخامسة: يوقن أيضا أنه - عز وجل - رحيم بعباده، فإن سؤال الرب - عز وجل - تَعَرُضٌ لآثار لرحمته سبحانه وتعالى.
- الصفة السادسة: يوقن بأنه سبحانه وتعالى حي، وهكذا.
فمن تأمل دعاء العبد، نَظَرَ في أنَّ في دعاء العبد أنواعاً من إثبات الكمالات للرب - عز وجل -، ولذلك يَضْعُفُ التوحيد إذا ترك العبد دعاء ربه - عز وجل -، وكلّما قلّ الدعاء، قَلَّ تعلُّقْ العبد بالله - عز وجل -، لأنّ آثار التوحيد على النفس والنور الذي يُقْذَفْ في القلب من آثار التعلق بالله - عز وجل - يضعف شيئاً فشيئاً.
3 - الأمر الثالث: الله - عز وجل - في إجابة الدعاء، وفي إعطاء الحاجة التي سُئِلَت، جعل لذلك شروطاً وجعل لذلك موانع.
فإنَّ العبد قد يسأل ولا يُعْطَى وقد يدعو دُعَاءَ سؤال ولا يُستَجَاب له في عين ما سأل؛ لأنه لم تكتمل الشروط في حقه أو قام مانِعٌ من الموانع، وهذا يتضح بمسألةٍ تأتي.
4- الأمر الرابع: أنَّ إجابة الدعوات وقضاء الحاجات ليس دليلاً على شيء، وإنما هو من جنس مطلق الإعطاء.
فكما أنَّ الله - عز وجل - جعل هذا على صفة، وهذا على صفة، وهذا على صفة؛ فإنه سبحانه، يُعْطِي هذا، ويُعْطِي هذا، ويعطي هذا.
وقد -كما ذكرتُ لك- يُعْطِي فاسق ويُعْطِي المبتدع ويُعْطِي الفاسق، ويجيب دعاء هذا وهذا وربما هذا بأكثر وهذا بأكثر.
لكن يمتاز المؤمن والعبد الصالح وولي الله - عز وجل - أن يكون جواب الله - عز وجل - له وإعطاؤه لسؤاله -يعني إعطائه لما سأل-، عن محبَةٍ ورضا فيكون في حقه نعمة ولا يكون في حقه نقمة أو إبتلاء.
وهذا هو الذي جاء في حديث الولي، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى1: [[الشريط الثاني والأربعون]] : وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه» (2) هذا عطاء محبة، «ولئن استعاذني لأعيذنه» هذه إعاذة محبّة ورضا.
[المسألة الرابعة] : الله سبحانه وتعالى قال ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60]، وقال «من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له»، وإجابة الدعاء عام يشمل إجابة دعاء العبادة وإجابة دعاء المسألة. - أما إجابة دعاء العبادة: فهو بالإثابة. - وأما إجابة دعاء المسألة: فهو بالإعطاء. ولهذا في آية سورة غافر قال ? ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60]، ورجَّحَ طائفة من أهل العلم أنها في الدعاء الذي هو العبادة، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، يعني أعبدوني أُثِبْكُم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. والنوع الثاني الذي هو دعاء المسألة فيكون إستجابة دعاء المسألة بإعطاء العبد ما سأل. وإجابة الدعاء يَعُمُّ إعطاء العبد ما سَأَلْ أو ما هو في مقام إعطائه ما سأل من صَرْفِ السُّوءِ عَنْهْ. ولهذا قال العلماء: إنَّ العبد إذا دعا الله ? ولم يُعطَ ما سأَل فإنّ لهذا عدة تعليلات: 1- التعليل الأول: أنه يُصْرَفْ عنه من الشر بمثل ما سأل، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثة خصال: إما أن تُعَجَّلَ له دعوته، وإما أن يُصرَفَ عنه من الشر مثلُها، وإما أن تُدخَرَ له يوم القيامة».1
وهذا يعني أنَّ دعاء العبد المؤمن لا يضيع بل يُسْتَجَابْ لكن: - ربما أُستْجُيِبَ بثوابٍ يوم القيامة.
- وربما أُستْجُيِبَ بعطاء.
- وربما أُستْجُيِبَ بصرف الشرعنه.
والله ? أعلم بما يُصْلِحُ العبد في دنياه وفي آخرته.
قد تكون حاجة العبد المؤمن للحسنات في الآخرة أعظم من حاجته لما سَأَلْ في الدنيا، فَيُدَّخَرْ له ما سأل يوم القيامة، وهذا من أعظم لُطْف الله ? ورحمته بعبده وعنايته بعبده ? وتَقَدَّست أسماؤه، سبحان ربنا لا نُحصي ثناءً عليه.
2- التعليل الثاني: أنَّهُ كما ذكرنا أنَّ الدعاء يكون له شروط وله موانع، فقد يكون العبد في دعائه أتى بمانع من الموانع من إجابة الدعاء كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلمٍ يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم»، قطيعة الرحم معروفة، والإثم قد يكون منه الإعتداء في الدعاء؛ لأنَّ الله ? نَهَى عن الإعتداء في الدعاء فقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:55]، يعني المعتدين في الدعاء وأيضاً المعتدين في غيره، فالإعتداء لا يُحبه الله ?.2فالإعتداء في الدعاء إثم وله صور كثيرة: فقد يدعو العبد ويعتدي في الدعاء فيزيد في أدعيته.
أو يأتي بأشياء ليست من الأدب مع الرب ?، فيكونُ مانعاً من إجابة الدعاء لإثْمٍ وقع فيه في الدعاء، أو لإثمٍ وقع فيه في سلوكه فإنه صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ الرجل ليُحرَمُ الرزق بالذنب يصيبُه»3، وهذا يكون مانعا.
أيضاً هناك شروط للدعاء من الآداب فيه، فلا بدّ من توفرها.
3- التعليل الثالث: أنَّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب ? آخر الليل أو في النصف الأخير من الليل أو في الثلث الأخير من الليل على إختلاف الروايات، رَتَّبَ مسألة الدعاء على ثلاث درجات، فقال صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله يُنادي هل من داعٍ فأستجيبَ له، هل من سائِلٍ فأُعْطِيَهُ، هل من مستغفر فأغفر له».
ومغفرة الذنب أخص من إعطاء السؤال، وإعطاء السؤال أخص من إجابة الدعاء.
فلهذا رتّبها صلى الله عليه وسلم على هذه الثلاث درجات -يعني في الحديث-، فالله ? جعلها ثلاث مراتب: - ينادي من يدعو، والدعاء يَعُمُّ السؤال ويعمّ غيره كما أوضحت لك.
- أو مَنْ يسأل.
- ثُمَّ مَنْ يستغفر، فهذه مراتب ثلاث.
فإذاً ليس كل سؤال إستغفار، وليس كل دعاء سؤال.
وهذا يعني أنَّ إجابة الدعاء التي وَعَدَ الله ? بها عباده: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186]، هذا يَعُمُّ كل مايحتاجه العبد في عبادته وفي دنياه، وأيضاً ما يحتاجه ثواباً على العبادة وإعطاءً للسّؤال.
[المسألة الخامسة] : إذا كان الله جل جلاله يستجيب الدُّعَاء ويقضي الحاجة ويُعطِي السَّائل، فإنَّ مما ينبغي على العبد أن يَتَأَدَّبَ به أن يُعِدَّ للدّعاء عُدَّتَه وأن يجتهد في حُسْنِ المسألة. ولهذا أَحْسَنَ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أيَّما إحسان إذْ أرشد الأمة إلى قوله (إني لا أحمل هَمَّ الإجابة ولكن أحملُ هَمَّ الدعاء، فإذا وُفِّقْتُ للدعاء جاءت الإجابة).1
وهذا من أعظم الكلام الذي قاله عمر رضي الله عنه ومن أحْسَنِهِ لأنّه لا يُدَلُّ عليه في بيانه ولا في تصويره لهذه المسألة من كلام الصحابة بمثله.
لهذا ينبغي على العبد إذا أراد أن يدعو أن يَعْلَمْ أنَّهُ إنَّمَا يدعو مالك الملك الذي خَلَقْ، الذي هذه ﴿الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:67]، الذي ﴿عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:59]، الذي ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:62]، الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]، الذي يَطَّلِعُ على خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
لهذا ينبغي على العبد المؤمن أن يُعِدَّ للدعاء عُدَّتَه كما قال عمر رضي الله عنه (إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء، فإذا وُفِّقْتُ للدعاء جاءت الإجابة).
لهذا يَحْسُنْ بالداعي أن يجتهد في دعائه وأن يُحَضِّرَ له، أن يَسْتَعِدَّ في تحسينه لأنه سيدعو ويرفع يديه لله جل وعلا، وخاصَّةً إذا كان الدعاء في موقع من مواقع العبادة العظيمة كحال السجود إذا لم يَدْعُ بما أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو جوامع الكلم في الدعاء فإنَّهُ لا بُدَّ أن يستعد ولا يدعو بإثم أو يجتهد فيتساهل في هذا الأمر.
كذلك في موقع خطبة الجمعة، فإنّه ينبغي له أن يُعِدَّ العُدّة فيما يدعو به إذا دعا بشيءٍ لم يُؤْثَرْ.
وكذلك في صلاته في قنوته كل ليلة أو في سجوده أو في صلاة التراويح من الأئمة الذين يقنتون بالناس فإنّهم ينبغي لهم أن يعلموا أنَّ إجابة الدعاء منوطةٌ بِحُسْنِ الدعاء، فمن أحسن الدعاء رُجِيَ له الإجابة، أما أنَّهُ يدعو بما خَطَرَ على باله ويَتَعَدَّى في ذلك وهو ليس بِمُحْسِنْ ويأتي بكلامٍ كثير ربما يكون فيه إعتداء في الدعاء وهو لا يشعر فيأثم ويأثم من خلفه وربما لم تُستَجَبْ دعواتهم بعموم أنواع الإستجابة التي ذكرنا، فهذا مما ينبغي التَّنَكُبْ عنه والبُعْد عنه.
لهذا هذه المسألة عظيمة، فالدعاء أَثَرْ من آثار الإيمان وبه تُسْتَمْطَرُ الرحمات من الرب ?، ولهذا أَعِدُّوا له عُدَّتَهْ ولا يكن المرء مُستغنيَاً عن فضل الله ?. لابد من: الإلحاح في الدعاء، الإضطرار، في أوقات الإجابة.
كلّ أحد له حاجة، فإذا أَحْسَنَ السؤال جاءت الإجابة.
أسأل الله ? أن يجعلني وإياكم ممن تُجَابُ دعواتهم وتُغْفَرَ زلَّاتُهُم، إنه سبحانه جواد كريم.
قال بعد ذلك (وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَمْلِكُهُ شَيْءٌ)
قال بعدها (وَلاَ غِنَى عَنِ اللهِ تَعَالى طَرْفَةَ عَيْنٍ وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ).