شرح العقيدة الواسطية (شرح عادل بن عزوز)المجلس الرابع

المجلس الرابع

قيد المراجعة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

إخواني، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نستأنف بإذن الله -سبحانه وتعالى- شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، هذا الدرس الخامس.

كنا قد توقفنا في الدرس الرابع عند شرح القانون الكلي، طبعاً هذا القانون الكلي هو إضافة مني للشرح، وهو في العقيدة الواسطية لا يوجد شيء اسمه القانون الكلي ولم يتطرق ابن تيمية -رحمه الله- لهذا القانون، ولكن لفهم طبيعة الخلاف في الصفات لا بد أن أتطرق للقانون الكلي.

وهو في الحقيقة هنالك العديد من الأمور التي يمكن أن نتطرق لها، لكن رأيت شيئاً من الصعوبة لدى الإخوة في فهم هذه المصطلحات الفلسفية، ورأيت أنا أيضاً عندي صعوبة في التبسيط، يعني ليس لكوني علامة أو كذا لا، ولكن بعض المصطلحات تحتاج إلى تبسيط يعني وهي أصلاً مصطلحات صعبة؛ فيا تفهمها هكذا، يا يعني لا تحرق الأحداث، فرأيت أن أترك هذه الأمور لمرحلة قادمة بإذن الله -سبحانه وتعالى-.

طيب، القانون الكلي الذي سبق وذكرناه هو قانون اعتمد عليه الأشاعرة لتقديم عقولهم على نصوص الشرع وتحديداً على نصوص الصفات، فقالوا: نحن إذا تعارض العقل والنقل فسنقدم العقل.

  • طيب، لماذا تقدمون العقل ولا تقدمون النقل؟ قالوا لك: نحن عرفنا صحة النقل بالعقل، فإذاً إذا قدمنا النقل فسنطعن في العقل الذي عرف النقل، إذاً سنقدم من بداية سنقدم العقل الذي عرفنا به هذا النقل وهذا الشرع.

وقد بينا بطلان هذا الكلام من عدة أوجه، من كلام شيخ الإسلام في "درء التعارض"، ومن كلام تلميذه ابن القيم من كتاب "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" -رحم الله الشيخين-.

نكمل شرح المتن، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:

(( وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ ))

هنا انتبهوا معي: (( جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ ))؛ هنا لا بد لكي عندما نتكلم عن صفات الله لا بد من نفي وإثبات، لا بد أن ننفي النقائص عن الله -سبحانه وتعالى- ونثبت الكمالات؛ لأن النفي وحده -يعني مثلاً تنفي النقائص وحدها- مجرد النفي لا يقتضي الكمال.

طيب، مجرد النفي لا يقتضي الكمال، ومجرد إثبات الصفات الحسنة لا يقتضي بالضرورة وجود صفات سيئة، فالنفي وحده لا يقتضي الكمال، والإثبات وحده لا يقتضي الكمال، بل لا بد من كلاهم.

النفي والإثبات

النفي مثلاً: هنالك كلام نفيس لابن أبي العز الحنفي -رحمه الله تعالى- في شرحه على الطحاوية، ضرب مثلاً وهو بيت شعري يقول فيه الناظم:

"قُبَيْلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ"

قبيلة هي تصغير لقبيلة: "قُبَيْلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ" لا يغدرون "وَلا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ".

المتأمل في هذا البيت يظن أن الشاعر يمدح هذه القبيلة، يمدحها، ولكن لا هو الآن يذمها.

  • طيب يا عادل، كيف يذمها وهو نفى عنها النقائص؟ كيف يذمها وهو قال: لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس، يعني نفى عنهم الظلم ونفى عنهم الغدر؟

    أقول لك: وهذا ما نبهتك عليه للتو؛ أن النفي وحده لا يقتضي الكمال، لماذا؟ لأنه هو هذه القبيلة التي هجاها الشاعر في هذا البيت نفى عنها الغدر ونفى عنها الظلم؛ لأنها لا تستطيع أن تغدر ولا تستطيع أن تظلم، طيب؟ هي عاجزة عن الغدر وعن الظلم، ومن كان عاجزاً عن فعل النقائص لا يمدح لعدم فعلها، وإنما الذي يمدح هو القادر على فعل النقائص ولا يفعلها، تمام؟

مثلاً عمر -رضي الله عنه- عنده كلام فيما معناه يقول: "ليس الزاهد من ليس لديه ما يزهد فيه"، يعني أنت فقير فقير معدم، لا نستطيع أن نقول عنك زاهد يعني أنت فقير ليس لديك مال، ولكن الزاهد هو الذي عنده مصادر أموال أو ممكن أن تأتيه الأموال ولكنه زهد فيها.

فأنت هذه القبيلة مثلاً لا تستطيع أن تغدر ولا تستطيع أن تظلم فلا تمدح، لذلك أنت إذا قلت: إن الله ليس بظالم، لا بد أن تثبت أن الله عادل، وإلا لكان نفيك للظلم لا يقتضي أن الله عادل، وإنما يجب أن تنفي الظلم وتثبت كمال الضد، كمال ضد الظلم والذي هو العدل، يعني تنفي الظلم وتثبت كمال العدل.

تنفي النوم وتثبت كمال القيومية، وإلى هكذا إلى ما لا نهاية.
طيب، يجب فهم هذه المعاني.

ثانياً: هذا النفي والإثبات مبني على النفي المجمل والإثبات المفصل.
النفي متعلق بالنقائص، والنقائص تنفى إجمالاً، الله ليس ناقصاً مثلاً نقول: الله ليس ناقصاً، ثم يعني لا نفصل نقولها بشكل مجمل، ثم في الإثبات نفصل: الله عادلٌ، الله كريمٌ، الله جميلٌ، الله قدوسٌ، الله سبوحٌ، الله منزهٌ عن كذا ومنزهٌ عن كذا، نفصل في الإثبات ولا نفصل في النفي.

ولكن المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم خصوصاً الجهمية والمعتزلة والفلاسفة يقولون لك: الله ليس جسماً، وليس وليس شيئاً، وليس كذا، وليس كذا، وليس نائماً، وليس مستيقظاً، النفي النفي المفصل هذا أصلاً فيه نقص!

تخيل أن تذهب عند ملك وتقول له مثلاً: أنت لست جباناً، ولست وسخاً، ولست قبيحاً، ولست كذا؛ سيطردك! أما لو قلت له: أنت لست ناقصاً، ولكنك جميل، وقوي، وشجاع، ومهاب... لو أجملت في النفي النقائص وفصلت في إثبات الكمالات، هذا سيكون أفضل وهذا هو الأحسن في مدح الشخص.

إذا كان هذا متعلقاً بالبشر والملوك وغيرهم، فما بالك بملك الملوك -تبارك وتعالى-؟ فهذا هو معنى النفي والإثبات.

يقول المصنف -رحمه الله تعالى-:

(( فَلاَ عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ ))

أي لا محيد، لا محيد.

(( فَلاَ عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ؛ فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
))

طيب، (( وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ )) -أي جملة يقصد؟ يقصد النفي والإثبات- (( مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلاَصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: ))

طيب، هنا مسألة: يقول المصنف -رحمه الله-: السورة التي تعدل ثلث القرآن، يعني مثلاً لو أردت أن تختم القرآن، هل لو قرأت سورة الإخلاص ثلاث مرات هل هذه تعد ختمة؟

يقول أهل العلم: إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الجزاء وليس في الإجزاء.
مثلاً أنت إذا قرأت ثلث القرآن (مثلاً ثلث ثم ثلث ثم ثلث)، إذا قرأت سورة الإخلاص ثلاث مرات، هذا في الجزاء قد يكون ذهب بعض أهل العلم أنها قد تكون مثل ختمة، طيب تمام؟ تمام.
ولكنها لا تجزئك عن الختمة، يعني مثلاً أنت لا تقول: والله أنا لن أختم سأقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات وانتهى الأمر لن يحاسبنا الله على ختمة القرآن الكاملة يعني من الفاتحة إلى الناس، لا! ستأخذ أجر الختمة كاملة إذا قرأت سورة الإخلاص ثلاث مرات لأنها ثلث القرآن نعم ستأخذ أجرك، لكن هذا لا يجزئك من قراءة القرآن كاملاً، تمام؟ تمام.

هذه مسألة فقط مهمة لأن البعض تلتبس عليه الأمور بشان هذه المسألة.

يقول الله -سبحانه وتعالى-:

{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص: 1-4].

طيب، هذه الآية نزلت -هنالك قولان ذكر الطبري القولين في تفسيره-؛ جاء المشركون وقالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: انسب لنا ربك، هل إلهك من ذهب أو من كذا أو من كذا؟ فنزلت هذه الآية: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ }.

صفة الأحدية

سنقف الآن مع صفة الأحدية، سنفهم أو سنعرف ماذا يقول أهل السنة والجماعة في هذه الصفة، وماذا يقول المخالفون لأهل السنة والجماعة.

مفهوم صفة الأحدية أو الوحدانية عند أهل السنة والجماعة يقولون: هي تفرد الله -سبحانه وتعالى- بمعاني الكمال في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.
أي أن الله كامل في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، عفواً ليس كاملاً، متفرد! يعني لا أحد مثله في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، طيب؟

هذه هي معنى الأحدية { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }؛ ليس مثله أحد في ذاته، ولا يستحق أحد الألوهية غيره، ولا أحد يرزق ويدبر ويملك المخلوقات غيره -سبحانه وتعالى-، هذا معنى الأحدية عند أهل السنة والجماعة.

أما الطوائف المبتدعة، المنتسبون للإسلام -سواء كانوا مسلمين مبتدعة أو أهل السنة أو المنتسبين للإسلام من الكفرة ولكنهم انتسبوا للإسلام- اتفقوا على الإقرار -لا نقول إثبات وإنما الإقرار- بأن الله أحد، لكن اختلفوا في المعنى، يعني المبتدعة اختلفوا في معنى صفة الأحدية هذه.

وهذا الاختلاف هو بمثابة الإنكار للصفة، طيب؟ يعني المسألة التي لا تحتمل قولين، الاختلاف فيها إنكار؛ يعني أن تقول خلاف قولي يعني أنت أنكرت المعنى الحقيقي لهذا الكلام.

المتكلمون -عندما نقول المتكلمون يعني الذين اتخذوا علم الكلام وجعلوا علم الكلام صاغوا أو بنوا تبنوا عقائدهم بناءً على علم الكلام- هؤلاء المتكلمون جعلوا صفة الأحدية دليلاً على نفي الصفات! كيف هذا؟

قالوا: الأحد هو غير المركب، الواحد، طيب؟ باعتبار أن صفات الله -سبحانه وتعالى- شيء منفصل عن ذاته.
تابع معي: يعني هم تخيلوا أن الله -سبحانه وتعالى-، هم تخيلوا أنه يوجد ذات ثم بعدها يوجد صفات، ثم تلك الصفات تتركب منها، ثم تلك الذات الغير مركبة من صفات تتركب منها الصفات! هذا هو قول المتكلمين.

يقول الرازي في تفسيره (المجلد الرابع، صفحة 145): "الواحد قد يراد به نفي الكثرة في الذات، وقد يراد به نفي الضد والند".

ركز على "نفي الكثرة في الذات"، نفي الكثرة يقصد بها: نفي الصفات، يقصد الرازي بالكثرة أي نفي صفات الله -سبحانه وتعالى-.

فجعل الجهمي هذا صفة الأحدية دليلاً على نفي الصفات.
يعني يجب أن تفهم أن الأشاعرة والمتكلمين عموماً يفصلون الذات عن الصفات، وهذا التفريق خاطئ كما سنرى بعد قليل.

وهنا تنبيه: هو هنا جعل سورة الإخلاص دليلاً على صحة دليل التركيب عندهم، يعني الأشاعرة عندهم دليل اسمه "دليل التركيب"، يعني إذا كان الله مركباً فهو حادث، والتركيب ما هو؟ يعني الله مركب من صفاته يقولون -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-، إذا كان الله متصفاً بصفات فهو مركب، ثم ذهبوا لسورة الإخلاص وجعلوها دليلاً على صحة دليل التركيب الذي عندهم.

وهنا ينبه لأمر مهم جداً، وهو أن الأشاعرة يتبنون القول الفلسفي ثم يذهبون للنصوص للبحث لليبحثوا له عن شواهد! هم لا ينطلقون من القرآن والسنة لا، هم ينطلقون من عقولهم ثم يذهبون للبحث في الكتاب والسنة عما يعضد ويخدم مذهبهم الفاسد.

رد مذهبهم من خلال عدة أمور:

المسألة الأولى: استدلالهم بقوله -سبحانه وتعالى-: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } على نفي الصفات قائم على مقدمة فاسدة كما سبق وذكرنا، وهي أن صفات الشيء هي غير الشيء؛ هم يتخيلون ذاتاً ثم بعدها يتخيلون أن هذه الذات ستركب من صفات، وهذه المسألة خاطئة.

الصحيح عند العقلاء أن صفات الشيء ليست غيره، وإنما لا يكون الشيء شيئاً إلا بصفات، هنالك تلازم وجودي، تلازم وجودي بين الذات والصفات، الصفات لا تنفك عن الذات، والذات لا تنفك عن الصفات؛ فعندما نقول ذات هي بالضرورة متصفة بصفات معينة، لا تعرف ذات بدون صفات، هذا فقط في الأذهان، أما في الخروج فلا توجد ذات بغير صفات.

فإن كانوا يعتقدون أن الله مجرد معنى -تعالى الله عن ذلك-، وأن الله مجرد معنى ذهني، فنعم جاز أن تكون ذات الله منفصلة عن صفاته، لكن إن كان الله له وجود خارجي -تبارك وتعالى- وله يرى ويسمع وكذا، فلا بد أن تكون له صفات، لا بد أن تكون له صفات.

ثانياً: هذا الاستدلال مخالف للغة القرآن وللغة العرب.
مثلاً القرآن الكريم أو في لغة العرب عموماً لا يقال للمتصف بالصفات إنه واحد وأحد، يقول الله -تبارك وتعالى- عن الوليد بن المغيرة: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } [المدثر: 11]، فوصفت بالوحدانية مع أن الوليد بن المغيرة متصف باليد، ومتصف بالعين، ومتصف بالشعر، ومتصف... يعني بتعبيرهم هم الوليد بن المغيرة مركب! ومع هذا وصفه الله -سبحانه وتعالى- بأنه واحد، فقال: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا }.

فهم حسب قولهم لو كانت الاتصاف بالصفات يعني التركيب فلا ما جاز، يعني لو كان المتصف بالصفات لا يسمى لا يوصف بالوحدانية فهذا، فلا ما صح أن يقول الله -سبحانه وتعالى- عن الوليد بن المغيرة إنه { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا }.

ثانياً: الأشاعرة -نحن الآن هذا الوجه الثالث سنتكلم فيه عن الأشاعرة- من استدل بهذه الآية منهم على نفي التركيب لزمه التناقض؛ لأن الأشاعرة أصلاً ينفون سبع صفات، والأحدية التي يستدلون بها على نفي التركيب وعلى صحة دليل التركيب عندهم لا تخدمهم، لماذا؟ لأن دليل التركيب هذا وصفة الأحدية التي على حسب فهمهم تقتضي نفي الصفات السبع التي يثبتونها!

الصفات السبع هي: له الحياة، والكلام، والبصر، سمع، وإرادة، وعلم، واقتدار، هذه الصفات السبع لزمهم نفيعا، ولكنهم يثبتونها ثم يذهبون لصفة الأحدية يقول لك: الله الواحد أي الغير متصف بالصفات! هذا تناقض، إذاً لزمهم نفي الصفات التي يثبتونها.

صفة الصمدية

طيب، هذا كان بخصوص صفة الأحدية.

ثانياً: صفة الصمدية، { اللَّهُ الصَّمَدُ }. هذه الصفة هي مثل سابقاتها، يعني أقر المبتدعة بها لكنهم اختلفوا في معناها، وهذا الاختلاف مآله إلى الإنكار كما سبق وذكرنا.

أما أهل السنة فلهم في تفسير معنى الصمد سبعة أقوال، لكن السبعة أقوال تلك ليس بينها تعارض فكلها تصب في معنى واحد.

التفاسير المشهورة لصفة الصمد هما تفسيران:

  1. الأول: قولهم: "الذي لا جوف له"، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس، وعن عكرمة، وعن مجاهد، وعن سعيد بن المسيب، وعن الحسن البصري، وعن سعيد بن جبير، وعن الضحاك بن مزاحم، وعن العديد من أئمة التابعين.
    "الذي لا جوف له" يعني ليس لديه جوف يملؤه، هذا قد يكون له معنى حسي ومعنى معنوي، يعني أنت عندك جوف تملؤه بالأكل، عندك جوف تملؤه بالمعاني يعني بالحب، بالاهتمام أو كذا، الله -سبحانه وتعالى- لا يحتاج لهذا لأنه ليس له جوف ليملأه، هذا أولاً.

  2. ثانياً: قال بعض السلف: "الذي يصمد إليه في الحوائج، ويتوجه إليه في الحوائج"، هذا المعنى الثاني.

  3. المعنى الثالث: "الذي لا يأكل ولا يشرب".

  4. المعنى الرابع: "الذي لا يخرج منه شيء".

  5. المعنى الخامس: "الذي لم يلد ولم يولد".

  6. المعنى السادس: "السيد الذي انتهى في سؤدده"، يعني الذي بلغ الغاية في السيادة، السيد الذي انتهى في سيادته.

  7. المعنى السابع والأخير: "الباقي الذي لا يفنى".

وكل هذه التفاسير وكل هذه الأقوال هي من اختلاف التنوع وليست من اختلاف التضاد كما هو الحال مع تفاسير السلف، يعني تجد هذا يقول بقول والثاني يقول بقول، لكن ليس بينهما تضاد وإنما بينهما تنوع، كل هذه الأقوال يمكن الجمع بينها ولا تضاد بينها.

أما الطوائف الأخرى فإنهم أثبتوا كل الأقوال الواردة عن السلف إلا القول المروي عن أكثرهم؛ يعني "الذي لا جوف له"؛ لأنه عندهم يقتضي الجسمية! يعني عندما نقول: "الله لا جوف له" يقتضي الجسمية.

فالمشكلة عندهم أن هذا الأثر مروي عن عدد كبير من التابعين، هذه هي المشكلة.
فمشكلتنا معهم ليست في نسبة معنى فاسد لله -سبحانه وتعالى-، وإنما في إنكارهم لمعنى صحيح، طيب؟ وهذا يلزم منه نسبة الانحراف للسلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم-.

يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:

(( وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ ))

ما هي أعظم آية؟ آية الكرسي.

الكثير من المهونين من شأن الخلاف العقدي، من شأن الأسماء والصفات، من شأن مسائل التوحيد عموماً لا ينتبهون لهذه المعاني.
البعض الذي يتبنى شيخ الإسلام ويتقمص شيخ الإسلام ويقول لك: أنا تيمي! يعني أنا مهتم بتراث شيخ الإسلام، والله هؤلاء تجده لم يقرأ لشيخ الإسلام مثلما قرأت له أنت، ثم يتهمك أنك أنت متشدد وحدادي وبطائخي وهو تيمي! يعني هو ملم بتراث شيخ الإسلام.

شيخ الإسلام لم يكن مميعاً، شيخ الإسلام لم يكن مميعاً، شيخ الإسلام كل تراثه في الرد على المخالفين العقدين، عكسكم أنتم تماماً الذين تريدون تمييع الخلاف! شيخ الإسلام يقول للجهمية يقول لهم: "لو قلت بمقالتكم لكفرت، ولكنكم عندي جهال"، فهم هذه العبارة يستخدمونها في إعذار كل من وقع في التجهم! مع أن شيخ الإسلام يقول لهم: "لو قلت بقولكم لكفرت ولكنكم عندي جهال"، فهو عذرهم، فهم يجعلون العاذر لا يكفر، وهذا خطأ! هذه طامة هذه، الله المستعان.

فيقول: (( وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ ))، لماذا هي أعظم آية؟ لأنها تحتوي على الأسماء والصفات ببساطة: الحي، القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض... إلى غير ذلك.

صفة الحياة

الآن نأتي مع صفة الحياة لله -سبحانه وتعالى-.

الحياة طبعاً لا توجد طائفة لم تثبت الحياة لله -سبحانه وتعالى-، يعني كل الطوائف تثبت هذه الصفة للمولى -عز وجل-.

ذهب البعض -بعض الطوائف- ذهبت بعض الطوائف إلى أن الله متصف بالحياة، لكن هذه الحياة لا تقوم بذاته، وهذا يعني لا داعي لذكره وهي معنى يعني لا يوجد الآن في الساحة من يقول بهذا القول الفج يعني.

أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات صفة الحياة لله:

هنالك أربعة أدلة أساسية:

  1. الدليل الأول: مبدأ عدم اجتماع النقيضين.

    يعني إذا قلنا إن الله -سبحانه- النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، إذا قلنا إن الله -سبحانه وتعالى- لا يتصف بالحياة، فيلزم أن الله -سبحانه وتعالى- يتصف بالموت؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
    طيب، نقيض الحياة ما هو؟ الموت.
    فإذا لم يكن الله حياً فسيأتي نقيض الحياة؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يستطيع أن يكون الله حياً وميتاً في نفس الوقت، ولا يستطيع أن يكون لا حياً ولا ميتاً، فإذا كان حياً لن يكون ميتاً بطبيعة الحال، وإذا كان ميتاً لن يكون حياً.
    وصفة الحياة تقتضي فمبدأ عدم التناقض يقتضي أنه إذا نفينا عن الله صفة الحياة فسنثبت له الموت، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

  2. ثانياً: دليل الكمال.

    عند العقلاء الحي أكمل من الميت، ومن اتصف بصفة الحياة خير ممن لم يتصف بها وأكمل.
    والله -سبحانه وتعالى- الإله هذا أكمل من المخلوقات، فلا بد أن يكون متصفاً بصفة الحياة.

  3. ثالثاً: دليل واهب الكمال.

    أن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي وهب الكمال للخلق، فلا بد أن يكون معطي الشيء عنده؛ يعني أنت عندك مال، أنت عندما تعطي مالاً لا بد أن يكون عندك مال، يعني لا تستطيع أن مفلس الآن ليس في جيبك ولا فلس وتعطي المال، يعني لا تستطيع.
    فالذي يعطي المال لا بد أن يكون له هذا المال، من يعطي الحياة لا بد أن يكون حياً، وهذا هو معنى دليل واهب الكمال: من يعطي الحياة لا بد أن يكون حياً، يعني معطي الحياة لن يكون ميتاً، فهذا يفهم بالضرورة.

  4. ثانياً: مقتضى الربوبية.

    إذا كان هذا الإله رباً يخلق ويرزق ويدبر الأمور وكذا، فلا بد أن يكون حياً، هذا من مقتضيات الربوبية.

صفة القيومية

بعدها صفة القيومية: الحي القيوم.

عند أهل السنة والجماعة ببساطة صفة القيومية هي أن الله -سبحانه وتعالى- قائم بذاته لا يحتاج لمن يقيمه -تبارك وتعالى-، وقائم على غيره.

القيوم هي القائم بذاته لا يحتاج لمن يقيمه، والقائم هو بنفسه على غيره، طيب؟ هو واجب الوجود القائم على الممكنات، طيب؟

أما عند المبتدعة فنفس الشيء مع صفة الأحدية، فجعلوا صفة القيومية والقيام بالذات وقيام الله بنفسه دليلاً على نفي الصفات! وهذا باعتبار قاعدتهم ومقدمتهم الفاسدة بأن صفات الشيء غيره، ويلزمهم كذلك إنكار الصفات التي يثبتونها، وفصلنا في هذه المسألة في صفة الأحدية أن الله -سبحانه وتعالى- أو ذات الله -سبحانه وتعالى- لا تنفك عن الصفات، وأي ذات لا بد أن تكون ملازمة لصفاتها وغيرها من الأمور.

كان هذا كل شيء لهذا الدرس، نواصل في دروس قادمة بإذن الله -سبحانه وتعالى-.

جارٍ التحميل