س1/ هل هناك فرق بين فهم الحجة والاقتناع بالحجة؟ ج/ هذا مرّ معنا الجواب عليه1وهو أنَّ فهم الحجة الذي لا يُشترط في إقامة الحجة هو الاقتناع، كونه اقتنع أو لم يقتنع هذه ليس شرطاً؛ لكن المهم أن تُقَام عليه الحجة بوضوح وبدليل لأنه إذا قلنا بشرط الاقتناع معنى ذلك أنه لا يكفر إلا المعاند، والأدلة دَلَّتْ في القرآن والسنة على أنَّ الكافر يكون معانداً ويكون غير معاند، يكون مقتنع وأحياناً يكون غير مقتنع عنده شبهة لا زالت عنده ولكن لم يتخلص منها لأسباب راجعة إليه.
س2/ ما الدليل على أخذ جبريل عليه السلام القرآن من الله تعالى مباشرة، لا من اللوح المحفوظ وأنَّ الله كلمه به؟ ج/ الدليل على ذلك أنَّ الله - عز وجل - نسب القرآن وأضاف القرآن إلى نفسه تكليما به قال - عز وجل - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:6].
﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فسَمَّاهُ كلاماً له - عز وجل -، وقال سبحانه وتعالى في ذكر جبريل ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي في القرآن وجبريل ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:192-195]، ودلّ على أنَّ هذا التنزيل تنزيل سماع لا تنزيل كتابة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «إذا قضى الله الوحي في السماء سُمِعَ له كجر سلسلة على صفوان»2إلى آخر الحديث، فيكون جبريل أول من يفيق فيقولون ماذا قال ربكم، لا، فتفيق الملائكة فينفذ ذلك فيهم.
«إذا قضى الله الوحي في السماء برزت الملائكة بأجنحتها في السماء خضعانا لقوله فينفذهم في ذلك» يعني إلى قوله «فتقول الملائكة ماذا قال ربكم فيقول جبريل عليه السلام «الحق وهو العليّ الكبير» فالوحي يسمعه جبريل عليه السلام ثم يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قول من قال من الأشاعرة إنه يأخذه من اللوح المحفوظ، فهذا ليس بصحيح وليس من أقوال أهل السنة البتة؛ لأنَّ ما في اللوح المحفوظ من القرآن هذا مجموع على جهة الكتابة، والقرآن له جهتان: - جهة سماع.
- وجهة كتابة.
جهة كلام من الله - عز وجل - يُسمع، وجهة كتابة.
وجهة الكتابة هي ما في اللوح المحفوظ من القرآن بأجمعه من أوله إلى آخره، وجبريل عليه السلام لا ينتقي هذه الآية يأخذها وينزلها في الوقت المحدد، ثم يأخذ الآية الأخرى وينزلها في الوقت المحدد، وإنما هو وحي الله - عز وجل -. قال سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:1]، قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعُه الأصوات، فقد جاءت المجادلة تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في حجرتي لا أسمعها3، وهذا مصيرٌ من عائشة رضي الله عنها إلى أنَّ الله - عز وجل - سمع ذلك منها فقال ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾.
المقصود من ذلك أنَّ تنزيل القرآن تنزيل سماع، أما الكتابة فهي موجودة في ثلاثة أشياء: 1 - موجودة في اللوح المحفوظ كما قال - عز وجل - ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:77-79]، وقال - عز وجل - ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:21-22]، هذه الأولى.
2 - والثانية في الكتابة ما هو موجود في بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا على القول بصحة أثر ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك.
- والثالث المكتوب في المصاحف التي بين أيدي المسلمين.
هذه ثلاثة كتابات، والكتابة ليست تكليما وإنما هي كتابة.
وحيثما وجد في اللوح المحفوظ أو في بيت العزة أو في المصاحف كله كلام الله - عز وجل - ينسب إلى الله - عز وجل - أو يضاف إلى الله - عز وجل - إضافة صفة إلى موصوف.
س3/ قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:14]، ما المقصود بالمعصية هل هي الصغائر أم الكبائر أم الشرك؟ ج/ المعصية هذه التي توعّد الله - عز وجل - عليها بدخول النار والخلود فيها والعذاب المهين هي الكفر بالله - عز وجل - والشّرك الأكبر والردة عن الإسلام والعياذ بالله، هذا هو الذي يترتب عليه ذلك.
والكبائر والصغائر داخلة في عموم المعصية ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يدخل فيها الكبائر والصغائر؛ لكن قوله ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ هذا يدُلُّ على أنَّ هذه المعصية هي المعاصي التي لا يدخلها التكفير، وهي الكبائر إن مات مصرًّا عليها ولم يتب؛ يعني ولم يشأ الله - عز وجل - أن يغفر له والكفر والشرك كما ذكرتُ لك.
إذاً فالآية فيها الكبائر التي لم يَتُبْ منها مثل القتل مثل شرب الخمر ونحو ذلك، هذه إذا مات المسلم وهو يفعلها ولم يتب منها فإنه تحت المشيئة إن شاء الله - عز وجل - عفا عنه وإن شاء عَذَّبَهْ، وهذا يدخل في العذاب.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ الخلود في القرآن نوعان: - خلود أبدي.
- وخلود أمدي.
الخلود في اللغة واستعمال القرآن على ذلك أنَّ الخلود معناه المكث الطويل، إذا مَكَثَ طويلا قيل له خالد، ولذلك العرب تسمي أولادها خالداً تفاؤلاً بطول المكث، بطول العمر، سَمَّوهُ خالداً؛ يعني أنه سيعمر عمراً طويلاً، وليس معنى الخلود يعني أنه خلود ليس معه انقطاع، وإنما هذا يُمَيَّزْ بالأبدية لهذا في الآيات ثَمَّ آيات فيها ﴿أبدًا﴾، وثَمَّ آيات ليس فيها الأبدية، فلما جاء في القتل قال ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:93]، أجمع أهل السنة على أنَّ الخلود في هذه الآية ليس أبدياً لأنَّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بتوحيده.
والآيات التي فيها الخلود الأبدي واضحة كقوله - عز وجل - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:6]، لا، الآيات متعددة ما استحضرتها الآن، فإذاً الخلود نوعان في القرآن.
شيخ الإسلام ابن تيمية له بحث في هذا، لكن لا يُسَلَّمْ له.1س4/ لو قال لي شخص: أنتم يا أهل السنة والجماعة متناقضون في تقسيماتكم؛ كيف تقولون إنَّ الله نُثْبِتْ له صفة العلو بذاته وفي نفس الوقت تقولون إنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، والنزول من الصفات الفعلية، فهل هذا إلا جمعٌ بين نقيضين؟ ج/ ليس أهل السنة الذين قالوا بهذا، الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي أثبت العلو لله - عز وجل - بذاته، وهو الذي أخبر بنزول الرّب - عز وجل - في آخر كل ليل، فإذا كان ثَمَّ تناقض فنُعِيذْ من يقول هذا أن ينسب التناقض للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله هل هذا إلا جمع بين النقيضين هذه مشكلة كل مؤوّل وكل مُحَرِّفْ هذا السؤال يمثل مشكلته.
وهي أنَّ المُؤَوِّلْ مُشَبِّهْ، ما أوَّلَ إلا لأنه شبَّه، قام في ذهنه أنَّ إثبات الصفة فيه مشابهة ومماثلة لما يعلمه من اتصاف المخلوق بالصفة، ثُمَّ شَبَّهَ ثُمَّ نَفَى.
ما ينفي أحد في مجال الصفات والعقائد إلا أنه شَبَّهَ قبل، وإلا كيف تنفي؟ أنت لا تَقُلْ إنَّ الكيفية تعلمها أصلاً أو أنَّ الكيفية لها مماثل فيما ترى أو فيما رأيت، كيفية اتصاف الرب - عز وجل - بصفاته لا يعلمها أحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، فلا نعلم حقيقة اتصافه بالصفة ولا كيفية اتصافه بالصفة.
فإذا قال قائل: هذا يمتنع إننا نقول أنه - عز وجل - عالٍ بذاته سبحانه وتعالى وأنه ينزل، يقول هذا جمع بين النقيضين؛ فمعناه أنه شَبَّهْ.
لأنه عَدَّهُ جمعاً بين النقيضين لماذا؟ لأنه جَمْعٌ بين النقيضين في حق بعض المخلوقات، وليس كل المخلوقات؛ لأنه يمكن أن ينزل المخلوق ويبقى عالياً، ينزل المخلوق ويبقى عالياً؛ لكن النزول مع الاستواء على العرش هذا من خصائص الله - عز وجل -، لكن المخلوق يمكن أن ينزل وأن يكون عالياً بذاته مثل الملائكة ينزلون وهم في العلو، أما الاستواء على العرش مع النزول هذا خاص بجلال الله - عز وجل -. فإذاً إثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية، من قال هذه تجمع مع هذه، هذا فيه تناقض، كيف؟ هذا معناه أنَّهُ شَبَّهْ، اسْتَحْضَرْ من الصفة مماثلة اتصاف المخلوق بها ثم نفى، وهذه مشكلة كل المؤولة.
س5/ أيهما أعظم جُرْمَاً وذنباً الحلف بغير الله أو الزنا؟ ج/ الحلف بغير الله كفر والزنا ليس كفراً، ومعصية سمَّاها الله - عز وجل - كفراً هي أعظم من معصية لم يسمها الله - عز وجل - كفراً، وهذا المقصود به من حيث الجنس يعني جنس الحلف بغير الله وجنس الزنا.
لكن لو تطبقه على شخص لا يسوغ التطبيق، تقول هذا حَلَفَ بغير الله وهذا زنى، معناه هذا أبشع من هذا، فإنَّ هذا لا يُطَبَّقْ في كل نواحي الموازنة هل هذا أعظم أو هذا أعظم المقصود به النوع، أما إذا أتيت إلى الأفراد فهذا يختلف باختلاف الأحوال.
س6/ هل الذبح أمام أو عند قدوم الضيف شرك، حيث إنَّ بعض من ينتسب إلى أهل العلم يقول إذا كان على وجه الإكرام يجوز ذلك؟
ج/ الذبح إراقة الدم من أعظم القربات لله - عز وجل -؛ لأنَّ الذي أجرى الدم في هذا المخلوق هو رب العالمين، فالدم هو الحياة، جريان الدم هو الحياة، فإراقته إنما تكون تقرباً لمن وهب هذه الحياة ووهب هذه الأنعام التي ينتفع بها الإنسان، التقرب بإراقة الدم إذا كان لمخلوق فهو كفر بالاتفاق، تقرّب بإراقة الدم لمخلوق تقرباً له تعظيماً له هذا كفر بالإتفاق، هذا شرك من جهة العبادة، فإنْ سَمَّى غير الله - عز وجل - عليه صار مما أُهِل لغير الله به فرجع إلى الشك في الربوبية والاستعانة.
الذي يحصل عند البادية في بعض البادية أنهم إذا أرادوا أن يُكْرِمُوا ضيفاً -وليس كل ضيف- الضيف الذي يعظمونه أو سلطان أو أمير أو نحو ذلك، فإنهم يذبحون الذبيحة ليسيل الدم أمامه وهو يرى، وهذا جرت عادتهم أنَّ هذا على جهة التعظيم للقادم لا على جهة الإكرام، يُكْرِمون أضيافهم بالذبح وراء البيت بالذبح في أي مكان؛ لكن كونه ينحر الإبل والدم يضرب بقوة والضيف يأتي، هذا لا يفعلونه إلا للمُعَظَّمْ فيهم، وهذا نوع تقرب للمخلوق بهذا الدم، ما نقول تقرب لكن هو نوع تقرب، ولذلك حَكَمَ العلماء على أنَّ هذه الذبيحة ليست مباحة بل هي ميتة، لا يجوز أكلها، ويجب الإنكار على من فعل ذلك، سواء فعله مع سلطان أو مع أمير أو فَعَلَهُ مع رئيس قبيلة أو فعله مع ضيف معتاد ممن يُعَظَّمْ؛ يعني ليس من هؤلاء، فإنه لا يجوز الأكل منها، إذا ذبحها أمامه ضابطها أن ينحر الإبل ويضرب الدم وهذا يدخل أمامه وهو يرى لدخوله.
لكن لا يدخل في ذلك وهو جالس مثلاً في المكان أو في الخيمة أو في البر، هو جالس ثم دعوه على الكل فصاروا ذبحوا الذبيحة وهو ينظر إليها؛ لكن الضابط هو إراقة الدم وسيلانه وهذا يتحرك وهذا يقدم مثل ما حصل قريباً، نسأل الله - عز وجل - العافية والسلامة، هذا كله محرم وكبيرة من الكبائر وبعض حالاته يكون شركاً في هذا؛ لكن على كل حال هذه الذبيحة محرمة ميتة لا يجوز الأكل منها.
س19/ لُوحظ في الآونة الأخيرة على بعض الشباب الملتزم الأخذ من اللحية تخفيفاً، فما حكم هذا العمل؟ وما حدود اللحية؟، وهل يُصَلَّى وراء الإمام الرسمي؟ آمل التكرّم بتفصيل مسألة بدعية الأسابيع المتكررة: المساجد الشجرة إلى آخره؟ ج/ أما حكم الأخذ من اللحية، فحلق اللحية حرام بالإجماع نص ابن حزم على تحريم حلق اللحية بالإجماع، وكذلك غيره، وعلماء المذاهب الأربعة يختلفون في هذه المسألة من حيث تحريم الحلق أصْلاً.
والذي دَلَّتْ عليه الأدلة الواضحة في السنة بألفاظ مختلفة أنّ إعفاء اللحية مأمور به قال صلى الله عليه وسلم «خالفوا المجوس أعفوا اللحى وحفوا الشوارب» وفي رواية أخرى قال «أرخوا اللحى»1، وفي رواية ثالثة قال «وفّروا اللحى»2، وقال «أكرموا اللحى»، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور مأمور بها، وأنَّ حلق اللحية حرام، وقد روى ابن السعد أيضاً وغيره أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المجوس وكان حالق اللحية وكان موفّر الشارب جداً فانصرف عنه صلى الله عليه وسلم فلما أقبل عليه قال له «من أمرك أن تفعل هذا؟» فأجابه الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم «ولكن الله أمرني أن آخذ من هذا» يعني شاربه «وأعفي هذه»3يعني اللحية.
إذا تقرر هذا فما هو حد الإعفاء لغةً وشرعاً الذي يحصل به الإعفاء، وهل معنى الإعفاء أنه لا يجوز أخذ شيء من اللحية، للعلماء في ذلك أقوال: - الإمام أحمد وأصحابه ذهبوا إلى أنَّ إعفاء اللحية بتركها على حالها سنّة، وأنّ الأخذ منها إذا لم يكن إلى حد الحلق فإنه مكروه، وهذا هو الذي مدوّنٌ في مذاهبهم، والإمام أحمد كان يأخذ من لحيته كما ذكره إسحاق ابن هانئ في مسائله.
- والقول الثاني وهو المُفْتَى به عند علمائنا وذلك لظاهر الأدلة أنَّ معنى الإعفاء ألا يُؤْخَذَ منها شيء أصلاً بدليل قوله (وفّروا اللحى)، (أكرموا اللحى)، (أرخوا اللحى) وهذه كلها مأمور بها.
لكن ما هو حد الإعفاء هذا؟ الذين قالوا بأنَّ الأخذ من اللحية ليس مخالفاً للإعفاء، قالوا هذا الأمر، أعفوا، أرخوا، خالفه الصحابة بالأخذ بما زاد عن القبضة فَدَلَّ على أنَّ حد الإعفاء ليس مطلقاً؛ يعني بِأَنَّ من أَخَذَ فقد خالف الأمر بالإعفاء.
ولهذا ذهب جماعة من العلماء منهم الحنفية ونَصَرَهُ الشيخ ناصر الدين الألباني في هذا الوقت نصراً بالغاً بأنَّ حد اللحية إلى القبضة، وما زاد على ذلك فلا يُشْرَعْ، وهذا القول فيه ضعف ظاهر؛ لأنَّ من الصحابة من كان كث اللحية جداً وعظيمها وكانت لحيته تبلغ إلى صدره، كما ذُكر عن علي رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان كثَّ اللحية جداً ونحو ذلك مما يدل على أنَّ حد الإعفاء بالقبضة وأنه لا يجوز أن يُعْفِيَ أكثر من القبضة هذا قول يحتاج إلى أدلة واضحة في ذلك.
ولو كان أنَّ الزيادة على القبضة لا تجوز كما ذهب إليه الشيخ ناصر الدين الألباني -حفظه الله- لما خَصَّ الصحابة الأخذ من اللحية مما زاد عن القبضة بالنُّسك، ابن عمر كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد عن القبضة أخذه، لو كان مطلق أنه ما يعفي أكثر من القبضة فمعناه أنه لا يُخَصْ بالنسك؛ لأنَّ تخصيصه بالنُّسك هذا يدل على معنى آخر وليس على الإطلاق.
المقصود من ذلك أنَّ العلماء لهم في ذلك أقوال: القول الأول ما ذكرته لك من المفتى به عند علمائنا وهو أن الإعفاء بأنَّهُ يتركها على حالها، طبعاً إلا في حالة التشويه وهذه حالات نادرة.
والقول الثاني أنَّ الحلق يحرم وأنَّ تركها على حالها مستحب، والأخذ منها مكروه؛ يعني تَرَكَ فيه الأفضل.
والقول الثالث هو أنَّ الزيادة على القبضة لا يجوز؛ بل بدعة وهو قول الشيخ ناصر الدين الألباني، وهو قول ليس له حظ من الدليل.
[.....] راجعة إلى كلمة (إعفاء) ما حدّه في اللغة؟ الأقرب من حيث النّظر وفعل الصحابة أنّ الإعفاء ما له حد؛ لكن المأمور به أن لا يكون المرء مشابهاً للذين يحلقونها أو يَقُصُّونَهَا شديداً؛ لأنَّ النووي رحمه الله ذكر خصال إثنا عشرة أو عشر خصال في اللحية مذمومة، ومنها أشياء يُوَافَقُ عليها ومنها الأخذ منها شديداً وهذا من فعل المجوس ومنها حلقها، وهو من المعاصي لكن ليست كبيرة، حلق اللحية ليس من الكبائر.
نكتفي بهذا القدر، وتعذورنا على الإجابة على الأسئلة لكن لعل فيها فائدة إن شاء الله تعالى.1
: [[الشريط التاسع والعشرون]] : الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: