فمشكلتنا مع هذا القانون تتلخص في ثلاث نقاط:
-
النقطة الأولى: تجويزهم لتعارض العقل والنقل؛ يعني قالوا إن العقل يجوز أن يعارض النقل، هذا أولاً.
-
النقطة الثانية: القسمة الرباعية تلك؛ إما أن نقدم العقل، إما أن نقدم النقل، إما أن نقدم كليهما، وإما أن نرد كليهما.
-
النقطة الثالثة: قولهم إن العقل مقدم على النقل.
سنحاول بإذن الله سبحانه وتعالى أن نضحض هذا القانون بإذن الله سبحانه وتعالى.
تحرير محل النزاع (أي عقل وأي نقل؟)
طيب، هم يقولون أولاً في صياغة هذه العبارة: إذا تعارض العقل والنقل فسنقدم العقل؛ لأن العقل هو أساس النقل، فإن طعنا في العقل أو رددناه فإننا نطعن في النقل أو نطعن في كليهما.
النقطة الأولى في ردنا على هذا القانون أنه ماذا يقصدون بـ "إذا تعارض العقل والنقل"؟ يعني يجب تحرير هذه المقالة: أي عقل يقصدون، وأي نقل يقصدون؟
-
هل يقصدون العقل القطعي الدلالة والثبوت، والنقل القطعي الدلالة والثبوت؟
-
أم يقصدون العقل الظني مع النقل القطعي؟
-
أم العقل القطعي مع النقل الظني؟
ماذا يقصدون بالضبط؟ لأن قول "تعارض العقل والنقل" هذا لفظ مجمل.
العقل إما أن يكون قطيعاً في ثبوته ودلالته وإما أن يكون ظنياً، والنقل أيضاً إما أن يكون قطيعاً في دلالته وثبوته وإما أن يكون ظنياً، فأي عقل يقصدون؟
فـ—يعني— إذا كان الدليلان العقلي والنقلي قطعيين، فالتعارض —نعتذر— فنقول: إذا كان الدليل العقلي والدليل النقلي قطعيين، فتعارضهما غير ممكن؛ لأن التعارض بين القطعيات غير ممكن أصلاً، لأن القطعي واجب الثبوت، وما كان واجب الثبوت لا يجوز رده.
بصيغة أبسط: إذا افترضنا تعارض القطعيات، إذا قلنا إن هذه القطعيات ممكن يجوز لها أن تتعارض:
-
فإما أننا سنرد أحدهما (أحد هذه القطعيات، إما الدليل العقلي القطعي أو الدليل النقلي القطعي)، وهذا ممتنع؛ إذ إن القطعي واجب الثبوت.
-
وإما أننا نقبل كلاً منهما مع التعارض، وهذا ممتنع لأنه جمع بين النقيضين.
فهنا يستحيل أن يتعارض القطعيان؛ كما قلنا لأنه إذا تعارض القطعيان فإما أننا سنردهما وإما أننا سنأخذ كليهما.
وإذا رددناهما فلا يمكن أن نرد القطعيين لأنهما واجبا الثبوت، ولا يمكن أن نرد واحداً منهما لأن ما كان قطيعاً فهو واجب الثبوت، ولا يمكن أن نأخذهما كلاهما مع التعارض لأن هذا جمع بين النقيضين.
فعند توهم التعارض بين دليل عقلي ودليل نقلي (أو دليل سمعي):
-
فإما أن هذين الدليلين ليسا قطعيين من الأساس (أي أن كلاهما ظني).
-
أو أن أحدهما ظني والآخر قطعي.
-
وإما أنهما قطعيان —كلاهما قطعي فعلاً— ولكن يحمل الأول على وجه والثاني على وجه.
فكخلاصة: القطعيات لا تتعارض البتة.
طيب، إن كان التعارض بين دليلين: دليل عقلي ظني، ودليل نقلي سمعي ظني؛ فهنا نقدم الراجح منهما، ما ترجح لنا نقدمه.
أما إذا كان أحدهما ظنياً والثاني قطعي، فالمقدم هو القطعي سواء كان عقلياً أو سمعياً.
وإذا قدمنا العقلي (يعني إذا قلنا إن الدليل العقلي هو المقدم هنا)، فلم نقدمه لأنه عقلي، وإنما قدمناه لأنه قطعي؛ فالقطعي هو المقدم دائماً بغض النظر عنكونه سمعياً (يعني نصياً نقلياً) أو عن كونه عقلياً.
طبعاً لأنبه الإخوة: هذا الكلام كله مقتبس من المجلد الأول من ((درء تعارض العقل والنقل))، ومن كتاب ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم رحمه الله، ومن كتاب أصول البدع.
بطلان القسمة الرباعية
النقطة الثانية التي انتقدها شيخ الإسلام هي تقسيمهم للاحتمالات التي تترتب عند تعارض العقل والنقل؛ فهم قالوا إذا تعارض العقل والنقل:
-
إما أن نقدم العقل مطلقا.
-
وإما أن نقدم النقل مطلقا.
-
أو نجمع بينهما مع التعارض.
-
أو نرفعهما كلاهما (يعني نرد كلاهما).
هذه القسمة خاطئة —قال شيخ الإسلام— قال: يعني يمكن أن يقال: يقدم القطعي تارة والسمعي تارة حسب السياق، أو أن القطعي هو المقدم مطلقاً، أو أن تعارض القطعيات ممتنع أصلاً.
فهذه القسمة الرباعية أصلاً ناقصة، فلا يجوز أن نقول نقدم العقلي مطلقاً؛ لا، قل: نقدم العقلي إذا ترجح لنا أن العقلي هو المقدم، ونقدم النقلي إذا ترجح لدينا أن النقلي هو المقدم.
فهذه القسمة التي قسمها الرازي هي أصلاً قسمة ناقصة من الأساس.
تفكيك المغالطة في قولهم (العقل أصل النقل)
طيب، هنا نأتي إلى أهم نقطة في هذا البحث كله، في هذا المبحث كله.
إن فهمت هذه النقطة يا عزيزي طالب العلم، لن تواجهك مشكلة بخصوص القانون الكلي هذا.
هم قالوا إن تقديمنا للعقل —عفواً— قالوا إننا إذا قدمنا النقل فنحن نطعن في أصله، يعني نطعن في الأصل الذي اكتشف النقل.
بمعنى آخر: قالوا إن العقل هو الذي اكتشف صحة النقل، فإذا قدمنا العقل على النقل فماذا سيحصل هنا؟ سنطعن في النقل لأننا طعنا في أصله الذي اكتشفه!
فهنا نقول لهم: إن قصدتم بتقديم النقل أننا إذا قدمنا النقل فنحن نطعن في أصله، إن قصدتم بهذا أن ثبوت الشرع كله متوقف على معرفة العقل له؛ فنقول هذا ممتنع! إذ إن الأشياء الثابتة هي ثابتة سواء أدركناها أم لم ندركها، ولا يتوقف ثبوتها على إدراكنا لها.
إذا كان الشرع حقاً، إذا كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حقاً، فهي حق سواء أدركناها بعقولنا أم لم ندركها، هذه هي النقطة.
فمحمد صلى الله عليه وسلم نبي وإن لم يدرك الناس نبوته، وأنا مثلاً موجود وإن لم يدرك بعض الناس وجودي، والإسلام دين الحق ولا يتوقفكونه حقاً على إدراك الناس له.
هذه هي النقطة.
فيقول شيخ الإسلام رداً عليهم: إن قصدتم أن النقل... أن العقل هو أصل في ثبوت النقل في ذاته، فهذا خطأ! النقل ثابت سواء أدركه العقل أو لم يدركه، يعني النقل والشرع حق سواء أدركه العقل أو لم يدركه.
ويقول شيخ الإسلام —أنا هنا لا أنقل النص ولكن أنقل ما لخصته—: وإن قصد هؤلاء أن عقلنا هو الذي أصلنا إلى حقيقة الشرع فبالتالي إذا طعنا في العقل فقد طعنا في الشرع لأن الطعن في الأصل طعن في الفرع؛ هنا نقول لهم: ماذا تقصدون بالعقل هذا؟ هذا العقل ماذا تقصدون به؟
-
هل تقصدون بالعقل: الغريزة والعلوم الفطرية (يعني العلوم العقلية الضرورية)؟ إن قلتم نعم، فنقول لكم: هذه العلوم الضرورية ممتنع تعارضها مع النقل أصلاً أو مع العلوم العقلية؛ إذ هي شرط في تحصيل كل العلوم العقلية، وما كان شرطاً لشيء استحال أن يعارضه.
-
وإما إن قصدتم بالعقل: العلوم العقلية الناشئة عن العلوم الفطرية هذه؛ فمنشأ الخطأ في كلامهم أنهم جعلوا العلوم العقلية شيئاً واحداً، ثم جعلوا الطعن في واحد منها طعناً في جميعها وطعناً في العقل بحد ذاته! بعبارة أخرى: جعلوا كل العلوم العقلية دليلاً على النقل وأصلاً في معرفته، وهذا خطأ؛ إذ إنه ليس كل ما كان علماً عقلياً صح أن يستدل به على الشرع ويكون أصلاً له.
لنفهم أكثر، نأخذ على سبيل المثال: علم الجبر.
علم الجبر هو علم من العلوم العقلية بلا شك، لو جاءنا أحدهم وقال لنا: أنا سأثبت صحة الرسالة (صحة النبوة مثلاً أو صحة الدين) بهذا العلم (بعلم الجبر)، نحن إن أتينا لهذا الشخص وخطأناه وقلنا له أنت على خطأ، لا يعني أننا خطأنا العقل! وإنما نحن نخطئ العلم العقلي الذي أراد أن يستدل به هذا الرجل على صحة النقل؛ بمعنى أنه سلك طريقاً عقلياً خاطئاً، ولا يفهم عاقل من كلامنا هذا أننا نطعن في العقل! فالطعن في علم عقلي واحد لا يقتضي الطعن في جميع العلوم العقلية.
والعقل ككل فيه عدة علوم عقلية وليست كلها دليلاً على الشرع.
كما أننا لو طعنا في دليل سمعي (مثلاً لو قلنا إن هذا الحديث موضوع مكذوب، أو هذا الحديث ضعيف)، لا يعني أننا طعنا في كل الأحاديث.
فنفس الشيء: طعننا في علم عقلي واحد لا يقتضي الطعن في كل العلوم العقلية.
فعندما يأتي هؤلاء الأشاعرة وعلماء الكلام —علماء الكلام الأوائل، أما الأشاعرة اليوم لا يوجد منهم عالم كلام، هذا لنضعه في الصورة— عندما يأتي هؤلاء بهذا القانون متهمين إيانا بأننا نطعن في العقل الذي هو أصل لثبوت النقل، نقول لهم: نحن لا نطعن في العقل، وإنما نطعن في العلم الذي جعلتموه أصلاً في ثبوت النقل (يعني علم الكلام)، والطعن في علم الكلام لا يقتضي الطعن في العقل كله؛ فنحن طعنا في علم من العلوم العقلية الزائفة ولم نطعن في كل العقل.
وكما قلنا: ليس كل ما هو عقلي يصح دليلاً ويكون أصلاً لثبوت النقل.
فحتى لو طعنا في هذا العلم العقلي، فنحن لم نطعن في أصل النقل الذي زعموا أننا إذا قدمنا النقل سنكون قد طعنا فيه.
بمعنى آخر: هم يعتمدون على علم الكلام في إثبات صحة الرسالة، فنحن طعنا في علم الكلام، فهم قالوا: إذا طعنتم في هذا العلم العقلي فأنتم طعنتم في أصل النقل وبالتالي طعنتم في النقل؛ لأن الطعن في الأصل طعن في الفرع.
فنقول لهم: علم الكلام هذا نحن لا نعتبره أصلاً في معرفة الشرع، بل لا نعتد به أصلاً ونبدع من اشتغل به، فلا تلزمونا بما ليس بلازم لنا أصلاً.
أي نقل هذا الذي يزعمون تعارضه مع العقل؟
النقطة الرابعة: نقول لهم ما هو النقل هذا الذي تزعمون أن العقل ناقضه؟ يعني هل هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم والآيات القرآنية؟ هذا يستحيل —إذا كان القرآن خلاص قطعي الثبوت نبحث في دلالته— ولكن إن قصدتم بنقل الأحاديث النبوية الصحيحة، فيستحيل أن يناقض العقل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لا يصح أن يعارض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بدليل عقلي، وهذا هو معنى الإيمان والتسليم لله سبحانه وتعالى ولله ورسوله: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65].
فهذا هو معنى التسليم، التسليم هو أن تأخذ بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقول أنه عارض عقلي أو عارض فكري أو عارض كذا، لا.
خطأ تقديم العقل على النقل مطلقاً
خامساً: جعلهم العقل مقدم على النقل مطلقاً؛ يعني هم يقدمون العقل على النقل ابتداءً حتى لو لم يتعارض، والعقل لا يصح أن يقدم على النقل مطلقاً.
فإما أن يكون —كما قلنا في البداية— إما أن يكون السمع ظنياً والعقل قطيعاً فيقدم القطعي، وإما أن يكون السمع قطيعاً والعقل ظنياً فيقدم القطعي.
فإذا قدم الدليل العقلي، يقدم لا لكونه عقلياً وإنما لكونه قطيعاً.
ولكن هم قبل أن يحدث التعارض، هم مسبقاً لديهم أنه يجب أن نقدم الدليل العقلي بغض النظر عن قطعيته أو ظنيته، وهذا —كما قلنا— شيء مشترك بين كل أعداء الإسلام.
الدليل الشرعي مقابل الدليل البدعي (لا العقلي)
سادساً: نقطة مهمة جداً وهي تنبيه مهم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي قوله: إن الدليل الشرعي يقابل (يعني نقيض الدليل الشرعي) هو الدليل البدعي وليس الدليل العقلي.
يعني بعض الناس يقول لك: هذا دليل شرعي وهذا دليل عقلي، كلاً! وإنما الدليل الشرعي منه ما هو عقلي ومنه ما هو سمعي أو نقلي؛ لأن أهل البدع يحصرون الدليل الشرعي في السمع فقط (في النقل)، وهذا خطأ.
الدليل الشرعي هو كل ما جاء به الشرع وأذن به ولو لم يعارضه دليل شرعي آخر، هذا هو الدليل الشرعي سواء كان سمعياً أو عقلياً.
أما الذي يقابل الدليل الشرعي فهو الدليل البدعي وليس الدليل العقلي؛ فالشريعة أتت بأدلة عقلية وأتت بأدلة سمعية، بل الكثير من الأدلة السمعية متضمنة لأدلة عقلية في داخلها.
التزام منطق المتكلمين يوجب تقديم النقل
سابعاً: شوف، هنا —يعني— شيخ الإسلام احتال على المتكلمين، فقال لهم: على منطقكم (يعني حسب منطقكم)، فلو أجزنا تقديم شيء على الآخر —يعني هذا من باب الجدال فقط قاله شيخ الإسلام، يعني قال لهم: لو جاز تقديم شيء على شيء مطلقاً، يعني لو جاز تقديم العقل مطلقاً أو النقل مطلقاً، أيهما الذي سيقدم؟— قال لهم: سيقدم الدليل النقلي هو الذي سيقدم مطلقاً.
يقول شيخ الإسلام في ((درء تعارض العقل والنقل)) (المجلد الأول، صفحة 138):
"كما قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه.
وقال بعضهم: العقل متولٍّ ولّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عزل نفسه؛ لأن العقل دل على أن الرسول يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والعقل يدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة عامة مطلقة".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن العقل أخبرنا بصدق الرسول، يعني ولّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عزل نفسه؛ يعني بعد توليته للنبي صلى الله عليه وسلم هو خلاص الآن عزل نفسه، يعني مثل تولية أهل الحل والعقد لولي الأمر؛ يعني يجتمع مجموعة من أولي الألباب من المسلمين من ذوي العقول —هذا هو مبدأ الشورى عندنا في الإسلام— يولون حكماً ولي أمر، فهم يولونه ثم ماذا يفعلون؟ يعزلون أنفسهم! فالأمر أمره بعد ذلك إلا إذا خالف، فالأمر أمره ويسمعون له ويطيعون له مع أنهم هم الذين ولوه وهم الذين وضعوه، لكن يسمعون له ويطيعون.
أو مثلاً عند الطبيب: الطبيب أنت تختاره، ثم تسلم له نفسك وتشتكي له مرضك ثم هو الذي يتكفل بعلاجك وأنت لن تعارضه.
مثلاً حتى في الانتخابات هذه التي تحصل في القرون الأخيرة: الشعب ينتخب رئيساً ثم يسلم له كل شيء، يعني لا يعارضه بعدها في القوانين، الأمر أمر الرئيس.
فكذلك العقل والنقل: العقل سلم بصحة النقل وولاه ونصبه حاكماً عليه، فبالتالي لا يحتاج بعدها أنه عارضه؛ لا، حتى لو وجد من نفسه تعارضاً فعليه السمع والطاعة، وهذا هو مبدأ التسليم.
نعتذر فقط أقطع لأنني في مكان عام وقد يأتي بعض الناس أو كذا، فنعتذر على هذه الانقطاعات.
تباين العقول وعدم انضباطها
ثامناً: يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى —أنا هنا في مقام الملخص— يقول إن العقول تفاوتت فيما بينها؛ فقد يدرك زيد بعقله ما لا يدركه بكر بعقله، وقد يدرك بكر بعقله شيئاً في موضع معين ويعجز عن إدراك شيء أبسط منه في موضع آخر.
يعني أنت حتى أنت وصديقك: قد أنت تدرك شيئاً وصديقك لا يدركه أو العكس، وقد أنت بنفسك تدرك شيئاً عظيماً في مسألة ما تفهمه وكذا، وفي موضع آخر شيء أبسط من ذلك الشيء الذي أدركته في موضع آخر لا تدركه! فالعقول هذه تتفاوت وتتباين، فالعقول هذه ليست شيئاً واحداً، تتفاوت وتتباين.
فبالتالي لا يمكن الرجوع إليها عند الاختلاف، لا يمكن أن أقول إن الشرع عارض العقل، أي عقل؟ أي عقل هذا الذي عارض الشرع؟ لذلك عندما في حالة تنازع لم يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالرجوع إلى عقولنا، وإنما قال: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [النساء: 59]، ولم يأمرنا برد تنازعنا إلى عقولنا؛ لأن العقول تتفاوت.
تناقض منهج تقديم العقل
تاسعاً: النقطة الأخيرة هي —شوفوا يا جماعة الخير— العقل الذي يقولون أنه أصل في إثبات النقل، هم قالوا إن العقل أصل في إثبات النقل، فإذا تعارض العقل والنقل وقدمنا العقل فنحن نطعن في النقل.
—عفواً— شوفوا يا جماعة الخير، هم قالوا إن العقل إذا تعارض مع النقل فنحن سنقدم العقل؛ لماذا نقدم العقل؟ لأنه إذا قدمنا النقل فنحن نطعن في أصل العقل الذي أثبت لنا صحة النقل! فنقول لهم هنا أنه لا يصح تعارض العقل والنقل؛ لماذا؟ لأنه لو قلتم إن العقل والنقل تعارضا، فأنتم الذين طعنتم في العقل! فكيف للعقل أن يثبت صحة شيء ثم يعارضه، ثم يثبت أن هذا الشيء خطأ وعارض العقل؟!
يعني أنا أقول إنني أثبت النقل بالعقل، ثم أقول إن هذا النقل فيه خطأ وعارض عقلي! فأنا هنا طعنت في العقل لأنني فرضت أن النقل الذي أثبته عقلي قد عارض العقل الذي أثبته! فأنا هنا الذي طعنت في العقل وليس من أخذوا بالنقل.
كان هذا درس اليوم، كان هذا كل شيء لليوم.
أتمنى أن تكون الاستفادة قد تحققت للجميع، وهذا كل شيء.
نسأل الله الهداية لنا جميعا، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.