شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائلالأسئلة:
أهل الأثرالأرشيف العلمي

س1/ يقول: إذا كان لفظ الحَنَفِي من ألْفَاظِ الأضداد التي تُطْلَقْ على الميل والاستقامة، فلماذا لا يقال من الأصل إنَّ إبراهيم عليه السلام كان مستقيماً على التوحيد ولا يقال مائلاً عن الشرك؟ ج/ لفظ (الحَنَفْ) في اللغة هو الميل، والحنيف يعني المائل، والرجل به حَنَفْ إذا كان به ميل في ساقيه أو في إحدى ساقيه، والأمور التي قال فيها العرب ونطقت العرب فيها بالأضداد؛ يعني أن تُطْلَقْ الكلمة وتُسْتَعْمَلْ في الشيء وفي ضده، هذا شائع في لغة العرب، وهو في اللغة يعني في اللّسان على نوعين: - منها ما يُطْلَقُ على الشيء وعلى ضده ويُنْظَرُ فيه إلى التلازم؛ بمعنى أنَّ الشيء وضده متلازمان إذا وُجِدَ أحدهما وُجِدَ الآخر، ومن هذا الحنف، فيقال ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل:120]، فَمَنْ مال عن الشرك فإنه لا يميل عنه إلا إلى التوحيد؛ لأنه ليس ثَمَّ إلا توحيد وشرك، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:50]، إذا فررت من الكائنات فإنك تفر منها إلى مُكَوِّنْ الكائنات؛ لأنه ليس ثَمَّ إلا هذا وهذا.
- النوع الثاني أن يُطْلَقَ بلا إرادة التلازم؛ بل من باب التفاؤل تَارَةً ومن باب آخر أو من أبواب أُخَرْ تارات أخر، مثل أن يُسمى اللديغ سليم، فاللديغ معروف لكن العرب قد تقول له سليم من باب التفاؤل، فكلمة سليم تُطْلَقْ على السالم وتُطْلَقْ على المريض، أُطْلِقَتْ على المريض من باب التفاؤل.
وهذه لها تأثير في فقه اللسان العربي فالعرب تارةً تطلقا من باب التلازم وتارةً تطلقها من باب التفاؤل وتارة لا من هذا ولا من هذا، في فِقْهٍ لهم في هذه الألفاظ.
إذا كان كذلك فلفظ الحنيف الذي جرى عليه السؤال لا يُتَصَوَّرْ أن يكون المرء حنيفاً أو حَنَفِيَاً أو حَنِيفِيَاً إلا أن يكون موحّداً؛ لأنه إذا مال عن الشرك فإنه يميل عنه إلى الحق وهو التوحيد، حنيف عن أهل الشرك مائل عن أهل الشرك فإنه لابد أن يميل عنهم إلى أهل التوحيد، ولو كان مَنْ مَالَ إليه إبراهيم عليه السلام وحده فإنه مع أُمَّةْ وليس مع واحد، وهكذا.
فإذاً الأصل في هذه أنها من باب التلازم، الحَنَفْ من باب التلازم.
ومنها كلمة -أيضا يُطلقها أهل نجد وربما بعضكم سمعها، وليسوا أهل نجد جميعاً وإنما هم أهل الدعوة، العامة منهم في أول الأمر- يقولون نحن أهل العُوجه، ما معنى العوجه؟ العوجه هذا من أسماء كلمة التوحيد، أهل العوجه؛ يعني أهل التوحيد، أهل ملة إبراهيم، أهل الحنيفية؛ لأنها عوجه عن طريق الشرك إلى طريق أهل التوحيد، وهذا هو التفسير الصحيح الذي فيها، مثل ما جاء في حديث وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة.

وَالْأَمْنُ وَالْإِيَاسُ يَنْقُلَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ.

وقد وصف الله - عز وجل - بعض عباده بقوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾1، هذا الاستدراج يُحدِثُ الأمن، وما عُذِّبَتْ أمة إلا وقد أَمِنَتْ؛ لأنَّ الله - عز وجل - يبلوهم بالخيرات ويبلوهم بالسيئات ويبلوهم بالشر والخير فتنة ثُمَّ هم لا يتوبون ولا هم يَذَّكَّرُون.
فإذا وقع منهم الأمن وقعت عليهم العقوبة، نسأل الله - عز وجل - لنا ولإخواننا العفو والعافية.
فهذا ضابط المسألة.
(وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ).
إذا تبين ذلك، فالواجب على كل مُوَحِّدْ، كل مؤمن: أن يُعَظِّمَ في قلبه جانب الخوف من الله - عز وجل -. فلا يُفْلِحْ مَنْ أمِنَ الله على نفسه طرفة عين، الله - عز وجل - يُقَلِّبُ القلوب ويقلب الأبصار، وقال في وَصْفْ الأولين ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:110]. يرى العبد أنَّ الخيرات تنفتح عليه وهم مُقِيم على الذنوب وهو مقيم على المعاصي وهو مقيم على الكبائر، سواء كان العبد فرداً أم كان مجتمعاً.
بنوا إسرائيل ادَّعَوا أنهم أحباب الله - عز وجل - وأنهم أبناؤه وأنه لا يُعَذِّبُهُم ولو حصل لهم تعذيب فإنما تمسهم النار أياماً معدودة، والله - عز وجل - عاقَبَ بني إسرائيل العقوبة العظيمة ولَعَنَهُم حيث قال سبحانه في سورة المائدة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:78-79]، الآيات.
فالواجب إذاً على المُوَحِّدْ أن يخاف ذنبه ولا ييأس من رَوْحِ الله.
كل أحد يُذنِبْ ولكن إذا أَذْنَبَ استغفر.
يخاف ذنبه ويخشى أنَّ الله - عز وجل - لم يقبل توبته، لم يقبل حوبته، لم يقبل إنابته، يرجو رحمة الله - عز وجل - ويخاف ذنوبه.
فما اجتمع هذان في قلب أحد إلا ونجا، وهو رجاء الرحمة وخوف الذنوب.
وهذا هو سبيل الحق الذي هو بين الأمن الإياس لأهل القبلة.
أسأل الله - عز وجل - أن يجعلني وإياكم من الرّاغبين الرّاهبين الخاشعين، وأن يجنبنا الأمن كما أسأله أن يجنّبنا الإياس فإنه سبحانه على كل شيء قدير.

وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.

[المسألة الأولى] : دليل هذه الجملة.
دليلها الإجماع؛ إجماع أهل السّنة والجماعة على أنَّ من دَخَلَ في الإيمان بيقين فإنه لا يَخْرُجُ منه إلا بِأَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ مماثلٍ -يعني في اليقين- لما بِهِ دخل في الإيمان.
وهذا الإجماع له أدلته من كتاب الله - عز وجل - ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

[المسألة الثانية] : هذا الحصر في كلام المؤلف ليس مراداً في أنَّهُ يقول (لا يخرج أحد من الإيمان إلا بالجحد)، فينفي التكفير أو الحكم بالردة بالاستحلال أو بالإعراض أو بالشك أو بغير ذلك مما يُحْكَمُ على من أتى به مع قيام الشروط وانتفاء الموانع بالردة.
ودليل عدم إرادته للحصر أنَّهُ ذَكَرْ في المسألة الثالثة التي مضت أنَّ المؤلف تبعاً لأهل السنة لا يُكَفِّرُ أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله فقال في المسألة التي مرت علينا قريبا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) واستحلال الذنب غير الجحد، الاستحلال صورة والجحد صورة، فدلَّ على أنَّ الطحاوي لا يريد بالحجد الحصر، ففيه ردّ على من حَصَرَ الردة أو الكفر بالتكذيب أو بالجحد.

[المسألة الثالثة] : الجَحْدْ من الكلمات التي استُعْمِلَتْ في القرآن والتي جاءت في القرآن، ولها دلالتها في لغة العرب.
- فَدِلالة الجحد في اللغة: الجحد هو الرد والإنكار، جَحَدَ الشيء يعني رَدَّهُ أو أنْكَرَهُ، هذا من جهة اللغة فيجتمع في اللغة مع التكذيب بالشيء ظاهراً أو مع التكذيب به باطناً.
- وأما في القرآن: فإنَّ الله - عز وجل - ذكر الجَحْدْ في عدة آيات، وبيَّنَ أَنَّ الجَحْدَ قد يجتمع مع التكذيب وقد لا يجتمع مع التكذيب، قال - عز وجل - في سورة الأنعام في وصف المشركين ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنبياء:33-34] فدل على أنهم لم يُكَذِّبُوا وجَحَدُوا.
ولهذا حقيقة الجحد عند أهل السنة والجماعة مرتبطة بالقول لأجل هذه الآية قال ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني باطناً ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني ظاهراً، وهذا مرتبط بالقول لأنهم رَدُّوا على النبي صلى الله عليه وسلم.
والخوارج ذهبوا إلى أنَّ الجحد يكون بالقول وبالفعل معاً، فعندهم أنَّ الجحد يكون بالقول كقول أهل السنة، ويكون أيضاً بالفعل فيدُلُّ الفعل على جحده.
* وهذا خلاف ما أَجْمَعَ عليه أهل السنة والجماعة من أنَّ الجحد ليس مورده الفعل؛ لأنَّ الفعل مُحْتَمِلْ يَدْخُلُهُ التأويل ويَدْخُلُهُ الخطأ ويَدْخُلُهُ أشياء كثيرة، وأما القول فإنه يقين وواضح؛ لأنّه دخل في الإيمان بالقول -بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله-، فلا يخرُجُ منه إلا بجحودِ ما أدخله فيه، وما أدخله فيه كان قولاً أعلنه، وجَحْدُ ما أدخله فيه هو رَدُّهُ وتكذيبه أو إنكاره لما دخل فيه.
وهذه الكلمة كلمة الجحد من الكلمات التي يَحصُلُ فيها خلط وخَلَلْ، والواجب الرُّجوع في فهمها إلى دلالة الكتاب والسنة وإلى ما أجمع عليه سلف الأمة.

[المسألة الرابعة] : أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في تأصيل قولهم في الإيمان -الذي سيأتي في المسألة التي بعدها- خالفوا الخوارج والمرجئة.
وكذلك أيضاً في إخراجهم الواحد من أهل القبلة من الإيمان خالفوا الخوارج والمرجئة.
لهذا ثَمَّ ارتباط ما بين الدخول والخروج من جهة اليقين.
ولهذا المؤلف الطحاوي ذكَرَ لك تنبيه على هذا بقوله (وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.)، ولم يقل إلا بالجحد أو إلا بالجحود فيكون مُطْلَقَاً؛ بل قال (إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ)، وذلك لأنَّهُ إذا ثبت الأمر بيقين لم يَزُلْ بالشك؛ بل لابد في زواله من يقين يماثل الأول، والمكفِّرات وما يُحْكَمُ على الواحد من أهل القبلة فيه بالردّة اختلف فيه الفقهاء والعلماء؛ لكن يجمع ذلك أنه لا يُخَصُّ عند أهل السنة بالجحد.
ولهذا نقول: الذين قيَّدُوا التكفير وإخراج العبد من الإيمان بالجحد فقط-يعني دون الاستحلال ودون الشّك ودون الإعراض إلى آخره- هؤلاء ذهبوا إلى أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلا المعاند المكذّب ظاهراً كحال الكفّار والمشركين، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الله - عز وجل - بيّن أنَّ كُفْرَ من كَفَرَ من العرب: - بعضهم من جهة الإعراض.
- وبعضهم من جهة الشك.
- وبعضهم من جهة الجحد ظاهراً والاستيقان باطناً وهو العناد.
ولهذا نقول: إنَّ المرجئة هم الذين قالوا: لا يخرج المرء من الدين إلا بالتكذيب فقط، فلابد من التكذيب، والتكذيب قد يكون مع الجحد، وقد يكون الجحد بلا تكذيب كما نصت عليه الآية ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:33].
إذا تبين هذا: فأصلُ قول المرجئة في الإيمان -كما سيأتي- أنَّ الإيمان أصله الاعتقاد، فلذلك جعلوا المُخْرِجَ منه التكذيب.
ومَنْ أضاف الاعتقاد والقول جعل المُخْرِجْ التكذيب والجحد، مثل كلام الطحاوي هنا؛ لأنَّهُ يأتي أنَّ الإيمان عنده هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، فيجعل التكذيب مُخْرِجَاً ويجعل الجحد مُخْرِجَاً لعلاقة التكذيب بالاعتقاد وعلاقة الجحد بالإقرار باللسان.
وأما أهل السنة الذين خالفوا المرجئة في هذه المسألة العظيمة؛ فقالوا إنَّ الركن الثالث من أركان مسمى الإيمان وهو العمل أيضا يدخل في هذا، وهو أنَّهُ يَخْرُجُ من الإيمان بِعَمَلٍ يعمله يكون من جهة اليقين مُخْرِجَاً للمرء مما أدخله فيه من الإيمان، وهذا سيأتي مزيد تفصيل له.
فإذاً أهل السنة عندهم المُخْرِجَات من الإيمان: - منها التكذيب وهو أعظمها.
- ثم الجحد.
- ثم الإعراض وهو الذي جاء في قوله - عز وجل - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة:22]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون﴾ [الأحقاف:3]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:24].
- ومنه الشّك، الريب، يرتاب ما عنده يقين، المؤمن هو من لا يرتاب، أما إذا ارتاب لا يدري أمحمدٌ صلى الله عليه وسلم رسول أم لا؟ فإنَّ هذا صفة المنافق وهو المُعَذَّبْ في قبره بقوله حيث يقول: ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
وهذه جُمَلْ يأتي لها مزيد بيان.

وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.

[المسألة الأولى] : أنَّ الإيمان لفظٌ مُسْتَعْمَلٌ في اللغة قبل ورود الشرع.
والألفاظ لها في استعمالها قبل ورود الشرع حالان: - الأول: الحال العُرْفِي.
- والثاني: الحال الأصلي.
والحال العرفي جعلناه الأول لِقُرْبِهِ.
والحال الثاني الأصلي جعلناه الثاني لأنه بعيد؛ يعني من جهة العموم.
وهذا هو الذي يسميه طائفة من العلماء يسمونه الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، فإنَّ الألفاظ المُستعملة لها حقائق لغوية حقيقة ليست مجاز، ولها حقائق عرفية يعني في استعمال أهل العرف لها.
مثال ذلك لفظ الدّابَّةْ، فإنه في اللغة الأصلية- في لغة العرب في الاستعمال العام- الدابة كل ما يَدُبُّ على الأرض سواءٌ أكان يَدُبُّ على بطنه أم يَدُبُّ على رجلين أم يَدُبُّ على أربع، ودلّ على هذا قول الله - عز وجل - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني من الدواب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:45].
ثم خُصَّتْ في الاستعمال العُرْفي بأنَّ الدابة هي ذات الأربع التي تُرْكَبُ في الاستعمال، يعني يركبها الناس أو يحرثون عليها أو إلى آخره، فهذه تسمى حقيقة عرفية، والمعنى الأول يسمى حقيقة لغوية.
فإذاً صارت الحقيقة العرفية أخص من الحقيقة اللغوية.
اللغة دائماً تكون عامة، ثُمَّ الناس يُقَيِّدُونَ المعنى اللغوي ببعض ما يحتاجون إليه في الاستعمال، فتكون الحقيقة العرفية دائماً أضيق من الحقيقة اللغوية.
ثُمَّ لمَّا أَتَى الشرع ظهرت ما سَمَّاهُ العلماء الحقيقة الشرعية، أو ما سَمَّاهُ طائفة ممن ألَّفَ في فقه اللغة بالأسباب الإسلامية.
الأسباب الإسلامية يعني ألفاظ جُعِلَ لها معانٍ لأجل سبب مجيء الإسلام.1من الأمثلة على ذلك لفظ السجود: ففي اللغة لفظ السجود للخضوع والذل بحركة البدن.
وفي العُرْفْ أنَّ السجود يكون بالانحناء إمَّا بركوعٍ أو بما نسميه السجود؛ يعني وضع الجبهة على الأرض.
وفي الشرع السجود هو من وضع جبهته وأنفه على الأرض.
قال - عز وجل - لبني إسرائيل ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ [البقرة:58] يعني راكعين؛ لأنَّ السجود العرفي يدخل فيه الركوع.
أمَّا في شريعة الإسلام صارت الحقيقة الشرعية للسجود هي وضع الجبهة على الأرض.
هذه المقدمة مهمة في تأصيل هذه الحقائق الثلاث على مسألة الإيمان.
اللغة مرتبطة بالاشتقاق، اللغة لها اشتقاق يجمع الكلام الذي حروفه واحدة: فالإيمان والأَمْنْ والأَمان هذه كلماتها واحدة، (أَمْنٌ وأمان وإيمان) فاشتقاقها من حيث الأصل واحد، ولهذا الإيمان يرجع إلى الأمْنْ في اللغة، والأمان يرجع إلى الأمْنْ وإلى الإيمان.
فهذه الألفاظ في أصل اللغة اشتقاقها واحد وذلك من الأمن الذي هو المصدر.
ما علاقة الإيمان في اللغة بالأمن يعني في دلالة اللغة؟ لأنه من آمَنَ فقد أمِنَ، آمَنَ بالشيء أمِنَ على نفسه، آمَنْ يعني صدَّقْ استسلم أطاع إلى آخره فإنه يعتبر مُسْتسلما؛ يعني يُعْتَبَرْ أَمِنَ عدوه، لو آمَنَ بما قال عدوه صَدَّقَهُ فإنه يكون أَمِنَ غائلته.
إذا تبين هذا فهذا الأصل اللغوي الذي هو مجيء الاشتقاق من كلمة واحدة يدلُّكَ على أنَّ أصْلْ كلمة الإيمان في اللغة من حيث الاشتقاق من الأمن، ثُمَّ في الاستعمال العرفي -عُرْف العرب-2خَصَّتْ ذلك المعنى إلى أنَّ الإيمان هو التصديق، التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يَأْمَنُ معه.
وهذا جاء في القرآن يعني في استعمال المعنى اللغوي للإيمان في مواضع: كقوله - عز وجل - في قصة يوسف مخبراً عن قول إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:17] لاحظ الأَمْنْ يعني بِمُصَدِّقٍ لنا التصديق الجازم الذي يتبعه عمل أنَّكَ لا تؤاخنا بما فعلنا، قال ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف:18]، فما أعطاهم الأمْنْ.
كذلك قال - عز وجل - في قصة إبراهيم عليه السلام ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:26] ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صَدَّقَهُ تصديقاً جازماً تبعه عملٌ له بحيث يأمن من العذاب الذي توعد به إبراهيم قومَه.
كذلك في وصف النبي صلى الله عليه وسلم في سورة براءة قال ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:61] ﴿وَيُؤْمِنُ﴾ أي يُصَدِّقُهُمْ فيما يقولون فيَأْمنون معه عقوبة النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً فالإيمان في اللغة اُستُعْمِلَ ويُرادُ به التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يأمن معه؛ لأنه فيه صلة دائماً بين المعنى العرفي، الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية.

جاء الشرع فَأَمَرَ الناس بالإيمان، فهذا الإيمان فيه كما ذكرنا لك أنَّ الحقيقة العرفية تخصيص للحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية أسباب زائدة، فيها زيادة عن الحقيقة العرفية، قد تكون تخصيصاً لها وقد تكون رجوع إلى أصل المعنى اللغوي وتكون أوسع منها.
فالإيمان في الشرع جاء بأنه مُتَّجِهْ إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخر أركان الإيمان الستة، وهذا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عَرَفْنَا منه أنَّهُ لا يكون إلا بِعَمَلْ ولا يكون إلا بإقرار ولا يكون إلا بتصديق، قال - عز وجل - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:285]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:136]، ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى﴾ [البقرة:177] الآية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:2].
فإذاً وَصَفَ الله - عز وجل - المطلوب من المؤمن بأنَّ المؤمن مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأيضاً أنه يعمل، وأيضاً أنه يقول بلسانه.
ولهذا جعل الله - عز وجل - الصلاة للدلالة على هذا الأصل، جعل الصلاة هي الإيمان فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:143]، -نحن الآن نبحث هذا من جهة لغوية، من الجهة التأصيلية للكلمة لا من جهة التعريف- ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هذا استعمال لكلمة الإيمان ويراد بها الصلاة.
الصلاة هي الإيمان معنى هذا أنَّ هذا تخصيص لكونه تصديق، فهو ليس تصديقاً فقط، بل الإيمان صار صلاةً.
إذاً هذا من جهة الاستعمال اللغوي زاد على العُرْفْ ورَجَعَ إلى سَعَةِ اللغة، وهو تخصيص في الواقع للتصديق ببعض ما يشمله التصديق الذي يتبعه عمل.
إذا تبين هذا فيظهر لك أنَّ الإيمان في الشرع نُقِلَ عن الإيمان في العُرف، كما أنَّ الإيمان في العرف نُقِلَ عن الإيمان في اللغة.
فتأصيل الإيمان على أنه في اللغة هو إقرارٌ وتصديقْ ليس صحيحاً؛ لأنَّ الإيمان في اللغة أعم من ذلك، مثل ما ذكرنا لك، الإيمان ما يَجْلُبُ الأمن من عمل، من إقرار، من تصديق، من تصرف، من موالاة، كل ما يجلب الأمن فهو إيمان.
- في اللغة قُيِّد ذلك على نحو ما ذكرت لك من الآيات.
- في الشرع جاء تسمية الإقرار إيماناً، وجاء تسمية الاعتقاد إيماناً، وجاء تسمية العمل إيماناً.
فإذاً من حيث الدلالة اللغوية والدلالة العرفية والدلالة الشرعية تبيَّنَ لك أنَّ هناك اختلاف في معنى الإيمان.
المرجئة مع أهل السنة في هذه المسألة اختلفوا، وهذا الاختلاف طويل الذيول كما هو معلوم؛ لكنهم اتفقوا من حيث الأصول -أصول الفقه- على أنَّ الكلمة إذا اعتراها هذه الأمور الثلاثة: الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية اتفق الجميع -الحنفية مع الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم- اتفقوا على أن تُقَدَّمَ الشرعية، لماذا؟ لأنَّ الألفاظ الشرعية تخصيص، فلا يقول الحنفية -الذين قالوا في الإيمان بهذا التعريف- لا يقولون إنَّ السجود إذا أُمِرَ به فإنه يصلح بالركوع.
يعني مثلا لو قرأ القارئ القرآن وهو يمشي، ثم مَرَّتْ آية سجدة، فهل يركع ويُكْتَفَى بها؟ أم أنه يصير إلى السجود؟ السنة في السجود الشرعي، ولماذا؟ لأنَّ السجود جاء بهذا اللفظ الشرعي وبَيَّنَتْهُ السنة فإذاً يكون هو المراد لا السجود العرفي.
المسألة لها نظائر في الفقه في العقيدة في اللغة بعامة.
فإذاً نقول: اجتمعوا على أنَّ الحقيقة الشرعية مُقَدَّمَة، ثم هل تقدم اللغوية أو العُرْفِيَة؟ خلاف بينهم.
لهذا نقول: ما دام أنَّ الجميع اتفقوا على تقديم الحقيقة الشرعية، فما هي أدلة الحقيقة الشرعية في الإيمان؟ الأدلة على ذلك يطول الكلام عليها، ونرجئها مع تفصيلها في الكلام والمذاهب للدرس القادم، لكن نكمل المُقَدِّمَات.
أنا أريدك تفهم مسألة الإيمان لأنها مسألة مُشْكِلَة، وكثير ممن خاض فيها في هذا العصر ما أدرك حقيقة الفرق ما بين قول أهل السنة وقول المرجئة في هذا الباب.

[المسألة الثانية] : الإيمان في اللغة هو التصديق الجازم -كما ذكرنا لك- الذي يتبعه عمل يأمن معه المُؤْمِنْ الغائلة أو العقوبة إلى آخره.
وقولنا التصديق الذي معه عمل هذا تحصيل حاصل؛ لأنَّهُ إذا كان الشيء يلزَمُ منه العمل فإنه لا يُطْلَقُ لفظ مُصَدِّقَاً في اللغة على من صَدَّقَ حتى يعمل.
مثاله: أتى شخص وقال لآخر سيارتك الآن تُسْرَقْ.
فقال له الآخر: جزاك الله خيراً.
قال: لك فيها أموال ولك فيها أشياء وهي الآن تُسْرَقْ.
قال الآخر: جزاك الله خيرا وجَلَسَ ولم يتحرك.
فهل يُعْتَبَرُ في اللغة مُصَدِّقَاً؟ إذا كان قد صَدَّقَ الخبر فإنه لابد أن يتبعه بعمل يدلُّ على صدقه؛ لأنَّ الناس لا يُفَرِّطُونْ بأموالهم ولا يفرِّطُون بما فيه قوام حياتهم.
فإذا مَكَثَ وقال أنا مُصَدِّقْ، وهو ما ذَهَبَ، ما أتْبَعَهُ عمل، فلا يُسَمَّى مُصَدِّقَاً في اللغة، ليس في الشرع، لا يسمى مُصَدِّقَاً في اللغة.
ودلَّ على هذا الأصل قول الله - عز وجل - في قصة إبراهيم الخليل مع ابنه إسماعيل في سورة الصافات قال ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:102-103]، لاحظ العمل ﴿فَلَمَّا﴾ و ﴿لَمَّا﴾ انتبه لكلمة ﴿لَمَّا﴾، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:103-105]، رؤيا الأنبياء حق، إذا رآها النبي صدَّقَ بأنها وحي من الله - عز وجل -. لكن متى صار مُصَدِّقَاً بالرؤيا؟ لمَّا امتثل دلالتها ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وهذا تصديق لغوي وهو أيضاً تصديق شرعي.
إذاً فالإيمان في العُرْفْ - الحقيقة العرفية- ولو أرجعناه إلى التصديق فإنَّ حقيقة التصديق أن يكون معه عمل، فلا يُسَمَّى مُصَدِّقَاً من ليس يعمل أصلاً فيما صدّق به.

[المسألة الثالثة] : يمكن أن يُضْبَطَ ما جاء في القرآن من استعمال الإيمان في الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية بضابط وهو أنه: - إذا اقْتُرِنَ بالإيمان الأمَنْ ْأو كانت الدِّلَالَةُ عليه فإنَّ المراد به سعة المعنى اللغوي.
- وإذا عُدِّيَ الإيمان باللام في القرآن أو في السنة فإنَّ المراد به الإيمان العرفي؛ يعني اللُّغَوِي العرفي.
- وإذا عدي الإيمان بالباء، فإنه يراد به الإيمان الشرعي.
وهذه كل واحدة لها طائفة من الأدلة تَدُلُّ عليها.
1- المعنى اللغوي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82]، ﴿آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ﴾ هذا دلالة على عموم المعنى اللغوي.
2- المعنى العرفي: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:17]، لاحظ التعدية باللام ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:26]، ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:61] يعني النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا المعنى العرفي.
3- الإيمان الشرعي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة:285]، لاحظ الباء، عُدِّيَ الباء للدلالة الشرعية.
لماذا اختلفت التعدية؟ لأنَّ المطلوب اختلف.
كيف؟ @ الإيمان اللغوي ما دام أنَّهُ تصديق فتقول: العرب صَدَّقَ لفلان، تعديه باللام، صَدَّقَ لفلان، وتقول صَدَّقَ بكذا أيضا فتعديه بالباء @ لكن الإيمان الشرعي آمن بكذا -لاحظ التعدية مُضَمَّنٌ أَقَرَّ بكذا -أَقَرَّ تتعدى بالباء في اللغة أليس كذلك؟ - أَقَرَّ بكذا، فتكون صحيحة، عمل بكذا صحيحة، صَدَّقَ بكذا صحيحة.
ولهذا لمَّا عُدِّيَ الإيمان في اللغة بالباء علمنا أنه ضُمِّنَ المعنى الأصلي في اللغة وزيادة تصلح للتعدية بالباء.
فالمعنى اللغوي يتعدى باللام، فلماذا عُدِّيَ بالباء تفريقاً ما بين الإيمان الشرعي والإيمان اللغوي؟ هو تضمين العمل للإيمان الذي هو زيادة على ما جاء في المعنى العُرفي.
هذا كثير: في القرآن وفي اللغة أنه يأتي الفعل ويراد منه معنى، ثم تختلف التعدية بالحرف فيُضَمَّنْ الفعل معنى فعل آخر.
سنضرب له مثالاً حاضر عندكم جميعاً وإن كان الأمثلة كثيرة لكن لقربه منكم.
مثلا تعلمون قول ابن القيم وابن تيمية وعدد من مشايخنا حفظ الله الجميع ورحم الأموات في قوله تعالى في المسجد الحرام ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:25]، قالوا هنا ما معنى الإرادة؟ الهم، يعني الهم الجازم.
لماذا؟ قالوا لأنَّ الإرادة بنفسها تَتَعَدَّى، الإرادة المعروفة تتعدى بنفسها، تقول أردت الذهاب، أردت المجيء، أردت القراءة، ما تقول أردت بالقراءة، فلما قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾، ما قال (ومن يرد فيه إلحاداً)، بل قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ علمنا أنَّ كلمة ﴿يُرِدْ﴾ هذه فيها فعل يناسب التعدية بالباء وهو هَمَّ.
هَمَّ بكذا هَمَّ فلان بكذا هذا الذي يناسب.
ولذلك فسره الأئمة بأنَّ المراد بالإرادة هنا الهم الجازم فيُؤَاخَذْ عليه ولو لم يحقق الإرادة من كل وجه وإنما يَصْدُقُ عليه الهَمْ؛ إذا هَمَّ بالفعل، هَمَّ به صار داخلاً في الفعل.
نرجع هنا في اللغة ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:26]، يعني صَدَّقَ له، أَقَرَّ لَهُ، تقول أنا أقررت لك، إيش أقول أقررت إياك؟ لا، أقررت بكذا؛ لكن لفلان، أقررت بفلان ولا أقررت لفلان ما قال؟ أقررت لفلان ما قال، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صَدَّقَ له، أَقَرَّ له، إلى آخره.
لاحظ هذا التصديق والإقرار الذي هو المعنى اللغوي؛ لكن جاء المعنى الشرعي في القرآن بزيادة عن التعدية باللام إلى التعدية بالباء قال - عز وجل - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:136]. ما قال آمنوا لله ولرسوله مع أنه قال في النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:61]، وقال في لوط ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى آخره ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:136]. فإذاً دَلَّنَا على أَنَّ هذا المعنى هو المعنى اللغوي، وزيادة عليه ما دخل فيه مما يناسب التعدية بالباء وهو العمل.
تقول عملت بكذا يعني آمنت بكذا فعملت به، آمنت بأنَّ الأمر واقع فعملت به؛ يعني عَمِلْتَ بما آمنت، فلذلك دخلت زيادة تعدية بالباء لتدلنا على أنَّ العمل دخل في مسمى الإيمان أصلاً، وهذه يأتي لها مزيد تفصيل في الأدلة إن شاء الله تعالى.

إذا تبين هذا فمن المهم في تأصيل هذه المسألة التي غَلِطَ فيها الكثيرون منذ نَشَأَتْ المرجئة، أن يُعرَفَ أنَّ الإيمان في اللغة في حقيقته تصديق وإقرار؛ لكن تصديق معه نوع عمل وليس لازماً في حقيقته؛ لكن لا يُسَمَّى تصديقاً حتى يكون معه عمل يأمن به، لصلته بالمعنى اللغوي العام.
أما في الشرع فهو إقرارٌ وتصديقٌ وعمل؛ لأنَّ الشرع جاء بزيادة على المعنى اللغوي في هذه المسألة العظيمة.

[المسألة الرابعة] : تعريف الطحاوي لهذه المسألة وهي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، هذا فيه إخراج العمل أن يكون مورِدَاً للإيمان وقَصْرْ الإيمان من حيث المورد على الإقرار والتصديق، وهذا كما ذكرت لك مذهب مرجئة الفقهاء.
والمرجئة في هذه المسألة لهم أقوال متعددة أشهرها قولان: 1- قول جمهور المرجئة وهو أنَّ الإيمان هو التصديق، ولا يلزم معه إقرار.
2- ثُمَّ مرجئة الفقهاء -وذهب إليه الماتريدية والأشاعرة وجماعة- أنَّ الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان.
وسُمُّوا مرجئة لأنهم أرجؤوا العمل عن مسمّى الإيمان؛ يعني أخَّرُوهُ عن مسمى الإيمان، فجعلوا الإيمان متحققاً بلا عمل.
واستدلوا لمذهبهم بعدة أدلة من أشهرها قول الله - عز وجل - في آيات كثيرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا من أقوى أدلتهم على هذه المسألة، فعَطَفَ العمل على الإيمان، قالوا فهذا يدل على التغاير ما بين العمل وما بين الإيمان؛ لأنه لو كان عمل الصالحات في الإيمان لما قال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلمَّا عَطَفَ العمل على الإيمان قالوا دلَّنَا على تأخير العمل وإرجاء العمل عن مسمى الإيمان.
والجواب عن ذلك؛ يعني عن هذا الاستدلال بجواب مختصر ونرجئ الجواب المطول، الجواب عن ذلك أنَّ اللغة فيها: & العطف بالواو ويُرَادُ بالعطف بالواو التَّغايُرْ: والتغاير: - تارةً يكون تغاير ذوات: ومعناه أنك تقول مثلاً في اللغة: دخل محمد وخالد، فمحمد ذاته غير ذات خالد، هذا له حقيقة ذات وهذا له حقيقة، هذا يسمى تغاير ذوات.
- وتارةً يكون تغاير صفات.
تغاير الصفات تقول عندي مُهَنَّدٌ وصارمٌ وحسام، والذي عندك سيفٌ واحد يعني الذي عند العربي سيفٌ واحدٌ، لكن يقول: مُهَنَّدٌ من جهة وصفه أنه صُنِعَ في الهند.
وصارمٌ من جهة شهرته وأنه يَصْرِمْ.
وحسام من جهة أنه من وَقَعَ عليه حَسَمَهُ وقتله.
منه في القرآن قال - عز وجل - في تغاير الصفات ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:1]، الكتاب هو القرآن، والقرآن هو الكتاب، عَطَفَ بالواو هل لتغاير الذوات، الكتاب شيء والقرآن شيء؟ لا أحد يقول بهذا من المتقدمين لا أحد يقول بهذا، فصار التعاطف هنا لتغاير الصفات ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ نُظِرَ فيه إلى جهة كونه مكتوباً باقياً، ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يعني أنه يُقْرَأُ ويُنْظَرُ فيه إلى التلاوة والقراءة فهذا تغاير صفات.
@ وتارةً يكون العطف بالواو لا لأجل التغاير ولكن تَغَايُرٌ ما بين الجزء والكل، وما بين العام والخاص: فيُعْطَفْ الخاص على العام ويعطف العام على الخاص، ومثاله قول الله - عز وجل - في سورة البقرة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:98] ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ لاشك الملائكة غير الله - عز وجل -، الملائكة مخلوقة والرب - عز وجل - هو مالك الملك وخالق الخلق.
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الرسل منهم رسل من الملائكة، ومنهم رسل من ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:75]، فالرسل هنا أعم من الملائكة لأنَّ منهم الرسل من الملائكة ومنهم الرسل من البشر.
فإذاً هنا صار عطفاً: عَطْفْ الكلي على الجزئي.
ثم قال ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ جبريل وميكال من الرسل أو لا؟ من الرسل.
من الملائكة؟ نعم.
فعطفهم، هل حقيقة جبريل وميكال غير الملائكة؟ لا، هذا تغاير صحيح؛ ولكن تغايرٌ بين حقيقة الجزء والكل والكل والجزء، وليس تغاير ذوات ولا تغاير صفات ولا تغاير حقيقة.
ومن هذا عَطْفُ الخاص على العام لأجل التغاير ما بين الجزء والكل بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ [الكهف:107]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾ [مريم:96]، الآيات كثيرة آمنوا وعملوا الصالحات، عَطَفَ العمل على الإيمان لأجل هذا وإلا فهو داخل في حقيقته.
هنا لماذا تُخَصُّ الخاص بالذكر بعد العام؟ لأجل التنبيه على شرفه.
فالعرب تَعْطِفُ الخاص على العام وتغاير في هذا لأجل التنبيه على شرف ما ذُكِرْ.
لأنك تقول مثلا جاءني المشايخ وسماحة الشيخ عبد العزيز، هل هو ليس من المشايخ؟ لكن هنا للتنبيه على شرفه أنه هو المقصود، جاءني المشايخ جميعاً وجاء المقصود أو المقدم فيهم إلى آخره تنبيهاً على شرفه ومنزلته إلى آخره.
فإذاً الاستدلال بهذا، هذا جواب مختصر ونذكر لكم بقية الأدلة والإجابة عليها فيما يأتي.

  • أنا أردت بهذا التطويل اللغوي تأصيل المسألة لكم؛ لأنَّ مسألة الإيمان خاض فيها كثيرون في هذا العصر، كتبوا فيها كتابات سواء في الإيمان أو في التكفير، وهم لم يدركوا حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
    فمنهم من أدخل مذاهب المرجئة في مذهب أهل السنة وقَصَرْ الكفر على التكذيب والإيمان على التصديق وإما قولاً أو باللازم.
    ومنهم من ذهب إلى أنَّ الإيمان قول واعتقاد وأنَّ العمل ليس من الإيمان أصلاً كما هو قول المرجئة، والأقوال في هذا متعددة.
    نسأل الله - عز وجل - أن يثبتني وإياكم على طريقة أئمتنا، وأن يَكُفَّ عنا الشر وأن لا يخذلنا وأن ينور بصائرنا وبسائر أحبابنا إنه جواد كريم.
    نكتفي بهذا القدر ونكمل المرة القادمة.

وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.

ولهذا بعض الصحابة لما ذَكَرَ زيادة الإيمان وذَكَرَ نقصانه قال (إذا سَبَّحْنَا الله وحمدناه وذكرناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا فذلك نقصانه).1
فزيادة الإيمان ونقصانه دل عليها قول الله - عز وجل - والسنة وقول الصحابة رضوان الله عليهم.
فمن هذا يتقرر أنَّ قول الطحاوي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) هذا يوافق قول مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام المعروف، وأصحابه ممن أخرجوا العمل عن كونه جزءا من الماهيَّةْ؛ عن كونه ركناً في الإيمان.
إذا تقرّر هذا فإنَّ في مسألة الإيمان مباحث كثيرة جداً، وذلك لكثرة الخلاف في هذه المسألة وطول الكلام عليها وكثرة التصانيف التي صنفها السلف ومن بعدهم في هذه المسألة؛ لكن يمكن تقريب هذه المسألة لطالب العلم في مسائل:

[المسألة الخامسة] : الإيمان يجمع: - أولاً: الاعتقاد بالقلب، وهو الذي يسميه المرجئة -مرجئة الفقهاء- أو يسميه العامة التصديق. - ثانياً: قول اللسان. - ثالثاً: عمل الجوارح والأركان. - رابعاً: الزيادة. - خامساً: النقصان. هذه خمسة أشياء فيها اختلف المنتسبون إلى القبلة على أقوال: 1- القول الأول: هو أنَّ الإيمان تصديقٌ فقط، وهذا هو قول جمهور الأشاعرة، وهو أيضاً قول أبي منصور الماتريدي والماتريدية بعامة. وهذا مبنيٌ منهم على أنَّ القول ينشأ عن التصديق، وعلى أنَّ العمل ينشأ عن التصديق، فَنَظَرُوا إلى أصله في اللغة بحَسَبِ ظنهم، وإلى ما يترتّب عليه فجعلوه التصديق فقط. واستدلوا له بعدة أدلة مما فيه أنّ الإيمان تصديق كقوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:285]، وهذه أمور غيبية والإيمان بها يعني التصديق بها، وغير ذلك من الأدلة التي فيها حَصْرْ الإيمان بالغيبيات، والإيمان بالغيبيات يُفْهَمْ على أنه التصديق. وهؤلاء يُسَمَّونَ المرجئة، وهم المشهورون بهذا الاسم. ومن المرجئة طائفة غالية جداً وهم الذين جعلوا الإيمان ليس التصديق بالقلب ولكن هو المعرفة بالقلب، وهو القول المنسوب إلى الجهمية وغلاة الصوفية كابن عربي ونحوِهِ ممن صَنَّفُوا في إيمان فرعون. 2- القول الثاني: من قال إنَّ الإيمان قول باللسان فقط، وهؤلاء يُسَمَّونَ الكَرَّامِيَّة -بالتشديد-. الكَرَّامِيَّة يُنْسَبونَ إلى محمد بن كرّام، وهذا يقول: الإيمان هو الإقرار باللسان. لم؟ قال لأنَّ الله - عز وجل - جَعَلَ المنافقين مخاطَبِينَ باسم الإيمان في آيات القرآن، فإذا نودي المؤمنون في القرآن فيدخُلُ في الخطاب أهل النّفاق، والمنافقون إنما أقرُّوا بلسانهم ولم يصدِّقُوا بقلوبهم فدخلوا في اسم الإيمان لهذا الأمر. 3- القول الثالث: هو مذهب مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إنَّ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان، ويجعلونَ أنَّ الناس في التصديق -كما سيأتي- وفي أعمال القلوب أنهم واحد، فأعمال القلوب التي أصلها التصديق عندهم شيءٌ واحد، والعمل ليس من الإيمان عندهم يعني من حقيقة الإيمان وإن كان لا بد منه في تحقيق الإيمان، بخلاف أهل القولين السابقين يعني الماتريدية.1
: [[الشريط الثلاثون]] : والأشاعرة والكرامية فإنهم يقولون أنَّهُ لو وَافَى بلا عمل فإنه ناجٍ، لو لم يعمل قط فإنه ينجو.
وأما مرجئة الفقهاء فيقولون لابُدَّ لَهُ مِنَ العمل فإذا ترك العمل فهو فاسقٌ، لكن [لا]2يُدْخِلُونَهُ في مُسَمَّى الإيمان.
وأظن شبهتهم نَصْ أبي حنيفة في هذه المسألة وهو بَنَاهُ على أنَّ الذين خُوطِبُوا بالإيمان هم المؤمنون والمنافقون، والمنافقون ليس لهم عمل، عَمَلُهُم باطل، وإنما أَقَرُّوا باللسان فقط، والمؤمنون مُصَدِّقُونَ مُقِرُّونْ، فَجَمَعَ لهم ما بين -يعني بين الطائفتين- ما بين الإقرار باللسان والتصديق بالجنان؛ يعني في الخطاب الظاهر، وأما الأعمال فالحساب عليها آخر.
ومن أدلّتهم الأصل اللغوي الذي هو حَسَبْ ما قالوا أنَّ الإيمان هو التصديق، والإقرار أُخِذَ من زيادة في الشريعة لأنه لابد من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
4- القول الرابع: هو قول الخوارج والمعتزلة وهو أنَّ الإيمان: اعتقادْ بالجنان أو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
وهذا العمل عندهم بِكُلِّ مأمورٍ به، والانتهاء عن كلِّ منهيٍّ عنه.
فما أُمرِ َبه وُجُوبًا فيدخل في مسمى الإيمان بِمُفْرَدِهِ، وما نُهِيَ عنه تحريماً فيدخل في مسمَّى الإيمان بمفرده.
يعني أنَّ كلَّ واجبٍ يدخل في مسمى الإيمان على حِدَهْ، فيكون جزءاً وركناً في الإيمان، وكُلُّ محرمٍ في الانتهاء عنه يدخل في مسمى الإيمان بمفرده.
وبناءً على ذلك قالوا: فإذا تَرَكَ واجباً فإنه يكفر، وإذا فعل محرماً من الكبائر فإنه يكفر؛ لأنَّ جزء الإيمان وركن الإيمان ذَهَبْ.
فعندهم أنَّ هذا العمل جزء واحد، إذا فُقِدَ بعضه فُقِدَ جميعه.
وبين الخوارج والمعتزلة خلاف فيمن استحق النار بالآخرة ماذا يسمى في الدنيا؟ على القول المعروف عندهم: - وهو عند الخوارج في الدنيا عند يُسَمَّى كافر.
- وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا يقال مؤمن ولا يقال كافر.
مع اتفاقهم على أنه في النار مخلدْ فيها لانتفاء الإيمان في حقه.
5- القول الخامس: هو قول أهل الحديث والأثر وقول صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنَّ الإيمان: اعتقاد -ومن الاعتقاد التصديق-، وقول باللسان وهو إعلان لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعمل بالأركانـ وأنه يزيد وينقص.
ويعنون بالعمل جنس العمل؛ يعني أنْ يكون عنده جنس طاعة وعمل لله - عز وجل -. فالعمل عندهم الذي هو ركن الإيمان ليس شيئاً واحداً إذا ذَهَبَ بعضه ذهَبَ جميعه أو إذا وُجِدَ بعضه وُجد جميعه؛ بل هذا العمل مُرَكَّبٌ من أشياء كثيرة، لابد من وجود جنس العمل.
وهل هذا العمل الصلاة؟ أو هو أيُّ عملٍ من الأعمال الصالحة بامتثال الواجب طاعةً وترك المحرم طاعةً؟ هذا ثَمَّ خلافٌ بين علماء الملة في المسألة المعروفة بتكفير تارك الصلاة تهاونا أو كسلاً.
* الفرق ما بين مذهب أهل السنة والجماعة وما بين مذهب الخوارج والمعتزلة: - أنَّ أولئك جعلوا تَرْكَ أي عمل واجب أو فعل أي عمل محرّم فإنه ينتفي عنه اسم الإيمان.
- وأهل السنة قالوا: العمل ركن وجزءٌ من الماهية؛ لكن هذا العمل أبعاض ويتفاوت وأجزاء، إذا فات بعضه أو ذهب جزء منه فإنه لا يذهب كله.
فيكون المراد من الاشتراط جنس العمل؛ يعني أن يُوجَدَ منه عملٌ صالح ظاهراً بأركانه وجوارحه، يدلُّ على أنَّ تصديقه الباطن وعمل القلب الباطن على أنه استسلم به ظاهراً.
وهذا مُتَّصِلٌ بمسألة الإيمان والإسلام، فإنه لا يُتَصَوَّرْ وجود إسلام ظاهر بلا إيمان، كما أنه لا يُتَصَوَّرْ وجود إيمان باطن بلا نوع استسلام لله - عز وجل - بالانقياد له بنوع طاعةٍ ظاهراً.

[المسألة السادسة] : الطحاوي هنا تَرَكَ العمل؛ يعني ما ذَكَرَ العمل في مسمى الإيمان، وكما ذكرتُ لك أنَّ العمل عند أهل السنة والجماعة داخِلٌ في مسمى الإيمان وفي ماهيته وهو ركن من أركانه.
والفرق بينهما يعني بين قول مرجئة الفقهاء -وهو الذي قرَّرَهُ الطحاوي- وبين قول أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر، الفرق بينهما: - من العلماء من قال: إنه صُورِي لا حقيقة له؛ يعني لا يترتب عليه خلافٌ في الاعتقاد.
- ومنهم من قال: لا، هو معنوي وحقيقي.
ولبيان ذلك؛ لأنَّ الشارح ابن أبي العز رحمه الله على جلالة قدره وعُلُوِّ كعبه ومتابعته للسنة ولأهل السنة والحديث فإنه قَرَّرَ أنَّ الخلاف لفظي وصوري، وسبب ذلك أنَّ جهة النظر إلى الخلاف منفكَّة: - فمنهم من ينظر إلى الخلاف بأثَرِهِ في التكفير.
- ومنهم من ينظر إلى الخلاف بأثرِهِ في الاعتقاد.
@ فمن نظر إلى الخلاف بأثرِهِ في التكفير قال الخلاف صوري، الخلاف لفظي.
لأنَّ الحنفية الذين يقولون هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان هم متّفقون مع أهل الحديث والسنة مع أحمد والشافعي على أنَّ الكفر والرِدَّةْ عن الإيمان تكون بالقول وبالاعتقاد وبالعمل وبالشك.
فهم متفقون معهم على أنَّ: - من قال قولاً يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر.
- ومن اعتقد اعتقاداً يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر.
- وإذا عمل عملاً ينافي ما دخل به في الإيمان فإنه يكفر.
- وإذا شَكَّ أو ارتاب فإنه يكفر.
بل الحنفية في باب حكم المرتد في كتبهم الفقهية أشد في التكفير من بقية أهل السنة مثل الحنابلة والشافعية ونحوهم.
فهم أشد منهم، حتى إنهم كَفَّرُوا بمسائل لا يُكَفِّرُ بها بقية الأئمة كقول القائل مثلا سورةٌ صغيرة فإنهم يُكفِّرون بها، أو مسيجد أو نحو ذلك أو إلقاء كتاب فيه آيات فإنهم يُكَفِّرون إلى آخر ذلك.
فمن نَظَرَ -مثل ما نَظَرْ الشارح، ونَظَرْ جماعة من العلماء- من نَظَرَ في المسألة إلى جهة الأحكام وهو حكم الخارج من الإيمان قال: الجميع متّفقون، سواءٌ كان العمل داخلاً في المسمى أو خارجاً من المسمى فإنه يكفُرُ بأعمال ويكفُرُ بترك أعمال.
فإذاً لا يترتّب عليه على هذا النحو: 1 - دُخُولٌ في قول المرجئة الذين يقولون: بلا عَمَلٍ ينفع، ولا يَخْرُجُ من الإيمان بأي عَمَلٍ يعمله.
2 - ولا يدخلون مع الخوارج في أنهم: يُكَفِّرونَ بأي عمل أو يترك أي واجب أو فعل أي محرم.
فمِنْ هذه الجهة إذا نُظِرَ إليها تُصُوِّرْ أنَّ الخلاف ليس بحقيقي؛ بل هو لفظي وصوري.
@ الجهة الثانية التي يُنْظَرُ إليها وهي أنَّ العمل -عمل الجوارح والأركان- هو مما أمَرَ الله - عز وجل - به في أن يُعْتَقَدَ وجوبُهُ أو يُعْتَقَدَ تحريمه من جهة الإجمال والتفصيل.
يعني أنَّ الأعمال التي يعملها العبد لها جهتان: 1- جهة الإقرار بها.
2- وجهة الامتثال لها.
وإذا كان كذلك فإنَّ العمل بالجوارح والأركان، فإنه إذا عَمِلَ: - فإما أن نقول: إنَّ العمل داخِلٌ في التصديق الأول؛ التصديق بالجنان.
- وإما أن نقول: إنه خارجٌ عن التصديق بالجنان.
& فإذا قلنا إنَّهُ داخلٌ في التصديق بالجنان -يعني العمل بالجوارح باعتبار أنَّهُ إذا أقَرَّ به امتثل- فإنه يكون التصديق إذاً ليس تصديقاً، وإنما يكون اعتقاداً شاملاً للتّصديق وللعزم على الامتثال، وهذا ما خَرَجَ عن قول وتعريف الحنفية.
& والجهة الثانية أنَّ العمل يُمتَثَلُ فعلاً فإذا كان كذلك كان التنصيص على دخول العمل في مسمى الإيمان هو مقتضى الإيمان بالآيات وبالأحاديث، لأنَّ حقيقة الإيمان فيما تُؤْمِنُ به من القرآن في الأوامر والنواهي في الإجمال والتفصيل أنَّكَ تؤمن بأنّ تَعْمَلْ، وتؤمن بأن تنتهي، وإلا فلو لم يدخل هذا في حقيقة الإيمان لم يحصل فرقٌ ما بين الذي دخل في الإيمان بيقين والذي دخل في الإيمان بنفاق.
يُبَيِّنُ لك ذلك أنَّ الجهة هذه وهي جهة انفكاك العمل عن الاعتقاد، انفكاك العمل عن التصديق هذه حقيقةً داخلةٌ فيما فَرَّقَ الله - عز وجل - به فيما بين الإسلام والإيمان.
ومعلومٌ أنَّ الإيمان إذا قلنا إنَّهُ إقرارٌ وتصديق فإنه لابد له من إسلام وهو امتثال الأوامر والاستسلام لله بالطاعات.
لهذا نقول إن مسألة الخلاف هل هو لفظي أو هو حقيقي راجعة إلى النظر في العمل.
هل العمل داخلٌ امتثالاً فيما أمر الله - عز وجل - به أم لم يدخل امتثالاً فيما أمر الله - عز وجل - به؟

والنبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ أنه يأمُرُ بالإيمان «آمركم بالإيمان بالله وحده»1، والله - عز وجل - أمر بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:136]. فالإيمان مأمور به، وتفاصيل الإيمان بالاتفاق بين أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء يَدْخُلُ شُعَبْ الإيمان، يَدْخُلُ فيها الأعمال الصالحة؛ لكنها تَدْخُلُ في المُسَمَّى من جهة كونها مأموراً بها، فمن امتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فقد حَقَّقَ الإيمان، وإذا لم يمتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فإنه بعموم الأوامر لا يدخل في الإيمان.
وهذه يكون فيها النظر مُشْكِلَاً من جهة: هل يُتصوَّرْ أن يوجد أحد يؤمن بالإيمان، يؤمن بما أنزل الله - عز وجل - ولا يفعل خيراً البتة، لا يفعل خيراً قط، لا يمتثل واجباً ولا ينتهي عن محرم مع اتساع الزمن وإمكانه؟؟ في الحقيقة هذا لا يُتَصَوَّرْ أن يكون أحد يقول أنا مؤمن ويكون إيمانه صحيحاً ولا يعمل صالحاً مع إمكانه، لا يعمل أي جنس من الطاعات خوفا من الله - عز وجل -، ولا ينتهي عن أي معصية خوفا من الله - عز وجل -، هذا لا يُتصَوَّرْ.
ولهذا حقيقةً المسألَةُ تَرْجِعُ إلى الإيمان بالأمر، الأمر بالإيمان في القرآن وفي السنة كيف يؤمن به؟ كيف يحققه؟ يحقق الإيمان بعمَلٍ، بِجِنْسِ العمل الذي يمتثل به، فَرَجَعَ إذاً أن يكون الامتثال داخل في حقيقة الإيمان بأمره، وإلا فإنه حينئذ لا يكون فرقاً بين من يعمل ومن لا يعمل.
لهذا نقول إن الإيمان الحق بالنص، بالدليل يعني بالكتاب والسنة بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكتابه لابد له من امتثال، وهذا الامتثال لا يُتَصَوَّرُ أن يكون غير موجودٍ للمؤمن، أن يكون مؤمن ممكن أن يعمل ولا يعمل البتة.
وإذا كان كذلك، كان إذاً جزءاً من الإيمان لـ: - أولا لدخوله في تركيبه.
- والثاني أنه لا يُتَصَوَّرْ في الامتثال للإيمان والإيمان بالأمر أن يؤمن ولا يعمل البتة.
إذاً فتحَصَّلْ من هذه الجهة أنّ الخلاف ليس صورياً من كل جهة؛ بل ثَمَّ جهة فيه تكون لفظية، وثَمَّ جهة فيه تكون معنوية.
والجهات المعنوية والخلاف المعنوي كثيرة متنوّعة، لهذا قد ترى من كلام بعض الأئمة من يقول أنَّ الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة صوري؛ لأنهم يقولون العمل شرط زائد لا يدخل في المسمى، وأهل السنة يقولون لا هو داخل في المسمى فيكون إذاً الخلاف صوري.
من قال الخلاف صوري فلا يُظَنْ أنَّهُ يقول به في كل صُوَرِ الخلاف، وإنما يقول به من جهة النظر إلى التكفير وإلى ترتب الأحكام على من لم يعمل.
أما من جهة الأمر، من جهة الآيات والأحاديث والاعتقاد بها والإيقان بالامتثال فهذا لابد أن يكون الخلاف حينئذ حقيقياً.

[المسألة السابعة] : زيادَةُ الإيمان ونقصانُهُ اختلف فيها العلماء على أقوال: 1- القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم من أهل السنة ومن المرجئة ومن غيرهم، قول الجمهور من جميع الطوائف أنَّ الإيمان يزيد وينقُصْ.
2- القول الثاني: أنَّ الإيمان يزيد ولا ينقُصْ، وهذا منسوبٌ إلى بعض أئمة أهل السنة؛ لأنَّ الدليل دلَّ على زيادته وهذا أمْرٌ لا يدخله القياس، فلا نقول بنقصانه لعدم ورود الدليل في ذلك.
3- القول الثالث: من قال إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو قول طائفة من المرجئة ومن غيرهم.
* ولا ارتباط ما بين الإرجاء والخلاف في الثلاثة أركان الأولى وما بين القول بزيادة الإيمان وبنقصانه.
تارَةً تجد من ذهب إلى أحد الأقوال يقول بزيادته ونقصانه ومن ذهب إليه لا يقول بزيادته ونقصانه.
يعني مثلاً الأشاعرة الذي هم مرجئة والماتريدية منهم من يقول بزيادته ونقصانه ومنهم من لا يقول بذلك لعدم ترتبها على حقيقة الإيمان، هذا أمر زائد أَدْخَلُوهُ في البحث.
فإذاً لا أثر في الخلاف في مسألة زيادته أو نقصانه على كونه مرجئاً.
فإذا قال أحد (الإيمان ما يزيد ولا ينقص) فإن هذا لا يدل على كونه مثلاً مرجئاً؛ لكنَّهُ يدل على أنه ليس من أهل السنة.
إذا قال (الإيمان نقول بزيادته ونقصانه) فهذا لا يدل على أنه من أهل السنة والجماعة، بل قد يكون مرجئاً.
فلا ارتباط بين مسألة الزيادة والنقصان ومسائل التعريف السالفة للإيمان.

[المسألة الثامنة] : عرَّف الإيمان بقوله إقْرارٌ باللِّسانِ، وتصديقٌ بالجَنَانِ، وقلنا في التعريف اعتقاد بالجنان.
والفرق ما بين التصديق والاعتقاد: أنَّ التصديق شيء واحد؛ بمعنى أنَّهُ أمْرٌ واحد، عِبَادَةٌ واحدة.
وأما الاعتقاد فإنه يشمل أشياء كثيرة من أعمال القلوب.
لهذا قالت طائفة من السّلف في تعريف الإيمان (الإيمان قول وعمل) وهذا دقيق لأنه يشمل قول القلب وقول اللّسان.
(قول القلب) هو تصديقه وإخلاصه في الله - عز وجل -. (وقول اللّسان) هو إعلانه الشّهادة.
وعَمَلْ: يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.
(وعَمَلُ القلب) من محبة الله - عز وجل - والتوكل عليه والخوف منه - جل جلاله - ورجاؤه والإنابة إليه وخشية الرّب - جل جلاله - ونحو ذلك من أعمال القلوب.
فإذاً ما يتّصِلُ بالقلب من أمور الإيمان ليست شيئاً واحداً، ليس هو التصديق فقط، بل ثَمَّ أشياء كثيرة في القلب، والتصديق هو أحدها.
ولهذا فإنَّ التفاضل -الزيادة والنقصان- زيادةٌ ونقصان باعتبار العمل الظاهر، وزيادةٌ ونقصان باعتبار عمل القلب الباطن.
فالناس يتفاوتون في الإيمان من جهة: 1 - زيادته ونقصانه في أعمالهم الظاهرة وهي أمور الإسلام: من الصلاة والزكاة والصيام والحج والاستسلام لله - عز وجل - في الأوامر والانقياد ونحو ذلك والانتهاء من المحرمات.
2 - وكذلك أعمال القلوب.
وأعمال القلوب نوعان: - أعمالٌ واجِبَةُ الفعل.
- وأعمالٌ مُحَرَّمَةُ العمل أو واجبة الترك.
@ أما واجبة الفعل مثل: محبة الله - عز وجل -، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخشيته، والخوف منه، والطمأنينة له، ونحو ذلك من أعمال القلوب.
@ وما يجب تركه من أعمال القلوب المحرمات، محرمات أعمال القلوب التي هي الكِبْرْ والبَطَر وتزكية النفس وسوء الظن بالله - عز وجل - ونحو ذلك، هذه كلها يجب تركها.
فإذاً أعمال القلوب مشتملة على: 1 - تصديق.
2 - ومشتملة على أمور واجبٌ أن يعملها القلب، وأمور واجب أن ينتهي عنها القلب.
* وهذه كلها في الحقيقة متصلة؛ فالتصديق مُتَأَثِرٌ زيادَةً ونُقْصَانَاً بأعمال القلوب.
فأعمال القلوب تؤثر على تصديقه، فأعمال القلوب الواجبة إذا زادت محبته لله - عز وجل - زاد تصديقه، إذا زادت إنابته إلى الله وزاد خشوعه وخضوعه بين يدي الله وزاد توكله على الله سبحانه وتعالى زاد تصديقه وزاد يقينه.
وكذلك إذا انتهى عن المحرمات، خضع لله - عز وجل -، لم يكن مُتَكبرا، ذليلاً لله - عز وجل -، غير مترفع على الخلق، مُحِبَاً لسلامته -سلامة قلبه-، مُبْتَعِداً عما يفسد القلب، هذه كلها مؤثرة في تصديقه.
فإذاً رجع الأمر في زيادة الإيمان وفي نقصانه إلى زيادة الإيمان في أركانه الثلاثة ونقصان الإيمان في أركانه الثلاثة.
فإذاً زيادة الإيمان (يزيد بطاعة الرحمن) يعني: - يزيد التصديق أو الاعتقاد بطاعة الرحمن.
- يزيد الإقرار باللسان بطاعة الرحمن.
- يزيد العمل بالأركان أيضا بطاعة الرحمن.
فزيادة الإيمان راجِعَةٌ للثلاثة جميعاً.
لأنَّ الزيادة: تارةً تكون بالعمل الظاهرمثل زيادة صلاة، زيادة صدقة، زيادة بر، زيادة جهاد في سبيل الله، طلب علم ونحو ذلك، فيَرْجِعُ هذا إلى التصدِيقِ وإلى الإقرار بزيادة.
فيكون تصديقه واعتقاده أكثر وأعظم وأمتن وأثبت وكذلك إقراره.
وهذا يُحِسُّهُ الإنسان من نفسه فإنه إذا زاد إيمانه زاد لَهَجُهُ بذكر به - عز وجل - تهليلاً وتسبيحاً وتحميداً وتكبيراً وتمجيداً.
المسائل كثيرة نرجئ البقية إلى موضعٍ آتٍ إن شاء الله.

قال بعدها (وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ.)

(وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى)

[المسألة الأولى] : أنَّ قوله (وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ) يُرَدُّ عليه بأنَّ أصل الإيمان: - إما أن يكون لُغَوياً.
- وإما أن يكون شرعياً.
فإذا كان المراد الشرعي -يعني الإيمان الشرعي-، فإنّ الإيمان يَصْدُقُ على: - ما به يدخل المرء فيه.
- وأيضاً يكون أصله فيما بعد ذلك من الزيادات.
بمعنى أنَّهُ يدخل في الإيمان بتصديقٍ وبكلمة، ثم بعد ذلك يكون تصديقه غَيْرَ تصديقه الأول، وتكون كلمته غيرَ كلمته الأولى.
فلهذا كلمة (أَصْله) فيها إجمال وعدم وضوح.
هل المقصود بالأصل أنه الأصل الشرعي حين دخل في الإسلام؟ أو المقصود الأصل الشرعي الذي يتابعه ويمشي معه، يعني يلازم الإنسان دائماً وأنه أصل واحد لا يزيد دائما؟.
هذا فيه إجمال، وأيضاً لا يتفق هذا وذاك، فلا يَتَّفِقُ أَصْلُ إيمانِهِ أَوَّلَ ما دَخَلَ مع أَصْلِ إيمانه الذي يصاحبه، وكُلُّ أحد يعرف من نفسه الفرق ما بين أصل الإيمان حين أسلم وأصل إيمانه حين رسخت قدمه وحَسُنَ إسلامه.
فإذاً كلمة (أَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ)، أصل الإيمان ما هو؟ هذه كلمة مجملة غير واضحة مرجعها غير واضح ولا دليل من الكتاب أو السنة على هذه الكلمة؛ يعني التعبير بأصل الإيمان وعدم التفريق فيما بين الإيمان اللغوي والشرعي.

[المسألة الثانية] : أنَّ أصل الإيمان إذا قلنا هو التصديق، فإنَّ التصديق يتفاوت.
التّصديق نفسه الذي هو حد الإيمان -لأنهم عَرَّفُوا الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان- هذا التصديق الذي هو في تعريف الإيمان يتفاوت الناس فيه، وأيضاً يزيد في المعين وينقص.
وأسباب زيادة التصديق ونقصان التصديق أمور: 1 - الأول: أنَّ مسائل الشّرع، مسائل الكتاب والسنة كثيرة، سواء في الأمور الاعتقادية أو في الأمور العملية، وهذه كلها يجب الإيمان بها على الإجمال والتفصيل.
فإيمانُ وتَصْدِيْقُ مَنْ كَانَ مُقْتَصِرَاً على الإجماليات من جُهَّال المسلمين ليس كإيمان وتصديق من صَدَّقَ بكل ما عَلِمَهُ.
فالعَالِمُ تصديقُه مُجْمَلْ وتَصْدِيقُهُ مُفَصَّلْ بكل ما عَلِمَهْ، وأمّا الجاهل فتصْدِيقُهُ مُجْمل وما عَلِمَهُ من الشريعة قليلٌ صَدَّقَ به لكنه تصديقٌ ببعض الأمور.
فمن صَدَّقَ بكل الفروع -سواءٌ فروع العقيدة أو فروع الشريعة- من صَدَّقَ بها جميعاً فتصديقه أعلى ممن صَدَّقَ تصديقاً إجمالياً لا تفصيل فيه.
فإذاً نفس التصديق من جهة أوامر الشريعة والإيمان بالنصوص يختلف من جهة الإجمال والتفصيل.
2- الثاني: الأعمال الظاهرة أيضاً امتثالاً للأوامر واجتناباً للنواهي تُؤَثِّرْ في التصديق ويؤثر فيها التصديق.
ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن»1كما في الصحيح، وفي مسند الإمام أحمد قال «إذا زنى العبد ارتفع الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا ترك عاود»2، فإذاً هو حينما يفعل هذه الكبيرة، كبيرة الزنا أو كبيرة شرب الخمر أو كبيرة السرقة أو ما شابهها، حين يفعل، قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؛ لكن هنا هل زال تصديقه بالكلية؟ لا، لكن التصديق القوي المُسْتَحْضَرْ بالله - عز وجل - وبالدّار الآخرة وبعقابه والحساب والعذاب وما يكون بعد ذلك ومن العقوبات في الدنيا، هذا التصديق المتجزِّئ الكثير، هذا التصديق غاب عنه حين واقع المحظور، فلذلك قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
فإذاً الأعمال الظاهرة امتثالاً للواجب وانتهاءً عن المحرم هذه تزيد في التصديق، قال - عز وجل - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:2]، وزيادة الإيمان ترجع إلى أركان الإيمان، إذْ تخصيص بعض الأركان دون بعض ليس عليه دليل، زيادة التصديق وزيادة العمل وزيادة الإقرار، وكذلك قوله - عز وجل - ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:4]، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هنا نكرة فتفيد الإطلاق في هذا المقام يعني إيماناً من جهة العمل وإيمان من جهة الإقرار وإيمان من جهة التصديق والاعتقاد.
3- الثالث: أعمال القلوب مختلفة، الإنابة إلى الله - عز وجل -، ومحبة الرب سبحانه والخضوع له والتلذذ بمناجاته والأُنْسْ بتلاوة كتابه والتعرض لنفحاته في الأوقات الفاضلة، هذه أمور تزيد من اعتقاد القلب، وكل أحد يعلم من نفسه أنَّ حاله مع وجود هذه الأمور ومجاهدة النفس فيها ليس كحاله بدونها، وإيقانه بالجنة والنار وبالنعيم وبالعذاب وتوكُلُهُ على الله - عز وجل - ويقينه وقوّته في الإيمان تختلف فيما إذا تعاطى هذه العبادات وفيما إذا تهاون بها.
فإذاً إيقانه وتصديقه متصل بعبادات القلوب، وعبادات القلوب تزيد في التصديق والتصديق زيادته يؤثر فيها، فعمل القلب واحد، وإذا قلنا عمل القلب نسميه كذا ونسميه كذا فباعتبار التَّجْزِيء باعتبار الإيضاح؛ لكن في الحقيقة القلب شيء واحد، إذا جاءه التوكل قَوِيَ التصديق، إذا قَوِيَ التصديق قويت محبة الله - عز وجل -، إذا قويت محبة الله سبحانه وتعالى قويت الإنابة إليه وامتثال أوامره والرغبة فيما عنده.
فالقلب -إذاً- تفريقُ أعماله إنما هو للإيضاح والبيان، وإلا فكل عملٍ قلبيٍ مؤثر على العمل الآخر صِدْقَاً في الاعتقاد وإنابة وخضوع وامتثال ظاهر وامتثال باطن وإقرار وإيقان.
ولهذا تجد أنّ أعظم المؤمنين إيمانا أكثرهم خضوعاً وذلاً لله - عز وجل - وعدم ترفع على الخلق؛ لأنَّ هذا الذي في القلب بعضه يؤثر على بعض.
الصلاة يؤثر على الثواب فيها وعلى حُسنها تصديق القلب وخشية القلب وإنابته وحضوره إلى آخره، وكذلك هي تؤثر في هذه الأعمال.

إذاً في التفريق ما بين أعمال القلوب هذا تصديق وهذا توكل وهذه خشية وهذه إنابة بأنه تفريق منطقي صحيح يعني بمعنى يمكن أن ترى هذه بلا هذه ولا صلة بينهما هذا بحثٌ نظري لا حقيقة له، فالإيمان -إيمان القلب- وأعمال القلوب مترابطة بعضها آخذٌ ببعض فإذا زاد التوكل زاد التصديق، وإذا قوي التصديق واليقين بأسباب الأعمال الظاهرة قوي التوكل قويت الخشية قويت المحبة قوي الرجاء ونحو ذلك.
فإذاً من أوجُهِ زيادة التصديق وزيادة أصل الإيمان -إذا صح التعبير موافقةً لأولئك- فإنه يُنْظَرُ فيه إلى تفاوت الأعمال؛ أعمال القلوب.
هذه بعض أسباب تفاوت الناس في تصديق القلب، وهناك أوجُهْ أخرى ذَكَرَهَا أهل العلم في مواطنها وخاصَّةً ابن تيمية في كتاب الإيمان؛ فإنه ذكر سبعة أوجه أو أكثر في تفاوت الناس في أصل الإيمان أو في التصديق أو في الاعتقاد، وأسباب الزيادة والنقصان بما يتعلق باعتقاد الناس.1

[المسألة الثالثة] : قوله (وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى) هذا صحيح؛ لكنَّهُ وجه تفاضل وليس كل أوجُهْ التفاضل.
(فالتفاضل قد يكون مِنَّةً مِنَ الله - عز وجل - وتَكَرُّمَاً أن يَمُنَّ على أحد بأن يكون أفضل من أحد، والله - عز وجل - يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
(ويكون التفاضل أيضاً بأمورٍ زمانية مثل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه زائدة عن الأمور التي ذكرها وهي (الْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى)، وقد جاء في الحديث لمقام أحدهم ساعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عبادة أحدكم ستين سنة أو كما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم1، وقد قال صلى الله عليه وسلم أيضاً في الحديث الذي في الصحيحين «لا تسبوا أصحابي -لما نِيلَ من عبد الرحمن بن عوف وهو من السابقين- فوالذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحكم مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»2يعني ولا نصف المد، وذلك فضل خاص زماني لأنهم اتّصلوا وصبحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(الوجه الثالث: التفاضل يكون بأعمال القلوب دون الأعمال الظاهرة، فقد تكون الأعمال الظاهرة قليلة؛ لكن أعمال القلوب عظيمة.
وأعمال القلوب يُؤْجَرْ عليها العبد في الواجبات، ويُؤْجَرْ على الانتهاء عن المنهيات -منهيات أعمال القلوب من الكِبْرْ والبَطَرْ ورؤية النفس ونحو ذلك وسوء الظن بالله أو سوء الظن بالخلق يعني بالمسلمين-، ومنها أعمال يؤجر على فعلها ويأثَمْ على فعلها؛ يعني يؤجر على فعل بعض الأعمال ويأثم على فعل بعض الأعمال.
فإذا كان كذلك كان فعل القلب ميداناً للتفاضل، عمل القلب ميداناً للتفاضل.
لهذا يُرْوَى عن الحسن البصري رحمه الله أنه سئل: لماذا سَبَقَ الصحابة وفُضِّلوا مع أنّ عبادة من بعدهم يعني التابعين أكثر من عبادتهم؟ فقال الحسن (كانوا يتعبدون -يعني الصحابة- والآخرة في قلوبهم، وهؤلاء يتعبدون والدنيا في قلوبهم).
العمل الظاهر واحد؛ بل ربما يكون أكثر، ولهذا صار الابتلاء بحسن العمل، وحُسْنُ العمل فيه الإخلاص وفيه المتابعة، وإذا اتّفق هذا وهذا في المتابعة، فهل يتّفقان في عمل القلب؟ وهل يتّفقان في الإخلاص؟ وهل يتّفقان في حسن العمل الباطن وفي الخشية والإنابة؟ لا يتفقون، هذا وهذا يصلون جنب بعضٍ وهذا وهذا يختلفون تماما.
هذه بعض المسائل المتعلقة بذلك، فتحصَّلَ من هذا أنَّ قوله (أَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ) ليس صواباً بل هو غلط، وليس إيمان الرسل كإيمان عامة أتباعهم، وليس إيمان الناس كإيمان الصحابة، وليس إيمان الصالحين كإيمان الفاسقين، وليس إيمان المُقَرَّبين كإيمان سائر خلق الله من المكلَّفين.
هذا فيه اختلاف فهم يختلفون أعظم الاختلاف في إيمانهم بالله وأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته، وما في قلوبهم من العلم الإجمالي والعلم التفصيلي وما في قلوبهم من الأعمال الصّالحة وكذلك ما عملوه ظاهراً من الأعمال الصّالحة وانتهوا عما نهاهم الله - عز وجل - عنه، فهم يختلفون في ذلك أعظم الاختلاف.
أسأل الله - عز وجل - أن يجعلني وإياكم من أهل المقامات العالية في الإيمان، وأن يغفر لنا ذنوبنا الكثيرة وزللنا وتقصيرنا، وأن يبارك لنا في قليل أعمالنا، وأن يُصلح لنا نياتنا وذريّاتنا وأهلينا، إنه سبحانه جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.

[المسألة الأولى] : الولي في اللغة: هو الناصر والمعين ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:196]، يعني إنَّ ناصري ومُعِيني الله - عز وجل -. والوَلَايَةَ في اللغة -بالفتح- المحبة والنُّصْرَةْ.
والوِلَايَة -بالكسر- الإمارة أو السُّلْطَة.
يعني في غالب استعمال العرب، ومنه قول الله - عز وجل - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:44]، يعني المحبة والنُّصْرَة يستحقها الرب - جل جلاله -. وفي تعريف أهل العلم بما فهموا من الأدلة قالوا: الولي هو كلُّ مؤمِنٍ تقي ليس بنبي.
ويمكن أن تقولَ: كل مؤمن ليس بنبي؛ لأنَّ كل مؤمن له نصيب من التقوى.
لكن في الاصطلاح الخاص لابد من تكميل الإيمان والتقوى بحسب الاستطاعة، كما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله.

[المسألة الثانية] : في دليل هذا الأصل وهو قول الله - عز وجل - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:62-63]، فجَعَلَ الرب - عز وجل - لمن أوْحَى إليه اسماً -وهو اسم النبي أو الرّسول- ولمن أطاع وآمن واتقى اسماً وهو أنَّهُ ولي، فصار اسم الولي غير اسم النبي، فهذا شيء وهذا شيء، وكل نبي له وَلَايَة بِحَسَبِه.
فإذاً الوَلَايَةُ داخلةٌ في النبوة لأنَّ النبوة أعظم وأرفع، والإيمان والتقوى هما سببا الوَلاية.
وإذا كان كذلك، فإنَّ المُتَقَرِرْ عند أهل السنة والجماعة: أنَّ الإيمان يتفاضل أهله فيه والتقوى يتفاضل أهلها فيها.
وإذا كان الإيمان مُتَفَاضِلاً والتقوى متفاضلةً فينتج من ذلك أنَّ وَلاية الله لعبده متفاضلة.
فيجتمع -إذاً- في حق المؤمن المُعَيَّنْ ما يُوجِبُ الولاية من الله - عز وجل - بإيجابه على نفسه ووعده الحق، وما يُسَبِّبُ العداوة.
فمادة الإيمان والتقوى أثرُهَا وَلَاية الله - عز وجل - لعبده وهي محبته له ونُصْرَتُهُ له.
ومادة الظلم والطغيان والذنب عليها وعيد من الله - عز وجل - بسلب الوَلَايَة الكاملة، فهذه تجتمع في حق المؤمن، من جهة يكون ولياً ومن جهةٍ يكون ظالماً لنفسه.

فصول الكتاب · 115 فصل · 758 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل · 758 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةالأسئلة[المسألة الرابعة] :في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).الأسئلة:[المسألة الثانية] :ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى؟قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ).الأسئلةالأسئلةالأسئلة[المسألة الثالثة] :نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسولالأسئلة[المسألة الرابعة] :أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة.[المسألة الأولى] :أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال - عز وجل - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:[المسألة الخامسة] :أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم - عز وجل - عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضاً،الأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلة:قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا - عز وجل - مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ.)الأسئلة[المسألة الثانية] :متى وقع الإسراء والمعراج؟الأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:الأسئلةالأسئلة:[المسألة العاشرة] :1الأسباب التي بها يُحَصِّل المرء المسلم شفاعة نبيهالأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلةقوله (وَفَوْقَهُ)الأسئلةالأسئلةالأسئلة:الأسئلة[المسألة الخامسة] :الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله -الأسئلة.[المسألة الثانية] :الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله -[المسألة الخامسة] :من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين،(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)الأسئلة.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الحادية عشرة] :قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة.الأسئلةالأسئلةنَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.[المسألة الأولى] :أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:[المسألة الثانية] :الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً.[المسألة الثالثة] :الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء.الأسئلةالأسئلة:الأسئلة:[المسألة الثالثة] :الله - عز وجل - وليٌّ للعبد، والعبد أيضاً وليٌّ لله - عز وجل -،[المسألة الرابعة] :الأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:- مقتصدون.- وسابقون مُقَرَّبون.الأسئلة[المسألة الثانية1] :هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟الأسئلة[المسألة الخامسة] :من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:[المسألة السادسة] :الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي.قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)[المسألة الثالثة] :قوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إماماً مُرَتَّبَاً، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.الأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة.الأسئلةالأسئلة[المسألة الثانية] :قوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة؛[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين.[المسألة الرابعة] :الروح والبدن ذكر العلماء أن لها أربعة1أنواع من التعلق
[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه.
الأسئلةالأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:[المسألة الثانية] :لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ،[المسألة الثانية] :عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَالأسئلةالأسئلة:[المسألة التاسعة] :الكرامة إذا أعطاها الله - عز وجل - الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة.الأسئلةالأسئلة:الأسئلةالأسئلة:الأسئلةقوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) :الأسئلةالأسئلةالأسئلةالأسئلة:[المسألة الأولى] :عِظَمِ شأن الدعاء،الأسئلة
جارٍ التحميل